(من دُرَرِ أقوال المحتضرين لحظة الاحتضار)
هآنذا أنقل لك كلام المحتضرين لتعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك مدى حقارة الدنيا وزوالها وأنها ظلُ زائر وخيال حائر وأن إقبالها خديعة وإدبارها فجيعة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها، حالها انتقال وسكونها زوال، غَرَّارَةٌ خَدُوع مُعْطِيَةٌ مَنُوع نزوع، فاسمع مقالتهم فيها عند حضور الموت وهم الذين ملكوا الدنيا بأسرها، وتأمل في قولهم بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
ولا بأس أخي الكريم، أن أذكر لك بعض لطائف المحتضرين، ممن فتح الله عليهم لحظة الموت بالثبات واليقين وختم لهم بصالح الأعمال جزاء على ما قدموا في حياتهم من الطاعات والقربات.
[*] روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن البهي قال: «لما احتضر أبو بكر، جاءت عائشة فتمثلت بهذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق به الصدر
فكشف عن وجهه فقال: ليس كذاك، ولكن قولي: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: 19] ) ، انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت»
[*] روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مالك بن مغول، سمع أبا السفر قال: دخلوا على أبي بكر في مرضه فقالوا: يا خليفة رسول الله، ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ قال: «قد نظر إلي، قالوا: ما قال؟ قال: إني فعال لما أريد»
[*] روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن عمر، قال: كان رأس عمر في حجري في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: «ضع خدي على الأرض، فقلت: وما كان عليك كان في حجري أو على الأرض؟ فقال: ضعه لا أم لك، فوضعته، فقال: ويلي، ويل لأمي إن لم يرحمني ربي»
[*] روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحسن، أن عمر، لما حضرته الوفاة قال: «لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من هول المطلع»
[*] روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عمرو بن دينار، قال: قال لي عمر بن الخطاب حين حضره الموت: «لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت بها من النار، وإن لم أرها»