نتائج البحث عن (أزم) 50 نتيجة

أزم: الأَزْمُ: شدَّةُ العَضِّ بالفَمِ كلِّه، وقيل بالأَنْياب، والأَنْيابُ هي الأَوازِمُ، وقيل: هو أَنَ يَعَضَّه ثم يكرِّر عليه ولا يُرْسِله، وقيل: هو أَن يَقْبِض عليه بفيه، أَزَمه، وأَزَمَ عليه يَأْزِمُ أَزْماً وأُزُوماً، فهو آزِمٌ وأَزُومٌ، وأَزَمْت يَد الرجُل آزِمُها أَزْماً، وهي أَشدُّ العَضِّ. قال الأَصمعي: قال عيسى بن عمر كانت لنا بَطَّة تَأْزِمُ أَي تَعَضُّ، ومنه قيل للسَّنة أَزْمَةٌ وأَزُومٌ وأَزامِ، بكسر الميم. وأَزَمَ الفرسُ على فأْسِ اللِّجام: قَبض؛ ومنه حديث الصدّيق: نَظَرْت يوم أُحُدٍ إِلى حَلَقة دِرْع قد نَشِبَت في جَبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فانْكَبَبْت لأَنْزِعَها، فأَقْسَم عليَّ أَبو عبيدة فأَزَمَ بها بثَنيَّتيه فجَذبها جَذْباً رَفيقاً أَي عَضَّها وأَمْسكها بين ثَنِيَّتَيْه؛ ومنه حديث الكَنْز والشجاع الأَقْرع: فإِذا أَخذه أَزَم في يده أَي عَضَّها. والأَزْمُ: القطعُ بالناب والسِّكِّين وغيرهما. والأَوَازمُ والأُزَّمُ والأُزُمُ: الأَنْياب، فواحدة الأَوزامِ آزِمةٌ، وواحدة الأُزَّمِ آزِمٌ، وواحدة الأُزُمِ أَزُومٌ. والأَزْمُ: الجَدْبُ والمَحْل. ابن سيده: الأَزْمة الشدّة والقَحْط، وجمعها إِزَمٌ كبَدْرةٍ وبِدَر، وأَزْمٌ كتَمْرةٍ وتَمْر؛ قال أَبو خِراش: جَزى اللهُ خيراً خالِداً من مُكافِئٍ، على كلِّ حالٍ من رَخاء ومن أَزْمِ وقد يكون مصدراً لأَزَم إِذا عضَّ، وهي الوَزْمة أَيضاً. وفي الحديث: اشْتَدِّي أَزْمَة تَنْفَرِجي، قال: الأَزْمَة السَّنة المُجْدِبة. يقال: إِن الشدَّة إِذا تَتابَعت انفرجت وإِذا تَوالَتْ تَوَلَّت. وفي حديث مجاهد: أَن قُرَيْشاً أَصابَتْهم أَزْمةٌ شديدةٌ وكان أَبو طالب ذا عيالٍ. والأَوزامُ: السِّنُون الشدائد كالبَوازِم. وأَزَمَ عليهم العامُ والدهرُ يَأْزِمُ أَزْماً وأُزُوماً: اشتدّ قَحْطُه، وقيل: اشتدَّ وقَلَّ خَيرُه؛ وسنة أَزْمَةٌ وأَزِمَةٌ وأَزُومٌ وآزِمةٌ؛ قال زهير: إِذا أَزَمَتْ بهم سَنةٌ أَزُوم ويقال: قد أَزَمت أَزامِ؛ قال: أَهان لها الطَّعامَ فلم تُضِعْه، غَداةَ الرَّوْعِ، إِذ أَزَمَتْ أَزامِ قال ابن بري: وأَنشد أَبو علي هذا البيت: أَهانَ لها الطعامَ فَأَنْفَذَتْهُ، غَداةَ الرَّوْعِ، إِذ أَزَمَتْ أَزُومُ ويقال: نزلتْ بهم أَزامِ وأَزُومٌ أَي شدَّة. والمُتَأَزِّمُ: المُتَأَلِّم لأَزْمةِ الزمان؛ أَنشد عبد الرحمن عن عمه الأَصمعي في رجل خطَب إِليه ابنَته فردَّ الخاطب: قالوا: تَعَزَّ فَلَسْتَ نائِلَها، حتى تَمَرَّ حَلاوَةُ التَّمْرِ لَسْنا من المُتأَزِّمينَ، إِذا فَرِحَ اللَّمُوسُ بثائبِ الفَقْرِ أَي لَسْنا نُزَوِّجك هذه المرأَة حتى تَعود حَلاوةُ التَّمْر مَرارةً، وذلك ما لا يكون. والمُتَأَزِّمُ: المُتَأَلِّم لأَزْمةِ الزَّمان وشدَّتِه، واللَّمُوسُ: الذي في نَسَبه ضَعَةٌ، أَي أَن الضعيفَ النسَب يفْرَح بالسَّنة المُجْدبة ليُرْغَب إِليه في ماله فيَنْكِحَ أَشْراف نِسائهم لحاجَتهم إلى ماله. وأَزَمَتْهم السنةُ أَزْماً: استأْصَلَتهم، وقال شمر: إِنما هو أَرَمَتْهم، بالراء،قال: وكذلك قال أَبو الهيثم. ويقال: أَصابتنا أَزْمة وآزمةٌ أَي شدّة؛ عن يعقوب. وأَزَمَ على الشيء يَأْزِمُ أُزُوماً: واظَب عليه ولَزِمَه. وأَزَمَ بِضَيْعَته وعليها: حافظ. أَبو زيد: الأُزُومُ المُحافظة على الضَّيْعَة. وتَأَزَّمَ القومُ إِذا أَطالوا الإِقامة بِدارهم. وأَزَمَ بصاحِبه يَأْزِمُ أَزْماً: لَزِقَ. وفي الصحاح: أَزَمَ الرجلُ بصاحبه إِذا لَزِمَه. وأَزَمَه أَيضاً أَي عَضَّه وأَزَمَ عن الشيء: أَمسك عنه. وأَزَمَ بالمكان أَزْماً: لَزِمَه. وأَزَمْتُ الحَبْلَ والعِنانَ والخَيْط وغيرَه آزِمُه أَزْماً: أَحكَمْت فَتْله وضَفْرَه، بالراء والزاي جميعاً، والراء أَعرف، وهو مَأْزُومٌ. والأَزْمُ: ضرْب من الضَّفْر وهو الفَتْل. وأَزَمَ أَزْماً وأَزِمَ أَزَماً، كلاهما: تقبَّض. والمَأْزِمُ: المَضِيق مثل المَأْزِلِ؛ وأَنشد الأَصمعي عن أَبي مَهْدِيَّة: هذا طريقٌ يَأْزِمُ المَآزِما، وعِضَواتٌ تَمْشُق اللَّهازِما ويروى عَصَوات، وهي جمع عَصاً. وتَمْشُق: تضرِب. والمأْزِم: كلُّ طريق ضيِّق بين جبلين، وموضع الحَرْبِ أَيضاً مَأْزِمٌ، ومنه سمي الموضع الذي بين المَشْعَر وعَرَفة مَأْزِمَيْن. الأَصمعي: المَأْزِمُ في سَنَد مَضِيقٌ بين جَمْعٍ وعَرَفة. وفي حديث ابن عمر: إِذا كنتَ بين المَأْزِمَيْن دون مِنىً فإِنَّ هناك سَرْحَة سُرَّ تحتَها سبعون نبيّاً. وفي الحديث: إِني حَرَّمْت المدينة حَراماً ما بين مَأْزِمَيْها؛ المَأْزِمُ: المَضِيقُ في الجبال حتى يَلتَقِي بعضُها ببعض ويَتَّسِع ما وَرَاءه، والميمُ زائدة، وكأَنه من الأَزْمِ القُوّة والشدّة؛ وأَنشد لِساعدة ابن جؤية الهُذَلي:ومُقامُهنّ، إِذا حُبِسْنَ، بِمَأْزِمٍ ضَيْقٍ أَلَفَّ، وصَدّهنّ الأَخشَبُ قال ابن بري: صواب إِنشاده ومُقامِهنَّ، بالخفض على القَسَم لأَنه أَقسم بالبُدْن التي حُبِسْن بِمَأْزِمٍ أَي بمَضِيق، وأَلَفَّ: مُلْتَفّ، والأَخْشَبُ: جبل، والمَأْزِمُ: مَضِيقُ الوادي في حُزُونةٍ. ومَآزِمُ الأَرض: مَضايِقها تلْتَقي ويتَّسِع ما وراءها وما قُدّامها. ومآزِمُ الفَرْجِ: مَضايقه، واحدها مَأْزِم. ومأْزِمُ القِتال: موضعه إِذا ضاق، وكذلك مَأْزِمُ العَيش؛ هذه عن اللحياني، وكلُّ مَضِيق مَأْزِمٌ. والأَزْمُ: إِغْلاق الباب. وأَزَمَ البابَ أَزْماً: أَغْلَقه. والأَزْمُ: الإِمساك. أَبو زيد: الآزِمُ الذي ضَمَّ شفتيه. والأَزْمُ: الصمْت. والأَزْمُ: تركُ الأَكل وأَصله من ذلك؛ وفي الحديث: أَن عمر قال للحرث ابن كَلْدة وكان طبيبَ العَرب: ما الطِّبُّ؟ فقال: هو الأَزْمُ، وهو أَن لا تدخِل طعاماً على طعام، وفسَّره الناسُ أَنه الحِمْيَةُ والإِمساك عن الاستكثار، وفي النهاية: إِمساك الأَسْنان بعضها على بعض. والأَزْمةُ: الأَكلة الواحدة في اليوم مرَّة كالوَجْبةِ. وفي حديث الصلاة أَنه قال: أَيُّكم المُتَكلِّم؟ فَأَزَمَ القومُ أَي أَمسكوا عن الكلام كما يُمسِك الصائم عن الطَّعام، قال: ومنه سميت الحِمْيَةُ أَزْماً، قال: والرواية المشهورة: فَأَرَمَّ القوم، بالراء وتشديد الميم؛ ومنه حديث السِّواك: يستعمله عند تَغَيُّر الفَمِ، من الأَزْمِ. وأَزِيمٌ: جبل بالبادية.
[أز م] الأَزْمُ: شِدَّةُ العَضِّ بالفَم كُلِّه، وقيلَ: هو أَن يَعَضَّه، ثُمّ يُكَرِّرَ عليه ولا يُرْسِلَه، وقِيلَ: هو أَنْ يَقْبِضَ عليه بِفِيه، أَزَمَه وأزَمَ عليه، يَأْزِمُ أَزْمًا وأُزُوماً، فهو آزِمٌ، وأَزُومٌ. وأَزَمَ الفَرَسُ عَلَى اللِّجامِ: قَبَضَ. والأَزْمُ: القَطْعُ بالنّابِ والسِّكِّينِ وغَيرِهما. والأَوازِمُ، والأُزَّمُ، والأُزُمُ: الأَنْيابُ، فَواحِدُ الأَوازِمِ: آزِمَةٌ، وَوَاحَدَةُ الأُزَّمِ: آزِمٌ، وَوَاحِدَةُ الأُزُمِ: أَزُومٌ.والأَزْمةُ: الشِّدَّةُ، وجَمعُها: إزَمٌ، كبَدْرَةٍ وبٍ دَرٍ، وأَزْمٌ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وقالَ أبو خرِاَشٍ:

(جَزَى اللهُ خَيْراً خَالِداً مِنْ مَكافِيْ...على كُلّ حَالٍ من رَخاءٍ ومِن أَزْمٍ)

وقَِد يكونُ مَصْدَرَاً لأزَمَ: إذا عَضَّ، وهي الوَزْمَةُ أيضاً. والأَوازِمُ: السِّنُونَ الشَّدائِدُ كالبُوازِمِ. وأَزَمَ عَلَيهِم العامُ، يَأْزِمُ، أَزْماً وأُزُوماً: اشْتَدَّ قَحْطُه. وسَنَةٌ أَزْمَةُ، وأًَزُومٌ، وآزِمَةٌُ. وقَدْ أَزَمَتْ أَزَامِ، قال:

(أَهانَ لها الطَّعامَ فَلَم تُضِعْه...غَداةَ الرَّوْعِ إذْ أَزَمَتْ أَزَامِ...)

واَزَمَتْهم السَّنَةُ أَزْماً: اسْتَأْصَلَتْهمُ. وأَصَابَتْنًا أَزَمَةٌ، وآزِمَةٌ، أي شِدَّةٌ، عن يَعْقُوبَ. وأَزَمَ عَلَى الشَّيءَ يَأْزِمُ أُزُوماً: وأظَبَ عَلَيه ولَزِمَه. وأَزَمَ بِضَيْعَتِه، وعليْها: حافَظَ. وأَزَمَ بِصَاحِبِه يَأْزِمُ أَزْمًا: لَزِقِ. وأَزَمَ بالمَكانِ أَزْمًا: لَزِمَه. وأَزَمْتُ الحَبْلَ والعِنانَ والخَيْطَ وغَيْرَه آزِمُهُ أَزْمًا: أحْكَمْتُ فَتْلَه، والرّاءُ أَعْرَفُ. وأَزَمَ أَزْماً، وأَزِم أَزْماً، كِلاهُما: انْقَبَضَ وانْضَمَّ. والمَأْزِمُ: مَضيِقُ الوادِي في حُزُونَةٍ. ومآزِمُ الأَرْضِ: مَضَايِقُ تَلْتَقِي ويَتَّسِعُ ما وَرَاءها وما قُدَّامَها. ومَآزَمُ الفَرْج: مَضَايِقُه واحِدُها مَأْزَم. ومَأْزِم القِتَالِ: مَوضِعُه إِذا ضَاقَ، وكَذلِكَ مَآزِمُ العَيْشِ، هَذِه عن اللِّحْيانِيِّ، وكُلُّ مَضِيقٍ مَأْزِمٌ. وأَزَمَ البَابَ أَزْمًا: أَغْلَقَه.والأَزْمُ: الإمْساكًُ. والأَزْمُ: الصَّمْتُ. والأًَزْمُ: تَركُ الأَكْلِ، وأًصْلُه من ذَلِكَ، وقِيلَ للحَارِثِ بنِ كَلَدَةَ: ما الطِّبُّ؟ فَقَالَ: الأَزْمُ، وهو أَنْ لا تُدْخِلَ طَعَامًا على طَعامٍ. والأَزْمَةُ: الأَكْلَةُ الوَاحِدَةُ في اليَومِ مَرَّةُ، كالوَزْمَةِ. وأُزَيْمٌ: جَبَلٌ بالبادِيَةِ.
أزم

( {{أَزَمَ}} يأْزِمُ) من حَدّ ضَرَبَ ( {{أَزْمًا}} وأُزُومًا) ، بالضَّمّ (فَهُوَ {{آزِمٌ}} وأَزومٌ) ، كصاحِبٍ وصَبُور: (عَضَّ بالفَمِ كلّه شَدِيدًا) ، وَقيل: بالأَنْيابِ، وَقيل: هُوَ أنْ يَعَضَّهُثم يُكَرر عَلَيْهِ وَلَا يُرْسَلُه، وَقيل: هُوَ أَن يَقْبِضَ عَلَيْهِ بفِيه. {{أَزَمَه}} وَأَزَم عَلَيْه. {{وَأَزَمْتُ يَدَ الرَّجُلِ}} أَزَمًا، وَهُوَ أَشَدُّ العَضّ. قَالَ الأَصمعيُّ: قَالَ عِيسَى بنُ عُمَر: كَانَت لنا بَطَّةٌ {{تَأْزِمُ، أَي: تَعَضُّ، وَمِنْه حديثُ أُحُدٍ وحَلْقَة الدِّرْع: "}} فَأَزَمَ بهَا أَبُو عبيدةَ فَجَذَبَها جَذْبًا رَفِيقًا "، أَي: عَضَّها وَأَمْسَكَها بَين ثَنِيَّتَيْه. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الكَنْزِ والشُّجاع الأَقْرَع: " فَإِذا أَخَذَه {{أَزَمَ فِي يَدهِ " أَي: عَضَّها. (و) أَزَمَ (الفَرَسُ على فَأْسِ اللِّجامِ) أَي: (قَبَضَ) عَلَيْهِ، (و) أَزَمَ عَلَيْهِمُ (العامُ) والدَّهْرُ}} أَزْمًا! وأُزومًا: (اشْتَدَّقَحْطُه) وَقَلَّ خَيْرُه. (و) {{أَزَمَ العامُ (القَوْمَ) }} أَزْمًا: (اسْتَأْصَلَهُمْ) . وَقَالَ شَمِر: إِنّما هُوَ أَرَمَهُم، بالراءِ. (و) أَزَمَ (بِصاحِبِه) أَزْمًا، (و) كَذَلِك أَزَم (بالمَكانِ) أَي: (لَزِمَ) ، وَفِي الصِّحَاح: أَزَمَ الرجلُ بصاحِبِه: إِذا لَزِمَه، عَن أبي زَيْد. (و) أَزَمَ (الحَبْلَ وَغَيْرَهُ) كالعِنانِ والخَيْطِ أَزْمًا: (أَحْكَمَ فَتْلَهُ) ، وَالرَّاء لُغَةٌ فِيهِ مَعْرُوفَة، {{والأزْمُ: ضَرْبٌ من الضَّفْرِ. (و) أَزَمَ (عَلَيْهِ) }} يَأْزِمُ {{أَزْمًا: (واظَبَ) عَلَيْهِ ولَزِمَهُ. (و) أَزم (بضَيْعَتِه) وَعَلَيها: (حافَظَ) ، قَالَ أَبُو زيد:}} الأُزُومُ المُحافَظَةُ على الضَّيْعَةِ. (و) {{أَزَمَ (البابَ) }} أَزْمًا: (أَغْلَقَه) . (و) أَزَمَ (الشَّيْءُ، انْقَبَضَ وانْضَمَّ، {{كَأَزِمَ كَفَرِحَ) . (}} والأَزْمُ) ، بالفَتْح: (القَطْعُ بالنابِ وبالسِّكِّين) وَغَيرهمَا. (و) {{الأَزْمُ: (الإمْساكُ) عَن الاسْتِكْثارِ والحِمْيَةُ، وَبِه فُسِّر الحَدِيث: " سَأَلَ عُمَرُ الحارِثَ بنَ كَلْدَةَ: مَا الطِّبُّ؟ قَالَ: هُوَ}} الأَزْمُ ". وَفِي النِّهَايَة: إِمْساكُ الأَسْنانِ بَعْضها على بَعْضٍ. وَفِي حَدِيث الصَّلاةِ: " أَيُّكُمُ المُتَكَلِّمُ؟ ، {{فَأَزَمَ القَوْمُ " أَي: أَمْسَكُوا عَن الْكَلَام كَمَا يُمْسِكُ الصائمُ عَن الطَّعام، قَالَ: وَمِنْه سُمِّيَت الحِمْيَةُ}} أَزْمًا، قَالَ والرَّواية الْمَشْهُورَة: " فَأَرَمَّ الْقَوْم " بالرّاء وَتَشْديد الْمِيم؛ وَمِنْه حَدِيث السّواك: " تستعمله عِنْد تَغَيُّرِ الفَمِ من {{الأَزْمِ ". (و) قيل فِي تَفْسِير قَول ابْن كَلْدَة: هُوَ (تَرْكُ الأَكْلِ) ، وَهُوَ الحِمْيَة، (و) قيل (أَن لَا تُدْخِلَ طَعامًا على طَعامٍ. و) قيل. (الصَّمْتُ) ، كُلُّ ذَلِك قد قِيل. (وسَنَةٌ}} أَزْمَةٌ، بالفَتْح، و) {{أَزِمَةٌ، (كَفَرِحَةٍ) هَكَذَا فِي النُّسخ وَالصَّوَاب}} آزِمَةٌ بالمَدّ كَمَا هُوَ نَصُّ المُحْكَم وَغَيره، (و) ! أَزُومَة مثل (مَلُولَة) ،أَي: مُجْدِبَةٌ (شَدِيدَة) الجَدْبِ والمَحْلِ، قَالَ زُهَيْر:
(إِذا أَزَمَتْ بهم سَنَةٌ {{أَزُومُ...)
(}} ومآزِمُ الأَرْضِ والفَرْجِ والعَيْشِ)
هَذِه عَن اللّحيانيّ (مَضايِقُها) ، وكُلّ مَضِيقٍ {{مَأْزَم، كالمَأْزَلِ، وَأنْشد الأصمعيُّ عَن أبي مَهْدِيَّة:
(هَذَا طَرِيقٌ يَأْزِمُ}} المَآزِمَا...)


(وَعِضَواتٌ تَمْشُقُ اللَّهازِمَا...)
(الواحِدُ) مَأْزِمٌ، (كَمَنْزِلٍ) وَفِي الحَدِيث: " إِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ حَرامًا مَا بَيْنَ {{مَأْزِمَيْها ".}} المَأْزِمُ: المَضِيقُ فِي الجِبال حَتَّى يَلْتَقِيَ بعضُها ببَعْضٍ وَيَتَّسِع مَا وَرَاءه، قَالَ ساعِدَةُ بنُ جُؤَيَّةَ الهُذَلِيُّ:
(وَمَقامِهِنَّ إِذا حُبِسْنَ {{بِمَأْزِمٍ...ضَيْقٍ أَلَفَّ وصدّهُنَّ الأَخْشَبُ)
(}} والمَأْزِمُ)
، كَمَنْزِلٍ، (وَيُقَال: {{المَأْزِمانِ) مثنَّى، الأُوْلَى عَن الأصْمَعيّ، قَالَ فِي سَنَد (مَضِيقٌ بَين جَمْعٍ وَعَرَفَة) ، وَمِنْه قَوْلُ ساعِدَةَ الماضِي. (و) المَأْزِمان: موضعٌ (آخَرُ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى) وَمِنْه حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ: " إِذا كُنْتَ بَين}} المَأْزِمَيْن دُونَ مِنًى فإنّ هُنَاكَ سَرْحَةً سُرَّ تَحْتَها سَبْعُون نَبِيًّا ". ( {{والأَزْمَةُ: الأَكْلَةُ الواحِدَةُ) فِي اليَوْمِ مَرَّةً، كالوَجْبَةِ. (و) الأَزْمَةُ: (الشِّدَّةُ) والقَحْطُ، وَمِنْه الحَدِيث: " اشْتَدِّي}} أَزْمَةُ تَنْفَرِجي "، (ويُحَرَّكُ {{كالآزِمَةِ) ، بالمَدّ، الثَّلاثَةُ نَقَلَهُنّ الفَرّاء. (ج:}} أَزْمٌ بالفَتْحِ) ، كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، (و) {{إِزَمٌ (كَعِنَبٍ) ، مثل بَدْرَةٍ وبِدَر. وَيُقَال فِي تَفْسِير الحَدِيث:}} الأَزْمَةُ: السَّنَةُ المُجْدِبَةُ، يُقَال: إنّ الشِّدَّةَ إِذا تَتابَعَت انْفَرَجَتْ، وَإِذا تَوالَتْتَوَلَّتْ. وَفِي حَدِيث مُجاهِدٍ: " إِنّ قُرَيْشًا أصابَتْهم {{أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طالِبٍ ذَا عِيالٍ " وشاهِدُ الأَزْمِ بالفَتْح قولُ أبي خِراشٍ:
(جَزَى اللَّهُ خَيْرًا خالِدًا من مُكافِىْءٍ...على كُلِّ حالٍ من رَخاءٍ ومِنْ}} أَزْمِ)

وَقد يَكونُ مَصْدَرَ {{الأَزْمِ: إِذا عَضَّ. (}} والآزِمَةُ) ، بالمَدّ: (النّابُ، ج: {{أَوازِمُ،}} كالآزِمِ) كَصاحِبٍ، (ج) : {{أَزَّمٌ، (كَرُكَّعٍ،}} وكالأَزُومِ) كَصَبُورٍ، (ج) : {{أُزُمٌ، (كَعُنُقٍ) ، كَذَا فِي المُحْكَم. (}} وَأَزِيمٌ، كأَمِيرٍ: جبلٌ بالبادِيَةِ) ، ويُقال: {{أَزْيَمُ كَأَحْمَدَ. (و) }} أَزامِ، (كَقَطام: السَّنَةُ المُجْدِبَةُ) ، يُقَال: قد {{أَزَمَت}} أَزامِ، قَالَ:
(أَهانَ لَها الطَّعام فَلَمْ تُضِعْهُ...غَداةَ الرَّوْعِ إِذْ {{أَزَمَتْ}} أَزامِ)
قَالَ ابْن بَرّي: وَأنْشد أَبُو عَلِيٍّ هَذَا البيتَ: " إِذْ {{أَزَمَت}} أَزُومُ ". (و) {{الأَزُومُ}} والُأزامُ، (كَصَبُورٍ وَغُرابٍ: المُلازِمُ للشَّيْءِ) ، الثَّانِيَة عَن الصاغانّي وَأنْشد لِرُؤْبَةَ:
(إِذا مَقامُ الصابِرِ {{الأُزامِ...)

(لاقَى الرَّدَى أَوْ عَضَّ بالإِبْهامِ...)
(}} والمُتَأَزِّمُ مَنْ أَصابَتْهُ {{أَزْمَةٌ) ، ويُقال: هُوَ المُتأَلِّمُ}}
لأَزْمَةِ الزَّمانِ وشِدَّتِه، وَأنْشد عبدُ الرَّحْمن عَن عَمِّهِ الأصمعيِّ فِي رَجُلٍ خَطَب إِلَيْهِ ابْنَتَهُ فَرَدَّهُ:
(قالُوا تَعَزَّ ولَسْتَ نائلَهَا...حَتَّ تَمَرَّ حَلاَوةُ التَّمْرِ)

(لَسْنا من! المُتَأَزِّمِينَ إِذا...فَرِحَ اللَّمُوسُ بثائِبِ الفَقْرِ)أَي: لسنا نُزَوِّجك هَذِه المرأةَ حَتَّى تعودَ حَلاوةُ التَّمْرِ مَرارَة وَذَلِكَ مَا لَا يكون، واللَّمُوس: الَّذِي فِي نَسَبِه ضَعَةٌ، أَي: أنّ الضّعيفَ النَّسَب يَفْرَح بالسَّنَة المُجْدِبَة لِيُرْغَبَ إِلَيْهِ فِي مالِه فَيَنْكِحَ أَشْرافَ نِسائهم لحاجَتِهم إِلَى مالِه. ( {{وأَزَمُ، محرَّكةً: ناحِيَةٌ بِسِيرافَ) ذَات مِياهٍ عَذْبَةٍ وهواءٍ طيِّب، (مِنْهَا بَحْرُ بن يَحْيَى بنِ بَحْرٍ) }} الأَزَمِيُّ الفارسِيُّ، حَدَّثَ عَن عبد الكَرِيمِ بن رَوْحٍ البَصْرِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الحَسَنُ بنُ عليِّ بنِ عبدِ الصَّمَدِ بنِ يونسَ الأَزَمِيُّ، حدَّث ببغدادَ وَتُوُفَّيَ بواسِط سنة ثَلَثمائةٍ وثَمانٍ. (و) {{أَزَمُ أَيْضًا: (ع، بَيْنَ) سُوقِ (الأَْهوازِ ورامَهُرْمُزَ، مِنْهُ مُحَمَّد بن عليّ) بن إسماعِيلَ (النَّحْوِيُّ المَعْرُوف بِمَبْرَمانَ) وفيهَا يَقُول:
(مَنْ كَانَ يَأْثُرُ عَن آبَائِهِ شَرَفًا...)
فَأَصْلُنا}}
أَزَمٌ أُصْطُمَّةُ الخوزِ ( {{وأَزِمَ بِي عَلَيْهِ، كَفَرِحَ أَي: (أَلَمَّ) بِي عَلَيْهِ، نَقَلَه الصاغانيُّ.
[] وَمِمّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ:}}
الأَوازِمُ: السِّنونَ الشَّديدةُ كالبَوازِمِ. ونَزَلَتْ بهم {{أزامِ}} وأَزُومُ، أَي: شِدَّةٌ. {{وتَأَزَّمَ القومُ: إِذا أَطالُوا الإقامَة بدارِهمْ.}} وأَزَمَ عَن الشَّيءِ: أَمْسَكَ عَنهُ. {{والمَأْزُوم: المَفْتُول.}} والمَأْزِمُ، كَمَجْلِسٍ: موضِعُ الحَرْب. {{والأَزْمُ: القُوَّةُ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ:}} الآزِمُ: الَّذِي ضَمَّ شَفَتَيْه.! والأَزُومُ: الأَسَدُ العَضُوضُ. وَمن الغَرِيب: قَالَ الحافِظُ فِي التَّبْصِير: رأيتُ بِخَطِّ " مُغْلطاي "نَقْلاً عَن غَيْرِه أَنَّ {{أَزْمَةَ اسمُ امْرَأةٍ من الصَّحابة أَخَذَها الطَّلْقُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم - " اشْتَدِّي}} أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي ". وَهَذَا ذَكَرَه أَبُو مُوسَى المَدِينيُّ فِي غَرِيب الحَدِيث لَهُ، وتَعَقَّبَه بِأَنَّه بَاطِل. {والمَأْزِمان: قَرْيَةٌ على فَرْسَخٍ من عَسْقَلانَ، عَن ياقوت.
[أزم]الأزْمَة: الشدَّةُ والقحط. يقال: أصابتهُمْ سَنَةٌ أزَمَتْهُمْ أَزْماً، أي استأصلتهم. وأ زم علينا الدهر يأزم أَزْماً، أي اشتدَّ وقل خَيره. ويقال أيضاً: أَزَمَ الرجل بصاحبه، إذا لزمه. عن أبى زيد. وأزمه أيضا، أي عضه. وأزم عن الشئ، أي أمسك عنه. قال أبو زيد: الآزم: الذى ضم شفتيه. وفي الحديث أن عُمَرَ رضي الله عنه سأل الحارث ابن كلدة: ما الدواء؟ فقال: الازم: يعنى الحمية. وكان طبيب العرب. أبو زيد: أزمت الخيظ، إذا فتلته، بالزاي والراء جميعاً. قال: والأَزْمُ ضربٌ من الضَفْرِ. وتَأزّمَ القومُ دارَهُم، إذا أطالوا الإقامة بها. والمأزم: المضيق، مثل المأزل. وأنشد الاصمعي عن أبى مهدية:هذا طريق يأزم المآزما وعضوات تمشق اللهازما قال ويروى: " عصوات "، وهى جمع عصا. وتمشق: تضرب. والمأزم: كلُّ طريقٍ ضيّق بين جبلين، وموضع الحرب أيضا مأزم، ومنه سمى الموضع الذى بين المشعر وبين عرفة مأزمين. الاصمعي: المأزم في سند، مضيق بين جمع وعرفة. وفي الحديث: " بين المأزمين ". وأنشد لساعدة بن جؤيَّة الهذَلي: ومقامهنَّ إذا حُبِسْنَ بمَأزِمٍ ضَيْقٍ ألَفَّ وَصَدَّهُنَّ الاخشب
[أزم]فيه: أيكم المتكلم "فأزم" القوم بتخفيف ميم أي أمسكوا عن الكلام، والمشهور "فأرم" بالراء وتشديد الميم ويجيء. ومنه: سمي الحمية أزما. ومنه: السواك عند تغير الفم من "الأزم". ومنه: قوله "الأزم" في جواب ما الدواء يعني الحمية وإمساك الأسنان. ومنه: في حلقة درع نشبت في جبينه "فأزم" أبو عبيدة بها بثنيته جذباً رفيقاً أي عضها وأمسكها بين ثنيتيه. ومنه ح في الكنز والشجاع: فإذا أخذه "أزم" في يده أي عضها. وفيه: اشتدى "أزمة" تنفرجي، الأزمة السنة المجدبة يقال: إن الشدة إذا تتابعت انفرجت، وإذا توالت تولت. ومنه: أصابت قريشاً "أزمة" وكان أبو طالب ذا عيال. شا: فيؤنس بتلاوته في "الأزمات" الأزمة بفتح همزة وسكون زاي الشدة وفي بعضها بنون في أخره وهو تصحيف.
[مأزم]ن: فيه: حرمت المدينة بين "مأزميها"، المأزم بهمزة بعد ميم وكسر زاي: الجبل. نه: هو المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع ما وراءه كأنه من الأزم: القوة. ومنه: إذا كنت بين "المأزمين" دون منى فإن هناك سرحة سر تحتها سبعون نبيًا.
أ ز م: (الْأَزْمَةُ) الشِّدَّةُ وَالْقَحْطُ وَ (أَزَمَ) عَنِ الشَّيْءِ أَمْسَكَ عَنْهُ وَبَابُهُ ضَرَبَ. وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ مَا الدَّوَاءُ فَقَالَ: (الْأَزْمُ) » يَعْنِي الْحِمْيَةَ وَكَانَ طَبِيبَ الْعَرَبِ. وَ (الْمَأْزِمُ) الْمَضِيقُ وَكُلُّ طَرِيقٍ ضَيِّقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مَأْزِمٌ وَمَوْضِعُ الْحَرْبِ أَيْضًا مَأْزِمٌ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَوْضِعُ الَّذِي بَيْنَالْمَشْعَرِ وَبَيْنَ عَرَفَةَ مَأْزِمَيْنِ. الْأَصْمَعِيُّ: الْمَأْزِمُ فِي سَنَدٍ مَضِيقٌ بَيْنَ جَمْعٍ وَعَرَفَةَ وَفِي الْحَدِيثِ «بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ» .
أزَمَ على يأزِم، أَزْمًا وأُزومًا، فهو آزم، والمفعول مأزوم عليه• أزَم العامُ عليهم: ضاق واشتدّ قَحْطُه، قلَّ خيرُه.

أزِمَ على يأزَم، أزَمًا، فهو آزِم، والمفعول مأزوم عليه• أزِم العامُ عليهم: أزَم، ضاق واشتدّ قَحْطُه، قلّ خيرُه.

تأزَّمَ يتأزَّم، تأزُّمًا، فهو مُتأزِّم• تأزَّم الموقفُ السِّياسيُّ: اشتدَّ وضاق واحتدم من غير وصول إلى حلّ "تأزَّمتِ الحالةُ الأمنيّة في البلاد- تأزّمتِ المسألةُ".• تأزَّم القومُ: أصابتهم أزمة وضِيق.

أزَم [مفرد]: مصدر أزِمَ على.

أَزْم [مفرد]: مصدر أزَمَ على.

أَزْمة/ أَزَمة [مفرد]: ج أَزَمات وأَزْمات:1 -شِدَّة وضيق، مشكلة "أزمة ماليَّة/ سياسيَّة/ دوليَّة- تصاعدت أزمة الشرق الأوسط" ° أزمة منتصف العُمر: فترة من القلق والارتياب النفسيّ يتعرَّض لها بعض الناس في منتصف العمر.2 -(حي) دور اضطراب أحيائيّ كالبلوغ.3 -(دب، فن) مرحلة يشتدّ فيها الصِّراع إلى درجة يتحتّم فيها الوصول إلى حلّ حاسم كما في المسرحيّات.4 -(طب) نهاية فجائيَّة تحدث في مرض حادّ كالتهاب الرِّئة أو الحمّيّات كالتّيفوس، أو اشتداد مفاجئ في سير مرض مُزْمن "أزمة قلبيَّة/ رَبْو".• الأزمة الوزاريَّة: (سة) مرحلة انتقاليَّة بين استقالة الوزارة وتأليف حكومة جديدة.• الأزمة الدُّبلوماسيَّة: (سة) توتُّر العلاقات بين دولة وأخرى أو بين دولة وعدَّة دول.• الأزمة الاقتصاديَّة: (قص) اضطراب فجائيّ يطرأ على التَّوازن الاقتصاديّ، وينشأ عن اختلال التَّوازن بين الإنتاج والاستهلاك ممَّا يسبّب الغلاء والإفلاس.• أزمة البطالة: عدم توفُّر عمل للقادرين عليه ممَّا يُسبِّب تكاثر عدد العاطلين عن العمل.

أُزوم [مفرد]: مصدر أزَمَ على.
أز م

أزم الفرس على فأس اللجام: عض عليه وأمسكه، وفرس أزوم، وأخذ مالي فأزم عليه، ومنه قيل للحمية الأزم. وتقول العرب: أصل كل داء البردة، وأصل كل دواء الأزم. ويقال للمحتمي الآزم. ورجل أزوم: قليل الرزء من الطعام.

ومن المجاز: أزم الدهر علينا، وأزمتنا أزمة، وسنة آزمة وأزوم، وسنون أوازم، وأصابتهم أزمة، وتتابعت عليهم الأزمات. وأزم بالضيعة وعليها إذا حافظ. وقال:

جذام سيوف الله في كل موطن...إذا أزمت يوم اللقاء أزام

وإن قصرت يوماً أكف قبيلة...على المجد نالته أكف جذام

أي إذا عضت كريهة عضوض. والتقينا في مأزم الطريق أي في مضيقه. قال ساعدة:

ومقامهن إذا حبسن بمأزم...ضيق ألف وصدهن الأخشب
(أزم)على الشَّيْء أزما عض بالفم كُله عضا شَدِيدا يُقَال أزم الْفرس على اللجام وأزم فلَان على كَذَا لزمَه وواظب عَلَيْهِ وأزمت عَلَيْهِم السّنة اشْتَدَّ قحطها وَالشَّيْء قطعه وَالْحَبل وَغَيره أحكم فتله وَالْبَاب أغلقه

(أزم) عَلَيْهِ أزما أزم
(الأزمة) الضّيق والشدة يُقَال أزمة مَالِيَّة وأزمة سياسية وأزمة مرضية والقحط وَالْحمية و (فِي علم الطِّبّ) نِهَايَة فجائية تحدث فِي مرض حاد كالتهاب الرئة أَو الحميات كالتيفوس والراجعة وَهبة حادة فِي سير مرض مزمن و (فِي علم الْأَحْيَاء) دور اضْطِرَاب أحيائي كالبلوغ (مج)
(المأزم) الطَّرِيق الضّيق بَين الجبلين (ج) مآزم
(أزمع) أسْرع يُقَال أزمعت الأرنب عدت وَخفت والكرمة خرجت زمعتها والنبات ظهر زمعا قطعا مُتَفَرِّقَة بَعْضهَا أفضل من بعض وَالْأَمر وَبِه وَعَلِيهِ عزم عَلَيْهِ وَثَبت وجد فِي إمضائه
(الأزمل) كل صَوت مختلط يُقَال سَمِعت أزمل الْقوس رنينها (ج) أزامل وأزاميل وَيُقَال أَخذ الشَّيْء بأزمله كُله وَجَاء بأزمله بأَهْله وَمَاله لم يخلف شَيْئا وَترك أزملا عيالا
(الأزملة) الْكَثِيرَة يُقَال لَهُ عِيَال أزملة وَترك أزملة عيالا وَأخذ الشَّيْء بأزملته كُله ورنين الْقوس (ج) أزامل
(أزمن) بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ زَمَانا وَالشَّيْء طَال عَلَيْهِ الزَّمن يُقَال مرض مزمن وَعلة مزمنة وَيُقَال أزمن عَنهُ عطاؤه أَبْطَأَ وَطَالَ زَمَنه وَالله فلَانا وَغَيره ابتلاه بالزمانة
أزَمْتُ فلاناً، وهبر مَأزُوْمٌ، وأنَا آزِمٌ. وأزَمَتِ السنَةُ: اشتَدتْ، وسَنَة أزِمَة وأزُوْم. وأزَمَتْ أزَامِ: مِثْلُه. ورَجُل مَأزُوْم.والمُتَأزمُونَ: الذين أصَابَتْهم أزْمَة. والمَأزِمُ: المَضِيْقُ. وأزَمْتُ العِنَانَ - فأنا آزِم وهو مَأزُوْم: اذا أحْكَمْتَ ضَفْرَه. والأزم: إغْلاقُ البابِ. والحِمْيَةُ، رَجُلٌ أزُوْمٌ. والأزْمَة: شِدةُ العَض؛ كما يَأزِمُ الفَرَسُ على فَأسِ اللجَامِ. وأَزِمَ بي على فلانٍ: أي ألِمَ. والأزُوْمُ: اللزُوْمُ. وآزَمَني كذا: ألْزَمَنِيْه.وأزَمَ على الشيْءِ يَأزِمُ أزُوْماً: إذا واظَبَ عليه. والأزْمَةُ: مِثْلُ الوَزْمَةِ في الأكْلَ. والأزمُ: كالأرَّمَ للأسْنَانِ.وأزْيَمُ: اسْمُ جَبَل بالبادِيَةِ.
(أزم)- عن ابن عمر رضي الله عنه قال: "إذا كُنتَ بين المأزِمَيْن دون مِنًى، فإنَّ هُنَاكَ سَرْحَةً سُرَّ تَحتَها سَبْعونَ نَبِيّا".قال الأصمعى: المَأزِم: المَضِيق في الجِبال حيث يَلْتَقِى بَعضُها بَعضاً، ويتَّسع ما وَراءَ، ومأزِما مِنًى: موضِع مَعْروف. ولَعلَّ أَصلَه من الأَزْم، وهو الِإمساك بالشَّىءِ واللُّصوقُ به. وأَزَم الدّهرُ: اشتَدَّ، وأَزَم به: لَصِق.- في الحديث: "فأَزَم القَوم".كذا رَواه بَعضُهم: أي أمسكوا، والمحفوظ: أَرمَّ: أي سَكتُوا.- وفي الحديث: "اشتَدِّى أزمةُ تَنْفَرِجى".الأَزْمَةُ: السَّنَة الجَدْبة، وأصلُه الِإمساكُ وضَمُّ الفَمِ. يقال: إن الشِّدَّة إذا تَتابَعَت انفرَجَت، وإذا تَقيَّظت انقَضَت وإذا جَلَّت تَجَلَّت، وإذا تَوالَت تَولَّت.وذَكَر بَعضُ الجاهِلِين: أَنَّ أَزمةَ اسمُ امرأَةٍ، أَخذَها الطَّلْقُ فَقِيل لها: اصْبِرى وتَشَدَّدِى تَنْفَرِجى عن قَرِيبٍ، وهَذا باطِلٌ لا أَصلَ له.
وَقَالَ [أَبُو عبيد -] : فِي حَدِيث عُمَر [رَضِيَ الله عَنْهُ -] حِين سَأَلَ الْحَارِث بن كلدة: مَا الدَّوَاء فَقَالَ: الأزم. كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَقُول: الأزم هُوَ الحمية.
دوائر الأزمان:[في الانكليزية] Cycles of time ،orbit ،revolution of stars [ في الفرنسية] Les cycles du temps ،orbite ،revolution des astres هي المدارات اليومية كما ستعرف.
(أَزَمَ)(هـ) فِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ «أَنَّهُ قَالَ: أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ؟ فَأَزَمَ الْقَوْمُ» أَيْ أمْسَكوا عَنِ الْكَلَامِ كَمَا يُمْسِكُ الصَّائِمُ عَنِ الطَّعَامِ. وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الحِمْيَة أَزْماً. وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ «فأرَمَّ» بِالرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَسَيَجِيءُ فِي مَوْضِعِهِ.وَمِنْهُ حَدِيثُ السِّوَاكِ «يَسْتَعْمِلُهُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ مِنَ الأَزْمِ» (هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «وَسَأَلَ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ مَا الدَّوَاءُ قَالَ: الأَزْم» يَعْنِي الحِمْيَةَ، وَإِمْسَاكَ الأسْنَان بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ.(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الصدِّيق «نَظَرْتُ يَوْمَ أحُد إِلَى حَلقة دِرْعٍ قَدْ نَشِبَت فِي جَبِينِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فانْكَبَبْتُ لأنزِعها، فَأَقْسَمَ عَلَيَّ أَبُو عُبَيْدَةَ فَأَزَمَ بِهَا بثنّيتَيْه فَجَذَبَهَا جَذْبًا رَفِيقًا» أَيْ عَضَّهَا وَأَمْسَكَهَا بَيْنَ ثَنِّيتَيْه.وَمِنْهُ حَدِيثُ الكَنْز وَالشُّجَاعِ الْأَقْرَعِ «فَإِذَا أَخَذَهُ أَزَمَ فِي يَدِهِ» أَيْ عضّها.(س) وَفِي الْحَدِيثِ «اشْتَدِّي أَزْمَة تَنْفرِجي» الأَزْمَة السنَّة المُجدبةُ. يُقَالُ إِنَّ الشِّدَّة إِذَا تَتَابَعَتِ انفَرجت وَإِذَا تَوَالتْ تَولَّتْ.وَمِنْهُ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ «إِنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَة شَدِيدَةٌ. وَكَانَ أَبُو طالب ذا عيال» .
(مَأْزِمٌ)- فِيهِ «إِنِّي حَرّمْت الْمَدِينَةَ حَراماً مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْها» المَأزِم: المَضِيق فِي الْجِبَالِ حَيْثُ يَلْتَقي بعضُها بِبَعْضٍ ويَتَّسِع مَا وَرَاءَهُ. وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَكَأَنَّهُ مِنَ الْأَزْمِ:القُوّة والشِدّة.وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «إِذَا كنتَ بَيْنَ المأزِميْن دُونَ مِنىً، فَإِنَّ هُنَاكَ سَرْحةً سُرّ تحتَها سَبْعُونَ نَبِيّاً» وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
أَزَمٌ:بفتحتين. ناحية من نواحي سيراف ذات مياه عذبة وهواء طيب، نسب إليها بحر بن يحيى بن بحر الأزمي الفارسي، حدّث عن عبد الكريم بن روحالمحدث البصري وغيره، والحسن بن عليّ بن عبد الصمد ابن يونس بن مهران أبو سعيد البصري يعرف بالأزمي، حدّث ببغداد عن صهيب وبحر بن الحكم وغيرهما، وتوفي بواسط في رجب سنة 308. وأزم أيضا: منزل بين سوق الأهواز ورامهرمز، منه محمد ابن عليّ بن إسماعيل المعروف بالمبرمان النحوي، وفيها يقول:من كان يأثر عن آبائه شرفا،...فأصلنا أزم أصطمّة الخوز
أُزُمُّورَةُ:ثلاث ضمات متواليات، وتشديد الميم، والواو ساكنة، وراء مهملة: بلد بالمغرب في جبال البربر.
المَأزِمَان:
تثنية المأزم من الأزم وهو العض، ومنه الأزمة: وهو الجدب كأن السّنة عضّتهم، والأزم: الضيق، ومنه سمي هذا الموضع: وهو موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة وهو شعب بين جبلين يفضي آخره إلى بطن عرنة وهو إلى ما أقبل على الصخرات التي يكون بها موقف الإمام إلى طريق يفضي إلى حصن وحائط بني عامر عند عرفة وبه المسجد الذي يجمع فيه الإمام بين الصلاتين الظهر والعصر، وهو حائط نخيل، وبه عين تنسب إلى عبد الله بن عامر بن كريز، وليس عرفات من الحرم وإنما حد الحرم من المأزمين فإذا جزتهما إلى العلمين المضروبين فما وراء العلمين من الحلّ أخذ من المأزم وهو الطريق الضيق بين الجبال، وقال الأصمعي:
المأزم في السنة مضيق بين جمع وعرفة، وقال ساعدة ابن جؤيّة:
ومقامهنّ، إذا حبسن بمأزم، ... ضيق ألف وصدّهنّ الأخشب
وقال عياض: المأزمان مهموز مثنى، وقال ابن شعبان: هما جبلا مكة وليسا من المزدلفة، وقال أهل اللغة: هما مضيقا جبلين، والمأزمان: المضايق، الواحد مأزم، وقال بعض الأعراب:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... وأهلي معا بالمأزمين حلول
وهل أبصرنّ العيس تنفخ في البرى ... لها بمنى بالمحرمين ذميل
منازل كنّا أهلها فأزالنا ... زمان بنا بالصالحين حدول
والمأزمين أيضا: قرية بينها وبين عسقلان نحو فرسخ كانت بها وقعة بين الكنانيّة أهل عسقلان والأفرنج مشهورة.
أزَمَ يَأْزِمُ أَزْمَاً وأُزوماً، فهو آزِمٌ وأَزُومٌ: عَضَّ بالفَمِ كُلِّه شديداً،وـ الفَرَسُ على فَأْسِ اللجامِ: قَبَضَ.وـ العامُ: اشْتَدَّ قَحْطُه،وـ القومَ: اسْتَأْصَلَهُمْ،وـ بصاحِبِه،وـ بالمَكانِ: لَزِم،وـ الحَبْلَ وغيرَه: أَحْكَمَ فَتْلَه،وـ عليه: واظبَ،وـ بِضَيْعتِه: حافَظَ،وـ البابَ: أَغْلَقَه،وـ الشيءُ: انْقَبَضَ وانْضَمَّ،كأَزِمَ، كفَرِحَ،والأزْمُ: القَطْعُ بالنابِ وبالسِّكِّينِ، والإِمْساكُ، وتَرْكُ الأَكْلِ، وأن لا تُدْخِلَ طَعاماً على طَعامٍ، والصَّمْتُ.وسَنَةٌ أَزْمَةٌ، بالفتح وكفرِحَةٍ ومَلولةٍ: شديدةٌ.ومآزِمُ الأرض والفَرْجِ والعَيْشِ: مَضايِقُها. الواحِدُ: كمَنْزِلٍ.والمَأْزِمُ، ويقالُ:المَأْزِمانِ: مَضِيقٌ بين جَمْعٍ وعَرَفَةَ، وآخَرُ بين مكَّةَ ومِنًى.والأَزْمةُ: الأَكْلَةُ الواحِدةُ، والشِّدَّةُ، ويُحَرَّكُ،كالآزِمَةِج: أَزْمٌ، بالفتحِ وكعِنَبٍ.والآزِمَةُ: النابُج: أَوازِمُ،كالآزِمِج: كرُكَّعٍ،وكالأَزُومِج: كعُنُقٍ.وأزِيمٌ، كأَميرٍ: جبلٌ بالبادِيَةِ. وكقَطامِ: السَّنَةُ المُجْدِبَةُ. وكصَبورٍ وغُرابٍ: المُلازِمُ للشيء.والمُتَأَزِّمُ: من أَصابَتْهُ أَزْمَةٌ.وأَزَمُ، محرَّكةً: ناحِيةٌ بِسيرافَ، منها: بَحْرُ بنُ يَحْيَى بنِ بَحْرٍ،وع بين الأَهْوازِ ورامَهُرْمُزَ، منه: محمدُ بنُ عليٍّ النَّحْوِيُّ المَعْروفُ بِمَبْرمَانَ.وأَزِمَ بي عليه، كفرِحَ: ألَمَّ.
أَزْمَةالجذر: أ ز م

مثال: تصاعدت أزْمة الشرق الأوسطالرأي: مرفوضةالسبب: لوجود خطأ في ضبط الزاي في «أزْمة».

الصواب والرتبة: -تصاعدت أزْمة الشرق الأوسط [فصيحة]-تصاعدت أزَمة الشرق الأوسط [فصيحة] التعليق: أجاز القاموس المحيط والمعجم الوسيط «أَزْمة» بفتح فسكون وبفتحتين، بل بدأ القاموس بالصورة الساكنة وعقب بقوله: ويحرّك.
أَزْمَع علىالجذر: ز م ع

مثال: أَزْمَعَ على الرّحيلالرأي: مرفوضةالسبب: لتعدية الفعل بحرف الجر «على»، وهو يتعدّى بنفسه. المعنى: عزم عليه

الصواب والرتبة: -أَزْمَعَ الرّحيلَ [فصيحة]-أَزْمَعَ على الرّحيل [فصيحة] التعليق: الوارد في المعاجم تعدية هذا الفعل بنفسه، ولكن عدَّته المعاجم كذلك بحرف الجر، ففي اللسان: «وأزمع الأمر وبه، وعليه: مضى فيه»، ومثله في الوسيط.
أَزْمِيلالجذر: ز م ل

مثال: اسْتَخْدَمَ النجارُ الأَزْميلالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لعدم ورود هذه الكلمة بالضبط المذكور في المعاجم. المعنى: آلة ينقر بها الحجر والخشب

الصواب والرتبة: -استخدم النجارُ الإزْميل [فصيحة] التعليق: الذي جاء في المعاجم، قديمها وحديثها ضبط الهمزة في كلمة «إزْمِيل» بالكسر بمعنى شفرة الحذَّاء، أو آلة النجار التي ينقر بها الخشب.

علم أسباب ورود الأحاديث، وأزمنته، وأمكنته

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

علم أسباب ورود الأحاديث، وأزمنته، وأمكنته
وموضوعه: ظاهر من اسمه، ذكره من فروع علم الحديث.

الأمان، من أخطار الأسفار والأزمان

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الأمان، من أخطار الأسفار والأزمان
لأبي القاسم: علي بن موسى بن جعفر الطاوسي، العلوي.
المتوفى: سنة 664.
وهو على: اثني عشرة بابا.
في: الأدعية والخواص.
أوله: (الحمد لله الذي استجارت به الأرواح... الخ).
وهو من: كتب الشيعة.
(أَزَمَ)وَأَمَّا الْهَمْزَةُ وَالزَّاءُ وَالْمِيمُ فَأَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الضِّيقُ وَتَدَانِي الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ وَالْتِفَافٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: أَزَمْتُ وَأَنَا آزِمٌ. وَالْأَزْمُ شِدَّةُ الْعَضِّ. وَالْفَرَسُ يَأْزِمُ عَلَى فَأْسِ اللِّجَامِ. قَالَ طَرَفَةُ:

هَيْكَلَاتٌٍ وَفُحُولٌٍ حُصُنٌٍ أَعْوَجِيَّاتٌٍ عَلَى الشَّأْوِ أُزُمْ

قَالَ الْعَامِرِيُّ: يُقَالُ: أَزَمَ عَلَيْهِ: إِذَا عَضَّ وَلَمْ يَفْتَحْ فَمَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَزَمَ عَلَيْهِ: إِذَا قَبَضَ بِفَمِهِ، وَبَزَمَ: إِذَا كَانَ بِمُقَدَّمِ فِيهِ. والْحِمْيَةُ تُسَمَّى أَزْمًامِنْ هَذَا، كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْسِكُ عَلَى فَمِهِ. وَيُقَالُ: أَزَمَ الرَّجُلُ عَلَى صَاحِبِهِ، أَيْ: لَزِمَهُ، وآزَمَنِي كَذَا، أَيْ: أَلْزَمَنِيهِ. وَالسَّنَةُ أَزْمَةٌ لِلشِّدَّةِ الَّتِي فِيهَا. قَالَ:

: إِذَا أَزَمَتْ أَوَازِمُ كُلِّ عَامِ

وَأَنْشَدَ أَبُو عَمْرٍو:

أَبْقَى مُلِمَّاتُ الزَّمَانِ الْعَارِمِ...مِنْهَا وَمَرُّ الْغِيَرِ الْأَوَازِمِ

قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَنَةٌ أَزُومٌ وَأَزَامِ مَخْفُوضَةٌ، قَالَ:

أَهَانَ لَهَا الطَّعَامَ فَلَمْ تُضِعْهُ...غَدَاةَ الرَّوْعِ إِذْ أَزَمَتْ أَزَامِ

وَالْأَمْرُ الْأَزُومُ الْمُنْكَرُ. قَالَ الْخَلِيلُ: أَزَمْتُ الْعِنَانَ وَالْحَبْلَ فَأَنَا آزِمٌ وَهُوَ مَأْزُومٌ: إِذَا أَحْكَمْتُ ضَفْرَهُ. وَالْمَأْزِمُ: مَضِيقُ الْوَادِي ذِي الْحُزُونَةِ. وَالْمَأْزِمَانِ: مَضِيقَانِ بِالْحَرَمِ.

بَاب بناءِ الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ أعمالٌ وذكْرِ أبنِيَة المَصادر واختلافها وَمَا يتعلَّق بِالْفِعْلِ من أَبْنِيَة الفاعِلِين والمفعولِين وغيرِ ذَلِك من أَسمَاء الْأَزْمِنَة والأمكنة مِمَّا سنُبيِّنُه.

المخصص

وَنحن نقدِّم جملَة تُسَهِّل حِفْظ ذَلِك وَنْبَدأُ بِأَصْل يُرجَع إِلَيْهِ فِي تقييدِ مُعظَم ذَلِك وأكثرُ مَا فِي هَذَا يجْري مَجْرَى اللغةِ الَّتِي يُحتاجُ إِلَى حِفْظها.
اعْلَم أَن الْأَفْعَال على ضَرْبَين أحدُهما ثُلاثِيٌّ وَهُوَ الْعدَد الأعدلُ فِي الأفعالِ والأسماءِ والآخرُ زَاد على الثُّلاثِيِّ فَأَما الثُّلاثيُّ الأولُ البسيطُ الَّذِي لم تَلْحَقه زيادةٌ فَلهُ ثلاثةُ أبنيةٍ: فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ، فَفَعَل نَحْو ضَرَبَ وقَتَلَ وَجَلَس وَقَعَد وَيكون فِيهِ المتعدِّي وغيرُ المتعدِّي نَحْو ضَرَبَ زيدٌ عمروا، وَغير المتعدِّ قولُك جَلَسَ زيدٌ وذَهَبَ عمروٌ وَأما فَعِلَ فنحو عَلِمَ وجَهِلَ وشَرِبَ وفَزِعَ وهَلِعَ وجَزِعَ وَيكون فِيهَا المتعدِّي وَغير المتعدِّي فالمتعدي قولُك عَلِمَ زيدٌ الأمرَ وشَرِبَ عمروٌ الماءَ وَغير الْمُتَعَدِّي قَوْلك فَزِعَ زيدٌ وجَزِعَ عبد الله وأمَّا فَعُل فنحو كَرُم وظَرُف وَلَا يكون متعدِّياً البتَّةَ لَا يَجِيء مِنْهُ كَرُم زيدٌ عمروا فِي الصَّحِيح فَأَما المعتلُّ فِي هَذَا الْبناء فِي حَيِّزِ الْأَفْعَال فَلَيْسَ من غَرَض هَذَا الكتابِ ولكنَّه رُبمَا عنَّ فعلَّلناه، فَأَما فَعَلَ فمستقبِلُه يجيءُ على يَفْعِل ويَفْعُل ويَكْثُران فِيهِ حَتَّى قَالَ بعضُ النَّحْوِيين إِنَّه لَيْسَ أحدُهما أوْلى بِهِ من الآخرِ وَإنَّهُ ربَّما يكثُر أحدُهما فِي إِعَادَة ألفاظِ الناسِ حَتَّى يُطَّرَح الآخرُ ويَقْبُح استعمالُه.
قَالَ أَبُو عَليّ: هَذَا المثالانِ يَعْنِي يَفْعِل ويَفْعُل جارِيان على السَّواءِ فِي الغَلَبَة والكَثْرة.
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن يَفْعِل أغلَبُ عَلَيْهِ من يَفْعُل، قَالَ أَبُو عَليّ: وَذَلِكَ ظنٌّ إنَّما توهَّمَ ذَلِك من أجلِ الخِفَّة فحكمَ أنَّ يفعِلُ أكثرُ من يَفْعُل وَلَا سبيلَ إِلَى حَصْرِ ذَلِك فيُعلَم أيُّهما أكثرُ وأغلبُ غَيْرَ أنّا كُلَّما استقْرينا بابّ فَعَلَ الَّذِي يَعْتَقِبُ عَلَيْهِ المثالانِ يفْعِل ويَفْعُل وَجَدْنا الكسْرَ فِيهِ أَفْصَحَ وَذَلِكَ للخِفَّة كَقَوْلِنَا خَفَقَ الفؤادُ يخْفِقُ ويخْفُق وحَجَلَ الغرابُ يحْجِلُ ويحْجُل وبَرَدَ الماءُ يبرِد ويبرُد وسَمَطَ الجَدْيَ يسمِطه ويسْمُطه وَأَشْبَاه ذَلِك مِمَّا قد تَقَصَّاه مُتْقِنو اللُّغَة كالأصمعي وَأبي زيدٍ وَأبي عبيد وَابْن السّكيت وَأحمد بن يحيى فَهَذَا مَذْهَب أبي عَليّ فِي يَفْعِل يَفْعُل، وَقَالَ بعض النَّحْوِيين: إِذا عُلِم أَن الماضيَ على فَعَلَ وَلم يُعلَم المستقبلُ على أيِّ بناءٍ هُوَ فَالْوَجْه أَن يُجعَل يفْعِل وَهَذَا أَيْضا لما قدَّمت من أَن الكسرة أخفُّ من الضَّمَّةِ وَقيل هما يُستعمَلانِ فِيمَا لَا يُعرَف وَحكى عَن مُحَمَّد بن يزيدَ وأحمدَ بنِ يحيى أَنه يجوزُ الوجهانِ فِي مستقبَل فَعَلَ فِي جَمِيع الْبَاب وَزعم قومٌ من النوحيين أَن مَا كَثُر اسْتِعْمَاله على يفْعِل وشُهِر لم يجُزْ فِيهِ مَا استُعمِل على غير ذَلِك نَحْو ضَرَبَ يَضْرِب وقَتَلَ يَقْتُل وَمَا لم يكن من الْمَشْهُور جَازَ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَأَنا أذكر من الْأَفْعَال الَّتِي يَعْتَقِب عَلَيْهَا هَذَا المِثالان على حدِّ مَا نَحا إِلَيْهِ أَبُو عَليّ لأُنَبِّهَ على ذَلِك، قَالُوا: حَشَدَ يَحْشِد ويَحْشُد، وعَنَدَ يَعْنِد ويَعْنُد وزَمَرَ يَزْمِر ويَزْمُر ونَفَرَ يَنْفِر ويَنْفُر وعَرَمَ يَعْرِم ويَعْرُم وزَبَرَ يَزْبِر ويَزْبُر وطَمَثَ يَطْمِث ويَطْمُث: إِذا جامَعَ فَأَما فِي الْحيض فيَطْمِث لَا غيرُ، وخَمَرَ يَخْمِر ويَخْمُر وفَطَرَ يَفْطِر ويَفْطُر وعَثَرَ يَعْثِر ويَعْثُر وقَدَرَ يَقْدِر ويَقْدُر وأَهَلَ يَأْهِل ويَأْهُل: إِذا تزوَّج وعَضَلَ المرأةَ يَعْضِلها ويَعْضُلها: إِذا عَقَلَها عَن النِّكاح وتَلَدَ الشيءُ يَتْلِد ويَتْلُد: أَي قَدُمَ وعَرَشَ البئرَ يَعْرِشُها ويَعْرُشُها: وَهُوَ الطيُّ بالخشب وَقَالُوا عَكَفَ يَعْكِف ويَعْكُف ونَقَزَ يَنْقِز ويَنْقُز

