وزوال حاسة الصواب لم يحدث فجأة؛ إنما كان بطول الأمد حتى يبلغ مداه آخر الزمان بأن يكون الناس: (شَرٌّ من الحُمُر يَتَسَافَدُون كما تَتَسَافَد البهائم، وليس فيهم رَجُلٌ يقول مَهْ مَهْ) [1] يعني وليس فيهم من يتساءل مجرد تساؤل ما الذي يحدث .. !
ووصول الناس في آخر الزمان الى هذه المرحلة لن يكون فجأة ولكنه سيكون بطل الأمد فيتغير الناس مع كل أحداث الأمة إبتداءا بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث بدأت أول العوارض النفسية الطارئة على الأمة:
عن أنس قال: (لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، أَوْ مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، قَالَ: وَإِنَا لَفِي دَفْنِهِ مَا رَفَعْنَا أَيْدِينَا عَنْ دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا) [2] .
قال التوربشتي:"يريد أنهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه من الصفاء والألفة لانقطاع مادة الوحي وفقدان ما كان يمدهم من الرسول صلى الله عليه وسلم من التأييد والتعليم ولم يرد أنهم لم يجدوها على ما كانت عليه من التصديق".
ومن هنا كان تَغَيُّر الإنسان المسلم هو البداية ..
ويستمر التغير مع الشعور به حتى يفقد المسلم هذا الشعور
لذلك لا تترك الجاهلية المسلم لنفسه ليشعر بمأساة حياته بعيدا عن شرع الله، فتسعى لإفقاده الغيرة على عرضه ودينه حتى لا يثور شعوره لغياب شريعته ..
ومن هنا يكون إعادة الشعور بغياب الشريعة من أهم الواجبات
ويبقى واجب المواجهة والسعي لإعادة الشريعة الى موقع السلطة في حياتنا .. ودائما يكون هناك ما يمكن عمله في كل الظروف والأحوال ..
وغياب الشريعة من واقع الحياة، ثم غياب الإحساس بآثار تنحية الشريعة، ثم غياب الحديث عن الشريعة بعد تغييبها عن الواقع والإحساس ... يتطلب جهد عظيم
(1) أخرجه ابن عساكر (64/ 267) . وأبو نعيم في الحلية (5/ 192) .
(2) أخرجه الترمذي في المناقب (3:8) وابن ماجة في الجنائز (65:5) ، وصححه الألباني.