-صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ الخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ كَفَأَتْهَا، فَإِذَا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ بِالْبَلاَءِ، وَالفَاجِرُ كَالأَرْزَةِ، صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً، حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ» [1]
فالمؤمن لا تكسره الابتلاءات والمحن وإن بدت أنها قضت عليه وانتهى، بل هي تميله مع بقائه على أصله، وأما الكافر فإن عذاب الله تعالى في الدنيا يقضي عليه ويزيله، وهذا الأمر لو أخذته على فهم السنة الإلهية الكونية في الخلق لرأيته ينطبق تمام الانطباق لا يُخرم أبدًا، فكم من أمة كافرة عظيمة القوة والسلطان مرت على هذه الأمة، فهل ترى لهم اليوم ذكرًا أو وجودا؟؟ لا، بل ذهبوا وبادوا وصهرتهم الأمة حتى لو طال زمانهم في أرضنا، وبقيت هذه الأمة عصية على الافناء والدمار والزوال، وكان أشد ما أصابها هو تبديلها لدينها في محنة التغريب الأخيرة حيث حلت فينا قيم الجاهلية، وخرجت طوائف من هذه الأمة تلحق بالمشركين، ولكن بفضل الله ها هي جموعٌ من الأمة تعود لدينها، بل ودينها الصحيح الذي تعرفه من خلال توحيد الله تعالى والبراءة من المشركين.
وإن سبب هذا الأخذ الشديد إنما هو الظلم، فالظلم هو سلطان الله تعالى بلحوق العذاب على القرى، وهو أسرع ما يأتي بالنقمة، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] [2]
وإن من مكر الله تعالى بهؤلاء أن يأخذهم وهم في أوج سلطانهم كما قال تعالى: {فخرج على قومه في زينته} فماذا كان لقارون وهو في وهمه؟، والناس يتمنون ماله: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظٍ عظيم} .
(1) - صحيح البخاري (7/ 115) (5644) وصحيح مسلم (4/ 2163) 59 - (2810)
[ش (كفأتها) أمالتها (تكفأ بالبلاء) تقلب بالمصيبة أي المؤمن إذا أصابه بلاء رضي بقدر الله تعالى فإذا زال عنه قام واعتدل بشكر الله تعالى فانقلب البلاء خيرا ورحمة (صماء) صلبة شديدة (يقصمها) من القصم وهو الكسر مع الإبانة أي فصل الأجزاء عن بعضها]
(2) - صحيح البخاري (6/ 74) (4686)
[ش (ليملي) ليمهل. (لم يفلته) لم يخلصه ولم يتركه حتى يستوفي عقابه. (وكذلك) أي كما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب. (أخذ ربك) إهلاكه وعذابه. (أخذ القرى) أخذ أهلها / هود