|
(أشْرب) الرجل حَان لإبله أَو زرعه أَن يشرب وَرُوِيَ وَفُلَانًا سقَاهُ وَيُقَال (أشربني مَا لم أشْرب) ادّعى عَليّ مَا لم أفعل واللون أشبعه واللون غَيره خلطه بِهِ يُقَال أشْرب الْبيَاض حمرَة وأشرب قلبه حب الْإِيمَان وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل بكفرهم}}
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْأَشْرِبَة: جمع الشَّرَاب وَهُوَ كل مَائِع رَقِيق يشرب وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ المضغ حَرَامًا كَانَ أَو حَلَالا.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الأشربة: جمع الشَّرَاب: وهو كل مائع رقيق يُشرب ولا يتأتى فيه المضغُ حراماً كان أو حلالاً، ويطلق اصطلاحاً: على ما يُسِكر.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
البيان عن الفصل في الأشربة بين الحلال والحرام
لأبي المحاسن: المفضل بن مسعود بن محمد التنوخي، الحنفي. المتوفى: سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الأَْشْرِبَةُ جَمْعُ شَرَابٍ، وَالشَّرَابُ: اسْمٌ لِمَا يُشْرَبُ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ، مَاءً أَوْ غَيْرَهُ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ. وَكُل شَيْءٍ لاَ مَضْغَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ: يُشْرَبَ (3) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ الأَْشْرِبَةُ عَلَى مَا كَانَ مُسْكِرًا مِنَ الشَّرَابِ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَّخَذًا مِنَ الثِّمَارِ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالتِّينِ، أَوْ مِنَ الْحُبُوبِ كَالْحِنْطَةِ أَوْ __________ (1) سورة المائدة / 5. (2) حديث: " إنكم نزلتم بفارس من النبط، فإذا اشتريتم لحما. . . . . " أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن طريق قيس بن سكن من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفا عليه بلفظ ": " إنكم نزلتم أرضا لا يقصب بها المسلمون، إنما هم النبط - أو قال: النبيط - وفارس، (المصنف 4 / 487 - 488 نشر المكتب الإسلامي) . (3) لسان العرب، وتاج العروس مع القاموس المحيط، ومختار الصحاح مادة: (شرب) . الشَّعِيرِ، أَوِ الْحَلَوِيَّاتِ كَالْعَسَل. وَسَوَاءٌ كَانَ مَطْبُوخًا أَوْ نِيئًا (1) . وَسَوَاءٌ كَانَ مَعْرُوفًا بِاسْمٍ قَدِيمٍ كَالْخَمْرِ، أَوْ مُسْتَحْدَثٍ (كَالْعَرَقِ وَالشَّمْبَانِيَا. . . إِلَخْ) ، لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ وَيُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا. (2) أَنْوَاعُ الأَْشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ وَحَقِيقَةُ كُل نَوْعٍ: 2 - تُطْلَقُ الأَْشْرِبَةُ الْمُسْكِرَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى اخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِمْ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْخَمْرِ، وَالأَْشْرِبَةِ الأُْخْرَى. النَّوْعُ الأَْوَّل: الْخَمْرُ التَّعْرِيفُ: 3 - الْخَمْرُ لُغَةً: مَا أَسْكَرَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا تُخَامِرُ الْعَقْل. وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ إِنَّمَا __________ (1) تبيين الحقائق 6 / 44 ط دار المعرفة، وتكملة فتح القدير مع الهداية 9 / 22 ط دار إحياء التراث، وابن عابدين 5 / 288 ط دار إحياء التراث، والمدونة 6 / 261 ط دار صادر، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير 4 / 113 ط دار الفكر، والزرقاني 8 / 112 ط دار الفكر، والمحلى مع حاشيتيه القليوبي وعميرة 4 / 202 ط عيسى الحلبي، ومغني المحتاج 8 / 9 - 10 نشر المكتبة الإسلامية، وحاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 157 - 158 ط إحياء التراث، والمغني 8 / 303 ط الرياض، وكشاف القناع 6 / 116 نشر مكتبة النصر. (2) حديث: " ليشربن أناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير أسمها ". أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعا، وفي إسناده مقال، وذكر له ابن حجر شواهد جيدة في الفتح (عون المعبود 3 / 379 ط الهند، وسنن ابن ماجه 2 / 1333 ط عيسى الحلبي، ومسند أحمد بن حنيل 5 / 342 ط الميمنية، وفتح الباري 10 / 51، 52 ط السلفية) . هِيَ مَا كَانَ مِنَ الْعِنَبِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ سَائِرِ الأَْشْيَاءِ (1) . قَال الْفَيْرُوزْآبَادِي: الْخَمْرُ مَا أَسْكَرَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، أَوْ هُوَ عَامٌّ، وَالْعُمُومُ أَصَحُّ، لأَِنَّهَا حُرِّمَتْ وَمَا بِالْمَدِينَةِ خَمْرُ عِنَبٍ، وَمَا كَانَ شَرَابُهُمْ إِلاَّ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ (2) . وَقَال الزُّبَيْدِيُّ يَشْرَحُ قَوْل صَاحِبِ الْقَامُوسِ: (أَوْ عَامٌّ) أَيْ: مَا أَسْكَرَ مِنْ عَصِيرِ كُل شَيْءٍ، لأَِنَّ الْمَدَارَ عَلَى السُّكْرِ وَغَيْبُوبَةِ الْعَقْل، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْجَمَاهِيرُ. وَسُمِّيَ الْخَمْرُ خَمْرًا، لأَِنَّهَا تُخَمِّرُ الْعَقْل وَتَسْتُرُهُ، أَوْ لأَِنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أَدْرَكَتْ وَاخْتَمَرَتْ (3) . فَعَلَى الْقَوْل الأَْوَّل يَكُونُ إِطْلاَقُ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَى سَائِرِ الأَْنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ لِمَا فِيهَا مِنْ مُخَامَرَةِ الْعَقْل (4) . 4 - وَاصْطِلاَحًا: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْخَمْرِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي حَقِيقَتِهَا فِي اللُّغَةِ وَإِطْلاَقِ الشَّرْعِ. فَذَهَبَ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَسَائِرُ الْحِجَازِيِّينَ، وَأَهْل الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ تُطْلَقُ عَلَى مَا يُسْكِرُ قَلِيلُهُ أَوْ كَثِيرُهُ، سَوَاءٌ اتُّخِذَ مِنْ الْعِنَبِ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الْحِنْطَةِ أَوِ الشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِهَا. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُل مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُل خَمْرٍ حَرَامٌ. (5) وَبِقَوْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ نَزَل تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ الْعِنَبِ، __________ (1) لسان العرب مادة: (خمر) (2) القاموس المحيط مادة: (خمر) . (3) تاج العروس مادة: (خمر) . (4) روضة الناظر ص 88 ط السلفية. (5) حديث: " كل مسكر خمر، وكل خمر، وكل خمر حرام ". أخرجه مسلم (3 / 1587 ط الحلبي) وأبو داود (4 / 85 ط عزت عبيد) . وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَل، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْل (1) . وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا نَزَل بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَهِمَ الصَّحَابَةُ - وَهُمْ أَهْل اللِّسَانِ - أَنَّ كُل شَيْءٍ يُسَمَّى خَمْرًا يَدْخُل فِي النَّهْيِ، فَأَرَاقُوا الْمُتَّخَذَ مِنْ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ وَلَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ، عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ كَمَا تَقَدَّمَ هُوَ الْعُمُومُ. ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَمْرِ الْمُتَّخَذُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ خَاصَّةً. فَإِنَّ تَسْمِيَةَ كُل مُسْكِرٍ خَمْرًا مِنَ الشَّرْعِ كَانَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ (2) . وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ هِيَ الْمُسْكِرُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ، سَوَاءٌ أَقَذَفَ بِالزَّبَدِ أَمْ لاَ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشُّرُنْبُلاَلِيِّ (3) __________ (1) الأثر عن عمر رضي الله عنه: " أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة. . . . . " أخرجه البخاري (10 / 35 - الفتح ط السلفية) ومسلم (4 / 2322 ط الحلبي) . (2) المغني 9 / 159، وكشاف القناع 6 / 116، والمدونة 6 / 261، والروضة 10 / 168 ط المكتب الإسلامي، والخطابي على سنن أبي داود 4 / 262 - 263 ط العلمية حلب، وحاشية البناني على شرح الزرقاني 4 / 112، وفتح الباري 10 / 48 السلفية، وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد مع العدة 4 / 483 - 484، وتفسير الرازي 6 / 42 وما بعدها ط المطبعة البهية، والمنتقى للباجي 3 / 147، وأحكام القرآن للقرطبي 3 / 52 و 6 / 286، وفتح القدير للشوكاني 2 / 74. (3) ابن عابدين 5 / 288، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4 / 353، وتحفة المحتاج 7 / 636 دار صادر، والروضة 10 / 168، ونهاية المحتاج 8 / 9، وتفسير الآلوسي 2 / 112، والطبري 2 / 357، والكرماني شرح البخاري 20 / 140، وعمدة القاري 21 / 166 وما بعدها. