وعمَّ الإشراك آسيا منذ أقدم أزمنة التاريخ اليهودي، حتى في آل إبراهيم، وثلاثةٌ من
الموجودات الإلهية هي التي أوحت إلى هذا الأب الراعي بهَدْم سَدُوم، وراحيلُ أخذت معها
الأصنام لابَان حين تركت بيت أبيها.
ومما يُبْصَر من قصة إسحاق كذلك، وجودُ القرابين البشرية منذ ذلك الزمن، ودوام
هذه القرابين لدى بني إسرائيل زمنًا طويلًا.
وأسفرت إقامة العبريين بمصر عن قليل أثر في ديانتهم، ومن غير الحق أن أريدت
رؤية ذكرى أبِيس في العجل الذهبي على ما يحتمل.
وكان ذلك العجل، الذي هو رمز الرجولة، منتشرًا في جميع آسيا، وكان ذلك العجل
من أصلٍ كلداني، وكان بنو إسرائيل يعبدون العجول المعدنية بعد خروجهم من مصر
بطويل زمن؛ لارتوائهم من مبادئ ما بين النهرين الدينية، وكان هذا هو الوجه المفضَّل
الذي يرمزون به إلى يَهْوَه.
ومن مصر لم يقتبس بنو إسرائيل سوى جزئيات ظاهرية، أي صدرة الأحبار
وتابوت العهد أو الناووس السهل النقل المشتمل على يَهْوَه في شكل حجرين.
ومما يُذكَر أن فرعون مصر، وهو المساوي للآلهة، هو الذي كان يحق له وحده أن
يفتح الناووس وأن يرى الشِّعار المرهوب الحافل بالأسرار.
وفي اليهودية كان يحق للحَبْر الأعظم وحده أن يدخل مرةً واحدةً في العام الواحد
قُدْسَ الأقداس، حيث تابوت العهد.
والويل كل الويل لمَن يجرؤ على مسِّ ذلك الصُّوَان المقدس؛ فقد أصيب الفلسطينيون
الذين كانوا قد أخذوه معهم بين غنائمهم بشرورٍ مرهوبةٍ لم ينجوا منها إلا بعد أن
أعادوه، واعتقد أحد ضباط داود سقوط ذلك التابوت، فأراد دعمه فمات من فوره.
وكل ما استطاعه بنو إسرائيل هو أنهم اقتصروا على اقتباس تلك الخرافات من
الحضارة المصرية العظيمة، التي هي أسمى من مستواهم بمراحلَ، وبنو إسرائيل كانوا
يتركون تلك الخرافات كلما أشُبِعوا من المعتقدات الآسيوية، وآخِر ذكر لتابوت العهد ورد
في سِفْر إِرْمِيا، فبعد أن تكلم هذا النبي عن انتصار إلهٍ روحانيٍّ واحد بين بني إسرائيل
أضاف إلى ذلك قوله:
لا يعودون يقولون تابوت عهد الرب ولا يخطر لهم ببال، ولا يذكرونه ولا
يفتقدونه ولا يُصنع من بَعْدُ.
وفي وادي الفرات نشأت ديانة بني إسرائيل، أو على الأصح مختلف العبادات التي
مارسها بنو إسرائيل، وذلك بين إقامتهم بفلسطين وعودتهم من إسارة بابل.
حتى إن أسماء آلهتهم تدل على أصلها الأكادي في الغالب.
فكلمة إلوهيم هي جمعٌ لكلمة إِيلَ التي تجيء في كَلْدَة بمعنى الإله الأعلى، وكلمة
بابل فيما بين النهرين تجيء بمعنى باب إيل، كما أن بيتَ إيلَ تجيء في اليهودية بمعنى
منزل إيل.
والمكان الذي قاتل يعقوبُ الربَّ فيه سُمِّي فَنُوئيل، وتسمَّى هذا الراعي فيما بعدُ
باسم إسرائيل - الذي هو أقرب من إيل.
وليست الإلهة الكبرى الشهوانية عَشِيرا أو عَشْتَرُوت التي كان العبريون يعبدونها في
الأماكن العليا بين الغِيَاض، والتي كانوا يأتون بالدعارات المقدسة تكريمًا لها، إلا زهراء
» فِينُوس «بابل عَشْتار.
وليسبَعْلٌ الذي جعله بنو إسرائيل منافسًا ليَهْوَه، والذي اختلط به نهاية الأمر، بَعْلَ
كَلْدَة، وإنما انحدر منه على وجه غير مباشر، أي بعد أن جاوَزَ فنيقية؛ حيث استعاره
العبريون.
وإذا عَدْوَت دائرة الأسماء التي هي أمرٌ ظاهريٌّ إلى الغاية، وجدت أساس الدين
يدل على أية دائرةٍ من الأساطير صدرت عنها معتقدات اليهود.
فمَن ينظر إلى نظام الكون البابلي القديم، الذي وُجِد في الكتابات المسمارية، والذي
هو أقدم من تاريخ التوراة بعدة قرون، يُبصِر مشابهته للكونية التي وردت في سِفْر
التكوين، والتي ليست غير نسخة بسيطة عنه.