الصفحة 16 من 41

أجل، فُتِح بعض الضياع عنوةً، ويفسِّر انقسامُ العشائر الكنعانية الكبير حقيقةَ

النجاح الذي ناله بنو إسرائيل القليلو الذوق والضعيفو الأهلية للحرب والسيئو السلاح،

غير أن استقرار العبريين بفلسطين تمَّ بالتدريج على ما نرى، فالعبريون قَضَوْا زمنًا طويلًا

ليكون لهم سلطان ضئيل في فلسطين لا أن يكونوا سادتها.

والعبريون إذ كانوا منقسمين كالكنعانيين إلى عدة عشائر تسمَّى أهمها بأبناء يعقوب

رمزًا إلى الأسباط، فلم يتفقوا فيها بينهم حتى على إكمال الفتح.

ومضى جميع دور القضاة الذي عُدَّ دور بطولة العبريين التاريخي في القتال الجزئي

بجماعات صغيرة؛ وذلك بأن تدافِع كل جماعة بمشقة عمَّا استولت عليه من قطعة أرض.

وذلك النوع من القتال بين الزرَّاع الرعاة وبين الحَضَريين والبدويين مما هو معروف

جيدًا، وهو لا يزال يحدث اليوم في سورية والجزائر وفي كل مكان تتجلَّى فيه طبائع

الساميين التي لم يقدر الزمن على تغييرها.

وما يقع أحيانًا أن يكتفي البدوي بغزو البلاد الزراعية، فإذا ما أنزل ضربته وحمَّلَ

خيله وجماله ما غنمه لاذَ بالفرار وأوغل في الصحراء وتوارى فيها، ولكن الذي يقع في

الغالب هو أن يميل إلى حياة الزرَّاع المطمئنة المنتظمة، فينساب بينهم ويقيم عندهم قهرًا،

فإذا مضى دور الخصام رضِيَ به جيرانه واختلط بهم.

ولم يكن غير ذلك غزو بني إسرائيل لفلسطين، وذلك مع الفارق القائل إن عدد

بني إسرائيل واحتياجاتهم وبؤسهم في مصر وحرمانهم الهائل في التيه مما جَمَع بينهم

وأقنطهم، فصاروا كقطيع من الذئاب الهزيلة التي دفعها الجوع إلى الاقتراب حتى من

المدن.

ثم خروج بني إسرائيل قبل الميلاد بنحو خمسة عشر قرنًا تقريبًا، وهم لم يفكِّروا في

تأليف أمةٍ واحدةٍ منهم ونَصْبِ ملكٍ عليهم، إلا في أوائل القرن الحادي عشر قبل الميلاد.

والواقع أن فتح فلسطين في عهد شاول كان بعيدًا من التمام، وفي فلسطين كان يعيش

اليَبُوسِيُّون والعَصْمُونيُّون وطائفةٌ من الأمم الصغيرة بجانب بني إسرائيل، وكان السلطان

في فلسطين للفلسطينيين، والعِرق الوحيد الذي هو آريٌّ على ما يحتمل، فاجتمعت الأسباط

تحت لواء زعيم واحد للمرة الأولى منذ دخول بلاد كنعان؛ وذلك لكيلا لا تُسحَق.

والحق أنك لا تجد قاضيًا استطاع أن يبسُط سلطانه على جميع بني إسرائيل، فكل

واحدٍ من هؤلاء الحكام أو الشيوخ كان يتسلَّم قيادة زمرة واحدة، عندما تُهدَّد هذه الزمرة

تهديدًا مباشِرًا، وهو إذا ما كُتِبَ له النصر لم يحتفظ حتى بتلك القيادة.

وقد استمرَّ الأمر على هذه الصورة، أي من غير تبديل، مدة أربعة قرون.

وحوادث تافهة كتلك لا يُعنَى بها التاريخ، والتاريخ إذا عُني بها كان ذلك لأسباب

مستقلةٍ عن أهميتها، ومن ذلك أن حصار عصابة من البرابرة لمدينة تِرْوادة الصغيرة

واستيلاءهم عليها قبل الميلاد باثني عشر قرنًا، مما غدا حادثًا ذا بالٍ في تاريخ العالَم؛ لأن

أوُميرُس تغنَّى به، لا من أجل نتائجه.

ثم أنعم سراب الخيال النصراني بعظمةٍ أكبر من تلك على منازعاتٍ هزيلةٍ كانت تقع

منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، بين عشائر صغيرة من البدويين النهَّابين في سبيل وادٍ يكون

خصيبًا بأحد الجداول.

وما أتى به مؤرخو اليهود من تدوين لتلك الحوادث عقب وقوعها مع تجسيم عظيم،

هو دون ما صنعته الكنيسة النصرانية بعد ذلك.

ومَن يقرأ سِفْر صموئيل وسِفْر القضاة بشيء من روح النقد، يُبصِر دور العَنَتِ الذي

جاوزه بنو إسرائيل في استقرارهم بفلسطين، غير أن هذه الأقاصيص نفسها إذا ما نُظِر

إليها من خلال أبخرة الحماسة الدينية، ألقت في النفوس وهمًا قائلًا إن ذلك الفتح ساطعٌ

مُعجِز.

وبِشاوُلَ بدأ بنو إسرائيل يؤلِّفون أمةً، فاستحقوا أن تُفتَح لهم صفحةٌ صغيرةٌ عن

التاريخ الحقيقي الذي كان لهم في العالم.

أنقذهم ملكهم الأول ذلك من هَوْلِ الفلسطينيين الدائم، بأن أنزل على هؤلاء الأجانب

ضرباتٍ هائلةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت