وفي هذا الإطار يأتي ذكر الأمثلة التي جاء أصحابها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون إقامة حد الرجم عليهم، مثل ماعز والغامدية، اللذان طلبا بإصرار شديد أن يقام عليهما الحد ..
لم يكن موقفا انفعاليا أو متحمسا .. إنه الرجم ..
لم يكن موقفا عابرا .. لأنه الإصرار بعد أن راجعهم رسول الله عدة مرات، بل وكان يقول للمرأة كل مرة سببا يجعلها تغيب شهور .. حتى تضع .. حتى ترضع .. حتى تفطم .. ولكنها في النهاية تأتيه ومع ابنها كسرة خبز .. !!
مواقف لا يمكن أن يكون إحساس المسلم بإقامة الشريعة بعيدا عنها ..
ولكن القضية لاتقف عند حد الإحساس بل إنها تستوعب كيان صاحب الإحساس ذاته من خلال التوافق بين الشريعة الإسلامية والطبيعة الإنسانية،
ومن قول الله عز وجل (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) نفهم حقيقة هذا التوافق حيث أن هذه الصيغة القرآنية لم ترد إلا في ثلاث مواضع:
- (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم:30)
- (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:40)
- (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:36)
وفي المواضع الثلاثة يتوافق معنى الفطرة في الإنسان: (فِطْرَتَ اللَّهِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) ، مع الفطرة في الحكم: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) ، مع الفطرة في الكون والنظام الكوني (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) .
وقد أجمع المفسرون في تفسيرهم لهذه الآية: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)