وشَرَطَ الحَجَّام يَشْرِط ويَشْرُط وَكَذَلِكَ فِي الشَّرِكة وحَنَكَ الدابَّةَ يَحْنِكُها ويَحْنُكُها: إِذا جَعَلَ الرِّسَنَ فِي فِيهَا وفَسَقَ يَفْسِق ويَفْسُق ونَجَبَ الشجرةَ يَنْجِبُها ويَنْجُبها وقَبَرَ الميِّتَ يَقْبِره ويَقْبُره وعَتَبَ عَلَيْهِ من العتاب يَعْتِب ويَعْتُب وذَمَلَت الناقةُ تَذْمِل وتَذْمُل وقَنَطَ يَقْنِط ويَقْنُط وجَزَرَ النخْل يَجْزِره ويَجْزُره وأَبَقَ يَأْبِق ويَأْبُق وعَزَفَت نَفسِي عَن الشَّيْء تَعْزِف وتَعْزُف فَأَما الجِنَّ فالبكسر لَا غيرُ وحَشَرَ يَحْشِر ويَحْشُر وفَتَكَ يَفْتِك ويَقْتُك وأَبَنْتُ الرجلَ آبِنُه وآبُنُه: إِذا اتَّهمْتَه، فَأَما مَا يَعْتَقب عَلَيْهِ هَذَا المثالان من المُضاعَف نَحْو شَدَّ يشِدُّ ويَشُدُّ وشَحَّ يشِحُّ ويَشُحُّ وعَلَّ يعِلُّ ويعُلُّ ونَمَّ ينِمُّ وينُمُّ فسأستَقْصيه فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وأشباهُ هَذَا فِي الْكَلَام كثيرٌ جدا وَلَكِنِّي ذكرتُ مِنْهُ عامّة ليدُلَّك على أَن المثالين يَكْثُرانِ فِي هَذَا البابِ وَجعلت لَك تَعاقُبَهما على الكلمةِ الْوَاحِدَة دَلِيلا على كَثْرَتهما واشتِراكِهما فِي هَذَا الْبناء، وَفِي الْأَفْعَال مَا يلزَمُ مستقْبَلُه أحدَ هذينِ البناءَيْن إِمَّا لحرْف معتَلِّ وَإِمَّا لِمَعْنى لازمٍ فَأَما مَا لَزِمَ فِيهِ أحدُ البناءَيْنِ بحرفٍ معتلٍّ فَهُوَ أَن يكونَ الْمَاضِي على فَعَلَ وعينُ الْفِعْل أَو لامُه واوٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُه يَفْعُل وَذَلِكَ قولُك فِيمَا العيْن مِنْهُ واوٌ قَالَ يَقول وقامَ يَقوم وأمّا مَا كَانَ لامُ الْفِعْل مِنْهُ واواً فنحو غَزا يَغْزو ودَعا يَدْعو ونَثا يَنْثو وسَما يَسمو، وَأما مَا كَانَ الْمَاضِي مِنْهُ على فَعَلَ وعينُ الْفِعْل أَو لامُه ياءٌ فَإِنَّهُ يلزَمُ فِي مستقبله يَفْعِل كَقَوْلِنَا فِي الَّذِي عينُه ياءٌ باعَ يَبْيِع ومالَ يَمْيِل ومارَ يَمْيِر وصارَ يَصْيِر وَأما الَّذِي لامُه ياءٌ فَكَرَمى يَرْمِي وَجَرَى يَجْرِي وَقَضَى يَقْضِي، وَمِمَّا يلْزَم يَفْعِل فِي مستقبَله مَا كَانَ على فَعَلَ وفاؤه وَاو كَقَوْلِك وَعَدَ يَعِدُ وَوَزَن يَزِن وَوَثَب يَثِب وَوَجَد يَجِد فَأَما يَجِدُ فسنذكرُه فِي نَظائرِ الصَّحِيح من المعتلِّ إِن شَاءَ الله وأصْل يَعِدُ ويَزِنُ يَوْعِد ويَوْزِن وَسَقَطت الواوُ مِنْهُ عِندَ البَصْريين لوُقوعها بَيْنَ ياءٍ وكسرةٍ وعِند الكوفيِّين إِنَّمَا تَسْقُط الواوُ فَرْقَاً بَيْنَ المتعدِّي من هَذَا البابِ وبَيْنََ مَا لَا يتعدَّى وكأنَّ التعدِّي عِندَهم عِوَضٌ من سُقوطِ الواوِ قَالُوا لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِيمَا لَا يتعدَّى يَوْجَل ويَوْحَل وَمَا أشبهَ ذَلِك وَلَيْسَ الأمرُ على مَا قَالُوا لِأَنَّهُ قد جاءَ أَفْعَالٌ كثيرةٌ مِمَّا لَا يتعدَّى قد سَقَطَت مِنْهَا الْوَاو كَقَوْلِك وَكَفَ البيتُ يَكِفُ وَوَنَم الذُّبابُ يَنِمُ: إِذا ذَرَقَ، ووَخَدَ الجملُ يَخِد ووَجَدَ عَلَيْهِ يَجِد وَهُوَ أكثرُ من أَن يُحصى وأمّا يَوْحَل ويَوْجَل فَإِنَّمَا هُوَ على يَفْعَل لِأَن الماضيَ مِنْهُ فَعِلَ كَمَا تَقول عَلِمَ يَعْلَم وحَذِرَ يَحْذَر فَأَما وَهَبَ يَهَبُ ووَضَعَ يَضَع وَمَا أشبهَ ذَلِك فَإِنَّمَا سَقَطت الواوُ مِنْهُ لِأَن أصلَه يَوْهِبُ ويَوْضِع على الْبَاب الَّذِي ذكرتُ فسقطتِ الواوُ لوقوعها بَيْنَ ياءٍ وكسرةٍ ثمَّ فُتح من أجْل حرْفِ الحَلْقِ وسأَقِفُكَ على مَا يُفْتَح من أجل حرفِ الحلْقِ ولِمَ ذَلِك إِن شَاءَ الله، وَقد يَلْزَمون فِي بعض الْمعَانِي أحدَ البِناءَيْن كَقَوْلِهِم فِي الغَلَبة إِذا قلت فاعَلْته وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّانِي الَّذِي يَلْزَم فِيهِ يَفْعُل من أجل الْمَعْنى وَذَلِكَ قَوْلهم خاصَمني فَخَصَمْتُه أَخْصُمُه وضارَبني فَضَرَبْتُه أَضْرُبُه وَقد جَاءَت يَفْعِل فِي هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ فِي حَيِّز المُعتَلِّ الَّذِي عَيْنُه أَو لامُه ياءٌ وسأبَيِّنُ هَذَا البابَ بعِلَله لِأَنِّي إِنَّمَا قدَّمت هَذِه الْجُمْلَة توطِئَة لما بعْدهَا إِن شَاءَ الله، وَقد يكون الْآتِي من فَعَلَ يَفْعَل إِذا كانتْ لامُه أَو عينُه حَرْفَاً من حُرُوف الحلْق وَلَيْسَ هَذَا الموضعُ كُلِّياً بل قد يجيءُ مِمَّا عينُه أَو لامُه حرفٌ من حُرُوف الحلْق على القياسِ كَثيراً، وحروف الحلْق ستةٌ الهمزُ والعيْنُ والحاءُ والهاءُ والغَيْنُ والخاءُ فَأَما مَا كَانَ الهمزةُ فِيهِ عينَ الْفِعْل فقولك سَأَلَ يَسْئَل وَمَا كَانَت لامَه فَقَرَأ يَقْرَأُ وَمَا كَانَت العينُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَسَحَب يَسْحَب وسَحَطَ يَسْحَط وَمَا كَانَت لامَه فَذَبَح يَذْبَح وسَبَحَ يَسْبَح وَمَا كَانَت الهاءُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَذَهَب يَذْهَب وَمَا كَانَت لامَه فَجَبَه يَجْبَه وَأما مَا كَانَت الغَيْنُ مِنْهُ عينَ الْفِعْل فَدَغَر يَدْغَر وَمَا كَانَت لامَه فَدَمَغ يَدْمَغ وَمَا كَانَت الخاءُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَفَخَر يَفْخَر وَمَا كَانَت لامَه فَسَلَخ يَسْلَخ وَقد يجيءُ بعض ذَلِك على الأَصْل على فَعَلَ يَفْعِل أَو يَفْعُل فَأَما مَا جَاءَ مِنْهُ على فَعَلَ يَفْعِل فَنَحَت يَنْحِت وصَهَلَ يَصْهِل ورَجَعَ يَرْجِع وَمَا كَانَ على يَفْعُل فَقَعَد يَقْعُد وشَحَبَ يَشْحُب وَذَلِكَ كثير، وَمَا كَانَ فَاء الْفِعْل مِنْهُ أَحَدَ الْحُرُوف الستَّةِ من حُرُوف الحلْق فَلَا يُغَيَّر

الحكمُ ويلزمُ فِيهِ يَفْعِل أَو يَفْعُل كَقَوْلِك أَكَلَ يَأْكُل وعَبَرَ يَعْبُر وحَمَلَ يَحْمِل وعَقَلَ يَعْقِل وَمَا أشبَهَ ذَلِك وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ أَنه جَاءَ حرفٌ واحدٌ على فَعَلَ يَفْعَل وَهُوَ أَبَىَ يَأْبَى وَلَيْسَ عينُ الْفِعْل وَلَا لامُه حَرْفَاً من الستةِ، وَقَالَ بعضُ النَّحْوِيين: شَبَّهوا الألفَ بِالْهَمْزَةِ لِأَنَّهَا من مَخْرَجها وَهُوَ شاذٌّ لَيْسَ بِأَصْل وَزَاد ابْن السّكيت عَن ابْن عَمْرو رَكَنَ يَرْكَن.
ارَ يَصْيِر وَأما الَّذِي لامُه ياءٌ فَكَرَمى يَرْمِي وَجَرَى يَجْرِي وَقَضَى يَقْضِي، وَمِمَّا يلْزَم يَفْعِل فِي مستقبَله مَا كَانَ على فَعَلَ وفاؤه وَاو كَقَوْلِك وَعَدَ يَعِدُ وَوَزَن يَزِن وَوَثَب يَثِب وَوَجَد يَجِد فَأَما يَجِدُ فسنذكرُه فِي نَظائرِ الصَّحِيح من المعتلِّ إِن شَاءَ الله وأصْل يَعِدُ ويَزِنُ يَوْعِد ويَوْزِن وَسَقَطت الواوُ مِنْهُ عِندَ البَصْريين لوُقوعها بَيْنَ ياءٍ وكسرةٍ وعِند الكوفيِّين إِنَّمَا تَسْقُط الواوُ فَرْقَاً بَيْنَ المتعدِّي من هَذَا البابِ وبَيْنََ مَا لَا يتعدَّى وكأنَّ التعدِّي عِندَهم عِوَضٌ من سُقوطِ الواوِ قَالُوا لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِيمَا لَا يتعدَّى يَوْجَل ويَوْحَل وَمَا أشبهَ ذَلِك وَلَيْسَ الأمرُ على مَا قَالُوا لِأَنَّهُ قد جاءَ أَفْعَالٌ كثيرةٌ مِمَّا لَا يتعدَّى قد سَقَطَت مِنْهَا الْوَاو كَقَوْلِك وَكَفَ البيتُ يَكِفُ وَوَنَم الذُّبابُ يَنِمُ: إِذا ذَرَقَ، ووَخَدَ الجملُ يَخِد ووَجَدَ عَلَيْهِ يَجِد وَهُوَ أكثرُ من أَن يُحصى وأمّا يَوْحَل ويَوْجَل فَإِنَّمَا هُوَ على يَفْعَل لِأَن الماضيَ مِنْهُ فَعِلَ كَمَا تَقول عَلِمَ يَعْلَم وحَذِرَ يَحْذَر فَأَما وَهَبَ يَهَبُ ووَضَعَ يَضَع وَمَا أشبهَ ذَلِك فَإِنَّمَا سَقَطت الواوُ مِنْهُ لِأَن أصلَه يَوْهِبُ ويَوْضِع على الْبَاب الَّذِي ذكرتُ فسقطتِ الواوُ لوقوعها بَيْنَ ياءٍ وكسرةٍ ثمَّ فُتح من أجْل حرْفِ الحَلْقِ وسأَقِفُكَ على مَا يُفْتَح من أجل حرفِ الحلْقِ ولِمَ ذَلِك إِن شَاءَ الله، وَقد يَلْزَمون فِي بعض الْمعَانِي أحدَ البِناءَيْن كَقَوْلِهِم فِي الغَلَبة إِذا قلت فاعَلْته وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّانِي الَّذِي يَلْزَم فِيهِ يَفْعُل من أجل الْمَعْنى وَذَلِكَ قَوْلهم خاصَمني فَخَصَمْتُه أَخْصُمُه وضارَبني فَضَرَبْتُه أَضْرُبُه وَقد جَاءَت يَفْعِل فِي هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ فِي حَيِّز المُعتَلِّ الَّذِي عَيْنُه أَو لامُه ياءٌ وسأبَيِّنُ هَذَا البابَ بعِلَله لِأَنِّي إِنَّمَا قدَّمت هَذِه الْجُمْلَة توطِئَة لما بعْدهَا إِن شَاءَ الله، وَقد يكون الْآتِي من فَعَلَ يَفْعَل إِذا كانتْ لامُه أَو عينُه حَرْفَاً من حُرُوف الحلْق وَلَيْسَ هَذَا الموضعُ كُلِّياً بل قد يجيءُ مِمَّا عينُه أَو لامُه حرفٌ من حُرُوف الحلْق على القياسِ كَثيراً، وحروف الحلْق ستةٌ الهمزُ والعيْنُ والحاءُ والهاءُ والغَيْنُ والخاءُ فَأَما مَا كَانَ الهمزةُ فِيهِ عينَ الْفِعْل فقولك سَأَلَ يَسْئَل وَمَا كَانَت لامَه فَقَرَأ يَقْرَأُ وَمَا كَانَت العينُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَسَحَب يَسْحَب وسَحَطَ يَسْحَط وَمَا كَانَت لامَه فَذَبَح يَذْبَح وسَبَحَ يَسْبَح وَمَا كَانَت الهاءُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَذَهَب يَذْهَب وَمَا كَانَت لامَه فَجَبَه يَجْبَه وَأما مَا كَانَت الغَيْنُ مِنْهُ عينَ الْفِعْل فَدَغَر يَدْغَر وَمَا كَانَت لامَه فَدَمَغ يَدْمَغ وَمَا كَانَت الخاءُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَفَخَر يَفْخَر وَمَا كَانَت لامَه فَسَلَخ يَسْلَخ وَقد يجيءُ بعض ذَلِك على الأَصْل على فَعَلَ يَفْعِل أَو يَفْعُل فَأَما مَا جَاءَ مِنْهُ على فَعَلَ يَفْعِل فَنَحَت يَنْحِت وصَهَلَ يَصْهِل ورَجَعَ يَرْجِع وَمَا كَانَ على يَفْعُل فَقَعَد يَقْعُد وشَحَبَ يَشْحُب وَذَلِكَ كثير، وَمَا كَانَ فَاء الْفِعْل مِنْهُ أَحَدَ الْحُرُوف الستَّةِ من حُرُوف الحلْق فَلَا يُغَيَّر الحكمُ ويلزمُ فِيهِ يَفْعِل أَو يَفْعُل كَقَوْلِك أَكَلَ يَأْكُل وعَبَرَ يَعْبُر وحَمَلَ يَحْمِل وعَقَلَ يَعْقِل وَمَا أشبَهَ ذَلِك وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ أَنه جَاءَ حرفٌ واحدٌ على فَعَلَ يَفْعَل وَهُوَ أَبَىَ يَأْبَى وَلَيْسَ عينُ الْفِعْل وَلَا لامُه حَرْفَاً من الستةِ، وَقَالَ بعضُ النَّحْوِيين: شَبَّهوا الألفَ بِالْهَمْزَةِ لِأَنَّهَا من مَخْرَجها وَهُوَ شاذٌّ لَيْسَ بِأَصْل وَزَاد ابْن السّكيت عَن ابْن عَمْرو رَكَنَ يَرْكَن.
وَأما مَا كَانَ على فَعِلَ فيلْزَم مستقبَله يَفْعَل كَقَوْلِك حَذِرَ يَحْذَر وفَرِقَ يَفْرَق وعَمِلَ يَعْمَل وشَرِبَ يَشْرَب وَقد شذَّت مِنْهُ أحرفٌ من الصَّحِيح والمعتل فَمن الصَّحِيح أربعةُ أفعالٍ جاءتْ على فَعِلَ يَفْعِل ويَفْعَل جَمِيعًا وَهِي حَسِبَ يَحْسِب ويَحْسَب ويَبِسَ يَيْبِس ويَيْبَس ويَئِسَ يَيْئِس ويَيْئَس ونَعِمَ يَنْعِم ويَنْعَم وَقد جَاءَ حرفٌ وَاحِد من الصَّحِيح على فَعِلَ يَفْعُل وَهُوَ فَضِلَ يَفْضُل، وأنْشَد: ذَكَرْتُ ابنَ عبَّاسٍ ببابِ ابنِ عامرٍ وَمَا مرَّ من عيشٍ هُناكَ وَمَا فَضِلْ وَذكر غَيرهم أَنه جَاءَ حرف آخرُ وَهُوَ حَضِرَ يَحْضُر وأظنُّ أَبَا زيدٍ ذكره أَيْضا، وأنشدوا قَول جرير: مَا مَنْ جَفانا إِذا حاجاتُنا حَضِرَتْ كمَنْ لَنا عِندَه التَّكْريمُ واللَّطَفُ وَقد جَاءَ من المعتلِّ على فَعِلَ يَفْعِل أحرفٌ كثيرةٌ مِنْهَا وَثِقَ يَثِقُ ووَمِقَ يَمِقُ ووَرِثَ يَرِثُ وَمِنْهَا طاحَ يَطيحُ وتاهَ يَتيه على لُغَة من هُوَ يَقُول طَوَّحته وتوَّهته.
وَقد جَاءَ حرفان على فَعِلَ يَفْعُل من المعتلِّ قَالُوا مِتَّ تَموت ودِمْتَ تَدوم، فَأَما فَعُل فَإِن مستقبَلَه يَجِيء على يَفْعُل لَا غيرُ كَقَوْلِهِم ظَرُفَ يَظْرُف وكَرُمَ يَكْرُم وَقد ذكرُوا أَنه جَاءَ حرفٌ من المعتلِّ على فَعُل يَفْعَل وَهُوَ كُدْت تَكاد وَهُوَ شاذٌّ نادرٌ، وَأما مصَادر هَذِه الْأَفْعَال الثلاثية فَهِيَ مختلفةٌ وستَقِف على اختلافها مِمَّا أسوقه لَك من كلامِ سِيبَوَيْهٍ وَجَمِيع النَّحْوِيين وَلَيْسَ يَلْزَم قِيَاسا وَاحِدًا وَإِنَّمَا يُحْفَظُ حِفْظاً غير أَن الغالبَ على مَا كَانَ مِنْهَا متعدِّياً الفَعْلُ كَقَوْلِك ضَرَبْته ضَرْبَاً وقَتَلْته قَتْلاً وشَتَمْته شَتْمَاً وبَلِعْت الشيءَ بَلْعَاً وجَرِعْت الماءَ جَرْعَاً وَقد يَأْتِي على غير ذَلِك والبابُ فِيهِ فَعْل.
وَأما مَا لَا يتعدَّى فيكثُر فِيهِ الفُعول كَقَوْلِك جَلَسَ جُلوساً وقَعَدَ قُعوداً ورَجَعَ رُجوعاً.
وَأَنا أذكر مصادرَ هَذَا الْقسم الأوَّلِ الأعْدلِ الَّذِي هُوَ الثلاثيُّ وأُبَيِّنُ الْبناء الغالبَ على كلِّ نوعٍ مِنْهَا وأُفضِّل مَا يَغْلِب على غير المتعدِّي وأبْدأُ أوَّلاً بشرح معنى المصْدَر الَّذِي هُوَ اللَّفْظ الجامِعُ لجَمِيع الْأَشْخَاص المقْصودِ إِلَى تَعْيِينهَا وحَصْرِ أبنِيَتِها وتحديدها إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول: إِن المصدرَ اسمُ الحدَثِ الَّذِي تَصَرَّفُ مِنْهُ الأفعالُ نَحْو الضَّرْب تَصَرَّف مِنْهُ ضرب يَضْرِب وسَيَضْرِب والمصدر للْفِعْل كالمادة المشتَرَكة وَلذَلِك سمَّته الأوائلُ مِثَالا وسَمَّوْا مَا اشتُقَّ مِنْهَا التَصاريفَ ونَظائر فَأَما النظائرُ عندهُم فَمَا جَرى على وَجْهِ النّسَب وَهَذَا غيرُ مستعمَل فِي لُغَة العربِ إِنَّمَا يَقُولُونَهُ بوَسيط كَقَوْلِهِم فَعَلَ كَذَا على جِهَة العَدْل وعَلى جِهَة الجَوْر وعَلى جِهَة السَّهْو وعَلى جِهَة الخيْر وعَلى جِهة الشَّرِّ وَلَا يَقُولُونَ على العَدْلِيَّة وَلَا على الجورِيَّة وَلَا على الخَيْرِيَّةِ وَلَا على الشَّرِّيَّةِ وَأما التصاريف فَهِيَ الَّتِي نسمِّيها نَحن الأمثلةَ كَقَوْلِنَا فَعَلَ يَفْعَل ويَفْعُل ويَفْعِل وَنحن آخِذون فِي ذكر مَصادرِ الثُّلاثِيِّ غيرِ المَزيدِ ومقدِّمون لمَصْدر فَعَلَ لكَونه الأخف فَنَقُول أوَّلاً إِن الْغَالِب على مَصادر هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ فَعَلَ يَفْعِل وفَعِلَ يَفْعَل وفَعُلَ يَفْعُل أَن يَجِيء على فَعْل وَقد صرَّفوها على غير ذَلِك فنحتاجُ إِلَى ضَبْطِها لحمْل النظرِ عَلَيْهَا على طَريقَة النَّادِر فَأَما فَعْل فَالْقِيَاس عَلَيْهِ لاطِّراده وَنحن نذكرُ جَمِيع الأبْنِيَةِ الَّتِي جاءتْ لمَصادرِ الثلاثيِّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ زيادةٌ للحاجةِ إِلَيْهِ على مَا بَيَّنا.

841- الحارث بن الأزمع

أسد الغابة في معرفة الصحابة

841- الحارث بن الأزمع
ب س: الحارث بْن الأزمع الهمداني مذكور في الصحابة، توفي آخر أيام معاوية، قاله أَبُو عمر.
وقال أَبُو موسى: ذكره عبدان، وابن شاهين في الصحابة.
وقال ابن شاهين: أدرك الجاهلية وهو تابعي.
روى عن عمر، وغيره.
أخرجه أَبُو عمر، وَأَبُو موسى.
2390- شداد بن الأزمع
س: شداد بْن الأزمع.
قيل: إنه أدرك النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو تابعي كوفي، يروي عن ابن مسعود.
أخرجه أَبُو موسى.

ز الحارث بن الأزمع الهمدانيّ

الإصابة في تمييز الصحابة

قال ابن عبد البر: مذكور في الصّحابة.
توفي في آخر أيام معاوية. هذا جميع ما قال فيه.
وقال أبو موسى في الذّيل: ذكره ابن شاهين، وعبدان في الصّحابة، لكن قال ابن شاهين، هو تابعي أدرك الجاهلية روى عن عمر.
قلت: ونسبه ابن سعد، فقال: الحارث بن الأزمع بن أبي بثينة بن عبد اللَّه بن مر بن مالك بن حرب بن الحارث بن سعد بن عبد اللَّه بن وداعة ذكره في الطبقة الأولى من تابعي
أهل الكوفة. وقال: توفّي في آخر أيام معاوية. وذكره البخاري، وابن أبي حاتم، ومسلم، وابن حبان، وخليفة بن خيّاط في التابعين.

ز الحارث بن الأزمع الهمدانيّ

الإصابة في تمييز الصحابة

قال ابن عبد البر: مذكور في الصّحابة.
توفي في آخر أيام معاوية. هذا جميع ما قال فيه.
وقال أبو موسى في الذّيل: ذكره ابن شاهين، وعبدان في الصّحابة، لكن قال ابن شاهين، هو تابعي أدرك الجاهلية روى عن عمر.
قلت: ونسبه ابن سعد، فقال: الحارث بن الأزمع بن أبي بثينة بن عبد اللَّه بن مر بن مالك بن حرب بن الحارث بن سعد بن عبد اللَّه بن وداعة ذكره في الطبقة الأولى من تابعي
أهل الكوفة. وقال: توفّي في آخر أيام معاوية. وذكره البخاري، وابن أبي حاتم، ومسلم، وابن حبان، وخليفة بن خيّاط في التابعين.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - أزمة الصهيونية والمسألة الإسرائيلية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

أزمة الصهيونية
أزمة الصهيونية: تعريف
‏Crisis of Zionism: Definition
«أزمة الصهيونية» اصطلاح نستخدمه للإشارة إلى المشاكل التي تواجهها الصهيونية كعقيدة تستند إليها الدولة الصهيونية، وتدَّعي لنفسها الشرعية على أساسها، وتؤسس علاقتها بيهود العالم والعالم الغربي من خلالها.

ومن المعروف أن المشروع الصهيوني قد حقق نجاحات كثيرة لا شك فيها، مثل احتلال الأرض الفلسطينية بالقوة وطرد أعداد كبيرة من الفلسطينيين من ديارهم ووضع الباقين منهم تحت قبضته الإدارية والعسكرية الحديدية. كما نجح المشروع الصهيوني في نقل كتلة بشرية ضخمة استوطنت في هذه البقعة وأسست بنية تحتية زراعية صناعية عسكرية وانتصرت في عدة حروب ضد جيوش الدول العربية. ويحصل المشروع الصهيوني على الدعم غير المشروط من التشكيل الحضاري والسياسي الغربي، وبخاصة من الولايات المتحدة، التي تقف في الوقت الحاضر على رأس هذا التشكيل.
ولكن رغم كل هذه الإنجازات المهمة، التي لا يمكن التهوين من شأنها، يردد أصحاب المشروع الصهيوني أنفسهم أن مشروعهم يواجه أزمة حقيقية، حتى أن عبارة «أزمة الصهيونية» أصبحت مصطلحاً أساسياً في الخطاب السياسي، ولا تخلو صحيفة إسرائيلية من عبارات مثل «صهيونية بدون روح صهيونية» و «انحسار الصهيونية» .
وتُناقَش الأزمة الصهيونية بشكل شبه مستمر في المؤتمرات الصهيونية الواحد تلو الآخر. ونحن نذهب إلى أن أسباب هذه الأزمة بنيوية، أي لصيقة ببنية الاستيطان الصهيوني نفسه. ولذا بدأت الأزمة مع بداية هذا الاستيطان عام 1882، ولم يحلها إنشاء الدولة بل زادها تفاقماً وإن ظلت في حالة كمون إلى أن تبدَّت بشكل واضح عام 1967، وزادت حدتها مع حرب الاستنزاف وحرب 1973، ووصلت إلى لحظة حرجة مع هزيمة الدولة الصهيونية في لبنان ثم مع اندلاع الانتفاضة.
وعناصر الأزمة كثيرة من أهمها: قضية الهوية اليهودية (من هو اليهودي؟) ، وتطبيع الشخصية اليهودية، ومشكلة اليهود الشرقيين، وهوية الدولة اليهودية، والأزمة السكانية والاستيطانية، وتحجُّر الثقافة السياسية الصهيونية، وتصاعُد معدلات العولمة والأمركة في المستوطن الصهيوني.

وعناصر الأزمة الصهيونية متشابكة (كما سيتضح لنا أثناء التعرض لجوانبها كلٌّ على حدة) ، فمشكلة الهوية والصراع بين الدينيين والعلمانيين مرتبطة بالأزمة السكانية (الديموغرافية) ، وكلاهما مرتبط بأزمة الهجرة والاستيطان وبقضية تطبيع الشخصية اليهودية. كما أن أزمة صهاينة الداخل مرتبطة من بعض النواحي بأزمة صهاينة (ويهود) الخارج، وتتبلور العناصر في قضية اليهود الشرقيين (من السفارد واليهود العرب ويهود البلاد الإسلامية) . ورغم علمنا بهذا التشابك، إلا أننا فصلنا العناصر بعضها عن بعض كضرورة تحليلية.
وكل القضايا السابقة تشكل تحدياً للصهيونية وتقوض شرعيتها أمام يهود العالم ويهود المستوطن الصهيوني والدول الغربية الراعية للمشروع الصهيوني (وهذه هي الشرعية الصهيونية مقابل شرعية الوجود، أي شرعية النظام الاستيطاني أمام السكان الأصليين، أي الفلسطينيين) .
وقد أدَّت الأزمة إلى انفراط العقد الاجتماعي الصهيوني أو على الأقل تآكله. فقد كان هناك اتفاق على بعض المقولات الأساسية، مثل أن اليهود شعب واحد (يضم الدينيين واللادينيين والإشكناز والسفارد وغيرهم) ، وهو شعب يطمح للعودة إلى أرضه للاستيطان فيها، وأن الصهيونية ستنهي حالة المنفى وستقوم بتطبيع اليهود. لقد فشلت الصهيونية في كل هذا، فاليهودي (هذا المكوِّن الأساسي لهذا الشعب اليهودي) لم يعرَّف بطريقة ترضي كل الأطراف، وهو شعب يرفض العودة لوطنه القومي، الأمر الذي يخلق أزمة سكانية استيطانية. ولهذا، لم يَعُد هناك اتفاق على المكونات الأساسية للصهيونية وأهدافها المبدئية، فالرؤية ليس لها ما يساندها في الواقع، والواقع صلب لا يود أن يخضع للرؤية.

وقد ترجم هذا التآكل نفسه إلى عدم اكتراث بالمشروع الصهيوني الذي ترجم نفسه بدوره إلى عدم الإيمان بالقيم الصهيونية «الريادية» المبنية على التقشف وتأجيل الإشباع. وبدلاً من ذلك، ظهر السعار الاستهلاكي والنزوع نحو الأمركة والعولمة والخصخصة، وهي حالة لا تصيب الصهاينة وحدهم وإنما تصيب أيَّ مجتمع يفتقر إلى الاتجاه ولا يحل مشكلة المعنى. ولكن رغم كل هذا التآكل يظل هناك إجماع صهيوني لم يتآكل وهو رفض الاعتراف بالفلسطينيين وحقهم في هذه الأرض التي تم اغتصابها.
ولكن قبل أن نعرض لعناصر الأزمة الصهيونية المختلفة يجب أن نشير إلى أن بوسع المجتمعات الإنسانية أن تعيش في حالة أزمة مستمرة لعشرات السنين دون أن "تنهار من الداخل"، إن لم تُوجَّه لها ضربة من الخارج. والتجمع الصهيوني ليس استثناءً من هذه القاعدة، وخصوصاً أن كميات المساعدات التي تصب فيه من الولايات المتحدة تزيد عن ثمانية بلايين دولار لمجموع عدد السكان الذي يبلغ عددهم حوالي أربعة ملايين، الأمر الذي يجعل التجمُّع الإسرائيلي (الاستيطاني الوظيفي) من أكثر المجتمعات تلقياً للمساعدات الخارجية بالنسبة لعدد السكان. فالتجمُّع الصهيوني لا يحوي مكونات بقائه واستمراره داخله، فهو يستمدها من دولة عظمى تكفله وترعاه.
ومن الواضح أن إسرائيل مدركة تماماً لأبعاد أزمتها وأنه لا حل لها داخل إطار ما هو قائم. وقد أدَّى هذا إلى استقطاب شديد، فطرح حلاّن: الأول، الصهيونية الحلولية العضوية، ويتسم بالصلابة، والثاني، صهيونية عصر ما بعد الحداثة، ويتسم بالسيولة.
الأزمة البنيوية للصهيونية
‏Structural Crisis of Zionism
«الأزمة البنيوية للصهيونية» عبارة نستخدمها للإشارة إلى طبيعة الأزمة الصهيونية وهي أزمة لصيقة ببنية الصهيونية نفسها. فالمواجهة مع السكان الأصليين ليست كما يظن البعض مسألة عرضية، وإنما هي نتيجة حتمية وملازمة لتحقق المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية.

وأزمة الصهيونية، رغم بنيويتها، تزداد حدة وانفراجاً حسب الظروف التاريخية. ونحن نذهب إلى أن الأزمة تفاقمت بعد "انتصار" 1967 وهو ما حوَّله إلى عملية انتشار. ولأن طبيعة الأزمة بنيوية فلا يمكن حلها إلا عن طريق تغيير البنية نفسها، أي العلاقات التي تأسَّست في الواقع. ونحن نذهب إلى أن صهيونية الدولة (أو يهوديتها المزعومة) هي أساس عنصريتها وبنية التفاوت والظلم التي تأسَّست في فلسطين، ومن ثم فلا سبيل لحل الأزمة إلا عن طريق نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية.
الأزمة الصهيونية وبنية الأيديولوجية الصهيونية
‏Crisis of Zionism and the Structure of Zionist Ideology
تعود الأزمة الصهيونية إلى عدة أسباب بنيوية تنصرف إلى صميم المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. ولكن ثمة سمات تتسم بها بنية الأيديولوجية الصهيونية نفسها ساعدت على تفاقم الأزمة نذكر منها ما يلي:
1 ـ ثمة مسافة بين أقوال أي إنسان وأفعاله، فالقول الإنساني بطبيعته لا يتفق تماماً ولا يتطابق مع الفعل الإنساني. ولكن في حالة القول الصهيوني نجد أن المسافة التي تفصله عن الواقع شاسعة حتى يصبح القول كله (أحياناً) ديباجة لا علاقة لها بأي واقع، فهي تهدف أولاً وأخيراً إلى التبرير والتسويغ. ويعود هذا إلى أن الصهيونية لم تنبع من واقع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم وإنما هي صيغة أساسية توصلت لها الحضارة الغربية في عصر نهضتها وبداية تجربتها الاستعمارية الاستيطانية للتعامل مع الجماعات اليهودية ففرضتها عليها ثم تبنتها هذه الجماعات، أي أن حالة التبعية أو الذيلية الصهيونية للعالم الغربي ليست مسألة تنصرف إلى أمور السياسة والاقتصاد وإنما إلى بنية الأيديولوجية نفسها وأصولها الحضارية والفكرية.

2 ـ قامت الحضارة الغربية بنقل بعض أعضاء هذه الجماعات ككتلة بشرية مستقلة تُوطَّن في وسط العالم العربي عن طريق القوة العسكرية، فهي صيغة لا علاقة لها بالواقع العربي الذي زُرعت فيه.
3 ـ لكل هذا نجد أن الفكر الصهيوني فكر اختزالي يتجاهل معطيات الواقع سواء أكان الأمر يتعلق بواقع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم أم واقع الفلسطينيين العرب. وتتضح هذه الاختزالية في إنكار التاريخ والتفكير في وضع نهاية له: تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية والتاريخ العربي في فلسطين. كما يتضح في إنكار الجغرافيا. ففلسطين تصبح إسرائيل، وهي بلد لا حدود لها، إذ أن حدودها توجد داخل مفهوم إرتس يسرائيل الديني.
4 ـ لكل هذا نجد أن العقيدة الصهيونية أيديولوجية فاشية، نسق عضوي مغلق يخلع القداسة على الأرض (أرض الميعاد) والشعب (الشعب المختار) وينكر الآخر (الصراع مع الأغيار والعقلية الجيتوية) . ومثل هذه الأيديولوجيات تُكْسب حاملها قوة ومناعة وصلابة، ولكنها في الوقت نفسه تتسم بالجمود والانغلاق. ومن ثم فكثير من التناقضات الكامنة داخل الأيديولوجية أو في واقعها حينما تتبدى في الواقع، تظهر بشكل عنيف إن لم يكن فجائياً.
وقد حدثت داخل الدولة الصهيونية وخارجها تطورات عميقة من أهمها ظهور النظام العالمي الجديد وتصاعُد معدلات العلمنة بين يهود العالم وتبنِّي المعسكر العربي خطاباً برجماتياً بل انكماش المطالب العربية. ويستمر التجمُّع الصهيوني ونخبته الحاكمة في استخدام نفس الخطاب الصهيوني القديم ويدركون العالم من خلال المقولات القديمة للثقافة السياسية الصهيونية. وهو وضع يهدد بتصعيد الأزمة.
5 ـ تستند الأيديولوجية الصهيونية إلى فكرة الهوية وإلى تعريف عضوي ضيق لهما، ولذا فإن أية تحديات لهذه الفكرة تسبب شرخاً عميقاً في المجتمع.

6 ـ ثمة تناقضات عديدة داخل القول الصهيوني نفسه، فالتناقض ليس بين القول والفعل وحسب وإنما بين قول صهيوني وآخر، فدعاة القول الصهيوني لم يتفقوا فيما بينهم على الحد الأدنى فيما يتصل بكثير من القضايا النظرية الأساسية (حدود الدولة ـ الهوية اليهودية ـ موقفهم من يهود العالم) وإنما اتفقوا على الحد الأدنى من الفعل وحسب (نقل بعض يهود العالم إلى فلسطين وتوظيفهم داخل إطار الدولة الوظيفية) .
كل هذه السمات البنيوية في الأيديولوجية ساهمت في تفاقم الأزمة، إلا أن السبب الأساسي لها يظل أنه حين وُضعت هذه العقيدة الصهيونية موضع التنفيذ أفرزت الكثير من المشاكل بعضها خاص بالمستوطن الصهيوني ويهود العالم، والبعض الآخر خاص بالفلسطينيين (فيما نسميه «المسألة الفلسطينية» ) . وحسب تصوُّرنا لا يوجد حل داخل إطار الأمر الواقع الصهيوني لأيِّ من هذه المشاكل. وقد تفرز الصهيونية حلولاً يمينية صلبة (الصهيونية الحلولية العضوية) أو يسارية سائلة (صهيونية عصر ما بعد الحداثة) ، ولكنها حلول لا تتوجَّه إلى جذور المشكلة.
وأزمة الصهيونية متشابكة تتداخل فيها أسباب مع الأخرى وكذلك الأسباب والنتائج والأيديولوجية والواقع. ومع هذا لضرورات تحليلية سنقسِّم أوجه هذه الأزمة (في إطار الشرعية الصهيونية) إلى أربعة أقسام نتناول كل قسم في مدخل مستقل أو في عدة مداخل:
1 ـ إشكالية الديني والعلماني.
2 ـ أزمة الهوية.
3 ـ الأزمة السكانية والاستيطانية.
4 ـ تفكُّك الأيديولوجية الصهيونية من خلال تصاعُد النزعات الاستهلاكية (والعلمنة والأمركة والعولمة والخصخصة) .
العلمانية الشاملة والدولة الصهيونية
‏Comprehensive Secularism and the Zionist State

تَصدُر الحركة الصهيونية عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، ولكنها تم تهويدها، أي إدخال ديباجات يهودية عليها، واتفق الجميع على أن تكون الدولة الصهيونية «دولة يهودية» . ولكن مضمون كلمة «يهودية» كان يختلف من تيار صهيوني لآخر، فهرتزل كان يتحدث عن دولة علمانية لليهود، بينما تحدث الحاخام إسحق كوك عن دولة يهودية تعبِّر عن حلول الإله في الشعب وامتلائه بالقداسة. ورغم اختلاف الديباجات إلا أن العلمانية الشاملة، سيطرت على الدولة الصهيونية، شأنها في هذا شأن معظم البلاد الصناعية المتقدمة.
ويُلاحَظ أنه توجد ثلاثة مصطلحات في إسرائيل لوصف الانتماء الديني أو غيابه. أما المصطلح الأول، فهو «داتي» وهو مصطلح يُستخدَم عادةً للإشارة إلى المتدينين الأرثوذكس ورثة اليهودية الحاخامية. ولكن هناك مصطلحين يصفان اليهود الذين انسلخوا عن اليهودية الحاخامية: «حيلونى» و «ماسوراتى» . أما مصطلح «حيلوني» فيعنى «علماني» (من فعل «حل» بمعنى «حدث» أو «جرى» أو «صادف» أو «حال» الشيء أي «تحوَّل من حال إلى حال» ) . ومصطلح «حيلوني» شأنه شأن مصطلح «علماني» في اللغة العربية ومصطلح «سكيولار secular» في اللغة الإنجليزية ومصطلح «لائيك laique» في اللغة الفرنسية مختلط الدلالة. فالشخص الذي يوصف بأنه «حيلوني» يمكن أن يؤمن أو لا يؤمن بالإله.
ولكن المصطلح في المعجم الحضاري الإسرائيلي يزداد اختلاطاً واضطراباً بسبب وجود مصطلحات أخرى مثل «ماسوراتي» أي «تقليدي» أو «محافظ» . والكلمة تشير إلى اليهودي الانتقائي في ممارساته الدينية، والذي يؤدي بعض الشعائر دون البعض. ونصف سكان إسرائيل يصفون أنفسهم بأنهم «حيلوني» (زادت النسبة إلى 60% عام 1997) ، وتبلغ نسبة الماسوراتي 30%. ويصف 17% منهم أنفسهم بأنهم «متدينون» والباقي من أعضاء العبادات الجديدة (الآخذة في الانتشارفي إسرائيل) .

وكثيرون يترددون في تسمية أنفسهم «حيلوني» (أي «علمانيين» ) بسبب ما قد يوحي به المصطلح من الإلحاد ويفضلون صفة «تقليديين» أو «محافظين» ( «ماسوراتي» ) . ولكن، مع هذا، تجب الإشارة إلى أن «التقليدي» في إطار يهودي قد تعني أيضاً شيئاً قريباً من الإلحاد، إذ يمكن أن يُقيم اليهودي التقليدي الشعائر ويعطيها مضموناً وثنياً قومياً دون إيمان بالإله، كما هو الحال مع الصهاينة، واتباع اليهودية المحافظة وإن كان الاستخدام الأكثر شيوعاً هو «اليهودي المحافظ» ، أي من يقيم بعض الشعائر وحسب. وبطبيعة الحال مما يزيد الأمر اضطراباً أن مصطلح «يهودي» يكاد يكون دالاً دون مدلول، في الدولة العلمانية التي يُقال لها يهودية.

ويُلاحَظ، في إسرائيل، أن من السهل على اليهودي تأدية شعائر دينه إذ أن إيقاع الحياة وقوانين الدولة تساعده على ذلك. ومع هذا، ففي استطلاع للرأي أُجري عام 1975، وصف 55% أنفسهم بأنهم «متدينون جداً» أو «متدينون» فحسب، ووصف 45% أنفسهم بأنهم ليسوا متدينين على الإطلاق. ولكن حين طُبِّق على المتدينين ستة معايير للتدين، مثل عدم قيادة السيارة يوم السبت والذهاب إلى المعبد، ظهر أن 15% منهم فقط هم المتدينون حسب المعايير الستة وتم تصنيف 15% من هؤلاء على أنهم يقيمون الشعائر بشكل عام، مع ملاحظة أن هذه هي رؤيتهم لأنفسهم حيث لم يُختبر قولهم. ووصف 40% أنفسهم بأنهم تقليديون أو محافظون، في حين صرح 30% بأنهم ليسوا متدينين على الإطلاق. ولتوضيح مضمون صفة «تقليدي» ، تنبغي الإشارة إلى أن الأغلبية العظمى من الإسرائيليين صرحوا بأنهم لا مانع لديهم من الذهاب إلى السينما وركوب المواصلات يوم السبت، الأمر الذي يتنافى مع الشريعة. ومع هذا، قال 70% إنهم يوقدون الشموع في منازلهم في ذلك اليوم، وهو ما يعني أنهم اختاروا من الشعائر ما يتناسب مع الحياة العلمانية. إذ أن إيقاد الشموع عمل رومانسي لطيف لا يكلِّف كثيراً ولا يشكل قيداً على الحرية أو على الذات ولا يتطلب أية تضحية، وإلى جانب ذلك فهو ذو قيمة رمزية ترفع معنويات الشخص الذي يؤدي هذا الطقس. ومن الممكن بطبيعة الحال افتراض أن عدداً كبيراً من هؤلاء يوقد الشموع لأسباب إثنية لا علاقة لها بالدين.

وفيما يتصل بالطعام الشرعي، صرح 70% عام 1975 بأن تناول الطعام الشرعي أمر مهم ولكنه ليس أمراً ضرورياً أو مفروضاً. وقد انخفضت هذه النسبة إلى 56% في عام 1988. ويُقال إن نصف اللحم المُستهلَك في إسرائيل لحم خنزير. ومع هذا تشير إحدى الإحصاءات إلى أن 27% فقط يأكلون لحم خنزير. ولعل الباقين يستهلكونه ولكنهم لا يصرحون بذلك. وقد بيَّنت إحدى الدراسات أن عدد من يقيم شعائر الطعام في منزله وحسب 66%، وتنخفض النسبة إلى 55% في البيت وخارجه!
وفيما يتعلق بالذهاب إلى المعبد، نجد أنه أصبح عادة سنوية لا أسبوعية أو يومية، تماماً كما هو الحال بين يهود الولايات المتحدة. وقد صرح 63% بأنهم يذهبون إلى المعبد و23% يذهبون كل عيد. وتنخفض النسبة إلى أقل من 10% حينما يكون السؤال عن الذهاب للمعبد كل سبت! ومن الضروري تأكيد أن الذهاب إلى المعبد في العيد لا يكون بالضرورة تعبيراً عن توجُّه ديني بل قد يكون على العكس تعبيراً عن تزايد العلمنة إذ أن المعبد يصبح تعبيراً عن التمسك بالهوية الإثنية.
وقد أدَّى تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الإسرائيلي إلى انتشار الإباحية. ولم تَعُد تل أبيب وحدها مركزاً للإباحية، بل وصلت الإباحية إلى القدس أيضاً حيث توجد محلات لبيع الأشياء الإباحية على بعد خطوات من حائط المبكى، كما يتزايد بشكل ملحوظ خرق شعائر الدين اليهودي. ويُقال إن المجتمع الإسرائيلي أصبح من أهم مصادر البغايا في العالم، وأن لغة القوادين في أمستردام هي العبرية.

وقد أدَّى كل هذا إلى الاصطدام بين العناصر الدينية والعناصر اللادينية. وهذا يعني أن العقيدة اليهودية أصبحت من أهم مصادر الشقاق والتوتر بين اليهود، سواء بين أعضاء التجمُّع الصهيوني في إسرائيل أو بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وتتزايد التناقضات حدة مع تزايد معدلات العلمنة بينهم (للمزيد عن النقد اليهودي الديني للدولة الصهيونية باعتبارها دولة علمانية، انظر: «موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية» ) .
الديني والعلماني في الدولة الصهيونية
‏The Religious and the Secular in the Zionist State
رؤية الصراع في إسرائيل على أنه صراع بين المتدينين والعلمانيين هو شكل من أشكال التطبيع المعرفي. فالكيان الصهيوني كيان له خصوصيته وقوانينه، فمعظم المتدينين فيه ليسوا متدينين بالمعنى المألوف، ومعظم العلمانيين ليسوا "علمانيين" أيضاً بالمعنى المألوف للكلمة (فهم ليسوا علمانيين جزئيين وإنما هم علمانيون شاملون بدرجة متطرفة) . وإذا حاولنا إعادة تقسيم أعضاء المجتمع الصهيوني من منظور الاقتراب أو الابتعاد عن كل من الدين اليهودي والأيديولوجية الصهيونية، فيمكننا تقسيمهم إلى أربعة أقسام وليس إلى قسمين اثنين:
1 ـ المتدينون:
وهؤلاء يؤمنون باليهودية ديناً توحيدياً ويرون أن اليهود هم شعب بالمعنى الديني للكلمة أساساً، وأن العناصر القومية الإثنية في الدين اليهودي (مثل العودة والارتباط بالأرض) هي في جوهرها مفاهيم دينية لا يتم تحقيقها إلا بمشيئة الإله. وهذا الفريق معاد للصهيونية رافض للدولة الصهيونية، بل يرى فيها فعلاً من أفعال الشيطان. ولا تزال جماعة الناطوري كارتا (نواطير المدينة) من أهم الجماعات التي تمثل هذا التيار وتطالب بالانضمام لحكومة فلسطينية في المنفى، وهي تكافح ضد الصهيونية ولها نشاط داخل وخارج الكيان الصهيوني.
2 ـ الصهاينة المتدينون (أو الإثنيون الدينيون) ، أي الصهاينة من أصحاب الديباجات الدينية:

إذا كان المتدينون يرون أن على اليهودي الانتظار، ويرون العودة إلى صهيون فعلاً من أفعال الهرطقة (دحيكات هاكتس، أي التعجيل بالنهاية) فإن مسار التاريخ المقدَّس بالنسبة لهم يأخذ الشكل التالي: نفي ـ انتظار ـ عودة بمشيئة الإله. ومع هذا تغلغلت الصهيونية في صفوف المتدينين ونجحت في "صهينة" قطاعات كبيرة منهم (في الواقع الغالبية العظمى) بحيث تم طرح تصوُّر مفاده أنه يجب العودة قبل ظهور الماشيَّح دون انتظار لمشيئة الإله للإعداد لعودته وبهذا يأخذ التاريخ الشكل التالي: نفي ـ عودة للإعداد لمقدم الماشيَّح ـ انتظار ـ مقدم الماشيَّح.
ومن الواضح أن الشكل الجديد يسقط العنصر الديني إلى حدٍّ كبير بحيث تصبح العودة فعلاً من أفعال البشر يتم تحت مظلة المنظمة الصهيونية، وبالتالي استطاع هذا الفريق المساهمة في مشروع الاستيطان الصهيوني والمشاركة في كل النشاطات الصهيونية ـ الاستيطانية والعنصرية والإرهابية.
ولابد من إدراك أن المعسكر الصهيوني الديني (أي صاحب الديباجات الدينية) ليس معسكراً واحداً. فالانقسام السفاردي الإشكنازي يجد أصداءه داخله، فحزب شاس حزب ديني سفاردي. بل يمكن القول بأنه سفاردي أكثر من كونه دينياً، إذ ينضم له المهاجرون من البلاد الإسلامية بغض النظر عن مدى تديُّنهم. وهناك أيضاً الانقسام بين ممثلي حركة حبد الحسيدية من أتباع شنيرسون (ديجيل هاتوراه) وممثلي الجناح الديني الليتواني (المتنجديم) من أتباع الحاخام شاخ (أجودات إسرائيل) . وهناك الحزب الديني القومي أقدم الأحزاب الدينية وقد تعاون مع المؤسسة الصهيونية منذ البداية. وهناك المتدينون العاديون والحريديم الذي يوصفون عادة بالتطرف الصهيونى.
3 ـ العلمانيون الشاملون (من الصهاينة (

كانت اليهودية كنسق ديني في أوائل القرن التاسع عشر مع ظهور المجتمع الحديث في أوربا في حالة أزمة عميقة، إذ يبدو أنها تجمدت وتحجرت بحيث أصبح من العسير عليها أن تتطور. وقد ظهرت الصهيونية وطرحت نفسها على أنها ستحل محل اليهودية كمصدر للهوية، بحيث تصبح اليهودية انتماءً إثنياً بالدرجة الأولى (على طريقة المشروع القومي في الغرب) ، ولكن هذه الإثنية اليهودية لا تستند إلى تراث تاريخي طويل كما هو الحال مع الهويات الغربية كالفرنسية والإنجليزية، وإنما تستند إلى التراث الديني اليهودي، كما تستند إلى اعتذاريات، هي في جوهرها مطلقة مستمدة من المنطق الديني مثل حق اليهود الأزلي في أرض الميعاد. ولذا من الممكن أن نجد شخصاً ملحداً موغلاً في الإلحاد مثل بن جوريون يقتبس التوراة بل يقوم بتفسيرها. وقد استولى الصهاينة على الخطاب الديني اليهودي بكل ما فيه من إطلاق ديني، فهم علمانيون شاملون وليسوا جزئيين، باعتبار أن العلمانية الجزئية تفترض التعددية والنسبية. وهذا الفريق العلماني الشامل هو الذي أسَّس المنظمة الصهيونية العالمية، وهو الذي شيَّد المستوطن الصهيوني. وأهم ممثل له المؤسسة العمالية في إسرائيل بأحزابها ومستوطناتها وتنظيماتها.
4 ـ العلمانيون الجزئيون (أو الإنسانيون)
وهذا فريق صغير من اليهود الذين يرفضون الدين اليهودي، ولا يقبلون الصهيونية، أو يقبلون صيغة صهيونية يمكن تصنيفها على أنها صيغة علمانية جزئية، بمعنى أنها لا تبحث عن مسوغات لنفسها في الدين اليهودي ولا تخلع على نفسها أيَّ إطلاق ومن ثم فهي تقبل بقدر من المشاركة من العرب. وأهم من يمثل هؤلاء في إسرائيل جماعات صغيرة وشخصيات هامشية مثل حركة حقوق المواطن وأوري أفنيري وآربيه إلياف وشالويت ألوني.

والأيديولوجية الصهيونية تستبعد الفريق الأول تماماً وتستبعد الأخير بدرجات متفاوتة وتتوجَّه للفريق الثاني والثالث، وقد نشأ بينهم تحالف أو تفاهم منذ المؤتمر الصهيوني الأول، يستند أساسا إلى ما يسمى «الوضع الراهن» .
اهتزاز الوضع الراهن
‏Destabilization of the Status Quo
«الوضع الراهن» عبارة تُستخدَم للإشارة للأمر الواقع الديني بين المستوطنين الصهاينة إبَّان حكم الانتداب. فعلى سبيل المثال، تتوقف المواصلات العامة يوم السبت، ولكن يمكن استخدام السيارات الخاصة أو التاكسيات، وتُغلَق الشوارع في الأحياء التي تقطنها أغلبية متدينة وتُترَك مفتوحة في الأحياء الأخرى. أما في مجال الزواج والطلاق فقد وضعت الصلاحيات المطلقة في يد مؤسسة القضاء الحاخامي التي يسيطر عليها المتدينون (وهو استمرار لنظام الملة العثماني والذي أبقت عليه سلطات الانتداب) . وقد تم الاعتراف بالتعليم الديني المستقل، وهو ما يعني أن الدولة عليها أن تموِّله (وقد أصبح فيما بعد هو العمود الفقرى لتطور التطرف الصهيونى، ذى الديباحات الدينية) . ولا تُعرَض أفلام سينمائية ابتداءً من يوم الجمعة مساءً، وإن كان يُصرَّح بلعب كرة القدم يوم السبت (على أن تباع التذاكر في اليوم السابق) . وقد أرسل بن جوريون عام 1947 (باعتباره رئيس الوكالة اليهودية) خطاباً إلى زعماء أجودات إسرائيل وعد فيه بالحفاظ على الوضع الراهن. وقد تم أيضا اعفاء طلبه المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.

والعقد الاجتماعي الصهيوني يستند إلى قبول «الوضع الراهن» باعتباره الإطار المرجعي لكل العناصر التي تقبل المشروع الصهيوني (ولذا تُرفق اتفاقية الوضع الراهن بكل اتفاق ائتلافي منذ عام 1955) . والتفاهم العملي يمكن أن ينصرف إلى التفاصيل والفروع ولكنه غير قادر على حل المشاكل المبدئية، ولذا فالعقد الاجتماعي الذي يستند إليه المجتمع الصهيوني عقد واه جداً مهدد بالتمزق دائماً وفي أية لحظة. وقد أشرنا إلى أن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة تفترض أن اليهود شعب عضوي منبوذ ونافع يمكن توظيفه خارج أوربا لصالحها داخل إطار الدولة الوظيفية. وقد وُلدت الصهيونية على يد صهاينة غير يهود لا يكترثون باليهود وينظرون إليهم من الخارج باعتبارهم مادة استيطانية. ثم انضم إليهم صهاينة يهود غير يهود يشاركونهم عدم الاكتراث هذا. ثم ظهر دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية الذين هوَّدوا الصيغة عن طريق إدخال مصطلحات الحلولية اليهودية العضوية على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، ونادوا بالقومية اليهودية. لكن القومية، بالنسبة إليهم، تستند في نهاية الأمر إلى قراءة صهيونية لما يسمونه «التاريخ اليهودي» تثبت وجود شعب يهودي متميِّز مستقل. ولا تُعدُّ كُتب اليهود المقدَّسة من هذا المنظور سوى جزء من فلكلور هذا الشعب وتاريخه. ولذا، فإن القومية اليهودية قومية مقدَّسة، ولكنها مختلفة عن الدين اليهودي ومستقلة عنه، بل معادية له أحياناً. ثم كان هناك الجيب الصغير من الصهاينة الإثنيين الدينيين، وقد افترض هؤلاء منذ البداية أن الدين هو القومية وأن القومية هي الدين. وهكذا، فبدلاً من القومية بلا دين على طريقة هرتزل (والغرب عامة بعد عصر الإعتاق والاستنارة) ، أو القومية بدلاً من الدين على طريقة آحاد هعام (والقومية العضوية الألمانية السلافية) ، نصل إلى القومية كدين والدين كقومية على طريقة الشرق الأدنى القديم (الحلولية الوثنية) . ولعل أهم مفكري

هذا التيار هو الحاخام كوك صاحب الفكر الصهيوني الحلولي الذي هاجم من سماهم «الانشطاريين» ، أي الذين يفصلون الدين عن القومية.
وقد حاولت اليهودية الحاخامية محاصرة النزعة المشيحانية الحلولية بأن جعلت العودة منوطة بالأمر الإلهي، فكأنها استعادت شيئاً من الثنائية التوحيدية بدلاً من الواحدية الحلولية. ولكن الصهيونية الإثنية الدينية حطمت السدود الحاخامية الأرثوذكسية وبعثت النزعة الحلولية. ورغم أن مارتن بوبر يُعَد من أتباع الصهيونية الإثنية العلمانية، إلا أن مصطلحه الصهيوني ديني صوفي حلولي عضوي إلى أقصى درجة، إذ يلغي الازدواجيات والحدود ويؤكد أن إسرائيل شعب وأن القومي والمقدَّس يتداخلان في حالته تداخلاً تاماً. ولقد تلقَّى إسرائيل الشعب وحياً دينياً في سيناء، ولكن روح هذا الدين هي روح قوميته. ولا يختلف الوحي الذي تلقاه موسى من الرب عن الروح القومية للشعب. وهكذا يذوب الشعب في الإله ليكوِّنا كلاًّ واحداً غير متمايز، فلقد حل المطلق في النسبي حلولاً كاملاً، كما ابتلع النسبي المطلق ابتلاعاً كاملاً، ولذلك فإن في وسع اليهودي أن يعي الإله بأن يعي نفسه، أو كما قال الحاخام كوك: "إن روح إسرائيل وروح الإله هما شيء واحد".
وكما أسلفنا تعايش التياران جنباً إلى جنب: التيار الحلولي الديني (القومية كدين والدين كقومية) ، والتيار الحلولي العلماني (القومية كدين) ، وتقبلا سياسة الوضع الراهن، وكان من الممكن أن يستمر التياران في التعايش إلى ما لا نهاية، فالخطاب الصهيوني المراوغ كان كفيلاً بذلك. ولكن قبول الوضع الراهن كان مجرد تفاهم عملي، ولم يكن مبدئياً بأيِّ شكل من الأشكال تتحكم فيه توازنات القوى بين الفريقين الديني والعلماني واللاديني.

وقد ظل الوضع الراهن قائماً لمدة سنوات طويلة، ودخلت الأحزاب الدينية كل الائتلافات الوزارية التي حكمت إسرائيل، وقنعت بدور التابع الذي يقنع بقطعة من الكعكة. ولكن مع تزايد علمنة المجتمع الصهيوني وعلمنة يهود العالم وتصاعد الخطاب الديني وزيادة عدد الصهاينة من دعاة الديباجات الدينية وظهور مشكلة اجراءات اليهود زادت حدة الاستقطاب في المجتمع الصهيوني بين الدينيين والعلمانيين. ومن الأمثلة على ذلك الموقف من طلبه المعاهد الدينية، فعند إعلان الدولة، وحين تم اعفاءهم من الخدمة العسكرية، كان عددهم لا يتجاوز 400، ولكن عام 1997 كان عددهم يزيد عن29.000. وهذه الألوف لا تعمل، فهم طلبه وحسب، أى أن نسبة كبيرة من المستوطنين أصحاب الديباجات الدينية يعيشون على نفقة دافع الضرائب الإسرائيلي. ولذا أشار لهم أحد كبار العلمانيين في إسرائيل بأنهم «طفيليين» ، وهي كلمة لها مدلول خاص في المعجم الإسرائيلي، فكان يستخدمها أعداء اليهود للإشارة لهم. وقد قال شيمون بيريز حين هُزم في الانتخابات: «لقد هزم اليهود الإسرائيليين» ، كما لو كان هناك فريقان يتصارعان في إسرائيل: «يهود متيدينون» ضد «إسرائيليين علمانيين» ، والفريق الأخير ليس «يهوديا» .
واحتكار المؤسسة الدينية لعمليات الزواج والدفن يثير حفيظة العلمانيين. فالمهاجرون اليهود السوفييت (وعدد كبير منهم «غير يهودى» حسب التعريف الأرثوذكس) ، لا يمكنه أن يتزوج فى إسرائيل أو يدفن حسب الشريعة اليهودية فيها وقد أُخرج جثمان أحدهم بعد خمس أعوام من دفنه حين شكّت المؤسسة الحاخامية فى يهوديته. كما أن أحد المستوطنين من أصل سوفييتى لقي حتفه بعد إحدي الهجمات الاستشهادية الفلسطينية، ومع هذا لم يتم دفنه في مقبرة يهودية.

كل هذا أدي إلي أن حوالي نصف الإسرائيليين يري أن الموقف المتأزم من العلمانيين والمتدينين سيؤدى إلي نشوب حرب أهلية. وقد قال الحاخام حاييم ميلر إن الحل هو الفصل بين الفريقين منها للاشتباك بينهما.
الأصولية اليهودية
‏Jewish Fudmentalism
كلمة «أصولية» هي ترجمة حرفية لكلمة فاندا منتاليزم Fundamentalism، وهي مأخوذة من كلمة فاندمنت Fundament التي تعني «الأساس» أو «الأصل» (من اللغة اللاتينية، كلمة «فاندا منتم» Fundamentum تعني «أساس» ) .
وكلمة «أصولية» الإنجليزية استُخدمت أول ما استخدمت في سياق مسيحي وتعني «حركة بروتستانتية أمريكية» تهدف إلى إعادة تأكيد بعض ما يتصور أنه عقائد ثابتة وأصلية مسيحية مثل قدسية الكتاب المقدَّس وأنه صائب تماماً (بل قد ارتبطت كلمة «أصولية» بالتفسير الحرفي والمباشر لنصوص الكتاب المقدس) ، والإيمان بالمعجزات (وخصوصاً الحمل بلا دنس) والبعث الجسدي للمسيح. ثم طبقت هذه الكلمة على الاتجاهات التجديدية في الإسلام ثم الحركات الدينية المتطرفة في اليهودية. و «الأصوليات» الثلاث مختلفة تمام الاختلاف في مضمونها واتجاهها.
وعبارة «الأصولية اليهودية» تُستخدم في الخطاب السياسي العربي والغربي للإشارة إلى شكل من أشكال التطرف الديني عادةً «الأرثوذكسي» (وتترجم كلمة «أصولي» أحياناً إلى كلمة «متزمت» أو «متشدد» أو «متطرف» مما يعني ترادف كل هذه المصطلحات مع لفظ «أرثوذكسي» . وهذا خلل ناجم عن تطبيق مصطلح ديني، ثم اقتراضه من نسق ديني ما ثم تطبيقه على نسق ديني آخر) .

ويرى مستخدمو هذا المصطلح أن هذه الأصولية تعود إلى الحاخام أبراهام كوك (الذي كان يشغل منصب الحاخام الإشكنازي في فلسطين) وأنها مستمرة حتى هذه الأيام (على يد ابنه الحاخام تسفي كوك وغيره) ، بل إنها آخذة في التنامي. فقد بلغ عدد أعضاء الكنيست «الأصوليين» ، أي ممثلي الأحزاب الدينية (المفدال وديجيل هاتوراه وشاس) 23 عضواً (مقابل 16 عضواً في الكنيست السابق) من مجموع 120 عضواً. وتُعد هذه أكبر نسبة في تاريخ إسرائيل السياسي.
وهذا التيار الديني أصبح بمقدوره التحكم في رئاسة الحكومة وإسقاط الحكومات. ولا يمكن تشكيل أية حكومة دون مشاركته (رغم أن أعضاء هذا التيار غير معنيين بالسياسة بالمعنى الضيق للكلمة فهم يهتمون بميزانيتهم بالدرجة الأولى) وهم يستأثرون بوزرارات المستقبل (التعليم ـ الإسكان ـ الأراضي ـ المهاجرون ـ الأديان) ويتحكمون في وزارة حيوية مثل وزارة التعليم، ويُقال إنهم أصبح لهم نفوذ كبير داخل الجيش. فهناك حاخامية عسكرية تتولَّى مهمة التوجيه الفكري والديني داخل القوات المسلحة، وهي تباشر كل شئون الأحوال الشخصية المتعلقة بالعسكريين، وتشرف على المدارس العسكرية الدينية، وتخرِّج أجيالاً مسكونة بالكراهية المطلقة للعرب، كما تتولى الحاخامية إصدار الفتاوى التي تضفي القداسة على الممارسات والجرائم التي يرتكبها الجنود ضد العرب. وقد أوصل هذا التغلغل داخل الجيش عدداً غير قليل من الضباط الأرثوذكس إلى مراتب عليا.

وفي استطلاع أجرته صحيفة يديعوت أحرونوت قال 47% من الإسرائيليين أنهم يتوقعون حدوث حرب أهلية بين المتدينين والعلمانيين اليهود (وقد تكون هذه مبالغة، ولكنها «مبالغة دالة» إن صح التعبير) . ودعاة الأصولية اليهودية يقفون الآن بمنتهى الحزم والشراسة ضد أي انسحاب من الضفة والجولان ومع الاستيطان وطرد العرب، وهم مستعدون للذهاب في سبيل الدفاع عن موقفهم هذا إلى أبعد مدى. ولا تنس أنهم يعتبرون باروخ جولدشتاين منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي قديساً ومثلاً أعلى يجب الاحتذاء به.
والأطروحات الأساسية لهذه «الأصولية» ـ حسب تصوُّر من يستخدمون هذا المصطلح ـ كما يلي:
1 ـ إنشاء دولة إسرائيل هو تجسيد للحلم التوراتي اليهودي القديم، رغم أن الحركة الصهيونية نفسها، المؤسسة للكيان الصهيوني، لم تكن حركة دينية، وإنما كانت أيديولوجية سياسية علمانية، ورغم أن الآباء المؤسسين (الحرس القديم) مثل بن جوريون وإيجال آلون، كانوا ملحدين في حياتهم، علمانيين في طرق تفكيرهم. ويسمي كوك هذه الظاهرة (وعد ديني يتحقق على يد علمانيين) «الانشطارية» . ولذا بينما يرفض الأصوليون هذا الطابع العلماني للدولة، فإنهم يقبلون بفكرة الدولة اليهودية نفسها (على عكس ناطوري كارتا التي ترفض فكرة الدولة من أساسها) .
2 ـ لا يمكن الثقة في الأغيار، بأي شكل، وأرض إسرائيل الكبرى هي أرض يهودية، ولابد للدولة اليهودية أن تعتمد على نفسها وحسب (رغم كل المساعدات الخارجية التي تصب فيها) . ولذا لا يفهم أعضاء هذا اليمين الديني الموازنات الدولية حق الفهم. وهم يتصورن أنه لا يمكن عقد سلام مع العرب، بل يجب طردهم أو تهجيرهم. ولذا نجد أن الأغلبية الساحقة لهؤلاء المستوطنين من أصحاب الديباجات الدينية يقضون ضد أى تنازل عن الأرض اليهودية.

وهذه المقولات ليست بالضرورة مقولات دينية ويمكن لأي حزب علماني أن يتبناها. وبالفعل نجد أن اليمين (المؤيد لنتنياهو) يضم في صفوفه متدينين قوميين وعلمانيين. فهو يضم (كما أسلفنا) أحزاب دينية مثل حزب المفدال وشاس وديجيل هاتوراه، ولكنه يضم أيضاً أحزاب موليديت وإسرائيل بعالياه وتسوميت. وحزب إسرائيل بعالياه هو حزب الصهاينة المرتزقة، أي المهاجرين السوفييت الراغبين في تحسين مستواهم المعيشي، أما حزب تسوميت، فهو حزب صهيوني لا ديني. ولا يمكن الحديث عن نتنياهو أو عن جيله بأسره، باعتباره متديناً. ولكل هذا نجد صعوبة بالغة في استخدام هذا المصطلح، نظراً لعدم دلالته وتفسيريته.
ولابد من القول بأن الخاصية الجيولوجية التراكمية لليهودية تبرر الشيء وعكسه، فهي على سبيل المثال تبرر الاستيلاء على الأرض وعلى إعادتها للعرب (في سبيل الحفاظ على النفس اليهودية "بيكوح نيفيش") . كما يمكن القول بأن اليهودية الحاخامية حاولت، بشكل عام، محاصرة النزعة المشيحانية ولذا جعلتها منوطة بمشيئة الإله، والعودة الشخصية الفعلية (دون انتظار أوامر الإله وتعاليمه) يُعد ارتكاباً لخطيئة «دحيكات هاكتس» ، أي «التعجيل بالنهاية» ولذا فالأرثوذكسية تبرر «العودة» وتحرمها في آن واحد. ورغم التأييد الأرثوذكسي للاستيلاء على الأرض فقد أحجم الحاخام شنيرسون عن إتمام رحلته إلى فلسطين قائلاً: "في السماء شهودي، لو كان الأمر بيدي لحثثت الخطى إلى هناك [إلى فلسطين] كالسهم حينما يخرج من قوسه" ولكنه لم يفعل، خشية أن يفسر الصهاينة رحلته هذه على أنها قبول لرؤيتهم، كما أن الحاخام هيرش، زعيم الناطوري كارتا، امتنع عن زيارة حائط المبكى، رغم أنه كان يعيش على بُعد خطوات منه.
التطرف اليهودي
‏Jewish Extremism

«التطرف اليهودي» مصطلح يُستخدم، خطأ، في الخطاب السياسي العربي والغربي للإشارة إلى «الأصولية اليهودية» أو إلى «اليهودية الأرثوذكسية» . ويتحدث الإعلام أحياناً عن «المتطرفين اليهود» بمعنى «اليهود الأرثوذكس» .
اليهودية المتزمتة
‏Rigid Judaism
«اليهودية المتزمتة» مصطلح يُستخدم، خطأ، في الخطاب السياسي العربي والغربي للإشارة إلى «الأصولية اليهودية» أو إلى «الأرثوذكسية اليهودية» . ويتحدث الإعلام أحياناً عن «المتزمتين اليهود» بمعنى «اليهود الأرثوذكس» .
اليهودية المتشددة
‏Rigid Judaism
«اليهودية المتشددة» مصطلح يُستخدم، خطأ، في الخطاب السياسي العربي والغربي للإشارة إلى «الأصولية اليهودية» أو إلى «الأرثوذكسية اليهودية» . ويتحدث الإعلام أحياناً عن «المتزمتين اليهود» بمعنى «اليهود الأرثوذكس» .
أزمة الصهيونية الإثنية العلمانية وتصاعد الديباجات الدينية
‏Crisis of Ethnic Secular Zionism and the Escalation of Religious Apologetics
رغم تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الإسرائيلي ورغم اهتزاز الوضع الراهن إلا أنه لوحظ تَصاعُد الديباجات الدينية في إسرائيل. ولتفسير هذه الظاهرة يمكن أن نشير إلى ما قاله هارولد فيش أستاذ الأدب الإنجليزي، أحد أهم منظري الصهيوني الإثنية الدينية الجديدة الذي هاجر إلى إسرائيل عام 1958، حيث درس في جامعة بار إيلان وأسَّس معهد اليهودية والفكر الحديث.

1 ـ يرى هارولد فيش أن من أهم التحولات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي تآكل المؤسسات المختلفة التي يُقال لها «اشتراكية» والتي كانت تهيمن على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في إسرائيل. فالكيبوتسات نفسها انكمش حجمها بالنسبة إلى الاقتصاد القومي وتحولت عن الزراعة إلى الصناعة واستخدمت العمالة العربية، وتحوَّل أعضاء الكيبوتس أنفسهم إلى ما يشبه المديرين ورجال الأعمال. كما أن الطبيعة الاستعمارية للدولة الصهيونية، وتحالفها مع الإمبريالية الغربية وجنوب أفريقيا، زادا وضوحاً وذيوعاً. وقد أدَّى هذا إلى تآكل الديباجة الاشتراكية، إذ أصبحت فارغة من المعنى يتمسك بها الإشكناز وأولادهم وهم يتمتعون بمستويات معيشية عالية داخل الكيبوتسات الاشتراكية التي يتم تمويلها من الولايات المتحدة والتي كانت تصدِّر منتجاتها إلى جنوب أفريقيا!
2 ـ مما زاد عملية التآكل، وصول يهود البلاد العربية الذين لم تحقق لهم الصهيونية العمالية مستوى معيشياً مرتفعاً بقدر ما سلبتهم هويتهم الحضارية ودفعت بهم إلى أدنى درجات السلم الاجتماعي (فوق العرب مباشرةً!) .
3 ـ ثم جاء اليهود السوفييت الهاربون من النظام الاشتراكي، الباحثون عن النعيم الاستهلاكي، الذين لم يكونوا على أدنى استعداد لأن يمضوا في اللعبة الصهيونية الاشتراكية.

4 ـ كان المعسكر العمالي اللاديني هو المعسكر المهيمن على المشروع الصهيوني منذ العشرينيات، إذ كانت مؤسساته القوية الضخمة (الهستدروت والكيبوتس) هي المهيمنة. ولكن هزيمة 1973 أفقدته كثيراً من شرعيته، وأصبح بإمكان معسكر الليكود (الصهيونية ذات الديباجة اليمينية) أن يطرح نفسه كبديل. ثم نجح بالفعل في الوصول إلى الحكم عام 1977. ورغم أن زعماء الليكود هم أنفسهم لا دينيون، إلا أنهم زادوا جرعة الاعتذاريات الدينية الصهيونية حتى يمكنهم اجتذاب اليهود السفارد واليهود العرب الذين لا يزال الدين يلعب دوراً كبيراً في حياتهم.
5 ـ أصبح المجتمع الصهيوني مجتمعاً متسيباً من الناحية الأخلاقية ويعود هذا بغير شك إلى أنه مجتمع مستوطنين مهاجرين. ومثل هذه المجتمعات تتسم بالتفكك والتسيب الخلقي لأسباب كثيرة ليس هنا مجال حصرها. ولعل اعتماد المجتمع الإسرائيلي على السياحة (وفي تصوري أن السائح باعتباره شخصاً مُقتلَعاً باحثاً عن المتعة العابرة لقاء أجر، عنصر مدمر من الناحية الأخلاقية والاجتماعية) ساهم هو الآخر في زيادة التفكك والتسيب. ثم كان للسياسات الاقتصادية التي تبناها الليكود في أوائل الثمانينيات (كجزء من حملته الانتخابية) والتي تشبه من بعض الوجوه سياسات الانفتاح في مصر ـ بتشجيعه الاستيراد الاستهلاكي ـ أعمق الأثر في زيادة حدة السعار الاستهلاكي وما يصاحبه من توجهات اجتماعية ضارة. مهما كان السبب فالمحصلة النهائية هي أن المجتمع الإسرائيلي ـ كما يقول أمنون روبنشتاين في كتابه العودة للحلم الصهيوني ـ أصبح من أكثر المجتمعات انحلالاً في العالم، ولا يوجد أيُّ نوع من أنواع الانحرافات الجنسية إلا ويُمارَس فيه.

6 ـ لا يمكن فصل الصهيونية عن التوسع وضم الأراضي، وبعد عام 1967 تم ضم أراض شاسعة كان على الصهاينة استعمارها. وقد تمت حركة الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية تحت رايات الديباجة الدينية. فمعظم المستوطنين في الضفة الغربية من المتدينيين لأن العلمانيين فقدوا الرغبة في الدفاع عن المُثُل الصهيونية العلمانية، وقد اسبغ هذا الكثير من الشرعية على المؤسسة الدينية.
7 ـ استخدام الاعتذاريات الصهيونية العلمانية (الصهيونية كحركة تحرُّر وطني للشعب اليهودي ـ الصهيونية كحركة بَعْث اشتراكي) أصبح أمراً صعباً جداً مع تزايد قمع الشعب الفلسطيني، ولذا لم يكن هناك مفر من استخدام اعتذاريات دينية مغلقة.
8 ـ وأخيراً هناك أزمة الأيديولوجية الصهيونية العامة، فيجب ألا نسقط من اعتبارنا الأزمة العامة التي تعيشها المجتمعات العلمانية في الغرب، فهي مجتمعات اكتشفت إفلاس مبدأ اللذة والمنفعة (التي تستند لها فلسفة الحكم في هذه الدول) وظهر ما يُطلَق عليه أزمة المعنى، فالفرد في مجابهة العزلة والشيخوخة والمشاكل الشخصية والموت لا يقنع بالتفسير النفعي أو ما شابه من تفسيرات مادية أخرى. ويبحث عن إجابات أكثر عمقاً وإنسانية للأسئلة التي تطرحها عليه تجربته الشخصية والحياتية في هذا الكون.

كل هذا أدَّى إلى إفلاس الصهيونية الإثنية العلمانية وحسب تصوُّر هارولد فيش، فإن الموقف يتلخص في هذه الكلمات: "ثمة أزمة روحية مركبة تؤثر في المجتمع الإسرائيلي العلماني، فكثيرون من أتباع جوردون يبحثون عن الوظائف ... كما أن هناك بين أبناء الرواد الاشتراكيين قدر متزايد من التقليد الرخيص لحضارة الغرب، والعدمية في الأدب والفنون، والتلاعب بالمال العام من أجل الربح الخاص. وبين أبناء اليهود الأتقياء، الذين أتوا من الأحياء اليهودية في الدار البيضاء ومراكش، قدر متزايد من جرائم العنف وإدمان المخدرات. فعندما وصلوا (وهم أطفال) في بداية الخمسينيات، حرمهم المجتمع العلماني من حقهم الطبيعي الروحي وأعطاهم بضائع رخيصة في المقابل".
لكل هذا، بدأت المؤسسة الدينية الصهيونية تطرح نفسها كبديل وتبدي استعدادها للإمساك بزمام القيادة، ولم تَعُد تقنع بدور الشريك الضعيف، وعلى كلٍّ، إذا كانت إسرائيل دولة يهودية حقاً كما تدَّعي، فمَن أحق بالحديث باسمها وإدارتها من المتدينين الصهاينة الذين يرفعون لواء الدين القومي والقومية الدينية ويُعرِّفون اليهودي تعريفاً يحل مشكلة المعنى بالنسبة له ويسوِّغ وجوده في فلسطين في خط النار داخل الحروب المتكررة. فالشعب المختار ـ حسب تفسيرهم ـ شعب كُتبت عليه مجابهة الأغيار، ولا يمكن أن يقنع بالحياة الرخوة اللينة (التي يبشر بها اللادينيون (.
صهينة العناصر الدينية الأرثوذكسية بعد عام 1967
‏Zionization of the Orthodox Elements after 1967

بعد احتلال ما تبقى من فلسطين في حرب يونيه 1967، طرأ تحوُّل على مواقف معظم الأحزاب الدينية الصهيونية وغير الصهيونية من اعتبار هذه الحرب معجزة وإشارة ربانية إلى اعتبارها بداية الخلاص، وفي الأوساط الدينية غير الصهيونيةانطلق الصوت الجديد من الولايات المتحدة، موطن زعيم حركة حبد، الحاخام شنيرسون. ويتلخص الموقف الجديد بالقول بأنه صحيح أن دولة إسرائيل بوصفها كياناً صهيونياً تعبير عن الكفر والتمرد على إرادة الله، ولذلك فهي بالتأكيد ليست تعبيراً عن الخلاص، لكن، ومن ناحية أخرى، فإن أرض إسرائيل بسيادة يهودية تنطوي على مغاز ذات أهمية. ولذلك تدعو هذه الحركة إلى عدم التنازل عن أيٍّ من الأراضي التي احتُلت عام 1967، وذلك من منطلق أحكام الشريعة الدينية.
لقد تأثر هذا الموقف منذ البداية بما سمي «المعجزات والإشارات السماوية» التي تجلت بالانتصارات في الحروب المختلفة، وخصوصاً حرب 1948 وحرب 1967. وقد اعتمد قسم من هذا التيار، في تأكيده عدم قدسية إسرائيل، على الفارق بين دولة إسرائيل وأرض إسرائيل، وعلى ذلك الجزء بالذات الذي لا يمثل مكاناً مهماً في التقاليد الدينية اليهودية. لكن، بعد احتلال عام 1967، زال الفارق عملياً، وأصبح هناك تطابق بين أرض إسرائيل وهي مفهوم ديني وبين دولة إسرائيل وهي مفهوم سياسي علماني، وزاد اقتراب اتباع هذا التيار تدريجياً من الأوساط اليمينية في إسرائيل، أو لوبي أرض إسرائيل كما تُسمِّي هذه الأوساط نفسها. ومع أن هذا التيار ما زال غير صهيوني بالمعنى التقليدي، إلا أن تحوُّل أرض إسرائيل إلى قيمة دينية في نظره، جعله يقترب كثيراً من مواقف جوش إيمونيم.

أما التيار الثاني القديم الجديد، فهو التيار الذي تمثله المدارس الدينية الليتوانية بزعامة الحاخام إليعازر مناحم شاخ، وهو الآن شخصية متميزة في عالم المتدينين اليهود. وقد ساهم الحاخام شاخ بعد انشقاقه عن مجلس كبار التوراة، السلطة الروحية لأجودات إسرائيل، في إقامة حزبين هما: حركة شاس التي قاسمه زعامتها الروحية الحاخام الشرقي عوفاديا يوسف، وحركة ديجل هتوراه (علم التوراة) التي لا ينافسه أحد في زعامتها حتى اليوم.
ينظر الحاخام شاخ إلى دولة إسرائيل نظرة برجماتية مغالية في برجماتيتها، لأنه ينزع عنها أية قيمة مقدسة؛ فلا هي بداية الخلاص كما تعتقد جوش إيمونيم، ولا هي مقدمة لبداية الخلاص إذا أحسن استخدامها، كما تدَّعي أوساط من أجودات إسرائيل، وليست أرض إسرائيل مقدسة بحد ذاتها. ويعتقد الحاخام شاخ بقدوم الماشيَّح، أي أن هناك جانباً مشيحانياً في تدينه. إلا أنه لا يرى أي عنصر مشيحاني في الواقع، فالواقع التاريخي يتطور بموجب منطقه الداخلي. والتوراة حافظت على الشعب اليهودي آلاف السنين، فهل نستبد بها شيئاً آخر، وبماذا؟ التوراة هي التي تحافظ على شعب إسرائيل، لا الدولة.

ينقسم العالم، في نظر الحاخام شاخ، إلى يهود وغير يهود (الأمم) . والمقولة التلمودية والتوراتية: "عليك ألا تعجل النهاية وألا تتمرد ضد الأمم" تحمل، لدى هذا التيار، معاني محددة. فالتمرد ضد الأمم لا يعني أن على اليهود البقاء في منفاهم الجغرافي وألا يقيموا دولة يهودية، بل يعني أن تتعامل إسرائيل بحذر مع الدول العظمى ومع العرب، وعليها أن تكون مستعدة لتقديم تنازلات من أجل السلام، وهذا موقف يتبناه بشكل أكثر حدة الحاخام عوفاديا يوسف الذي يدعو إلى تفضيل "سلامة اليهود على سلامة أرض إسرائيل". لكن، ومن ناحية أخرى، فإن الحاخام شاخ يطرح أمام الصهيونية تحدياً جديداً هو وطنية يهودية تنظر إلى غير اليهود بريبة وحذر. فالصهيونية تحاول تحويل اليهود إلى أمة كباقي الأمم، لكنهم ليسو كذلك، فالأمم تترقب الفرصة للانقضاض على اليهود: "من البديهي أن يكره عيسو يعقوب" (مقولة من المدراش) . وعلى اليهود أن يفوتوا الفرصة على غير اليهود؛ عليهم إذن أن يتصرفوا بحكمة وحذر وأن يتقنوا إجراء الحلول الوسط.
أزمة الصهيونية الإثنية الدينية
‏Crisis of Ethnic Religious Zionism
يرى دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية أن أزمة المجتمع الصهيوني ليست كامنة فيه وإنما في وجود هذه الكتلة البشرية اليهودية المتمسكة بالعقائد الدينية الجامدة والآخذة في التكاثر. وهم يرون أن عصر النظام العالمي الجديد (وما بعد الحداثة) يتيح فرصة ذهبية أمام الدولة الصهيونية لتعقد تحالفات مع أعضاء النخب الحاكمة ضد الأصوليات الدينية، إسلامية كانت أم يهودية.

وهذا المنطق ينطوي على خلل أساسي، فالدعوة لإسرائيل الكبرى ـ على سبيل المثال ـ ليست مقصورة على المتدينين الجامدين، وإنما تضم عدداً كبيراً من الملاحدة، أو اليهود الإثنيين كما يسمون أنفسهم. وإيريل شارون ونتنياهو قد يرتدون غطاء الرأس اليهودي ولكنهم لا يؤمنون بالإله ولا يقيمون أبسط الشعائر اليهودية. وحينما يفعلون ذلك فإنهم يفعلونه من قبيل التمسك بالفلكلور. وحروب إسرائيل ومشروعها الاستيطاني تمت تحت ألوية الصهيونية الإثنية العلمانية، المتطرفة في علمانيتها.
دار الحاخامية الرئيسية في إسرائيل
‏Chief Rabbinate in Israel
أبرز المؤسسات الدينية في إسرائيل إلى جانب وزارة الشئون الدينية. أنشأتها حكومة الانتداب البريطاني عام 1921، لتحل محل مؤسسة الحاخام باشي العثمانية، وعهدت إليها بتصريف أمور الأحوال الشخصية لليهود المقيمين في فلسطين. وهي تتمتع بصلاحيات واسعة في الأمور المتعلقة بالزواج والطلاق والإرث والطعام والختان والدفن وإقامة شعائر السبت وكان أول رئيس للحاخامية الحاخام الصهيوني إسحق كوك.
وقد أُعيد تعريف سلطات وصلاحيات الحاخامية عام 1928. إذ قُسِّمت السلطة بين حاخام إشكنازي وآخر سفاردي يحمل لقب ريشون لتسيون: أي الأول في صهيون، باعتبار أن وجوده في فلسطين يسبق وجود الإشكناز. وكانت العضوية في مجلس الحاخامية مقسَّمة بين الإشكناز والسفارد بالتساوي. وقد عارض تأسيس الحاخامية كل من اليهود الأرثوذكس واليهود العلمانيون. فالأرثوذكس كانوا يرون أن الحاخامية تتلقى الأوامر من الزعامات الصهيونية العلمانية ومن ثم فهي تشكل خضوعاً للأيديولوجية العلمانية. أما العلمانيون فكانوا يخشون من تعاظم نفوذ الحاخامية ومن أنها قد تتدخل في الحياة العامة وتفرض عليها طابعاً دينياً.

وقد استمرت الحاخامية في ممارسة صلاحياتها بعد تأسيس الدولة. وقد أصبح الحاخامان الأكبران هما أيضاً رئيسا المحكمة الحاخامية العليا. وترفض الحاخامية الخضوع للسلطات القضائية في الدولة كالمحكمة العليا (ومما يساعدها على مزيد من الهيمنة أن إسرائيل ليس لها دستور مكتوب) . وتُسيطر على دار الحاخامية العناصر الأرثوذكسية التي قَبلت التعاون مع المؤسسة الصهيونية. أما اليهود المحافظون والإصلاحيون فهم غير مُمثَّلين فيها. وتُعَدُّ الأحزاب الدينية في إسرائيل بمنزلة الذراع السياسية لدار الحاخامية، وتدور دار الحاخامية (وكل المؤسسات الدينية) داخل إطار ما يُسمَّى «سياسة الوضع الراهن» ، أي العرف السائد في فلسطين إبَّان حكم الانتداب البريطاني فيما يتصل بما يجب مراعاته من الشعائر الدينية اليهودية في رقعة الحياة العامة، وما يمكن تجاهله.

وتفجر دار الحاخامية من آونة لأخرى بعض التناقضات الكامنة في الأطروحات التي تستند إليها الدولة الصهيونية. فالصهاينة يفترضون وحدة اليهود. ولذا، فحينما تشكِّك الحاخامية في يهودية بني إسرائيل من الهند والفلاشاه من أثيوبيا فإنها تهز هذه الوحدة من جذورها. وحين ترفض الاعتراف بالحاخامات الإصلاحيين والمحافظين، وبعمليات التهود التي يشرف عليها هؤلاء الحاخامات، وحينما تُصر على التحقق من الأصول اليهودية للمهاجرين السوفييت فإنها تخلق توترا بين الدولة الصهيونية والأغلبية الساحقة من يهود العالم، وتُعيد طرح السؤال الذي لا يريد أن يتوارى، أي من هو اليهودي؟ كما أنها تعمق الانقسامات داخل إسرائيل نفسها بين أصحاب التعريف العلماني لليهودي وأصحاب التعريف الديني القومي، فهي تُصر على التمسك بسياسة الوضع الراهن وعلى إقامة بعض الشعائر وتُحارب الإباحية المتزايدة في المجتمع الصهيوني، الأمر الذي يثير حنق العلمانيين، وخصوصاً أن الإباحية والانفتاح مرتبطان تماماً بالقطاع السياحي وهو من أهم القطاعات في المجتمع الصهيوني. ويحاول العلمانيون داخل إسرائيل، واليهود الإصلاحيون والمحافظون ـ داخلها وخارجها ـ تكوين تحالف مشترك ضد الحاخامية الأساسية والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية.
أزمة الهوية اليهودية
‏Crisis of Jewish Identity
1 ـ من هو اليهودي؟:

لعل أولى الخطوات التي تتخذها أية حركة بعث قومي أو حركة تحرُّر وطني هي تحديد الـ «نحن» ومنْ «هم» ، ومنْ يقع داخل نطاق الهوية ومنْ يقع خارجها. وهذه الخطوة ليست أكاديمية أو حماسية أو مجرد ديباجة تبريرية وإنما هي من صميم الفعل السياسي، إذ أنها خطوة ضرورية لصياغة المشروع، بجميع جوانبه الحضارية والسياسية والاقتصادية، وللتعريف بمن سيتم تجنيده ومن سيتم استبعاده، وتحديد الصديق والعدو، وحدود الدولة، وهويتها، وسكانها، ومن يحق له الهجرة إليها وهكذا. وقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها حركة تحرير الشعب اليهودي ومرادفة للقومية اليهودية وبدأت من القول بأن اليهود شعب واحد يندرج داخله كل أعضاء الجماعات اليهودية وأن ثمة تاريخاً يهودياً واحداً يدورون جميعهم في إطاره. وانطلاقاً من هذا تقرَّر أن تؤسَّس الدولة اليهودية.

وقد نشب الصراع حول هذه الهوية اليهودية القومية الوهمية منذ البداية بين دعاة الإثنية الدينية (الصهيونية الدينية) ودعاة الإثنية العلمانية (الصهيونية الثقافية) وكان مركز الصراع مصدر يهودية اليهودي (الخالص المقدَّس) هل هو التطور التاريخي والتراث اليهودي والانتماء العرْقي، أم الاختيار الإلهي والتاريخ اليهودي المقدَّس؟ كما نشب صراع بين يهود الشرق والغرب وطُرح سؤال: هل اليهودي هو اليهودي الإشكنازي الأبيض وحده، أم أن مقولة اليهودي تشمل يهود العالم كافة متضمنة بذلك السفارد والفلاشاه؟ وأرجئ حسم الخلاف، واتفق الجميع على الإشارة مؤقتاً لكل الجماعات اليهودية بكل تنوُّعها الحضاري وانعدام تجانسها العرْقي على أنهم "اليهود" أو "الشعب اليهودي" بشكل عام مطلق مع التزام الصمت تجاه رقعة الخلاف. وقد ظلت حالة اللاحرب واللاسلم الهلامية سائدة حتى إقامة الدولة حين أُصدر قانون العودة الذي يعطي لأيِّ يهودي الحق في الاستيطان في فلسطين استناداً إلى "يهوديته" التي لم يتم تعريفها! وبذا تم وضع قضية الهوية (بل قضايا أخرى مثل "الشخصية اليهودية" و"وحدة الشعب اليهودي") على المحك.
وقد يقول قائل إن هذه الإشكالية هي من "مخلفات الماضي"، وأنها من الأمور الشكلية غير العملية التي لا تمس الجوهر، ولن تؤثر في سلوك المستوطن الصهيوني من قريب أو بعيد. ولكن مثل هذا القول سيكون من قبيل تطبيع النسق السياسي الصهيوني، أي النظر إليه كما لو كان نسقاً سياسياً طبيعياً وليس كياناً استيطانياً إحلالياً له ظروفه الخاصة التي تحدد طبيعته الخاصة. فتعريف اليهودي مسألة أساسية للعقد الاجتماعي الصهيوني للأسباب التالية:

أ) إذا كان تعريف المسيحي في الولايات المتحدة مسألة شكلية، فإن هذا يعود إلى أن حكومة الولايات المتحدة لا تبحث عن شرعية مسيحية. ذلك أن مصادر شرعيتها تقع خارج نطاق الديانة المسيحية، بل ربما خارج التراث المسيحي ككل. أما الدولة الصهيونية فهي تدَّعي أنها يهودية وأنها تجسد قيماً (إثنية دينية أو علمانية) يهودية، وأنها استمرار للدولة اليهودية القديمة (ولذا يطلق الصهاينة على إسرائيل اصطلاح «الهيكل الثالث» ) . وانطلاقاً من هذا، تطلب الصهيونية من اليهود الالتفاف حولها ودعمها، وباسم هذه الهوية اليهودية المزعومة تقوم أيضاً بضم الأراضي. لكن الفشل في تعريف اليهودي يضعف مقدراتها التعبوية ويضرب أسطورة الشرعية في الصميم.
ب) تدَّعي الدولة الصهيونية أنها دولة كل اليهود في أنحاء العالم. ومن المعروف أن المؤسسة الدينية في إسرائيل تصر على أن التهويد يجب أن يتم على يد حاخام أرثوذكسي، وهذا يعني في واقع الأمر استبعاد أكثر من 80% من يهود العالم الذين يعرِّفون اليهودي على أسس لادينية أو لا يقبلون اليهودية الأرثوذكسية. فأغلبية يهود الاتحاد السوفيتي قد تحولوا إلى يهود إثنيين، أو يهود غير يهود، والمهاجرون منهم حينما يصلون إلى إسرائيل يواجهون الكثير من المتاعب بسبب إصرار المؤسسة الأرثوذكسية على تعريفها. كما أن كثيراً منهم طرف في زيجات مُختلَطة (أي من غير اليهود) ، وبالتالي لا تعترف المؤسسة الأرثوذكسية بأولادهم يهوداً. أما يهود الولايات المتحدة، فإن أعداداً كبيرة منهم من الإصلاحيين والمحافظين الذين لا يعترف الأرثوذكس بيهوديتهم.

جـ) في أيامها الأولى، عرَّفت الصهيونية اليهودي على أنه اليهودي الأبيض (أي الإشكناز) . وهي في هذا كانت متسقة تماماً مع نفسها، فقد كانت تقدِّم نفسها على أنها تجربة تتم داخل إطار التشكيل الاستعماري الغربي. ولكن، نظراً لملابسات الاستيطان نفسها ونظراً لطبيعة التكوين الإثني للمهاجرين، تم إخفاء هذا التعريف، الذي يعادل بين اليهودي والإشكنازي، عن الأنظار. ولكن إخفاءه عن الأنظار (أي اللجوء إلى الحل المراوغ) لا يحل المشكلة إذ أن القضية تثار بدرجات متفاوتة في الحدة. فالرؤية الكامنة التي توجِّه الدولة الصهيونية لا تزال أولاً وأخيراً رؤية إشكنازية تحاول القضاء على الأشكال الحضارية الشرقية التي أحضرها اليهود الشرقيون معهم (من السفارد واليهود العرب ويهود البلاد الإسلامية) . وقد أدَّى وصول الفلاشاه إلى طرح القضية مرة أخرى، إذ لم تعترف دار الحاخامية بيهوديتهم وطلبت منهم أن يتهودوا، كما أن لونهم الأسود قد أثار العنصرية البيضاء القديمة بين الإشكناز.
د) ومما يزيد مسألة الهوية تعقيداً، ظهور هوية إسرائيلية جديدة بين جيل الصابرا من الإشكناز تتسم بسمات عديدة من بينها احتقار عميق ليهود العالم (وعقلية المنفى) وعدم الاكتراث بالقيم التي يُقال لها «يهودية» في القول الصهيوني. ومن هنا، كان وصف عالم الاجتماع الفرنسي جورج فريدمان للصابرا بأنهم "أغيار يتحدثون العبرية"، ويجد البعض صعوبة بالغة في تصنيف هوية هؤلاء على أنها "يهودية". هذا وتشهد الدولة الصهيونية تصاعداً حاداً في مستويات التهويد والعلمنة الأمر الذي يعمق من حدة التناقضات.

كل هذه العناصر والتوترات والتناقضات، تجعل من العسير على اليهود أنفسهم تصديق مقولة الشعب اليهودي الذي يتجاوز الأزمنة والأمكنة ويتسم بجوهر عضوي يهودي أزلي، تلك المقولة التي تنطلق منها الأيديولوجيا الصهيونية. فالفعل أثبت أنه لا يوجد جوهر واحد أو وحدة عضوية وإنما سمات عديدة متنوعة بتنوع التشكيلات الحضارية والتاريخية التي عاش فيها اليهود.
إن قضية تعريف اليهودي، إذن، ليست قضية دينية أو سياسية، وإنما هي قضية مصيرية تنصرف إلى رؤية العالم والذات والأساس الذي يستند إليه تضامُن المجتمع ومصدر الشرعية فيه.
2 ـ اليهود الشرقيون:
أسس الإشكناز الجيب الصهيوني من خلال خلايا زراعية عسكرية متناثرة على أرض فلسطين، ثم قامت بالاستيلاء عليها وطَرْد سكانها حينما سنحت الفرصة وأعلنت قيام الدولة الصهيونية ـ ولكن الدولة شيء والمجتمع شيء آخر. وحتى يتم تأسيس مجتمع متكامل، كان لابد أن يضم مادة بشرية جديدة لشغل قاعدة الهرم الإنتاجي، ليصبحوا عمالاً وفلاحين يقومون بالأعمال الإنتاجية ـ ومن هنا كان تهجير اليهود العرب بالوعد أحياناً (اليمن) وبالوعيد أحياناً أخرى (العراق) . وقد نجح الصهاينة في إنجاز هذا الجزء من مخططهم، إلى حدٍّ بعيد، بسبب عمالة بعض الحكومات العربية وجهل بعضها الآخر.

وقد كانت الأمور مستقرة وهادئة داخل الكيان الصهيوني حتى عام 1967. وكان الهرم المقلوب قد وقف على قاعدته من خلال يهود البلاد العربية، وتربَّع على قمته يهود البلاد الغربية الذين كانوا يديرون الأمور ويستخدمون اليهود السفارد والشرقيين كعمالة رخيصة وأداة لضمان دوران دولاب العمل، وجعل هؤلاء يهللون بأن الهرم اليهودي تم تطبيعه مع أن قاعدته كانت سفاردية وشرقية وقمته إشكنازية غربية. ولكن، مع دخول العمالة العربية بعد عام 1967، ومع تزايد الثروات التي صبت في التجمع الصهيوني، حقق اليهود الشرقيون شيئاً من الحراك الاجتماعي، وتركوا قاعدة الهرم الإنتاجي والأعمال الوضيعة للعمال العرب، بل تحولوا إلى مقاولي أنفار (فهم يجيدون التعامل مع المادة البشرية العربية بسبب خلفيتهم الثقافية المشتركة، وبالتالي فقد تحولوا إلى جماعة وظيفية وسيطة) . وقد زادت بسبب هذا طفيلية وهامشية القطاع اليهودي في الاقتصاد الإسرائيلي. وقد بدأ الشرقيون يطالبون بالمساواة مع الإشكناز. ولكن المفارقة الكبرى تكمن في أنه كلما ازدادت مساواة الشرقيين بالغربيين ازدادت أزمة المجتمع الصهيوني تفاقماً، إذ أن العنصر اليهودي (بشقيه الغربي والشرقي) سيزداد صعوداً إلى قمة الهرم وانعزالاً عن قاعدته الإنتاجية الأمر الذي يزيد تواجد العرب فيها.

ويحاول الإشكناز تحاشي هذا الموقف عن طريق استيعاب الشرقيين دون دمجهم في المجتمع. فالاستيعاب لا ينطوي على صهر الجماعات المختلفة بل يعني إمكانية السيطرة والتحكم لدرجة قد تصل إلى الهيمنة. وهذا يعني أن الشرقيين سيصبحون يهوداً بالمعنى العام للكلمة دون أن يصبحوا إشكنازاً، أي أنهم سيحلون الأزمة السكانية للتجمع الصهيوني (كيهود) دون أن يهددوا مواقع الإشكناز المتميِّزة. ويتم إنجاز ذلك عن طريق طرح إطار مرجعي ثقافي غربي يشعرالشرقيون داخله بدونيتهم بشكل دائم، فالشرقي حينما يحكم على نفسه بمقاييس حضارية إشكنازية سيجد نفسه ناقصاً (وهذا تكتيك استعماري معروف يشكل جوهر التبعية) . كما أن الإحساس بالدونية تجاه الإشكناز يترجم نفسه إلى إحساس بالفوقية تجاه العرب وإلى كره عميق نحوهم يجعل الشرقيين حريصين على خلق مسافة واسعة بينهم وبين العرب (وهذه إحدى السمات الأساسية لسلوك الطبقات التي توجد في الوسط) . وقد أدَّى ذلك إلى تهميش الشرقيين سياسياً وقطع جسورهم مع العرب. فالشرقيون ليؤكدوا ولاءهم للدولة، وحتى لا تنصرف إليهم شبهة الخيانة، يأخذون موقفاً متشدداً من العرب (وهم بذلك حمائم تحاول أن تكون صقوراً) . ولكن، بسبب موقفهم المتشدد هذا، يؤكد أعضاء المؤسسة الإشكنازية أن الشرقيين غير صالحين للتفاوض مع العرب (أي أنهم صقور لا تَصلُح أن تكون حمائماً) .

إن عملية التهميش السياسي والثقافي للشرقيين تشبه من بعض الوجوه عملية تغييب العربي وتهميشه في علاقته بالأرض. وفي الواقع فإن هذه العملية ساندتها بنية القوة المتحيزة للإشكناز الذين احتفظوا بكل مؤسسات صنع القرار في أيديهم (الوزارة والكنيست والوظائف الإدارية والسياسية العليا. وبالدرجة الأولى المناصب القيادية في الجيش) . ويُلاحَظ أثر هذا الوضع في حدود الحراك الاجتماعي الذي يحققه الشرقيون، فقد زادت نسبتهم في جميع مراحل التعليم ما عدا مرحلة التعليم العالي، ونجدهم في الجيش في جميع مستوياته. ولكن نسبتهم تقل عند قمة الهرم العسكري، فلا يوجد سوى 3% من الشرقيين بين القيادات. وقد يشغل أحدهم منصب رئيس الدولة، أما منصب رئيس الوزراء صاحب القوة الفعلية فهو من نصيب الإشكناز. وهم قد يوجدون في الموشافيم ولكن لا يُسمَح لهم بدخول الكيبوتسات، أي المؤسسة التي تفرخ القيادات السياسية والعسكرية، إلا بنسبة صغيرة. والفجوة بين الإشكناز والشرقيين ليست فجوة طبقية اجتماعية بالمعنى المألوف، وإنما هي أيضاً تعبير عن الطبيعة الإحلالية للمجتمع الصهيوني الاستيطاني باعتباره مجتمعاً مبنياً على اغتصاب الأرض وطرد سكانها واستيراد عنصر بشري يهودي شرقي فقير، عليه أن يبقى كذلك حتى يظل عند قاعدة الهرم الإنتاجي.

ولذا، يمكن القول بأن أزمة اليهود الشرقيين هي، عن حق، بؤرة أزمات المجتمع الصهيوني، فهي تعبِّر عن أزمة الهوية والأزمة السكانية الاستيطانية وأزمة الإنتاجية والتطبيع، أي أزمة الأيديولوجيا الصهيونية (الاستيطانية) . فإن قنع الشرقيون بموقعهم عند قاعدة الهرم، وتقبلوا الصيغة المراوغة التي تجعلهم يهوداً وطليعة قتالية للشعب اليهودي دون أن يكونوا إشكنازاً ودون أن يشاركوا في صنع القرار بما يتناسب مع عددهم، وزادوا معدلات استهلاكهم دون أن يتحركوا إلى قمة الهرم، فإن أزمة الصهيونية كانت قابلة للحل، وكان من الممكن أن يُقال حينذاك إن هذا شعب يهودي واحد، منتج بطبيعته، له مؤسساته الديموقراطية مثل كل الأمم، ولأمكن الاستمرار في القتل والقتال والاستيطان بالمادة البشرية اليهودية الشرقية تُوجِّهها المادة البشرية اليهودية الغربية، وبذا تستمر الإمبريالية في الدعم والتمويل. ولكن إذا صاح الشرقيون، وبددوا الصمت وملأوا الفراغات، وطالبوا بأن يتحول القول إلى فعل وقالوا: إن كنا شعباً واحداً حقاً، فلمَ لا نشارك في صنع القرار بما يتفق مع نسبتنا العددية، ولمَ لا نصعد نحن أيضاً إلى قمة الهرم، إن صاحوا بذلك فيكون في صياحهم هذا تهديد حقيقي للأوهام الصهيونية.
3 ـ هوية الدولة اليهودية:

تفجرت قضية الهوية اليهودية على مستوى الدولة التي يُقال لها يهودية. فنشبت معركة بين الدينيين واللادينيين، فاللادينيون يودون أن يروا إسرائيل دولة علمانية بمعنى الكلمة لا تلتزم بأية قيم دينية أو أخلاقية، يمارس فيها كل فرد حريته كاملة بحيث تتحوَّل شعائر الدين اليهودي إلى مجرد شكل لطيف من أشكال الفلكلور والموروث القومي وبالتالي فهي ليست ملزمة. أما الصهاينة الدينيون فيذهبون إلى أن الدولة اليهودية لابد أن تتبع القيم الإثنية الدينية فتقيم شعائر الدين اليهودي وتمنع الإباحية وتغلغل الممارسات العلمانية (مثل البغاء والصور الفاضحة وأكل لحم الخنزير الذي يستهلكه الإسرائيليون بشراهة) . ولهذا السبب احتدم الصراع. ويتساءل اليهود المتدينون داخل وخارج إسرائيل كيف يمكن أن تُسمَّى الدولة الصهيونية، التي تُعَد من أكثر الدول إباحية في العالم، دولة يهودية؟ وقام العلمانيون من جانبهم بمحاولة تأكيد أن الدولة الصهيونية دولة علمانية ويهودية في آن واحد، وقاموا بحرق أحد المعابد اليهودية وإلقاء رأس خنزير في معبد آخر (وهذه وقائع مرتبطة في وجدان أعضاء الجماعات اليهودية بالنازية ومعاداة اليهود) .
ولكن إلى جانب هذا الانقسام الأساسي حول الدولة اليهودية هناك انقسامات أخرى فرعية. فاليهود الإثنيون المتمسكون بإثنيتهم، وبخاصة المقيمون في الخارج، يقولون كيف يمكن أن نسمِّي الدولة الصهيونية، التي تتزايد فيها معدلات الأمركة والعولمة، دولة يهودية. أما اليهود ذوي الاتجاهات الثورية واليسارية فيقولون: هل يمكن أن نسمي دولة تقوم بالتجسس لحساب الولايات المتحدة وتزويد النظم الفاشية في أمريكا اللاتينية بالأسلحة، وكانت تتعاون مع نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، دولة يهودية؟

قد شهدت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عودة السياسة الإثنية (التى تعبر عن نفس الأزمنة) إذ ظهرت عدة أحزاب ذات أساس إثني وليس عقائدياً (شاس ـ جيشر) ـ إسرائيل بعالياه وهي ظاهرة اتسمت بها الحياة السياسية في إسرائيل في السنين الأولى بعد إعلان الدولة. وعودتها بهذه الحدة مرة أخرى بعد حوالي نصف قرن يدل على عمق التناقضات وبنيويتها وعلى الفشل في تعريف اليهودي.
4 ـ الشعب اليهودي في الخارج:
كانت الصهيونية ترى أنها ستؤسس دولة يهودية تكون بمنزلة المركز ليهود العالم وكان من المفروض أن تهاجر أغلبيتهم إليها، أما من تبقَّى منهم فواجبه دعم الدولة الصهيونية مادياً وسياسياً نظير أن تحافظ له على هويته اليهودية وتحفظها من الانصهار والذوبان. ولكن ما حدث كان أبعد ما يكون عما هو مُتوقع، إذ لم يهرع الشعب اليهودي إلى وطنه الجديد، وآثر البقاء خارج حدود أرضه ووطنه المزعوم دون أن يحرك ساكناً، منفياً بإرادته متمتعاً بمنفاه. أو لعل أعضاء هذا الشعب، إذا ما نفضنا غبار القول الصهيوني، ليسوا أعضاء فيه وإنما هم بشر عاديون يعيشون في أوطانهم الفعلية ينتمون إليها ولا يفكرون في الهجرة لأنه ليس هناك ما يدعو إلى ذلك. وحتى حينما يفكرون في ترك أوطانهم، فإنهم (كبشر) يدرسون البدائل والفرص، وتتجه أغلبيتهم نحو الولايات المتحدة، وهو ما يدل على أنهم أبناء عصرهم وأن حساباتهم دقيقة وسليمة، فمن ذا الذي يطيب له أن يترك الأمن والمستوى المعيشي المرتفع في الولايات المتحدة ليستوطن حيث الحرب والهجمات الانتحارية وشظف العيش؟

بل لقد ثبت أن الدولة الصهيونية ساعدت على تسارُع معدلات الاندماج بينهم، إذ أن يهودية هؤلاء "الإثنية" عبَّرت عن نفسها لا من خلال أسلوب حياة يهودية متكامل وإنما من خلال دعم إسرائيل وحسب. كما ظهر أن الدولة الصهيونية تسبب لهم الكثير من الحرج حينما تتصرف في إطار المقولات الصهيونية الجامدة وتفصح عن وجهها الإرهابي، وبخاصة على شاشات التليفزيون وأمام جيرانهم الليبراليين العلمانيين. هذا فضلاً عن أن الدولة اليهودية لم تنجح في أن تنتج فكراً دينياً يهودياً، فمعظم المفكرين الدينيين اليهود لا يزالوا نتاج الدياسبورا. لكل هذا يحاول أعضاء الجماعات اليهودية في العالم حل مشاكلهم (ومن ذلك مشكلة المعنى) داخل إطار مجتمعاتهم (انظر: «موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية» ) .
إن مقولة "اليهودي" التي تشكل حجر الأساس في المشروع الصهيوني تفككت أثناء الممارسة الصهيونية في أرض فلسطين المحتلة.
من هو اليهودي عام 1997؟
‏Who is a Jew 1997 ?
مما يزيد مشكلة الهوية اليهودية تفاقماً أن اليهودية الإصلاحية والمحافظة بدأت تصل إلى إسرائيل وقد تزايد عدد التابعين لها، هذا في الوقت الذي وصل فيه عدد الإصلاحيين والمحافظين المتدينين في الولايات المتحدة حوالي 85% من عدد يهود الولايات المتحدة المتدينين. ويجب أن نذكر أن اليهود الملحدين (وكثير من المتدينين) في الولايات المتحدة يصرون على فصل الدين عن الدولة (متبعين في ذلك مجتمعهم منادين بذلك باعتبارهم أعضاء أقلية يرون أن ذلك في مصلحتهم) ، أما اليهود الملحدون في إسرائيل فهم لا يكترثون أساساً بالدين (وهم أعضاء أغلبية) ولذا فهم لا يمانعون في أن يسيطر الأرثوذكس على جميع مناحي الحياة (وخصوصاً أن مثل هذا الاستعراض الديني يزيد من شرعية الدولة وشرعية الاستيلاء على الأراضي) .

وقد أدَّى هذا الوضع إلى فقدان الاتزان على مستوى يهود العالم. فبينما ترى أغلبية الدياسبورا (التي تهيمن على المنظمة الصهيونية) ضرورة فصل الدين عن الدولة، تحاول المؤسسة الأرثوذكسية في إسرائيل أن يلعب الدين دوراً أساسياً في حياة الفرد الخاصة والعامة بل أن يتحكم الدين في الحياة الخاصة للمواطنين، وأن تقوم هي بتعريف من هو اليهودي والقوانين الخاصة بالعلاقة الدينية بين الفرد والمجتمع.
وقد جرى تمرير قانون في الكنيست يلغي الاعتراف بعقود الزواج التي يجريها الحاخامات التابعون للتيار الإصلاحي والمحافظ. ومع أن القانون مر في المرحلة الأولى (من أربع مراحل) ، فقد غضب اليهود الإصلاحيون والمحافظون بشدة وهددوا علانية بقطع المساعدات والتبرعات عن إسرائيل. فاتصل نتنياهو شخصياً برؤسائهم ودعاهم للقائه في مكتبه (في القدس) . وأخبرهم أن تمرير القانون في القراءة التمهيدية لا يعني أنه سينجح. وقال إنه قرر إقامة لجنة تضم المسئولين من كل التيارات الدينية في إسرائيل لتبحث الموضوع وتتوصل إلى قرارات وحلول ترضي كل الأطراف.
وبالفعل تم تشكيل لجنة يرأسها وزير المالية يعقوب نئمان لإنشاء محكمة تفصل في حالات اعتناق الديانة اليهودية داخل إسرائيل. وقد وعد زعماء الإصلاح والمحافظة بالتوقف عن الهجوم على الحكومة الصهيونية أو القيام بأية إجراءات قبل أن تنهي اللجنة عملها، وكان نئمان قد اقترح إنشاء محكمة مشتركة تضم ممثلين عن اليهود المحافظين والإصلاحيين على أن يرأسها حاخام من اليهود الأرثوذكس. ولكن الأرثوذكس (في الحاخامية الرئيسية) رفضوا هذه المقترحات تماماً. ووصف قادة الإصلاحيين والمحافظين قرار الحاخامات الأرثوذكس بأنه سيؤدي إلى انقسام خطير في صفوف اليهود، ويهدد مستقبل حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وفي المقابل، أعرب اليهود الإصلاحيون والمحافظون عن شعورهم بالصدمة، وقال الحاخام إيهود باندل، رئيس الحركة المحافظة في إسرائيل، إن رفض المتشددين للتسوية بمنزلة إعلان حرب ضد الشعب اليهودي. وأكد الحاخام يوري ريجيف رئيس الحركة الإصلاحية أن الحاخامية الكبرى قد أغلقت الباب في وجه التسوية.
ثم وقعت مشكلة جديدة، إذ تم انتخاب امرأة، من التيار الديني الإصلاحي، عضواً في المجلس الديني لمدينة نتانيا. وهو مجلس مؤلف من تركيبة حزبية (لكل حزب ممثلون حسب نسبته في الانتخابات البلدية) وشعبية (ممثلي الشعب) ودينية (مندوبين يعينهم مجلس الرئاسة الروحية الرسمية) وجاء تعيين "الحاخامة" جويس برنر (وهي بروفسير في اللاهوت) عن حزب ميرتس اليساري الصهيوني.
هذا الانتخاب أثار جنون الأرثوذكس (فاليهودية الأرثوذكسية لا تقبل باشتراك النساء في صلاة الجماعة في المعبد ولا بحاخامات إناث) فرفضوه، فتوجهت الحاخامة الجديدة إلى المحكمة العليا واستصدرت أمراً يجيز التعيين ويؤكد أنه قانوني وبأمر وزير الأديان بالمصادقة عليه. ولكيلا يعتبر موقفه إهانة للمحكمة وقرارها، وهو أمر مخالف للقانون، اتفق نتنياهو، مع قيادة شاس، أن يقيل وزير الأديان (إيلي سويسا من حزب شاس) ويأخذ صلاحياته لمدة ساعة، يوقع خلالها بنفسه على كتاب التعيين، ثم يعيد الوزارة إليه. لكن هذا الحل لم يرض الأرثوذكس ولا حتى الحاخامين الأكبرين، فراحوا يهاجمون نتنياهو وقرروا مقاطعة كل مجلس ديني يضم امرأة أو يضم حاخاماً إصلاحياً أو محافظاً (يرى الأرثوذكس أن هذين "المذهبين" يجب ألا يُمثَّلا أساساً في المجالس الدينية) .

ولعل تزايد النسبية الأخلاقية في الولايات المتحدة، وهو أمر يترك أثره بشكل واضح على يهود الولايات المتحدة، وانتماءاتهم الدينية وشبه الدينية واللا دينية المختلفة سيزيد من تصعيد الصراع بين الأرثوذكس وغيرهم. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء تخيل استجابة الحاخامات الأرثوذكس لقيام بعض النساء من الولايات المتحدة بلبس الطاليت وحمل التوراة ومحاولة الصلاة بجوار حائط المبكى والإصرار على أن يرسمن حاخامات. ويمكن للمرء كذلك تخيل موقف المؤسسة الأرثوذكسية من قيام أحد الحاخامات الإصلاحيين بعقد أول قران "ديني" بين زوجين، كلاهما من الذكور، في إسرائيل!
الأزمة السكانية الاستيطانية
‏Demographic and Settlement Crisis
كان من الممكن أن يتجاوز الكيان الصهيوني كل مظاهر أزمة الهوية ويستوعبها، أو على الأقل كان يمكنه أن يتجاهلها، كما كان يفعل في الماضي، ما دامت المادة البشرية الاستيطانية متوفرة: ففيم تهم قضية الهوية أو التطبيع لو أن الوقود البشري لا يكف عن التدفق نحو آلة الحرب والاستيطان الصهيوني لخلق حقائق جديدة، وأمر واقع جديد؟ ولكن الأمر ليس كذلك، فثمة أزمة سكانية عميقة تجعل من المشروع الصهيوني أكذوبة عقيمة دخلت طريقاً مسدوداً.
ولفهم هذا الجانب من أزمة الصهيونية الاستيطانية، علينا أن نغيِّر المنظور قليلاً ونتحدث لا عن المُستوطَن الصهيوني وحسب، وإنما عن الجماعات اليهودية في الغرب، وخصوصاً في الولايات المتحدة. فالحركة الصهيونية، منذ ظهورها في أواخر القرن الماضي، تعاني أزمة سكانية تتهددها في الصميم. ذلك أن المشروع الصهيوني مشروع استعماري وعد بتقديم المادة البشرية المطلوبة للاستيطان والقتال، ولكن هناك تطورات قد حدثت منذ عام 1882 حتى الوقت الحالي هي:

1 ـ استُؤنف التحديث المتعثر المتوقف في شرق أوربا بعد عام 1917 (عام توقيع وعد بلفور) ، الأمر الذي فصل الكتلة البشرية اليهودية في روسيا عن المشروع الصهيوني إذ أن المجتمع السوفيتي الجديد الذي حرَّم معاداة اليهود أتاح أمامهم فرص الحراك الاجتماعي. وقد كان هناك مفكرون يهود كثيرون تنبأوا بذلك وراهنوا عليه، وانخرطت أعداد كبيرة من الجماهير اليهودية (اليديشية) في صفوف الأحزاب الثورية الاشتراكية في روسيا وغيرها.
2 ـ اختفت أعداد كبيرة من الكتلة البشرية اليهودية في بولندا وغيرها من دول أوربا من خلال الإبادة النازية ليهود أوربا وغيرهم من الجماعات الإثنية والدينية، أو من خلال عناصر أخرى (مثل التنصير والتخفي) .
3 ـ ظهر أن الولايات المتحدة تشكل نقطة جذب بالنسبة للمهاجرين اليهود من أوربا ومن كل أنحاء العالم. وقد بدأ هذا الاتجاه في التبلور مع تعثُّر التحديث وتوقُّفه في شرق أوربا. ومن المعروف أن الآلاف القليلة التي اتجهت إلى فلسطين للاستيطان فعلت ذلك لأن أبواب الولايات المتحدة كانت موصدة دونها. ولكن، بعد أن فُتحت الأبواب منذ الستينيات، تتجه الهجرة اليهودية قدماً نحو المنفى البابلي الجديد اللذيذ.
4 ـ يُلاحَظ التناقص المستمر في أعداد أعضاء الجماعات اليهودية في العالم (خارج إسرائيل) فيما يُسمَّى ظاهرة «موت الشعب اليهودي» بسبب الاندماج والزواج المُختلَط والعزوف عن الزواج والإنجاب وانخفاض الخصوبة.
5 ـ لم يهاجر أعضاء الجماعات اليهودية إلى الدولة الصهيونية بأعداد غفيرة كما كان متوقعاً، فهم صهاينة توطينيون، يتحدثون عن الصهيونية بحماس ولكنهم لا يهاجرون.
6 ـ أفرغت الهجرة اليهودية السوفيتية الأخيرة المصادر المتبقية للمادة البشرية الاستيطانية في شرق أوربا (المصدر الأساسي للمستوطنين) .

7 ـ ومما يزيد المشكلة السكانية حدة، بالنسبة للكيان الصهيوني، ظاهرة النزوح. إذ يُلاحَظ أن أعداد النازحين آخذة في التزايد في الآونة الأخيرة. وقد بلغ عددهم ما يزيد على 700 ألف (أو أكثر حسب الإحصاءات غير الرسمية) . وقد أصبح قرار النزوح مقبولاً اجتماعياً، ويظهر على شاشات التليفزيون الإسرائيلي بعض النازحين ليتحدثوا عن قصص نجاحهم في الولايات المتحدة، كما تظهر في الصحف الإسرائيلية إعلانات عن إسرائيليين يودون بيع شققهم استعداداً للهجرة، وهذه أمور كانت في الماضي تتم سراً. كما يُلاحَظ أن نوعية النازحين نفسها قد تغيرت، فمعدل النازحين من بين أبناء الكيبوتسات التابعين لأكبر حركتين (الحركة الكيبوتسية الموحَّدة والكيبوتس القُطري) في فئة العمر 25 ـ 45 هو 6% في المتوسط. وهذا المعدل يساوي معدل نزوح هذه الأجيال في المجتمع الإسرائيلي. وقد نزحت العناصر العسكرية عن المُستوطَن الصهيوني بأعداد كبيرة آخذة في التزايد.
والأزمة السكانية تثير قضية الهوية اليهودية ولكنها في الوقت نفسه تثير بشكل مباشر قضية الاستيطان. فالصهاينة يصرحون كل يوم بعزمهم على إنشاء المستوطنات، ولكن المستوطنات في الضفة الغربية قائمة وتزداد عدداً وحجماً ولكن عدد المستوطنين فيها لم يزد بعد مرور ما يزيد عن ثلاثين عاماً عن 120 ـ 140 ألف (وهو عدد أقل من الزيادة الطبيعية السنوية للفلسطينيين العرب في تلك المنطقة) . وكان الجيب الاستيطاني الصهيوني حتى عام 1967 إحلالياً، ولكنه تحوَّل إلى جيب استيطاني من النوع الذي يستند إلى التفرقة اللونية على طريقة جنوب أفريقيا حيث يتم الاحتفاظ بالأرض ومن عليها من سكان ويتم تحويلهم إلى مصدر للعمالة الرخيصة.

وقد أتاح النظام العالمي الجديد فرصاً جديدة للنظام الاستيطاني الصهيوني بحيث أصبح بوسعه أن يتجاوز نطاق فلسطين المحتلة ليتغلغل في البلاد العربية وليُحوِّل السوق العربية إلى سوق شرق أوسطية يلعب هو فيها دور الوسيط الأساسي بين العرب والغرب، بل بين كل دولة عربية وأخرى.
وتكمن المفارقة في أن توسُّع الجيب الاستيطاني يتطلب المزيد من المستوطنين، أي المادة البشرية، للاستيطان والقتال وللأعمال التجارية، ولكن المادة البشرية اليهودية غير متوافرة وإن تم استيراد مادة بشرية عربية فإن هذا يشكل تهديداً لهوية الدولة. وقد ظهر في إسرائيل صراع بين ما سمي «الصهيونية الديموجرافية» أو «السكانية» و «صهيونية الأراضي» .
تجميع المنفيين عام 1997
‏Ingathering of the Exiles 1997
من الادعاءات الصهيونية الأساسية أن اليهود شعب واحد وأن إسرائيل هي دولتهم. ولكن بعد مرور ما يقرب من مائة عام على الاستيطان الصهيوني وخمسين عاماً على تأسيس الدولة لا تزال الدولة الصهيونية هي دولة أقلية. فيهود العالم لم يهاجروا إليها ولم تنجح في تجميع المنفيين، إذ يبدو أن المنفيين في حالة سعادة غامرة بمنفاهم. ولذا اضطرت الدولة الصهيونية الاستيطانية لحل أزمتها السكانية بأن تلجأ لتهجير الفلاشاه (ويهوديتهم - إن صح تسميتها كذلك - مختلفة عن اليهودية الحاخامية) ثم سمحت بهجرة مئات الآلاف من المهاجرين اليهود السوفييت الذي تعلم مسبقاً أنهم ليسوا يهود أصلاً. والجدول التالي يبيِّن عدد اليهود في إسرائيل والعام منذ تأسيس الدولة حتى عام 1997 (بالملايين)
السنة / عدد يهود العالم / إسرائيل / النسبة إلى يهود العالم
1949 / 11 / 0.650 / 6%
1955 / 12 / 1.590 / 13%
1970 / 13 / 2.582 / 20%
1975 / 13 / 2.959 / 23%
1980 / 13 / 3.283 / 25%
1985 / 13 / 3.517 / 27%
1990 / 13 / 3.947 / 30%
1995 / 13 / 4.550 / 35%
1996 / 13 / 4.637 / 36%

المصدر: كتاب الإحصاء السنوي الإسرائيلي لعام 1997.
ملاحظات:
1 - عدد اليهود في العالم ثابت منذ 1970، وهذا يعود إلى الظاهرة المسماة «موت الشعب اليهودي» .
2 - هناك زيادة في أعداد اليهود في إسرائيل، ترجع إلى الهجرة بالأساس.
3 - كل زيادة في يهود إسرائيل تعني نقصاً في يهود المناطق الأخرى.
4 - منذ عام 1970 وحتى عام 1990 كانت نسبة التزايد في نسبة يهود إسرائيل إلى يهود العالم تتراوح بين 2 - 3% كل خمس سنوات وهي كالتالي على الترتيب: 70 - 75: 3% - 75 - 80: 2% - 80 - 85: 2% - 85 - 90: 3%. أما الفترة من 90 - 95 فقد كانت نسبة الزيادة 5% بسبب هجرة اليهود السوفييت، أي بمعدل 1% كل عام.
ورغم كل هذه الزيادة تظل إسرائيل عام 1997 دولة أقلية، يرفض المنفيون الهجرة إليها.
جيل ما بعد 1967 (أزمة الخدمة العسكرية (
‏Post 1967 ceneration (Crisis of Military Service)
مما هو معروف أن الوجود الصهيوني يستند إلى العنف والإرهاب، إذ أنه يهدف إلى التخلص من أصحاب الأرض وإحلال آخرين محلهم. وهي عملية لا يمكن أن تتم بالوسائل السلمية. كما أن الوجود الصهيوني كيان غُرس في المنطقة بسبب دوره القتالي ضد المنطقة العربية. وعلى مستوى من المستويات، يمكن القول بأن المشروع الصهيوني كان يهدف إلى نقل الشنورير أو المتسولين اليهود (وكل الفائض البشري اليهودي) إلى فلسطين وتحويلهم إلى مادة قتالية تخدم المصالح الغربية. وهذا هو أحد أهداف الجيوب الاستيطانية التي أسسها العالم الغربي في آسيا وأفريقيا. ولذا، فإن وجود كل جيب استيطاني يستند إلى قوة عسكرية ضخمة لتطرد السكان الأصليين أو لتقمعهم، ولتنفذ المخطط العسكري الغربي وتحقق الحد الأدنى من الطمأنينة لجماهير المغتصبين من المستوطنين. والقوة العسكرية الصهيونية تنتمي لهذا النمط، وقد أحرزت قدراً لا بأس به من النجاح والشرعية أمام جماهير المستوطنين.

وكانت العسكرية الصهيونية قد نجحت في أن ترسخ في وجدان الإسرائيليين فكرة أن إسرائيل دولة صغيرة تدافع عن نفسها ضد هجمات جيرانها العرب، الأمر الذي أعطى الحروب الصهيونية ضد العرب حتى عام 1967 عقلانيتها ومشروعيتها. ولذا، كان يتم تجنيد الشباب الإسرائيلي بنجاح شديد، عن طريق التوجه إلى حسِّهم الأخلاقي والقومي والديني ورغبتهم في البقاء باعتبار أن الدفاع عن الذات رغبة إنسانية أخلاقية مشروعة.
بل إن الأيديولوجية الصهيونية التي تجعل اليهود شعباً مختاراً بالمعنى الحلولي (الديني والعلماني) وتخلع القداسة على كل ممتلكات الدولة، وبخاصة حدودها، خلعت القداسة على الجيش حتى أنه وُصف بأنه القداسة بعينها. وقد وصف بن جوريون الجيش بأنه خير مفسر للتوراة، فمفسر التوراة هو وحده القادر على تعريف حدود إسرائيل. ومن ثم اكتسبت الخدمة العسكرية قداسة خاصة. إلى جانب هذا كانت الخدمة العسكرية السبيل لدخول النخبة الحاكمة. ففي المجتمع الاستيطاني، لابد أن يدفع الفرد ضريبة الدم فيصبح جديراً بالحكم وصنع القرار. ولذا كان يتم تجنيد الشباب الإسرائيلي بنجاح شديد، عن طريق التوجه إلى حسِّهم الأخلاقي والقومي والديني، ورغبتهم في البقاء، باعتبار أن الدفاع عن الذات رغبة إنسانية أخلاقية مشروعة، وباعتبار أن العرب يهددون البقاء الإسرائيلي نفسه (ولذا قيل، عن صدق، إن كل شعب له جيش إلا في إسرائيل فهو جيش له شعب) . ومما دعَّم كل هذه الادعاءات انتصارات إسرائيل المتتالية الحاسمة التي ضمنت للمستوطنين البقاء وتدفق المعونات من الخارج.

وقد ظل هذا هو الوضع السائد حتى عام 1967 حين بدأت المشاكل، وبدأ إيمان المستوطنين الصهاينة بنظرية الأمن الإسرائيلية ومشروعيتها في الاهتزاز. وكان أولها حرب الاستنزاف التي أحس الإسرائيليون خلالها أن عمليات النصر السريعة ليست أمراً متيسراً وسهلاً. ثم جاءت حرب 1973 حين اكتسحت القوات العربية المصرية والسورية خط بارليف والتحصينات العسكرية وألحقت خسائر بالعدو الصهيوني. ثم كان هناك أخيراً حرب لبنان ( «المستنقع اللبناني» ، في المصطلح الإسرائيلي) التي انتهت بهزيمة ساحقة. وبفشل ملحوظ في تحقيق الهدف الذي كانت تطمح إليه الحملة (القضاء بشكل نهائي على المقاومة الفلسطينية واللبنانية) .
ثم شهدت هذه الفترة عمليات فدائية مستمرة لم تتوقف البتة كان آخرها وأهمها وتاجها عملية قبية التي قا بها مواطنان عربيان (أحدهما سوري والآخر تونسي) في 25 نوفمبر 1987 بمناسبة مرور 31 عاماً على مذبحة قبية. فقد استقلا طائرتين شراعيتين فاستُشهد أحدهما في الطريق ولكن نجح الآخر في الهبوط في إحدى المستوطنات الصهيونية فقتل ستة إسرائيليين ثم استُشهد (ولذا كان أحد شعارات الانتفاضة: ستة مقابل واحد) . وقد بينت هذه العملية للمستوطنين الصهاينة أن ذاكرة العرب حية وأن ذراع الدولة الصهيونية الاستيطانية العسكرية القوية لا يمكن أن تضعهم في برج حصين ولا أن تقدم لهم الحماية طول الوقت. ثم جاءت انتفاضة الحجارة لتبين مدى عجز العدو عن القيام بالعمليات الجراحية والضربات الإجهاضية التي تسكت الآلام مرة واحدة.
هذا الوضع ولَّد لدى الإسرائيليين إحساساً عميقاً بما يُسمَّى «عقم الانتصار» لأن الحروب المستمرة (التي كان من المفروض في كل واحدة منها أن تنهي كل الحروب) لم تأت لا بالسلام ولا بالنصر. وقد تبين الإسرائيليون أنهم وصلوا إلى ما يمكن تسميته «نقطة الذروة» ، أي أنهم وصلوا لأعلى نقط استخدام العنف والقوة دون جدوى.

إضافة إلى هذا أدرك كثير من الشباب الإسرائيلي أن الدولة الصهيونية ليست في حالة دفاع عن النفس كما يقولون وإنما هي دولة عدوانية. ففي حرب لبنان على سبيل المثال أعلنت المؤسسة العسكرية أن الهدف من عملية سلام الجليل هو هدف دفاعي حتمي لوقف ما يسمونه الهجمات الفدائية وتطهير مساحة 67 كيلو متراً مربعاً من لبنان. ثم ظهر أن الهدف الحقيقي كان هو فرض حكومة وظيفية عميلة في لبنان تحت حماية إسرائيل، أي أنها لم تكن حرب خيار فُرضت على المستوطنين وإنما حرب دخلوها بملء إرادتهم. وقد أدَّى هذا إلى تداعي الإجماع القومي الإسرائيلي. كما أن استمرار الاحتلال في الضفة الغربية لما يزيد على عشرين عاماً كان من الصعب الدفاع عنه باعتباره دفاعاً عن النفس.
ومع تراجُع احتمالات الحرب بين العرب والمستوطنين الصهاينة (بعد توقيع شتى معاهدات السلام) أصبح الحديث عن العمليات العسكرية الإسرائيلية باعتبارها دفاعاً عن النفس أمراً مستحيلاً. ولا شك في أن زيادة معدلات العلمنة والعولمة والسعار الاستهلاكي لا تساعد كثيراً على تصعيد روح القتال. كما أن جو الخصخصة العام السائد في إسرائيل يزيد تمركز الفرد حول نفسه ويجعله يضع نفسه قبل المجتمع.
ويمكن هنا أن نورد هذه الواقعة مثالاً لما يحدث للشباب في إسرائيل. يمثل إسرائيل في مهرجان اليوروفيزيون ممثلة تُسمَّى «دانا» ولكن دانا هذه ليست امرأة حقيقية أصلاً، ولكنها كانت في الأصل رجلاً شاذاً من أصل يمني يُسمَّى بارون كوهين ثم أجرى عملية جراحية في لندن تحول بعدها إلى امرأة. وهو/هي شخصية تحظى بشعبية كبيرة غير عادية. وتحول امرأة إلى رجل (والعكس) مسألة تحدث الآن في مجتمعات كثيرة، ولكن حين يتحول الفعل الفردي إلى رمز قومي هنا يجب أن ندرس المسألة باعتبارها قضية اجتماعية وليس سلوكاً فردياً.

وكل هذه الأحداث مرتبطة تمام الارتباط بأهم الظواهر الاحتجاجية، أي انصراف الشباب من المستوطنين الصهاينة عن الخدمة العسكرية بل الفرار منها. وقد صرح وزير الدفاع (السابق) إسحق مردخاي بأن انخفاضاً حاداً طرأ على مستوى الاندفاع والرغبة القتالية في صفوف الشباب الإسرائيلي. ويتحدث الإسرائيليون بقلق عن طبقة من الشبان تُدعى «جيل إم. تي. في.» نسبة إلى قناة تقوم ببث الغناء بشكل متواصل في إسرائيل. وأعضاء هذا الجيل لا يبدون اكتراثاً بالأوضاع العامة للدولة، ويميلون إلى الدعة والراحة. وهذا على كل تعبير عن التوجه الاستهلاكي العام في المجتمعات الصناعية التي يُقال لها «متقدمة» . وكما يقول مردخاي: "يعتقد البعض أننا وصلنا مرحلة الراحة، والبعض الآخر يرى أننا يجب ألا نساهم بكل جهودنا في الدفاع عن إسرائيل".
ومما يجدر ذكره أن أعضاء النخبة الجديدة (معظم الإسرائيليين في سن الشباب فمتوسط العمر هو 26.6، وهي بذلك لا تختلف كثيراً عن الدول العربية) وُلدوا بعد إنشاء الدولة ونشأوا بعد عام 1967، أي بعد أن دخلت الدولة الصهيونية المرحلة الفردوسية الاستهلاكية التي لم يَعد مواطنيها مهتمين فيها بالتراكم. ولذا، شهدت القوات العسكرية الإسرائيلية، لأول مرة في تاريخها، ظواهر احتجاجية مختلفة، جديدة عليها كل الجدة، مثل زيادة نزوح أبناء الكيبوتسات، العمود الفقري للمؤسسة العسكرية واحتياطيها الحقيقي. وقد زادت كذلك نسبة النازحين من الضباط والخبراء العسكريين والمهندسين والعاملين في الصناعات الحربية (وبعد توقُّف العمل في مشروع الطائرة لافي) .

وكذلك، زادت نسبة تعاطي المخدرات وانتشار الجرائم الجنسية بين أفراد القوات الإسرائيلية والشباب (يُقال إن ثُلث الشباب في إسرائيل يتعاطون المخدرات) ، وضعف مستوى الأداء بشكل ملحوظ حتى أنه ورد في أحد تقارير البنتاجون أن 10% من جملة الخسائر أثناء حرب لبنان كان مصدرها الإسرائيليون أنفسهم، وتُعَد هذه نسبة عالية جداً.
وقد لوحظ تخثُّر المادة العسكرية الإسرائيلية فتزايد الفساد والرشوة في صفوف القيادات ووزعت منشورات حول رواتب الضباط تسيء إلى هيبة الجيش. وقد اكتُشفت شبكة كاملة من كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي ممن تلقوا رشاوي ضخمة من جنود الجيش، العاملين في الجنوب اللبناني والاحتياط، مقابل إعفاء هؤلاء الجنود من الخدمة العسكرية. (أشارت صحيفة معاريف إلى أن 15 ضابطاً ومسئولاً، منهم طبيب نفسي كبير في وزارة الدفاع الإسرائيلية، اشتركوا معاً في إصدار تقارير الإنهاء لأسباب مزيفة لجنود لديهم المال لكنهم يخشون الالتحاق بالخدمة العسكرية) . كما يُحقق الآن مع الجنرال مي ميخارام، قائد سلاح البحرية السابق، لاتهامه بالفساد أثناء الخدمة العسكرية في شرائه معدات بحرية. أضف إلى هذا الضباط الذين يسرحون لخفض النفقات وأولئك الذين يمارسون التمييز العنصري ضد الإثيوبيين، والإثيوبيين المجندون الذين ينتحرون.

وفي فترة قريبة كان التطوع في صفوف قوات النخبة (وحدة المظلمين) يعتبر من الأعمال المرموقة. وقد اضطرت هذه القوات في السابق إلى الاعتذارات لعدد من الراغبين بالتطوع لوجود ما يكفيها من العناصر. غير أن الوضع الآن تغيَّر كما يبدو، فكثيرون يستخدمون حيلاً دنيئة للتخلص من الخدمة العسكرية مثل الزعم بمرورهم بأحوال نفسية مضطربة. بلغ عدد الهاربين من الخدمة العسكرية 13 ألفاً، كما أن 18% من الشباب الذين بلغوا سن التجنيد يُستبعدون من الخدمة بسبب أمراض عضوية ونفسية، و15% يُستبعدون لأسباب متنوعة، ويبلغ عدد المعافين لأسباب دينية ما يزيد عن 6%.
وفي إحدى استطلاعات الرأي صرَّح ثلث الشباب الإسرائيلي أنهم إن أتيحت لهم فرصة تحاشي الخدمة العسكرية الإجباربة (التي تستغرق ثلاث سنوات) لفعلوا ذلك. وقد لوحظ تصاعد معدلات الهروب من الشريط المحتل في لبنان. ويعتمد الجيش الإسرائيلي على نظام الاحتياط فيقوم باستدعاء جنود الاحتياط (الذين بلغ عددهم عام 1996 حوالي 429.000) مرة كل عام لمدة شهر حتى سن الخمسين لإعادة تدريبهم (ولذا كان يُقال إن الشعب الإسرائيلي هو جيش في إجازة لمدة إحدى عشر شهر) . وقد لوحظ أن حوالي الثُلث يتغيبون. وأثناء الصدام الذي وقع بين الجيش الإسرائيلي وسكان نابلس في سبتمبر 1996 استدعت إحدى فرق الاحتياط الجنود التابعين لها والبالغ عددهم 340، فلم يحضر سوى 60، ولم يبق منهم سوى ثلاثين. وقد رفض أحدهم الذهاب للضفة الغربية (عدد المجندين الذين يرغبون في الخدمة في الأحداث القتالية يتراجع ليصل إلى 5% من عدد المجندين) . والأهم من هذا كله أن هناك قبولاً اجتماعياً لهذا الموقف، وهو أمر جديد كل الجدة في التجمع الصهيوني الذي كانت الخدمة العسكرية فيه (حتى نهاية الستينيات) تُعدُّ الشرف الأكبر الذي يمكن أن يحصل عليه المواطن/المستوطن.

أمام هذا الوضع يفضل الجيش الإسرائيلي أن يستبعد مثيري المشاكل ويتركهم وشأنهم حتى لا تُثار القضية وحتى لا يناقشها الرأي العام (من أبطال التهرب من الخدمة العسكرية أفيف جيفين، ابن شقيقة موشي ديان، وهو من أشهر المغنين الشباب في إسرائيل ويُقال إنه يشبه في ملامحه وحركاته مايكل جاكسون. وقد ظهر قبل سنوات في التليفزيون وهو يتحدث عن كيفية حصوله على الإعفاء من الخدمة لأسباب نفسية. وقد انتهى به الأمر إلى الهجرة إلى بريطانيا بعد أن تقدم بطلب مسبب للهجرة ذكر فيه أنه يهاجر بسبب «سرطان الاحتلال» ) .
إن كل هذه الظواهر تدل على مدى عمق الأزمة الصهيونية، فجيش الدفاع الإسرائيلي هذا، وصورته التي يذيعها عن نفسه، لبنة أساسية في العقد الاجتماعي الصهيوني، وسند أساسي لشرعية الصهيونية سواء في علاقة المجتمع الصهيوني مع نفسه أو علاقته مع العالم الخارجي. واهتزاز الصورة هو اهتزاز الأُسس المهمة للشرعية.
ولكن من المفارقات التي تستحق التسجيل والملاحظة، أن هذا الجيل الجديد الذي يفر من الخدمة العسكرية ولا يكترث بها، هو جيل "أكثر عسكرية" كما يقول أفنيري شاليط (أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العسكرية) . ففي الأيام الأولى للاستيطان، كما يقول شاليط، كان الشعار السائد هو "فلتطلق النار ثم تذرف الدمع"، فالحرب كانت مفروضة على أبناء الجيل القديم (هكذا كان المستوطنون يظنون) ، ولم تكن الحروب حروب اختبار. والحرب، كما كان الجميع يعرف، شيء رهيب. أما أعضاء الجيل الجديد، فقد خاضوا «حروب اختيار» كثيرة (غزو لبنان - قمع الانتفاضة) ، أي حروب تمت بملء اختيار الإسرائيليين.

وقد وُلد أعضاء هذا الجيل فيما يُسمَّى «أرض إسرائيل» ولذا فهم يعتقدون تمام الاعتقاد أن الاحتلال بالقوة «مسألة طبيعية» وأن الضفة الغربية ليست أوكيوبايد occupied «أرضاً محتلة» وإنما أرض قومية توراتية ومن ثم هي أرض «متنازع عليها» disputed ديسبيوتيد (كما يقول المصطلح الأمريكي) وعلى اليهود الاحتفاظ بها ولا يحق لهم التنازل عنها أو التفاوض بشأنها. والعرب هنا هم «عرب يهودا والسامرة» ، وبالتالي «خرق حقوقهم» لا يشكل مشكلة أخلاقية بالنسبة لهم.
وأعضاء هذا الجيل لا يختلفون كثيراً عن نتنياهو الذي صرح قائلاً: "ليس هناك أي نهر أو بحر يفصل الضفة الغربية عن باقي الأراضي الإسرائيلية. إنها جزء من دولة إسرائيل نفسها. إن الضفة الغربية هي مركز البلاد ... إنها فناؤنا الخلفي وليست أرضاً غريبة عنا". بل أضاف قائلاً: "إن المناطق غير المأهولة أو ذات الكثافة السكانية القليلة ستشكل في إطار التسوية الدائمة مناطق أمنية ذات تواصل جغرافي وقرر ضرورة الحفاظ على ممرات أمنية وطرق تربط المستوطنات بعضها ببعض". واستخدام الصور المجازية المكانية يدل على ضمور الإحساس بالزمان والتاريخ عند نتنياهو (وهو في هذا لا يختلف عن أبناء جيله) الذين لا يرون إلا الأرض وأمن إسرائيل ولا يدركون الماضي أو المستقبل أو العرب من حولهم.

ومن خصائص هذا الجيل أن أعضاءه لم يشعروا قط بالعداء للسامية، أي بالعداء لليهود (ومع هذا فهم جيل أكثر ميلاً لليمين) . وقد نُشر مقارنة بين الشباب الألمان والشباب الإسرائيلي، وتبين أن الشباب الإسرائيلي أكثر عنصرية تجاه الأجانب من الألمان، وهم لا يهتمون بما يُسمَّى «عقلية المنفى» بل لا يفهمون يهود المنفى (أي يهود العالم) ولا يفهمون لغتهم أو خطابهم أو شكواهم. والمفارقة الناجمة عن هذا أن كثيراً من القضايا التي تهم يهود المنفى لا تهم أعضاء هذا الجيل من قريب أو بعيد. فهم لا يكترثون باليهودية أو هيمنة الأرثوذكس على أمور الدفن والطلاق والزواج والتهويد (فهم علمانيون شاملون عالميون، لا يهتمون بالقضايا المحلية ولا يكترثون بمثل هذه الأمور)
وقد اتهم نتنياهو اليساريين بأنهم نسوا "معنى أن يكون المرء يهودياً" (عبارة همس بها رئيس الوزراء في أُذن أحد الحاخامات) . ولكن هل يعرف جيل نتنياهو معنى اليهودية؟ هل تعني اليهودية شيئاً له؟ إن تصور أن التجمُّع الصهيوني أصبح «أكثر يهودية» و «أكثر تقليدية» بظهور نتنياهو، هو - في رأينا - تصور خاطئ. فهو في واقع الأمر قد أصبح «أكثر انغلاقاً» دون أن يصبح أكثر تقليدية أو تديناً، والربط بين الواحد والآخر ليس بالضرورة له قيمة تفسيرية كبيرة. فما يحدث في التجمع الصهيوني، ليس محاولة للعودة للتقاليد بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي محاولة أعضاء هذا التجمُّع أن يجدوا جذوراً لهم «روتس roots» تبرر لهم وجودهم، وأرضية صلبة يمكنهم الوقوف عليها (وهو أمر شائع في كل المجتمعات الاستيطانية) . ولذا قال كثير من المعلقين إن انتخابات 1996 لم تكن انتخابات خاصة بـ «المصالح السياسية» (الاجتماعية والاقتصادية) وإنما كانت انتخابات خاصة بالهوية (وهو قول قد لا نتفق معه، ولكننا نقتبسه بسبب دلالته) .
تقويض الأيديولوجية الصهيونية من خلال الاستهلاكية (والأمركة والعولمة والخصخصة والعلمنة)

‏Erosion of Zionist Ideology through Consumerism (and Americanization, Globalization, Privatization, and Secularization)
تسبَّبت الأزمة الصهيونية في ظهور أزمة أيديولوجية عميقة، فعبد أن طرح الصهاينة فكرة اليهودي الخالص، كما أسلفنا، وجدوا أن يهود المنفى شخصيات مريضة شاذة غير سوية. وهذا الشذوذ، ومن وجهة نظرهم، له مظهران أساسيان: أحدهما اقتصادي والآخر سياسي. أما المظهر الاقتصادي فيتضح في عدم إنتاجية اليهود واشتغالهم بأعمال السمسرة والمضاربات والأعمال الهامشية غير المنتجة مثل التهريب والأعمال المالية والعقارات وتجارة الرقيق الأبيض. أما المظهر السياسي، فيتلخص فيما يُطلَق عليه إشكالية العجز بسبب افتقاد السلطة أو السيادة. فالصهاينة يرون أنه بعد تحطيم الهيكل الثاني عام 70 ميلادية، أصبح اليهود جماعات مشتتة تشتغل بالتجارة والربا وتُوجَد خارج نطاق مؤسسات صنع القرار دون أن تساهم في صياغته، وتفتقر إلى أية سيادة سياسية مستقلة، الأمر الذي كان يعني ـ من وجهة نظر الصهاينة ـ توقُّف مسار التاريخ اليهودي.

وقد طرح الصهاينة رؤيتهم للمجتمع اليهودي المثالي (أي التجمُّع الصهيوني) كجزء من مشروع حضاري متكامل يهدف إلى تطبيع الشخصية اليهودية (وهذا في واقع الأمر أول استخدام للمصطلح في الأدبيات الصهيونية) . والتطبيع هنا يعني الشفاء من عقلية الاستجداء الاقتصادي من الغير أو الأغيار ومن الاعتماد السياسي عليهم، كما يعني عدم الانغماس في أعمال اسمسرة والمضاربات والأعمال الهامشية غير المنتجة والتحول إلى شعب يهودي منتج بمعنى الكلمة يسيطر على كل مراحل العملية الإنتاجية، وبالتالي على مصيره الاقتصادي والسياسي. وقد عبَّر بوروخوف عن القضية نفسها بقوله إن الحل الصهيوني هو أن يقف الهرم الإنتاجي على قاعدته فيتركز اليهود في العمليات الإنتاجية (في قاعدة الهرم) ، ويعملون بأيديهم، وتصبح أغلبيتهم من العمال والفلاحين. أما المهنيون والعاملون في القطاعين التجاري والمالي، فإنهم يصبحون قلة على قمة الهرم، شأنهم في هذا شأن أي مجتمع آخر. وهذا ما يُطلَق عليه اصطلاحًا «العمل العبري» و «غزو الأرض والعمل والحراسة والإنتاج» ، أي أن يستولي الصهيوني على الأرض ويعمل فيها بيده ويسيطر على مراحل الإنتاج كافة، وهو إن فعل هذا يكن قد أنجز الثورة الصهيونية الحقة، فاستولى على الأرض وزرعها، وعلى الهيكل الاقتصادي وعمل فيه، وعلى الهيكل السياسي وتَحكَّم فيه، وتحوَّل هو نفسه من شخصية هامشية إلى شخصية منتجة، أي أنه يكون قد تم تطبيعه تمامًا. ومن هنا، يكون الاستيطان الإحلالي (الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها والعمل فيها) لا فعلاً خارجيًا يحمل مدلولاً محدودًا وإنما هو فعل شامل ذو أبعاد سياسية وقومية، وفي نهاية الأمر نفسية، وهو أيضًا يحل مشكلة المعنى بالنسبة للصهاينة ويعقلن وجودهم في فلسطين التي تلفظهم ويقاتل أهلها ضددهم.

لكن، وبعد مرور ما يقرب من خمسين عامًا على تأسيس الدولة الصهيونية، يمكن القول بأنها أبعد ما تكون عن قصة النجاح الموعود. أما على مستوى السيادة السياسية، فالمستوطن الصهيوني يضطر دائمًا نتيجة وضعه للاعتماد على قوة خارجية تضمن له البقاء والاستمرار من خلال الدعم العسكري والسياسي المستمرين، وهو ما يفرغ مفهوم السيادة من مضمونه تمامًا.
والدعم الاقتصادي للدولة الصهيونية يحل مشاكلها الاقتصادية ولكنه تذكير يومي للمواطن الإسرائيلي بأن الصهيونية لم تنجح في تطبيع اليهود وفي شفائهم من أمراض المنفى. فالمُستوطن الصهيوني أصبح شخصية استهلاكية، ولم يتحول إلى شخصية منتجة يعمل بيديه ويتواجد في مختلف المراحل الإنتاجية. فإنتاجية العامل الإسرائيلي تعادل نصف إنتاجية العامل الأمريكي، وهو أقل إنتاجية من عمال الدول الصناعية كلها (باستثناء إيطاليا) . ويتبدَّى تقلُّص الإنتاجية الإسرائيلية في تقلص القطاع الإنتاجي وتضخُّم قطاع الخدمات. وقد لاحَظ أمنون روبنشتاين، أنه في عام 1945، أي قبل إعلان الدولة، كان عدد اليهود المشتغلين بأعمال إنتاجية هو 24%. وبعد إعلان الدولة، وقف الهرم الإنتاجي على قاعدته، وبلغ عدد اليهود المشتغلين بوظائف إنتاجية 69%. ولكن بعد مرور مائة عام على الاستيطان الصهيوني والممارسة الصهيونية، هبطت النسبة مرة أخرى إلى 23%.
وقد ساهمت الانتفاضة المجيدة في فضح العدو أمام نفسه، إذ ثبت أن العمالة العربية المنتجة لا تزال قائمة على أرض فلسطين قبل بعد عام 1948. ولم يحاول المجتمع الصهيوني أن يحل مشكلة العمالة من الداخل، أو حتى بالتوجه إلى الضمير اليهودي العالمي، وإنما حاول حلها عن طريق استيراد العمالة، وكأن الحديث عن زيادة الإنتاجية والعمل العبري قد تبخَّر جميعًا حتى على مستوى الديباجات اللفظية.

وتعبِّر أزمة الإنتاجية عن نفسها في تفشي المضاربات في صفوف الإسرائيليين. وقد ظهر أن المصارف الأساسية في إسرائيل، وكذلك قطاع كبير من المواطنين العاديين، متورطون في عمليات مضاربة تضمن لهم أرباحًا ثابتة بضمان الحكومة دون بذل أيِّ جهد ودون مخاطرة كبيرة، وهذه هي عقلية الوسيط الطفيلي. وقد كُشف النقاب عن أن بعض الكيبوتسات متورطة هي الأخرى في أعمال السمسرة والمضاربات. وقد تزايدت معدلات الجريمة في إسرائيل بشكل مذهل. ويُلاحَظ انتشار المخدرات والأمراض النفسية والبغاء.
والفشل الأيديولوجيوتآكل الأيديولوجية يُولِّد ما يُسمَّى «أزمة المعنى» . وعادةً ما تؤدي أزمة المعنى إلى إحساس بالعدمية يحاول الإنسان التغلب عليه من خلال الاستغراق في عنصر مادي بشكل كامل (شرب المخدرات ـ الإباحية ـ الاستهلاك) يبحث الإنسان فهي عن قدر من اليقين. لكن ما يحدث هو العكس إذ أن تصاعُد الاستهلاك وإغراق الحواس فيه يزيد أزمة المعنى بدلاً من تهدئتها، ويزداد بذلك تآكُل الأيديولوجية وتقويضها.
وتوجد عناصر أخرى في بنية المجتمع الاستيطاني الصهيوني) الاستهلاكية) تصعد هذا الاتجاه.
1 ـ لوحظ أن المجتمعات العلمانية تمر بمرحلتين: مرحلة تقشفية تراكمية (صلبة) ، وأخرى استلهاكية فردوسية (سائلة) . وتنتمي المجتمعات الاستيطانية إلى نفس النمط، بل إن تحقق النمط في حالتها يتسم بقدر أعلى من الحدة والتطرف. فالمجتمعات الاستيطانية تبدأ هي الأخرى بمرحلة تقشفية حادة تتطلب التنظيم الصارم وضبط النفس وإنكارها بل التضحية والقتال المستمر (ضد الطبيعة المعادية والسكان المعادين) ، وهي مرحلة تتسم بالأشكال الاقتصادية الجماعية والملكية الجماعية أو شبه الجماعية للأشياء وتضخُّم القطاع العسكري وتغلغله في كل القطاعات الأخرى. وهذه المرحلة هي المرحلة التقشفية التراكمية التي يتم فيها الاستيلاء على الأرض وكذلك طرد السكان الأصليين وإبادتهم ومراكمة رأس المال.

ولكن كل هذا يتم، منذ البداية، باسم الهدف النهائي والقيمة المرجعية النهائية والمطلق العلماني الأوحد، أي تحقيق الذات وتعظيم اللذة، وكل ما يتم من إرجاء لإشباع الغرائز إنما يتم باسم الاستهلاك الآجل. وإذا كانت مرحلة التقشف حادةً في تقشفها، فالمرحلة الاستهلاكية في المجتمعات الاستيطانية لا تقل عنها حدة. ويعود هذا إلى أن المُستوطن إنسان تَرَك وطنه واقتُلع من جذوره ليحقق حراكًا احتماعياً ومزيدًا من الاستهلاك، وانتقل إلى مجتمع استيطاني يظن أنه الفردوس الأرضي الموعود. والمهاجر المستوطن يرفض تقاليد وطنه أو يتركها وراءه أو يجمدها، وهو يقوم عادةً بعملية الاستيطان في غياب أية مؤسسات دينية، وإن وجُدت فهو عادةً يسيطر عليها ويوظفها لتقوم بعملية تسويغ عمليات الإبادة والطرد التي يقوم بها. وهو، إلى جانب كل هذا، لا يتبنَّى التقاليد الدينية والثقافية والاجتماعية للسكان المحليين وإنما يقوم بتحطيمها، ولذا فإنه يصبح كيانًا عاريًا تمامًا أمام المادة (والتجربة الاستيطانية الغربية هي بهذا المعنى تجربة علمانية مكثفة) . ويعني كل هذا، في نهاية الأمر، أن قيم المنفعة واللذة تكون في مثل هذه المجتمعات في حالة تَرقُّب وانتظار لتتحقق وتكتسح المطلقات كافة في طريقها مع تزايد معدلات العلمنة.

والمُستوطَن الصهيوني لا يشكل استثناء من القاعدة، فقد بدأ بمرحلة ريادة مسلحة تقشفية وانتهى إلى مرحلة استهلاكية فردوسية. ولكن عملية الانتقال إلى المرحلة الثانية تمت بسرعة أكثر من المتوقع لأن المستوطنين الصهاينة كانوا منذ البداية مموَّلين من الخارج من قبَل اللورد روتشيلد، ثم زاد الدعم والتمويل بعد عام 1917 من قبَل المنظمة الصهيونية العالمية. ولكن فترة الريادة المسلحة لم تكن تقشفية بالقدر الكافي ولم تكن تراكمية على الإطلاق، وكانت تحوي داخلها قدرًا عاليًا من اللذة الآنية والسعار الاستهلاكي والرغبة الجامحة في تحقيق الذات. وبعد إنشاء الدولة، زاد الدعم من الخارج بدرجة لم يشهدها التاريخ الإنساني من قَبْل، وهو ما أدَّى إلى زيادة حدة التوقعات الاستهلاكية، وإلى إضعاف المقدرة على التقشف وعلى إرجاء المتعة.
ولذا، فحينما حققت إسرائيل انتصارًا في عام 1967، أي بعد نحو 20 عامًا وحسب من تأسيس الدولة، تفجرت الرغبات الاستهلاكية وزاد النزوع نحو اللذة وارتفعت التوقعات وانخفضت المقدرة على التحمل إذ شعر المستوطنون الصهاينة أن المرحلة التقشفية قد انتهت وأن الوقت قد حان لدخول مرحلة الاستهلاك والسلع المستوردة، وهذا يعني أن ارتفاع معدلات العلمنة في المجتمع أدَّى إلى اكتساح القيم، والمطلقات كافة، ومعها المطلق الصهيوني نفسه وسائر آليات ضبط النفس التي تتم في إطاره، وذلك قبل أن يضرب المجتمع بجذوره وقبل أن يؤسِّس بنيته التحتية. ولذا، تزايدت معدلات الأمركة في المجتمع، وضَعُفت مقدرة المستوطنين على تحمُّل المشاق. ومع تَفجُّر الانتفاضة تصاعدت حدة أزمة المجتمع الصهيوني.
لكل هذا تغيَّرت الأنماط الإدراكية في المجتمع فتراجع نموذج الكيبوتسنيك (عضو الكيبوتس) وظهر نموذج روش قطان، أي المواطن ذو الرأس الصغير والمعدة الكبيرة.

ونظرًا للتوجُّه نحو اللذة في التجمُّع الصهيوني نجد أن المفهوم القديم للمستوطن الصهيوني باعتباره رائدًا يمسك المحراث بيد والبندقية بالأخرى قد تآكل، وظهر نوع جديد من المستوطنين الذين يبحثون عن الحراك الاجتماعي وعن رفع مستوى معيشتهم. ولذا يُلاحَظ أن المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية مختلفة عن المستوطنات القديمة، فلا توجد فيها أي مظهر من مظاهر التقشف وإنما توجد فيها منازل فاخرة وحمامات سباحة وكل أشكال الرفاهية. والدعوة إلى الاستيطان فيها لا تأخذ شكل شعارات دينية أو حتى شبه دينية ولا أيديولوجية (أو حتى شبه أيديولوجية) وإنما هي دعوة سافرة للاستهلاك، فإحدى الإعلانات تتحدث عن فيلا واسعة، في موقع جميل، بنصف ثمن الفيلات المماثلة داخل حدود 67 ولكنها مع هذا تقع على بُعد ثلاثين دقيقة من وسط القدس ونتانيا وتل أبيب.
وهذه البيوت الاستيطانية الفارهة لا يقوم المستوطنون بحراستها إذ يتولَّى الجيس الإسرائيلي هذه المهمة بالنيابة عنهم. ولذا بدلاً من أن تكون المستوطنات هي المواقع العسكرية الأمامية للقوات الصهيونية أصبحت تشكل عبئًا عسكريًا عليه. ولذا فقد أطلقنا على هذا النوع من الاستيطان «الاستيطان مكيف الهواء» ، وهو يعكس واقع الحياة في إسرائيل أكثر من الشعارات الصهيونية الكاذبة التى تطلقها أبواق الدعاية الصهيونية.
2 ـ لا شك فى أن كون المجتمع الصهيوني مجتمع مهاجرين يعني أن هناك دائمًا جماعات بشرية جديدة تفد على المجتمع وتصعِّد من سعاره الاستهلاكي، كما حدث مع وصول المهاجرين السوفييت.
3 ـ مما يساعد على تفشي النزعة الاستهلاكية ظاهرة الأمركة، والأمركة هي أسلوب حياة جوهره اتخاذ موقف برجماتي ينصرف عن الكليات والمبادئ ليركز على التفاصيل وحل المشاكل المباشرة، ويعتمد العنف آلية أساسية من آليات حل الصراع، ويركز على الفرد بالدرجة الأولى وتأكيد ضرورة الإشباع الفوري.

وعلاقة إسرائيل بالولايات المتحدة علاقة خاصة وعميقة. فكلاهما مجتمع استيطاني مبني على محو تاريخ الآخر وإبادته وطرده. وكلاهما يستند إلى أسطورة الاستيطان الغربية (صهيون الجديدة) . وإلى جانب هذه العلاقة الحضارية شبه الدينية، توجد العلاقة السياسية العملية وهي أن الولايات المتحدة هي الراعي الإمبريالي للدولة الصهيونية الوظيفية التي تدعمه وتموله وتضمن بقاءه واستمراره، وهي تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم (يفوق في حجمه التجمُّع الصهيوني نفسه) . وهي بغير شك علاقة تخلق تبادلاً اختياريًا وتربة خصبة للأمركة. هذا بطبيعة الحال إلى جانب الاتحاه العام في كل مجتمعات العالم نحو الأمركة مع تصاعُد معدلات العلمنة وتفشي النسبية الأخلاقية. والأمركة تعني تآكل الجذور وتساقط الحدود الأمر الذي يصعِّد السعار الاستهلاكي.
4 ـ والأمركة مرتبطة تمام الارتباط بالعولمة التي لها نفس الأثر في التجمُّع الصهيوني، فالإنسان الذي يفقد جذوره الإثنية والدينية يميل بشكل أكبر نحو الاستهلاك، لأن استهلاك السلع يصبح السبيل إلى تحقيق الفردوس الأرضي. وفي إطار العولمة تصبح السلع العالمية (أي الأمريكية) هي رمز هذه الجنة الجديدة.
وهذه الظواهر موجودة في كل المجتمعات ولكن أثرها السلبي أعمق في التجمُّع الصهيوني لأنه مجتمع يستند عقده الاجتماعي إلى أيديولوجية تشكل الهوية عصبها وعمودها الفقري.
5 ـ ويرتبط بكل هذا الاتجاه نحو الخصخصة، فالخصخصة تعني أن نقطة البدء هي الفرد وليس المجتمع، وأن المشروع الفردي يسبق المشروع القومي. ومثل هذا الموقف يزيد بغير شك حدة السعار الاستهلاكي. وللخصخصة أعمق الأثر في التجمُّع الصهيوني باعتباره تجمُّعًا استيطانيًا لابد أن ينظم نفسه تنظيمًا جماعيًا ليضمن لنفسه البقاء والاستمرار أمام مقاومة أصحاب الأرض.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - أزمة الصهيونية والمسألة الإسرائيلية - الاستجابة الصهيونية/ الإسرائيلية للأزمة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

التكاثر المفرط للمصطلحات الصهيونية....
‏Excessive Proliferation of Zionist Terminology
«التكاثر المفرط للمصطلحات الصهيونية» هو سمة أساسية للفكر الصهيوني منذ ظهوره. فهناك «الصهيونية الدبلوماسية» و «الصهيونية السياسية» و «الصهيونية العامة» و «الصهيونية العمالية» و «الصهيونية الاشتراكية» و «الصهيونية الدينية» و «الصهيونية العلمانية» و «الصهيونية الثقافية» و «الصهيونية الروحية» و «الصهيونية التصحيحية» و «الصهيونية التوفيقية» و «الصهيونية الإقليمية» و «صهيونية بدون صهيون» و «صهيونية صهيون» و «الصهيونية المسيحية» و «صهيونية الأغيار» و «صهيونية الدياسبورا» وغيرها من المصطلحات.
وقد استمرت الظاهرة بعد إنشاء الدولة وإن كان إسهال المصطلحات قد عبَّر عن نفسه من خلال أسماء الأحزاب التي تتغيَّر بمعدل جنوني عند كل انتخابات وما بينها.
وإذا كان التكاثر المفرط للمصطلحات سمة أساسية للخطاب الصهيوني قبل عام 1967، فإن الأمور ازدادت سوءاً بسبب تصاعُد الأزمة، فهناك الأزمة البنيوية للصهيونية وتوتر العلاقة بين المُستوطَن الصهيوني ويهود العالم. ولأن الأزمة لا حل لها والتوتر يتصاعد فإن الحلول المطروحة هي الأخرى تتزايد بشكل مفرط، ومن ثم تتكاثر المصطلحات وتتداخل فتضطرب.....

وبعض التيارات الصهيونية الجديدة توصف بأنه «معتدلة» (صهيونية الخط الأخضر ـ صهيونية الحد الأدنى ـ الصهيونية الديموجرافية) ، ويوصف البعض الآخر بأنه «متطرف» (صهيونية الأراضي ـ صهيونية الحد الأقصى ـ الصهيونية المتوحشة) . وحقيقة الأمر أنه لا يوجد فارق جوهري بينهما، فكلاهما يَصدُر عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ولا يختلفان إلا فيما يتصل بطريقة التطبيق ونطاق التوسع. (ومع هذا ترى الولايات المتحدة [رائدة النظام العالمي الجديد] أن تيار المعتدلين الصهاينة وصهيونية عصر ما بعد الحداثة هما الأقرب لأهدافها، فالنظام العالمي الجديد يُفضل عدم المواجهة المباشرة مع الشعوب المستغَلة. وصهيونية الأراضي تؤدي إلى مثل هذه المواجهة) .
ويظهر التداخل بين المصطلحات وعدم جدواها من الناحية التصنيفية في حالة هرتزل. فهو قد أظهر صيغة صهيونية معتدلة (وُصفت بأنها «صهيونية ليبرالية إنسانية» ) وأبطن صيغة الحد الأقصى المتوحشة. وقد حل التناقض بطريقة عملية ذكية إذ ربط التوسع (صهيونية الأراضي) بالهجرة (الصهيونية السوسيولوجية) ، وجعل الثاني مشروطاً بالأول، فكأنه كان ليبرالياً قبل وصول المستوطنين، متوحشاً بعده. (ومع هذا، نجد من أتباع هرتزل الليبراليين من يشجبون صهيونية الحد الأقصى وينعتونها بالوحشية، وهي الصهيونية التي لم يرفضها المنظِّر الأول والزعيم الروحي، وإنما أخفاها وحسب لاعتبارات عملية!) .

ويظهر الخلط في المصطلح أيضاً في إدراك الحركة الصهيونية أن «الشعب اليهودي» يؤثر المنفى على «الوطن القومي» وأنه يحجم عن الهجرة إليه. ولكنها مع هذا ترفض الاعتراف بالأمر الواقع. ومما يزيد الأمور اختلاطاً أن هؤلاء الذين يرفضون الهجرة يسمون أنفسهم «صهاينة» لأسباب نفسية محضة لا علاقة لها بواقعهم أو سلوكهم. وقد طالب بن جوريون بعدم تسميتهم «صهاينة» ، فالصهيونية ـ كما قال ـ هي الهجرة والاستيطان (ومن وجهة نظرنا، الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها والقتال من أجلها) . وطالب بتسميتهم «أصدقاء صهيون» وحسب. ولكن مثل هذه الراديكالية قد تفضح المشروع الصهيوني ومن هنا مصطلحات مثل «الصهيونية النقدية» و «الصهيونية التقنية» ، وهي سليلة مصطلح بورخوف «صهيونية الصالونات» . وهي مصطلحات تشير إلى ظاهرة رفض أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الهجرة دون تسميتها بشكل صريح.
وفي محاولتنا وصف الظاهرة الصهيونية وتسمية بعض جوانبها الجديدة الناجمة عن التغيُّرات التي طرأت عليها، نحتنا مجموعة من المصطلحات من بينها «صهيونية المرتزقة» و «الصهيونية الحلولية العضوية» و «صهيونية عصر ما بعد الحداثة» . وفي بقية مداخل هذا الباب ستتناول هذه المصطلحات. وسنختمه بمدخلين يتناولان ما نتصور أنهما الاتجاهان الصهيونيان الأساسيان. وفي المدخل الأخير سنتناول الرؤية الإسرائيلية المباشرة للأزمة الصهيونية خارج الاعتذاريات والديباجات.
الصهيونية الجديدة
‏Neo-Zionism
«الصهيونية الجديدة» مصطلح له معنيان مختلفان:
1 ـ يُستخدَم المصطلح للإشارة إلى التيارات التوسعية المتشددة داخل إسرائيل التي تطالب بالاحتفاظ بكل الأراضي التي تم ضمها بعد عام 1967. والمصطلح، بذلك، يكون مرادفاً لمصطلح «صهيونية الأراضي» و «صهيونية الحد الأقصى» .

2 ـ يُطلَق المصطلح أيضاً على صهاينة الولايات المتحدة الذين يؤيدون إسرائيل بحماس شديد ويقبلون برنامج القدس، ولكنهم مع هذا يرفضون الانضمام إلى المنظمة الصهيونية. وقد ظهر المصطلح بعد عام 1967. وهذه كلها تنويعات على المصطلح الذي نحتناه «الصهيوينة التوطينية» . واستخدام نفس الكلمة للإشارة إلى مدلولين مختلفين يبين مدى اختلاط المصطلح الصهيوني.
صهيونية الخط الأخضر
‏Green Line Zionism
«صهيونية الخط الأخضر» هي الصهيونية التي تدعو إلى الانسحاب إلى فلسطين المحتلة قبل عام 1967. وقد ذاع المصطلح بعض الوقت بعد عام 1967. ودعاة صهيونية الخط الأخضر ليسوا كثيرين، كما أنه حين يتم التدقيق في خطابهم يكتشف الباحث أنهم يدعون إلى الاحتفاظ ببعض الأراضي أو المواقع في الضفة الغربية لأسباب يُقال لها "أمنية".
الصهيونية الديموجرافية (السكانية (
‏Demographic Zionism
«الصهيونية الديموجرافية (السكانية) » مصطلح سكه عالم السياسة الإسرائيلي شلومو أفنيري، وهي الصهيونية التي تود الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة الصهيونية والتي ترى أن الحفاظ على الأراضي التي تم ضمها عام 1967، وهي مناطق مأهولة بالسكان، يهدد هذا الطابع. ويرى هؤلاء أن تَزايُد عدد العرب يهدد الديموقراطية الإسرائيلية نفسها، إذ من الصعب على دولة ديموقراطية أن تضم أقلية كبيرة (قد تصبح أغلبية) وتنكر عليها حق الاشتراك في صنع القرار. ولذا يطالب دعاة هذا الاتجاه بتسليم المناطق المأهولة للعرب (كما حدث مع قطاع غزة) والاحتفاظ بالنقط الإستراتيجية لضمان الأمن الإسرائيلي الأمر الذي سيوفر لإسرائيل الجو الملائم لتطور اقتصادها بطريقة تسمح لها بقيادة منطقة الشرق الأوسط. ومصطلح «الصهيونية الديموجرافية» مرادف لمصطلح «الصهيونية السوسيولوجية» .
الصهيونية السوسيولوجية
‏Sociological Zionism
انظر: «الصهيونية الديموجرافية) السكانية) » .
الصهيونية الإنسانية (الهيومانية (

‏Humanistic Zionism
«الصهيونية الإنسانية» مصطلح قريب من مصطلح «صهيونية الحد الأدنى» ، وهو يعني أن الصهيونية لا تستند إلى الغزو والقمع والإرهاب وإنما إلى مجموعة من القيم الإنسانية (الهيومانية) . والمصطلح ليس له ما يسانده في الواقع، فالفلسفة الإنسانية (الهيومانية) تجعل من الإنسان مركز الكون ولا تُفرِّق بين إنسان وآخر. ومن ثم فإن تطبيق هذا على التجمُّع الصهيوني سيؤدي إلى إلغاء قانون العودة العنصري وفتح أبواب الهجرة أمام الفلسطينيين ليعودوا لوطنهم ويستعيدوا أرضهم وديارهم، كما سيُعطي الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بعد عام 1967 الاستقلال الكامل وحق تقرير المصير. وغني عن القول أن كل هذا يعني نهاية التاريخ الصهيوني!
صهيونية الحد الأقصى
‏Maximal Zionism
«صهيونية الحد الأقصى» مصطلح شاع في إسرائيل في الآونة الأخيرة، وهو عادةً يشير إلى عقيدة أولئك الصهاينة الذين يرفضون التنازل عن أيِّ شبر مما يسمونه «أرض إسرائيل الكبرى» . فالأراضي المحتلة في تصوُّرهم جزء من أرض الميعاد المقدَّسة ويمكن الاحتفاظ بها وبمن عليها من السكان دون التخلي بالضرورة عن الطابع اليهودي للدولة، فقمع العرب المستمر سيضمن هدوءهم وهدوء المناطق (ومن ثم فالمصطلح مرادف لمصطلح «صهيونية الأراضي» و «الصهيونية التوسعية» ) . ومن ثم، فهم يرفضون تقديم أية تنازلات إقليمية أو أي انسحاب للقوات الإسرائيلية أو أية تصفية ولو جزئية للمستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية والجولان أو غيرهما.
ومما يجدر ذكره أن دعاة صهيونية الحد الأقصى ليسوا من أعضاء الأحزاب الدينية وحسب، وإنما يضمون في صفوفهم كثيراً من اللادينيين. كما أن هناك من الدينيين من لا يمانع في التنازل عن الأراضي، للحفاظ على أرواح اليهود (بكواح نفيش) .

وصهيونية الحد الأقصى كامنة في صهيونية الحد الأدنى (التي تبدي مرونة واستعداداً للتفاهم مع العرب) . ويتأرجح الصهاينة بين الحدين الأقصى والأدنى بتغير الموازين الدولية والقوة الذاتية العسكرية الإسرائيلية. ونظراً لذيلية إسرائيل وتبعيتها شبه الكاملة للولايات المتحدة، يمكن فهم أنماط هذا التأرجح بالرجوع إلى سياسات الولايات المتحدة. ونحن نذهب إلى أنه مع ظهور النظام العالمي الجديد، ورغبة الولايات المتحدة في تحويل العالم بأسره إلى مصنع وسوق (بغير قيم أو خصوصيات) ، سيتم الضغط على إسرائيل حتى تظهر مرونة أكبر ومقدرة على التعاون مع بعض النظم والنخب العربية الحاكمة.
الصهيونية المتوحشة
‏Brutal Zionism
«الصهيونية المتوحشة» مصطلح يستخدمه دعاة «صهيونية الحد الأدنى» والصهاينة الإثنيون واللادينيون للإشارة إلى «صهيونية الحد الأقصى» ، الدينية واللادينية وصهيونية جوش إيمونيم وكاخ.
الصهيونية المشيحانية
‏Messianic Zionism
«الصهيونية المشيحانية» هي «صهيونية الحد الأقصى» وإن كان المصطلح يؤكد الجوانب الأيديولوجية والديباجات اليهودية الأخروية. فالصهيونية المشيحانية هي الصهيونية التي تؤمن بأنها أيديولوجية مرتبطة تمام الارتباط بعقيدة الماشيَّح، ملك اليهود الذي سيقودهم في آخر الأيام ليؤسس مملكة صهيون الأزلية. ورغم أن كثيراً من الصهاينة العلمانيين قد يرفضون العقائد المشيحانية (باعتبارها متخلفة وغيبية) إلا أن المصطلح الصهيوني بأسره إن هو إلا صيغة معلمنة للعقائد المشيحانية. فالحديث عن «العودة» و «الهيكل الثالث» وغيرها من المصطلحات ينبع من العقيدة المشيحانية.
صهيونية الأراضي
‏Territorial Zionism
انظر: «صهيونية الحد الأقصى» .
الصهيونية التوسعية
‏Expansionist Zionism
انظر: «صهيونية الحد الأقصى» .
الصهيونية الفورية
‏Immediate Zionism

«الصهيونية الفورية» مصطلح استُخدم في بعض المؤتمرات الصهيونية في الثمانينيات. وكان الهدف من المصطلح هو شخذ همة الصهاينة التوطينيين حتى ينفضوا عنهم غبار المنفى ويهاجروا "على الفور" إلى فلسطين المحتلة ويستوطنون فيها. وغني عن القول أن المصطلح لم يحدث الهدف المطلوب منه.
الصهيونية الجسمانية (أو التجسيدية (
‏Bodily Zionism
«الصهيونية الجسمانية أو التجسيدية» ترجمة لمصطلح «تسيونيت بجشيم» وهو مصطلح استُخدم في بعض المؤتمرات الصهيونية في الثمانينيات ولا يختلف كثيراً عن «الصهيونية الفورية» . ولعله محاولة لعلمنة مفهوم «عفوداه بجاشيموت» الحسيدي (أي «الخلاص بالجسد» (.
الصهيونية الاقتصادية
‏Economic Zionism
«الصهيونية الاقتصادية» مصطلح يعبِّر عن تقبل الفكر الصهيوني لحالة الدياسبورا النهائية وإحجام صهاينة العالم الغربي (الصهاينة التوطينيين) عن الهجرة إلى فلسطين، وهو يعني أن العلاقة بين يهود العالم والدولة الصهيونية ستكون علاقة "اقتصادية" مجردة، فلن يُطلَب من يهود العالم الهجرة وسيُكتفي بمطالبتهم بالاستثمار في إسرائيل، ولذا بدلاً من الحديث عن مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا ككل يمكن الحديث عن «مركزية إسرائيل في الحياة الاقتصادية للدياسبورا» ، وهو ما يعني المزيد من انحسار الرؤية الصهيونية وحصرها في الوجود الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية.
الصهيونية النقدية
‏Monetary Zionism
«الصهيونية النقدية» مصطلح لا يختلف كثيراً عن مصطلح «الصهيونية الاقتصادية» وإن كان يُشكِّل مزيداً من الانحسار والتسطح، فالمفهوم الكامن هو «مركزية إسرائيل في الحياة النقدية [بمعنى المالية] للدياسبورا» . والمصطلح مجرد تنويع على مصطلحنا «الصهيونية التوطينية» ، وهو مرادف لمصطلح «صهيونية دفتر الشيكات» .
صهيونية دفتر الشيكات
‏Check-Book Zionism
انظر: «الصهيونية النقدية» .
صهيونية النفقة
‏Alimony Zionism

«صهيونية الحد الأقصى» مصطلح مترادف تقريباً مع «الصهيونية النقدية» و «صهيونية دفتر الشيكات» وإن كان يُشكِّل انحساراً شبه كامل للصهيونية. فالصورة الكامنة هنا هي صورة اليهودي الذي تطارده طليقته (الدولة الصهيونية) وتطالبه بالنفقة فيضطر أن يدفع لها بل يجزل لها العطاء حتى تكف عن ملاحقته وفضحه أمام نفسه وأمام الجيران، أي أن المصطلح يجعل العلاقة بين يهود العالم والدولة الصهيونية علاقة برانية تماماً.
الصهيونية التقنية (أو الإلكترونية (
‏High-Tech (or Electronic) Zionism
«الصهيونية التقنية (أو الإلكترونية) » مصطلح لا يختلف كثيراً عن مصطلح «الصهيونية الاقتصادية» وإن كان يشكل مزيداً من الانحسار إذ يصبح الشعار الصهيوني «مركزية إسرائيل في الحياة التقنية أو الإلكترونية للدياسبورا» . والمصطلح هو مجرد تنويع على مصطلحنا «الصهيونية التوطينية» .
الصهيونية اللوكس (أو الصهيونية مكيفة الهواء (
‏De Luxe (or Air-Conditioned) Zionism
«الصهيونية اللوكس» (أو «الصهيونية مكيفة الهواء» ) مصطلح قمنا بصياغته قياساً على عبارة زئيف شيف «الاستيطان دي لوكس» حيث يشير إلى أسلوب حياة المستوطنين في الضفة الغربية الذي يتسم بالرفاهية الشديدة (على عكس صهيونية المستوطنين الأوائل التي كانت تتسم بالتقشف) . وقد نحتنا نحن مصطلح «الاستيطان مكيف الهواء» قبل ظهور مصطلح «الاستيطان اللوكس» بعدة سنين.
الصهيونية المكوكية
‏Shuttle Zionism

«الصهيونية المكوكية» مصطلح قمنا بنحته قياساً على مصطلح الاستيطان المكوكي (بالإنجليزية: شتل ستلمنت «shuttle settlement) والذي يُستخدَم للإشارة إلى المستوطنين الذين يقطنون الأراضي المحتلة بعد عام 1967 ولكنهم يعملون في الأرض المحتلة منذ عام 1948 فهم ينتقلون يومياً من المستوطنات ويعودون إليها في حركة مكوكية. وقد قطن هؤلاء في الضفة الغربية بدافع واحد وهو أن المساكن في المستوطنات أكثر فخامة وترفاً وأقل تكلفة من المساكن خلف الخط الأخضر. ويُقال إن كثيراً من هؤلاء المكوكيين هم «محترفو الاستيطان» (بالإنجليزية: ستلمنت برفشينالز settlement professionals) ، أي الذين اشتروا منازلهم هذه واستوطنوا في الضفة الغربية للحصول على "تعويضات" مناسبة إن اضطرت الدولة الصهيونية إلى نَقْل بعض المستوطنات، كما حدث من قبل في مستوطنة ياميت في سيناء.
الصهيونية: دال بلا مدلول
‏Zionism: A Signifier without Signified

كلمة «صهيونية» تشير إلى مجموعة الأفكار التي كان المفروض فيها أن تهدي المستوطنين في ممارستهم وأفعالهم ولكنها بدلاً من ذلك وضعتهم في ورطة تاريخية، ولذا فَقَدت الكلمة كثيراً من جلالها ورومانسيتها، بل دلالتها. فقد أصبحت دالاً دون مدلول، كلمة فارغة من المعنى. وهذا أمر كان متوقعاً، فالصهيونية بأسرها هي حركة تستند إلى شعار يؤكد ضرورة فصل الدال عن المدلول: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. فالأرض المشار إليها بأنها «بلا شعب» هي أرض الفلسطينيين، وهو ما يعني ضرورة فصل الأرض عن الشعب الذي يقطن فيها والتي سماها باسمه ومنحها الهوية والدلالة. أما الشعب الذي لا أرض له، فهو الجماعات اليهودية التي تقطن في أنحاء العالم، لا تبحث عن وطن جديد لها، فهي قانعة بأوطانها، وهذا يعني أن الشعار الصهيوني يحاول أن يفصل الجماعات اليهودية عن واقعها المتنوع وعن أوطانها التي تقطن فيها والتي تمنحها اسمها (يهود أمريكا ـ يهود إنجلترا ... إلخ) ، كما تمنحها الهوية والدلالة.
وقد لاحظ أحد الكُتَّاب الإسرائيليين أن الصيغتين «صهيوني» (بالعبرية: تسيوني tzioni) و «غير المكترث» (بالعبرية: تسيني tzini) لا يوجد فارق كبير بينهما. والفارق بينهما في الإنجليزية هو حرف (o) ، أي زيرو. فالصهيونية، هذه الأيديولوجية المشيحانية التي تدَّعي أنها القومية اليهودية، والتي تتطلب الحد الأقصى من الحماس والالتزام، فَقَدت دلالتها وأصبحت شيئاً لا يكترث به اليهود أعضاء هذه القومية المزعومة الذين تحاول الصهيونية "تحريرهم" من أسرهم في "المنفى"!

ويشير أحد الكُتَّاب الفكاهيين في إسرائيل إلى أن كلمتي «زايونيزم Zionism» الصهيونية و «زومبي Zombie» (وهو الميت الذي أُعيدت له الحياة بعد أن دخلت جسده قوة خارقة، ولذا يمكنه الحركة ولكنه لم يستعد لا القدرة على الكلام ولا حرية الإرادة) تردان في نفس الصفحة من المعجم الإنجليزي، الأمر الذي يدل ـ حسب تصوُّره ـ على ترابطهما، وأن الصهيونية إن هي إلا زومبي، أي جسد متحرِّك لا حياة فيه ولا معنى له. وهذا الكاتب الكوميدي لم يجانب الحقيقة كثيراً، فهناك العديد من المستوطنات الفارغة، تنعى من بناها، لا يسكن فيها أحد، ويُطلَق عليها بالإنجليزية: دمي ستلمنت dummy settlement. وقد آثرنا ترجمتها بعبارة «مستوطنات الأشباح» أو «مستوطنات زومبي» ، فهي جسد قائم لا حياة فيه.

ونظراً لكل هذه التطورات أصبحت كلمة «صهيونية» (تسيونوت بالعبرية) تعني «كلام مدع أحمق» (الجيروساليم بوست 26 أبريل 1985) وتحمل أيضاً معنى "التباهي بالوطنية بشكل علني مُبالَغ فيه"، وتدل على الاتصاف بالسذاجة الشديدة في حقل السياسة (الإيكونومست 21 يوليه 1984وكتاب برنارد أفيشاي مأساة الصهيونية، ص 26) . ومن الواضح أن حقل الكلمة الدلالي أو منظورها يشير إلى مجموعتين من البشر: صهاينة الخارج، أي الصهاينة التوطينيين الذين يحضرون إلى فندق صهيون ويحبون أن يسمعوا الخطب التي لا علاقة لها بالواقع، ولذا فهي ساذجة، مليئة بالادعاءات الحمقاء والتباهي العلني بالوطنية. وتشير في الوقت نفسه إلى الصهاينة الاستيطانيين الذين يعرفون أن الخطب التي عليهم إلقاؤها إن هي إلا خطب جوفاء ومبالغات لفظية لا معنى لها، ولكن عليهم إلقاءها على أية حال حتى يجزل لهم الضيوف العطاء. والمقصود الآن بعبارة مثل «اعطه صهيونية» هو «فلتتفوه بكلام ضخم أجوف لا يحمل أي معنى» ، فهو صوت بلا معنى، وجسد بلا روح، ودال بدون مدلول. أو كما نقول بالعامية المصرية: «هجّص» فالمسألة «هجص في هجص» ، ويمكن أن نضيف لزيادة الدلالة «والأرزاق على الله» . أو فلنُعلمن العبارة ونقول: «والأرزاق على الولايات المتحدة ويهود الدياسبورا» .
أرض بلا شعب: منظور إسرائيلي
‏Land without a People: Israeli Perspective

رغم الحديث المستمر عن الانتصارات الإسرائيلية الساحقة، والتقدم الاقتصادي المذهل، والقوة العسكرية المتزايدة إلا أن الإسرائيليين يشعرون في أعماق أعماقهم بما سماه المؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون «عقم الانتصار» . أو كما قال المثقف الإسرائيلي شلومو رايخ: "إن إسرائيل تركض من نصر إلى نصر حتى تصل إلى هزيمتها النهائية المحتومة"، وكما قال الجنرال الفرنسي بوفر، الذي قاد القوات الفرنسية في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، إنه حين ذهب يهنئ إسحق رابين بانتصاره العسكري في يونية 1967 بعد انتهاء المعركة بعدة أيام، وكانت القوات الإسرائيلية المشتركة لا تزال في طريق العودة إلى قواعدها، فوجئ أن الجنرال الإسرائيلي يقول وهو في قمة انتصاره: "ولكن ماذا سيتبقى من كل هذا؟ ". فالانتصارات الإسرائيلية لم تؤد إلى الهيمنة الإسرائيلية المرجوة ولم تؤد إلى تطبيع الحالة الصهيونية الإسرائيلية، فالدولة الصهيونية لا تزال دولة/شتتل، قلعة مدججة بالسلاح في حالة حرب نفسية مع كل جيرانها، وفي حالة حرب فعلية مع بعضهم، ولا يزال الشعب الفلسطيني يرفضها رفضاً كاملاً (ولذا نتحدث عن "الانتشارات" الإسرائيلية بدلاً من "الانتصارات" الإسرائيلية، فهو تحدد أفقي في المكان لا معنى له، وليس تطوراً رأسياً في الزمان يحدث تغييرات ذات معنى) ، وفي حالة اعتماد مذل على الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كانت الدعاية الصهيونية المصقولة تتحدث عن الصابرا المتفائل المقاتل، فإن الوجدان الإسرائيلي يحكي قصة مغايرة تماماً، فهو وجدان مدرك للورطة التاريخية التي وضعت الصهيونية فيها المستوطنين الصهاينة، وهي ورطة لها أبعادها المختلفة، المترابطة المتعددة. وهذا الإحساس بالورطة يعبِّر عن نفسه أحياناً بطريقة مأساوية، وأحياناً أخرى بطريقة ملهاوية حين يتحول الإحساس بالنكبة إلى نكتة.

والمشاكل التي يدركها الإسرائيليون تماماً هي أن فلسطين ليست "أرضاً بلا شعب" كما زعمت الدعاية الصهيونية، وأن الفلسطينيين ليسوا مجرد عرب، وإنما هم كيان محدد داخل التشكيل الحضاري القومي العربي. وهذا الإدراك يدمر شرعية الوجود الصهيوني ويسحب من تحته البساط، مهما كان حجم الانتصارات التي تحققها إسرائيل ومهما كان صخب دعايتها. وحتى إن غيَّرت منظمة التحرير الفلسطينية ميثاقها لتؤكد للمستوطنين أنها لا تنوي تحطيم دولتهم الصهيونية فهذا لا يغيِّر الحقائق البنيوية، الحضارية والإنسانية والمادية القائمة، فالفلسطينيون هناك يقرعون الأبواب في سلام غاضب أحياناً، وأحياناً أخرى بالأحجار أو حتى بالنار، ليذكِّروا الإسرائيليين بأن كيانهم الصهيوني يستند إلى أكذوبة تاريخية.
ولهذا، فإن الإسرائيليين، كما يقول عاموس إيلون "أصبحوا غير قادرين على ترديد الحجج البسيطة المصقولة وأنصاف الحقائق المتناسقة التي كان يسوقها الجيل السابق" (تتصل بأن فلسطين أرض بلا شعب) . وقد عبَّر الشاعر الإسرائيلي إيلي إيلون عن هذه القضية بقوله: "إن البعث التاريخي للشعب اليهودي، وأي شيء يقيمه الإسرائيليون مهما كان جميلاً، إنما يقوم على ظلم الأمة الأخرى. ولسوف يخرج شباب إسرائيل ليحارب ويموت من أجل شيء قائم أساساً على الظلم، إن هذا الشك، هذا الشك وحده، يشكل أساساً صعباً للحياة".

وتتناول قصة "في مواجهة الغابة" التي كتبها الروائي الإسرائيلي أبراهام يهوشوا، التي وُصفت بأنها هدامة وانتحارية، بعض الأحداث في حياة طالب يكتب دراسة عن حروب الفرنجة (وهذه تجربة تاريخية أخرى عقيمة وعاجزة تطارد العقل الإسرائيلي، فقد فشلت تماماً في تحقيق وجودها وكان مآلها الاختفاء) . وقد عُيِّن بطل القصة الإسرائيلي حارساً لغابة غرسها الصندوق القومي اليهودي في موقع قرية عربية أزالها الصهاينة مع ما أزالوه من قرى ومدن، وكانت كل شجرة في الغابة تحمل اسم أحد المساهمين المتحمسين من الصهاينة التوطينيين من يهود الخارج. ورغم أن البطل ينشد الوحدة، إلا أنه يقابل عربياً عجوزاً أبكم من أهل القرية يقوم برعاية الغابة، وتنشأ علاقة حب وكراهية بين العربي والإسرائيلي، فالإسرائيلي يخشى انتقام العربي، ومع ذلك فإنه يجد نفسه منجذباً إليه بصورة غير عادية، بل يكتشف الحارس المعيَّن من قبَل الصندوق القومي اليهودي أنه يحاول، بلا وعي، مساعدة العربي في إشعال النار بالغابة. وفي النهاية، عندما ينجح العربي في أن يضرم النار في الغابة كلها، يتخلص البطل من كل مشاعره المكبوتة.

ومن أكثر النكت دلالة تلك النكتة العبثية التي أطلقها يعقوب أجمون المسئول عن احتفالات الذكرى الأربعين لتأسيس إسرائيل، إذ يقول: إن المشروع الصهيوني كله يستند إلى سوء فهم وخطأ إذ كان من المفروض أن يتم في كندا بدلاً من فلسطين. ويرجع هذا إلى تعثُّر لسان موسى التوراتي، فحينما سأله الإله أي بلد تريد كان من المفروض أن يقول «كندا» على التو ولكنه تلعثم وقال «كاكاكا - نانانا» فأعطاه الإله «أرض كنعان» (أي فلسطين) بدلاً من كندا. فهاج عليه بنو إسرائيل وماجو وقالوا له: "كان بوسعك أن تحصل على كندا بدلاً من هذا المكان البائس، الخرب، هذا الوباء الشرق أوسطي الذي تحيط به الرمال والعرب". والنكتة هنا تعبِّر عن إحساس عميق بالورطة التاريخية وبالطريق المسدود الذي يؤدي إلى العدمية الكاملة.
ونجد نفس الإحساس في هذه القصيدة القصيرة التي خطها مستوطن صهيوني على حائط دورة المياه في الجامعة العبرية.
ليذهب السفارد إلى إسبانيا
والإشكناز إلى أوربا
والعرب إلى الصحراء،
ولنُعد هذه الأرض إلى الخالق -
فقد سبب لنا من المتاعب الكفاية
بوعده هذه الأرض لكل الناس.
والقصيدة مثل نكتة أجمون تعبير فكاهي عبثي عن رفض فكرة الوعد الإلهي التي يستند إليها الخطاب الصهيوني.
وتظهر العبثية في إحساس الإسرائيليين بحالة الحرب الدائمة كما يتضح في قصيدة الشاعر شاليف "صلاة على جرحى الحرب" حيث يخاطب الشاعر الإله قائلاً:
رب المصابين الساكنين في الجبس،
رب المصابين ممن يتنفسون الأوكسجين،
رب النفوس التي فوق أسرتها
أكياس الدم أرجوانية اللون
معلقة، ...

ومن المعروف أن التصور الصهيوني يؤكد أن الإله تربطه علاقة خاصة بالشعب اليهودي (أو كما قال بن جوريون إذا كان الإله قد اختار الشعب فإن الشعب قد اختار الإله) . ولهذا نجد أن كل المقدَّسات اليهودية ذات طابع قومي (وكل الظواهر «القومية» ، مثل ظهور دولة إسرائيل، تحيطها هالة من القداسة في الوجدان الصهيوني) . وتهدف استراتيجية الشاعر في هذه القصيدة إلى إزالة الغشاوة من على عيون الإسرائيليين وإخبارهم أن الإله لا تربطه بهم علاقة خاصة، وأنهم ليسوا شعباً مختاراً وإنما هم مثل بقية البشر تنزف دماؤهم ويحتاجون إلى نقل الدم. ومن هنا كانت الإشارات المتكررة للآلات والاصطلاحات الطبية الحديثة، ومن هنا أيضاً كان الابتهال الختامي في القصيدة الذي يختلف عن الابتهالات اليهودية التقليدية.
جل يا رب النفوس التي تعيش
ما بين عقاقير التهدئة وعقاقير التنويم
ما لا يقدر على تجليته للأرواح سواك.
ويظهر الإحساس بالورطة التاريخية في فقدان الإسرائيليين إحساسهم بالاتجاه كما يظهر في قصة ران أدليسط المعنونة أغنية الموت، وفي كلمات هذين الجندين الإسرائيليين الجالسين في الخنادق.
- هل ستسقط قنبلة،
- لقد سمعت أن الموقع البديل على طريق الإمدادات يشمل انتحاراً حقيقياً.
- ماذا إذن؟ هل سنظل هكذا للأبد!
- هل جننت؟
- هل ننسحب؟
- هل جننت؟
- حرب جديدة إذن؟
- هل الموقف مجرد من الأمل إلى هذا الحد؟
- هل تعرف ماذا تريد؟
- كلا.. وأنت؟
- كلا ...
- واحسرتاه.. هيا بنا نفتش عن الموقع الثانوي.
- بوم!
إن حديث الجنديين المتفلسف يتخطى حدود موقفها ليشمل وضع الإسرائيليين ككل.
ونفس الإحساس بالعبث والحركة الدائرية التي تقود الإسرائيليين من حرب إلى أخرى تظهر في قصيدة الشاعر يعقوب باسار "الحرب المقبلة":
- الحرب المقبلة
ننشئها.. نربيها
ما بين حجرات النوم
وحجرات الأولاد..
والنعاس
آخذ في الاصطباغ بالسواد.

إن الشاعر يرى أن الجهد الإسرائيلي مُنصَّب على استنبات زهرات الحديد للحرب المقبلة "ما بين حجرات النوم/وحجرات الأولاد".
هذا الإحساس بالعبثية وفقدان الاتجاه عند الإسرائيليين يتضح في ظهور موضوع «الخوف من الإنجاب» في القصص الإسرائيلي. فمن المعروف أن الدولة الصهيونية تشجع النسل بشكل مهووس لا حباً في الإخصاب والأطفال، وإنما كوسيلة لتثبيت أركان الاستعمار الاستيطاني، ولكن من المعروف أيضاً أن معدل الإنجاب في إسرائيل من أقل المعدلات في العالم. حتى أنهم فكروا في أن يعلنوا للإنجاب عاماً ينصرف فيه الإسرائيليون لإنجاب أطفال أكثر. وكان رد الإسرائيليين، كما هو متوقع، سريعاً وحاسماً وملهاوياً، إذ قال أحدهم إن على رئيس الوزراء أن يعود إلى منزله فوراً للقيام بواجبه الوطني مع زوجته. وهو واجب وطني بالفعل، فكما يقول أرنون سابير أستاذ الجغرافيا الإسرائيلي: "إن السيادة على أرض إسرائيل لن تُحسَم بالبندقية أو القنبلة اليدوية بل ستُحسَم من خلال ساحتين: غرفة النوم والجامعات، وسيتفوق الفلسطينيون علينا في هاتين الساحتين خلال فترة غير طويلة". ومن هنا الإشارة إلى المرأة الفلسطينية النفوض، التي تنجب العديد من الأطفال، بأنها "قنبلة بيولوجية". وتعود ظاهرة العزوف عن الإنجاب إلى عدة أسباب عامة (تركُّز الإسرائيليين في المدن - علمنة المجتمع الإسرائيلي والتوجه نحو اللذة ... إلخ) . لكن لا يمكن إنكار أن عدم الإنجاب إنما هو انعكاس لوضع خاص داخل المجتمع الإسرائيلي وتعبير عن قلق الإسرائيليين من وضعهم الشاذ باعتبارهم دولة مغروسة بالقوة في المنطقة. ففي قصة الحالمة للكاتبة بنيناه عاميت نجد أن البطلة سيطر عليها الخوف والكوابيس، فهي تحلم بالقنابل والمعارك والحرب، وحينما تسألها أمها "لماذا لا يكون لي حفيد في النهاية يا ابنتي؟ " فإنها تلوذ بالصمت (والصمت هو الاستجابة الوحيدة المتاحة لكثير من أبطال القصص الإسرائيلية) .

ومن القصص الإسرائيلية الطريفة قصة العَلمين ليعقوب شافيت التي تعالج موضوع الخوف من الإنجاب وتدور حوادثها حول رغبة أم إسرائيلية في التخلص من الجنين، ولكن إحدى الشخصيات (العمة إيطة) تثنيها عن عزمها عن طريق الوعد والوعيد والتهديد بالفضيحة، وراوي القصة هو الطفل الذي وُلد فيما بعد، والذي يبدأها بقوله "في أكتوبر 42 أنقذت عمتي إيطة البشرية". ويذكرنا الراوي أن في هذا اليوم كانت تدور رحى معركة العلمين (ولذلك تتخلل القصة فلاشات وصفية للمعركة والدبابات والدخان الأسود) . والأم تحس بوضعها كإنسان ضعيف داخل هذا الإطار من الصراعات العالمية، ولذلك فهي تتساءل عن جدوى إنجاب الأطفال إذا كان مقدراً لهم أن يعيشوا حتماً داخل الحرب دون طعام حتى يقضون. ولكن العمة إيطة تخبر الأم أنه لابد من الإنجاب من أجل البشرية، فترد عليها قائلة "فلتلدهم البشرية إذن". والعمة إيطة شخصية ضيقة الأفق "منهكة دائماً في إلقاء موعظة أخلاقية تربوية"، "تفيض بالعزم والتصميم"، "لا تتحدث إلا لتُصدر أوامر" وهي تهاجم الأم "كأنها حيوان مفترس يهاجم دجاجة".
في داخل هذا العبث وفقدان الاتجاه، تسيطر السوداوية والحتمية والإحساس بأن حالة الحرب دائمة. ويظهر هذا الاستسلام الكامل في كلمات موشيه ديان في جنازة صديقه روي روتبرج، الذي قتله الفدائيون الفلسطينيون. فقد قال وزير الدفاع والخارجية الإسرائيلي السابق: "إننا جيل من المستوطنين، ولا نستطيع غرس شجرة أو بناء بيت، دون الخوذة الحديدية والمدفع؛ علينا ألا نغمض عيوننا عن الحقد المشتعل في أفئدة مئات الآلاف من العرب حولنا. علينا ألا ندير رؤوسنا حتى لا ترتعش أيدينا. إنه قدر جيلنا، إنه خيار جيلنا، أن نكون مستعدين ومسلحين، أن نكون أقوياء وقساة، حتى لا يسقط السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة".

ومنذ بضع سنوات لاحظ الشاعر الإسرائيلي حاييم جوري بمرارة ما سماه «مركب إسحاق» وهو أن الإنسان الإسرائيلي يُولَد "وفي داخله السكين الذي سيذبحه"، كما بيَّن جوري أن "هذا التراب (أي إسرائيل) لا يرتوي"، فهو يطالب دائماً "بالمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى"، كما لو كانت أرض إسرائيل آلهة ثأر بذيئة، لا مجرد قطعة أرض أو إقليم. كما لاحظ الكاتب الإسرائيلي بن عيزر أن الإسرائيليين الشباب، الذي يخدمون في الجيش، يشعرون أن أهلهم بالاشتراك مع الدولة يضحون بهم دون تعويض أو عزاء من عقيدة دينية تؤمن بالحياة بعد الموت، ولذا فهم يشعرون أن هذه الحروب هي "تضحية علمانية بإسحق"، أي أنها تضحية بشرية لا هدف لها ولا معنى.

ثم تظهر أساطير قومية تترجم هذا الوضع إلى بناء أيديولوجي أسطوري مُحكَم، ومن هنا ظهرت أسطورة ماساداه وشمشون. وفي كلا الأسطورتين ثمة حالة حصار نهائية مغلقة، لا يمكن الفكاك منها إلا بتدمير الذات وتدمير الآخر، فنهايتها ليست سعيدة وإنما إبادية للجميع. ومع هذا رغم كل هذا الحديث عن الحصار والدمار فإن الوجدان الإسرائيلي يتجاوز الأساطير الصهيونية المصقولة. فيشير يهوشوفاط هركابي إلى أن الإسرائيليين يميلون إلى تمجيد الوهم ويخفقون في إدراك أن الواقع مُحدَّد بحدود الممكن. ثم يشير إلى قصة صهيونية انتحارية أخرى هي قصة بركوخبا الذي تحالف مع بعض الحاخامات فأعلنوا أنه الماشيَّح وقرروا مواجهة الإمبراطورية الرومانية دون حساب موازين القوى أو معرفة مدى قوة الرومان فيما يعرف بالتمرد اليهودي الثاني ضد الرومان (132 - 125 ق. م) . وبطبيعة الحال تم القضاء على المتمردين وعلى تمرُّدهم وعلى البقية الباقية من الوجود اليهودي الهزيل في فلسطين، أي أن النزعة الانتحارية الشمشونية هنا لم تؤد إلى القضاء على الآخر وإنما على الذات وحسب، ويُسمِّي هركابي هذا "أعراض بركوخبا"، فالنزعة الانتحارية مرض يصيب صاحبه وهي ليست بالضرورة ماساداه التي تدمر الذات والآخر.

ونفس النزعة نحو مراجعة أسطورة ماساداه توجد في قصيدة الشاعر حاييم حيفر التي كتبها أثناء الانتفاضة، فبدلاً من ماساداه يتحدث عن الطائرة المروحية الأمريكية، أي تلك الطائرة التي ستأتي حينما تحين لحظة النهاية وتحط فوق سطح السفارة الأمريكية (كما حدث في فيتنام) لتأخذ فلول المستوطنين وعملاء الولايات المتحدة. تبدأ القصيدة بالتصويت في الكنيست على الخروج الأخير ولذا "فلنرحل إلى أمريكا الآن/فلقد لملمنا حقائبنا وأمانينا". ويتدافع الجميع دون نظام ("لا تتزاحموا.. لكل مكانه/عفواً لا تضغطوا هكذا") . ويتصور رئيس الوزراء عملية الخروج السريع هذه وهو يجلس في مقعده في الطائرة "ويروق له المقام/يعلن أنه لا مكان للباقين" هنا، فلسان حاله وحال وزرائه هو "نحن ومن بعدنا الطوفان". إن الصورة السائدة هنا عكس صورة البطل الشمشوني في ماساداه الذي يهلك مع رفاقه:
وبسرعة أخذت الطائرة.. تطير
أما الدولة
فقد هُجرت
وحيدة.. تُركت.. إسرائيل.
وبعد بضعة بيوت وعظية احتجاجية ركيكة (أفلا يمكننا أن نحاول ثانيةً؟ /أم أننا لسنا مواطنين مخلصين؟) نكتشف أن الطائرة قد طارت بالوزراء والأحلام:
فإن كنا حقاً هكذا.
وعليه حزمت حكومتنا لأمريكا حقائب الرحيل
فإنا جميعاً كذلك
في الرحيل إليها.. راغبين.
بعيداً عن ماساداه المتهالكة، بعيداً عن صهيون التي اشتعلت فيها النيران، إلى الولايات المتحدة الوطن القومي الآمن وربما الحقيقي.

ورنة الحزن الكامنة في النكت والقصائد الفكاهية تصبح واضحة في الأغاني الإسرائيلية فهي مليئة بالعدمية والحديث عن الدمار والفقدان والضياع والعزلة. ففي أعقاب انتصار عام 1967 لاحظ أفنيري أن من أكثر الأغاني شيوعاً أغنية تقول وبفرح شديد، "العالم كله ضدنا". والفرح هنا تعبير عن إحساس المستوطن الصهيوني بمفارقة موقفه، فهو بعد انتصاره (الذي يعبِّر عن "اختياره") يجد نفسه معزولاً عن العالم، فالأغنية تشبه تلك العبارة: "الحمد لله فأنا مكروه تماماً من كل الناس! ".
وقد ازداد الإحساس بالضياع بعد عام 1973، ولنأخذ على سبيل المثال أربيل زلبر، المغني الذي انضم إلى يهودا أدر وشالوم هانوخ وكوَّنوا جماعة غناء روك تُسمَّى «تموز» . والصورة العامة التي تشيعها هذه الجماعة هي صورة الشاب الشريد. وزلبر نفسه فقد ساقه وهو يلعب بقنبلة يديوية حين كان صبياً. وأهم أغانيه «هوليخ باطل» (حرفياً: صار أو راح باطلاً أو أصبح غير مجد أي بالعامية المصرية «مافيش فايدة» ) وتتحدث الأغنية عن متشرد يبحث عن المخدرات والجنس وقطع غيار السيارات المسروقة.
كما تتحدث الأغاني عن أبطال العهد القديم وأنبيائه بطريقة تنم عن الاستخفاف الشديد، وهؤلاء الأبطال والأنبياء هم الرموز القومية اليهودية الصهيونية الأساسية. ففي أغنية داني ساندرسون يتحدث عن داود يهزم طالوت "وتخرج أسفار موسى الخمسة لتشجع ... إن كنت تريد أن تصبح ملكاً علينا، في سن السادسة فلتصنع لنا حلبة صراع". وتسخر أغنية زلبر الأخرى من شمشون وتشير إليه باعتباره «عاملاً في عربة قمامة» . أما داود فهناك مسرحية تتحدث عنه باعتباره شاذاً جنسياً. ومعظم المغنين من نتاج الكيبوتس وقد ظهروا بعد عام 1973 مع إدراك الصهاينة بداية أزمتهم.
ومن أشهر الأغاني في إسرائيل في الثمانينيات أغنية مائير باناي، وهي أغنية جميلة حزينة تعبِّر بشكل دقيق عن تساقط الشرعية الصهيونية وإحساس المستوطنين بذلك:

كلهم ذاهبون إلى مكان ما،
يرنون للمستقبل العذب،
أما أنا، فأستيقظ في الصباح
وأركب الحافلة رقم 5 المتجهة للشاطئ،
الحافلة مليئة بالدخان،
وعجوزان،
والكمساري.
وهناك كتابة على حائط أسمنتي:
ماذا حدث للدولة؟
انظر إلى الدولة وانظر إلى الأسمنت!
تغنّي الطيور «صباح الخير»
لعله يمكنني أن أطير معها بعيداً، ولا أسقط.
إن فراغ الحافلة رمز جيد لأزمة المستوطن الصهيوني السكانية، فليس فيها سوى عجوزان (لعلهما رمزاً «للشعب اليهودي» المسن) . ويتساءل المغني عما حدث للدولة المكتوب اسمها على الأسمنت، وهو رمز للجمود والموت. مقابل كل هذا هناك غناء الطيور التي تبشر ببداية جديدة، خارج الحافلة الفارغة والأسمنت الصلب. ويود المغني أن يطير بعيداً، أن ينزح عن كل هذا، ولكن الأغنية مع هذا تعبِّر عن عدم اليقين من إمكانية الفرار، فالسقوط احتمال وارد! أي أنه لا مكان للتقدم للأمام ولا التراجع للخلف!
ثمة إحساس إذن بفشل المشروع الصهيوني وخيبة أمل وإحباط نتيجة هذا، وهي أحاسيس عبَّرت عن نفسها في مجموعة من النكت الساخرة، والأغاني الحزينة والتي تحاول كلها الإفصاح عن وضع تاريخي مركَّب جداً لا مخرج منه، فالصهيوني غير قادر على الخروج من وضعه وأثبتت الأيام أنه قد يكون قادراً على إلحاق بعض الأذى بالعرب ولكنه غير قادر على تطبيع موقف والوصول إلى النهاية السعيدة: أي تفتُّت العرب، واختفاء الفلسطينيين.
وتدور أحداث قصيدة الشاعر إفرايم سيدون (التي رفض التليفزيون الإسرائيلي إذاعتها) في غرفة صالون يجلس فيه أربعة أشخاص، الأب والأم والطفل، أما رابعهم فهو الجندي الصهيوني، وبالتالي فهي خلية استيطانية سكانية مسلحة. وقد اندلع خارج المنزل حريق (رمز الانتفاضة وظهور الشعب الفلسطيني) وبدأ الدخان يدخل البيت عبر النافذة، إلا أن الأربعة يجلسون بهدوء ويشاهدون مسلسلة تليفزيونية ولا يكترثون بشيء. ثم ينشد الجميع:
هنا نجلس جميعاً
في بيتنا الصغير الهادئ،

نجلس في ارتياح جذل.
هذا أفضل لنا، حقاً إنه أفضل لنا.
- الأم: جيد هو وضعنا العام.
- الجندي: أو باختصار إيجابي.
- الأب: والوقت "عامل" لصالحنا.
- الطفل: إذا كان الوقت "عاملاً" فهو بالتأكيد عربي.
حينئذ يصفع الأب الطفل ويقول "أسكت يا وقح". وتعليق الطفل إشارة فكاهية للحقيقة المرة التي يدركها الإسرائيليون جيداً، أي تغلغل العمالة العربية في الكيان الإحلالي الصهيوني.
ثم تبدأ الأسرة تتحدث عن الحريق، أو بالأحرى تنكر وجوده:
- الأب: وإذا كانت هنا جمرة تهدد بالحريق.
- الأم: طفلي سينهض لإطفاء الحريق.
- الأب: وإذا اندلعت هنا وهناك حرائق صغيرة.
- الأم: سيسرع ابني لإطفائها بالهراوة.
- الأب: انهض يا بني اضربها قليلاً.
ويخاطب الأب النار فيخبرها أنها مسكينة، وأنها لن تؤثِّر فيه من قريب أو بعيد، وأنه سيطفئها في النهاية. وحينما تأكل النيران قدميه لا تضطرب الأم، فالأمر ليس خطيراً، إذ لديه "قدم صناعية" [لعلها مستوردة من الولايات المتحدة] ، فالوقت - كما يقول الأب - "يعمل لصالحنا". ولكن الطفل ينطق بالحقيقة المرة، مرة أخرى:
- الطفل: بابا، بابا، لقد حرقنا الوقت [الزمن [.
- الأب: أسكت.
- الأم: إن من ينظر حولنا ويراقب، يرى كم أن الأب لا ينطق إلا بالصدق كعادته.
- الأب والأم: لقد أثبتنا للنار بشكل واضح.. من هو الرجل هنا، ومن هو الحاكم.
- الطفل: ولكن بابا ... البيت ...
- الأب: لا تشغلنا بالحقائق.
- الطفل والجندي: شعاري: إجْلس في صمت ولا تتعب.
- الرجال: لا تتحرك، لا تتزحزح، لا تفقد أعصابك.
- الجميع: فكهذا تُحارب النار.
وهذه القصيدة الفكاهية، شأنها شأن النكت، تخبئ رؤية متشائمة بشأن مستقبل ما يُسمَّى «الشعب اليهودي» الذي أصبح مستقبل المستوطنين الصهاينة الذين يستقرون في المكان وينكرون الزمان فتحرقهم الحقيقة وهم جالسون يراقبون مسلسلة تليفزيونية في هدوء وسكينة أو يستمعون إلى الدعاية الصهيونية في رضا كامل!

شعب بلا أرض: منظور إسرائيلي
‏People without a Land: Israeli Perspective
ترى الصهيونية أن اليهود يكونون شعباً، شعباً واحداً، ولكنه شعب يتسم بالطفيلية والاستهلاكية. وقد زعمت الصهيونية أن مثل هذه الظواهر المرضية إن هي إلا من ظواهر المنفى وحسب وأنه حينما تنشأ الدولة الصهيونية فسيعود اليهودي إلى أرضه المقدَّسة أو القومية ليزرعها فيخلصها من العرب ويخلِّص نفسه من أدران المنفى التي علقت به وأعطت مبرراً لأعداء اليهود واليهودية أن يطلقوا اتهاماتهم المختلفة. وهذا ما يُسمَّى عقيدة «العمل العبري» التي تحولت إلى «عقدة العمل العبري» بعد أن فشل هذا الجانب من الحلم الصهيوني.
ويبدو أن هذا الموضوع (العمل العربي الحقيقي بدلاً من العمل العبري المزعوم) يلح على الوجدان الإسرائيلي إلحاحاً شديداً. ففي نكتة إسرائيلية نجد عجوزاً إسرائيلياً يجلس مع حفيده ويحكي له عن ذكرياته في الماضي. ويتصفح الاثنان ألبوم الصور، ويشير الجد إلى صورته في الثلاثينيات حين كان يبني بيته بنفسه، فيجيبه حفيده: "هل كنت عربياً في الماضي؟ " فمهنة البناء لا يقوم بها سوى العرب، واستخلص الطفل نتائجه تأسيساً على تجربته لا تأسيساً على الادعاءات الصهيونية. ويقول الإسرائيليون تعليقاً على تغلغل العمالة العربية في القطاع الزراعي: "لماذا تطالب منظمة التحرير الفلسطينية باسترجاع الأرض الفلسطينية بكل هذا الإصرار؟ ألم يلاحظوا أن الفلسطينيين قد استعادوها بالفعل". فالأرض كما يعرف الصهاينة جيداً لمن يزرعها.

ولعل تغلغل العرب في قطاعات مثل الزراعة والبناء يعني أنهم يقومون بالأعمال الإنتاجية الأمر الذي حوَّل المستوطنين الصهاينة إلى وسطاء وطفيليين أو عاملين بالمهن الفكرية، شأنهم في هذا شأن يهود الجيتو (حسب التصوُّر الصهيوني) . فالإنسان الإسرائيلي منشغل تماماً بالمضاربات وأسعار البورصة وأسعار التحويل. كما أن عدد العاملين بالمهن (الفكرية) أخذ هو الآخر في التزايد، وقد تصاعدت معدلات الاستهلاكية بشكل ملحوظ، وقد أصبح كل هذا موضع نكات الإسرائيليين، فهم يصفون المواطن الإسرائيلي بأنه «روش قطان» أي «الرأس الصغير» . وصاحب الرأس الصغير، في المجاز الإسرائيلي، هو الإنسان ذو المعدة الكبيرة الذي لا يفكر إلا في مصلحته ومتعته واحتياجاته الشخصية وينصرف تماماً عن خدمة الوطن أو حتى التفكير فيه. إنه إنسان استهلاكي مادي لا يؤجل متعة اليوم إلى الغد. فسياسة الدولة الصهيونية - حسب إحدى النكات الإسرائيلية - هي تزويد جماهيرها بال T. V. C.، وهي الأحرف الأولى ل T.V., Video, and Cars وحسب الحلم الصهيوني كان من المفروض أن تصبح إسرائيل نوراً للأمم (ذات فولت عال جداً) ، ولكنها أصبحت - حسب قول أحد الصحفيين الإسرائيليين - مجتمع الثلاثة ف (V) : الفولفو والفيديو والفيلا. وأشار الصحفي الإسرائيلي مكابي دين (في الجيروساليم بوست) إلى أن الإسرائيليين يعملون مثل شعوب أمريكا اللاتينية (أي لا يعملون) ، ويعيشون مثل شعوب أمريكا الشمالية (أي يتمتعون بمستوى معيشي عال) ، ويدفعون الضرائب مثل الإيطاليين (أي يتهربون منها) ويقودون السيارات مثل المصريين (أي بجنون) .

وتتضح هذه الاستهلاكية في التكالب الشديد على السلع الأمريكية والرغبة في الهجرة إلى الولايات المتحدة، أرض الميعاد الحقيقية. وقد نشرت مجلة عل همشار مقالاً بعنوان "خروج صهيون"، وكلمة "خروج" في الوجدان الديني اليهودي تعني "الخروج من مصر" و"الصعود إلى صهيون أو إرتس يسرائيل" أي فلسطين. ولذا فاستخدامها للحديث عن "الخروج" من صهيون يحمل قدراً كبيراً من السخرية النابعة من الإحساس بالمفارقة المتضمنة في الموقف. وقد أشار المقال الذي كُتب عام 1987 إلى أن عدد النازحين سيبلغ 800 ألف إسرائيلي بعد 12 عام (في الواقع يُقال إن العدد قد وصل إلى مليون عام 1997) . ثم علق كاتب المقال بقوله: إذا وضعنا في الاعتبار أن هيئة الأمم قد قررت الاعتراف بحق اليهود في أن تكون لهم دولة خاصة بهم في الوقت الذي كان عدد المستوطنين في البلاد يُقدر بحوالي 600 ألف، فإننا سنفهم المغزى لهذه المعلومة المفجعة!

ولا يَسْلم المستوطنون بطبيعة الحال من النكت الإسرائيلية الخاصة بالطفيلية. فقد أشار زئيف شيف المعلق العسكري الإسرائيلي إلى الاستيطان في الضفة الغربية بأنه "استيطان دي لوكس" فالمستوطنون هناك استهلاكيون وليسوا مقاتلين، يتأكدون من حجم حمام السباحة ومساحة الفيلا قبل الانتقال إلى المستوطنة. ولذلك تشير الصحف الإسرائيلية إلى هذا الاستيطان "باعتباره الصنبور الذي لا يُغلَق أبداً"، بل إنهم يشيرون إلى "محترفي الاستيطان" (بالإنجليزية: ستلمنت بروفشنالز settlement professionals) وهم المستوطنون الذين يستوطنون في الضفة الغربية انتظاراً للوقت الذي تنسحب فيه القوات الإسرائيلية ليحصلوا على التعويضات المناسبة (كما حدث في مستوطنة ياميت في شبه جزيرة سيناء) . كما يشير الإسرائيليون إلى الاستيطان المكوكي (بالإنجليزية: شاتل ستلمنت shuttle settlement) وهي إشارة للمستوطنين الذين يستوطنون في الضفة الغربية بسبب رخص أسعار المساكن وحسب ولكنهم يعملون خلف الخط الأخضر وهو ما حوَّل المستوطنات إلى منامات يقضي فيها المستوطنون سحابة ليلهم. أي أنهم ينتقلون كالمكوك بين المستوطنات التي يعيشون فيها في الضفة الغربية ومكاتبهم التي يعملون فيها في المدن الإسرائيلية وراء الخط الأخضر.
ومن حق أي شعب أن يستهلك بالقدر الذي يريد طالما أنه يكد ويتعب وينتج ثم ينفق، ولكن الوضع ليس كذلك في إسرائيل فهم يعرفون أن الدولة الصهيونية "المستقلة" لا يمكن أن توفر لنفسها البقاء والاستمرار ولا أن توفر لهم هذا المستوى المعيشي المرتفع إلا من خلال الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري الأمريكي المستمر طالما أنها تقوم بدور المدافع عن المصالح الأمريكية، أي أن الدولة الصهيونية دولة وظيفية، تُعرَّف في ضوء الوظيفة الموكلة لها. وقد وصف أحد الصحفيين الإسرائيليين الدولة الصهيونية بأنها "كلب حراسة، رأسه في واشنطن وذيله في القدس"، وهو وصف دقيق، صريح وقاس.

ولكن هناك دائماً الإحساس بالنكتة. فعندما طرح يعقوب أريدور خطة «دولرة» الشيكل أي ربطه بالدولار (وهي خطة رُفضت نظرياً في حينها وإن كانت نُفِّذت عملياً) اقترحت جيئولا كوهين، عضوة الكنيست، أن توضع صورة إبراهام لنكولن على العملة الإسرائيلية جنباً إلى جنب مع صور زعماء إسرائيل ونجمة داود، وأن يُدرَّس التاريخ الأمريكي للطلاب اليهود بدلاً من «التاريخ اليهودي» .
وأوردت الجيروساليم بوست الحوار الخيالي التالي بين وزير المالية وشخص آخر:
الوزير: الخطوة الأولى هي أن نُخفِّض الميزانية، أما الثانية فهي تحطيم الشيكل واستخدام الدولار.
الآخر: وما الخطوة الثالثة؟
الوزير: الأمر واضح جداً، ننتقل إلى بروكلين (أحد أحياء اليهود في نيويورك)
وقد كتب أحد القراء لجريدة الجيروساليم بوست معلقاً على طفيلية الشخصية الإسرائيلية وعلى مدى اعتماد الدولة الصهيونية على الولايات المتحدة. يشير القارئ (في يناير 1985) إلى أن الدولة الصهيونية طلبت خمسة بليون دولار كمنحة من الولايات المتحدة، ثم يقترح ما يلي:
"بدلاً من نقل النقود للخزانة الإسرائيلية التي ستبددها في دعمها لصناعات غير كفء وبالتالي مفلسة، ولتعويض المضاربين سيئي الحظ في أسهم البورصة، ولدفع مبالغ من المال للصيارفة النهمين وفي محاولة تمكين سكان إسرائيل من أن يستمروا في أسلوب الحياة الذي تعوَّدوا عليه ولدفع مصاريف بيروقراطيتنا الوقحة التي تحتسي الشاي بشراهة، أرجو أن تسمحوا لي أن أقترح ما يلي على دافع المعونة:
يبلغ عدد سكان إسرائيل في الوقت الحالي 4.235.000 مكوَّنين من 1.160.000 أسرة، دخل كل أسرة الإجمالي هو 6.120 آلاف دولار.

فإذا قامت الحكومة الأمريكية بإرسال شيك لكل أسرة بما يعادل هذا المبلغ عن عام 1985، فإننا سنحصل على المزايا التالية: سنوفر على دافع الضرائب الأمريكي 385.52 مليون دولار، وبإمكان إسرائيل بأسرها أن تمكث في الفراش، وتلعب الجولف أو الطاولة أو تذهب لصيد السمك طوال العام. ويمكن أن نتخلص من البيروقراطيين الذين سيستفيدون أيضاً - فعدم العمل والحصول على راتب أمر طبيعي جداً بالنسبة لهم، وسينتهي العجز في الصناعات.
وشركة العال للطيران التي تخسر الكثير لأنها لا تطير يوم السبت، لن تخسر شيئاً على الإطلاق بأن تكف عن الطيران تماماً. ويمكننا حينئذ أن نزيد مدة الخدمة العسكرية (دون دفع أي مقابل) حتى نعطي الناس شيئاً يفعلونه. في الواقع سيكون العصر الألفي قد وصل "فالفهد (حيث لا يوجد عنده شيء آخر يفعله) سيرقد مع الكبش" وفي هذه الحالة سنتبع خطى يورام أريدور في طريق الدولرة وستتحقق النبوءة "وسيقودهم طفل صغير" (أشعياء 11/6) .
وبعد حادثة بولارد واعتراض الولايات المتحدة على ترقية بعض الضباط الإسرائيليين المتورطين في الحادث وخضوع إسرائيل اقترح أحد الصحفيين الإسرائيلين أن تنتقم الدولة الصهيونية بتعيين بولارد نفسه سفيراً لإسرائيل لدى الولايات المتحدة، أي أن تنتحر الدولة الصهيونية تماماً.

ويدرك الإسرائيليين ورطتهم التاريخية كدولة استيطانية ليهود العالم الذين يرفضون الحضور إليها، فغالبيتهم الساحقة صهاينة توطينيون، أي أنهم على استعداد كامل لأن يطلقوا الشعارات الصهيونية الملتهبة عن الوطن القومي وأن يتظاهروا من أجله وأن يدفعوا التبرعات له، ولكنهم لا يظهرون أي استعداد للاستيطان فيه. وقد وصف المفكر الصهيوني العمالي بوروخوف هذا النوع من الصهيونية بأنه «صهيونية الصالونات» ، كما أشار لها آخر بأنها «صهيونية بدون استيطان» . وهذه المفارقة لا يمكن أن يتعامل معها الإسرائيليون إلا من خلال النكتة، فدولتهم الصهيونية تؤسس مستوطنات في الضفة الغربية تُسمَّى «مستوطنات الأشباح» (بالإنجليزية: دمي ستلمنت dummy settlements) إذ لا يوجد فيها مستوطنون. فيقول الإسرائيليون في إشارة واضحة ليهود الولايات المتحدة، إن أهم «دولة يهودية» في العالم هي «دولة نيويورك اليهودية» the Jewish State of New York. وفي هذا لعب بالألفاظ، فكلمة State الإنجليزية تعني «دولة» و «ولاية» في الوقت نفسه. كما يشير الإسرائيليون إلى يهود أمريكا باعتبارهم Jewish Wasps، وكلمة «واسب» ، والتي تعني «دبور» ، هي اختصار للعبارة الإنجليزية white Anglo-Saxon Protestant أي «بروتستانتي أبيض من أصل أنجلوساكسوني» ، فكأن يهود أمريكا أمريكيون لحماً ودماً وقلباً وقالباً ولكنهم يتمسحون في الهوية اليهودية.

ويرى بعض الإسرائيليين أن يهود الولايات المتحدة ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها «ديزني لاند» يهودية، أي مدينة ملاه يهودية يقصدونها بهدف الترويح عن النفس. وقال آخر إنها بالنسبة لهم بمنزلة «متحف قومي يهودي» يدخلونه ويقضون فيه بضع سويعات ويخرجون مليئين بالحماس الوطني ويعودون بعدها إلى بيوتهم وأوطانهم الحقيقية. وقد استخدم أحد المثقفين اصطلاح «فندق صهيون» ليصف علاقة يهود العالم بإسرائيل، فهم لا يحضرون إلى إسرائيل إلا حينما يكون الجو حسناً في الربيع والصيف، ويتركونها في الخريف والشتاء لعمال الفندق (من الصهاينة الاستيطانيين) ليغلقوا الأبواب والنوافذ ويقوموا بأعمال الصيانة والتحسينات إلى أن يعود السياح من الصهاينة التوطينيين أحباء فندق صهيون (وعلى كل يعود اصطلاح «صهيونية» لفعل «يصون» ، حسب أحد التفسيرات، ولذا إذا قام الصهاينة بأعمال الصيانة فإن هذا أمر منطقي) .
أما دفع المعونات للوطن القومي فهو هدف كثير من النكت التفكيكية. وقد أشار أحد المعلقين إلى ما سماه «يهودية دفتر الشيكات» وهو اليهودي الذي يعتقد أن بوسعه تحقيق هويته اليهودية بأن يدفع التبرعات للمؤسسات اليهودية والصهيونية. وهو يدفع هذا الشيك ليريح ضميره وحتى يمكنه بعد ذلك أن يتمتع بحياته الأمريكية الاستهلاكية غير اليهودية دون أي حرج وبشراهة بالغة.

وهناك من يذهب إلى أن دفع المعونات للوطن القومي يتم خوفاً منه لا حباً فيه. ومن هنا سمَّى الحاخام آرثر هرتزبرج يهود الولايات المتحدة «يهود النفقة» ، أي أنهم يدفعون التبرعات للدولة الصهيونية لا حباً فيها وإنما اتقاءً لشرها ولشراء سكوتها عنهم. وقد استخدم إسرائيلي آخر صورة مجازية مغايرة تماماً، ولكنها تعبِّر عن نفس المعنى، أي الاتصال المؤقت وعدم الالتزام، حينما قال: إن يهود الخارج يغدقون الأموال على إسرائيل مثلما يغدق الرجل الأموال على عشيقته التي تعطيه بضع سويعات من السعادة الملونة، ولكنه يعود في نهاية الأمر لزوجته الأمريكية - الحقيقة الدائمة!
لكل هذا عُرِّف الصهيوني بأنه يهودي يجمع المال من يهودي ثان لإرسال يهودي ثالث إلى أرض الميعاد، والصهيوني هنا هو الصهيوني التوطيني. وقد شبَّه أحد المفكرين اليهود الصهاينة التوطينيين بأعضاء فرق الإنشاد العسكري الذين ينشدون بحماس شديد عبارات مثل "تقدموا! تقدموا! " ولكنهم واقفون في أماكنهم لا يبرحونها ولا يتقدمون خطوة واحدة.

وحتى حينما يأتي اليهود من الخارج للاستيطان، فالأمر لا يخلو من المشاكل. فعلى سبيل المثال هناك مشكلة السفارد والإشكناز الذين يتبادلون الاتهامات والنكات. فيشير الإشكناز للسفارد باعتبارهم "شفارتز" أي "سود" ويقولون إن "الفرانك كرانك" أو "شحوريم"، أي إن "السفارد مرض"، ويرد السفارد بدورهم بالحديث عن "إشكي نازي". وهناك نكتة تبادلها السفارد عن طفل سفاري سئل عما يود أن يصبح حينما يكبر فكان رده "إشكنازي"! ولم يختلف الأمر كثيراً مع حضور المهاجرين السوفييت. فقد لاحظ الإسرائيليون أنهم صهاينة استيطانيون قالباً، أما قلباً فهم مرتزقة تماماً، باحثين عن الحراك الاجتماعي بأي ثمن وفي أي مكان، حتى لو كان أرض الميعاد. فهم جاءوا إلى صهيون لا بسبب قداستها وإنما بسبب أسعارها والفرص المادية المتاحة لهم. وتتناقل الصحف الإسرائيلية تصريحاتهم التي تعبِّر عن موقفهم النفعي تماماً. فواحد منهم يقول إنه لم يأت لاقتناء سيارة، فقد كان عنده سيارة في روسيا، وإنما أتى لاقتناء سيارة أكبر. وآخر يشكو من أن أرض الميعاد حارة جداً، وثالث، رغم ادعاءاته اليهودية، يظهر أنه لا يعرف عن عقيدته المزعومة سوى أن اليهود يوقدون الشموع في أحد أيام الأسبوع: الثلاثاء أو السبت، ورابع يسخر من حائط المبكى (بالعبرية: كوتيل) ويشير إليه بأنه «ديسكوتيل» . وقد وصفت إحدى الصحف الإسرائيلية هؤلاء المهاجرين بأنهم يجلسون على حقائبهم، أي أنهم يتحينون الفرصة السانحة كي يفروا من صهيون، إلى أي مكان آخر يحقق لهم قدراً أكبر من الحراك الاجتماعي.
وقد كتب صحفي إسرائيلي خبيث، مقالاً فكاهياً في باب كان يُسمَّى «العمود الخامس» (بالإنجليزية: ففث كولامن Fifth Column) في الجيروساليم بوست (وهي عبارة يمكن ترجمتها أيضاً إلى «الطابور الخامس» ) معلقاً على وضع المهاجرين الجدد.

يبدأ المقال في مكتب التوظيف في إسرائيل ويدخل شاب تبدو عليه علامات الذكاء فيسأله الموظف: ماذا تعمل؟ فيقول "مهاجر جديد" فيفهم الموظف من إجابته هذه أنه من الوافدين ويسأله أي وظيفة تود أن تشغلها؟ فيجيبه الشاب "مهاجر جديد".
- نعم فهمت أنك "مهاجر جديد" ولكن ما نوع العمل الذي تود تأديته؟
- "مهاجر جديد".
فيبتسم الموظف إذ يتحقق من أن الشاب لا يفهم العبرية ويتحدث معه ببطء شديد.
- أأ نـ نـ ت
مـ مـ هـ ها جـ جـ ر
جـ د يـ يـ د
حسناً أين ولدت؟
فيجيبه الشاب: "بتاح تكفا". وعند سماع هذه العبارة تغمر الدهشة وجه الموظف تماماً، إذ أن بتاح تكفا هي أول مستوطنة صهيونية في فلسطين والمولود فيها لا يمكن أن يكون وافداً فقد وُلد على أرض فلسطين المحتلة، وأن لغته الأولى هي العبرية، وحينما يطلب الموظف من الشاب تفسيراً يجيب هذا بقوله:

سمعت أن لديكم وظائف للمهاجرين الجدد. وأنا عاطل عن العمل. ولذا قررت أن أكون مهاجراً جديداً.. وقد سمعت أن هناك مئات الملايين من الدولارات لتأهيل المهاجرين الجدد. لمَ لا يُعاد تأهيلي حتى أصبح مهاجراً جديداً؟ فمثلاً يمكنني أن أتعلم كيف أتحدث بالعبرية الأساسية. ويمكن أن أتحدثها بلهجة رديئة، وسأرتدي ملابس مضحكة مثل المهاجرين الجدد. انظر، أنا مستعد أن أضحي بكل هذه الأمور، لقد سُرحت من الجيش منذ عام ولم أعثر بعد على عمل. أسمع أن كثيراً من أصدقائي ينزحون عن هذا البلد ولا أريد أن أفعل ذلك فأنا مؤمن بالصهيونية، وأحب هذا البلد، وإذا كانت الطريقة الوحيدة للبقاء هنا هي أن أصبح "مهاجراً جديداً" محترفاً حسناً إذن سأفعل ذلك. أعرف أن هذا يعني أنني سأصبح عضواً في أقلية محتقرة وأن أشعر بالحنين نحو وطني الأصلي.. كل شيء.. لا مانع عندي! إذا كان هذا هو المطلوب فأنا على استعداد للقيام به، سأكون مهاجراً جديداً مثالياً.. سأقضي وقتاً قصيراً في معهد تعليم العبرية. وسأتكيف تماماً في الجيش، وأعدك أن أطلب كل شيء مثل المهاجرين الجدد، وسأبقي هيئة الاستيعاب في حالة قلق حيث أنني لن أكف عن الشكوى بخصوص كل ما أحتاج إليه.

وقد رسم لنا الكاتب صورة فكاهية دقيقة للمهاجر الجديد وموقفه الاستهلاكي وبحثه عن الترف وشكواه المستمرة، عند هذه النقطة يُظهر الموظف تعاطفاً نحو الشاب ولكن تظهر مشكلة وهي أن حفيظة النفوس الخاصة به تدل على أنه وُلد في بتاح تكفا وبالتالي من المستحيل تصنيفه "مهاجراً جديداً"، فيخبره الشاب أنه لا يوجد مشكلة البتة ويطلب ستكر (ورقة لاصقة) . وحينما يستفسر الموظف عن السبب يخبره الشاب أن وزارة الداخلية تصدر ورقات لاصقة تقول إن المعلومات الواردة بحفيظة النفوس ليست دليلاً قانونياً على القومية. عند هذه النقطة يرفض الموظف ويعرفه أن الورقات اللاصقة التي تصدرها وزارة الداخلية تشير إلى قضية من هو اليهودي، وتعني أن مَنْ يسجل نفسه يهودياً فيها لا يعني بالضرورة أن قد تهود حسب الشريعة فالإشارة هنا - كما يقول الموظف - إنما هي إلى التهود غير الشرعي، وهنا يقول الشاب: وماذا عن وصمة الانتماء إلى جيل الصابرا طيلة حياتي؟
والعبارة الأخيرة تلخص الموقف تماماً، وتبين الصراع المرتقب بين الوافدين والمستوطنين القدامى.

ويكتب نفس الكاتب مقالاً فكاهياً آخر، يُعلق فيه على مصير الصهيونية ككل ووضعها وما آلت إليه. وعنوان المقال هو «الصهيونية الخالدة» والمقال عبارة عن حوار بين متشائم ومتفائل. وحين يعلن الأول عن موت الصهيونية يؤكد له الثاني خلودها ثم يقدم له الأدلة الدامغة والبراهين القوية، مؤكداً له أن الهجرة الصهيونية من الولايات المتحدة لا تزال على قدم وساق". وبنبرة كلها يقين يقول "إن القنصلية الإسرائيلية في نيويورك أرسلت مائة نعش - إذ أن يهود أمريكا يحبون أن يُدفَنوا في إسرائيل" (وهذه ليست نكتة وإنما حقيقة تشكل استمراراً للتقاليد الدينية اليهودية) . المهاجرون يحضرون إذن - كما يقول المتفائل - ولكن في قسم البضائع، والتظاهرات الصهيونية لا تزال تُعقَد ولكن في مكاتب الجنازات، وهي تطرح الشعار التالي: "اعطوني المؤمَّن عليهم، الموتى، الموميات، التي تود أن ترقد حرة" (وهذه معارضة ساخرة للشعار المكتوب على قاعدة تمثال الحرية في الولايات المتحدة) . "ورغبة يهود أمريكا أن يُدفَنوا في إسرائيل تقوم دليلاً على أنهم قد يعمدون بوجودهم الزمني أو الدنيوي للولايات المتحدة، ولكن حينما يتصل الأمر بالأبدية فإنهم يعرفون أن وطنهم الحقيقي هو إسرائيل. ومن هنا «الصهيونية الخالدة» . "كان بوسعهم أن يُدفَنوا في إحدى المناطق كثيفة الأشجار في الولايات المتحدة، ولكنهم يفضلون الريادة في أرض الميعاد بين شعبهم في تابوت خشبي ... ويا لهم من مهاجرين مخلصين.. لا تراهم قط يتألمون من مفارقة أوطانهم ولا من أنه لا يوجد «كنتاكي فرايد تشيكن» في إسرائيل، بل إنك لا تراهم على الإطلاق، حمداً للسماء كنا نظن أن الهجرة من الولايات المتحدة قد انتهت ... ولكننا نعرف الآن الحقيقة ... إن الأمريكيين يموتون من أجل الحضور لإسرائيل".
الحمائم والصقور والنعام والطيور الإدراكية الأخرى: الاستجابة الاسرائيلية للانتفاضة

‏Hawks, Doves, Ostriches and Other Cognitive Birds: The Israeli Response to the Intifada
تم رصد استجابة المستوطنين الصهاينة للانتفاضة من خلال مقولتين اثنتين وحسب: الاعتدال والتشدُّد اللذين يُشار لهما بالحمائم والصقور. وهذه طريقة متعسفة جداً في الرصد، ولعلها تعود إلى تبسيطات النموذج المادي الإدراكي الذى يحوِّل الإنسان المركب إلى مادة بسيطة ثم ينظر لها من الخارج كما لو كانت مجرد حركة دون دوافع أو وعي. وتميل التصنيفات المادية إلى تصنيف الواقع بأسره إلى سالب وموجب والنظر إليه بشكل كمي براني.
وقد يكون من المفيد توسيع النموذج الإدراكي بما يتفق مع تركيبية الظاهرة الصهيونية فتضم للحمائم والصقور طيوراً إدراكية أخرى مثل الدجاج والنعام (وتنويعات عليها) . والحمائم كما يُقال مسالمة دئماً، والصقور يُفترَض فيها أنها عدوانية شرسة. أما الدجاج فهو متخصص في الهرب، ويجيد النعام فن دفن رأسه في الرمال. والنعام هو أكثر أنواع الطيور الإدراكية انتشاراً في المُستوطَن الصهيوني وبخاصة بعد الانتفاضة، وإن كنا لا نعدم عدداً كبيراً من الدجاج الذى يتحدث كالصقور، وتوجد قلة نادرة من الحمائم ليس لها وزن كبير (على عكس ما تصوره الشائعات) ، وإن كان يوجد عدد كبير من الصقور التى تتحدث كالحمائم. ويقول الدكتور قدري حفني: إن اليهود الشرقيين مثلاً هم حمائم تود أن تكون صقوراً لتثبت إخلاصها للنخبة الحاكمة الإشكنازية. وقد أسقط كثير من المعلقين السياسيين كل التدرجات والتداخلات من إدراكنا لأن نموذجهم المعرفي قاصر ساذج يحوى مقولتين اثنتين، ولذا لم نر الدجاج أو النعام ولا عشرات الطيور الإسرائيلية الأخرى القابعة التى تنتظر من يكتشفها ويرصدها.
1 ـ الحمائم:

وجهت صحيفة حداشوت سؤالاً إلى عدد من الإسرائيلين البارزين الذين يمثلون مختلف التيارات السياسية والثقافية. يقول: ماذا كنت تفعل لو كنت فلسطينياً؟ فجاء رد معظمهم بأنهم كانوا سيفعلون ما يفعله الفلسطينيون الآن، أى الانضمام للانتفاضة. بل أضاف أحدهم أنه «كان سيفعل أكثر من ذلك بعشرة أضعاف، وقبل هذا الوقت بكثير. وكنت سأفعل ذلك في ديزنجوف (أحد شوارع تل أبيب الرئيسية) بدلاً من نابلس. فهناك سيكون تأثيره أقوى» . وهذا التصريح المسالم لا يؤدي بالضرورة إلى سلوك حمائمي، فموشي ديان كان مدركاً تماماً "لعدالة" المطالب العربية، وأن العرب سيثورون حتماً ويقاتلون ضد الصهاينة. ولكن مثل هذا الإدراك لا يؤدي بالضرورة إلى الانحياز للمظلومين المنتفضين، فما يحدِّد السلوك النهائي ليس الإدراك وحسب، وإنما موازين القوى أيضاً ومجموعة هائلة من العناصر الأخرى المادية والمعنوية. فإن كان العربي ضعيفاً خاملاً، فإن إدراك «عدالة» مطالبه قد يؤدي إلى مزيد من التشدد لأن صاحب المطالب العادلة قد يتحرك في أىة لحظة للحصول عليها، ولذا لابد من ضربه بيد من حديد قبل أن يصبح قوياً وقبل فوات الأوان. وهذا هو موقف بن جوريون وجابوتنسكي وشلومو أرونسون وغيرهم. ولذا يمكن القول بأن المثقفين الإسرائيليين الذى عبَّروا عن تفهمهم لموقف العرب ليسوا «حمائم بالفعل» وإنما «هم حمائم بالقوة» بالمعنى الحرفي والفلسفي. وهذه الاستجابة الحمائمية محصورة في أوساط المثقفين وبعض الشخصيات السياسية التي ليس لها وزن كبير، ولا أعتقد أنها تؤثر في الرأي العام الإسرائيلي أو في صنع القرار الإسرائيلي.
2 ـ الدجاج:

الدجاج موجود بكثرة، مثل يائيل إسكيد الذي قرر أنه «لا يذهب الآن إلى غزة سوى الحمقى المستوطنين. ولا يذهب أحد إلى الضفة إلا لسبب وجيه، سبب وجيه جداً. فنحن خائفون» . وعملية «تدجين» المواطنين على يد جنرالات الحجارة لا تزال قائمة على قدم وساق. وقد ذكرت الصحف الإسرائيلية أن المستوطنين في زمن الانتفاضة لا يسافرون إلا فيما ندر، ولا يتركون الأطفال بمفردهم ولا يخرجون إلا لأمور ضرورية. وشاهدت العائلات اليهودية جدلاً حاداً إذا ما أرادت السفر. فإذا سافر مستوطن وحده، فهو «مغامر» أما إذا اصطحب زوجته وأطفاله، فهو «مجنون» .
وأكدت مستوطنة صهيونية أن بريق المستوطنات قد خفت وحينما تمر حافلة المستوطنين بجوار مخيم عاناتا (الفلسطيني) فإنها تسرع بطريقة مجنونة لتتحاشي الأحجار. وبدأ المستوطنون يسدلون الستائر ويغلقون المداخل بعد أن كانت المستوطنة تتمتع بجو انفتاحي بهيج. فالوضع، كما تقول السيدة، مخيف، وخصوصاً أنها تعرف أن الجنود الإسرائيليين أوقفوا مظاهرة من 600 عربي كانت متجهة نحو المستوطنة: "ماذا كان يمكن أن يحدث لنا لو أن الجنود فشلوا في إيقافهم؟ ماذا كان يمكن أن يحدث لأطفالنا؟ ".
والخاصية «الدجاجية» للمستوطنين تبدت في محاولتهم الظهور بمظهر الصقور. فسائق الحافلة رقم 25 (من القدس للضفة) يشيد بركابه من المستوطنين الذين لا يهلعون من الحجارة ويجيدون فن الاستجابة فهم كما يقول: "يتوقعون الهجوم في أىة لحظة، معتادون عليه". وعندما يبدأ الهجوم فهم يتصرفون "كالجنود المدربين، على ما يجب عمله" إذ ينبطحون في أرض الحافلة. والصورة الكامنة هنا هى صورة إنسان قلق يتوقع الهجوم ويجيد فن الاختباء.

ولنأخذ المستوطن ليمودي جنيان، كمثال آخر، فهو، يهودي أرثوذكسي عجوز يعمل خياطاً، وهو صقر لا شك فيه يطالب بضرب العرب وتحطيمهم ثم يقول: "نحن نفعل ذلك عند الحدود. والأمر لا يختلف هنا [في المناطق المحتلة] فتلك حدود، وهذه أيضاً حدود. كل البلد حدود". وإدراك هذا المُستوطن العجوز لفلسطين المحتلة كبلد كلها حدود هو إدراك طريف جداً يبين مدى الهلع والإحساس بانعدام الأمن.
ومن أيسر الطرق لتحديد استجابة المستوطنين دراسات علماء النفس الإسرائيلين. وقد لاحظ بعض علماء النفس الأمريكيين انتشار ما سموه «أعراض فيتنام» بين الجنود الإسرائيليين، وهو الإحساس بالإحباط لدخولهم حرباً غير كريمة لا معنى لها، لا يمكنهم كسبها أو الانسحاب منها، فيهاجمهم اليمين الإسرائيلي لتقاعسهم ولأنهم لا يستخدمون مزيداً من العنف، ويهاجمهم يهود العالم وبعض الحمائم الإسرائيليين لأنهم يحطمون عظام المنتفضين، ولكن لا اليمين ولا اليسار يطرح على الجنود البديل. وقد ذكرت صحيفة هآرتس أن نسبة المستوطنين الصهاينة الذين يرتادون العيادات النفسية قد ارتفع ثلاثة أضعاف بسبب القلق الذى أصابهم من جراء استمرار الانتفاضة. وقد عُقد اجتماع في بلدية القدس لمناقشة هذه الظاهرة فأشار مدير إحدى المدارس الثانوية إلى خوف المعلمين من الوصول إلى مدارسهم "بسبب خوفهم الشديد من تساقط الحجارة على الحافلات وعلى رؤوس الركاب". "كما عبَّر مدير مدرسة آخر عن خوفه من تسرُّب هذا الخوف والمرض النفسى من المعلمين والطلبة ليشمل الصهاينة كافة في الأراضى المحتلة". وعلى كل ليس من السهل رَصْد استجابات المستوطنين ومخاوفهم بالطريقة التقليدية فقد جاء في الجيروساليم بوست أن أحد علماء النفس الإسرائيليين صرَّح أنه بعد 40 عاماً من الاحتلال لم تظهر أىة حالات بين المرضى النفسيين تعبِّر عن قلقها من العرب، وكأن عملية الكبت كاملة نظراً لأن التهديد العربي كامل، ولا يستطيع الجهاز العصبي

للمستوطن الصهيوني أن يواجه العربي بشكل مباشر ولو على مستوى اللاوعي. وعلى كل من يحب أن يعترف أنه دجاجة؟ ولذا فمن الواضح أن نتائج بحوث الدراسات الإسرائيلية هى نتائج استخلصها الباحثون وجرَّدوها من أقوال المرضي الذين أبى معظمهم أن يعيِّن العرب كمصدر لمخاوفه.
3 ـ النعام:
أن يرفض المرء أن يكون «دجاجة» فهذه مسألة إرادية واعية، ولكن أن يتحوَّل المُستوطَن إلى نعامة فهذا أمر يتم رغم إرادته، ولا يلاحظها هو وإنما يلاحظها الباحث الذي ينظر إليه من الخارج.
والنعام في المُستوطَن الصهيوني كثير، مثل المدعو جاباى، وهو صاحب مطعم صغير في أحد المستوطنات أسكت خوفه بقوله: "أهم الأشياء الآن أن نوقف العنف من الطرفين وأن نجلس سوياً ونشرب القهوة ونحل مشاكلنا كبشر"، وهو لم يتحدث قط عن طريق التوصُّل لهذا السلام وكيف سيمكن الوصول لتسوية ما (الجيرو ساليم بوست) .
وقد حدَّد أحد الضباط الإسرائيلين هذا الموقف النعامي بدقة بالغة حين صرح لصحيفة حداشوت بأن اختفاء ظاهرة الانتفاضة الشعبية الفلسطينية بعصا سحرية (أى على طريقة النعام) هو مجرد تعبير عن آمال وأوهام يجب أن يستيقظ منها الإسرائيليون (بدلاً من دفن رؤوسهم في الرمل أو في أرض فلسطين) .
ولعل هذه العصا السحرية توجد في أحد مبانى حزب الليكود، إذ أن شارون صرَّح عام 1988 بأن الانتفاضة سوف تنتهى فور وصول الليكود إلى السلطة في نهاية العام. ولكن شارون يعنى بطبيعة الحال حَمّامات الدم غير السحرية. ولكن حتى لا نصنفه نعامة كان عليه أن يقدم لنا الإجراءات، لأن حمامات الدم تؤدى أحياناً إلى تصعيد الانتفاضات والثورات، كما يعرف الأمريكيون عن فيتنام والفرنسيون عن الجزائر.

وبعد الانتفاضة ترجم إدراك النعام نفسه إلى تركيز على الجانب الفنى لقمع الانتفاضة كما لو كانت المسألة مجرد إجراءات يتم تنفيذها أو خطوات يتم اتخاذها بحيث تتحوَّل القضية برمتها إلى مسألة إجرائية. (هل الرصاص المطاطي ومدافع المياه كفيلة بالقضاء على الانتفاضة أم لا؟) دون التوجه للأسئلة النهائية. وقد اشتكى شمعون بيريز من أن الوزارة الإسرائيلية تتحلى بنفس الموقف الذي نسميه بالنعامي فهى تناقش النقط الدقيقة الفنية الخاصة بإجراءات الأمن وطريقة التصدي للانتفاضة وتتجاهل تماماً الحلول السياسية اللازمة. وأضاف: "في المستقبل حينما يقرأ أحد محاضر جلسات الوزارة فإنه لن يصدق عينيه".

وقد كتب ب. مايكيل في هآرتس مقالاً بعنوان «عيد ميلاد سعيد» وصف فيه بشكل كوميدى إدراك النعام هذا، فقال: "الحمد لله أصدرت الحكومة بياناً أكدت فيه أنه لا يوجد عصيان مدنى في إسرائيل". وقد اقترح الكاتب إصدار قانون باسم «قانون غياب العصيان» يقضى بمعاقبة كل من تسوِّل له نفسه أن يدَّعي أو يكتب أو حتى أن يلمح بأن هناك عصياناً مدنياً. ولكن مع هذا تبقى مشكلة صغيرة وهى ماذا يحدث هناك إذن في المناطق المحررة من أرض إسرائيل؟. ثم يحاول الكاتب أن يصف الانتفاضة بطريقة كوميدية تقرر ما يحدث وتنكره في ذات الوقت، أى يقول الشيء وعكسه: "ثمة مجموعات من الأطفال المدربين بعناية الذين يفتقرون إلى المبادرة، يتصرفون بتلقائية ويتم توجيههم من الخارج من قبل المنظمات الإرهابية التى لم تنجح في اختراق المناطق بسبب المعركة المستمرة التى خاضتها قوات الأمن ضدهم. ولذا يمكن أن نقرر أن هذه المنظمات وحدها وراء هذه الانتفاضة التلقائية، التى تظهر وراءها بوضوح اليد الموجهة التى يدل وجودها على فشل منظمة التحرير الفلسطينية في أن تكسب دعم الجماهير المحلية القانعة بالاحتلال الإسرائيلي لو تُركت وشأنها، فالاضطرابات ليست سوى حدث عابر مستمر، ولكنها ليست عصياناً مدنياً".
إن إدراك النعام هو العنصرية الصهيونية مقلوبة حرفياً على رأسها، فالعنصرية الصهيونية تعبير عن الرغبة الصهيونية في إحلال العنصر اليهودى محل العرب. ولذا فهى تهدف إلى تغييب العرب، ولكن إن عاد العربي بهذا العنف، وإن ظهر على شاشة الوعي ورفض الغياب، فما العمل إذن، وما الحل؟ الحل النعامي ـ بطبيعة الحال ـ أن يدفن المُستوطَن رأسه في الرمل فيغيب العربي مرة أخرى.
4 ـ الصقور:

والصقور، كما هو متوقَّع، كثيرون، فرئيس الوزراء الإسرائيلي شامير صرح بأنه لا توجد قوة في العالم "لا المتظاهرون ولا الإرهابيون ولا الضغط يمكنها أن تمنع إسرائيل من الاستيطان في كل أجزاء أرض فلسطين". وغنى عن القول أن عملية الاستيطان لا يمكن أن تتم عن طريق الحب والإخاء والإقناع الهادئ، فالعرب ولا شك غير موافقين أن تؤخذ أراضيهم. وقد أضاف شامير قائلاً: "أما أولئك الذين يقولون: إننا نحن الإسرائيليين غزاة، وإن قال مثيرو القلاقل والقتلة والإرهابيون: إنهم أصحاب الحقوق الحقيقية، فإننا نقول لهم من أعالي هذا الجبل ومنظور آلاف السنين من التاريخ: أنهم مجرد جراد بالقياس لنا". وكلنا يعرف ماذا يُفعَل بالجراد، فالصورة المجازية هنا تحوي داخلها مؤشرات نحو الإبادة. وقد صرَّح رابين بأن إسرائيل لم تستخدم كل أسلحتها بعد وأنها "ستعيد فرض الأمن حتى ولو كان موجعاً". وحسب تجربة الفلسطينين العرب، نجد أن الأمن الإسرائيلي دائماً موجع. وقد أشار رابين إلى بعض الطرق التى يجب استخدامها لفرض هذا الأمن الموجع. فقد حذر المنتفضين أن كل من يتحدى إسرائيل "سيحطم رأسه على صخور هذه القلعة وحيطانها".
وصرَّح إسحق مردخاى بقوله: "إن قوات الأمن ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة من أجل إعادة الأمن إلى نصابه. ولن تتوانى في استعمال جميع الوسائل من أجل تحقيق هذ الهدف". وتلجأ القوات الإسرائيلية لكسر العظام وإطلاق النار وترحيل قواد الانتفاضة خارج الوطن. بل إن الإبداع الصهيوني في القمع بدأ يأخذ أشكالاً جديدة. فهناك ما يُسمَّى «بحظر التجول النشيط» ويتلخص في اقتحام المنازل في الظلام أثناء حظر التجول حيث يجرى الجنود الصهاينة تفتيشاً عنيفاً داخل البيوت وينهالون بالضرب على رب العائلة والابن الأكبر.

وقد علَّل قائد الجيش هذا الأسلوب الجديد في القمع بأنه محاولة لإعادة بث الرعب من الجيش في قلوب الفلسطينين، فالهدف ليس النظام الخارجى وحسب، وإنما إعادة الثقة الذاتية للجنود، بعد أن أصبحوا أضحوكة طوال أسابيع. ويبدو أن اجتياح لبنان ( «عملية القانون والنظام» كما يسميها الإسرائيليون) تهدف إلى نفس الشيء. فقد وصفت الصنداى تايمز هذه الحملة بأنها تشكل محاولة من جانب إسرائيل لاستعادة زمام المبادرة بعرض عضلاتها وإظهار أنها عادت إلى مقعد السائق. وقال مردخاي غور: "سيذكِّر الاجتياح سكان الأراضي المحتلة بأن الجيش ليس مفككاًً".
وقد اقترح شلومو جازيت (رئيس المخابرات الأسبق) أنه يجب عدم الاكتفاء بهدم منزل الإرهابى كعقوبة، بل يجب هدم كل شئ في محيط قطره 200 ـ 400 متر من منزله. وحينما وقعت فتاة صغيرة من إحدى المستوطنات الصهيونية الواقعة بالقرب من قرية بيتا العربية (من قضاء نابلس) صريعة رصاص أحد المستوطنين وأُشيع أنها رُجمت بالحجارة طالب وزير الأديان وزعيم الحزب الديني (المفدال) بأن تقوم قوات الشرطة الاسرائيلية بإزالة قرية بيتا من على وجه الأرض تماماً وإقامة مستوطنة تحمل اسم الفتاة اليهودية التى قُتلت فوق أنقاضها، ويجب أيضاً طرد وإبعاد مئات المواطنين العرب من سكان القرية.

وقد أدرك رفائيل أيتان رئيس أركان القوات المسلحة الإسرائيلية الأسبق ومؤسس حزب أن الانتفاضة هى الطلقة الأولى في الحرب القادمة، وعلَّق على دجاجية الجنود الإسرائيلين وكيف يولون الأدبار أمام الأحجار، وكيف ينظر العالم كله ليرى ذلك المنظر: "منظر جيش ضعيف وحكومة ممزقة ولا تعمل". وقد قرر إيتان أن يقدم اقتراحاته للقضاء على الانتفاضة، وهى تتسم بكل تبسيطات النماذج المادية العملية: "فإذا أشعل العرب إطاراً في شارع رئيسى يجب جر هذا الإطار إلى أقرب بيت في المنطقة من مكان اشتعاله. وخلال ثوان يخرج سكان البيت ويطفئوا الإطار؛ لأنه سيؤدي إلى حرق بيتهم إذا لم يفعلوا ذلك". واقترح أن تُمنَع سيارات العرب من السير في الشارع المغلق بواسطة حاجز من الحجارة لمدة شهرين. وهذا لا يحتاج جيشاً كاملاً بل شرطيين يقفان على حافة الطريق. وأشار إيتان إلى حقيقة مهمة وهو أنه بين عام 1967و1977 تم إبعاد (أى تغييب) 800 عربي محرض، (أثناء حكم المعراخ المعتدل) ويجب إبعاد 400 ـ 500 محرض، بل إبعاد أمهاتهم وأبناء عائلاتهم. ولا يوجد أي إبداع قمعى في اقتراحات إيتان. وعلى كل من يود أن يحصل على اقتراحات مماثلة أن يدرس تاريخ الإرهاب النازي وسيجد أفكاراً أكثر إبداعاً وأكثر منهجية وأعلى كفاءة، فمفهوم العقاب الجماعي ليس من اختراع الصهاينة وإنما هى ممارسه استعمارية غربية قديمة وتقليد راسخ.

ويغوص المستوطنون أيضاً في التشدد، فمنهم من يرى ضرورة ضم القطاع والضفة تماماً. وكما قالت جريدة فرانكفورتر الجماينة: "إن معظم الإسرائيلين مع خط شامير المتشدد"، وإن «هدفهم إنهاء الوجود العربي في فلسطين» ، وقعت إحدى الحوادث الفدائية بالقرب من إحدى القرى العربىة "طالب المستوطنون اليهود بتدمير القرية على رؤوس سكانها وتسوية القرية بالأرض. وشطبها نهائياً من الخريطة حتى تكون عبرة للغير". ومن المستوطنين من يرى ضرورة تسوية الحساب مع العرب كما سوَّاه الأمريكيون مع الهنود الحمر، بشرط أن يتم ذلك بعيداً عن عدسات التليفزيون.
لقد اقتبسنا حتى الآن كلمات الصهاينة المتشددة وحسب، ولكن يجب أن نفرِّق بين الأقوال والأفعال. فالأقوال لا تعبِّر عن الموقف المتكامل وإنما تعبِّر عن تشدُّد الإنسان اللفظي وعن نيته وقصده وعن حالته العقلية، أى عن جزء من كل. ولدراسة مدى تشدُّد الإسرائيليين الفعلى وفي كليته، علينا تجاوز النية والقصد والديباجات لنرصد عناصر أخرى مركبة تتجاوز إرادة القائل نفسه، فالتشدُّد اللفظي، أى الموقف الصقري الكلامي، قد يكون أحياناً بمنزلة غطاء لتغطية الموقف الدجاجي أو النعامي الفعلي.

خذ مثلاً رغبة إيتان أن يمنع مرور السيارات ويكتفي بجنديين يقفان على ناحية الشارع. هل درس إمكانية إلقاء الحجارة عليهما واحتمال احتياجهما إلى فرقة عسكرية كاملة لحمايتهما؟ أما فيما يتصل برحيل مئات القيادات، ألا يحتاج الأمر لآليات معينة وآلة قمعية معينة لأن قاعدة هؤلاء القادة في حالة استنفار؟ ولكن هذه الأسئلة تفترض أن صاحب الإقتراح عنده الصورة الكلية، والأمر ليس كذلك فالنموذج الإدراكى المادى يجتزئ مجموعة من الحقائق ويستبعد الحقائق الإنسانية والتاريخ، ولذا يتحوَّل الصقر الهائج من منظور الممارسة إلى نعام مضحك. خذ مثلا رغبة هذا المستوطن الذى يود ذبح العرب وإبادتهم بعيداً عن كاميرات التليفزيون، تماماً كما فعل الأمريكان في تجربة استيطانية مماثلة، وهذه هى شهوة الصقور. ومع هذا بعد التدقيق نجد أن موقفه هذا نعامى تماماً، فهو يعرف أن التجربة الأمريكية الاستيطانية الإحلالية تمت إبتداء من القرن السابع عشر في منطقة لم تكن فيها الكثافة السكانية كبيرة، تسكنها عدة «أمم» من الهنود، تتسم حضارتهم بعدم التركيب، رغم جمالها ورقتها، ومن هنا كان من السهل إبادتهم بعيداً عن عين التلفزيون الشيطانية التي لم تكن قد اختُرعت بعد. أما هذا المُستوطَن الصهيوني فقد تمت تجربته الاستيطانية ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر في منطقة تعج بالسكان الذين تحيط بهم ملايين من إخوانهم ينتمون لتراث حضاري قديم مركب. وعلاوة على كل هذا أصبح في وسعهم الآن الحوار مع الكاميرا بكفاءة غير عادية، فالتشدد هنا هو من قبيل ما يمكن تسميته «العادة السرية السياسية» ، والحلم بالمستحيل اللذيد.

ويجب أيضاً أن نرى التشدُّد باعتباره تعبيراً عن أزمة حقيقية وعميقة، فالصهاينة ـ كما أسلفنا ـ على استعداد لإظهار قدر كبير من التسامح حيال العربي إذا قبل هذا بالتطبيع وبأن يكون قطعة غيار يمكنه استخدامها وتوظيفها. حينئذ يمكن أن يُمنَح العربي كثيراً من الحقوق المدنية وبعض الحقوق السياسية ويمكنه أن يلعب ما شاء من الطاولة أو حتى تنس الطاولة، أى أن يمارس هواياته إذا كان بلا هوية.
إن غاب العربي، وإن قنع وخنع ولم يتحد الشرعية الصهيونية، فبوسع الصهيوني أن يتخذ موقفاً معتدلاً تجاه دجاج عربي مستأنس تم تطبيعه، أما إن تحوَّل العربي إلى صقر ذي هوية يهاجم دفاعاًَ عنها فإن الاعتدال يختفي ويتخلى العدو عن ديموقراطيته الغريبة المزعومة، ويضرب بيد من حديد.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - أزمة الصهيونية والمسألة الإسرائيلية - المسألة الإسرائيلية والحلول الصهيونية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

المسألة الإسرائيلية
‏The Israeli Question
«المسألة الإسرائيلية» مصطلح قمنا بسكه لوصف وضع أعضاء التجمُّع الاستيطاني في فلسطين وحالة الحرب المستمرة التي يعيشون فيها منذ وصول دفعات المستوطنين الصهاينة الأولى عام 1882. والمسألة الإسرائيلية لا يمكن رؤيتها في إطار يهودي خاص، وإنما يجب النظر إليها في إطار أكثر عمومية وشمولاً وهو الاستعمار الغربي وتاريخ الأفكار في الحضارة الغربية. فهي مشكلة ناجمة عن وصول كتلة بشرية يهودية (من الغرب حتى عام 1948 ثم من الشرق بعد ذلك) بهدف الاستيلاء على الأرض الفلسطينية ولتحل محل السكان الأصليين الذين يكون مصيرهم عادةً، في إطار الاستعمار الاستيطاني والإحلالي، هو الإبادة أو الطرد. وقد تسبَّب هذا في ظهور المسألة الفلسطينية، وهي قضية أعضاء الشعب الفلسطيني الذي تعرَّضوا لعملية الغزو والطرد هذه والذين كان من المفروض فيهم (حسب المخطط الاستعماري الغربي والصهيوني) إما أن يختفوا أو يذعنوا لحالة الغزو والطرد. ولكنهم، على عكس التوقعات الغربية والصهيونية، لم يختفوا ولم يذعنوا للغزو والقهر والطرد واستمروا في مقاومة المستوطنين، بل تصاعدت مقاومتهم عبْر السنين، وهو ما يثير وبحدة قضية شرعية الوجود.....

ونحن نميِّز بين ما نسميه «المسألة الإسرائيلية» وما يُسمَّى «المسألة اليهودية» ، إذ أن الخلط بينهما هو في نهاية الأمر تقبل للمقولات الصهيونية الخاصة بوحدة الشعب اليهودي ووحدة تاريخه وتراثه، وهي مقولات ذات مقدرة تفسيرية ضعيفة ليس لها ما يساندها في الواقع. ومحاولة فرضها على الواقع هو الذي أدَّى إلى العنف المستمر. ولو بحثنا عن العناصر المشتركة بين المسألتين الإسرائيلية واليهودية لاكتشفنا أنها لا وجود لها، فالمسألة اليهودية (بصيغة المفرد) هي مشكلة يهود شرق أوربا في أواخر القرن التاسع عشر، وذلك أثناء مرحلة تعثُّر التحديث في روسيا القيصرية وما نجم عن مشاكل للجماعات اليهودية والشعوب والأقليات الأخرى داخل العالم الغربي وهو ما اضطرها للهجرة إلى غرب أوربا والولايات المتحدة. وبدلاً من أن يحل العالم الغربي مشاكله قام، انطلاقاً من رؤيته الإمبريالية للعالم، بتصديرها للشرق بعد تبنِّي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
ونحن العرب لا علاقة لنا بالمسألة اليهودية، فهي لم تظهر في التشكيل الحضاري العربي. بل لعل كثيراً من المفكرين العرب لم يسمعوا عنها في حينها إذ أنها لا تنتمي إلى البنية التاريخية العربية. وعلى كلٍّ، فإن المسألة اليهودية، لم تَعُد مشكلة مطروحة، فقد تم حلها بطرائق غربية مختلفة (التصدير إلى الشرق ـ الاندماج في غرب أوربا ثم الولايات المتحدة ـ الإبادة (.

أما المسألة الإسرائيلية، فهي مشكلة أعضاء التجمع الاستيطاني الصهيوني، وخصوصاً أعضاء الأجيال الجديدة، الذين وُلدوا على أرض فلسطين ونشأوا فيها ولا يعرفون لهم وطناً آخر ولا يتحدثون سوى العبرية. ونحن العرب نشكل طرفاً مباشراً في هذه المسألة فنحن الضحية، كما لا يمكن حلها دون تدخُّلنا إذ أنها مسألة توجد في صميم البنية التاريخية العربية. ورغم أن المسألة اليهودية هي التي أفرزت المسألة الإسرائىلية، ذلك أن الصهيونية في محاولتها فرض حلها للمسألة اليهودية (بمساعدة الإمبريالية) نجحت في التأثير على بعض اليهود المهاجرين إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلاد لتحويلهم إلى فلسطين، إلا أن المسألتين مع هذا تظلان منفصلتين تماماً وتنتميان إلى بناءين مختلفين. وعملية الربط بينهما هي محاولة للتعمية ولطمس المعالم الخاصة بكلٍّ منهما. ومما لا شك فيه أن من مصلحة الصهيونية افتراض وحدة المسألتين، حتى تربط أمن الدولة الصهيونية بأمن الإسرائيليين من ناحية، وبأمن الجماعات اليهودية في العالم من ناحية أخرى، وحتى تفرض على يهود العالم، من ناحية ثالثة، فكرة الشعب اليهودي الواحد وكل المقولات الصهيونية الأخرى.
ولا يوجد حل للمسألة الإسرائيلية طالما ظلت مرتبطة بالمسألة اليهودية، أي طالما تم النظر إليها في الإطار الصهيوني. فهذا الارتباط يعني أن أعضاء التجمع الاستيطاني هم جزء من الشعب اليهودي، والحضارة الغربية، وأن المشاكل التي تحدث "هناك" تجد حلاً لها "هنا"، وينتج عن ذلك تعميق بنية الاغتصاب والتفاوت. فكل مهاجر يهودي يحضر إلى فلسطين يحل محل مواطن عربي ويشغل حيزه العربي ويُعمِّق هوية الدولة الصهيونية باعتبارها دولة استيطانية إحلالية في حالة صراع مع العرب، ويُعمِّق حدة المسألة الفلسطينية.

ومع هذا تدور كل الحلول الإسرائيلية المطروحة لإشكالية الصراع الدائر في فلسطين المحتلة داخل إطار صهيوني. قد تختلف طبيعة الحل في اعتدالها وتطرفها من اتجاه لآخر، لكن كل الاتجاهات لا تتنازل عن الحد الأدنى الصهيوني، وتحاول الوصول إلى الحد الأقصى حينما تكون الظروف مواتية.
الصهيونية في التسعينيات: محاولة للتصنيف
‏Zionism in the Nineties: An Attempt at Classification
في محاولتنا تعريف الصهيونية طرحنا الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كإطار للتعريف ومن ثم سمينا كل "المدارس" الصهيونية "تيارات"، باعتبار أنها جميعاً تتقبل الصيغة الصهيونية. وبيَّنا أن إدخال ديباجات يهودية على هذه الصيغة قد هوَّدها دون أن يُغيِّر بنيتها، وأن التهويد يستند في واقع الأمر إلى الحلولية اليهودية.
وفي محاولتنا تصنيف الاتجاهات الصهيونية الجديدة المختلفة سنتبع نفس المنهج، وسنبدأ بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة باعتبارها تُشكِّل الإجماع الصهيوني أو الحد الأدنى الصهيوني الذي ينطلق منه الجميع. أما الحلولية فهي الإطار الذي تم من خلاله تهويد الصيغة وعقد الاتفاق بين الصهاينة دعاة الديباجات الدينية والعلمانيين. وفي هذا الإطار سنشير إلى اتجاهين صهيونيين أساسيين يعكسان التطوُّرات التي حدثت داخل المعسكر الصهيوني وفي العالم.
ويمكننا القول بأن المشروع الصهيوني قد مرّ بمرحلة "بطولية" كانت الأيديولوجية الصهيونية فيه تشكل دليلاً للعمل، وكانت جماعة المستوطنين (قبل أو بعد 48) تتسم بالتماسك ووضوح الرؤية النسبي، وقد زاد الرفض العربي هذا التماسك، إذ أصبح البقاء الإشكالية الأساسية. ولكن بعد عام 1967، لم يَعُد البقاء قضية ملحة وتصاعد الاستهلاك وتفاقمت الأزمة. وقد واكب هذا ظهور النظام العالمي الجديد مع ما يتسم به من سيولة أيديولوجية.
استجابة لهذا الوضع ظهر تياران أساسيان (وتنويعات كثيرة عليهما) :

1 ـ الصهيونية الحلولية العضوية، التي عمَّقت الحلولية اليهودية الثنائية الصلبة.
2 ـ صهيونية عصر ما بعد الحداثة، والتي تدور في إطار الحلولية السائلة.
وبينما تتسم الأولى بالصلابة الشديدة تتسم الثانية بالسيولة الشديدة، ولكن رغم الصلابة أو السيولة فإن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة تظل الإطار المرجعي الذي يدور الجميع داخله. ويمكن القول بأن التيارين هما استمرار بشكل جديد وفي ظروف جديدة للصراع القديم بين الصهيونية السياسية أو العامة والصهيونية التصحيحية، وأن كليهما لا يقدِّم حلاً للمسألة الإسرائيلية، بل يزيدها تفاقماً.
الصهيونية الحلولية العضوية
‏Organic Immanentist Zionism
«الصهيونية الحلولية العضوية» مصطلح قمنا بسكه لوصف أحد اتجاهات الفكر الصهيوني. ورغم أن الديباجات الدينية التي يستخدمها دعاة هذا التيار فاقعة إلا أننا يجب أن نضعها في إطار الحلولية اليهودية حيث تختفي الحدود بين الإله والإنسان والأرض ويحل الإله في الشعب والأرض ويتوحَّد بهما إلى أن يصبح الإله هو الشعب والشعب هو الإله. ويعبر دعاة الديباجات الدينية بطريقة متبلورة عن هذه الحلولية فهم أكثر تمرساً فيها من الصهاينة العلمانيين، ولكن هذا لا يعني أن الاتجاه الصهيوني الحلولي العضوي مقصور عليهم، فهو يضم في صفوفه كثيراً من الصهاينة العلمانيين الملحدين.

يرى دعاة الخطاب الديني أن الصهيونية وصلت إلى ما وصلت إليه من تدنٍّ متمثل في وضع المجتمع الإسرائيلي بسبب خلل أساسي في الصهيونية التقليدية، ويتمثل (حسب رأي هارولد فيش) في محاولتها تبرير المشروع الصهيوني على الطريقة العلمانية الغربية ("دولة بموافقة القانون العام") . وهو يرى أن مثل هذه الديباجة كانت مفيدة في وقتها إذ أنها جعلت الصهيونية مفهومة أو مقبولة للأغيار ولليهود أنفسهم، ولكنها مع هذا تمثل انحرافاً عن جوهر الصهيونية. وكان هذا الجوهر (رغم ذلك) يعبِّر عن نفسه، بطريقة متعثرة، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور ازدواجية داخل الصهيونية. ويظهر ذلك في وثيقة إعلان إسرائيل التي صدرت في 5 أيار 5708 (14 مايو 1948) ، أي أنها تتبع تقويمين: أحدهما يهودي والآخر غير يهودي. وتتبدَّى نفس الازدواجية في عبارة «تسور يسرائيل» (صخرة إسرائيل) التي وردت في تلك الوثيقة واختيرت عن عمد لإبهامها، فهي قد تعني «الأب» وقد تعني «الملك المقدَّس الذي يتوجه إليه اليهودي المتدين» ، كما أنها قد تكون "هوية إسرائيل الجمعية الصخرية (الصلبة) " ويضيف هارولد فيش أنها يمكن أن تكون الإرادة القومية التي تحدَّث عنها روسو (وآحاد هعام من بعده) ، والتي توجِّه مصير الأمم، "نوعاً من الجوقة الإغريقية التي تمثل الماضي والحاضر والمستقبل".

وقد قام مفكر ديني إثني آخر، هو جويل فلورشايم، بتحليل ديباجة وثيقة إعلان إسرئيل، فقال إن ما جاء فيها ليس مقصوراً على الشعب اليهودي وإنها ليست إلا تعبيراً عن رغبة الصهاينة في تطبيع اليهود وتاريخهم. ثم يقوم فلورشايم بإظهار زيف مقولات الديباجات العلمانية الواحدة تلو الأخرى. فالشعب اليهودي لم يُولَد في إرتس يسرائيل ـ كما جاء في الديباجة ـ وإنما في مصر وفي الصحراء، وهويته الروحية والدينية والقومية تمت صياغتها في المنفى، خارج أرض إسرائيل. ومثل هذه الديباجات، حسب تصوُّره، إن هي إلا بقايا عصر الانعتاق والاستنارة، ولابد من العودة إلى الجذور، إلى الخطاب الإثني الديني، أي إلى اليهودية، لأن التخلي عن اليهودية (كما يفهمها هارولد فيش) وعن القيم اليهودية والعقائد اليهودية، وإحلال الديباجة العلمانية محلها، هما اللذان أديا إلى فقدان اليهود احترامهم لأنفسهم وإلى فشل الصهيونية في علاج الروح.
ولكن كانت هناك دائماً محاولات داخل الصهيونية تتجاوز هذه الازدواجية الانشطارية (حسب تعبير كوك) وصولاً إلى الواحدية الصهيونية. ويرى هارولد فيش أن ثمة خطاً أساسياً يجمع كتابات هس وجوردون (مُنظِّرا الصهيونية العمالية) وبوبر (مُنظِّر الصهيونية الثقافية) وكوك (مُنظِّر الصهيونية الدينية) . هذا الخط هو إيمانهم بأن الصهيونية الحقة لا تُفرِّق بين الدين والتاريخ اللذين يصبحان في كتابات هؤلاء المفكرين شيئاً واحداً، والمنظور وغير المنظور يمتزجان في وحدة مثالية تتجاوز الواقع. وجوهر الصهيونية، حسب تصوُّر فيش، كامن وراء بعث مقولة القداسة في الحياة الخاصة والعامة. فالصهيونية، من هذا المنظور، هي شكل من أشكال الواحدية المقدَّسة.

ويشرح فيش لاهوت/أيديولوجية الصهيونية الجديدة (الصهيونية التي وعت ذاتها الحقة) ، فيبين أن هذه الصهيونية ستكتشف أن جذورها ليست في التاريخ الغربي أو تاريخ الشرق الأدنى القديم أو ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» (كما فسره العلمانيون) وإنما في الميثاق الذي عُقد بين الرب والشعب، أي في التاريخ المقدَّس. وليس هذا الميثاق مجرد تفسير ممكن للواقع، وإنما هو الواقع نفسه كما تعرفه إسرئيل، وهو مصدر الحياة الأزلية لهذا الشعب (ولنلاحظ أن الواقع الآن، واقع إسرائيل، مجال له قوانينه المقدَّسة الخاصة، المقصورة على الشعب اليهودي، ولا يستطيع غير اليهود التساؤل عن معناه والاحتجاج عليه حتى إن سقطوا ضحايا له) .

ويذكر هارولد فيش أن مبدأ الحوار عند بوبر (الحلولي العلماني) هو أدق فكرة لوصف الصهيونية الجديدة، وأن مشكلة بوبر تكمن في أنه لم يهتم كثيراً بعالم السياسة بسبب تَوجُّهه الوجودي، فقلَّص مبدأه وقصره على العالم الفردي رغم أن نسقه الفكري يتضمن عالم التاريخ والسياسة. وهذا ما يفعله فيش والصهاينة الجدد، فهم يطبقون مبدأ الحوار على كل مجالات الحياة العامة والخاصة. ولعله كان ينبغي، انطلاقاً من هذا، أن نسميها «الصهيونية الحوارية» . ولكننا نرى أن تسميتها «الصهيونية الحلولية العضوية» أكثر دقة لأن الصورة المجازية العضوية، بشكلها المادي (كما عند آحاد هعام) ، والحلولي (كما عند كوك) ، ترد في كتابات كل الصهاينة بشكل جزئي إلى أن تصل إلى تحقُّقها الكامل في هذه الصهيونية الجديدة. كما أن هذه الصورة المجازية محورية في كتابات بوبر، وما الحوار سوى شكل من أشكال الوحدة العضوية وتعبير عن الحلولية. كما أننا حينما نصفها بأنها «صهيونية حلولية عضوية» فإنما نعني أنها صهيونية صفّت كل الازدواجيات والانشطارات، وملأت كل الفراغات، وسدّت كل المسافات، وربطت بين المقدمات والنتائج، وطهَّرت الصيغة الصهيونية تماماً من الشوائب، بحيث أصبح الشكل ملتحماً بالمضمون وأصبحت القومية هي الدين وأصبح الدين هو القومية. وهي، فوق هذا، لا تبحث لنفسها عن تبرير خارج نفسها من خلال أية ديباجات غير يهودية، وإنما تتخذ شكلاً دائرياً ملتفاً حول نفسه مكتفياً بذاته، فالدال هنا هو نفسه المدلول. ويُفسِّر هذا الوجود العضوي سر عزلة هذا الشعب وسر نبذ الشعوب الأخرى له. ولعل العضوية (والحلولية) الكاملة تظهر في شعار الجماعات السياسية التي تحاول ترجمة الفلسفة الصهيونية الجديدة إلى ممارسة: "أرض إسرائيل لشعب إسرائيل تبعاً لتوراة إسرائيل" وهي عبارة كان يرددها موشي ديان العلماني! ولنتأمل العضوية والحلولية، فالأرض والشعب (التربة والدم) مرتبطان بسبب التوراة التي

هي مصدر قداسة كل منهما. وأخيراً، فإننا حين نصف هذه الصهيونية بالعضوية نكون قد بيَّنا صلتها بالحركات السياسية المماثلة وبالفكر القومي العضوي المتطرف، كالنازية التي تتسم بهذه العضوية المتطرفة.
وتصل هذه الصهيونية العضوية إلى ذروتها في التفسير الحرفي للعهد القديم. فالتفسير الحرفي يفترض أن الظاهر هو الباطن، وأن القصص الديني هو التاريخ، وأن الوعد الإلهي هو رخصة بالاستيطان (كما عند الصهاينة المسيحيين تماماً) . وفي هذا الإطار التوراتي، بإمكان فيش أن يتوجَّه للجماعات المسيحية الأصولية في الولايات المتحدة (المعروفة برجعيتها وحبها العميق وكرهها الأعمق لليهود) ، وأن يطلب منها أن تعترف بالمغزى الديني لأحداث التاريخ، وبدلالة الصهيونية والدولة.

وفي داخل هذا الإطار العضوي الحلولي المتسق مع نفسه، المتناسق مع مقدماته، المكتفي بذاته، الذي لا يكلف نفسه الإشارة إلى ما هو خارجه، تكتسب الأطروحات الصهيونية التقليدية بُعداً مدهشاً جديداً. فالتاريخ اليهودي ليس تاريخاً عادياً، وكذلك القومية اليهودية ليست قومية عادية (كما كان يدَّعي هرتزل وأتباعه) ، وإنما هو كيان فريد. والشعب اليهودي ليس شعباً عادياً مثل كل الشعوب وإنما هو شعب إلهي المصدر. ويحلو لأتباع هذا الاتجاه أن يقتبسوا كلمات بلعام العراف الذي دعاه ملك مؤاب ليلعن العبرانيين القدامى عند اقترابهم من مملكته، فقال: "هو ذا شعب يسكن وحده. وبين الشعوب لا يُحسَب" (عدد 23/9) . ويمكن ترجمة ذلك إلى: "هو ذا شعب عضوي مقدَّس لا يختلط بالشعوب الأخرى ولا يندمج معها ولا يُحسَب بين الشعوب، فهو منبوذ". فعزلة اليهود هي الشيء الطبيعي، ففي أعماق اليهودي تُوجَد جذور القلق، ولذا فهو يسبب القلق للعالم كله ولا يعطيه أي سلام، وهو (كجسم غريب) يشبه الخميرة التي توضع في المادة فتغيِّرها دون أن تتغيَّر هي. ومن ثم فإن معاداة اليهود والرغبة العارمة في نبذهم ليستا ظاهرتين اجتماعيتين يمكن شفاء الأغيار منهما، وإنما هما تعبير طبيعي عن وجود إسرائيل الغريب الذي يحدده الميثاق. إنهما اعتراف بسر إسرائيل وثناء عليها.
وقد فسَّر الحاخام يهودا عميتال (رئيس إحدى المدارس الدينية) أهداف الصهيونية كما تحددها الفلسفة الجديدة بقوله: "إن الصهيونية لا تبحث عن حل لمشكلة اليهود من خلال تشييد دولة يهودية وإنما من خلال تشييد دولة هي أداة في يد الخالق الذي يعد شعب إسرائيل للخلاص ... وليس هدف هذه العملية تطبيع شعب إسرائيل ليصبح أمة مثل كل الأمم، وإنما ليصبح شعباً مقدَّساً، شعب الله الحي".

ووجود هذا الشعب في فلسطين ليس استيطاناً أو استعماراً أو احتلالاً أو اغتصاباً ولا حتى لحماية اليهود أو للحفاظ على أمن الوطن أو لخدمة الاستعمار أو من أجل الديموقراطية أو الاشتراكية أو الحضارة الغربية، أو أي شيء من هذا القبيل، كما يظن كثير من الأغيار، وإنما هو تحقيق للمشيئة الإلهية: واجب مقدَّس، وعبء ديني، يحمله اليهودي ويهدف إلى خلاص الشعب المقدَّس وتحقيق الوعد الإلهي والميثاق بين الإله وإسرائيل، هو جزء من الحوار الأزلي بين الشعب والإله. ومن ثم فهي عملية لا تنتهي ولا "حدود" لها. ورسالة هذا الشعب المقدَّس تفرض عليه أن يفرغ الأرض المقدَّسة من سكانها الأصليين العرضيين.
أما موضوع مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا فيكتسب بعداً دينياً عميقاً إذ أن عبء «المصير اليهودي» انتقل بعد تأسيس الدولة إلى المستوطن. فما يحدد الشعب اليهودي ليس ذكريات الأسلاف المشتركة بين إسرائيل وأعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين وحسب وإنما يحدده أيضاً المصير الفريد. وقد استقر عبء التفرُّد هذا بكليته على أكتاف الأمة الجديدة التي ظهرت في أرض إسرائيل.

وهذه كلها كلمات كبيرة تحتاج إلى تفسير فهي تنطوي في واقع الأمر على تصور للمسألة الإسرائيلية ولحلها. فحينما يتحدث أحد عن قداسة شعبه الذي يحتل أرض شعب آخر، فلابد أن تكون هناك علاقة ما بين الديباجات والسلوك. ففي فترة ما قبل الدولة، كان الصهاينة يتحدثون عن العمل العبري (لا المقدَّس) لأنهم كانوا يودون أن يحلوا محل العربي. ولذا، فقد كانت الديباجة الاشتراكية ومفهوم اليهودي الخالص شعارين مناسبين. فلمَ الديباجة الحلولية العضوية الآن؟ ولم تصعيد معدلات الحلول؟ يضع جويل فلورشايم يدنا على المفتاح حينما يقول إنه بدون الوعد الإلهي، بدون التسويغ الحلولي، تصبح إعادة الأرض إلى اليهود (أي استيلاء اليهود عليها) فعلاً غير عقلاني يوقع الظلم بسكان فلسطين العرب، ويصبح من العسير شرح المطالبة اليهودية بالأرض المقدَّسة، كما يصعب تبرير أسبقية المطالب اليهودية على الحقوق العربية. وهكذا، فإن الصهيونية الجديدة تسويغ للوضع الجديد.

ويتلخص الوضع الجديد في أن الاستعمار الصهيوني قد ضم رقعة كبيرة من الأرض بدون وجه حق، واحتلها واستعبد أهلها، خارقاً بذلك كل الأعراف الدينية والخلقية والدولية. وليس بإمكان أي منطق إنساني مهما بلغ من الحذق والصقل أن يبرر ذلك، وخصوصاً أن العرب يرفضون قبول الأمر الواقع، كما أنهم لم يختفوا بعد، كما كان من المفروض أن يفعلوا حسب تصوُّر المشروع الصهيوني. وليس عند الصهاينة أية حلول، حتى ولو نظرية، لهذا الوضع. ولذا، فلابد من اللجوء إلى منطق هو في جوهره غير منطقي، منطق الحلولية العضوية التي تخلع على البشر وأفعالهم قداسة ومطلقية بحيث يشير العقل إلى نفسه ويصبح مرجعية ذاته، مكتفياً بذاته، يستمد معياريته من ذاته، ولا يحتاج إلى تبرير خارجي. والواقع أنه حينما يتم ذلك، يفعل الإنسان ما يحلو له فيضم الجولان وغزة والنيل والفرات، ويُفسَّر هذا على أنه جزء من الحوار مع الرب وتعبير عن الميثاق وعبء فريد لا يطيق أحد غير المستوطن الصهيوني (اليهودي المطلق المقدَّس) حمله. وهذا تسويغ فريد لحالة فريدة هي الحالة الانتشارية الصهيونية التي لا حدود لها، فهي هنا تصبح فعلاً مقدَّساً، والأفعال المقدَّسة لا بداية لها ولا نهاية، ولا سبب لها ولا تفسير.

ويمكن تفسير حالة العزلة الدائمة التي يعاني منها المُستوطَن الصهيوني هي الأخرى بالطريقة نفسها. فالشعب اليهودي المقدَّس هو كما تقدَّم شعب يسكن وحده وبين الشعوب لا يحسب، فهو شعب عضوي منبوذ حقاً. ولذا، فبإمكانه أن يستوطن الجليل ونابلس، في جزيرة صغيرة معزولة وسط المحيط العربي، ويرى أن وجود منزله بجوار البركان أمر طبيعي تماماً ومنصوص عليه في التراث الديني. وأما حالة الحرب الدائمة، فهي الأخرى حالة تستند إلى القداسة. وقد قال الحاخام تسفي يهودا كوك (ابن الحاخام كوك) "إن جيش الدفاع الإسرائيلي هو قداسة كاملة فهو يمثل حكم شعب الله فوق أرضه". واليهودي العضوي حقاً لا يبحث قط عن السلام. وكما قال الحاخام يعقوب أرييل، فإن اليهودي المتدين يعترض على السلام. فهو يحتفظ بوعي تاريخي دائم لا يدعه ينسى أحداث الماضي بل يولِّد في وجدانه موقفاً حذراً تجاه العالم الخارجي. وفي نهاية الأمر، فإن من الخير لنا أن ننعزل عن الأمم، كما قال الحاخام أفرايم زيميل.

والصراع العربي الإسرائيلي داخل إطار القداسة صراع لا ينتهي ولا حل له، إذ يجب النظر إليه لا في ضوء المصالح المتصارعة وعمليات الاستيلاء على الأرض وإنما في ضوء سرّ حب اليهودي لصهيون وسر الكره العربي لإسرائيل (ويُلاحَظ أن كلمة «سر» هنا مستخدمة بالمعنى الديني الحرفي) . والصراع إن هو إلا جزء من "الميراث الشيطاني" إذ يتربص كل نسل عيسو (أي الشعوب المجاورة للعبرانيين، أي العرب) بأبناء إسرائيل ليلحقوا بهم الأذى ويدمروهم أينما سنحت الفرصة (ابتداءً من الهجمات الفدائية وانتهاءً بالأطفال العرب الذين يلقون الحجارة على المستوطنين الأبرياء) . فقوى الشيطان لن تصبر على وجود شعب إسرائيل الذي يعيش داخل دائرة الحلول والقداسة. وداخل هذه الدائرة العضوية الحلولية المقدَّسة، يصبح العرب هم العمالقة واليبوسيون وشعوب أرض كنعان الذين ورد ذكرهم في العهد القديم وهم شعوب يجب طردهم أو إبادتهم. ولذا، فقد أصدر الحاخامات أوامرهم الدينية بقتل المدنيين من العرب، فهذا هو أمر الشريعة.

وهكذا تكون الصهيونية العضوية الحلولية قد زودت المستوطن الصهيوني بإطار إدراكي يعقلن عزلته الكاملة، ويبرر بطشه وسطوته وغزوه ووحدته، بحيث يجعل حالته هذه استمراراً لما كان واستعداداً لما سيكون وتحقيقاً للرؤى التوراتية. إن المستوطن الذي بنى بيته بجوار البركان، ويحيا في خطر دائم، يمكنه أن يسوغ موقفه بخلع القداسة على نفسه، بحيث يرى نفسه أداة من أدوات الخلاص وجزءاً من عملية إلهية ضخمة لا يمكنه التحكم فيها، بنفس طريقة الجندي الغربي الذي كان يعقلن وجوده في غابات أفريقيا الحارة السوداء على أساس لون جلده الأبيض والأعباء الأخلاقية الناجمة عن ذلك. وبذا، تكون الصهيونية العضوية قد صفّت أية ثنائية، وأسكتت أية تساؤلات، وجردت المستوطن الصهيوني من أية إنسانية متعينة، وخلعت عليه قداسة تحرمه من وجوده الإنساني الحق، وبذا تكون الصيغة الصهيونية الأساسية الغربية التي لم تر اليهودي إلا على أنه شيء أو سلعة قد تحققت تحققاً كاملاً، كما يكون أعضاء المادة البشرية قد استبطنوا الرؤية تمام الاستبطان.
ويقول هارولد فيش إن الصهاينة أخيراً قد بدأوا يكتشفون سر القداسة وحلم الخلاص والتفرُّد ومغزى الوعد الإلهي والميثاق مع الرب. وهو يرى أن جماعة جوش إيمونيم هي أول تنظيم سياسي يحمل أيديولوجية الصهيونية الجديدة، الصهيونية التي أدركت ذاتها. وقد يكون فيش محقاً في هذا من الناحية الإمبريقية المباشرة، لكن يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء الصهيونية الجديدة هو أيضاً النموذج الكامن وراء فكر ما يُسمَّى «اليمين الإسرائيلي» بغض النظر عن الانتماء الديني، فما يهم في الإطار الحلولي هو الشعب والأرض وليس الإله، ولذا يستطيع شارون الملحد، ونتنياهو صاحب الفضائح العامة والخاصة، أن يتحركا في إطار النموذج نفسه، نموذج الحلولية الصلبة، حيث يقف اليهودي المقدَّس في أرضه المقدَّسة ويواجه كل الأغيار.
ما بعد الصهيونية: تعريف

‏Post-Zionism: Definition
«ما بعد الصهيونية» مصطلح سياسي يشير إلى مجموعة من العلماء الإسرائيلييين تشمل المؤرخين الجدد وعلماء الاجتماع الانتقادين. وقد تأثر بهم عدد من العاملين في حقول الثقافة والفن والأدب. ومن أهم حملة خطاب ما بعد الصهيونية بني موريس وموشي سميش وسيمحا فلابان وبار يوسف وأوري رام وسامي سموحا وباروخ كيفرلنج وتامار كاتريال وسارا كازير وجيرسون شافير وبارون إزراحي وشلومو سويرسكي وتوم سيجيف ويوناثان شابيترو يورين بن إليعازر وباجيل ليفي وإيلا شوحات وآفي شلايم وإيلان باي وغيرهم.
ويُستخدَم مصطلح «ما بعد الصهيونية» للإشارة إلى انحسار الأيديولوجية الصهيونية ودخول التجمُّع الصهيوني عصر ما بعد الأيديولوجيات. (كلمة «بعد» في الخطاب الفلسفي الغربي تعني أن النموذج المهيمن قد ضمر وذوي ولم يولد نموذج جديد يحل محله، أي أن ثمة أزمة على مستوى النموذج لم يظهر لها حل بعد ولعلها تعني أيضاً «نهاية» ) . ومن أهم مصطلحات الما بعد مصطلح «ما بعد الحداثة» الذي صيغ مصطلح «ما بعد الصهيونية» قياساً علىه.

ويرى البعض أن ما بعد الصهيونية معادية للصهيونية وأنها تعيد النظر في كل المقولات الصهيونية الأساسية، بينما يؤكد البعض الآخر أن ما بعد الصهيونية إنما هي امتداد للصهيونية. ويضيف بعض دعاة ما بعد الصهيونية أنفسهم (مثل بني موريس) أنه صهيوني يقوم بعمل إيجابي "من خلال البحث عن الحقيقة التاريخية". بل يرى بعض هؤلاء أن ما بعد الصهيونية هي تحقق للصهيونية، وأن السلام مع العرب هو الثمرة الطبيعية للإنجاز الصهيوني. وكما يقول بني موريس: "إن الكشف عن أعمال الطرد ومجازر ضد العرب في سنة 1948، وأعمال إسرائيل على امتداد الحدود في الخمسينيات، وعدم استعداد إسرائيل للقيام بتنازلات من أجل السلام مع دول عربية (الأردن وسوريا) بعد سنة 1948، ليس «دعاية معادية للصهيونية» ، وإنما هو إضاءة لجانب من مسارات تاريخية مهمة، عتَّمت عليه عمداً طوال عشرات من الأعوام المؤسسة الإسرائيلية - بمن في ذلك الباحثون والصحافة - خدمة للحكومة وللأيديولوجيا السائدة".
وأعضاء هذا الفريق "الصهيوني" لا ينكرون شرعية ما يُسمَّى «القومية اليهودية» التي أدَّت إلى إقامة الدولة، ولكنهم يطالبون بإنهاء الرابطة النفسية والعائلية بين يهود إسرائيل والجماعات اليهودية خارجها (ونحن لا نأخذ موقفاً وسطاً بين الفريقين. انظر: «ما بعد الصهيونية، أو صهيونية ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد» ) .

ومما يجدر ذكره أن ما بعد الصهيونية لها جذور تسبق تاريخ ظهورها في الثمانينيات. فتحدي الرواية الإسرائيلية للأحداث أمر قام به إسرائيل شاحاك من قبل بشكل منهجي شامل. أما يوري أفينيري فقد أكد في أكثر من مناسبة أن الصهيونية مثل البيوريتانية هي أيديولوجية الأصل التي انتهى دورها، وهناك من قال إن الصهيونية إن هي إلا حركة إنقاذ ليهود أوربا (من الكارثة المحيطة بهم) انتهى دورها مع إعلان الدولة الصهيونية، وعلى الجميع تقبلها دون الخوض في النقاش بخصوص الأصول. وهناك بطبيعة الحال الحركة الكنعانية التي نادت (حتى قبل قيام الدولة) بفصل الدولة الصهيونية عن يهود العالم وضرورة التفرقة بين الإسرائيليين (الكنعانيين) واليهود. وعلى مستوى التطور التاريخي لوحظ أن جيل الصابرا كان قد بدأ يبتعد عما يُسمَّى «التراث اليهودي» مما دعا جورج فريدمان إلى الإشارة لهم بأنهم «أغيار يتحدثون العبرية» . بل إن بن جوريون نفسه طالب بحل المنظمة الصهيونية بعد تأسيس الدولة، فقد وصفها بأنها "السقالة" التي تفقد وظيفتها بعد الانتهاء من البناء. وأن مهمة يهود العالم هي الهجرة إليها وحسب، وبإمكان الدولة الصهيونية الوصول إليهم مباشرةً، دون وساطة المنظمة الصهيونية. وهو موقف لا يختلف كثيراً عن موقف الكاتب البريطاني، من أصل مجري، آرثر كوستلر.
وظهور ما بعد الصهيونية في الثمانينيات واكتسابها شيئاً من المركزية له أسباب عديدة يمكن أن نورد بعضها فيما يلي:
1 - انتشار العديد من مفاهيم ما بعد الحداثة. وقد استطاعت إسرائيل حتى حرب 1967 أن تعوق تأثير ما بعد الحداثة وما يصاحبها من نسبية مطلقة، فقد كانت دولة ريادية عمالية تؤسس اقتصاداً استيطانياً جماعياً، يكفل للمستوطنين كثيراً من المزايا والحقوق.

2 - الثورة المعرفية في العلوم الإنسانية في الغرب ورفض المسلمات البديهية التي سادت مثل مطلقات حركة التنوير والعقلانية والتقدم ورفض الرؤية التاريخية أحادي الخط والتمركز حول الغرب.
3 - يرى البعض أن الصهيونية قد حققت أهدافها على الصعيد القومي إذ أسست دولة قومية عادية طبيعية، سكانها طبيعيون. بل إن يهود العالم أنفسهم تم تطبيعهم من خلال وجود الدولة الصهيونية.
4 - كانت الصهيونية قبل عام 1948 تمثل أقلية لا تتمتع بإجماع عريض ولكن بعد قيام الدولة حدث إجماع عليها وعلى المقولات الصهيونية حتى حرب 1967. وبعد حرب الاستنزاف (1968 - 1970) وحرب أكتوبر (1973) والحرب في لبنان، فالانتفاضة، بدأت بأعداد غفيرة من الصهاينة في إعادة النظر في المقولات الصهيونية وبدأت ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية.
5 - يحس المستوطنون في إسرائيل أن ثمن الحروب المتكررة مرتفع للغاية وأنهم هم الذين يدفعون الثمن. فالمستوطن الصهيوني هو الذي يواجه في الوقت الحالي كارثة جماعية، لكل هذا بدأوا يبحثون عن بدائل للنموذج الصهيوني.
6 - على عكس الخوف من وقوع الكارثة الذي يمارسه سكان المستوطن الصهيوني يحس يهود الشتات بالطمأنينة، فالخوف لم يعد يطاولهم وهم يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، إن لم يكن أفضل من أقرانهم الإسرائيليين.
7 - يرى بني موريس أن دولة إسرائيل دخلت، في الأعوام الأخيرة، حقبة ما بعد أيديولوجية، أي "ما بعد صهيونية"، بدأت فيها المصالح والقيم الخاصة والفردية تطغي على قيم الجماعة بكاملها. ومجتمع الريادة الصهيونية - في نهاية الأمر - هو مجتمع مؤجل فيه الاستهلاك، فكثير ممن استوطنوا في فلسطين فعلوا ذلك ليرفعوا مستواهم المعيشي.

8 - يرى بني موريس، كذلك، أن الإحساس بالازدحام الشديد في الدولة (الذي ينعكس يومياً في شوارع المدن وعلى أرصفتها) بدأ يحتل مكاناً ما في وعي إسرائيليين كثيرين، وهذا أمر من الممكن، ومن الضروري، أن يؤدي إلى تقييد الهجرة في المستقبل غير البعيد، لأسباب "عملية" لا أيديولوجية.
ويثير الجدل الدائر في إسرائيل بشأن ما يُسمَّى «ما بعد الصهيونية» مسائل متنوعة مثل: الهوية الإسرائيلية (أصولها والمكونات الدينية والصهيونية الداخلة في تكوينها) ونمط الدولة والمجتمع الإسرائيلي المرغوب فيهما (بناء الأمة والموقف من الديموقراطية الليبرالية والقيم الإنسانية العامة، والتعارض القائم بينها وبين القيم اليهودية القَبَلية والدينية) والسياسة الإسرائيلية تجاه العرب (سواء الأقلية الفلسطينية التي تحيا في إسرائيل، أم تجاه الشعب الفلسطيني القاطن في المناطق المحتلة) ، والسياسة الإسرائيلية تجاه التوسع الصهيوني (مستقبل المناطق المحتلة ومصيرها) وعلاقة المستوطن الصهيوني بالجماعات اليهودية في الخارج.
وقد قام دعاة ما بعد الصهيونية بمراجعة المقولات الصهيونية الرئيسية وانتقادها، ومحاولة "نزع القداسة" عن كل أو بعض المقدَّسات الصهيونية. فوجَّه حملة خطاب ما بعد الصهيونية النقد لبعض الأفكار السائدة مثل "جمع المنفيين" و"بوتقة الصهر" والطبيعة العسكرية للمجتمع الإسرائيلي ونزعته التوسعية وشعار "الأمن فوق كل اعتبار". بل تناول بعضهم الأيقونة الصهيونية والغربية الكبرى، أي مسألة الهولوكوست.
وقد قام المؤرخون الجدد بمراجعة الرواية الصهيونية لحرب 1948. أما علماء الاجتماع الانتقاديون فقد قدَّموا نقداً جذرياً للصهيونية فدرسوا حركات الاحتجاج والفئات المضطهدة في المجتمع الإسرائيلي (الفلسطينيون والسود والسفارد والنساء) بحيث طبق بعضهم منظور كولونيالي على الدراسات التاريخية الصهيونية.

وقد خرج حملة خطاب ما بعد الصهيونية على النهج الصهيوني السائد والذي يقوم على ليّ عنق التاريخ والواقع من أجل إرساء المزاعم والادعاءات الصهيونية.
المؤرخون الجدد: تعريف
‏New Historians: Definition
مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين الذين أخذوا في الظهور منذ الثمانينيات وبدأوا في مراجعة الرواية الأكاديمية الإسرائيلية للصراع العربي الصهيوني، وبخاصة حرب 1948 التي جرى صوغها ضمن إطار أيديولوجي صهيوني يعيد ترتيب الوقائع، واستبعاد ما لا يروق للصهاينة. فالرواية الإسرائيلية الصهيونية لوقائع حرب 1948 وما بعدها تحاول بقدر الإمكان عدم ذكر الفلسطينيين، فلا توجد جماعة فلسطينية قائمة بذاتها (ومن هنا الإكثار من ذكر البدو) بعد 1948. ولم يحدث أي تهجير قسري (ترانسفير) للفلسطينيين فقد خرجوا تلقائياً أو هربوا بناء على دعوة صريحة من الملوك والرؤساء العرب حتى يتسنى للجيوش العربية الإجهاز على الدولة الصهيونية الوليدة، المحاصرة من كل جانب، أي أنه تم إسقاط البطولة تماماً عن الفلسطينيين وخلعها على الصهاينة.
رسم المؤرخون الجدد صورة أكثر واقعية تقترب إلى حدٍّ ما من الرواية الفلسطينية لوقائع تلك الحرب، والتي تبيِّن أن المطامع الصهيونية قد تم تحقيقها على حساب السكان الفلسطينيين وأن العرب أُبعدوا عن طريق الطرد. وقد أظهر المؤرخون الجدد أن العالم العربي لم يكن قوة عسكرية مخيفة، بل كان مفككاً، يتكون من دول متخلفة، بعض حكامها متواطئ مع الصهاينة، وجيوشها سيئة التدريب وقدراتها القتالية شديدة التدني. كل هذا يؤدي إلى نزع البطولة عن اليهود. بل بيَّن هؤلاء المؤرخون الجدد أن إسرائيل دولة متعنتة، ترفض السلام. وقد اعتمد هؤلاء المؤرخون الجدد المادة الأرشيفية التي رُفعت عنها السرية بعد مرور ثلاثين عاماً.
ما بعد الصهيونية (صهيونية عصر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد)

‏Post-Zionism, (Zionism in the Age of Post-Modernism and the New International Order)
بعد محاولة التعريف المبدئية لظاهرة ما بعد الصهيونية والمؤرخون الجدد، يمكن الآن أن نقدم رؤيتنا للموضوع. انتقل التجمُّع الصهيوني من مرحلة بطولية تقشفية صلبة (مرحلة التحديث والحداثة) تتسم بأن لها مركزاً (بالإنجليزية: لوجوسنتريك logo-centric) إلى مرحلة استهلاكية سائلة (ما بعد الحداثة) تتسم بأنها لا مركز لها (والصهيونية جزء من الحضارة العلمانية الشاملة الغربية ولا تشكل استثناءً من القاعدة) .
ويمكن القول بأن الصهيونية قد دخلت عصر ما بعد الحداثة بتصاعُد معدلات الحلولية والعلمنة داخل التجمُّع الصهيوني. فحتى عام 1948 كان اللوجوس (المطلق الصهيوني) يتجسَّد في الفولك (الشعب اليهودي) وكان من المفروض أن يؤسِّس الصهاينة دولة يهودية تصبح هي والمستوطنين موضع الحلول والمركز الروحي والثقافي ليهود العالم (العجل الذهبي، على حد قول أحد الحاخامات المعادين للصهيونية) ، أي أنه عالم متمركز حول اللوجوس (لوجوسنتريك logo-centric) يتسم بالتماسك العضوي.

ولكن مع تأسيس الدولة تمزقت الواحدية العضوية، فيهود الدياسبورا أصروا على أنهم هم أيضاً موضع الحلول، ويهود أمريكا بالذات كانوا يرون أن أرض الميعاد العلمانية الحقيقية هي الولايات المتحدة الأمريكية. وفي داخل إسرائيل نفسها نشب الصراع بين الإشكناز والسفارد إذ أن الإشكناز كانوا يرون أن المطلق الصهيوني يعبِّر عن نفسه من خلالهم وحدهم، فاليهودي هو الإشكنازي أما اليهودي السفاردي فهو مجرد صدى أو صورة باهتة. ثم بيَّن الصهاينة الدينيون أن اللوجوس الصهيوني ليس هو الفولك وحسب ولا هو الدولة وإنما هو الإله متجسداً في كل من الشعب والدولة، فبدلاً من حلولية بدون إله على طريقة العلمانيين، بعثوا مرة أخرى حلولية شحوب الإله التقليدية، حيث يحل الإله في الأشياء ويذوب فيها ويتوحد معها، ومع هذا يظل محتفظاً باسمه.
وقد جفت مصادر المادة البشرية اليهودية وهذا يُعَد كارثة بالنسبة لمجتمع استيطاني يعرف أن من أهم أسباب ضمور ممالك الفرنجة وموتها هو عدم تدفُّق المادة البشرية الفرنجية عليها. وجفاف المادة البشرية يعني أيضاً تداعي الدور القتالي لدولة وظيفتها الأساسية هي القتال المستمر وبدونه قد تختفي في لحظات (انظر الباب المعنون «أزمة الصهيونية» ) .

لكل هذا اهتزت القصة الصهيونية الكبرى: عودة واستيطان - إفراغ الأرض من سكانها ورحيل السكان من تلقاء أنفسهم - تأسيس الدولة اليهودية الخالصة - تدفُّق ملايين اليهود على أرض الميعاد - نهاية التاريخ السعيدة. فلا العرب اختفوا ولا اليهود تدفَّقوا، وبدلاً من أن يتجسَّد الإله اليهودي في الدولة اليهودية، لم يَعُد له وجود وتفكَّك اللوجوس. فالدولة التي تم تأسيسها بزعم إنقاذ يهود العالم من ذئاب الأغيار وجدت أن عليها أن تطارد اليهود بلا هوادة "لإنقاذهم". والدولة التي جاءت لتؤكد السيادة اليهودية وجدت أن عليها الاستجداء والاعتماد المذل على الدول الغربية لتضمن لنفسها البقاء. والدولة التي أعلنت أنها ستُخرج اليهود من الجيتو وجدت نفسها محاصرة في الداخل والخارج من العرب الذين لم يستسلموا لها، فتحوَّلت هي نفسها إلى الدولة/الجيتو أو الدولة/الشتتل.
وقد تبلور هذا الوضع في الاستيطان، فالصهيونية (على حد قول بن جوريون) هي الاستيطان. ولكن بدأت تظهر أصوات تنادي بفصل الصهيونية عن الاستيطان والادعاء بأن الصهيونية هي الاستثمار في إسرائيل أو التعاون العلمي معها أو حتى زيارتها للسياحة. والرواد الصهاينة الذين كان من المتصور أنهم سيقومون بغزو فلسطين وتخليصها وتخليص أنفسهم (عن طريق الزراعة المسلحة: يد تمسك بالبندقية والأخرى تمسك بالمحراث) أصبحوا مستهلكين بالدرجة الأولى وأصبح الاستيطان مرتبطاً بالاستهلاك وأصبحت الإعلانات عن المستوطنات تتحدث عن حجم حمام السباحة وعدد مكيفات الهواء وطريقة الدفع بالتقسيط المريح ونسبة الخصم عند الدفع، أي أن الأسطورة الصهيونية ضُربت في الصميم. وقد ساعد انتصار 1967 على هذا الانتقال من التقشف وإنكار الذات إلى الاستهلاك، وقوَّت من عضده الهجرة السوفيتية، حيث هاجرت مئات الألوف من الصهاينة المرتزقة، الباحثين عن تحسن مستواهم المعيشي.

وإذا كانت عبارة «ما بعد الأيديولوجيا» تعني نهاية الأيديولوجيات فإن عبارة «ما بعد الصهيونية» تعني في واقع الأمر «نهاية الصهيونية» ، فالقصة الصهيونية الكبرى الأصلية قد حل محلها أثر أو صدى وقصص صغيرة، إذ أن كل رأس صغير (روش قطان) يعيش داخل قصته الصغيرة.
وقد عبَّر هذا عن نفسه في التكاثر المفرط للمصطلحات التي تُستخدَم للإشارة إلى الصهيونية (بقصصها الصغرى الكثيرة) وهو ما يدل أيضاً على انفصال الدال عن المدلول، فهناك عدة دوال ( «الصهيونية التقنية» - «الصهيونية اللوكس» - «صهيونية الصالونات» - «الصهيونية الفورية» ) تحاول كلها أن تشير إلى المدلول دون نجاح كبير. ولعل اصطلاح «الصهيونية المكوكية» قد يصلح دالاً على الحالة الصهيونية، التي لم يَعُد لها مركز، ومن ثم قد يكون من الأفضل أن نشير لها باعتبارها «الصهيونية الإنزالاقية» أو «الصهيونية المفكَّكة» (بالإنجليزية: ديكونستركتد deconstructed) ، فالصهيونية حركة تفكيكية، قامت بتفكيك كل من العرب واليهود ونقلهم من أوطانهم الأصلية إما إلى فلسطين أو خارجها. ولكنها بعد تفكيك الآخر، تفكَّكت هي نفسها بفعل العوامل التاريخية، وهي على كل كانت تحوي جرثومة فنائها وتفكُّكها من البداية حين استندت إلى دال بلا مدلول: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
والصهيونية الحلولية العضوية هي محاولة لحل الأزمة عن طريق خلع القداسة على الذات اليهودية بحيث تصبح هي مصدر القداسة الإطلاق ومركز الكون، مكتفية بذاتها ومرجعية ذاتها. وتصبح الأرض المقدَّسة، بحكم قداستها أرضاً بلا شعب، ويصبح اليهود، الشعب المقدَّس، بحكم قداستهم شعباً بلا أرض. ولا تكتمل الحلقة إلا بأن يعيش الشعب المقدَّس في الأرض المقدَّسة ويحل فيهم الإله وتسري القداسة في كل شيء ويتجسَّد اللوجوس مرة أخرى ومن ثم يمكن ممارسة العنف الصهيوني وتبريره على هذا الأساس.

أما صهيونية ما بعد الحداثة فهي تتبع إستراتيجية مختلفة تماماً، وإن كانت تؤدي إلى النتائج نفسها. فهي تقوم بنزع القداسة عن اليهود والعرب وفلسطين بحيث تصبح كل الأمور متساوية ويصبح الكون لا مركز له. وداخل حالة السيولة يمكن أن يصبح المدفع الدارويني هو اللوجوس، الذي يحدِّد مدلول الكلمات.
ولكن يبدو أن صهيونية عصر ما بعد الحداثة هي التي سترجح كفتها لأن ظهورها قد تزامن مع ظهور النظام العالمي الجديد وانتقال العالم الغربي بأسره من حالة الصلابة إلى حالة السيولة (ولعلها هي نفسها إحدى تبديات حالة السيولة في التجمُّع الصهيوني) .

والنظام العالمي الجديد هو إعادة إنتاج للرؤية المعرفية العلمانية الشاملة في أواخر القرن العشرين، ومن ثم فهو ينطلق من مرجعية واحدية مادية ترى العالم بأسره (الإنسان والطبيعة) باعتباره مادة استعمالية. وقد أدت هذه الرؤية - في نطاق النظام العالمي القديم - إلى ظهور ثنائية الأنا والآخر، والمستعمل والمستعمَل، التي دفعت الإنسان الغربي إلى غزو العالم والهيمنة عليه واستهلاكه. ولكن مع تراجُع الهيمنة والمركزية الغربية وظهور عوامل التماسك والمقاومة في العالم الثالث (حركات تحرُّر داخلي) وجنباً إلى جنب مع عوامل التفكُّك والتآكُل (عولمة النُخَب السياسية والثقافية الحاكمة - فسادها وإفسادها - تصاعد التطلعات الاستهلاكية - تآكل الدولة القومية - السوق والشركات متعددة الجنسيات - تراجع الإحساس بالخصوصية ... إلخ) ، وجد الغرب فرصة سانحة لأن يحل إشكالية عجزه عن المواجهة العسكرية والهيمنة الصريحة عن طريق اللجوء للإغواء والتفتيت والتفكيك والالتفاف، وأن يستمر في تأكيد الأنا الغربية على حساب الآخر بآليات جديدة خفية من أهمها استخدام النخب السياسية والثقافية المحلية كآليات للقمع والإرهاب. فطرح النظام العالمي الجديد مجموعة من الديباجات الرائعة التي يكمن وراءها نموذج مادي واحدي ينكر التاريخ والإنسان ويؤدي إلى نهاية كلٌّ منهما. وصهيونية عصر ما بعد الحداثة هي صهيونية النظام العالمي الجديد، التي تحاول أن تتغلغل وتفرض قصتها الصغرى على عالمنا العربي بقوة الإغواء والإغراء والسلاح المخبُّأ بعناية فائقة، بحيث لا تراه عين.

والاستعمار (في عصر النظام العالمي الجديد) يريد تصدير سلعه الترفية وأسلحته المتقدمة والإلكترونيات ورأس المال، وبما أن الدول المتخلفة غير قادرة على الاستهلاك وليست في حاجة إلى سلع كان من الضروري أن "تتقدم" بعض الشيء وأن تحقق شيئاً من التنمية حتى يتم تصعيد التوقعات، ولكن، مع هذا، يجب الابتعاد عن التنمية المستقلة، لأنها تعني التماسك لا التفكيك، والتوحُّد لا التشرذم، ولذا فإن التنمية يجب أن تتم داخل الأطر التي يُقال لها "عالمية"، وتحت إشراف المؤسسات التي يُقال لها "دولية". كما أن الإنسان الذي ينمو يجب أن يفرَّغ من الداخل حتى لا يتحول إلى قوة اقتصادية قومية مقاومة.
والمدخل لأية حركة مقاومة حقيقية هو تأكيد أن الربح الاقتصادي (العام) ليس القيمة النهائية في حياة الإنسان، وإذا كان الربح المادي - كما يؤكد كثير من الماديين - هو بالفعل القضية الأساسية فإن كل شيء يصبح خاضعاً للتفاوض وللإبقاء والإلغاء، وضمن ذلك الخصوصية القومية والمنظومة القيمية والامتداد التاريخي، بل أرض الوطن. لأنه إن كان الحفاظ على مثل هذه الأشياء فيه تعظيم للمنفعة الاقتصادية (المادية) ، فينبغي تطويرها وتمجيدها والتغني بها، أما إذا شكَّلت عائقاً في طريق "التنمية الاقتصادية" فلابد من التخلص منها بلا هوادة. والسوق الشرق أوسطية تَصدُر عن الإيمان بأن العالم كله مادة وأنه لا شيء له قيمة وأن كل شيء له ثمن، ومن ثم فهو الترجمة المتعينة للنظام العالمي الجديد، التعبير المتبلور عن حالة السيولة.
وقد بيَّن شمعون بيريز هذا الاتجاه حين صرَّح بأنه حينما "يشتري" المرء سلعة يابانية فهو في واقع الأمر "ينتخب اليابان"، "فأسواق اليوم" (على حد قول هذا الإنسان الاقتصادي المسمَّى بيريز) "تُولِّد السياسة وتدافع عنها. وقوة السوق هذه الأيام محسوسة بشكل أكبر من قوة الدولة".

والسوق لا تتحكم فيه العواطف أو القيم الإنسانية، إذ تتحكم فيه آليات لا تَمُّت إلى الحب أو الكُره بصلة ولا يتم فيها أي تبادل إنساني وإنما يفترض أنه سيتم تبادل السلع والخدمات فيها في حرية كاملة، فالأمر كله إنتاج واستهلاك. والاستهلاك والإنتاج لا علاقة لهما بالمطلقات المعرفية أو الثوابت الأخلاقية أو الوظيفية أو الخصوصيات الإثنية أو الأخلاقية.
والسوق هو المكان الذي يتحوَّل فيه الإنسان العربي المسلم إلى إنسان طبيعي اقتصادي وربما جسماني يفهم مصلحته الاقتصادية ومنفعته ولذته ولا يكترث بشيء آخر، على استعداد للتفاهم بشأن أي شيء وأن يغيِّر قيمه بعد إشعار قصير.
وإذا كان داخل كلٍّ منا مجاهد على استعداد للدفاع عن شرفه وشرف أمته وقيمه (الإنسان الإنسان الذي يحوي العنصر الرباني) ، فهناك أيضاً في داخل كلٍّ منا بقال على استعداد لأن يبيع ويشتري كل شيء وضمن ذلك الوطن، نظير عمولة مجزية وسعر معقول، كما يوجد ذئب مستعد لأن يفترس من حوله وقرد مستعد لأن يقلد من ينتصر عليه. وفي السوق يتوارى المجاهد ويظهر البقال والذئب والقرد فتتحوَّل البلاد إلى فنادق وتتحول الأحلام إلى سلع. ولعل الموز الإسرائيلي (الذي قُدِّم للمستهلك المصري باعتباره بشرى بما سيكون) هو رمز جيد ومتبلور لعملية التفكيك الجديدة، فهو يتوجه مباشرة إلى الجهاز الهضمي ليُسقط الذاكرة والتاريخ والهوية والذات والموضوع والحق والحقيقة، ويعلن ندية الإنسان والمادة، والقومية العربية والصهيونية، فننزلق جميعاً إلى عالم خال من القيم والهوية - عالم السوق الشرق أوسطية وسنغافورة، عالم بلا مركز ولا قيم تتساوى فيه الأمور جميعاً، ولا يبقى إلا المصالح الاقتصادية المباشرة والتوجه نحو اللذة.

بل يؤكد لنا بيريز أن "الشعب اليهودي نفسه لم يكن هدفه في أي يوم السيطرة ... إنه فقط يريد أن يشتري ويبيع ويستهلك وينتج، فعظمة إسرائيل تكمن في عظمة أسواقها"، أي أن اللوجوس في مرحلة موت الإله ليس الفولك وإنما السوق.
وعلى مسرح السوق الجديد لن تجد الشعب العربي أو الشعوب الإسلامية صاحبة التاريخ والرؤية إذ سيتحرك على خشبته عناصر مجردة: المياه التركية والأموال الخليجية والعمالة المصرية، وهي جميعاً أشياء لا وعي لها. ثم يظهر على المسرح العنصر الذي سيمسك بكل الخيوط وسيُحركها: الخبرة الإسرائيلية، الوعي الحقيقي على المسرح.
ولكن السمة الأساسية لهذه السوق أنها سوق لا هوية لها، لا تعرف الزمان أو التاريخ، فهي مرجعية ذاتها، مكتفية بذاتها. وإن كان هناك أيُّ سوء فهم فقد تم تبديده إذ وُصفت هذه السوق بأنها «شرق أوسطية» ، أي أنها ليست عربية أو إسلامية، وإنما تنتمي إلى مكان دون زمان أو تاريخ. وهذا المكان هو الشرق الأوسط، وهو مفهوم جغرافي غير محدد، يضم قبرص وفلسطين وإيران وتركيا وأحياناً اليونان. والعلاقة بين الدول هي علاقة تعاقدية، فقد تتفق قبرص مع مصر مع إسرائيل، أو إسرائيل مع فلسطين مع الأردن، أو تركيا مع لبنان مع فلسطين، وهكذا. المهم أن الاتفاق هنا بين بلاد تنتمي إلى منطقة واحدة لا إلى تشكيل حضاري مشترك أو منظومة قيمية مشتركة. ومن هنا التبشير بسنغافورة باعتبارها أرض الميعاد الجديدة، وهي بلد صغير جداً لا تاريخ لها ولا ذاكرة ولا هوية محددة، تسيطر عليها رؤوس الأموال الغربية، وليس لها مشروع حضاري واضح أو كامن، فهي حيز للبيع والشراء وحسب.

ويؤكد بيريز نهاية التاريخ (ونهاية الإنسان ونزع القداسة عن كل شيء والتفكيك الكامل لكل ما هو إنساني، حين يعلن أن ماضي العلاقات العربية الإسرائيلية ينبغي ألا يقف عقبة فى وجه الفرص المتاحة أمامها الآن، بل ينبغي تركيز الاهتمام كله على المستقبل. فلا داعي، على سبيل المثال، للحديث عن الماضي أو عن القيم إذ يجب التركيز على الآن وهُنا. ولذا، يتحدث بيريز، شأنه شأن فوكوياما، عن نهاية التاريخ: "العصر الذهبي لشعوب الشرق الأوسط، عصر لم ير له التاريخ مثيلاً، عصر مناسب للعهد الجديد"، وهكذا يلتقى بيريز بكلٍّ من فوكوياما ومفكري ما بعد الحداثة داخل السوبر ماركت وداخل ورش المصانع، هذا الفضاء المادي الذي لا يعرف الزمان أو التاريخ أو الإنسان أو الإله.
وهذا يعني في واقع الأمر محو الذاكرة التاريخية بشكل واع ونشيط (وهذا هو جوهر ما بعد الحداثة) وتناسى السبب الأساسي للصراع: أن التشكيل الإمبريالي الغربي قد غرس كياناً استيطانياً إحلالياً على أرض فلسطين، وأباد مَنْ أباد من أهلها ثم شرَّد مَنْ شرد، وها هو يضع البقية الباقية تحت حكم السلاح.
واختفاء التاريخ والذاكرة يعني اختفاء القصة العربية والإسلامية الكبرى وظهور القصص القطرية والفردية والقَبَلية والاستهلاكية الصغرى، أي يعني تَفتُّت العالم العربي وتَشرذُمه، أي تحقُّق القصة الصهيونية الكبرى، دون مواجهة وقتال.

ويذهب المفكر العربي منير شفيق إلى أن المشروع الصهيوني يحتم ضرورة أن يكون الشرق العربي مشتتاً مبعثراً لا يتمتع بدرجة تماسك عالية ولا توجُّه حضاري واضح؛ شرقاً عربياً لا يتحكم في ثرواته. وأن ما يحدث للعراق ليس حالة استثنائية وإنما هو نموذج لرؤية النظام العالمي الجديد (وصهيونية ما بعد الحداثة) لوطننا العربي وللعالم الإسلامي. فهذا النظام يقوم بتجريد العراق من سلاحه وقدرته العسكرية والعلمية، ويُضعف دولته القومية المركزية (ويقوى الأطراف) حتى يظل العراق موحداً ولكن ضعيفاً، فالمطلوب هو عراق واحد متآكل داخلىاً، يشل بعضه بعضاً ولا يستطيع أن يستعيد عافيته لعشرات السنين القادمة حتى لو تغيَّر النظام العراقي الراهن. ويرى منير شفيق أن هذا جزء مما أسماه "سايكس بيكو الثانية"، أي تجزئة كل جزء من الأجزاء داخلياً حتى تصبح عملية الإجهاض نابعة من الداخل، ولذا فهو يقول فى جملة دالة جداً "إن من يربط ما يحدث للعراق بما حدث للكويت يخطئ خطأً فادحاً". فلو ثبت أن إحدى الدول العربية بدأت تنهض وتقف على قدميها وتحقق استقلالها وتنمي نفسها خارج نطاق النظام العالمي الجديد، فلابد أن يكون مصيرها هو مصير العراق، حتى لو لم تهاجم الكويت، فالعراق هنا نموذج، ولم يكن اجتياح الكويت إلا تكأة.
إن الوطن العربي يجب أن يصبح "المنطقة" (كما يُشار إليه فى الكتابات الصهيونية والغربية) رقعة بلا تاريخ ولا ذاكرة ولا هوية ولا مصالح مستقلة. ويجب أن تكرس سياسة المصلحة الضيقة الخاصة لكل دولة، وكذلك أمنها واستقرارها وتنميتها، ونسيان شيء اسمه المصلحة العربية العليا أو الإسلامية العليا أو الأمن العربي والإسلامي والسوق العربية المشتركة!

ولابد من تقسيم المنطقة على أساس طوائف وأجناس وأصول قومية ومذاهب، أي إعادة صياغة المنطقة باعتبارها فسيفساء من أقليات إثنية ودينية يستمر بينها قدر من الصراع المعقول الذى يمكن التحكم فيه من قبل النظام العالمي الجديد (وصهيونية ما بعد الحداثة) الذى لا يقبل الفوضى الشاملة، إذ لابد أن يستمر البيع والشراء والإنتاج والاستهلاك.
وثمة كتاب يتداوله أعضاء النخبة العسكرية في الولايات المتحدة يُسمَّى تحوُّل الحرب كتبه المؤرخ العسكري الإسرائيلي فان كريفيلد (الجامعة العبرية) . والموضوع الأساسي في الكتاب هو أن النقطة المرجعية لفهم الحروب في المستقبل هي حرب الثلاثين عاماً في القرن السابع عشر في أوربا، وحرب المائة عام قبلها، وهي حروب لم تتم بين دول قومية مستقلة وإنما بين ملوك ونبلاء إقطاعيين، وهو هنا يطالب بمفهوم للحرب يسبق توقيع معاهدة وستفاليا (1649) التي أنهت حرب الثلاثين عاماً. ويرى فان كريفيلد أن مفهوم كلاوزفيتز للحرب لم يَعُد صالحاً كإطار نتحرك من خلاله، فهو مفهوم نابع من الصراع بين الدول القومية ذات السيادة ويستند إلى مبدأ أن الحرب استمرار للسياسة بطرق أخرى. ويذهب فان كريفيلد إلى أن عصر الحروب الكبيرة بين الدول قد انتهى، فالحروب المقبلة ستكون "داخل" الدول وليس "بينها"، ولن تكون الحروب بين جيوش نظامية بالمعنى المعروف لدينا، وإنما بين مجموعات مختلفة من الجماعات المسلحة، ومن ثم فإن الفارق بين الجندي المنظم والجندي المرتزق وعضو المافيا أو المليشيا سيختفي، إذ ستظهر مجموعات عسكرية مختلفة تمثل القبائل والجماعات الإثنية والانتماءات الدينية والمصالح الاقتصادية (الشرعية أو الإجرامية) ، أي أن الحروب في المستقبل ستكون مثل الحروب في العصور الوسطى في المجتمعات البدائية. ولعل ما يعبِّر عنه فان كريفيلد ليس نبوءة بمقدار ما هو أمنية، ولعل ما حدث في لبنان هو تنفيذ لهذه النبوءة/المخطط. والعراق أيضاً نموذج

جيد، فقد قُسِّم ولم يُقسَّم في الوقت نفسه، فهناك أكراد فى الشمال تُغير عليهم القوات التركية وتدعمهم قوى التحالف ويضربون بعضهم بعضاً، وهناك شيعة فى الجنوب يثورون وينتفضون ليخلوا بالنظام، ولكن لا يسمح لهم لا بالانتصار ولا بالانهزام، وإنما يُسمَح بالاستمرار فى استنزاف الدولة المركزية وفى استنزاف أنفسهم (وهذا درس لكل أقليات المنطقة، فهى الأخرى ستتحول إلى مادة استعمالية نافعة للنظام العالمي الجديد) .
هذا فيما يتصل بالدول التي لعبت دائماً دور القيادة فى المنطقة، أما بالنسبة للدول البترولية فإن المخطط الأمريكي الغربي، فى رأى الأستاذ منير شفيق، لن يسمح مرة أخرى بتراكم تلك الثروة النفطية فى الخليج، وسيسعى بكل الوسائل إلى تقليصها إلى أقصى حد، وسيعمل على التحكم فيها من حيث إعطاء المساعدات الخارجية والتحكم في الإنتاج والأسعار والاستثمار في المشاريع الداخلية والخارجية وغير ذلك. ولا يمكن أن يُفهَم ما جرى فى إعادة بناء الكويت، وما فُرض من إتاوات لدفع تكاليف الحرب، وما جرى من نهب وتدمير لبنك الاعتماد التابع للإمارات، إلا ضمن هذا السياق. ولعل من أهداف الهجوم الذى يشن على ليبيا الآن السيطرة على سياسة النفط الليبية والثروة الليبية حتى تكتمل حلقات السيطرة على النفط العربي، ومن ثم الإسلامي". ولعل الانقلاب المعادي للديموقراطية فى الجزائر هو أيضاً من باب محاولة إحكام السيطرة حتى لا تأتي للحكم نظم مؤمنة بالتنمية المستقلة وبعدم تبدىد مواردها الطبيعية والحفاظ على ثروتها للأجيال القادمة فلا ترهنها للشركات متعددة الجنسيات نظير بضعة ملايين من الدولارات تتبدَّد فى أشكال من الترف والعبث.

ولابد من إعادة صياغة النخبة الثقافية والسياسية وإعادة تعليمها، وستأخذ هذه العملية شكل الترغيب والترهيب. أما الترغيب، فهو يأخذ شكل دعم ورشاوى ومراكز بحوث وصفقات وبرامج ثقافية تزيد معدلات الأمركة والعلمنة فى المجتمع والتلويح للنخب السياسية والثقافية بأنها ستُشارك بشكل مباشر في هذا التعاون الدولي وستجني ثمراته بشكل شخصي. أما الترهيب فهو تخويف الجميع من خطر الإرهاب الإسلامي. وقد نجح النظام العالمي الجديد فى هذا المجال، فكثير من المثقفين القوميين والاشتراكيين العلمانيين، ممن وجدوا أنفسهم بلا أرضية ولا قضية، بعد حرب الخليج وبعد تراجع المنظومة القومية وبعد سقوط الاتحاد السوفيتى وتساقُط المنظومة الاشتراكية، يبحثون عن مبرر وجيه وموضوعي للتوجه للسفارة الأمريكية والسير في ركاب المنظمات الدولية (التي تدفع رواتب هي أقرب إلى الرشاوى منها إلى الأجور) . وقد وجدوا مثل هذا المبرر أخيراً في الادعاء بالخوف على الداخل الديموقراطى من الداخل الإرهابي، ومن ثم فليستعينوا بالخارج الدولي، هذا الذي ساند كل الدول الإرهابية عبر تاريخه ولا يزال يساند طواغيت الأرض الذين ينهبون شعوبهم أثناء عمليات النهب ثم يحميهم بعدها، فهذا الخارج قد أصبح فجأة نصير الديموقراطية والمُدافع عن العدالة. وبدأت تظهر بينهم آلهة محلية مثل «حورس» جزء من الماضي المتحفي (نسبة إلى متحف) ، لتحل محل الماضي العربي الإسلامي الحي، وحتى تتصارع الآلهة المحلية الوثنية (هذا، إذا تم بعث آشور، واللات والعزى) ، كما كان الحال فى الشرق الأدنى القديم قبل الفتح الإسلامي، وهذه هى تماماً الرؤية الصهيونية للمنطقة في عصر ما بعد الحداثة.

هذا هو الإطار المعرفي العام لحركة النظام العالمي الجديد وصهيونية عصر ما بعد الحداثة في الشرق العربي والإسلامي: إنسان اقتصادي مادي لا ذاكرة له - ينسى التاريخ والهوية - مرن - قادر على التفاهم مع الجميع حسبما تمليه عليه الحسابات الاقتصادية الرشيدة. وهو شرق عربي مرن، إجرائي، قادر على الدخول في علاقة طبيعية مع إسرائيل وعلاقة حميمة مع الغرب، ولكن إسرائيل هي الأخرى لابد أن تتعدل هويتها لتتحول من قاعدة نشيطة للنظام العالمي الإمبريالي القديم إلى قاعدة لا تقل نشاطاً للنظام العالمي الإمبريالي الجديد: تخدم مصالح الغرب دون المجاهرة بذلك وتنفذ المخطط الغربي لا من خلال المواجهة العسكرية وإنما من خلال عمليات الإغواء. ولذا يجب أن يتعاظم دورها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي ويجب أن تكون لديها المقدرة على العمل داخل الوضع العربي برمته بهدف المشاركة في التفتيت والتجزئة وفي اقتسام الثروات المائية والأسواق والمشاريع. لكل هذا عليها أن تتسم بقدر عال من المرونة. ومن الممكن جداً أن يضغط الغرب عليها لتقدِّم بعض التنازلات على المستوى السياسي وعلى مستوى القضية الفلسطينية وعلى مستوى الديباجات. فتعلن أنها دولة تبحث بصدق عن السلام، تطلب الدخول في مفاوضات عاجلة. وبدلاً من الحديث عن إسرائيل الكبرى المسلحة سيكون الحديث عن الأهداف المشتركة مثل التنمية الاقتصادية، خارج عقد الهوية والتاريخ.

وقد تُنصَح إسرائيل بالتخلي قليلاً عن لونها اليهودي الفاقع وسياستها الشوفينية الواضحة. والصهيونية، على كلٍّ، أيديولوجيا تابعة تبنت دائماً أحدث الديباجات الغربية. ولذا، فإن صهيونية عصر ما بعد الحداثة، حيث لا ترتبط الدوال بالمدلولات، تصبح صهيونية عنصرية تتسم بالمرونة، توسعية تتسم بسعة الأفق، استبعادية مستعدة للدخول في حوار، وهي صهيونية قادرة على تفهم مطالب الفلسطينيين "المشروعة" (مثل الحاجة إلى فرق مطافئ وفرق فنون شعبية ومجموعة موتوسيكلات وبعض السلع الاستهلاكية) . وإسرائيل لا دينية مرنة واقعية يمكنها أن تلعب دوراً فعالاً فى المنطقة، ويمكنها أن تدخل تحالفات مع النخب الحاكمة العربية (التي يدَّعي بعضها العروبة ويدَّعي البعض الآخر منها الإسلام) دون أن تسبب حرجاً لهم. كما أن مرونتها، وما قد تقدمه من تنازلات حقيقية وشكلية، سيعطي مصداقية للنخب الحاكمة ولكل من يتحدث عن الشرعية الدولية وعن النظام العالمي الجديد كآلية لنشر السلام والعدل فى ربوع الأرض. وأخيراً ستمكِّنها مرونتها وتَفكُّكها أن تلعب دوراً في عملية تحويل العالم العربي إلى سنغافورة، وإن كان الاحتمال الأكبر أن القطار المسرع المتجه إلى سنغافورة سيتوقف في الفلبين أو ربما في شرق أوربا حيث سقطت الأطر القومية والعَقَدية فتحوِّل الإنسان إلى ما يشبه البروتين الحيواني (أو الإنساني فالبروتين هو البروتين، لا تاريخ له، تماماً مثل السوق) . وأصبح قادراً على بيع كل شيء، والتفاوض بشأن أي شيء.

فى هذا الإطار، سيمكن "حل القضية الفلسطينية"، فالجميع سيصبح معتدلاً، متقبلاً لنفس المنظومة القيمية المعرفية، يعرف الهدف من الوجود فى الكون وحدود الحركة والتنمية. ولذا، لابد من التركيز أيضاً على النخبة القائدة الفلسطينية حتى تنبذ الإرهاب، ولتُظهر التعقل وتحاول أن توقف الانتفاضة وتركب القطار العربي المتجه نحو السلام تحت رايات الباكس أمريكانا، إلى أوسلو وسنغافورة.
ولكن إسرائيل رغم أنها ستمجِّد حالة السيولة وتدعو إليها بل وتتبنَّى بعض سماتها إلا أنها يجب ألا تسقط في هذه الحالة تماماً، ولذا يجب أن يتم ضمان تفوُّقها الكاسح عسكرياً على كل دول المنطقة "على أن يظل هذا الدور قوة كامنة واحتياطية تستخدم إذا دعت الحاجة إلى قوة مُستنفَرة على الحدود جاهزة للتدخل فى كل لحظة كما كان الحال فى المرحلة السابقة"، وهذا ما يتم إنجازه من خلال ضرب العراق وأمثاله.

ومن هذا المنظور، فإن العدو الأول للنظام العالمي ليس القومية العربية (الآخذة فى التراجع، وخصوصاً بعد سقوط الدول الاشتراكية وبعد حرب الخليج) وإنما هو كل من يقف ضد الاستهلاكية العالمية، أى الإسلام كأيديولوجيا إنسانية عالمية وكمنظومة قيمية. فمن المنظور الإسلامي، نحن لم نأت إلى هذا العالم كي نبيع أو نشتري وإنما لنأمر بالمعروف وننهي عن المنكر، وقيم الأمانة والكرامة لها ثقل في عقل هذا الإنسان المسلم، فالإسلام رؤية تجعل من العسير على الإنسان أن يرد نفسه إلى النشاطين الأساسيين: أي النشاط الاقتصادي والنشاط الجنسي، ثم يردهما كليهما إلى الطبيعة/المادة، فالإنسان المسلم ليس الإنسان الطبيعي (ذي البُعد الواحد) وإنما هو الإنسان المركب الذي استخلفه الله في الطبيعة كي يعمرها ويسخرها لنفسه وللأجيال القادمة بإذنه تعالى. وفي مواجهة هذه الأيديولوجية الإيمانية، تستعيد إسرائيل دورها التاريخى الذى كادت تفقده، وبدلاً من أن تكون مجرد قاعدة للاستعمار الغربي الرأسمالي، فإنها تصبح ممثلة للحضارة الغربية (الحديثة العلمانية) بشقيها الرأسمالي الحالي والاشتراكي السابق، حائطاً ضخماً يمثل الغرب في الشرق ويقف ضد الهمجية الشرقية، على حد قول هرتزل. فهناك الآن الجمهوريات السوفيتية الإسلامية السابقة التي أصبحت لها دينامية مستقلة نوعاً و"تتهددها" الأصولية الإسلامية، وهناك كذلك بعض النظم العربية التي ترى أن عدوها الأساسي هو هذه الأصولية الإسلامية.

وخلاصة الموقف أن إسرائيل من خلال الديباجات النسبية المعتدلة تحاول أن تجعل المنطقة المحيطة بها لا مركز لها، لا تدور حول لوجوس ولا عقيدة ولا ذاكرة، ومن ثم تتفتت وتصبح منعدمة الاتجاه ويصيبها الخور والوهن. وفي هذه الحالة يظهر الجيش الإسرائيلي باعتباره اللوجوس الأكبر والمركز الوحيد في عالم لا مركز له. (وعلى كل حال، يعلم الجميع بوجود القنابل النووية الإسرائيلية التي لا تتسم بالأخوية أو المحبة أو الندية) وتظهر الأجندة الخاصة بالهيمنة الاقتصادية والسياسية.
ولا شك في أن اتفاقية أوسلو ستساعد الدولة الصهيونية الوظيفية على الاضطلاع بوظيفتها الجديدة كما عرَّفتها لنفسها، كما أن أفكار مثل رفع المقاطعة العربية والسوق الشرق أوسطية ستساعد هي الأخرى في تدعيم الدور الجديد. ولكن كل هذا لن ينجح في حل أزمة الصهيونية، فهي أزمة بنيوية عميقة - كما أسلفنا - لا يمكن حلها إلا بطريقة بنيوية شاملة. كما أن اتفاقية أوسلو لن تحل بأية حال إشكالية شرعية الوجود، رغم أنها أول انتصار تحققه إسرائيل على هذا المستوى.
المفهوم الصهيوني/الإسرائيلي للصراع العربى الإسرائيلى
‏Zionist-Israeli Concept of Arab- Israeli Conflict
لإدراك الأبعاد الحقيقية للمفهوم الصهيوني/ الإسرائيلى للسلام قد يكون من المفيد العودة إلى أحد المؤتمرات الصهيونية الأولى (في عشرينيات هذا القرن) حين طرح أحد المستوطنين الصهاينة السؤال التالي: هل تريد الحركة الصهيونية الحرب مع العرب أم لا؟ وطرح السؤال على هذا النحو يُلقي كثيرًا من الضوء على القضية موضع البحث: فهل السلام مسألة إرادة ورغبة، أم أنها مسألة بنية تشكَّلت على أرض الواقع، لها حركية مستقلة، تدوس كل من يقف في طريقها، بما فى ذلك دعاة السلام من المستوطنين الصهاينة؟

ومن الواضح أن المستوطنين الصهاينة، في لحظات صدق كثيرة، تجاوزوا الاعتذاريات الصهيونية البلهاء وأدركوا أن الأرض مأهولة وأنهم جاءوا لاغتصابها وأن أهلها لذلك سيشتبكون معهم دفاعاً عن حقوقهم. ففي خطاب له في 9 يولية 1936 أمام اللجنة السياسية لحزب الماباي عرَّف موشيه شاريت الثورة العربية بأنها ثورة الجماهير التي تمليها المصالح القومية الحقة، وأضاف أن الفلسطينيين يشعرون أنهم جزء من الأمة العربية التي تضم العراق والحجاز واليمن، ففلسطين بالنسبة لهم هي وحدة مستقلة لها وجه عربي، وهذا الوجه آخذ في التغير، فحيفا من وجهة نظرهم كانت بلدة عربية، وها هي ذا قد أضحت يهودية. ورد الفعل ـ كما أكد شاريت ـ لا يمكن أن يكون سوى المقاومة. وفي 28 سبتمبر من نفس العام، كان شاريت قاطعًا في تشخيصه للحركة العربية على أنها ثورة ومقاومة قومية وأن القيادة الجديدة تختلف عن القيادات القديمة. كما لاحظ وجود عناصر جديدة في حركة المقاومة: اشتراك المسيحيين العرب بل والنساء المسيحيات في حركة المقاومة، كما لاحظ تعاطف المثقفين العرب مع هذه الحركة، وبيَّن أن من أهم دوافع الثورة هو الرغبة في إنقاذ الطابع العربي الفلسطيني وليس مجرد معارضة اليهود.

وقد توصَّل بن جوريون لنفس النتائج وبطريقة أكثر تبلورًا عام 1938 حين قال: «نحن هنا لانجابه إرهابًا وإنما نجابه حرباً، وهي حرب قومية أعلنها العرب علينا. وما الإرهاب سوى إحدى وسائل الحرب لما يعتبرونه اغتصاباً لوطنهم من قبل اليهود، ولهذا يحاربون. ووراء الإرهابيين توجد حركة قد تكون بدائية ولكنها ليست خالية من المثالية والتضحية بالذات. يجب ألا نبني الآمال على أن العصابات الإرهابية سينال منها التعب، إذ أنه إذا ما نال من أحدهم التعب، سيحل آخرون محله. فالشعب الذي يحارب ضد اغتصاب أرضه لن ينال منه التعب سريعًا ... وحينما نقول إن العرب هم البادئون بالعدوان وندافع عن أنفسنا ـ فإننا نذكر نصف الحقيقة وحسب. ومن الناحية السياسية نحن البادئون بالعدوان وهم المدافعون عن أنفسهم، إن الأرض أرضهم لأنهم قاطنون فيها بينما نحن نريد أن نأتي ونستوطن، ونأخذها منهم، حسب تصوُّرهم» .
كان ثمة إدراك واضح المعالم من جانب الصهاينة لطبيعة الغزوة الصهيونية وطبيعة المقاومة العربية. ولكن السلوك الناتج عن هذا الإدراك كان متبايناً، فكان هناك نمط من الصهاينة أدرك طبيعة الجرم الكامن في عملية تغييب العرب هذه فتنكر لرؤية الصهيونية تمامًاً وتخلى عنها، وعاد إلى أوربا. وهناك كثيرون من حزب بوعالي صهيون (عمال صهيون) عادوا إلى الاتحاد السوفيتي بعد الثورة البلشفية حتى يشاركوا في الثورة الاجتماعية وحتى لا يشاركوا في الإرهاب الصهيوني. ولكن هؤلاء قلة نادرة على ما يبدو، وعلى كلٍّ فإنهم يختفون تمامًا من التواريخ الصهيونية ومن الإدراك الصهيوني، ولذلك فهم لا يؤثرون من قريب أو بعيد في البرنامج السياسي الصهيوني أو سلوك الصهاينة نحو العرب.

وهناك نمط ثان من الصهاينة أدرك طبيعة المقاومة العربية ولكنه لم يطرح رؤيته الصهيونية جانباً، وبذل محاولات يائسة أن يعيد صياغة المشروع الصهيوني بطريقة تستوعب وجود العربي الحقيقي وتأخذه في الحسبان. ولكن من المُلاحَظ أن مثل هذه الشخصيات تحولت بالتدريج إلى شخصيات هامشية، من وجهة نظر صهيونية، تنتمي إلى منظمات هامشية وتدافع عن رؤى هامشية لا تؤثر في المركز أو الممارسات الصهيونية الأساسية. ولعل سيرة يتسحاق إبشتاين وآرثر روبين (وكلاهما كان مسئولا عن الاستيطان الصهيونى) وغيرهما خير دليل على ذلك. فهؤلاء الصهاينة، نظراً لاحتكاكهم الدائم بالواقع العربي، أدركوا مدى تركيبية الموقف فطرحوا صيغاً مركبة نوعاً مثل الدولة ثنائية القومية وطالبوا بالتعاون مع الحركة القومية العربية وأسَّسوا جمعية بريت شالوم ثم جمعية إيحود لإجراء حوار مع العرب يعترف بهم ككيان قومي ولا يتعامل معهم كمجرد مخلوقات اقتصادية. ولكن المحاولات كلها ظلت في نهاية الأمر تعبيراً عن ضمير معذب أكثر منها ممارسات حقيقية. ولعل يهودا ماجنيس من أكثر الشخصيات المأساوية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، فقد أدرك الخلل العميق فى وعد بلفور منذ البداية بإنكاره وتغييبه للعرب، وأدرك مدى عمق الصراع المحتمل بين المستوطنين الصهاينة والعرب؛ ولذا قضى حياته كلها يحاول أن يصل إلى صيغة صهيونية تنيرها لحظة الإدراك النادرة دون جدوى. وانتهى به الأمر أن تنكَّر له مجلس الجامعة العبرية التي كان يترأسها.

ويمكن أن نذكر في هذا السياق آحاد هعام الذي رأى الدماء العربية النازفة فولول وكأنه أحد أنبياء العهد القديم، يستمطر اللعنات على شعبه لم اقترف من آثام. ومع هذا نجده بعد ذلك في لندن مستشاراً لحاييم وايزمان، في الفترة التي سبقت إصدار وعد بلفور، يدلي له بالنصيحة بخصوص كيفية الاستيلاء على فلسيطين، ولا يُذكِّره من قريب أو بعيد بالمقاومة العربية ـ أو بالدماء النازفة. وينتهي به المطاف أن يستقر هو ذاته على الأرض الفلسطينية، بكل ما يحمل ذلك من معان اغتصاب وقهر. ولكنه حتى وهو في فلسطين، بعد وعد بلفور، ظلت تخامره الشكوك بخصوص المشروع الصهيوني وظل موقفه مبهماً حتى النهاية.
وهناك أخيراً النمط الثالث، وهو أكثر الأنماط شيوعًا وهو النمط الذي يؤدي إدراكه لحقيقة المشروع الصهيوني وأبعاد المقاومة العربية إلى مزيد من الشراسة الصهيونية. ولنضرب مثلاً على هذا النمط الصهيوني بفلاديمير جابوتنسكي ـ زعيم الحركة الصهيوني المراجعة ـ الذي أدرك منذ البداية أن الصراع بين الصهيونية كحركة استيطانية مغتصبة للأرض والعرب أمر حتمي، فلم يختبىء وراء السحابة الكثيفة من الاعتذاريات الصهيونية عن الحقوق اليهودية الأزلية، كما لم يختبىء وراء الحجج الليبرالية عن «شراء» فلسطين، أو وراء الحجج الاشتراكية عن «رجعية القومية العربية» وخلافه من الاستراتيجيات الإدراكية (انظر: «الادراك الصهيونى للعرب» ) ، وإنما أكد دون مواربة أن الصهيونية جزء من التشكيل الاستعماري الغربي الذي لم يكن بمقدوره أن يحقق انتشاره إلا بحد السلاح، ولذلك طالب منذ البداية بتسليح المستوطنين الصهاينة (تمامًا مثلما يتسلح المستوطنون الأوربيون في كينيا وفي كل مكان) ، أي طالب بتعديل موازين القوى بطريقة تخدم التحيز الصهيوني. فالعرب ـ حسبما صرَّح ـ لن يقبلوا بالصهيونية (وتحيزاتها ورؤيتها) إلا إذا وجدوا أنفسهم في مواجهة حائط حديدي.

ونفس النتيجة توصَّل إليها بن جوريون، إذ أن إدراكه للمقاومة العربية كان يحيِّده التزامه بالرؤية الصهيونية، ولذا توصل إلى أنه لا مناص من فرض هذه الروية عن طريق القوة وحد السيف. ولذا لم يبحث الزعيم الصهيوني عن سلام مع العرب، فمثل هذا السلام ـ على حد قوله ـ مستحيل، كما أنه لم يحاول أن يعقد اتفاقية معهم، فهذا ولا شك سراب، بالنسبة لبن جوريون، «إن هو إلا وسيلة وحسب، أما الغاية فهي الإقامة الكاملة للصهيونية، لهذا فقط نود أن نصل إلى اتفاق [مع العرب] . إن الشعب اليهودي لن يوافق، بل لن يجسر على أن يوافق، على أية اتفاقية لا تخذم هذا الغرض. ولذا فالاتفاق الشامل أمر غير مطروح الآن، [فالعرب] لن يستسلموا في إرتس يسرائيل إلا بعد إن يستولى عليهم اليأس الكامل، يأس لا ينجم عن فشلهم في الاضطرابات التي يثيرونها أو التمرد الذي يقومون به وحسب وإنما ينجم عن نمونا [نحن أصحاب الحقوق اليهودية المطلقة في هذا البلد] . ثم استمر يقول: لا يوجد مثل واحد في التاريخ أن أمة فتحت بوابات وطنها [للآخرين] . إن تشخيصي للموضوع أنه سيتم التوصل إلى اتفاق [مع العرب] لأنني أؤمن بالقوة، قوتنا التى ستنمو، وهي إن حققت هذا النمو، فإن الاتفاق سيتم إبرامه» . وهكذا تم عقد اتفاقيات «السلام مع العرب» .
ولا يختلف شاريت عن هذه الرؤية التي تذهب إلى أن المثل الأعلى الصهيوني لابد أن تسانده القوة حتى يمكن فرضه على الواقع، وهو أيضاً يتبنَّى سياسة الحائط الحديدي، شأنه في هذا شأن بن جوريون وجابوتنسكى: «لا أعتقد أننا سنصل إلى اتفاق مع العرب حتى تنمو قوتنا. ولكني أعتقد أنه ستحين اللحظة حين نصبح أكثر قوة وسنبرم اتفاقًا ثابتاً مع بريطانيا العظمى، كقوة مع قوة أخرى، وسنصل إلى اتفاق مع العرب كقوة مع قوة أخرى. لكن الشرط الأساسي هو ألا ينظر لنا العرب باعتبارنا قوة محتملة وإنما باعتبارنا قوة فعلية» .

وقد أدرك وايزمان منذ البداية أن أي سلام مبني على العدل، أي يؤدي إلى إعطاء الفلسطينيين كافة حقوقهم السياسية والدينية والمدنية، عواقبه وخيمة، إذ أنه سيؤدي إلى «سيطرة العرب على الأمور» . فلو تم تأسيس حكومة في إطار هذا السلام العادل، فإن العرب سيمثَّلون فيها، وهي حكومة ستتحكم في الهجرة والأرض والتشريع ـ وبذا سيحقق الصهاينة السلام ـ ولكنه «سلام المقابر» (على حد قوله) . والصهاينة شأنهم شأن كل من في موقفهم، كانوا لا يبحثون عن سلام المقابر لأنفسهم، وإنما للآخرين، ولذا فالاتفاق الذي يتحدث عنه جابوتنسكي ثم بن جوريون وشاريت ووايزمان ليس اتفاقاً مع العرب باعتبارهم كياناً مستقلاً له حقوقه وفضاؤه التاريخي والجغرافي إنما هو اتفاق مع طرف آخر تم تغييبه أو ترويضه عن طريق القوة والحائط الحديدي، ولذا فهو يقنع بالبقاء حسب الشروط التي يفرضها الآخر. وهذه رؤية ولا شك واقعية: إذ كيف يمكن أن يتوقع أحد من العرب أن يرضخوا طواعية لرؤية تلغي وجودهم؟

وهذا، على كلٍّ، ما أدركه العرب منذ البداية، فرغم كل البيانات الصهيونية المعقولة عن السلام والحوار والتفاوض والأخوة العربية اليهودية والأخذ بيد العرب، كان العرب يعرفون أن الصهاينة قد رفضوا أن يستقروا في المنطقة باعتبارهم رعايا عثمانيين وأصروا على أن يأتوا تحت راية الاستعمار الإنجليزي ورماحه وبمساعدة جيوشه وبوارجه، وأن وعد بلفور قد منحهم فلسطين، وأشار بشكل عابر إلى حقوق «الجماعات غير اليهودية» ، أي أن الصياغة اللفظية نفسها لوعد بلفور قد قامت بتهميشهم وتغييبرهم على مستوى المخطط، ولم يبق سوى التنفيذ والممارسة. ولم يكن العرب غافلين عن المفاهيم الصهيونية مثل العمل العبري أو عن المؤسسات الصهيونية مثل الكيبوتس والهستدروت والهاجاناه التي تستبعدهم وتستعبدهم وتُغيِّبهم. وفي علاقاتهم اليومية مع مؤسسات حكومة الانتداب كانوا يعرفون أن بوابات وطنهم قد فُتحت على مصراعيها ليهود الغرب ليستوطنوا فيه، كما كانوا يدركون أنه بغض النظر عن نوايا بعض الصهاينة الطيبة وبغض النظر عن إدراكهم لطبيعة المشروع الصهيوني وطبعية المقاومة العربية فإن الواقع الذى كان آخذاً في التشكُّل كان واقعاً صراعياً، فالصهاينة كانوا يهدفون دائماً إلى زيادة عدد اليهود في فلسطين وإلى إقامة كيان اقتصادي اجتماعى (عسكري) منفصل، وفي نهاية الأمر مهيمن.
وقد تنبأ نجيب عازوري، هذا المؤلف الفلسطيني العربي المسيحى الذي كانوا من أوائل من أدرك حقيقة ما يحدث «بأن الصراع سيستمر إلى أن يسود طرف على الآخر» . وهذا الرأي ليس رأياً متشائماً ينكر المثاليات، وإنما هو رأى واقعى تشكل في ضوء الطموحات والممارسة، وفي ضوء ما حدث في الواقع بالفعل.

وقد تنبه أحد زعماء حزب الاستقلال في فلسطين إلى أن الرؤية الصهيونية للسلام مع العرب، مهما بلغت من اعتدال، هي في نهاية الأمر رؤية وهمية (أيديولوجية بالمعنى السلبيى للكلمة) وأن أي تحقُّق لها يعني سلب حقوق العرب. ولذا حينما كتب له يهودا ماجنيس يقترح إمكانية التخلي عن فكرة الدولة اليهودية على أن يسمح لجماعة يهودية أن تتمتع بحكم ذاتي محدود في فلسطين، رد عليه قائلاً: «لا أرى أي شيء في اقتراحاتك سوى استفزاز صريح ضد العرب، الذين لن يسمحوا لأحد أن يقاسمهم حقوقهم الطبيعية. أما بالنسبة لليهود فليس لديهم أية حقوق سوى ذكريات روحية مفعمة بالكوارث والقصص المحزنة. ولذا من المستحيل عقد لقاء بين زعماء الشعبين: العربي واليهودي» .
وكان العرب يدركون تمامًا أن الحديث العذب عن التقدم الزراعي والصناعي وخلافه إنما هو حديث عن التغييب وعن سلب الوطن. إن التقدم في إطار غير متزن من القوة لصالح المغتصب يعني أن العربي سيفقد كل شيء، وبخاصة إذا كان الآخر لا يعترف بالعرب ككيان تاريخي وإنما كمخلوق اقتصادي. ولذا تغيِّر كثير من الشعوب المقهورة إستراتيجياتها التحررية وبدلاً من البحث عن التقدم تفضل الدفاع عن البقاء من خلال التشرنق.

ولعل هذا هو الذي يفسر رفض موسى العلمي لكلمات بن جوريون (الحلوة العذبة) حين تقابلا عام 1936 في منزل موشي شاريت. فطبقاً لما جاء على لسان بن جوريون بدأ الحديث بترديد النغمة (القديمة) التي أعدها عن المستنقعات التي تم تجفيفها، والصحارى التي تزدهر بالخضرة، والرخاء الذي سيعم الجميع. ولكن العربي قاطعه قائلاً: «اسمع ياخواجه بن جوريون، إنني أفضل أن تبقى الأرض هنا جرداء مقفرة مائة عام أخرى، أو ألف عام أخرى إلى أن نستطيع نحن استصلاحها ونأتي لها بالخلاص» . وهنا مارس بن جوريون إحدى لحظات الإدراك النادرة ولم يسعه إلا الاعتراف بأن العربى كان يقول الحقيقة، وأن كلماته هو بدت مضحكة وجوفاء أكثر من أي وقت مضى.
وهكذا أدرك الصهاينة والعرب من البداية أن الصراع بينهما له طابع بنيوي وأدركا أن السلام الذي يعرضه الصهاينة هو سلام المقابر، سلام مبني على الظلم والحرب.
والأمر لا يختلف كثيراً هذه الأيام. فلا يزال السلام المبني على العدل يعني، في واقع الأمر، مشاركة العرب الكاملة في حكم فلسطين، أي أنه سلام المقابر بالنسبة للصهاينة. ولذا يحاول الصهاينة التوصل إلى السلام المبني على الحرب والظلم، وإلى الأمن المبني على الإكراه والعنف.
المفهوم الصهيوني/الإسرائيلي للسلام
‏Zionist-Israeli Concept of Peace
ظلت بنية الصراع العربي الإسرائيلي واضحة حتى عام 1967 مع هزيمة العرب، ومنذ ذلك الحين بدأ الحديث عن "السلام" والرغبة في التسوية من جانب الطرفين. ويرى دعاة السلام أن الرغبة في السلام من الطرفين العربي والإسرائيلي أصبحت قوية وصادقة وحقيقية، وهو أمر قد يكون مفهوماً بالنسبة للعرب (بعد الهزائم المتكررة) . ولكن الأمر بالنسبة للإسرائيليين قد يحتاج إلى قليل من الشرح والتفسير. ويمكننا أن ندرج الأسباب التالية التي ولَّدت لدى الإسرائيليين الرغبة في السلام:

1 ـ لم تأت الانتصارات العسكرية بالسلام للإسرائيليين رغم أن الآلة العسكرية الإسرائيلية وصلت إلى ذروة مقدرتها الحربية، بل إنها أتت لهم بالمزيد من الحروب وتحققت النبوءة القائلة بأن أقصى ما يطمح له المستوطنون الصهاينة هو حالة من "الحرب الراقدة".
2 ـ منطق جيش الشعب (النظامي والاحتياطي) لم يَعُد ممكناً بالسهولة التي كان عليها سابقاً وذلك بسبب مقتضيات الاقتصاد الإسرائيلي في إطار النظام العالمي الجديد والتكنولوجيا المتقدمة.
3 ـ لم يَعُد الإسرائيليون قادرين على تحمُّل الحرب الدائمة والاستنفار المتواصل، باعتبار أن الحرب الخاطفة الساحقة، أي الحرب بدون تكلفة بشرية واقتصادية عالية، لم تَعُد ممكنة.
4 ـ تزايدت تكلفة الحرب وهو ما يعني تزايُد اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة. والولايات المتحدة حليف موثوق به تماماً، ومع هذا بدأت تظهر عليه علامات تثير القلق مثل تزايد المزاج الانعزالي الذي قد يتحول في أية لحظة (بضغط من القوى الشعبوية) إلى تحرُّك سياسي يرفض التورط في مغامرات خارجية وإلى تخفيض المعونات الاقتصادية لحلفائه وعملائه.
5 ـ ومما يزيد الرغبة في السلام عند المستوطنين الصهاينة أن الشعب اليهودي (أي الجماعات اليهودية المنتشرة في أنحاء العالم) قرر عدم ترك منفاه وهو ما يثير قضية سبب بناء المستوطنات أساساً (هذا في الوقت الذي يتزايد فيه العرب في الأراضي الفلسطينية التي احتلت قبل عام 1967) .
6 ـ وقد بدأت تظهر علامات الإرهاق والتذمر بين المستوطنين الصهاينة ويظهر هذا في أزمة الخدمة العسكرية والتكالب على الاستهلاك.
7 ـ بدأ العرب يطورون نظماً هجومية ودفاعية، صاروخية وربما ميكروبية تعادل القوة النووية الإسرائيلية.
8 ـ مسألة التسليم والاستسلام، وبخاصة بالنسبة للفلسطينيين حتى بعد أوسلو، لم تَعُد واردة (مَنْ يستسلم لمَنْ؟) .

9 ـ رغم كل سلبيات اتفاقيات أوسلو إلا أن قيام السلطة الفلسطينية يشكل أول اختراق للعمق الإستراتيجي الإسرائيلي، إذ توجد كتلة بشرية ضخمة (مليونا فلسطيني في الأرض المحتلة بعد عام 1967، مليون في الأراضي المحتلة بعد عام 1948) لها مؤسساتها وإرادتها وطموحاتها.
10 ـ لخص المفكر الإستراتيجي المصري أمين هويدي الموقف في هذه الكلمات: "نحن نعيش الآن كعقارب سامة وضعت في أنبوب واحد ستلدغ بعضها بعضاً قبل أن تموت وتفنى، أو كراكبي سيارة أصبحت في منتصف السفح تحاول أن تصل إلى القمة، فإن سقطت إلى القاع تحطمت بمن فيها. وعليها ـ أي إسرائيل ـ أن تعرف سواء وهي تحت قيادة بيريز أو نتنياهو أنه إن كان في يدها الأرض ففي يدنا السلام، وإن كان بيديهم عناصر القوة ففي يدنا عناصر القدرة من مياه وأرض وسوق وقوة بشرية ورأس مال وغاز ونفط، وإن كان في قدرتهم اختراق الحدود ففي يدنا مقومات الوجود. وعليها أن توقن أخيراً بأنها إن كانت قد فشلت في تحقيق الهيمنة الإقليمية عن طريق استخدام القوة فإن مصيرها لن يكون أفضل حالاً لو أنها حاولت ذلك عن طريق وسائل أخرى".
لا شك إذن في أن الرغبة الإسرائيلية في السلام حقيقية وصادقة. ولكن بنية الصراع لا تزال قائمة، فالدولة الصهيونية هي دولة استيطانية إحلالية، اغتصبت الأرض وحاصرت سكانها. ولا يزال المستوطنون الصهاينة متمسكين بالأرض والسيادة عليها وبمحاولة فرض سلام المقابر على الفلسطينيين. ولذا نرى أن ما حدث هو أن الرؤية العدوانية القمعية لا تزال كما هي والسلوك العدواني والقمعي لم يتغيَّر وما تغيَّر هو الديباجة والخطاب نظراً لتغيُّر الظروف الدولية وظهور النظام العالمي الجديد المبني على التفكيك والإغواء بدلاً من المواجهة المباشرة مع شعوب العالم الثالث. ولذا بدلاً من دق طبول الحرب، فإن الإعداد للحرب يستمر على أن تُعزَف نغمات السلام.

وتبدأ معزوفة السلام الإسرائيلية بالمناداة بالبُعد عن عُقَد التاريخ وأن تتناسى كل دول المنطقة خلافاتها لمواجهة الخطر الأكبر (الاتحاد السوفيتي ـ الإسلام ... إلخ) . وأن نقطة البداية لابد أن تكون الأمر الواقع. وهذا المفهوم يفترض أن إسرائيل ليست التهديد الأكبر، مع أن الأمر الواقع الذي يُطلَب منا أن نبدأ منه يقول عكس ذلك. فهو أمر واقع مؤسَّس على العنف ويؤدي إلى الظلم والقمع وهو ليس ابن اللحظة وإنما هو نتيجة ظلم تاريخي ممتد من الماضي إلى الحاضر. وهذا الظلم والقمع هو مصدر الصراع والحروب والاشتباك. فالمسألة ليست عُقَداً آنية أو تاريخية، وإنما بنية الظلم التي تشكلت في الواقع ولا يمكن تأسيس سلام حقيقي إلا إذا تم فكُّها.
بعد تناسي عقد التاريخ يطالب الصهاينة بوقف المقاومة واستسلام الفدائيين مقابل تسليم بعض المدن والقرى التي لا "تنسحب" منها القوات الإسرائيلية الغازية، وإنما "يُعاد نشرها"، وهذا ما يسمونه «الأرض مقابل السلام» . والقوات الإسرائيلية لا تنسحب، لأن أرض فلسطين هي أرض الشعب اليهودي، والقوات الوطنية لا تنسحب من أرض الوطن وإنما يعاد نشرها فيه وحسب. ولذا رغم اتخاذ هذه الخطوة الرمزية الإعلامية فإن الاستيطان سيستمر على قدم وساق (تحدَّث شامير عن استمرار التفاوض في مدريد لمدة عشر سنوات والمضي أثناء ذلك في الاستيطان) والقدس ستظل عاصمة إسرائيل الأبدية.

إن كل هذه التصورات للسلام تنبع من إدراك أن أرض فلسطين هي إرتس يسرائيل، وأن الإسرائيليين لهم حقوق مطلقة فيها، أما الحقوق الفلسطينية فهي مسألة ثانوية، فالأرض في الأصل أرض بلا شعب. وتتبدَّى هذه الخاصية بشكل واضح ومتبلور في المفهوم الإسرائيلي للحكم الذاتي. وتصوُّر إسرائيل لمستقبل المنطقة لا يختلف كثيراً عن ذلك، فالمركز هو إسرائيل وهي التي تمسك بكل الخيوط، أما بقية "المنطقة" فهي مساحات وأسواق. وإسقاط عُقَد التاريخ هنا يعني إسقاط الهوية التاريخية والثقافية بحيث يتحول العرب إلى كائنات اقتصادية، تحركها الدوافع الاقتصادية التي لا هوية لها ولا خصوصية. هنا تظهر سنغافورة كصورة أساسية للمنطقة وكمثل أعلى: بلد ليس له هوية واضحة ولا تاريخ واضح، نشاطه الأساسي هو نشاط اقتصادي محض. وحينما يتحول العالم العربي إلى سنغافورات مفتتة متصارعة فإن الإستراتيجية الاستعمارية والصهيونية للسلام تكون قد تحققت دون مواجهة ومن خلال "التفاوض" المستمر!
جاء في مجلة نيوزويك الأمريكية أنه بعد أن قبل الرئيس السادات توقيع اتفاقية كامب ديفيد طلب تخصيص رقعة ما في القدس تُرفع عليها الأعلام العربية، فاقترح أعضاء الوفد الإسرائيلي أن تُرفع الأعلام على المقابر العربية، أي أنه اقترح "سلام المقابر". أما ديان فارتفع عن هذا قليلاً ووصف طلب الرئيس السادات بأنه "بقشيش"، أي أنه اقترح سلام السادة والعبيد. وما بين المقابر والبقشيش يقع المفهوم الإسرائيلي للسلام.
بيريز ونيتنياهو ورؤيتهما للسلام
‏Peres and Netenyahu: Their Views of Peace

حدثت تشققات عديدة في الإجماع الصهيوني لأسباب عديدة (عدم تجانس المهاجرين اليهود ـ تزايد الاستهلاكية والعلمنة في المجتمع الإسرائيلي) . ولكن أهم الأسباب هو اندلاع الانتفاضة التي فرضت على عدد كبير من المستوطنين أن يكتشفوا أن الحلم الصهيوني القديم بتوسعيته المستمرة أمر مستحيل، وأنه في إطار النظام العالمي الجديد من الصعب التمسك به وأن مشكلة إسرائيل السكانية (تزايد العرب وتناقص اليهود بسبب الإحجام عن الإنجاب وبسبب جفاف المصادر البشرية في الخارج) آخذة في التفاقم. لكل هذا انقسم الصهاينة فيما بينهم من دعاة التمسك بالأرض المحتلة دون التنازل عن شبر واحد من الأراضي (صهيونية الأراضي) مقابل من يطالبون بالتنازل عن بعض الأراضي نظير الاحتفاظ بالصبغة اليهودية الخالصة للدولة الصهيونية. ولذا يمكن القول بأن الفريق الأول الذي يمثله نيتنياهو (لا يملك رؤية للسلام) أما الفريق الثاني (الذي يمثله بيريز) فله رؤية محددة للسلام. وقد فصَّل بيريز رؤيته هذه في كتابه الشرق الأوسط الجديد فهو يذهب إلى أن السلام لابد أن ينطلق من نوايا جماعية لدى أطرافه المعنية تدفع باتجاه الثقة وتزيل مشاعر الشك والقلق، ومن ترتيبات ومؤسسات مشتركة، فتصبح المنظمات الإقليمية مفتاح الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة. وبالتالي، فإن القضاء على مشكلات الإقليم لا يتم بالاتفاقات الثنائية، بل عن طريق ثورة عامة في المفاهيم. من هنا، يجب أن تعكس السوق الإقليمية المشتركة توجُّهات جديدة في المنطقة بحيث يسود نمط الحضارة الغربي، الذي أصبحت "السوق" بمقتضاه أكثر أهمية من الدول المنفردة، وأصبح الجو التنافسي أهم من وضع الحواجز على الطريق. ولهذا، ينبغي ألا تؤجَّل العلاقات الاقتصادية أو ترتبط بعملية السلام؛ إذ في الإمكان الشروع في تعاون اقتصادي لامتصاص المعارضة السياسية، وفي الإمكان بالتالي أن تقوم العلاقات الاقتصادية بتسويق العلاقات الدبلوماسية.

وهذه الرؤية تقتضي توفير مناخات اقتصادية تطبيعية تهمِّش الشأن القومي التاريخي ( «العقد التاريخية» كما يسمونها، و «الذاكرة التاريخية» كما نسميها نحن) وتلغيه وتُحل محله شأناً جيو اقتصادياً جديداً، وهذا ما دعاه بيريز"الشرق الأوسط الجديد" باعتباره وحدة متكاملة اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، بما يحقق الهدف الإسرائيلي المتمثل في "إسرائيل العظمى" عبر السيطرة على المنطقة ويضمن أمنها عبر موافقة معظم الأنظمة العربية المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ على ضمان أمن إسرائيل (انظر: «السوق الشرق أوسطية» ) . في هذا الإطار يمكن السماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة على جزء من أرض فلسطين المحتلة على أن تظل هذه الدولة خاضعة للاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.
أما رؤية نتنياهو فترفض الفكرة السابقة وتعارض أسلوب بيريز، باعتبار أنها أضعفت السياسة الإسرائيلية وشلتها إستراتيجياً، فالمؤسسات والاتفاقات التي ركزت عليها حكومة بيريز فشلت جميعها في توفير الأمن لإسرائيل، ولذلك لابد من إجراءات أكثر حسماً، وإعادة ترتيب سلم الأولويات وفق رؤية أخرى طرحها نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس ليكون:
1 ـ الأمن قبل الاقتصاد، والأرض ملازمة للأمن (وهو ما يعني استمراراً لفكرة العمق الإستراتيجي) فلابد من وضع أسس جديدة للمفاوضات تستند إلى مبدأ "السلام مقابل السلام" بدلاً من مبدأ "الأرض مقابل السلام" الذي أدَّى إلى تراجُع مكانة إسرائيل الإستراتيجية. وعلى الجيش الإسرائيلي أن يتولَّى مباشرةً حماية الإسرائيليين في أي مكان دون قيود أو حدود. والسلطة الفلسطينية مطالبة بتوفير الأمن لإسرائيل، أما الجولان فهو غير قابلة للتفاوض في هذه المرحلة لأنها تشكل العمق الإستراتيجي لإسرائيل.

2 ـ الاقتصاد قبل السياسة، فإسرائيل القوية هي التي تجذب الاستثمار، وتصبح قوة اقتصادية تقود المنطقة، وتدخل الاقتصاد العالمي دون حاجة إلى جسر شرق أوسطي لأنه جسر الفقراء. ولكن شعار "الأمن قبل الاقتصاد" لا يلغي الاقتصاد أو يغفله، لأن عنصر الأمن الداخلي الإسرائيلي هو الشرط الأساسي لجذب الاستثمار وازدهار الاقتصاد. وترفض هذه الرؤية فكرة أن تراجع عملية التسوية يمكن أن يؤدي إلى تراجُع معدلات النمو الاقتصادي في إسرائيل، لأن الهجرة اليهودية ستواصل تحريك الاقتصاد الإسرائيلي بجانب التطور التكنولوجي والمساعدات الخارجية.
3 ـ السياسة قبل السلام، فالسلام يجب أن يُبنَى على مرتكزات موضوعية راسخة بصرف النظر عن القادة والزعماء، لأن الفرق بين إسرائيل والعرب هو الاختلاف في القيم السياسية المتعلقة بالديموقراطية وحقوق الإنسان. وتنطلق هذه الرؤية مما أشار نتنياهو إليه في كتابه من أن "السلام" الذي يمكن تحقيقه في الشرق الأوسط هو السلام المبني على الأمن، أي الردع، إذ أن إسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة، في حين أن الدول العربية جميعها ذات نظم استبدادية، وبالتالي فإن "سلام الردع" هو البديل الوحيد الممكن، فكلما بدت إسرائيل قوية أبدى العرب موافقتهم على إبرام سلام معها. لذا، فإن الأمن، أي قوة الردع المعتمدة على قوة الحسم، هو العنصر الحيوي للسلام، ولا بديل عنه.

وثمرة هذا الموقف هو غياب أية إستراتيجية للسلام. وكما يقول عزمي بشارة: "إن الليكود يكتفي بطرح الحكم الذاتي الموسع على الفلسطينيين في ظل السيادة الإسرائيلية. ويكتفي في الحالة السورية بمحاولة التوصل إلى اتفاق أمني في لبنان في هذه المرحلة لا يقود بالضرورة إلى اتفاق سلام، بل يضمن الأمن الحدودي كما في الجولان. وفي الحالة الفلسطينية، لا يقبل الليكود الأرض مقابل السلام، ويطرح مقابلها السلام مقابل السلام، أما في الحالة اللبنانية، فإنه مستعد لإعادة الأرض دون السلام: الأرض مقابل الأمن فقط".
أعراض بركوخبا
‏Bar Kochba Syndrome
«أعراض بركوخبا» عبارة نحتها المفكر الإسرائيلي يهوشفاط هركابي ليصف الحالة العقلية للإسرائيليين في مواجهة الأزمات. وقد توجَّه كثير من المفكرين الإسرائيليين إلى قضية الشخصية الإسرائيلية إبَّان الانتفاضة المباركة. وقد أعاد بعض هؤلاء طرح قضية عجز اليهود وافتقارهم للسلطة وذهبوا إلى أن الإسرائيليين، بل الشعب اليهودي بأكمله، يفتقرون إلى تقاليد الدولة، أي ممارسة الحكم (وهذا يعني افتقارهم إلى الحس التاريخي) .

ومن أهم الشخصيات التي توجَّهت بالنقد للشخصية الإسرائيلية يهوشفاط هركابي، فهو يذهب إلى أن الإسرائيليين يميلون نحو إضفاء طابع ذاتي على عناصر النجاح فيقول: "إن مشكلة إسرائيل ليست سياسية دائماً، وإنما وراء سياسية (ميتاسياسية) وتكمن في تَشوُّه تفكيرها الأساسي: تمجيد الوهم ـ القصور في إدراك أن الواقع تحدَّد بحدود الممكن، وأن ما هو غير واقعي لا يوجد ولن يوجد ـ تمجيد الإدارة الطوعية أو الإرادية كما لو كان هذا كافياً لتحقيق الأهداف. نحن نرفض معطيات الواقع دون أن ندرك أن العدو له إرادة لابد أن تؤخذ في الحسبان، ونضع سياستنا بشكل مجرد، حسب احتياجات الصهيونية كأننا نعيش في فراغ [الأسطورة المعادية للتاريخ] ونتجاهل النظام العالمي والأمن ومتطلباتهما من الآخرين. وكل هذا نابع من ضيق أفق يتعارض مع التاريخ".
هذا الوصف "فقدان الارتباط بالواقع" يبدو أنه "كتالوج" جاهز عند هركابي. فقد ذكر في طي نقده للشخصية العربية أشياء من هذا القبيل. ولكن الطريف هذه المرة أنه لا يكتفي بانتقاد الشخصية الإسرائيلية ولا يكتفي بأن ينسب لها هذا الإغراق في الذاتية والأسطورية وإنما يرى أن الشخصية العربية لا يمكنها أن تسقط في هذه الذاتية المعادية للتاريخ، ويقول: "إن العوامل الموضوعية التي تعبِّر عنها أعداد العرب الهائلة واتساع أرضهم قد أنقذتهم من الاضطرار للجوء للعناصر الذاتية لضمان النجاح! بكل ما يتضمن هذا من تشويه للواقع ... إن الاتجاه العربي هو دائماً نحو التمثل الزمني للعناصر الموضوعية التي تضمن نجاحهم". (وهذه الأقوال تفصلها مسافة شاسعة عما قاله عنا في أواخر الستينيات) .

هذا الانغماس في الذاتية يعبِّر عن نفسه ـ في تصوُّر هركابي ـ في اتجاه انتحاري بين الإسرائيليين. فالقضية التي تواجههم ليست أن دولتهم ستتحوَّل إلى دولة «أبارتهايد» ، وإنما القضية هي أنهم لن يكونوا إذا ما استمروا متخندقين في الأسطورة الخاصة. ويضرب هركابي مثلاً مشابهاً وهو ما حدث لليهود إثر التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان (125 ـ 132م) . فأعضاء هذا التمرد دخلوا الحرب تدفعهم حمى مشيحانية ترى أن نهاية الأيام (أو التاريخ) وشيكة. وقد أعلن بعض الحاخامات أن بركوخبا زعيم التمرد هو الماشيَّح. وبدون حساب موازين القوى أو معرفة مدى قوة الرومان أعلن بركوخبا وأتباعه التمرد على روما فتم القضاء عليهم وعلى ثورتهم وعلى البقية الباقية من الوجود اليهودي الهزيل في فلسطين. ويُسمِّي هركابي مرض الذاتية هذا الذي يؤدي إلى الانتحار «أعراض بركوخبا» ، وهو ينصح الإسرائيليين بتغيير هذا الجانب من شخصيتهم القومية.
أعراض ننتنياهو: الإدراك الإسرائيلي للسلام في الوقت الحاضر
‏The Netentyahu Syndrome: Israeli Perception of Peace at the Present
الحديث عن «السلام» في الظروف القائمة في الشرق الأوسط وفي ظل الموازين الراهنة كان تجاوزاً في حق المعنى الذي تدل عليه الكلمة! ذلك أن السلام لم يكن القضية المطروحة لا من جانب بيريز ولا من جانب نتنياهو.
إن السلام ـ لكي لا يَنْسى أحد ـ يقيمه توازن في القوى تشعر معه كل الأطراف أن لها مصلحة فيه تُعطي من أجلها بمقدار ما تأخذ. إذن فإن السلام قسمة متكافئة، وخصوصاً حين تلتحق به أوصافه الطبيعية كالعادل والشامل. أما حين تميل الموازين وتُرجَّح تماماً لصالح طرف واحد، فإن هذا الطرف لا يكون مسعاه من أجل السلام، وإنما يكون مسعاه من أجل تثبيت وترسيخ انتصاره، أي أن هدفه يصبح النصر وليس السلام.

والحاصل أن هذه النقطة هي مكمن الاتفاق ومكمن الخلاف في اللحظة نفسها بين بيريز ونتنياهو. كلاهما يشعر أن إسرائيل في وضع يسمح لها بتجاوز حدود السلام إلى حدود النصر. لكن بيريز له رؤية في تثبيت وترسيخ النصر تعتمد على حلم شرق أوسطي مركزه إسرائيل. أما نتنياهو فله رؤية في تثبيت وترسيخ النصر تعتمد على أولوية أن تكون "كامل أرض إسرائيل" هي القاعدة التي يتحلق حولها الشرق الأوسط بحقائق القوة، وهذا هو إطار الحلم الشرق أوسطي! أي أن كلاً من الرجلين لا يتحدث عن السلام بالمعنى الذي يتصوَّره العرب، وإنما يتحدث عن نصر جاء وقته وتسمح الموازين الآن بتثبيته وترسيخه. وفي هذه النقطة وليس في غيرها ينحصر الخلاف بين الرجلين: ليس عن السلام وإنما عن النصر! أولهما بحلم الشرق أوسطية يفتح الأفق الأوسع، والثاني بحلم كامل أرض إسرائيل يصنع المركز القاعدة!
وصوَّت الناخبون في إسرائيل، وظهرت نتائج أصواتهم، وكان انحيازهم واضحاً لنتنياهو. والتحليل التفصيلي لمعنى الأرقام التي حَمَلت نتنياهو إلى رئاسة الوزارة في إسرائيل كاف لإظهار عدة حقائق:
1 ـ أن إسرائيل تعرف نفسها كمجتمع حرب ولكنها لا تعرف نفسها كمجتمع سلام.
2 ـ أن هذا المجتمع لا يريد أن يدفع مقابلاً للسلام، وإنما يريد ـ كما يُقال ـ أن يعطي "السلام مقابل السلام". وهذا معناه بالضبط تثبيت وترسيخ النصر دون حاجة إلى تكافؤ في المبادئ أو في المصالح، بعد أن بطَل التكافؤ في موازين القوى.
3 ـ أن هذا المجتمع ليس جاهزاً لكي يبت في المؤجلات المعلقات وهي كثيرة (المستوطنات ـ اللاجئون ـ الحدود النهائية) .

ثم إنه ليس مستعداً على الإطلاق لإعطاء شبر من الأرض في القدس مع العلم بأن أقصى ما كان يفكر فيه بيريز هو رفع علم عربي ـ أي علم عربي أو إسلامي! ـ على المسجد الأقصى، ورفع علم الفاتيكان على كنيسة القيامة. وحينما جرى الإلحاح عليه في أن الرأي العام العربي يريد القدس الشرقية، كان اقتراحه ـ جاداً ـ إنشاء مدينة جديدة بين رام الله والقدس يُطلَق عليها اسم «القدس العربية» ، وذلك يحل المعضلة!
4 ـ إن هذا المجتمع يريد إسرائيل دولة يهودية، ولعل متابعة عدد الأصوات طوال نهار الانتخابات ودراسة حركة الإقبال مع ساعات هذا النهار توضحان:
أ) أن هذا المجتمع يرفض أن ينجح رئيس وزرائه بأصوات عربية.
ب) أن هذا المجتمع يرفض ـ مع ملاحظته لاتجاه الأصوات العربية ووزنها ـ أن يقبل تحويل إسرائيل إلى دولة متعددة القوميات.
5 ـ أن هذا المجتمع في إسرائيل لا يستطيع أن يعيش إلا بالأسطورة التوراتية رغم كل مظاهر التقدم في حياته، والدليل أنه في هذه الانتخابات الحاسمة كان المستفيد الأساسي بمعايير القوة هو الأحزاب الدينية. فكل الأحزاب التي تقول بالعصر ـ مهما كانت درجة استيعابها للعصر ـ فَقَدت من مقاعدها، سواء في ذلك الليكود أو العمل. أما الأحزاب التي ربحت فهي أحزاب: شاس (10 مقاعد) ، والحزب الديني القومي (9 مقاعد) ، وإسرائيل بعاليا (7 مقاعد) ، وحزب المفدال (وإليه ينتمي قاتل رابين) (4 مقاعد) ، وحزب موليديت (مقعدان) . وهذه هي الأحزاب المرجحة لأي ائتلاف حكومي في إسرائيل، لأن المجتمع لا يأتمن حزباً واحداً بأغلبية كاملة، أو حزبين مع احتمال ائتلاف صريح بينهما.

6 ـ إن هذا المجتمع ـ رغم ذلك ـ يريد وجوهاً جديدة. وبموت موشى ديان، واغتيال إسحق رابين، وسقوط شيمون بيريز، فإن الجيل الأول بعد جيل المؤسسين (وايزمان ـ بن جوريون ـ بيجين) قد اختفى من الساحة، بينما يتقدم جيل جديد في الخمسين من عمره أو أقل. فتلك هي القاعدة التي تؤمن بها المجتمعات التي تعرف قيمة تعاقب الأجيال، حتى إن كانت من نوع هذا المجتمع الغريب الأقرب ما يكون بكتله وأفراده، وتصرفات الكل وسلوكهم، إلى المجتمعات القَبَلية رغم التكنولوجيا العالية.
ومن اللافت للنظر أن كل الذين بقوا من الجيل القديم (الجيل الثاني بعد المؤسسين) كانوا، وبغير استثناء، من معسكر الحرب وليسوا من معسكر السلام. وتكفي في ذلك الإشارة إلى الجنرالات: شارون، وموردخاي، وإيتان. وهم جميعاً رجال مارسوا القتل بأيديهم خارج ميادين القتال في أكثر الأحوال، وكلهم اقتحموا طريقهم إلى أهم المواقع في الوزارة الجديدة عنوة في معظم الأحيان، وابتزازاً في أحيان أخرى!
7 ـ إن المفارقة الكبرى التي تلفت النظر على ساحة الصراع العربي ـ الإسرائيلي في هذه الظروف هي: أن العرب راجعوا أنفسهم ـ بحق أو بغير حق ـ في خطاب الحرب، وقبلوا خطاب السلام. وأن الإسرائيليين لم يراجعوا أنفسهم ـ عملاً وفعلاً ـ في خطاب السلام، بل إنهم في لحظة الحقيقة أعرضوا عنه وأثبتوا أنه ليس اختيارهم الطوعي أو الطبيعي!
ولم يكن هناك ما يغفر لبيريز: لا قربه من بن جوريون منشئ الدولة، ولا إشرافه على المشروع النووي الإسرائيلي حاميها النهائي، ولا حصوله على اتفاق أوسلو وأبسط ما فيه تحقيق الشرعية القانونية النهائية لقيام الدولة اليهودية، وهي اعتراف صاحب الحق الفلسطيني بالرضا والقبول والتوقيع بأن ملكيته انتقلت إلى مالك آخر: إسرائيل!
المفهوم الصهيوني/الإسرائيلي للحكم الذاتي
‏Zionist-Israeli Concept of Self-Determination

يدور المفهوم الصهيوني/الإسرائيلي للحكم الذاتي داخل الإطار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، الذي يرى أن فلسطين أرض بلا شعب، وأنه إن وُجد فيها شعب فوجوده عرضي، وأن هذا الشعب لا يتمتع بنفس الحقوق المطلقة التي يتمتع بها المستوطنون الصهاينة.
وقد تفرَّع عن هذا الإطار الكلي عدة أفكار صهيونية مختلفة بشأن الدولة الفلسطينية قد تبدو متضاربة ولكنها في واقع الأمر تتسم بالوحدة. ولتبسيط الصورة حتى يمكن تناولها بشيء من التحليل سنقسِّم المواقف الصهيونية المختلفة إلى ثلاثة، يقترب أولها من الحد الأقصى الصهيوني أي تغييب العرب ويكاد يلتصق به، ويبتعد ثالثها عنه حتى يبدو كأنه نقيض، ويقف ثانيها في نقطة اعتبارية متوسطة بينهما. وقد اخترنا شموئيل كاتس ـ أحد مؤسسي حركة حيروت وقد شغل منصب مستشار رئيس الوزراء مناحم بيجين عام 1978 كممثل للنموذج الأول. وليُعبِّر كاتس عن وجهة نظره في الدولة الفلسطينية يقتبس كلمات بن جوريون الذي يشير فيها إلى «تاريخ اليهود» وإلى "بلاد اسمها يهودا وهي التي نسميها أرض إسرائيل ... إن هذه البلاد جعلت منا شعباً، وشعبنا خلق هذه البلاد". ويضيف كاتس: "خلال مئات السنين هذه التي تخللتها عمليات قتل وطرد وتمييز ومستوى معيشي سيء لم يتأثر الوجود اليهودي في فلسطين ولم يتخل اليهود عن عاداتهم وتقاليدهم".

وخلال هذه الفترة "لم يتأثر التراث اليهودي كما لم تتأثر الثقافة اليهودية أي اللغة العبرية التي بدأ استعمالها في القرن العاشر في طبرية". ونحن لن نحاول تفنيد هذه الأفكار الصبيانية أو الرد عليها فهي من التفاهة بحيث لا يصح أن ينشغل المرء بها إلا بمقدار كونها مؤشراً على حدود صاحبها الإدراكية. وكاتس لا يرى سوى حضور يهودي كامل وثابت عبر التاريخ يقابله غياب عربي كامل. وهذا هو الحد الأقصى الصهيوني الذي ينكر العرب تماماً، فالبشر الذين وُجدوا في فلسطين ليسوا فلسطينيين وإنما مجرد مهاجرين من البلاد المجاورة (عناصر متحركة) .
أما النموذج الثالث فيمثله مائير بعيل، وهو من نشطاء مابام، ومن المنادين بالصهيونية ذات الديباجة اليسارية. وأطروحاته العقائدية وإطاره التاريخي لا يختلفان عن أطروحات وإطار كاتس، فهو يُعرِّف الحركة الصهيونية بأنها حركة تحرُّر وطني (أي حركة تغييب للفلسطينيين) . وقد امتازت الصهيونية "بأنها ضمت يهوداً من مختلف الاتجاهات والميول رأوا بأعينهم هدفاً مشتركاً هو جمع شتات الشعب اليهودي وبناء أمة يهودية متجددة على أساس العمل العبري في أرض إسرائيل". فبعيل ينطلق إذن من الإيمان بأن للشعب اليهودي حقوقاً تاريخية كاملة في أرض إسرائيل. ثم يُفسِّر وجود الشعب الفلسطيني في أرض فلسطين على أساس صهيوني "فلولا قيام الحركة الصهيونية لما ظهر الفرع الفلسطيني التابع للحركة القومية العربية. ويمكن الاعتقاد بأن مجيء اليهود إلى أرض إسرائيل واستيطانهم فيها كان الحافز الذي أدَّى إلى نشوء الكيان الفلسطيني". بل إنه يؤكد أن "من الصعب أن نتصور اليوم كيف كانت ستبدو الأوضاع في أرض إسرائيل لو لم يتحقق فيها الفكر الصهيوني".

فوجود الفلسطينيين ـ حسب تصوُّره ـ عرضي وتابع للوجود الصهيوني، ولكنه ـ وهنا مصدر الاختلاف بينه وبين كاتس ـ ليس بالضرورة زائلاً، فهو يرى أن بعض الصهاينة قد اعترفوا بحقوق الشعب الفلسطيني "بصفته يمتلك حقوقاً طبيعية في بلاده". ولا ندري ما الفارق بين حقوق اليهود التاريخية وحقوق العرب الطبيعية، ولكن ما يهمنا في سياق هذا المدخل أن ثمة اعترافاً ما بوجود العرب وبحقوقهم. وهذا الاعتراف نابع من خوف عميق من أن العنصر الفلسطيني داخل الدولة الصهيونية يهدد هويتها اليهودية ويهدد الطبيعة الإحلالية للكيان الصهيوني، بل إن بعيل يطرح السيناريو التالي: "هناك مخاوف من أنه إذا استمرت سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة سوف تشتد حدة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، لتصل حمى المقاومة إلى العرب الإسرائيليين المقيمين في المثلث الصغير وفي الجليل بحيث يطلب عرب إسرائيل بعد جيل أو جيلين الانضمام إلى المطالبين بحق تقرير المصير للفلسطينيين".
ولكن كيف يمكن التصدي لهذا التيار وتلك الحمى؟ يرى بعيل "أن ذلك يتم من خلال إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل ... وكلما سارعت إسرائيل في تقديم مبادرة السلام المقترحة للشعب الفلسطيني كان أفضل لها". ثم يأتي بعد ذلك بحشد هائل من التفاصيل عن الجمارك والكهرباء وعن ارتباط الدولة الجديدة بالأردن، إذ لابد أن تولد الدولة مقيدة.

أما شلومو أفنيري فهو مثال جيد للنموذج الثاني "الوسط". وأفنيري من كبار المفكرين السياسيين الإسرائيليين (شغل منصب مدير عام وزارة الخارجية في حكومة العمال بين عامي 67 ـ 1977) . وهو يتحدث أيضاً عن أرض إسرائيل ذات التراث اليهودي المجيد وأرض الخلاص بالنسبة لليهود. والصهيونية هي الحركة القومية اليهودية التي ستقوم بعملية الخلاص هذه (وهو في واقع الأمر تخليص الأرض وتغييب أصحابها الأصليين، أي العرب) . وهو يرى أن المطالب الصهيونية خضعت لقرار التقسيم لأن "أحداً في العالم لم يكن يؤيد المطالب اليهودية"، أي أنه كان خضوعاً عملياً لا علاقة له بالمبادئ الكلية والنهائية. ثم يضيف إلى هذا ديباجات أخلاقية عن "أن الصهيونية تجد صعوبة في المطالبة بحق تقرير المصير لنفسها، ومعارضة منح هذا الحق لفئة سكانية أخرى". ويُسمِّي افنيري نفسه بأنه من أتباع الصهيونية السوسيولوجية (مقابل صهيونية الأراضي) وهي صهيونيه تهتم بالطابع اليهودي للدولة، أما صهيونية كاتس فتركز اهتمامها على ضم الأراضي، ومن هنا حديث «المعتدلين» عن الأرض مقابل السلام. ولكن مهما كانت الأسباب (الضغوط الدولية أو عذاب الضمير الصهيوني أو الخوف على الطابع اليهودي للدولة) فإن افنيري يطرح الحل التالي الذي يسميه حلاً وسطاً: "لا دولة إسرائيل الكاملة ولا دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل استعداد بعيد الأثر لقبول الحل الوسط في إطار حل أردنى ـ فلسطيني". ولعل هذه النماذج الثلاث تغطي كل الاتجاهات السياسية الإسرائيلية تجاه الدولة، مع اختلاف طفيف في الديباجات، فجوش إيمونيم والليكود ينتميان للنموذج الأول بينما تنتمي بعض الأحزاب الصغيرة الليبرالية ومابام للنموذج الثالث، وينتمي المعراخ للنموذج الثاني. فالعمل يقبل التفاوض على الأرض، ويطرح فكرة إمكانية تقديم تنازلات إقليمية في أراضي الضفة والقطاع.

رغم كل الاختلافات بين الاتجاهات الصهيونية الثلاث إلا أنه يجب ملاحظة الوحدة بينهم التي تتبدَّى فيما يلي:
1 ـ يُلاحظ أن جميع الصيغ الصهيونية، المتطرف منها والمعتدل، اليميني منها واليساري، لا تتوجه البتة لقضية الفلسطينيين الذين طُردوا عام 1948 واستوطنوا سوريا ولبنان والأردن ومصر وأنحاء أخرى متفرقة من أنحاء العالم العربي، ولا تذكر بتاتاً قضية الفلسطينيين الذين يطالبون بحقوقهم في حيفا ويافا وعكا وكل بقعة في أرض فلسطين المحتلة والذين صدر قرار من هيئة الأمم لتأكيد حقهم في العودة إلى ديارهم أو التعويض لمن لا يريد العودة.
2 ـ لا يتحدث الصهاينة البتة عن الأراضي خلف الخط الأخضر التي خصصها قرار التقسيم للفلسطينيين مثل الجليل وغيرها من المناطق. وهكذا حوَّل الخطاب الصهيوني الخط الأخضر إلى مطلق صهيوني جديد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلينا قبوله والخضوع له. وهذا أيضاً أمر منطقي ومفهوم، فالتفاوض بشأن الأراضي فيما وراء الخط الأخضر وبشأن حق العرب في السكنى في فلسطين المحتلة قبل 1948 هو في واقع الأمر تفاوض بشأن فك الكيان الصهيوني.

3 ـ يُلاحَظ أن كل الحلول مبنية على فكرة القسر والخضوع، وأن أحد الأطراف سيدفع الطرف الآخر مضطراً للتسليم بوجهة نظره. فالصهاينة يرون أن رؤيتهم للتاريخ هي الرؤية الوحيدة السليمة التي لا يمكن التراجع عنها على مستوى العقيدة حتى لو تم التراجع عنها على مستوى الإجراءات البرجماتية. وقد لخص ذلك الموقف أهارون ياريف بقوله: "الصهيونية هي حركة التحرر الوطني للشعب اليهودي.. اصطدمت بالحركة القومية العربية عامة والحركة القومية الفلسطينية خاصة". ولكنه يضيف: "إن أقوالي هذه لا تنطوي على تنازل أو استعداد للتنازل عما نعتبره حقنا التاريخي في إرتس يسرائيل وفي علاقتنا التاريخية بها". هذا الموقف المبدئي السائد في صفوف الجميع يخلق استعداداً كامناً دائماً لدى كل الصهاينة، مهما كان موقعهم على خريطة المُتصل الإدراكي السياسي، أن ينزلقوا دائماً نحو تغييب العرب وإنكار حقهم في إنشاء دولة حقيقية خاصة بهم إن سنحت الظروف، كما أنه يضفي صفة الشرعية على موقف دعاة إسرائيل الكبرى. فالأصل في الموقف الصهيوني هو ابتلاع كل الأرض وتغييب كل العرب، والاستثناء هو المرونة والاستعداد للتفاوض بشأن الأرض خارج الخط الأخضر وبشأن الفلسطينيين خارجه. ولعل هذا يفسر كيف أن الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية قد بدأ إبان حكم العمال المعتدلين وأنهم اعتمدوا ملايين الدولارات لإنشاء مستوطنات هناك في الأرض نفسها التي بدأ بيريس بالإعلان عن استعداده للتنازل عنها مقابل السلام.

في هذا الإطار ظهر مفهوم الحكم الذاتي الذي يرى أن الحقوق اليهودية في فلسطين مطلقة، أما الحقوق الفلسطينية فليست أصيلة. فالأرض ملك للشعب اليهودي وقد تَصادَف وجود شعب فيها. ولذا فإن أية حقوق تُمنح للفلسطينيين هي من قبيل التسامح الصهيوني أو التكيف البرجماتي مع أمر واقع وتعبيراً عن هذا تقرَّر فصل الشعب (العرضي الزائل) عن الأرض الصهيونية. ولذا فالحكم الذاتي هو تعامل مع بشر وليس مع أرض ومنح السكان بعض الحقوق دون أن يكون على الأرض ظل من السيادة فالحكم الذاتي باختصار حكم للشعب دون الأرض. ولذا فالسلطة الفلسطينية ليس لها سلطة على المجال الجوي أو موارد المياه في الأراضي وليس من حقها تشكيل جيش فلسطيني. والفلسطينيون يعيشون في مدن وقرى أشبه بالمعازل في المناطق كثيفة السكان إذ تظل إسرائيل المسئولة عن الأمن في كل المناطق وتحديد المعابر والشواطئ والطرق الرئيسية. فالحكم الذاتي قد منح الفلسطينيين درجة من الاستقلال على أن تبقى الصلاحية في أيدي الصهاينة.
وقد وُصفت السلطة الفلسطينية بأنها أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة. فقال أحد الكُتَّاب العرب إن الحكم الذاتي يعني، في واقع الأمر، قيام محمية إسرائيلية تخدم المصالح الإسرائيلية. وقد شبَّهه نتنياهو بالنظام السياسي القائم في أندورا وبورتوريكو (وهي دولة حرة تابعة للولايات المتحدة يحمل سكانها الجنسية الأمريكية دون أن يكون لهم حق التصويت في الانتخابات) . ولعل بورتوريكو قد لاقت هوى في نفس نتنياهو لأنها جزيرة وليست جزءاً من الأرض الأمريكية، فهي بمنزلة معزل لسكانها. وقد وصف أحدهم الحكم الذاتي بأنه يُعرِّف فلسطين بأنها 500 قرية وثماني مدن رئيسية تفصل بينها طرق التفافية وتديرها إسرائيل وفق تصوُّرها للأمن، أي أن الوطن الفلسطيني تم تفكيكه ليصبح معازل، تماماً كما فُكِّك مفهوم الفلسطيني ليصبح كائناً اقتصادياً لا انتماء له.

ونحن نرى أنه قد يكون هناك نقط تشابه كبيرة بين التصور النازي والصهيوني للحكم الذاتي، فالنازيون أسسوا جيتوات كانت تأخذ شكل مناطق قومية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال. فكان يتم إخلاء رقعة من إحدى المدن من غير اليهود ثم يُنقَل إليها عشرات الآلاف من اليهود ويُعاد نشر القوات النازية وتُسلَّم لسلطة يهودية شبه مستقلة تُسمَّى «مجلس الكبراء» (كانت السلطات النازية تعيِّن أعضاءه) . وكان لجيتو وارسو (أهم المناطق القومية) طوابعه وشرطته (التي كانت تحرس مداخل الجيتو مع الشرطة البولندية والنازية) . وكانت الشرطة اليهودية متعاونة تماماً مع النازيين في كبح جماح اليهود. وكان للجيتو اقتصاده " المستقل " الذي كان يعتمد اعتماداً كاملاً على النظام النازي. فقد كان الجيتو يقوم باستيراد كل ما يحتاجه من مواد صناعية أو غذائية من سلطة الاحتلال النازية على أن يسدد ثمن الواردات بالمنتجات الصناعية التي كان الجيتو ينتجها، أو الخدمات التي كان يؤديها بعض أعضائه. ولكن وضع التبادل لم يكن متكافئاً، فقيمة السلع التي كان الجيتو ينتجها والخدمات التي كان أعضاؤه يؤدونها كانت دائماً دون حد الكفاف، وهو ما كان يعني سوء التغذية وتزايد الفقر ويؤدي إلى الموت جوعاً، وبذلك كانت تتم إبادة اليهود بالتدريج وببطء دون أفران غاز.
ومع هذا لابد أن ندرك أن ثمة فروق قد لا تكون جوهرية ولكنها كبيرة بين رؤية حزب العمل والرؤية الليكودية للحكم الذاتي تنبع من تصورهم لوضع إسرائيل الدولي والمحلي ومقدرتها على قمع الفلسطينيين وتحقيق الأمن لنفسها. وهذه الفروق تعبِّر عن نفسها في البرامج السياسية لكلا الحزبين. ومع هذا من الملاحظ أننا حينما ننتقل من عالم النظرية والبرامج إلى عالم الممارسة فإن نقط الاتفاق والإجماع تؤكد نفسها على حساب نقط الاختلاف.

إسرائيل المستوطن الصهيوني - أزمة الصهيونية والمسألة الإسرائيلية - المسألة الفلسطينية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

المسألة الفلسطينية
‏The Palestinian Question
«المسألة الفلسطينية» مصطلح قمنا بسكه لنشير إلى تلك المشكلة التي نجمت عن وصول كتلة بشرية من المستوطنين الصهاينة لتستولي على الأرض الفلسطينية باعتبارها أرضاً بلا شعب. وكان المفروض أن تحل هذه الكتلة محل السكان الأصليين، الذين يكون مصيرهم عادةً في إطار الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، هو الإبادة أو الطرد. ورغم أن الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني لم يقم بإبادة الفلسطينيين (بسبب ظروف التجربة الاستيطانية الصهيونية) إلا أنه طرد غالبيتهم الساحقة عام 1948. وعندما احتل الضفة الغربية وغزة عام 1967 استمر في عملية الطرد إلا أنه لم يوفَّق في محاولته هذه المرة. وقد رفض الفلسطينيون عملية الاغتصاب وقاوموا كتلة المستوطنين الوافدة بأشكال مختلفة.
ومن الملاحَظ أن الصهاينة منذ البداية إما التزموا الصمت حيال المسألة الفلسطينية (ولجأوا إلى ما نسميه مقولة "العربي الغائب") ، أو طرحوا "حلولاً" مثل طرد الفلسطينيين، هي ليست حلولاً وإنما برنامج إرهابي. ونحن نذهب إلى أن الدولة الصهيونية لم تجد حلاًّ بَعْد للمسألة الفلسطينية. ولذا، فمشروع السوق الشرق أوسطية محاولة أخيرة لفرض حل صهيوني للمسألة الفلسطينية عن طريق تفتيت المنطقة ونزع الصبغة العربية الإسلامية عنها بحيث يمكن تفكيك الإنسان العربي (الفلسطيني وغير الفلسطيني) وتحويله إلى إنسان اقتصادي أو إنسان جسماني أو أي إنسان آخر، طالما أنه ليس إنساناً عربياً مسلماً. والمسألة الفلسطينية تثير، وبحدة، مشكلة شرعية الوجود.
الشرعيتان: الشرعية الصهيونية وشرعية الوجود
‏Two Types of Legitimacy: Zionist Legitimacy and Legitimacy of Existence....

«الشرعية» هي حالة الصلاحية والقبول التي يتمتع بها أفراد النخبة الحاكمة والمنظمات والحركات والنظم السياسية والتي تخوِّل لهؤلاء السلطة. ومن ثم، فإن الشرعية الصهيونية هي حالة الصلاحية والقبول التي تدعيها لنفسها الحركة الصهيونية. وتجابه النظم السياسية كافة مشكلة الشرعية تجاه جماهير التشكيل السياسي الذي تحكمه هذه النظم، أما النظم الاستيطانية فهي تجابه مشكلة الشرعية على مستويين: مستوى العنصر السكاني الوافد، ومستوى السكان الأصليين.
والوضع في حالة الدولة الوظيفية الصهيونية أكثر تركيباً إذ أن هذه الدولة تستمد شرعيتها كدولة صهيونية من مصادر ثلاثة:
1 ـ الإمبريالية الغربية: باعتبارها القوة التي أسَّست الدولة الصهيونية كي تكون دولة تضطلع بوظيفة الدفاع عن مصالح العالم الغربي في المنطقة.
2 ـ أعضاء الجماعات اليهودية في العالم: باعتبارهم القوة التي تدعم المُستوطَن الصهيوني وتمارس الضغط من أجله، على أن تضطلع الدولة الصهيونية بوظيفة حماية هويتهم وتنميتها على شرط ألا تتدخل في شئونهم وألا تتسبب في وضع ولائهم لأوطانهم موضع الشك.
3 ـ المستوطنون الصهاينة: باعتبارهم مواطني الدولة الصهيونية الذين يطلبون من دولتهم أن تضطلع بوظيفة توفير الأمن والخدمات لهم كما هو الحال مع كل الدول.
ولكن إذا كانت الدولة الصهيونية تستمد شرعيتها الصهيونية من هذه القطاعات الثلاثة وتحافظ عليها بمقدار أدائها لوظائفها، فإن ثمة مستوى آخر مختلفاً تماماً يقع خارج نطاق هذه الشرعية هو شرعية الوجود. فالدولة الصهيونية قد أُسِّست على أرض الفلسطينيين، وهي لا تلتزم تجاههم بأي شيء، فكل همها أن تغيِّبهم تماماً حتى لا يهتز أساس وجودها نفسه.

وقد اهتزت الشرعية الصهيونية تجاه المستوطنين، وأعضاء الجماعات اليهودية في العالم وفي الولايات المتحدة، وذلك بسبب الفساد في إسرائيل وأزمة النظام السياسي وأزمة الهوية اليهودية والأزمة السكانية والاستيطان وفشل إسرائيل في تطبيع الشخصية اليهودية وفي إخماد الانتفاضة. أما شرعية الوجود، فقد أخذت في الاهتزاز التدريجي مع بداية الهجمات الفدائية ولكنها وصلت إلى الذروة مع الهزيمة في لبنان واندلاع الانتفاضة. ومن الملاحَظ أن الشرعيتين مرتبطتان تمام الارتباط، فالدولة الصهيونية دولة وظيفية تكتسب قيمتها أمام الراعي الإمبريالي من أدائها لمهمتها الأساسية القتالية التي تستند إلى مدى كفاءة المادة البشرية الاستيطانية القتالية. ولذا، فإن فشل الدولة الصهيونية في تطبيع الشخصية اليهودية يؤدي إلى تَخثُّر المادة القتالية، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تراجع مقدرتها القتالية وسوء أدائها العسكري، فيقل عائدها ومن ثم قيمتها وتفقد شرعيتها الصهيونية. ولكن تراجع مقدرتها القتالية هو نفسه تهديد لوجودها. كما أن فشل الدولة الصهيونية في تحقيق الاستيطان وخلق كثافة بشرية يهودية في الأراضي المحتلة هو أيضاً فشل على مستوى الشرعية الصهيونية باعتبار أنه فشل في تحقيق هدف أساسي من أهداف الصهيونية، ولكنه فشل على مستوى شرعية الوجود لأن ضم الأراضي دون إفراغها من سكانها الأصليين وملئها بمادة بشرية يهودية قتالية استيطانية يهدد وجود الدولة نفسه.
شرعية الوجود
‏Legitimacy of Existence

«شرعية الوجود» مصطلح قمنا بسكه لنصف مشكلة الشرعية التي تواجهها الجيوب الاستيطانية الإحلالية في مواجهة السكان الأصليين، على عكس الشرعية السياسية العادية التي تواجهها هذه الجيوب تجاه السكان البيض أو المجتمع الدولي. والتجمع الصهيوني، باعتباره جيباً استيطانياً، يواجه مشكلة الشرعيتين أيضاً: فتُطرَح قضية الشرعية السياسية على مستوى العلاقة مع الراعي الإمبريالي (الولايات المتحدة) ويهود العالم والمستوطنين الصهاينة، وتطرح قضية شرعية الوجود في مواجهة الفلسطينيين والعرب.
وقد أشار الكاتب الإسرائيلي عاموس إيلون إلى ما سماه «عُقدة الشرعية» ، ونحن نتصور أنه يشير إلى شرعية الوجود، فالشرعية هنا هي شرعية الوجود في فلسطين والاستيلاء على أرضها وطرد سكانها. وقد حلت الصهيونية مشكلة شرعية الوجود من خلال الخطاب الصهيوني المراوغ على مستوى القول، ومن خلال أقصى درجات العنف على مستوى الفعل. ولذا، فقد طرحت الشعار المراوغ "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" وقامت بمساندته بترسانة عسكرية هائلة وجيوش مدربة وأجهزة إعلام عالمية.
ولكن العربي الذي يُغيِّبه الشعار لم يقبل عملية التغييب هذه وظلت حركته تؤكد وجوده وتتحدى شرعية الوجود الصهيوني نفسها: فوجود العربي وحركته تأكيد لكون ما يُسمَّى «إسرائيل» هي في واقع الأمر «فلسطين» ، وأن العمل العبري هو الإحلال العبري، وأن اقتحام الإنتاج هو طرد العرب منه، وأن استعادة السيادة السياسية اليهودية سلبها من العرب، وأن شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" يعني في واقع الأمر "أرض يُطرَد شعبها منها بلا رحمة استناداً إلى القوة الإمبريالية الغاشمة ليحل مجموعة من المستوطنين الغرباء محلهم".
وكان لابد أن تُطلَق السحابة الكثيفة من الأقوال عن الشرعية الصهيونية وعن الإنجاز الصهيوني والتقدم والكفاءة حتى لا يواجه المستوطنون مشكلة الشرعية الأعمق.

وقد عاد الفلسطيني على المستويات الممكنة كافة؛ السكانية والثقافية والنضالية، وهو ليس كائناً اقتصادياً لا ملامح له وإنما هو رجل يعمل ويقاتل، وطفل يمسك بحجر، وامرأة فلسطينية نفوض "تلد الجند والشهداء والأغاني" بشكل يثير حفيظة المستعمرين.
ويبدو أن الفلسطينيين، منذ بداية الغزوة الصهيونية، يدركون، ربما بشكل فطري (غير واع) ، أنها غزوة سكانية استيطانية إحلالية، ولذا تصل معدلات الإنجاب بينهم إلى أعلى معدلات في العالم. ويبلغ عدد سكان فلسطين المحتلة عام 1948 (أي داخل ما يُسمَّى «الخط الأخضر» ) نحو 5.3 ملايين نسمة عام 1996 بنسبة 81.4% يهود و18.6% عرب. وحسب احصاء عام 1998 بلغ العدد 953.497، أى حوالى مليون. ويبلغ عدد الفلسطينيين فى غزة 1.40.498، أما فى الضفة الغربية فعددهم هو 1.556.554 (يبلغ عدد الفلسطينيين الكلى 7.788.186. يوجد معظمهم فى البلاد العربية، خاصة الأردن وسوريا ولبنان. وتوجد قلة منهم فى الأمريكتين وأوربا) ، وإن كانت هذه الإحصاءات الإسرائيلية تشمل سكان القدس العربية وهضبة الجولان اللتين ضمتا إلى إسرائيل ويبلغ عدد سكانها حوالي 172 ألف نسمة تقريباً. وتشير بعض التقديرات العربية إلى أن عدد العرب يصل إلى مليون نسمة بدون سكان القدس والجولان.

ويُلاحَظ أن نسبة السكان العرب من مجموع السكان بقيت ثابتة تقريباً، وذلك رغم الهجرة اليهودية الكبيرة، ويعود ذلك إلى نسبة المواليد لدى اليهود، ففي عام 1993 كانت نسبة المواليد لدى العرب 34 لكل ألف، ولدى اليهود 18.5 لكل ألف. ويعود نمو السكان العرب (معدل النمو = التكاثر الطبيعي + ميزان الهجرة) إلى ارتفاع معدل التكاثر الطبيعي نتيجة ارتفاع معدل المواليد، بينما يتفاوت معدل نمو اليهود من فترة إلى أخرى، وذلك لأن معدل النمو يعتمد أساساً على ميزان الهجرة. فبفضل الهجرة التي تمت في الخمسينيات وصل معدل النمو إلى 9.2%، ولكنه تدنى في الثمانينيات إلى حوالي 1.5 فقط، ولكنه ارتفع بسبب هجرة اليهود السوفييت في الفترة من 1990 ـ 1993 إلى نحو 3.9% فقط، ويبدو أنه أخذ يعود إلى الانخفاض بسبب الانخفاض الكبير في حجم الهجرة إلى إسرائيل في الفترة الأخيرة.

أما معدل نمو السكان العرب فهو ثابت تقريباً ويتراوح بين 3.5% ـ 4.5%. وقد زاد اليهود بمعدل 2% في العقد الماضي بينما زاد العرب بمعدل 4%. وإذا استمرت معدلات الزيادة على ما هي عليه، وهو أمر متوقع، فسيكون عدد العرب عام 2000 نحو 22% من مجموع السكان (بالمقارنة بـ 18.6% في الوقت الحالي) . وتضم الأراضي التي احتُلت بعد عام 1967 نحو مليوني عربي مقابل ما بين 120 ـ 150 ألف إسرائيلي على أحسن تقدير. فإذا حسبت الأراضي المحتلة، فإن نسبة العرب ستزيد إلى 36.4%، الأمر الذي يعني أنه، مع استمرار المعدل الحالي في الزيادة، سيكون عدد اليهود وعدد العرب متساوياً عام 2015. ولنحاول أن نرى ردود أفعال هذا التمدد العربي. فقد ورد في إعلان المؤتمر اليهودي الأمريكي (21 سبتمبر 1987) أن الطفل اليهودي الذي يولد اليوم في إسرائيل يمكنه أن يتوقع أن يدخل المدرسة العليا (الثانوية) في أرض يكون فيها السكان العرب مساوين تقريباً للسكان اليهود، وذلك قريباً جداً ـ أي أن خروج صهيون (وهو المصطلح الذي يُستخدَم للإشارة إلى نزوح المستوطنين عن فلسطين) يقابله دخول ابن البلد وتكاثره.

والمادة البشرية الفلسطينية ليست بدائية أو متخلفة كما كان الصهاينة يروجون وإنما هي متقدمة وقادرة على اكتساب المهارات اللازمة للاستمرار في العصر الحديث (وتحت ظروف القمع والقهر) . كما أن عدد الطلبة الفلسطينيين من خريجي الجامعات يتزايد بشكل لا يدخل الطمأنينة أبداً على قلب الصهاينة (تُعَدُّ نسبة خريجي الجامعات من الفلسطينيين من أعلى النسب في الشرق الأوسط إن لم تكن أعلاها على الإطلاق) ، وهو ما حدا بالأستاذ أرنون سافير أستاذ الجغرافيا الإسرائيلي على القول بأن السيادة على أرض إسرائيل لن تحسم بالبندقية أو القنبلة اليدوية، "فالسيادة ستُحسَم من خلال ساحتين: غرفة النوم والجامعات. وسوف يتفوق الفلسطينيون علينا في هاتين الساحتين خلال فترة غير طويلة". وليقارن القارئ هذا القول بالقول الصهيوني في بداياته حينما كانوا يتحدثون عن طرد العرب البدائيين الذين يشبهون الهنود الحمر. والصهاينة يعلمون أن ازدهار التعليم يعني مزيداً من المقاومة والسخط. كما أنهم يعرفون تماماً أن ضحية العدوان يتعلَّم من المعتدي وأن المستعمَر يتعلم من المستعمر كيف يستخدم السلاح والقوة. بل بدأ العرب مؤخراً في استخدام الوسائل الديموقراطية المتاحة داخل النظام السياسي الإسرائيلي مثل الاشتراك في العملية السياسية الإسرائيلية. وقد حذر رعنان كوهين، رئيس شعبة الانتخابات في حزب العمل، من أن القوة البرلمانية للعرب ستصل إلى عشرين مقعداً في الكنيست عام 2000، وأنه لن يكون بالإمكان إقامة حكومة دون أخذ هذه الحقيقة في الحسبان.

لكن هذا التمدد العربي لم يكن أفقياً وحسب، أي تمدد في المكان والأرض، وإنما كان تمدداً رأسياً أيضاً: في الزمان والتاريخ. وقد أخذ التمدد الرأسي شكل تماسُك وتضامُن غير عادي. ولابد هنا أن نشير إلى الدور الثوري المبدع حقاً لمنظمة التحرير الفلسطينية. فالفلسطينيون مُوزَّعون في كل مكان داخل حدود الدول العربية التي تتفاوت صداقتها وعداوتها للفلسطينيين بين يوم وآخر (حسب درجة حرارة النخب الحاكمة وما تمليه عليها مصالحها المباشرة الضيقة) . إن هناك أعداداً كبيرة منهم في العالم العربي، ومع هذا نجحوا، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية، في أن يظلوا داخل إطار الوحدة والانتماء الفلسطيني، أي داخل إطار الهوية، فتحوَّل كل فعل فلسطيني عادي إلى فعل ثوري، ابتداءً من تلك العجوز التي تجلس داخل المخيمات تنسج المنسوجات الملونة التي تباع في أقاصي الأرض باسم فلسطين، مروراً بالمثقف الفلسطيني الذي يثري الفكر العربي والإنساني، وانتهاءً بذلك المقاتل الذي يحمل البندقية وينتصر ويُستشهد. ومن داخل هذه الهوية، ظهرت ثورة الحجارة؛ ظهرت الانتفاضة.

إن عودة الفلسطيني بكل هذه القوة لابد أنه يزيد أزمة الشرعية الحقيقية للمجتمع الصهيوني، أي أزمة الوجود، ولابد أن ذلك يفضح الأكذوبة الأساسية التي تزعم أنه لا يوجد عرب. وقد كان هذا الإدراك الصهيوني المتحيز إدراكاً يسانده العنف والقوة. وحيث إن المؤسسة العسكرية الصهيونية نجحت طوال هذه الأعوام في قمع العرب، فإن عملية التغييب استمرت حيث كانت المؤسسة العسكرية تُصدر التصريحات المختلفة عن عدم وجود ما يُسمَّى «الفلسطينيين» ، أو أن الفلسطينيين لهم دولة بالفعل هي المملكة الأردنية الهاشمية. ومن المفارقات أنه، مع نجاح عملية التغييب، كان بوسع العدو إظهار شيء من المرونة والاعتدال نحو العرب. وعلى هذا، فإن الاعتدال الصهيوني ليس تعبيراً عن التسامح أو حب الآخر وإنما هو تعبير عن الاطمئنان الصهيوني بشأن غيابه، فهو اعتدال يتم داخل إطار الشرعية الصهيونية التي يقبل بها العربي المغيب ويخضع لها، فيُكافأ على ذلك مكافأة تتناسب طردياً مع مقدار غيبته ومدى قبوله لها. ولكن، إذا ظهر العربي الغائب وأكَّد نفسه، وطرح مشكلة الشرعية الحقيقية والأعمق، أي قضية الوجود الصهيوني نفسه، فإن الاعتدال الصهيوني المزعوم سوف يختفي وتظهر بدلاً منه سياسة القبضة الحديدية.

وهذا ما حدث مع الانتفاضة. إذ أن العربي الغائب ظهر وفي يده حجر يلقي به على الصهيوني وعلى أوهامه، فيشج رأسه ويزلزل الأسطورة، ويتنبه هذا الصهيوني فجأة إلى أن أرض فلسطين أرض لها شعب. وقد قال نسيم زفيلي (أحد رؤساء قسم الاستيطان بالوكالة اليهودية) إن هناك حالة فزع وهلع بين المستوطنين في الضفة الغربية (وهذه هي الحالة التي تنتاب الإنسان حينما يفقد الوهم فيصبح عارياً أمام الحقيقة) . وقد رفض يسرائيل هاريل هذا الوصف، وأعطى تحليلاً أعمق وأشمل إذ قال: "إن اليقين القديم [أي الأسطورة التي تدور في إطار الشرعية الصهيونية] الذي شدَّ أزر جوش إيمونيم قد اهتز لأول مرة. فهناك قلق بشأن الاحتمالات السياسية. وهو قلق لا ينصرف إلى المستوطنات نفسها وحسب، وإنما ينصرف إلى [ما هو أعمق] : إرادة الأمة وجذورها وطبيعة رؤاها". ثم أضاف: "لقد دخلنا مرحلة جديدة في النضال من أجل إرتس يسرائيل، فالعرب لا يريدون الضفة الغربية وحسب بل عكا ويافا أيضاً. والحكومة تعطي العرب إشارات إلى أن مكاننا هنا في الضفة الغربية مؤقت". فكأن الانتفاضة قد همشت المستوطنين ثم غيبتهم وطرحت قضية الوجود الصهيوني نفسه. وقد عبَّر الفيلسوف الإسرائيلي ديفيد هارتمان عن القضية إذ قال: "إن ثورة الحجارة تقول للصهاينة: نحن لا نخاف منكم، وهي طريقة أخرى يقولون: أنتم لستم هنا".

لم تَعُد القضية، إذن، قضية هوية يهودية أو تطبيع شخصية يهودية أو صورة جيش الدفاع أو تمدُّد المستوطنين أو الحدود، وهي جميعاً قضايا تفترض الوجود الصهيوني وتنطلق منه، وإنما أصبحت القضية قضية الوجود نفسه مقابل الغياب. وقد عبَّر أوري أفنيري عن هذه الأفكار نفسها بشكل ينم عن الذكاء (دون أن يستخدم مصطلح الشرعية) ، ففي مقال له بعنوان "الحرب السابعة" يُحذِّر أفنيري من الادعاء بأن ما يحدث هو مجرد اضطرابات أو مخالفات نظام وأن الثوار هم مجرد محرضين أو جمهور محرض غاضب، فمثل هذه الأقوال تزوِّر الصورة الحقيقية. فكل الأقوال السابقة تفترض أن الثورة تدور داخل إطار الدولة الصهيونية والشرعية الصهيونية، لكن ما يحدث قد تخطَّى هذا النطاق. إنه يدور في إطار مختلف: فهذه الأحداث ـ على حد قول أفنيري ـ حرب بكل معنى الكلمة، إنها مثل حرب فيتنام وحرب الجزائر. فالعدو هو الشعب الفلسطيني، إذ يقف الجمهور الفلسطيني في المناطق المحتلة وراء هؤلاء الأولاد الصغار. ويقف وراء هذا الجمهور سائر أبناء الشعب الفلسطيني. ولذا، فهو يُسمِّي هذه الحرب «الحرب السابعة» . ولكن أفنيري، وهنا مربط الفرس، يجد أن حروب 56 ثم 67 ثم حرب الاستنزاف، ثم حرب لبنان، حروب خاضتها الجيوش العربية نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي، على مستواه العام لا على مستواه الإسرائيلي الفلسطيني المباشر. أما الحرب الأولى، التي تُدعَى حرب الاستقلال (أي حرب الاستيلاء على فلسطين) ، فقد كانت أساساً حرباً على هذا المستوى المباشر. وسواء أخذنا برؤيته للحروب العربية الإسرائىلية أم لم نأخذ، فإن النتيجة التي يخلُص لها بالغة الأهمية، فهو يقول: "إن الحرب السابعة هي نتيجة حالة من المواجهة المباشرة بين المستوطنين والفلسطينيين، وكأننا في حلقة مفرغة، عدنا من خلالها إلى بداية حرب الاستقلال"، أي أن ما يوضع موضع التساؤل الآن هو الوجود الصهيوني نفسه لا مدى النجاح أو الفشل الصهيوني،

فالأسئلة تطرح من خارج نسق الأيديولوجيا الصهيونية لا من داخلها.
وإذا عدنا إلى قضية التشدد والاعتدال، فإننا نلاحظ أن عودة العربي قد أدَّت إلى التشدد الصهيوني، والتشدُّد دائماً علامة من علامات الأزمة، فالتصريحات تتوالى عن ضرورة الضرب بيد من حديد، وأفلام التلفزيون تُشهد العالم أجمع على أن تحطيم العظام ودفن الأحياء هي أحداث يومية في الدولة التي تدَّعي أنها «يهودية» . وهذا التشدد مفهوم تماماً إذا كان ما يوضع موضع التساؤل هو وجود المرء نفسه لا شكل سياساته أو مضمونها.
ويمكن أن نتناول في إطار شرعية الوجود أثر المقاومة الفلسطينية في يهود العالم وعلاقتهم بإسرائيل. إن من أهم حلقات الوصل بين يهود العالم والدولة الصهيونية أن الدولة الصهيونية تشكل مركزاً ثقافياً حضارياً ليهود العالم وأنهم يستمدون هويتهم منها. فالدولة الصهيونية المنتصرة تحسِّن صورتهم أمام العالم بأسره، إذ أنها تضع نهاية للصورة النمطية الإدراكية الخاصة باليهودي كمراب جبان. ولكن، مع الانتفاضة، تدهورت الصورة الإعلامية للدولة الصهيونية وأصبح من مصلحة يهود العالم الاحتفاظ بمسافة بينهم وبينها، وهذا يعني تزايد محاولات التملص من الصهيونية وتصاعد إمكانيات رفضها.
بل إن العقيدة اليهودية نفسها لم تَسْلم من أثر المقاومة الفلسطينية. ففي الحوار بين المسيحيين واليهود، كان الجانب اليهودي يصر دائماً على أن يكون الاعتراف بالدولة اليهودية أساساً للحوار العقائدي (وكأن الدولة اليهودية جزء من العقيدة اليهودية) ، كياناً مطلقاً مقدَّساً. وبعد الانتفاضة، طُلب من أحد الوفود اليهودية في إحدى مؤتمرات الحوار اليهودي المسيحي أن تتدخل لدى الدولة الصهيونية المقدَّسة لوقف كسر عظام الأطفال، فتراجعت الوفود عن موقفها السابق وأعلنت أن الدولة اليهودية لا علاقة لها بالعقيدة. وقد أدَّى ذلك إلى نَزْع القداسة عن الدولة.

وهنا، يجب أن نؤكد أن شرعية الوجود مرتبطة تمام الارتباط بالشرعية الصهيونية، فعودة العربي تعني أن الطاقة العسكرية للكيان الصهيوني اللازمة (لاضطلاعه بوظيفته القتالية) سوف تُستنفَد في قمع الانتفاضة، وربما يعني هذا أن الراعي الإمبريالي قد يُعيد النظر في قيمته وأمره. وقد جاءت حرب الخليج لتدعم من هذه الرؤية، إذ أثبت التجمُّع الصهيوني أنه يشكل عبئاً ثقيلاً على الولايات المتحدة. ورغم أن اتفاقية أوسلو هي محاولة للالتفاف حول كل هذا وتحطيمه وتثبيت شرعية الوجود الصهيوني، فإن الجهاد الفلسطيني لا يزال مستمراً لحسم قضية لا تريد أن تموت، مادامت النساء تنجب الأطفال، وما دامت الأرض تزودهم بالحجارة، وما دامت أحلام النُبل والكرامة مكوِّناً أساسياً في إنسانيتنا المشتركة.
السلام الشامل الدائم
‏Comprehensive Permanent Peace

«السلام الشامل الدائم» عكس «السلام الجزئي» الذي يمكن وصفه بأنه سلام غير دائم مبني على الظلم لا يحاول تحقيق العدل من خلال إعادة صياغة بنية العلاقات، وإنما هو مجرد ترجمة لموازين القوى القائمة في أرض المعركة. ولذا فإن أحد الطرفين يقبله إذعاناً وليس اقتناعاً ويظل يتحين الفرص لإعادة تعديل موازين القوى لصالحه (الأستاذ هيكل) كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى ومعاهدة فرساي. والسلام الجزئي هو سلام مبني على الحرب ولذا فهو في واقع الأمر حالة من اللاحرب واللاسلم قد يختلف عن "وقف إطلاق النار" الذي عادةً ما يستند إلى اتفاقية مؤقتة تتيح للأطراف المتحاربة فرصة لالتقاط الأنفاس وإنجاز أمور إنسانية أساسية مثل قضاء عيد أو السماح بمرور معدات طبية أو مرور بعض الأطفال، ولكنها لا تختلف كثيراً عن "الهدنة" التي تستند إلى اتفاقية لا ترقى إلى مستوى حالة السلام، ولكنها فترة يرى فيها كلا الطرفين (أو أحدهما) أن بإمكانهما الإبقاء على حالة الحرب إلى أن تسنح لهما فرصة لتحقيق انتصار عسكري. أما السلام الشامل الدائم فهو سلام دائم لأنه شامل، يتوجه لجميع القضايا ويهدف إلى تغيير حقيقي في بنية العلاقات بين طرفين لإزالة أسباب التوتر بينهما فيسود العدل ويرى الطرفان أن لهما مصلحة فيه. والسلام الشامل الدائم في الشرق الأوسط لابد أن يتسم بنفس السمات، ولذا فلابد أن يتوجه لكل من المسألة الإسرائيلية والمسألة الفلسطينية ولابد أن يجد حلولاً لهما.

ونحن نذهب إلى أن مثل هذه الحلول غير ممكنة داخل الإطار الصهيوني، الاستيطاني/الإحلالي، فهو إطار يُولِّد الصراع بطبيعته لأنه من ناحية، ينكر حقوق الفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم، ومن ناحية أخرى يؤكد حق "يهود العالم" في الأرض الفلسطينية. والحل الوحيد الممكن يقع خارج هذا الإطار، حين يقوم أعضاء التجمُّع الاستيطاني الصهيوني بنزع الصبغة الصهيونية الاستيطانية/الإحلالية عن الدولة الصهيونية.
وحل المسألة الإسرائيلية يمكن أن يأخذ شكلين متناقضين، ففى حالة ممالك الفرنجة (الممالك الصليبية فى المصطلح الغربى) فى فلسطين وحولها، تم تصفية هذه الممالك بالقوة العسكرية ورحل أهلها إلى بلادهم (بعد أن مكثوا حوالى قرنين من الزمان) . ولكن هناك أيضا الحل السلمى، ففى الجزائر، بعد ثورة الميلون شهيد، ظهرت حكومة قومية من سكان البلد الأصيلين وأعطت المستوطنين الفرنسين حق البقاء والمواطنة والإسهام فى بناء الوطن الجديد (ولكنهم آثروا العودة إلى بلدهم الأصلى، أى فرنسا) . وهناك كذلك الحل الذى تطرحه جنوب أفريقيا، إذ تم تصفية الجيب الاستيطانى العنصرى دون تصفية جسدية للعناصر البيضاء ذات الأصول الغربية التى كانت تهيمن على النظام القديم وتحافظ على بنية الاستغلال العنصرية وتستفيد منها. ثم عُرض على أعضاء هذه الكتلة البشرية البيضاء أن يندمجوا فى النظام العادل الجديد، المبنى على المساواة بين الأجناس، وأن يتعاونوا معه حتى يمكن الاستفادة منهم ومن خبراتهم. وهذا ما فعله معظمهم. وليس هناك ما يمنع من تطبيق نموذج جنوب أفريقيا فى الانتقال السلمى من حالة الحرب والظلم إلى حاله السلم والعدل فى فلسطين المحتلة، فهو حل لا يستبعد أحدًا ويعطى كل ذى حق حقه. وقرارات هيئة الأمم المتحدة المختلفة (الخاصة بحق الفلسطينين فى العودة إلى وطنهم ورفض ضم الأراضى بالقوة) تصلح كإطار دولى قانونى أخلاقى لحل المشكلة، وهو إطار تقبل به الجماعة الدولية

والمعايير الأخلاقية الإنسانية.
نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية
‏Dezionization of the Zionist State
ينطلق مفهوم «نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية» من إدراك أن الصراع القائم في الشرق الأوسط الآن ليس نتاج "كُره عميق وأزلي" بين العرب واليهود أو بين اليهود والأغيار، وأنه ليس نتيجة العُقد التاريخية والنفسية (كما يدَّعي الصهاينة) ، وإنما هو وضع بنيوي يُولِّد الصراع نشأ عن تطور تاريخي وسياسي وبشري محدد. وطالما ظل هذا الوضع قائماً يظل الصراع قائماً. وأنه لا سبيل لإنهاء الصراع إلا من خلال فك بنية الصراع ذاتها.
وقد يقول البعض إن هذه مقولات قد عفى عليها الزمن وأن هناك "إسرائيل جديدة" أو "إسرائيل أخرى" غير صهيونية وغير متلهفة على التوسع الصهيوني ... إلخ. وردنا على هذا هو أن إسرائيل القديمة لم تكن دولة مثل أية دولة أخرى ولم تكن مجرد شعارات لفظية رنانة، وإنما هي دولة وظيفية استيطانية إحلالية، ثم تحولت إلى دولة استيطانية مبنية على التفرقة اللونية، زُرعت زرعاً في المنطقة العربية لتضطلع بوظيفة محددة (حماية المصالح الغربية) مقابل الدعم الغربي لها وضمان بقائها واستمرارها. فوظيفيتها هي ذاتها استيطانيتها وعنصريتها. وقد عبَّرت إسرائيل القديمة عن نفسها من خلال بنية متكاملة من القوانين العنصرية (قوانين العودة والجنسية) والمفاهيم العدوانية (نظرية الأمن - مفهوم السلام - مفهوم الحكم الذاتي) والمؤسسات الاقتصادية الاستبعادية (الكيبوتس - الصندوق القومي اليهودي) ومؤسسات القمع التي تتمتع بكفاءة عالية (المؤسسة العسكرية الإسرائيلية - الموساد - الشين بيت ... إلخ) .

ولا يمكن توقع أي سلام في إطار بنية القمع والظلم والعدوان هذه، أي في إطار الدولة الوظيفية الصهيونية الاستيطانية، بينما يمكن أن نتحرك نحو قدر معقول من السلام من خلال نزع الصبغة الصهيونية الاستيطانية عنها. ونزع الصبغة الصهيونية سيؤدي بلا شك إلى فك الجيب الاستيطاني الصهيوني، ومثل هذا الأمر ليس مخيفاً أو فريداً، فجميع الجيوب الاستيطانية الأخرى بلا استثناء قد تم فكها، وانتهت الظاهرة الاستيطانية البغيضة إما برحيل المستوطنين الغزاة الوافدين أو استيعابهم (هم وأبنائهم) في السكان من أصحاب الأرض الأصليين. ونزع الصبغة الصهيونية الذي نقترحه لا يعني إبادة الإسرائيليين أو القضاء على هويتهم الإسرائيلية أو اليهودية (كما يحلو للبعض أن يصور الأمر) ، وإنما يعني خلق الإطار القانوني والسياسي، الإنساني والأخلاقي، الذي يزيل أسباب التوتر والصدام.
ولعل ما حدث في جنوب أفريقيا (فك الجيب الاستيطاني بطريقة سلمية بعد أربعة قرون من الظلم والاستغلال والعنصرية والاستعمار الاستيطاني الشرس) يمكن أن يكون نموذجاً يُحتذى، ومؤشراً على ما يمكن أن يحدث في الجيب الاستيطاني الصهيوني. ولعل جوهر نزع الصبغة الصهيونية هو فصل المسألة الإسرائيلية عن المسألة اليهودية، بحيث يرى الإسرائيليون أنفسهم باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من المنطقة (وليس كما يقول أبا إيبان: في المنطقة ولكن ليسوا منها) .

وعملية نزع الصبغة الصهيونية لا تتم بالضرورة دفعة واحدة وإنما يمكن أن تبدأ بإعلان النوايا واتخاذ خطوات قد تكون رمزية ولكنها ذات دلالة عميقة مثل أن تلغي الدولة الصهيونية قانون العودة و"دستور" الصندوق القومي اليهودي وتوقف بناء المستوطنات وتعلن عن استعدادها للتمسك بالقوانين والمواثيق الدولية وعن "نيتها" تنفيذ قرارات هيئة الأمم المتحدة الخاصة بإعادة الفلسطينيين إلى ديارهم والانسحاب من الضفة الغربية. كما يمكن تجاوز الهاجس الأمني وعقلية الحصار عن طريق الإعلان عن نبذ العنف كآلية لحسم الصراع. ويتبع ذلك خطوات أكثر عملية مثل إلغاء الصندوق القومي اليهودي نفسه وفك المستوطنات وتعريف الحدود الدولية للدولة الجديدة وتشكيل لجان للتحقيق في المذابح التي ارتكبت ضد الفلسطينيين لتعويضهم مادياً ومعنوياً. ثم يمكن بعد ذلك أن تبدأ الدولة الجديدة في السماح للفلسطينيين بالعودة إليها والسكنى فيها في إطار مقدرتها الاستيعابية، وهي ولا شك عالية، فإسرائيل الصهيونية الاستيطانية، قد نجحت في استيعاب أكثر من نصف مليون مهاجر يهودي سوفيتي في العشر سنين الأخيرة، رغم أنهم ليسوا من أبناء المنطقة، كما أن مؤهلات بعضهم كانت عالية لدرجة كبيرة لم يكن التجمُّع الصهيوني في حاجة إليها. على عكس الفلسطينيين فهم أبناء المنطقة يعرفونها أرضاً وجواً وبحراً، وأعداد كبيرة منهم تعمل بالفعل داخل الاقتصاد الإسرائيلي وعندهم من المؤهلات والكفاءات ما يسهل عملية استيعابهم. وستكون القدس عن حق هي العاصمة الموحدة والأبدية للدولة الجديدة، وهي دولة متعددة الأديان ولذا فهناك مجال للهوية الدينية اليهودية أن تعبِّر عن نفسها في إطارها. ويتوج كل هذا باندماج الدولة الجديدة في نظام إقليمي نابع من مصالح سكان المنطقة أنفسهم ومن منظوماتهم الحضارية والأخلاقية. وعلى الجانب الفلسطيني لابد من إعلان أن الإسرائيليين ممن وُلدوا ونشأوا في فلسطين بل ومن

استوطنوا فيها ويودون أن تكون فلسطين وطناً لهم، لهم حق المواطنة الكاملة في هذه الدولة الجديدة التي تلتزم بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الشعوب والأفراد والتي تضم الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وبهذا يمكن أن يحل إجماع إنساني جديد (إجماع يفسح مجالاً لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين) محل الإجماع الصهيوني البغيض، الاستبعادي العنصري.
وقد يقول قائل إن الإسرائيليين "انتصروا" في كل الحروب مع العرب، ومن ثم على العرب التحلي "بالواقعية" وقبول الشروط الصهيونية، بدلاً من تقديم اقتراحات مستحيلة هي من قبيل الحلم المثالي من شأنها هدم الدولة الصهيونية من أساسها! ساعتها سنقول لهم بالفعل إن اقتراحاتنا تهدف إلى هدم إسرائيل الاستيطانية العنصرية وإفساح المجال أمام الجميع. أما بخصوص هزيمة العرب، فالمقاومة والحمد لله لم تنته وباب الاجتهاد بخصوص الحوار المسلح والجهاد لا يزال مفتوحاً، ولا يوجد أي مبرر لقبول الأمر الواقع باعتباره مطلقاً ونهائياً. والحرب ضد العنصرية هي واجب إنساني لابد أن نشارك فيه كعرب وكمسلمين، ولا يمكن أن نكف عن مقاومة الظلم والظالم إلا بعد أن يكف عن استبعادنا واستعبادنا، والتعالي علينا، واستغلالنا واحتلال أرضنا وهدم منازلنا وضرب آبائنا وأبنائنا.

والحل الذي نطرحه قد يكون بالفعل جذرياً ومثالياً، ولكنه مع هذا قابل للتنفيذ وهو أفضل بكثير من الأمر الواقع والوضع القائم، نتاج حالة الحرب الدائمة أو الراقدة والهدنة المؤقتة، والذي يستند إلى موازين القوى الداروينية، وكل أنواع الأسلحة من السلاح النووي والأبيض إلى الحجارة والعصيان المدني. وهو وضع لم يأت لأحد بالسلام أو الطمأنينة. ولعل تعود الإنسان الحديث على منظر الدماء وإدمانه لصوت المتفجرات وتقبله للعنف والقوة كسبيل وحيد لحسم الصراعات هو السبب الكامن وراء الاستخفاف الذي تُقابل به الحلول الإنسانية الحذرية، ووراء الهرولة نحو محاولات السلام التي تهدف إلى ترجمة الوضع القائم المبني على الحرب إلى وضع سلام دائم، وهو أمر مستحيل فهو ضد طبيعة الأشياء، فمثل هذا السلام تقوضه بنية الظلم التي تولِّد التوتر والصراع الدائم.
حق العودة الفلسطيني
‏The Palestinian Right of Return
عودة الفلسطينيين جزء لا يتجزأ من عملية نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية الاستيطانية. وهو حق أساسي من حقوق الإنسان. وفي الميثاق العالمي لتلك الحقوق مادة تنص على حق كل مواطن في العيش في بلاده أو تركها أو العودة إليها. وهو مرتبط بحق الملكية والانتفاع بها والعيش في الأرض المملوكة. وحق الملكية لا يزول بالاحتلال. وهو مرتبط أيضاً بحق تقرير المصير الذي اعترفت به الأمم المتحدة كمبدأ منذ عام 1946.

لقد اعتبر السماح بعودة اللاجئين أحد الشروط التي وضعت لقبول إسرائيل عضواً بالأمم المتحدة عام 1948. وثمة إعلان صريح وشهير أصدرته الجمعية العامة تحت رقم 194 لسنة 1948، قررت فيه "أن اللاجئين الراغبين في العودة إلي أوطانهم، والعيش بسلام مع جيرانهم، يجب أن يُسمَح لهم بذلك، في أول فرصة عملية ممكنة، وأنه يجب تعويض الذين لا يرغبون في العودة عن ممتلكاتهم، ودفع تعويض عن الخسائر والأضرار التي أصابت الممتلكات لإصلاحها وإرجاعها من قبَل الحكومات والسلطات المسئولة، بناءً على القانون الدولي والعدالة.
إن مقولة نسيان الماضي والتطلع إلى المستقبل تزدري العقل الإنساني وتهينه، لأننا لا نعرف إنساناً يمكن أن يَنْسى وطنه لمجرد أن هناك من يدعوه إلى شطبه من ذاكرته. ويبلغ ذلك الإزدراء ذروته إذا صدرت الدعوة من الطرف الإسرائيلي الذي يستمد كل شرعيته من الماضي، ويعتبر قادته أن التوراة كتاب لتسجيل المدن ورسم الخرائط على حد تعبير إسحق رابين.
أما حكاية أن الفلسطينيين لم يعودوا راغبين في العودة، فهي مسألة ينبغي ألا يفترضها أو يفرضها أحد على أحد، وإنما يقررها كل فلسطيني بنفسه. ثم إنها أكذوبة أخرى تعمد إلى التزييف والتضليل، وساكنو المخيمات منذ الأربعينيات شاهد عملي على ذلك. وإذا علمنا أن الذين طردوا وشردوا عام 1948 كانوا آنذاك 805 ألف شخص، فإن عددهم الآن ونحن على مشارف العام الخمسين للنكبة قد تجاوز أربعة ملايين و600 ألف شخص. كل من امتلك منهم شيئاً في فلسطين لا يزال يحتفظ بأوراقه الثبوتية حتى هذه اللحظة، ومنهم من لا يزال يحتفظ بمفاتيح داره وخزائن ثيابه، ويعتبرها مقدَّسات محرَّزة في مكان أمين، بحسبانها حبلاً سُرياً يصلهم بالوطن المنهوب.

لقد أنشأ قرار الأمم المتحدة رقم 194 لسنة 1948 القاضي بعودة اللاجئين كياناً خاصاً لترتيب أمور العودة، عُرف باسم «هيئة التوفيق في فلسطين» ، أُنيطت بذلك الكيان أيضاً عملية اقتراح تسوية نهائية للقضية. وبعد ذلك بقليل أنشأت الأمم المتحدة وكالة غوث اللاجئين (الأونروا) ، التي لا نظير لها إلى الآن، للعناية بأمر اللاجئين الفلسطينين في مخيماتهم. ولا تزال هيئة التوفيق قائمة من الناحية القانونية، ومكاتبها موجودة في الأمم المتحدة، لكن كل أنشطتها مجمدة، حتى لم يَعُد أحد يأتي لها على ذكر.
وكانت هيئة التوفيق هذه قد سعت منذ بداية الخمسينيات إلى أداء المهمة الموكولة إليها، فعرضت مرة، بناءً على طلب العرب، العودة الفورية لـ 200 ألف لاجئ على الأقل، إلى الأراضي التي احتلتها إسرائيل زيادة على مشروع التقسيم لعام 1947. لكن قادة الصهاينة رفضوا الفكرة. وفي وقت لاحق، وبضغط أمريكي، وافقت إسرائيل من حيث المبدأ على إرجاع 100 ألف لاجئ في إطار معاهدة سلام شاملة مع العرب، وحينما أبدى العرب استعداداً لذلك، ردت إسرائيل قائلة إن العدد انخفض إلى 65 ألفاً، وزعمت أن 35 ألفاً "
تسللوا" إلى ديارهم، ووضعت تحفظات عدة على العدد الباقي، وهو ما أفرغ الاقتراح من مضمونه، وأجهض الفكرة.
لم يكن مستغرباً أن تسعى إسرائيل بكل وسيلة وحيلة للتهرب من التزامها بإعادة اللاجئين والاستجابة للقرارات الدولية في هذا الصدد، فالمشروع الصهيوني هو في الأساس مشروع طرد ونفي الشعب الفلسطيني.
ولأن الحق مقدَّس، لا يمكن التنازل عنه أو تعويضه بأيِّ مقابل، فلا مجال للتساؤل عما إذا كان يتعيَّن عودة اللاجئين أم لا، حيث الأصل هو وجوب العودة، ولا يجوز بأيِّ معيار أن يُفتَح باب مناقشة السؤال «هل؟» ، وأسخف منه وأقبح السؤال «لماذا؟» وإنما السؤال المشروع هو «كيف؟» .

الدكتور سلمان أبو سنة الخبير الفلسطيني البارز عكف على دراسة الموضوع طيلة السنوات العشر الماضية، وخرج بنتيجة خلاصتها أن عودة جميع اللاجئين المنفيين إلى أوطانهم ليست حقاً قانونياً وشرعياً فقط لكنها ممكنة أيضاً.
وهو يشرح النتيجة التي انتهى إليها. فهو يشير إلى أن إسرائيل مُقسَّمة إلى 36 إقليماً طبيعياً، وطبقاً لإحصاء عام 1994 فإن عدد السكان اليهود في إسرائيل 4 ملايين و420 ألفاً، بينما عدد العرب الفلسطينيين مليون و39 ألفاً.
عند مراجعة بيانات توزيع السكان، من واقع الأرقام الرسمية الإسرائيلية، تبيَّن أن 80% من اليهود يعيشون في عشرة أقاليم فقط من بين الـ 36 إقليماً في البلاد، أي أن هؤلاء يقيمون على 12% فقط من مساحة إسرائيل الراهنة، التي تعادل 458.2 كيلو متراً مربعاً.
والملاحظة المثيرة هنا أن هذه المساحة تزيد بمقدار 841 كيلو متراً مربعاً فقط عن مساحة الأراضي التي كان اليهود يمتلكونها أيام الانتداب البريطاني!
هذه المقارنة تكشف أمرين: الأول أن نمط معيشة أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو والالتصاق والتجمُّع لم يتغيَّر، رغم توافر مساحة كبيرة من الأراضي المحتلة. أما الأمر الثاني فهو أن أعضاء الجماعات اليهودية بعد أن أقاموا دولة ظلوا يعملون في المهن التقليدية التي يضطلع بها أعضاء الجماعات اليهودية مثل المال والتجارة والصناعة الدقيقة، وقلة منهم غيَّرت نمط حياتها وأقبلت على الزراعة في مجتمع ريفي.
على العكس من ذلك فإن الفلسطينيين يعيشون في 26 إقليماً من الـ 36، وتتفاوت نسبتهم من مكان إلى آخر، حتى تصل إلى 30% من سكان 17 إقليماً. وقد ساعد على انتشارهم طبيعتهم الزراعية بالدرجة الأولى، فضلاً عن أن الحكم العسكري الذي طُبِّق عليهم في الفترة بين عامي 48 و1967، منعهم من الانتقال إلى المناطق المكتظة بالمستوطنين الصهاينة.

ما دام 80% من المستوطنين الصهاينة يعيشون في 12% من مساحة إسرائيل، فأين يعيش الـ 20% الآخرون؟ ـ تشير البيانات الإحصائية إلى أن معظمهم يعيش في المدن، ولكنها مدن ريفية غير متلاصقة. فهناك 586 ألف مستوطن يقطنون حوالي عشر مدن ريفية. ويبقى 298.600 يهوديّ يعيشون في الريف. وهؤلاء هم الذين ينتفعون بالأرض الفلسطينية.
الأمر المثير الذي تدل عليه هذه الأرقام أن 298 ألفاً و600 مستوطن فقط يفلحون 17 مليوناً و445 ألف دونم من الأرض. وهذه المساحة هي وطن 4 ملايين و646 ألف لاجئ فلسطيني، وأرضهم وإرثهم التاريخي!
إن إسرائيل تعاني من انخفاض الكثافة السكانية اليهودية في الأقاليم الستة الجنوبية، وتكاد تلك الكثافة تكون معدومة في الجنوب. وقد فشلت المحاولات الإسرائيلية المكثفة لنقل المهاجرين إلى تلك المناطق. وعندما أُجبروا لدى وصولهم على السكن في الشمال والجنوب، فإنهم نزحوا إلى الوسط بعد فترة التأقلم. واستبدلوا بهم مهاجرون جدد لا يعرفون البلاد، ولم يتمكنوا من تحديد أفضليتهم.
إن مناطق الكفاف السكاني في إسرائيل التي تتمدد بين الشمال والجنوب تستوعب كل العرب الموجودين في إسرائيل، إضافة إلى العشرين في المائة من اليهود الذين يعيشون خارج منطقة الوسط، كما أنها تستوعب أيضاً كل اللاجئين العائدين إلى وطنهم.
وعدد هؤلاء جميعاً 6 ملايين ونصف مليون نسمة، نرشح لإقامتهم مساحة قدرها 18 ألفاً و350 كيلو متراً مربعاً، بكثافة 358 شخصاً لكل كيلو متر مربع، وهي كثافة معقولة جداً، أقل من الكثافة السكانية الكلية في 22 إقليماً من أصل 36.

ولن تُشكِّل عودة اللاجئين إلى ديارهم أي نزوح إسرائيلي كبير، رغم أن تصحيح آثار الجريمة التاريخية حق وواجب إنساني. والسبب أن الإسرائيليين فشلوا في أن يجعلوا الزراعة جزءاً مهماً من حياتهم على عكس الفلسطينيين. فالفلاحون اليهود لا يتجاوز عددهم 298 ألف نسمة فقط في مساحة تساوي 85% من مساحة إسرائيل. وهم في تناقُص مستمر، لأن الهجرة العكسية من الأطراف إلى الوسط مستمرة بإطراد، حتى أصبحت الزراعة تشكِّل 3.5% من الناتج القومي في إسرائيل عام 1994، بدلاً من 11% من هذا الناتج عام 1950.
النقد الأساسي الذي يمكن أن يُوجَّه إلى فكرة العودة من وجهة النظر الإسرائيلية، أن ذلك سيؤثر على هوية الدولة اليهودية، وسيخل "
بنقاء" المجتمع اليهودي في إسرائيل، وهو نقد غير قانوني وغير أخلاقي، ويعني أن إسرائيل تتمسك بطابع الدولة العنصرية، وعند الاختيار الحقيقي ترفض أن تكون دولة ديموقراطية لكل سكانها.
والله أعلم.

*أزمير مدينة وميناء غرب تركيا، على خليج أزمير الواقع على بحر إيجة، وتُعد أهم موانئ تركيا بعد إستانبول، وهى مدينة صناعية تشتهر بصناعة السجاد الأزميرى.
كان اسمها سميرنا.
أسسها اليونانيون القدماء، وكانت مركزًا للمسيحية فى آسيا الصغرى، وخرَّبها تيمور لنك سنة (1402 م).
واستولى عليها السلاجقة فى أواخر القرن (5 هـ = 11م) وغزاها فرسان القديس يوحنا سنة (1344م)، واستولى عليها السلطان مراد الثانى سنة (1425 م)، ثم استولى عليها محمد على سنة (1833 م) لكنه تخلى عنها للفرنسيين.
وفى عام (1920 م) استولى عليها اليونانيون بعد معاهدة سيفر بمساعدة الحلفاء، إلا أن الاتراك استردوها عام (1922 م)، وأصبحت تحت السيادة التركية.

اتخاذ المهدي دواوين الأزمة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اتخاذ المهدي دواوين الأزمة.
168 - 784 م
كان ديوان الأزمة - واحدها الزمام - من أهم دواوين الدولة - ويشبه ديوان المحاسبة اليوم - وكانت مهنة صاحب هذا الديوان جمع ضرائب بلاد العراق أغنى أقاليم الدولة العباسية وتقديم حساب الضرائب في الأقاليم الأخرى. ومن اختصاصاته أيضا جمع الضرائب النوعية المسماة بالمعادن وكانت تجمع لرجل يضبطها بزمام يكون له على كل ديوان - وقد جمعها عمر بن بزيع - فيتخذ دواوين الأزمة ويولي على كل منها رجلا.

إنشاء أول جامعه عثمانية (مدرسة) في أزمير التي فتحها أورخان وعهد بإدارتها للشيخ داوود القصيري الذي تعلم في مصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إنشاء أول جامعه عثمانية (مدرسة) في أزمير التي فتحها أورخان وعهد بإدارتها للشيخ داوود القصيري الذي تعلم في مصر.
737 - 1336 م
كان سلاطين العثمانيين حريصين على أن يبنوا في كل بلد يفتحونه مسجدًا، ويخصصون له الأئمة والفقهاء، وينشرون الإسلام بين أهل هذا البلد، وكان أول مسجد أمر ببنائه عام (687هـ) في عهد أرطغرل والد عثمان، وكان ذلك قبل إعلان الدولة رسميًا. وفى عهد أورخان بن عثمان تم تشييد مسجد بورصة وألحق به بناءًا كبيرًا ليكون مدرسة للعلوم الشرعية. وفى عام (737هـ) سقطت مدينة أزميت في يد العثمانيين فبنوا فيها مسجدًا كبيرًا، وبجواره مدرسة ضخمة لتدريس العلوم، واعتبر بعض المؤرخين الغربيين هذه المدرسة أول جامعة عثمانية.

السعديون يفتحون حصن سانتاكروز والبرتغال يتخلون عن آسفي وأزمور.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

السعديون يفتحون حصن سانتاكروز والبرتغال يتخلون عن آسفي وأزمور.
948 - 1541 م
حقق السعديون على صعيد آخر نصراً كبيراً على البرتغاليين وفتحوا حصن سانتاكروز في السوس، وما أن علم الملك البرتغالي جان الثالث بهذا الخبر حتى أمر حاميات آسفي وأزمور بالجلاء فوراً عنها، وقد وجه الملك جان الثالث في هذا الشأن إلى سفيره بمدريد رسالة مؤرخة في الثاني والعشرين من هذه السنة, يطلع فيها الإمبراطور الأسباني شارل الخامس، حيث جاء فيها ذكر للأسباب التي أجبرت البرتغال على اتخاذ قرار الجلاء عن قاعدتي لآسفي وأزمور فبالإضافة إلى موقعها الحرج هناك تزايد قوات السعديين بفضل المساعدات العثمانية، حيث صار الحاكم السعدي يملك المدفعية العثمانية، والآلات الحربية، وعلى جنود مدربين وظهرت تلك الإمدادات عند حصار سانتاكروز، مما جعل الاحتفاظ بهذين المركزين أمراً شاقاً وصعباً.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت