الصفحة 14 من 15

وهذا القول الأخير هو الصواب، لأنه على القول بأن صد لازمة، فإن ذلك يكون تكرارا مع قوله: {كَفَرُوا} لأن الكفر هو أعظم أنواع الصدود عن سبيل الله.

وأما على القول: بأن صد متعدية فلا تكرار لأن المعنى أنهم ضالون في أنفسهم، مضلون لغيرهم بصدهم إياهم عن سبيل الله، وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ} [النحل:97] ، أن اللفظ إذا دار بين التأكيد والتأسيس وجب حمله على التأسيس، إلا بدليل يجب الرجوع إليه) [1]

ويقول أيضًا في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جنة والأيمان جمع يمين، وهي الحلف، والجنة هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع السلاح، والمعنى أنهم جعلوا الإيمان الكاذبة، وهي حلفهم للمسلمين أنهم معهم وأنهم مخلصون في باطن الأمر، ترسا لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم لو صرحوا بكفرهم، وقوله تعالى {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الظاهر أنه من صد المتعدية، وأن المفعول محذوف أي فصدوا غيرهم ممن أطاعهم لأن صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، كما أوضحناه مرارا) [2]

(1) أضواء البيان 7/ 244

(2) أضواء البيان 7/ 553

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت