الصفحة 9 من 41

إحدى الأمم، فإنه لا ينتقل من شعبٍ إلى آخَر من غير أن يتغيَّر، وأن الهندوس والصينيين

والترك مثلًا، إذا أمكنهم أن يعتنقوا دينًا ذا اسم واحد كالإسلام، فإن هذا الدين بانتقاله

من شعبٍ إلى آخَر يعاني من التحول العميق، مثل ما تعانيه الفنون واللغة والنُّظُم؛ وذلك

ليناسب مشاعر الأمم التي انتحلته، وفي ذلك الحين يُنظَر بتلك العين، لا ريب، إلى الزنديق

المعاصر الذي يقتصر علمه على عمله السهل في بيان النواحي الصبيانية من كل دين،

وإلى المؤمن المعاصر ذي البصيرة النيرة في الموضوعات العلمية الذي ينحني أمام الخرافات

الصبيانية. أجل، إن الإنكار سهلٌ كالتصديق، ولكن الذي يُطالَب به كاتب المستقبل هو أن

يَفْهَمَ ويفسِّر على الخصوص، وستغيب إلى الأبد الأزمنة التي يرى المؤرخ فيها اضطراره

إلى المحاكمة وإلى الحَنَقِ، فهنالك لا يكون التاريخ من صنع الأديب، بل من صنع العالِم.

وسيختلف تاريخ اليهود والأديان التي صدرت عنهم عن التاريخ الذي لا يزال

مدوَّنًا في الكتب اختلافًا كبيرًا لا ريب، وبيان الأمر أن مؤسِّس النصرانية، كما صنعته

القصة، كان أقل الساميين ساميَّة، فلم يكن من غير سببٍ أن كُفِرَ به وأن صُلِبَ، وأن هذا

المتهوس الكبير مَثَّل في التاريخ دورًا كان يتعذَّر عليه أن يبصره، فأوجبت أحوالٌ مستقلةٌ

عنه حاملة لاسمه ظهورَ آمال للعالَم عندما لاح نجمه، وليس في الإحسان العظيم العام

كما قام عليهما مذهب بُدَّهَة «بوذا» ، والتشاؤم القاتم اللذَيْنِ قام عليهما مذهبه في البداءة

قبله بخمسمائة سنة، شيءٌ من السامية، فما كان لمبادئ كهذه أن يتمثلها ذلك الشعب

اليهودي الصغير المتعصب الأناني الصلف المغرور المفترس، وإنما نبتت هذه المبادئ على

مبدأ التوحيد المحلي الذي مالت إليه، على الدوام، روحُ الساميين - من أنصاف البرابرة

كاليهود والعرب 1 - الفطرية الخاثرة.

ولما يحل الوقت الذي ترسم فيه يدُ الإنصاف تكوينَ تلك المعتقدات الكبرى، ولا يكاد

فجر ذلك الزمن يلوح، ولا يزال المؤمنون والملحدون يُقيمون بدوائر من التصديق أو

الجحود على غير برهان، ولا يزال الرجل المعاصر يئنُّ تحت عبء الوراثة الثقيل، ولا تزال

متماسكة المؤثرات الإرثية التي حَصَرَتْ نفوس الغرب في قوالب منذ ألفَيْ سنة، وإن أخذت

هذه المؤثرات تنحلُّ؛ فقد ترك الماضي في نفوسنا آثارًا يجب أن تمر عليها أمواج الزمان

غير مرة حتى تمحوها.

وعلى ما تراه من نشوء المذهب العقلي الحديث الذي لا يكاد يتفتح فوق أرض أوروبا،

لم تزل أوروبا نصرانيةً إلى درجة لا يدركها الباحثون الواقفون عند حد الظواهر، وما

يصدر عن حرية الفكر من مفاجآتٍ يُثبِت وحده، بما يوجبه من مقاومة، عُمْقَ الأسس

النصرانية التي لم تنفك مجتمعاتنا تقوم عليها.

نعم، إن الشعب اليهودي لم يكن غير ذي نصيبٍ ضئيلٍ جدٍّا في شَيْد ذلك البناء

القديم، غير أن القرون بلغت من تجسيم شأنه الظاهر ما لا تُبصر معه سوى أناس

قليلين، حتى بين أشد الناس ارتيابًا، تحرَّروا من سلطان الماضي فاستطاعوا أن يضعوا

بني إسرائيل في مكانهم الصحيح.

وقد يُشكُّ في شدة وطأة الماضي علينا ما يُرى أقل مفكِّرينا سذاجةً، كمسيو رينان،

يكتبون مثل الأسطر الآتية في أمر اليهود، قال رينان: «لا يجد صاحب الروح الفلسفية،

أي الذي يبالي بالأصول، غير ثلاثة تواريخ ذات نفعٍ من الطراز الأول في ماضي البشرية،

وهي: تاريخ اليونان، وتاريخ بني إسرائيل، وتاريخ الرومان، فمن هذه التواريخ الثلاثة

يتألَّف ما يمكن تسميته بتاريخ الحضارة، ما دامت الحضارة نتيجة تعاوُنٍ متعاقِب بين

بلاد اليونان واليهودية وروما.»

1 قصد المؤلف بالعرب هنا أعراب العرب، أو العرب في العصر الإسرائيلي أو الجاهلي على الأكثر، كما يشهد

بذلك كتابه «حضارة العرب» العظيم الخالد الذي شهد فيه بأن العرب ضربوا بسهم كبير في الحضارة،

فمدَّنوا أوروبا علمًا وأدبًا وأخلاقًا وتسامحًا ... إلخ. وقد نقلنا هذا الكتاب الجليل إلى العربية فطُبِع للمرة

الثانية سنة 1948. (المترجم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت