الصفحة 10 من 39

والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر.

فلما رأى أولياء الأمور ذلك وأنّ النّاس لا يستقيم لهم أمرهم إلاّ بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًّا طويلًا وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك ... " [1] .

ويؤكد على تلك الحقيقة فيقول: " ... فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأنّ النّاس لا يستقيم أمرهم إلاّ بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه ... " [2] .

وكل ما سبق من أخطار للسياسة على الشريعة إنّما كان من ناس يقرون الشرع ويعملون به، وهم الذين يعنيهم ابن القيم فما بالنا بمن بدل الشريعة بالقوانين الكافرة.

وقد مر آنفا في موقف الشياطين من ملك سليمان زعمهم أنّه كان قائمًا بالسحر.

ومن خلال استقراء حرب الجاهلية على الشريعة يمكننا أن نقول أنّ الحرب على الشريعة تأخذ بعدين:

أحدهما: تاريخي يتجهون فيه إلى تاريخ المسلمين وخاصة الأيّام التي طبقت فيها الشريعة.

والثاني: واقعي ويعنون فيه بما يحدث اليوم على أرض الواقع.

فتجدهم يعمدون إلى تشويه التجارب التاريخية للفترات التي تم فيها الحكم بما أنزل الله، يصورونها بأنّها فترات فتن واقتتال واستبداد، ابتداءً من فتنة علي ومعاوية ومرورا بالخلافة العثمانية وإلى قيام الساعة، حتى أنّ كتابًا دراسيًّا واحدا يدرَّس فيه للتلاميذ "مساوئ الحكم العثماني"!!! و"النتائج الإيجابية للحملة الفرنسية"!!! ..

(1) الطرق الحكمية، ابن قيم الجوزية (4/ 373) .

(2) إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية (1/ 18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت