الصفحة 9 من 39

أمّا الملخص: ففيه أنّ السحر انتشر في عهد سليمان وكتبوا فيه كتبًا، فجمعها سليمان حتى يمنعهم منها، ودفنها تحت كرسيه وهو المكان الذي لا تستطيع الشياطين الاقتراب منه، فلما مات سليمان دلت الشياطينُ النّاسَ على هذه الكتب، فاستخرجوها من تحت الكرسي وأشاعوا أنّ سليمان كان يحكم الجن والإنس بها، واتهموا سليمان بالسحر.

فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وذكر نبي الله سليمان قالت اليهود: إنّ سليمان كان ساحرا، فنزل قول الله ردا عليهم: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 102] [1] . ممّا يدل على الحساسية الجاهلية الشديدة تجاه الشريعة الإسلامية، ومن هنا كانت الحرب على الشريعة.

المضمون العقدي هو أول الأهداف

كان أول ما تواجهه الجاهلية في هذه الحرب هو مفاهيم الشريعة وتصوراتها باعتبار أنّ الأفعال لازم من لوازم المفاهيم والتصورات "المضمون العقدي"، ومن هنا كانت محاولة فصل الشريعة عن هذا المضمون من خلال معركة المصطلحات الرامية إلى تفريغ التصور الإسلامي من مضمونه العقدي الصحيح، فيتحول مصطلح "الحاكمية" وهو المصطلح الشرعي الصحيح إلى مصطلح "تقنين الشريعة" الذي تحول بدوره إلى "تنقية القوانين".

كما كانت السياسة أوسع الثغرات في الحرب على الشريعة، يقول ابن القيم: "وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرَّط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوا مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنّه مطابق للواقع ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنّها لم تنافِ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم.

(1) تفسير ابن كثير (1/ 136) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت