الصفحة 19 من 41

والواقع أن استقلال اليهود لم يكن غير اسمي بعد ذلك، وما فتئ الفُرْس والأغارقة

والرومان يُبسطون سلطانهم المرهوب بالتتابع على تلك المملكة الهزيلة، فتتميز هذه

المملكة غيظًا من هذا الاستعباد المتصل، فلا تجد ما تتعزى به عن عجزها سوى إلقاء

فارغ الخُطب.

وما كانت الأحلام العظيمة التي صدرت عن أنبيائها - وهم الذين لم يستطيعوا أن

يمنُّوا عليها بالوطنية ولا بالنشاط ولا بالركون إلى مصيرها - لتؤدي إلى غير إسكارها في

خِزْيها وبؤسها، وإلى غير زيادة انتفاخها كأمة سُحِقت ودُقت.

والشعب اليهودي إذ كان على جانبٍ كبيرٍ من الجُبْن العميق، عاد لا ينتظر نهوضه

بغير معجزة، وذلك على الرغم من إبدائه شيئًا من اندفاعات البطولة في دور القضاة وعهد

داود وحين مقاتلته اليائسة لبابل، وأوجب تفسير أسفار كَتَبَتِه الوطنيين والدينيين امتلاءه

أوهامًا عجيبة، وحيَّرت لهجته الفارغة دولة روما العظمى نفسها، فاقتصرت على احتقاره

مع أنها كانت تعلم قدرتها على سحق وَكْر المتعصبين المشاغبين ذلك عند الضرورة، ولم

تُعتم فوضى ذلك الشعب الصغير المزعج وفساده وضوضاؤه أن استنفد صبر تلك الدولة

العظمى، فعزمت على إبادته لكيلا تسمع حديثًا عنه.

ففي سنة 70 من الميلاد استولى تِيطُسُ على أورشليم وجعلها طُعمةً للنيران، وبدئ

بتشتيت شمل اليهود.

ولكن ذلك الشعب المتعصب فيما كان يخرج من صف الأمم، وفيما كانت تذهب

ريحه، وفيما كان يُهد في طريق العالم حتى يُداس بازدراء تحت أقدام الشعوب في قرون

كثيرة، وفيما كان يقضي تلك الدقيقة الحرجة من حياته فتلوح أنها آخِر دقائقه؛ إذ ظهر

منه ذلك المتهوس الشهير الذي سيسود اسمه الغرب نحو ألفَيْ سنة؛ إذ ظهر منه عاملٌ

جليليٌّ غامض الأمر؛ ليكون الإله المرهوب لدى أمدن شعوب الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت