الصفحة 36 من 39

(الروم:30) على توافق معنى الفطرة الإنسانية مع الشريعة، فقال الإمام ابن كثير: «يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازمْ فطرتَك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره، كما تقدم عند قوله تعالى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ، وفي الحديث:"إني خلقت عبادي حُنَفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم"» .

وجمع الإمام القرطبي هذه الأقوال فقال: «معنى ذلك: فطر الله الناس ذلك فطرة. وقيل: معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناس له .. وسميت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له، قال جل وعز: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} » .

لا تبديل لخلق الله: أي لا تعملوا على تغيير تلك القابلية للإيمان والتوحيد، بل حافظوا على الشريعة بالتفريق بين متشابهاتها، وسبر أحوال البشر، والتعرض بالأفهام زمانًا لتصاريف الشريعة، وتوسم مراميها، وغاياتها والعصمة بوازع الحق عن الميل مع الأهواء.

وقوله تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة، وهي صنعة الله التي خلق الناس عليها، وهي: الإسلام [1] .

جاء في المعجم:"القيم: السيد وسائس الأمر .. وقيم القوم الذي يقوم بشأنهم ويسوس أمرهم، وأمر قيم مستقيم" [2] .

فيصبح معنى"القَيِّم"من ناحية الإنسان: هو خلق الإنسان وفقا لمقتضيات الشريعة ..

ومن ناحية الشريعة: هو سياسة أمر الإنسان وفقا لفطرته.

وبالتوافق بين الفطرة الإنسانية والشريعة تمتد النصوص القرآنية به امتدادا كونيا يثبت توافق الفطرة الكونية مع الحاكمية في قول الله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:36)

(1) تفسير ابن كثير - (6/ 316) .

(2) المعجم الوسيط - (2/ 768) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت