ولم تكن مجاوَرَة البحر هي التي جعلت امتلاك فلسطين أمرًا نافعًا، ولا خصب
فلسطين وحده هو الذي كان عظيمًا عندما كانت ذات غابٍ لم تُقْطَع تمامًا كما في أيامنا،
وإنما كانت فلسطين إحدى طرق العالم القديم الرئيسة كبابل، ولكن على درجة أقل من
درجة بابل، فكان يتألَّف من أوديتها الضيقة الطريق البرية الوحيدة بين مركزَيْ حضارة
العالم الكبيرين، بين العراق ومصر، فيتصل أحد هذين المركزين بالآخَر بتلك الطريق،
فيتبادَلان بها محصولاتهما أيام السلم، ويسوقان بها جيوشهما أيام الحرب.
وكانت» مَجِدُّو «مفتاح تلك الأودية في الجنوب، وكانت «قادش» مفتاحها في الشمال،
وأعارت تانك المدينتان من اسميهما كثيرًا من المعارك المشهورة الدامية.
ولم يكن ذلك الوضع المتوسط غير ذي تهلكة، فأمة إسرائيل الصغيرة إذ قامت بين
نِينَوَى المرهوبة ومصر القوية، وكانت تستند إلى إحداهما لمقاومة الأخرى، كانت تشترك
في الصراع في الغالب فتُسْحَق فيه نهائيٍّا.
ولكن القوافل المثقلة بالنسائج والحلي والتِّبْر والعاج المُشذَّب كانت تجوب فلسطين
بلا انقطاع في فواصل الحروب، فلا يَدَعِ الإسرائيلي، الماهر في التجارة في كل زمن والطامع
في الربح، تلك الثروات تجاوز أرضه من غير أن يحتفظ بشيءٍ منها لنفسه.
وحق المجاورة هو مصدر الرخاء الرئيس الذي كان ينمو في الغالب وبسرعة في
اليهودية، وكان منبع الزرابيِّ الجميلة والنُّسُج الثمينة والثياب الزاهية والحُليِّ اللامعة
والمرصوفة الحجارة، التي كانت تستهوي أبناء يعقوبَ على الدوام، فيرفع الأنبياء عقيرتهم
ضدها، هو ذلك الوضع المتوسط وأولئك السماسرة اليهود الذين غدوا مدينين لموقع البلد
الذي سكنوه.
وروح اليهود التجارية التي هي آية قومهم الكبرى نشأت، أو اشتدت على الأقل،
بالدور الذي كان عليهم أن يمثِّلوه في القرون الخالية بين آسيا ووادي النيل، وبمشاهدتهم
القوافل الكثيرة تمر من طرقهم ناقلةً من بقعة إلى أخرى نفائسَ الحضارتين اللتين كانَتَا
أرقى حضارات العالم وألطفها.
ثم إن فلسطين، كإقليم وكإنتاج، كانت من البقاع المفضَّلة في آسيا الغابرة، فهي إذ
كانت مستورة بفروع لُبْنَان بدت جامعة لجميع الفصول ولمحاصيل البقاع الأخرى بفضل
اختلاف مرتفعاتها.
وفيما كنت ترى تحت ذُرَى الثلج اللامعة منحدرات مغطَّاة بالغاب والمراعي، كنت
تشاهِد في السهول حقولًا خصيبةً منبتة للكتان والشعير والبُرِّ.
وخصب فلسطين في القرون القديمة كان مشهورًا؛ فقد بهرت العبريين عندما خرجوا
من جزيرة سيناء الجديبة، وكان روَّادهم يأتونهم بما يثير الحماسة من وصف لتلك البقعة
«التي تجري فيها جداولُ من لبن وعسل» ،فيرونهم نماذج من أثمارها اللذيذة، وقطوف
عنبها العظيمة التي لا يستطيع الرجل الواحد أن يحمل واحدًا منها.
وكان يتألف من شجر العنب والتين والزيتون أهم مصادر ثروة البلاد، فأكثرت
التوراة من ذكرها.
وكانت جميع الأشجار المثمرة تَنْبُت في المنحدرات الكثيرة المتموجة في كل ناحية من
نواحي البلاد الممتدة بين بلد الجليل الباسم وشواطئ البحر الميت.
واليوم أسْفَر قَطْعُ الغاب وإهمال الإدارة الإسلامية «العثمانية» وهَوْل الأعراب النهابين
عن امتداد رمال الصحراء إلى الأراضي، ودخول رخاء الماضي في عِدَاد الذكريات، مع أن
يد الإنسان في القرون القديمة كانت تُغني عن بخل الطبيعة في تلك الأماكن، فكان الري
المصنوع يَمُنُّ على الأرض بما تعطي به ما لا تعطيه لعدم الماء، فكانت جميع فلسطين
تقريبًا تُشابِه بطرائها وخصبها، الواحاتِ الساحرةَ التي لا تزال تنشأ على ضفاف السيول
المتوجِّهة متدحرجةً نحو البحر الميت أو نحو البحر المتوسط.
وعرف بنو إسرائيل أن يستفيدوا من تلك البقعة السعيدة، وكان بنو إسرائيل زُرَّاعًا
ماهرين، وبنو إسرائيل لم يحذقوا شيئًا غير هذا، وهم إذ كانوا عاطلين من أي فنٍّ ومن أي
علمٍ ومن أية صناعة، وهم إذ لم يزاوِلوا التجارة إلا كوسطاء، وجَّهوا عنايتهم إلى حقولهم
وإلى مواشيهم.