فإنه مما لا شك فيه أن فرعون لم ينطق بهذه الكلمات العربية وإنما الذى نطق به هو ما تحمله هذه الكلمات من معنى وكذلك كل ما نطق به الأنبياء وأقوامهم.
وأكثر من هذا الجماد والحشرات والطير ينطقها القرآن الكريم بهذا اللسان العربي المبين قال تعالى:"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" [1] .
وقال تعالى:"حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" [2] ، والهدهد يقول لسيدنا سليمان:"أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ" [3] .
والذى يجب أن يعلم في هذا أن القرآن الكريم في قصصه يحكي مقولات المتحاورين والمجادلين والناطقين في الحدث الذى يقصه - يحيكها - كما هي في مضمونها ومفهومها، وإن جاءت بلسان غير لسانهم وبلغة غير لغتهم فالقرآن إذ يحكي عن قوم كانوا يتكلمون بالسريانية - مثلا - وينقل أقوالهم ومجادلاتهم فإنه يعرب عن معاني ألفاظهم ومضامين كلامهم باللغة العربية في ترجمة أمينة صادقة، كاملة لا نقص فيها ولا زيادة. وهى ترجمة دقيقة لا تحريف فيها ولا تبديل، لأنها من خالق اللغات ومن العليم بدقائق الكون وأسرار الكائنات.
(1) سورة فصلت: آية 11.
(2) سورة النمل: آية 18.
(3) سورة النمل: آية 32، 33، 34.