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ هِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ (1) . وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَحْدَهُ بِأَنْ يَقْذِفَ بِالزَّبَدِ (2) بَعْدَ اشْتِدَادِهِ (3) . وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ كَوْنَهُ نِيئًا. يَتَبَيَّنُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ إِطْلاَقَ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرَاتِ عِنْدَ الْفَرِيقِ الأَْوَّل مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ، فَكُل مُسْكِرٍ عِنْدَهُمْ خَمْرٌ. وَأَمَّا الْفَرِيقُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ، فَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا غَلَى (4) وَاشْتَدَّ عِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ. وَإِطْلاَقُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَْشْرِبَةِ مَجَازٌ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ. النَّوْعُ الثَّانِي: الأَْشْرِبَةُ الْمُسْكِرَةُ الأُْخْرَى 5 - ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنْ يَكُونَ كُل مُسْكِرٍ خَمْرًا هُوَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ أَوْ شَرْعِيَّةٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ، وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ مَا كَانَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ لاَ يُخَالِفُونَ الْجُمْهُورَ فِي أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، وَالاِخْتِلاَفُ فِي الإِْطْلاَقِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ لَمْ يُغَيِّرَ الأَْحْكَامَ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عِنْدَ شُرْبِ قَلِيلِهِ، وَالنَّجَاسَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْخَمْرِ، مَا عَدَا مَسْأَلَةَ تَكْفِيرِ مُسْتَحِل غَيْرِ الْخَمْرِ، فَلاَ يَكْفُرُ مُنْكِرُ __________ (1) اشتد: قوي تأثيره بحيث يصير مسكرا (ابن عابدين 5 / 288) . (2) قذف بالزبد: رمى بالرغوة (المرجع السابق) . (3) ابن عابدين 5 / 288، وفتح القدير مع الهداية 9 / 26، وأسنى المطالب 4 / 158 ط الميمنية بمصر، ومغني المحتاج 4 / 186. (4) الغليان: الفوران من غير نار. حُكْمِهِ لِلاِخْتِلاَفِ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي كُل ذَلِكَ مُفَصَّلاً. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ الَّتِي يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَيُحَدُّ بِهَا، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ هِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ خَاصَّةً، أَمَّا الأَْنْبِذَةُ عِنْدَهُمْ فَلاَ يُحَدُّ شَارِبُهَا إِلاَّ إِذَا سَكِرَ مِنْهَا (1) . وَالأَْشْرِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ النَّوْعُ الأَْوَّل: الأَْشْرِبَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْعِنَبِ وَهِيَ أ - الْخَمْرُ وَهِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَبِقَوْل الصَّاحِبَيْنِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ قَذْفِ الزَّبَدِ (2) قَال الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ (مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ) . (3) وَلِعَصِيرِ الْعِنَبِ أَنْوَاعٌ بِحَسَبِ ذَهَابِ جُزْءٍ مِنْهُ بِالطَّبْخِ، كَالْبَاذِقِ، وَالطِّلاَءِ، وَالْمُثَلَّثِ، وَالْمُنَصَّفِ وَلاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (4) . وَفِي حُكْمِ هَذَا النَّوْعِ مَا يُتَّخَذُ مِنَ الزَّبِيبِ، وَهُوَ صِنْفَانِ: (1) نَقِيعُ الزَّبِيبِ وَهُوَ أَنْ يُتْرَكَ الزَّبِيبُ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ حَتَّى تَخْرُجَ حَلاَوَتُهُ إِلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَشْتَدُّ وَيَغْلِي وَيَقْذِفُ بِالزَّبَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ لَمْ يَقْذِفْ بِالزَّبَدِ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ. __________ (1) الهداية مع فتح القدير 9 / 31. (2) رد المحتار 5 / 288. (3) المغني 8 / 317، والفواكه الدواني 2 / 289، والدسوقي مع الشرح الكبير 4 / 352، ومغني المحتاج 4 / 186، والمصباح المنير، وأساس البلاغة. (4) الفتاوى الهندية 5 / 409، وابن عابدين مع الدر المختار 5 / 290، وبدائع الصنائع 6 / 2945 ط الإمام. (2) نَبِيذُ الزَّبِيبِ وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخٍ وَغَلَى وَاشْتَدَّ (1) . النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الرُّطَبِ (وَهُوَ السُّكَّرُ) وَالْبُسْرُ (وَهُوَ الْفَضِيخُ) . وَفِي حُكْمِ هَذَا النَّوْعِ الْخَلِيطَانِ. وَهُوَ شَرَابٌ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ وَمَاءِ التَّمْرِ أَوِ الْبُسْرِ أَوِ الرُّطَبِ الْمُخْتَلِطَيْنِ إِذَا طُبِخَا أَدْنَى طَبْخٍ وَإِنِ اشْتَدَّ، وَلاَ عِبْرَةَ بِذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ (2) النَّوْعُ الثَّالِثُ: نَبِيذُ مَا عَدَا الْعِنَبَ وَالتَّمْرَ كَالْعَسَل أَوْ التِّينِ أَوِ الْبُرِّ وَنَحْوِهَا (3) . هَذِهِ هِيَ الأَْشْرِبَةُ الْمُحَرَّمَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا الْخَمْرُ فَبِإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ، وَأَمَّا نَبِيذُ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ فَيَحْرُمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ مِنْهَا خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ، وَأَمَّا نَبِيذُ الْعَسَل وَالتِّينِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمُبَاحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، بِشَرْطِ أَلاَّ يُشْرَبَ لِلَهْوٍ أَوْ طَرِبٍ، وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّدٌ، وَرَأْيُهُ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (4) ، كَمَا سَيَتَّضِحُ فِيمَا يَأْتِي. أَحْكَامُ الْخَمْرِ: 6 - الْمُرَادُ بِالْخَمْرِ هُنَا جَمِيعُ الْمُسْكِرَاتِ جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَأَحْكَامُهَا مَا يَأْتِي: __________ (1) المصباح المنير، والفتاوى الهندية 5 / 409، وفتح القدير مع الهداية 9 / 30 - 31. (2) المغني 8 / 318 - 319، وتبيين الحقائق 6 / 45، والبدائع 6 / 2945 (3) البدائع 6 / 2946، والفتاوى الهندية 5 / 413، وابن عابدين 5 / 292 - 293، والهداية مع فتح القدير 9 / 32. (4) نفس المراجع. الأَْوَّل: تَحْرِيمُ شُرْبِهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا: 7 - ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْخَمْرِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَل أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} . (1) وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ كَانَ بِتَدْرِيجٍ وَبِمُنَاسَبَةِ حَوَادِثَ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُولَعِينَ بِشُرْبِهَا. وَأَوَّل مَا نَزَل صَرِيحًا فِي التَّنْفِيرِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُل فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (2) فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ تَرَكَهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيمَا فِيهِ إِثْمٌ كَبِيرٌ، وَلَمْ يَتْرُكْهَا بَعْضُهُمْ، وَقَالُوا: نَأْخُذُ مَنْفَعَتَهَا، وَنَتْرُكُ إِثْمَهَا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} (3) فَتَرَكَهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَقَالُوا: لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيمَا يُشْغِلُنَا عَنِ الصَّلاَةِ، وَشَرِبَهَا بَعْضُهُمْ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ حَتَّى نَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ. . .} الآْيَةَ. فَصَارَتْ حَرَامًا عَلَيْهِمْ، حَتَّى صَارَ يَقُول بَعْضُهُمْ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئًا أَشَدَّ مِنَ الْخَمْرِ 8 - وَقَدْ أَكَّدَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ بِوُجُوهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ: مِنْهَا: تَصْدِيرُ الْجُمْلَةِ بِإِنَّمَا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَرَنَهُمَا بِعِبَادَةِ الأَْصْنَامِ. __________ (1) سورة المائدة / 90 - 91. (2) سورة البقرة / 219. (3) سورة النساء / 43. وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَعَلَهُمَا رِجْسًا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَعَلَهُمَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ لاَ يَأْتِي مِنْهُ إِلاَّ الشَّرُّ الْبَحْتُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِاجْتِنَابِهِمَا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَعَل الاِجْتِنَابَ مِنَ الْفَلاَحِ، وَإِذَا كَانَ الاِجْتِنَابُ فَلاَحًا كَانَ الاِرْتِكَابُ خَيْبَةً وَمَمْحَقَةً. وَمِنْهَا: أَنَّهُ ذَكَرَ مَا يَنْتُجُ مِنْهُمَا مِنَ الْوَبَال، وَهُوَ وُقُوعُ التَّعَادِي وَالتَّبَاغُضِ مِنْ أَصْحَابِ الْخَمْرِ وَالْقِمَارِ، وَمَا يُؤَدِّيَانِ إِلَيْهِ مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَعَنْ مُرَاعَاةِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَهَل أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} مِنْ أَبْلَغِ مَا يُنْهَى بِهِ، كَأَنَّهُ قِيل: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكُمْ مَا فِيهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الصَّوَارِفِ وَالْمَوَانِعِ، فَهَل أَنْتُمْ مَعَ هَذِهِ الصَّوَارِفِ مُنْتَهُونَ، أَمْ أَنْتُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، كَأَنْ لَمْ تُوعَظُوا وَلَمْ تُزْجَرُوا (1) . 9 - وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَقَدْ قَال جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ: كُل شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ، فَيَعُمُّ الْمُسْكِرَ مِنْ نَقِيعِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهِمَا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ وَلِلأَْحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ التَّالِيَةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: {كُل شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ} . (2) __________ (1) تفسير الزمخشري 1 / 674 - 675 نشر دار الكتاب العربي، وتفسير القرطبي 6 / 285 وما بعدها مطبعة دار الكتب، وتفسير الطبري 7 / 31 وما بعدها ط مصطفى الحلبي، وتفسير الرازي 2 / 179 وما بعدها المطبعة البهية، وتفسير الآلوسي 7 / 15 وما بعدها الطباعة المنيرية. (2) حديث: " كل شراب أسكر فهو حرام ". أخرجه البخاري (10 / 41 - الفتح - ط السلفية) ومسلم (3 / 1585 - ط الحلبي) . وَقَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: {كُل مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُل خَمْرٍ حَرَامٌ} . (1) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: {أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيل مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ} . (2) وَعَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَال: {مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ} . (3) وَقَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: {كُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ (4) فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ} . (5) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: {نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُل مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ} . (6) __________ (1) الحديث تقدم (ف 4) . (2) حديث: " أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره " أخرجه الدارقطني (4 / 251 - ط دار المحاسن بالقاهرة) والنسائي (8 / 301 - ط المكتبة التجارية) وجوده المنذري في مختصر السنن (5 / 267 نشر دار المعرفة) . (3) حديث: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". أخرجه ابن ماجه (2 / 1125 - ط الحلبي) والدارقطني (4 / 254 - ط دار المحاسن بالقاهرة) . وصححه ابن حجر في الفتح (10 / 43 - ط السلفية) . (4) الفرق (بفتح الراء) مكيال يسع ستة عشر رطلا، والفرق (بالسكون) هو ما يسع مائة وعشرين رطلا، وهو المراد في الحديث - (النهاية لابن الأثير ولسان العرب مادة: فرق) . (5) حديث: " كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق، فملء الكفء منه حرام ". أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان من حديث عائشة رضي الله عنها، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وأقره المنذري. قال الشوكاني: أعله الدارقطني بالوقف (عون المعبود 3 / 379 ط الهندية، وتحفة الأحوذي 5 / 607 نشر المكتبة السلفية، وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص 336 نشر دار الكتب العلمية، ونيل الأوطار 9 / 65، 66 نشر دار الجيل 1973 م) . (6) حديث: " نهى عن كل مسكر ومفتر " أخرجه أبو داود من حديث أم سلمة رضي الله عنها. قال المنذري: فيه شهر بن حوشب وثقه الإمام أحمد بن حنيل ويحيى بن معين، وتكلم فيه غير واحد. قال الشوكاني: هذا الحديث صالح للاحتجاج به. قال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: وفي سنده ضعف وقد حسنه الحافظ في الفتح، كما أن في إسناده الحكم بن عتيبة. وجامع الأصول 5 / 93 نشر مكتبة الحلواني، وتهذيب التهذيب 2 / 432 - 434 ط دار صادر) . قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء، وهذا لاشك أنه متناول لجميع أنواعه الأشربة المسكرة. (التفسير الكبير 6 / 45) . فَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ كُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمِنْهَا مَا يَدُل عَلَى تَسْمِيَةِ كُل مُسْكِرٍ خَمْرًا، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كُل مُسْكِرٍ خَمْرٌ} . كَمَا يَدُل بَعْضُهَا عَلَى أَنَّ الْمُسْكِرَ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ، قَل أَوْ كَثُرَ، سَكِرَ مِنْهُ شَارِبُهُ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ (1) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّيءَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، هُوَ الْخَمْرُ الَّتِي يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، لأَِنَّهَا مُحَرَّمَةُ الْعَيْنِ، فَيَسْتَوِي فِي الْحُرْمَةِ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا. أَمَّا عَصِيرُ غَيْرِ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ، أَوِ الْمَطْبُوخُ مِنْهُمَا بِشَرْطِهِ، فَلَيْسَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ (2) . وَمِنْ هُنَا فَلاَ يَحْرُمُ إِلاَّ السُّكْرُ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. وَأَمَّا السَّكَرُ وَالْفَضِيخُ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ، فَيَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَْحَادِيثِ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: {الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ} . (3) وَأَشَارَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ __________ (1) مغني المحتاج 4 / 187، والمغني 8 / 304، والمدونة 6 / 261، وكشاف القناع 6 / 117، والتفسير الكبير 6 / 44 - 45. (2) هذه الأشياء تصنع من التمر أو من العنب كما تقدم. (3) حديث: " الخمر من هاتين الشجرتين " أخرجه مسلم (3 / 1573 ط الحلبي) ، وأبو داود (4 / 84 - 85 ط عزت عبيد دعاس) . وحصر الأحناف الخمر في التمر والعنب بناء على هذا الحديث، وخالفهم الجمهور، فقالوا: ليس في الحديث حصر، ويجوز أن تكون الخمرة من غير هاتين الشجرتين. (انظر المغني 8 / 304 - 305، والمدونة 6 / 261، والمحلى 7 / 493 وما بعدها) . إِلَى النَّخْلَةِ وَالْكَرْمَةِ. وَاَلَّذِي هَاهُنَا هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لاِسْمِ الْخَمْرِ، فَكَانَ حَرَامًا. هَذَا إِذَا كَانَ عَصِيرُهُمَا نِيئًا غَيْرَ مَطْبُوخٍ، وَغَلَى وَاشْتَدَّ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. أَمَّا الْمَطْبُوخُ مِنْ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ عِنْدَ الأَْحْنَافِ. شُرْبُ دُرْدِيِّ (1) الْخَمْرِ: 10 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ شُرْبِ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ، وَيُحَدُّ شَارِبُهُ، لأَِنَّهُ خَمْرٌ بِلاَ شَكٍّ، وَسَوَاءٌ دُرْدِيُّ الْخَمْرِ أَوْ دُرْدِيُّ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَيُحَدُّ بِالثَّخِينِ مِنْهَا إِذَا أَكَلَهُ. وَذَهَبَ الأَْحْنَافُ إِلَى كَرَاهَةِ (2) شُرْبِ دُرْدِيِّ الْخَمْرِ، لأَِنَّ فِيهِ ذَرَّاتِ الْخَمْرِ الْمُتَنَاثِرَةَ، وَقَلِيلُهُ كَكَثِيرِهِ، وَلَكِنْ لاَ يُحَدُّ شَارِبُ الدُّرْدِيِّ إِلاَّ إِذَا سَكِرَ، لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى خَمْرًا، فَإِذَا سَكِرَ مِنْهُ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ، كَمَا فِي شُرْبِ الْبَاذِقِ أَوِ الْمُنَصَّفِ (3) . حُكْمُ الْمَطْبُوخِ مِنَ الْعِنَبِ أَوْ عَصِيرِهِ: 11 - إِنَّ الْمَطْبُوخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَدْنَى طَبْخٍ، بِحَيْثُ ذَهَبَ مِنْهُ أَقَل مِنَ الثُّلُثَيْنِ، وَكَانَ مُسْكِرًا __________ (1) دردي الخمر: ما يبقى أسفله (ترتيب القاموس المحيط) . (2) المراد بالكراهة هنا: كراهة التحريم، وهي ثبوت طلب الكف عن الفعل بدليل ظني. (مسلم الثبوت 1 / 85 ط بولاق) . (3) البدائع 6 / 936، ومغني المحتاج 4 / 188، والمحلى 1 / 579. يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَامَّةً، لأَِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ أَقَل مِنَ الثُّلُثَيْنِ بِالطَّبْخِ، فَالْحَرَامُ فِيهِ بَاقٍ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ. أَمَّا إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَهُوَ حَلاَلٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَال مُحَمَّدٌ: يَحْرُمُ. وَهَذَا الْخِلاَفُ فِيمَا إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّقَوِّي، أَمَّا إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّلَهِّي فَإِنَّهُ لاَ يَحِل بِالاِتِّفَاقِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ مِثْل قَوْلِهِمَا. وَعَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ. هَذَا إِذَا طُبِخَ عَصِيرُ الْعِنَبِ، فَأَمَّا إِذَا طُبِخَ الْعِنَبُ كَمَا هُوَ، فَقَدْ حَكَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَصِيرِ لاَ يَحِل حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزَّبِيبِ، حَتَّى لَوْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الزَّبِيبِ، أَيْ يَحِل مِنْهُ مَا دُونَ الْمُسْكِرِ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ، لأَِنَّ طَبْخَهُ قَبْل عَصْرِهِ أَبْعَدُ عَنْ صِفَةِ الْخَمْرِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَهَابُ الثُّلُثَيْنِ (1) . حُكْمُ الْمَطْبُوخِ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَسَائِرِ الأَْنْبِذَةِ: 12 - مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ مَا أَسْكَرَ مِنَ النِّيءِ وَالْمَطْبُوخِ، سَوَاءٌ اتُّخِذَ مِنْ الْعِنَبِ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ أَوْ غَيْرِهَا يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَدِلَّتِهِمْ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: إِنَّ الْمَطْبُوخَ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَنَقِيعِ __________ (1) بدائع الصنائع 6 / 2941 - 2942. والهداية مع فتح القدير 9 / 35، والدر المختار 5 / 290. الزَّبِيبِ أَدْنَى طَبْخَةٍ، يَحِل شُرْبُهُ وَلاَ يَحْرُمُ إِلاَّ السُّكْرُ مِنْهُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: الرِّوَايَةُ الأُْولَى: لاَ يَحِل شُرْبُهُ، لَكِنْ لاَ يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ بِالسُّكْرِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: قَال مُحَمَّدٌ: لاَ أُحَرِّمُهُ، وَلَكِنْ لاَ أَشْرَبُ مِنْهُ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لِقَوْلِهِمَا: بِأَنَّ طَبْخَ الْعَصِيرِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ - وَهِيَ أَنْ يَذْهَبَ أَقَل مِنْ ثُلُثَيْهِ - لاَ يَحْرُمُ إِلاَّ السُّكْرُ مِنْهُ، وَإِنِ اشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الشَّرَابَ لاَ يُسْكِرُهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ الإِْسْكَارِ بِنَفْسِهِ. هَذَا، وَإِنْ حَل شُرْبُ الْقَلِيل الَّذِي لاَ يُسْكِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَيْسَ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشُرُوطٍ هِيَ: (1) أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ لِلتَّقَوِّي وَنَحْوِهِ مِنْ غَرَضٍ صَحِيحٍ. (2) أَنْ يَشْرَبَهُ لاَ لِلَّهْوِ وَالطَّرِبِ، فَلَوْ شَرِبَهُ لِلَّهْوِ أَوِ الطَّرِبِ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ. (3) أَلاَّ يَشْرَبْ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، فَلَوْ شَرِبَ حِينَئِذٍ، فَيَحْرُمُ الْقَدَحُ الأَْخِيرُ الَّذِي يَحْصُل السُّكْرُ بِشُرْبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْلَمُ يَقِينًا، أَوْ بِغَالِبِ الرَّأْيِ، أَوْ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ يُسْكِرُهُ (1) . وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِثْلُهُمَا بَقِيَّةُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مِنَ التَّابِعِينَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، __________ (1) بدائع الصنائع 6 / 2943، وحاشية ابن عابدين مع الدر المختار 5 / 291 - 292. وَشَرِيكٌ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ، وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْبَصْرِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ مِنْ سَائِرِ الأَْنْبِذَةِ الَّتِي يُسْكِرُ كَثِيرُهَا هُوَ السُّكْرُ نَفْسُهُ، لاَ الْعَيْنُ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَطْبُوخِ مِنْهَا (1) . 13 - وَدَلِيل أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ السُّنَّةِ مَا يَأْتِي (2) : أ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَمَّهُ، فَقَطَّبَ وَجْهَهُ لِشِدَّتِهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ وَشَرِبَ مِنْهُ} (3) ب - {إِنَّ النَّبِيَّ قَال: لاَ تَنْبِذُوا الزَّهْوَ (4) وَالرُّطَبَ جَمِيعًا، وَلاَ تَنْبِذُوا الرُّطَبَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا، وَلَكِنِ انْتَبِذُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ} ، وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ ذَكَرَ التَّمْرَ بَدَل الرُّطَبِ (5) . قَالُوا: وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُتَّخَذَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا مُبَاحٌ. ج - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا، يَعْنِي فِي الاِنْتِبَاذِ} . وَزِيدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال: {مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ __________ (1) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار 5 / 291 - 292، والهداية مع فتح القدير 9 / 27، وبداية المجتهد 1 / 487. (2) البدائع 6 / 2943 وما بعدها، والهداية مع فتح القدير 9 / 33، والمبسوط 24 / 5 وما بعدها. (3) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بنبيذ. . . . . " أخرجه الدارقطني (4 / 264 ط دار المحاسن) ، والبيهقي (8 / 304 ط دائرة المعارف العثمانية) ، وضعفه الدارقطني، ونقل البيهقي تضعيفه. (4) الزهو: ثمرة النخل إذا خلص لونها إلى الحمرة أو الصفرة (المصباح) . (5) حديث: " لا تنبذوا الزهو. . . . . " أخرجه مسلم (3 / 1576 ط الحلبي) ، وأخرجه البخاري بلفظ: " نهى أن يجمع بين التمر والزهو. . . . ". (10 / 67 - الفتح ط السلفية) . فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا، وَتَمْرًا فَرْدًا، وَبُسْرًا فَرْدًا} . (1) د - وَاسْتَدَلُّوا عَلَى إِبَاحَةِ الْخَلِيطَيْنِ بِمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {كُنَّا نَنْتَبِذُ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاءٍ، فَنَأْخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ، وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ، فَنَطْرَحُهُمَا فِيهِ، ثُمَّ نَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَنَنْتَبِذُهُ غَدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَنَنْتَبِذُهُ عَشِيَّةً فَيَشْرَبُهُ غَدْوَةً} (2) 14 - وَأَدِلَّتُهُمْ مِنَ الآْثَارِ: أ - مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي أُتِيتُ بِشَرَابٍ مِنَ الشَّامِ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، فَذَهَبَ مِنْهُ شَيْطَانُهُ وَرِيحُ جُنُونِهِ، وَبَقِيَ طِيبُهُ وَحَلاَلُهُ، فَمُرِ الْمُسْلِمِينَ قِبَلَكَ، فَلْيَتَوَسَّعُوا بِهِ فِي أَشْرِبَتِهِمْ (3) . فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الثُّلُثِ حَرَامٌ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ فَالْقُوَّةُ الْمُسْكِرَةُ فِيهِ قَائِمَةٌ، وَرَخَّصَ فِي الشَّرَابِ الَّذِي ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ. ب - مَا رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الشَّدِيدَ، وَأَنَّهُ هُوَ وَعَلِيٌّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَمُعَاذُ بْنِ جَبَلٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِيُّ أَحَلُّوا الطِّلاَءَ، وَكَانُوا يَشْرَبُونَهُ، وَهُوَ: مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، وَقَال عُمَرُ: هَذَا الطِّلاَءُ __________ (1) حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن التمر. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1574، 1575 - ط الحلبي) . (2) حديث عائشة: " كنا ننتبذ. . . . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 1126 - ط الحلبي) ، وأعله الشوكاني في النيل بجهالة أحد رواته (8 / 193 ط الحلبي) . (3) نيل الأوطار 8 / 197، والبدائع 6 / 2944 وما بعدها، والمبسوط 24 / 5 وما بعدها. مِثْل طِلاَءِ الإِْبِل، ثُمَّ أَمَرَ بِشُرْبِهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَرْزُقُ النَّاسَ طِلاَءً يَقَعُ فِيهِ الذُّبَابُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، أَيْ لِحَلاَوَتِهِ. حُكْمُ الأَْشْرِبَةِ الأُْخْرَى: 15 - تَقَدَّمَ أَنَّ مَذْهَبَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ تَحْرِيمُ كُل شَرَابٍ مُسْكِرٍ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الأَْشْرِبَةَ الْمُتَّخَذَةَ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْعَسَل وَاللَّبَنِ وَالتِّينِ وَنَحْوِهَا يَحْرُمُ شُرْبُ قَلِيلِهَا إِذَا أَسْكَرَ كَثِيرُهَا، وَبِهَذَا قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ (1) . وَذَلِكَ لِلأَْدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ أَنَّ " كُل شَرَابٍ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُل خَمْرٍ حَرَامٌ " وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَرَأْيُ الْجُمْهُورِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبِذَلِكَ قَال ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَقَتَادَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ عَنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (2) . تَفْصِيلاَتٌ لِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ فِي بَعْضِ الأَْشْرِبَةِ: 16 - اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي حُكْمِ __________ (1) البدائع 5 / 2946، وتبيين الحقائق 6 / 46 - 47، وابن عابدين 5 / 292 - 293. (2) المغني 8 / 305 وما بعدها، والمواق 6 / 318، ومغني المحتاج 4 / 186، 187، والمنتقى على الموطأ 3 / 147، والروضة 10 / 168. بَعْضِ الأَْشْرِبَةِ غَيْرِ الْمُسْكِرَةِ فِي تَقْدِيرِهِمْ، كَالْخَلِيطَيْنِ، وَالنَّبِيذِ، وَالْفُقَّاعِ. أ - الْخَلِيطَانِ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الأَْشْيَاءِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَقْبَل الاِنْتِبَاذَ، كَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَدَّا، لأَِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا} . (1) وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَالْكَرَاهَةِ. أَيْ أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ يَحْرُمُ الْخَلِيطَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الشَّرَابُ مِنْهُمَا مُسْكِرًا سَدًّا لِلذَّرَائِعِ (2) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْكِرِ: الْمُنَصَّفُ، وَهُوَ مَا يُعْمَل مِنْ تَمْرٍ وَرُطَبٍ، وَالْخَلِيطُ: وَهُوَ مَا يُعْمَل مِنْ بُسْرٍ وَرُطَبٍ، لأَِنَّ الإِْسْكَارَ يُسْرِعُ إِلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْل أَنْ يَتَغَيَّرَ، فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْكِرٍ، وَيَكُونُ مُسْكِرًا، فَإِنْ أَمِنَ سُكْرَهُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَيَحِل (3) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يُنْبَذَ فِي الْمَاءِ شَيْئَانِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْخَلِيطَيْنِ (4) وَعَنْ أَحْمَدَ: الْخَلِيطَانِ حَرَامٌ، قَال الْقَاضِي: يَعْنِي أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ: " هُوَ حَرَامٌ ". إِذَا اشْتَدَّ وَأَسْكَرَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِلَّةِ إِسْرَاعِهِ إِلَى السُّكْرِ الْمُحَرَّمِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ (5) . __________ (1) والحديث تقدم تخريجه (ف 12) . (2) المنتقى على الموطأ 3 / 149، وبداية المجتهد 1 / 487 وما بعدها نشر مكتبة الكليات الأزهرية. (3) مغني المحتاج 4 / 187. (4) والحديث تقدم تخريجه (ف 16) . (5) المغني 8 / 318 وما بعدها، وكشاف القناع 6 / 96 وما بعدها. ب - النَّبِيذُ (1) غَيْرُ الْمُسْكِرِ: 17 - قَال الْحَنَابِلَةُ وَغَيْرُهُمْ: لاَ يُكْرَهُ إِذَا كَانَتْ مُدَّةُ الاِنْتِبَاذِ قَرِيبَةً أَوْ يَسِيرَةً، وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. أَمَّا إِذَا بَقِيَ النَّبِيذُ مُدَّةً يُحْتَمَل فِيهَا إِفْضَاؤُهُ إِلَى الإِْسْكَارِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، وَلاَ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّة إِلاَّ بِالإِْسْكَارِ، فَلَمْ يَعْتَبِرُوا الْمُدَّةَ أَوِ الْغَلَيَانَ (2) . وَلاَ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَا لَمْ يَغْل الْعَصِيرُ، أَوْ تَمْضِ عَلَيْهِ مُدَّةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا. وَإِنْ طُبِخَ الْعَصِيرُ أَوِ النَّبِيذُ قَبْل فَوَرَانِهِ وَاشْتِدَادِهِ، أَوْ قَبْل أَنْ تَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ كَالدِّبْسِ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْمُرَبَّيَاتِ، وَشَرَابِ الْخَرُّوبِ، فَهُوَ مُبَاحٌ، لأَِنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا ثَبَتَ فِي الْمُسْكِرِ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْل الإِْبَاحَةِ (3) . وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهْرَاقُ} . (4) الاِنْتِبَاذُ فِي الأَْوْعِيَةِ: 18 - الاِنْتِبَاذُ: اتِّخَاذُ النَّبِيذِ الْمُبَاحِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الاِنْتِبَاذُ فِي الأَْوْعِيَةِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْ جِلْدٍ، وَهِيَ الأَْسْقِيَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا. __________ (1) هو ما يلقى من التمر أو الزبيب ونحوهما، أو الحبوب في الماء ليكسبه من طعمه بشرط ألا يمضي عليه ثلاثة أيام، وإلا حرم، كما سيتضح مما سيأتي (المعجم الوسيط مادة: نبذ) . (2) الروضة 10 / 168، والمدونة 6 / 263، وبداية المجتهد 1 / 490. (3) المغني 8 / 317 - 319. (4) حديث: " أن النبي صلى كان ينقع. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1589 - ط الحلبي) . فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الاِنْتِبَاذِ فِي كُل شَيْءٍ مِنَ الأَْوَانِي، سَوَاءٌ الدُّبَّاءُ (1) وَالْحَنْتَمُ (2) وَالْمُزَفَّتُ (3) وَالنَّقِيرُ (4) ، وَغَيْرُهَا، لأَِنَّ الشَّرَابَ الْحَاصِل بِالاِنْتِبَاذِ فِيهَا لَيْسَتْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الاِنْتِبَاذُ فِي هَذِهِ الأَْوْعِيَةِ وَغَيْرِهَا مُبَاحًا. وَمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الأَْوْعِيَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَْشْرِبَةِ فِي ظُرُوفِ الأَْدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُل وِعَاءٍ، غَيْرَ أَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا} وَفِي رِوَايَةٍ {نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، وَإِنَّ ظَرْفًا لاَ يُحِل شَيْئًا وَلاَ يُحَرِّمُهُ، وَكُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ} (5) فَهَذَا إِخْبَارٌ صَرِيحٌ عَنِ النَّهْيِ عَنْهُ فِيمَا مَضَى، فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخًا لِلنَّهْيِ. وَيَدُل عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ، قَال: {نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ} (6) ، ثُمَّ قَال بَعْدَ ذَلِكَ: {أَلاَ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ فِي الأَْوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِيمَا شِئْتُمْ، __________ (1) الدباء بضم الدال وتشديد الباء، والواحدة دباءة، هي: القرعة اليابسة المجعولة وعاء. المصباح المنير مادة: (دبو) . (2) الحنتم: جرار مدهونة خضر، كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة (النهاية لابن الأثير) . (3) المزفت: الوعاء المطلي بالزفت وهو القار، وهو مما يحدث التغير في الشراب سريعا (المصباح المنير مادة: زفت) . (4) النقير: خشبة تنقر أو تحفر كقصعة وقدح وينبذ فيها. (المصباح المنير مادة: نقر) . (5) حديث: " كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم. . . . " وفي رواية " نهيتكم عن الظروف، - وإن الظروف أو ظرفا - لا يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام " أخرجه مسلم (3 / 1585 - ط الحلبي) . (6) حديث: " نهى عن النبيذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت " أخرجه مسلم (3 / 1579 - ط الحلبي) . وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا، مَنْ شَاءَ أَوْكَى سِقَاءَهُ عَلَى إِثْمٍ} (1) وَالْقَوْل بِنَسْخِ الاِنْتِبَاذِ فِي الأَْوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، فَلاَ يَحْرُمُ وَلاَ يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي أَيِّ وِعَاءٍ (2) . وَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ: يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ، وَعَلَيْهِمَا اقْتَصَرَ مَالِكٌ، فَلاَ يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي غَيْرِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ. وَكَرِهَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالثَّوْرِيُّ الاِنْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِيهَا، فَالنَّهْيُ عِنْدَ هَؤُلاَءِ بَاقٍ، سَدًّا لِلذَّرَائِعِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْوْعِيَةَ تُعَجِّل شِدَّةَ النَّبِيذِ. حَالاَتُ الاِضْطِرَارِ: 19 - مَا سَبَقَ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَوِ الأَْنْبِذَةِ عِنْدَ الإِْسْكَارِ إِنَّمَا هُوَ فِي الأَْحْوَال الْعَادِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الاِضْطِرَارِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ، وَيُرَخَّصُ شَرْعًا تَنَاوُل الْخَمْرِ، وَلَكِنْ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي تُبَاحُ بِهِ الْمُحَرَّمَاتُ، كَضَرُورَةِ الْعَطَشِ، أَوِ الْغَصَصِ، أَوِ الإِْكْرَاهِ، فَيَتَنَاوَل الْمُضْطَرُّ بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ __________ (1) أي من شاء ربط بالخيط فم سقائه: (وعائه المصنوع من الجلد) للحفظ، مع أن فيه شرابا محرما، فيحتمل جزاء ذلك، والواجب عليه إراقته إن لم يتخلل (نيل الأوطار 8 / 183) . وحديث: " ألا كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية. . . . " أخرجه أحمد (3 / 481 ط الميمنية) من حديث ابن الرسيم، وقال الهيثمي في المجمع (5 / 163 ط القدسي) : فيه يحيى بن عبد الله الجابر، وهو ضعيف عند الجمهور، وابن الرسيم لم أعرفه. (2) المنتقى على الموطأ 3 / 148، وبداية المجتهد 1 / 490 - 491، والمغني 8 / 317، والمدونة 6 / 263. الضَّرُورَةُ، وَهَذَا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَى جَمِيعِهِ، بَل فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أ - الإِْكْرَاهُ: 20 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ شُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: {إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ} (1) إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالْجَوَازِ أَلْزَمُوا شَارِبَ الْخَمْرِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ - وَكُل آكِل حَرَامٍ أَوْ شَارِبِهِ - أَنْ يَتَقَيَّأَهُ إِنْ أَطَاقَهُ، لأَِنَّهُ أُبِيحَ شُرْبُهُ لِلإِْكْرَاهِ، وَلاَ يُبَاحُ بَقَاؤُهُ فِي الْبَطْنِ بَعْدَ زَوَال السَّبَبِ (2) . وَلِزِيَادَةِ التَّفْصِيل رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: (إِكْرَاهٌ) . ب - الْغَصَصُ أَوِ الْعَطَشُ: 21 - يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ شُرْبُ الْخَمْرِ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا (وَلَوْ مَاءً نَجِسًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) لإِِسَاغَةِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا، بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، خِلاَفًا لاِبْنِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِي يَرَى أَنَّ ضَرُورَةَ الْغَصَصِ تَدْرَأُ الْحَدَّ وَلاَ تَمْنَعُ الْحُرْمَةَ. وَإِنَّمَا حَلَّتْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ لِدَفْعِ الْغَصَصِ إِنْقَاذًا لِلنَّفْسِ مِنَ الْهَلاَكِ، وَالسَّلاَمَةُ بِذَلِكَ قَطْعِيَّةٌ، __________ (1) حديث: " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " أخرجه ابن ماجه (1 / 659 ط الحلبي) ، وصححه ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص 350 ط الحلبي) . (2) الدسوقي مع الشرح الكبير 4 / 353، والفواكه الدواني 2 / 289، والحطاب 6 / 318، وكشاف القناع 6 / 117، ونهاية المحتاج 8 / 10، والفتاوى البزازية بهامش الهندية 6 / 127، وحاشية ابن عابدين 5 / 88. وَقْتِ الصَّلاَةِ بِأَلْفَاظٍ مَعْلُومَةٍ مَأْثُورَةٍ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ يَحْصُل بِهَا الإِْعْلاَمُ، (1) . فَالأَْذَانُ وَالإِْقَامَةُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِعْلاَمٌ، وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الإِْعْلاَمَ فِي الإِْقَامَةِ هُوَ لِلْحَاضِرِينَ الْمُتَأَهِّبِينَ لاِفْتِتَاحِ الصَّلاَةِ، وَالأَْذَانُ لِلْغَائِبِينَ لِيَتَأَهَّبُوا لِلصَّلاَةِ، كَمَا أَنَّ صِيغَةَ الأَْذَانِ قَدْ تَنْقُصُ أَوْ تَزِيدُ عَنِ الإِْقَامَةِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ. ب - التَّثْوِيبُ: التَّثْوِيبُ عَوْدٌ إِلَى الإِْعْلاَمِ بَعْدَ الإِْعْلاَمِ. وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، زِيَادَةُ " الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ " (2) . حُكْمُ الإِْقَامَةِ التَّكْلِيفِيُّ: 5 - فِي حُكْمِ الإِْقَامَةِ التَّكْلِيفِيِّ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: أَنَّ الإِْقَامَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الآْخَرِينَ، وَإِذَا تُرِكَ أَثِمُوا جَمِيعًا. قَال بِهَذَا الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلِبَعْضٍ آخَرَ لِلْجُمُعَةِ فَقَطْ. وَهُوَ رَأْيُ عَطَاءٍ وَالأَْوْزَاعِيِّ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُ إِنْ نَسِيَ الإِْقَامَةَ أَعَادَ الصَّلاَةَ، وَقَال مُجَاهِدٌ: إِنْ نَسِيَ الإِْقَامَةَ فِي السَّفَرِ أَعَادَ، (3) وَلَعَلَّهُ لِمَا فِي السَّفَرِ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى إِظْهَارِ الشَّعَائِرِ. وَاسْتُدِل لِلْقَوْل بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ بِكَوْنِهَا مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ الظَّاهِرَةِ، وَفِي تَرْكِهَا تَهَاوُنٌ، فَكَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ مِثْل الْجِهَادِ. (4) __________ (1) الاختيار 1 / 42، وابن عابدين 1 / 256 ط بولاق، والمغني 1 / 413، ط المنار، وفتح القدير 1 / 178. (2) المبسوط 1 / 120. (3) كشاف القناع 1 / 210، والمجموع للنووي 3 / 81 - 82. (4) مغني المحتاج 1 / 134 ط دار إحياء التراث العربي، والمغني لابن قدامة 1 / 417 ط الرياض. الثَّانِي: أَنَّ الإِْقَامَةَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَال مُحَمَّدٌ بِالْوُجُوبِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ هُنَا السُّنَنُ الَّتِي هِيَ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ الظَّاهِرَةِ، فَلاَ يَسَعُ الْمُسْلِمِينَ تَرْكُهَا، وَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ أَسَاءَ، لأَِنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ يُوجِبُ الإِْسَاءَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَفَسَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ السُّنِّيَّةَ بِالْوُجُوبِ، حَيْثُ قَال فِي التَّارِكِينَ: أَخْطَئُوا السُّنَّةَ وَخَالَفُوا وَأَثِمُوا، وَالإِْثْمُ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ. (1) وَاحْتَجُّوا لِلسُّنِّيَّةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلأَْعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ: افْعَل كَذَا وَكَذَا. (2) وَلَمْ يَذْكُرِ الأَْذَانَ وَلاَ الإِْقَامَةَ مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْوُضُوءَ وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَأَرْكَانَ الصَّلاَةِ، وَلَوْ كَانَتِ الإِْقَامَةُ وَاجِبَةً لَذَكَرَهَا. تَارِيخُ تَشْرِيعِ الإِْقَامَةِ، وَحِكْمَتُهَا: 6 - تَارِيخُ تَشْرِيعِ الإِْقَامَةِ هُوَ تَارِيخُ تَشْرِيعِ الأَْذَانِ (ر: أَذَان) . أَمَّا حِكْمَتُهَا: فَهِيَ إِعْلاَءُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْمِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِقْرَارٌ لِلْفَلاَحِ وَالْفَوْزِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، لِتَرْكِيزِ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْمُسْلِمِ، وَإِظْهَارٌ لِشَعِيرَةٍ مِنْ أَفْضَل الشَّعَائِرِ (3) . كَيْفِيَّةُ الإِْقَامَةِ: 7 - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الإِْقَامَةِ هِيَ __________ (1) بدائع الصنائع 1 / 403 ط العاصمة، ومواهب الجليل 1 / 461 ط ليبيا، والمجموع للنووي 3 / 81. (2) حديث: " المسيء صلاته ". أخرجه البخاري (2 / 237 - الفتح ط السلفية) ومسلم (1 / 298 - ط الحلبي) . (3) فتح القدير 1 / 167، ومواهب الجليل 1 / 423، والمجموع للنووي 3 / 81، ونهاية المحتاج 1 / 384 نَفْسُ أَلْفَاظِ الأَْذَانِ فِي الْجُمْلَةِ بِزِيَادَةِ: " قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ " بَعْدَ " حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ ". وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ أَلْفَاظِهَا هُوَ نَفْسُ تَرْتِيبِ أَلْفَاظِ الأَْذَانِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْرَارِ وَإِفْرَادِ أَلْفَاظِهَا عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي: اللَّهُ أَكْبَرُ. تُقَال فِي بَدْءِ الإِْقَامَةِ " مَرَّتَيْنِ " عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، وَأَرْبَعَ مَرَّاتٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. تُقَال " مَرَّةً وَاحِدَةً " عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ " وَمَرَّتَيْنِ " عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ. تُقَال " مَرَّةً وَاحِدَةً " عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ " وَمَرَّتَيْنِ " عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ. تُقَال: " مَرَّةً وَاحِدَةً " عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ " وَمَرَّتَيْنِ " عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ. تُقَال: " مَرَّةً وَاحِدَةً " عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ " وَمَرَّتَيْنِ " عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ. تُقَال " مَرَّتَيْنِ " عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ " وَمَرَّةً وَاحِدَةً " عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. اللَّهُ أَكْبَرُ. تُقَال " مَرَّتَيْنِ " عَلَى الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. تُقَال " مَرَّةً وَاحِدَةً " عَلَى الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. وَيُسْتَخْلَصُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَذَاهِبَ الثَّلاَثَةَ تَخْتَلِفُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ بِإِفْرَادِ أَكْثَرِ أَلْفَاظِ الإِْقَامَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَال: أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَْذَانَ وَيُوتِرَ الإِْقَامَةَ. (1) وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: إِنَّمَا كَانَ الأَْذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالإِْقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً. (2) أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَجْعَلُونَ الإِْقَامَةَ مِثْل الأَْذَانِ بِزِيَادَةِ " قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ " مَرَّتَيْنِ بَعْدَ " حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ (3) ". وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأَْنْصَارِيِّ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلاً قَامَ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ، فَقَامَ عَلَى حَائِطٍ فَأَذَّنَ مَثْنَى مَثْنَى، وَأَقَامَ مَثْنَى مَثْنَى وَلِمَا رُوِيَ كَذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ، يَعْنِي الْمَلَكَ، وَقَال: اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُ أَكْبَرُ. . إِلَى آخِرِ الأَْذَانِ. قَال: ثُمَّ أَمْهَل هُنَيْهَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَال مِثْلَهَا، إِلاَ أَنَّهُ قَال: زَادَ بَعْدَمَا قَال " حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ ": قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ (4) . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَخْتَلِفُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي تَثْنِيَةِ " قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ "، فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا تُقَال مَرَّةً __________ (1) حديث أنس: " أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة "، أخرجه البخاري (2 / 77 - الفتح ط السلفية) ومسلم (1 / 286 ط الحلبي) وزاد البخاري فيه (2 / 82) قوله: " إلا الإقامة ". (2) حديث ابن عمر: " إنما كان الأذان على عهد رسول صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة ". أخرجه أبو داود (1 / 350 - ط عزت عبيد دعاس) والنسائي (2 / 21 ط المكتبة التجارية) . وهو ثابت لطرقه. التلخيص الحبير (1 / 196 - ط دار المحاسن) . (3) فتح القدير 1 / 169، والجمل على شرح المنهج 1 / 301 ط إحياء التراث، ومواهب الجليل 1 / 461 ط ليبيا، والمغني 1 / 406 ط الرياض (4) حديث عبد الله بن زيد. . أخرجه أبو داود (1 / 337 - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن عبد البر. كما في فتح الباري (2 / 81 - ط السلفية) . وَاحِدَةً. لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَال: أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَْذَانَ وَيُوتِرَ الإِْقَامَةَ. (1) حَدْرُ الإِْقَامَةِ: 8 - الْحَدْرُ هُوَ الإِْسْرَاعُ وَقَطْعُ التَّطْوِيل. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْحَدْرِ فِي الإِْقَامَةِ وَالتَّرَسُّل فِي الأَْذَانِ، لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَلِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال لِمُؤَذِّنِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ: " إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْذِمْ قَال الأَْصْمَعِيُّ: وَأَصْل الْحَذْمِ - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - فِي الْمَشْيِ إِنَّمَا هُوَ الإِْسْرَاعُ (2) . وَقْتُ الإِْقَامَةِ: 9 - شُرِعَتِ الإِْقَامَةُ أُهْبَةً لِلصَّلاَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا، تَفْخِيمًا لَهَا كَغُسْل الإِْحْرَامِ، وَغُسْل الْجُمُعَةِ، ثُمَّ لإِِعْلاَمِ النَّفْسِ بِالتَّأَهُّبِ وَالْقِيَامِ لِلصَّلاَةِ، وَإِعْلاَمِ __________ (1) شرح الزرقاني 1 / 162 ط دار الفكر، وجواهر الإكليل 1 / 37، والدسوقي 1 / 184 ط دار الفكر. وحديث أنس سبق تخريجه في هذه الفقرة نفسها. (2) المغني 1 / 407، والاختيار 1 / 43 ط دار المعرفة، ومواهب الجليل 1 / 437، والمجموع 3 / 108، وفتح القدير 1 / 170 ط دار صادر، والأشباه والنظائر بحاشية الحموي 2 ر 244 ط العامرة. وحديث: " وإذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر ". رواه الترمذي (1 / 373 - ط الحلبي) وأعله الزيلعي في نصب الراية (1 / 275 - ط المجلس العلمي) بضعف راويين في إسناده. ورواية أبي عبيد بإسناده عن عمر رضي الله عنه " إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذم " أخرجه الدارقطني (1 / 238 - ط شركة الطباعة الفنية) وفي إسناده جهالة. كذا في التعليق على الدارقطني. الاِفْتِتَاحِ (1) . وَلاَ يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِ الصَّلاَةِ، بَل يَدْخُل وَقْتُهَا بِدُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا شَرْطَانِ، الأَْوَّل: دُخُول الْوَقْتِ، وَالثَّانِي: إِرَادَةُ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ. فَإِنْ أَقَامَ قُبَيْل الْوَقْتِ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ بِحَيْثُ دَخَل الْوَقْتُ عَقِبَ الإِْقَامَةِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي الصَّلاَةِ عَقِبَ ذَلِكَ لَمْ تَحْصُل الإِْقَامَةُ، وَإِنْ أَقَامَ فِي الْوَقْتِ وَأَخَّرَ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ بَطَلَتْ إِقَامَتُهُ إِنْ طَال الْفَصْل، لأَِنَّهَا تُرَادُ لِلدُّخُول فِي الصَّلاَةِ، فَلاَ يَجُوزُ إِطَالَةُ الْفَصْل. (2) . مَا يُشْتَرَطُ لإِِجْزَاءِ الإِْقَامَةِ: 10 - يُشْتَرَطُ فِي الإِْقَامَةِ مَا يَأْتِي: دُخُول الْوَقْتِ، وَنِيَّةُ الإِْقَامَةِ، وَالأَْدَاءُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْخُلُوُّ مِنَ اللَّحْنِ الْمُغَيِّرِ لِلْمَعْنَى، وَرَفْعُ الصَّوْتِ. وَلَكِنْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالإِْقَامَةِ يَكُونُ أَخَفَّ مِنْ رَفْعِهِ بِالأَْذَانِ، لاِخْتِلاَفِ الْمَقْصُودِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. فَالْمَقْصُودُ مِنَ الأَْذَانِ: إِعْلاَمُ الْغَائِبِينَ بِالصَّلاَةِ، أَمَّا الإِْقَامَةُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا طَلَبُ قِيَامِ الْحَاضِرِينَ فِعْلاً لِلصَّلاَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الإِْقَامَةِ. وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ، وَالْمُوَالاَةُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الإِْقَامَةِ. وَفِي هَذِهِ الشُّرُوطِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " أَذَان (3) ". __________ (1) الحطاب 1 / 464 ط ليبيا، والهداية مع فتح القدير 1 / 178. (2) المجموع للنووي 3 / 89، والمغني 1 / 2 1 4، 6 1 4، وشرح العناية على فتح القدير 171، 172 (3) ابن عابدين 1 / 256، وبدائع الصنائع 1 / 149، 409، والطحطاوي 1 / 105، وحاشية السوقي 1 / 181، 196، والحطاب 1 / 428، 437، 477، والمجموع 3 / 113، وأسنى المطالب 1 / 33 1، والرهوني 1 / 314، والمغني 1 / 439، 449، وكشاف القناع 1 / 211 - 222 شَرَائِطُ الْمُقِيمِ: 11 - تَشْتَرِكُ الإِْقَامَةُ مَعَ الأَْذَانِ فِي هَذِهِ الشَّرَائِطِ وَنَذْكُرُهَا إِجْمَالاً، وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَةَ تَفْصِيلٍ فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُصْطَلَحِ (أَذَان) ، وَأَوَّل هَذِهِ الشُّرُوطِ. أ - الإِْسْلاَمُ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الإِْسْلاَمِ فِي الْمُقِيمِ، فَلاَ تَصِحُّ الإِْقَامَةُ مِنَ الْكَافِرِ وَلاَ الْمُرْتَدِّ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا. (1) ب - الذُّكُورَةُ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ أَذَانِ الْمَرْأَةِ وَإِقَامَتِهَا لِجَمَاعَةِ الرِّجَال، لأَِنَّ الأَْذَانَ فِي الأَْصْل لِلإِْعْلاَمِ، وَلاَ يُشْرَعُ لَهَا ذَلِكَ، وَالأَْذَانُ يُشْرَعُ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلاَ يُشْرَعُ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ، وَمَنْ لاَ يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ الأَْذَانُ لاَ يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ الإِْقَامَةُ. وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مُنْفَرِدَةً أَوْ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ فَفِيهِ اتِّجَاهَاتٌ. الأَْوَّل: الاِسْتِحْبَابُ. وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. الثَّانِي: الإِْبَاحَةُ. وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. الثَّالِثُ: الْكَرَاهَةُ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ. (2) ج - الْعَقْل: نَصَّ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى بُطْلاَنِ __________ (1) ابن عابدين 1 / 263، والبحر الرائق 1 / 279، والجمل 1 / 304، ونهاية المحتاج 1 / 394، والمجموع 3 / 99، والحطاب 1 / 434، وحاشية الدسوقي 1 / 195، والمغني 1 / 429. (2) تبيين الحقائق 1 / 94، والفتاوى الهندية 1 / 54 ط بولاق، والمغني 1 / 422 ط الرياض، والمهذب 1 / 64، وحاشية الدسوقي 1 / 200 ط دار الفكر، ومواهب الجليل 1 / 463، 464. أَذَانِ وَإِقَامَةِ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالسَّكْرَانِ، وَقَالُوا: يَجِبُ إِعَادَةُ أَذَانِهِمْ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إِلاَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي السَّكْرَانِ، حَيْثُ قَالُوا بِكَرَاهَةِ أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ وَاسْتِحْبَابِ إِعَادَتِهِمَا. (1) د - الْبُلُوغُ: لِلْعُلَمَاءِ فِي إِقَامَةِ الصَّبِيِّ ثَلاَثَةُ آرَاءَ: الأَْوَّل: لاَ تَصِحُّ إِقَامَةُ الصَّبِيِّ سَوَاءٌ أَكَانَ مُمَيِّزًا أَمْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. الثَّانِي: تَصِحُّ إِقَامَتُهُ إِنْ كَانَ مُمَيِّزًا عَاقِلاً، وَهُوَ رَأْيٌ آخَرُ فِي تِلْكَ الْمَذَاهِبِ. الثَّالِثُ: الْكَرَاهَةُ إِذَا كَانَ مُمَيِّزًا، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ. (2) هـ - الْعَدَالَةُ: فِي إِقَامَةِ الْفَاسِقِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ (3) : الأَْوَّل: لاَ يُعْتَدُّ بِهَا، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ. الثَّانِي: الْكَرَاهَةُ: وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ. الثَّالِثُ: يَصِحُّ وَيُسْتَحَبُّ إِعَادَتُهُ. وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ فِي (الأَْذَان) . و الطَّهَارَةُ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الإِْقَامَةِ مَعَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ، لأَِنَّ السُّنَّةَ وَصْل الإِْقَامَةِ بِالشُّرُوعِ بِالصَّلاَةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى سُنِّيَّةِ الإِْعَادَةِ __________ (1) ابن عابدين 1 / 263 ط بولاق، والفتاوى الهندية 1 / 54، والحطاب 1 / 434 ط ليبيا، وحاشية الدسوقي 1 / 195، والمجموع 3 / 100، والمغني 1 / 429 (2) ابن عابدين 1 / 263، والحطاب 1 / 435، والمجموع 3 / 100، والمغني 1 / 429 (3) منحة الخالق على البحر الرائق 1 / 278، والمغني 1 / 413 ط الرياض، والخرشي 1 / 232، والنووي 3 / 101. مَا عَدَا الْحَنَفِيَّةَ. وَفِي رَأْيٍ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّ إِقَامَةَ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ جَائِزَةٌ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ. أَمَّا مِنَ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ فَفِيهِ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى كَرَاهَةِ إِقَامَةِ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَرَ. الثَّانِي: الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: بُطْلاَنُ الأَْذَانِ مَعَ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ (1) . مَا يُسْتَحَبُّ فِي الإِْقَامَةِ: 12 - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْحَدْرِ فِي الإِْقَامَةِ وَالتَّرَسُّل فِي الأَْذَانِ كَمَا مَرَّ (ف) . وَفِي الْوَقْفِ عَلَى آخِرِ كُل جُمْلَةٍ فِي الإِْقَامَةِ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: قَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، الإِْقَامَةُ مُعْرَبَةٌ إِنْ وَصَل كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ. فَإِنْ وَقَفَ الْمُقِيمُ وَقَفَ عَلَيْهَا بِالسُّكُونِ. الثَّانِي: قَال الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رَأْيٌ آخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ: الإِْقَامَةُ عَلَى الْجَزْمِ مِثْل الأَْذَانِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَنَّهُ قَال: الأَْذَانُ جَزْمٌ، وَالإِْقَامَةُ جَزْمٌ، وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ (2) . وَفِي التَّكْبِيرَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ أَقْوَالٌ، فَالتَّكْبِيرَةُ الأُْولَى فِيهَا قَوْلاَنِ: __________ (1) بدائع الصنائع 1 / 413 ط العاصمة، والبحر الرائق 1 / 277 وحاشية الدسوقي 1 / 195، والمجموع للنووي 3 / 104، 105، والمغني 1 / 413 ط الرياض. ويلاحظ أنه لا يحل للمحدث حدثا أكبر دخول المسجد. (2) ابن عابدين 1 / 259، والحطاب 1 / 426، وكشاف القناع 1 / 216، والمغني 1 / 407 وحديث: " الأذان جزم، والإقامة جزم، والتكبير جزم ". قال السخاوي: لا أصل له، إنما هو من قول إبراهيم النخعي. المقاصد الحسنة (ص 160 - ط الخانجي) . الأَْوَّل، لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: فِيهَا الْوَقْفُ بِالسُّكُونِ، وَالْفَتْحُ، وَالضَّمُّ. الثَّانِي، رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ: فِيهَا السُّكُونُ، أَوِ الضَّمُّ. أَمَّا التَّكْبِيرَةُ الثَّانِيَةُ فَفِيهَا أَيْضًا قَوْلاَنِ: الأَْوَّل، رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ: الْجَزْمُ لاَ غَيْرُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الإِْقَامَةَ جَزْمٌ. الثَّانِي: الإِْعْرَابُ وَهُوَ: الضَّمُّ، وَهُوَ رَأْيٌ آخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالْجَمِيعُ جَائِزٌ، وَلَكِنَّ الْخِلاَفَ فِي الأَْفْضَل وَالْمُسْتَحَبِّ. (1) 13 - وَمِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ عِنْدَ الْمَذَاهِبِ: اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الاِلْتِفَاتَ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ " حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ ". وَفِي الاِلْتِفَاتِ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ فِي الإِْقَامَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءَ. الأَْوَّل: يُسْتَحَبُّ الاِلْتِفَاتُ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ الْمَكَانُ مُتَّسَعًا، وَلاَ يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ الْمَكَانُ ضَيِّقًا، أَوِ الْجَمَاعَةُ قَلِيلَةً. وَهَذَانِ الرَّأْيَانِ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. (2) الثَّالِثُ: لاَ يُسْتَحَبُّ أَصْلاً لأَِنَّ الاِسْتِحْبَابَ فِي الأَْذَانِ كَانَ لإِِعْلاَمِ الْغَائِبِينَ، وَالإِْقَامَةُ لإِِعْلاَمِ الْحَاضِرِينَ الْمُنْتَظِرِينَ لِلصَّلاَةِ، فَلاَ يُسْتَحَبُّ تَحْوِيل الْوَجْهِ، وَهَذَا الرَّأْيُ لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ __________ (1) نفس المراجع السابقة. (2) البحر الرائق 1 / 272، والمجموع للنووي 3 / 07 1. الاِلْتِفَاتِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ. وَفِي رَأْيٍ آخَرَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي الاِبْتِدَاءِ. (1) 14 - وَيُسْتَحَبُّ فِيمَنْ يُقِيمُ الصَّلاَةَ: أَنْ يَكُونَ تَقِيًّا، عَالِمًا بِالسُّنَّةِ، وَعَالِمًا بِأَوْقَاتِ الصَّلاَةِ، وَحَسَنَ الصَّوْتِ، مُرْتَفِعَهُ مِنْ غَيْرِ تَطْرِيبٍ وَلاَ غِنَاءٍ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الأَْذَانِ. 15 - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمُقِيمِ الصَّلاَةِ أَنْ يُقِيمَ وَاقِفًا. وَتُكْرَهُ الإِْقَامَةُ قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. فَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ فَلاَ بَأْسَ. قَال الْحَسَنُ الْعَبْدِيُّ: " رَأَيْتُ أَبَا زَيْدٍ صَاحِبَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ رِجْلُهُ أُصِيبَتْ فِي سَبِيل اللَّهِ، يُؤَذِّنُ قَاعِدًا (2) وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ فَانْتَهَوْا إِلَى مَضِيقٍ، وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَل فِيهِمْ، فَأَذَّنَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَقَامَ، فَتَقَدَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً، يَجْعَل السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ (3) . كَمَا تُكْرَهُ إِقَامَةُ الْمَاشِي وَالرَّاكِبِ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ بِلاَلاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَذَّنَ وَهُوَ رَاكِبٌ، ثُمَّ __________ (1) البحر الرائق 1 / 272، والحطاب والتاج والإكليل عليه 1 / 441 ط ليبيا، وحاشية الدسوقي 1 / 156 ط دار الفكر، والخرشي وحاشية العدوي عليه 1 / 232 ط دار صادر، والمجموع للنووي 3 / 107، والمغني 1 / 426 ط الرياض، وكشاف القناع 1 / 217 ط أنصار السنة (2) قول الحسن العبدي: رأيت أبا زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن قاعدا. رواه البيهقي (1 / 392) وإسناده حسن. التلخيص لابن حجر (1 / 303 - ط دار المحاسن) . (3) حديث: " أن الصحابة كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير. . أخرجه الترمذي (2 / 267 ط الحلبي) والبيهقي (2 / 7 - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال: وفي إسناده ضعف. نَزَل وَأَقَامَ عَلَى الأَْرْضِ (1) . وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْزِل لَوَقَعَ الْفَصْل بَيْنَ الإِْقَامَةِ وَالشُّرُوعِ فِي الصَّلاَةِ بِالنُّزُول، وَأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَلأَِنَّهُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْقِيَامِ لِلصَّلاَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَهَيِّئٍ لَهَا. وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ إِقَامَةَ الرَّاكِبِ فِي السَّفَرِ بِدُونِ عُذْرٍ جَائِزَةٌ بِدُونِ كَرَاهَةٍ (2) . مَا يُكْرَهُ فِي الإِْقَامَةِ 16 - يُكْرَهُ فِي الإِْقَامَةِ: تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِهَا الَّتِي سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْهَا، وَمِمَّا يُكْرَهُ أَيْضًا: الْكَلاَمُ فِي الإِْقَامَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ إِذَا كَانَ كَثِيرًا، أَمَّا إِنْ كَانَ الْكَلاَمُ فِي الإِْقَامَةِ لِضَرُورَةٍ مِثْل مَا لَوْ رَأَى أَعْمَى يَخَافُ وُقُوعَهُ فِي بِئْرٍ، أَوْ حَيَّةً تَدِبُّ إِلَى غَافِلٍ، أَوْ سَيَّارَةً تُوشِكُ أَنْ تَدْهَمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إِنْذَارَهُ وَيَبْنِي عَلَى إِقَامَتِهِ. أَمَّا الْكَلاَمُ الْقَلِيل لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَفِيهِ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: لاَ يُكْرَهُ بَل يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِ الأَْفْضَل. قَال بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ فِي الْخُطْبَةِ، (3) فَالأَْذَانُ أَوْلَى أَلاَّ يَبْطُل، وَكَذَلِكَ الإِْقَامَةُ، وَلأَِنَّهُمَا يَصِحَّانِ مَعَ الْحَدَثِ، وَقَاعِدًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّخْفِيفِ. __________ (1) الأثر عن بلال رضي الله عنه: أذن بلال وهو راكب ثم نزل أخرجه البيهقي في سننه (1 / 392 - ط دائرة المعارف العثمانية) وأعله بالإرسال. (2) ابن عابدين 1 / 26، وبدائع الصنائع 1 / 413، 414، وكشاف القناع 1 / 216، 217، والمغني 1 / 424 ط الرياض، والمجموع للنووي 3 / 106، والحطاب 1 / 441. (3) حديث: " تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة ". أخرجه البخاري (2 / 407 - الفتح ط السلفية) ومسلم (2 / 596 - ط الحلبي) . الثَّانِي: يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَبْنِي عَلَى إِقَامَتِهِ، وَبِهَذَا قَال الزُّهْرِيُّ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لأَِنَّ الإِْقَامَةَ حَدْرٌ، وَهَذَا يُخَالِفُ الْوَارِدَ، وَيَقْطَعُ بَيْنَ كَلِمَاتِهَا. (1) وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّمْطِيطَ وَالتَّغَنِّيَ وَالتَّطْرِيبَ بِزِيَادَةِ حَرَكَةٍ أَوْ حَرْفٍ أَوْ مَدٍّ أَوْ غَيْرِهَا فِي الأَْوَائِل وَالأَْوَاخِرِ مَكْرُوهٌ، لِمُنَافَاةِ الْخُشُوعِ وَالْوَقَارِ. أَمَّا إِذَا تَفَاحَشَ التَّغَنِّي وَالتَّطْرِيبُ بِحَيْثُ يُخِل بِالْمَعْنَى فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِدُونِ خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ (2) . لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً قَال لاِبْنِ عُمَرَ: إِنِّي لأَُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. قَال: وَأَنَا أَبْغَضُكَ فِي اللَّهِ، إِنَّكَ تَتَغَنَّى فِي أَذَانِكَ (3) . قَال حَمَّادٌ: يَعْنِي التَّطْرِيبَ. إِقَامَةُ غَيْرِ الْمُؤَذِّنِ: 17 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى الإِْقَامَةَ مَنْ تَوَلَّى الأَْذَانَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ أَنَّهُ قَال: بَعَثَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلاَلاً إِلَى حَاجَةٍ لَهُ فَأَمَرَنِي أَنْ أُؤَذِّنَ فَأَذَّنْتُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَال: إِنَّ أَخَا صِدَاءٍ هُوَ الَّذِي أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ الَّذِي يُقِيمُ (4) __________ (1) ابن عابدين 1 / 260 ط بولاق، وحاشية الدسوقي 1 / 179ط دار الفكر، والمجموع للنووي 3 / 115، والمغني 1 / 425 ط الرياض. (2) المجموع للنووي 3 / 108، وابن عابدين 1 / 259، وكشاف القناع 1 / 222، وحاشية الدسوقي 1 / 196. (3) روي أن رجلا قال لابن عمر: " إني أحبك في الله ". أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد للهيثمي (2 / 3 - ط القدسي) وقال الهيثمي: فيه يحيى البكاء ضعفه أحمد وأبو حاتم وأبو داود. (4) حديث: " إن أخا صداء هو الذي أذن ومن أذن فهو الذي يقيم " أخرجه ابن ماجه (1 / 237 - ط الحلبي) وإسناده ضعيف. التلخيص لابن حجر (1 / 209 - ط دار المحاسن) . وَلأَِنَّهُمَا فِعْلاَنِ مِنَ الذِّكْرِ يَتَقَدَّمَانِ الصَّلاَةَ، فَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَلاَّهُمَا وَاحِدٌ كَالْخُطْبَتَيْنِ، وَوَافَقَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ إِذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ يَتَأَذَّى مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِهِ، لأَِنَّ أَذَى الْمُسْلِمِ مَكْرُوهٌ (1) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ رَجُلٌ وَيُقِيمَ غَيْرُهُ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ رَأَى الأَْذَانَ فِي الْمَنَامِ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَال: أَلْقِهِ عَلَى بِلاَلٍ، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ، فَأَذَّنَ بِلاَلٌ، فَقَال عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا رَأَيْتُهُ وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ قَال: أَقِمْ أَنْتَ. وَلأَِنَّهُ يَحْصُل الْمَقْصُودُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَلاَّهُمَا مَعًا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ لاَ يَتَأَذَّى مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِهِ. (2) إِعَادَةُ الإِْقَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ: 18 - لَوْ صُلِّيَ فِي مَسْجِدٍ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، هَل يُكْرَهُ أَنْ يُؤَذَّنَ وَيُقَامَ فِيهِ ثَانِيًا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءَ: الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَرَأْيٌ ضَعِيفٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِذَا صُلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ كُرِهَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ، وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَذَّنَ وَصَلَّى أَوَّلاً هُمْ أَهْل الْمَسْجِدِ " أَيْ أَهْل حَيِّهِ " فَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ فَأَذَانُ الْجَمَاعَةِ وَإِقَامَتُهُمْ لَهُمْ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ. الثَّانِي فِي الرَّأْيِ الرَّاجِحِ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: __________ (1) بدائع الصنائع 1 / 414 ط العاصمة، والمغني 1 / 415 ط الرياض، والمجموع 3 / 121. (2) بدائع الصنائع 1 / 414 ط العاصمة، والحطاب 1 / 453 ط ليبيا، والمغني 1 / 416 ط الرياض. يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ لِلْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ مَا يَسْمَعُونَ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَلَيْسَ لَهُ أَهْلٌ مَعْلُومُونَ، أَوْ صَلَّى فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لأَِهْلِهِ أَنْ يُؤَذِّنُوا وَيُقِيمُوا. الثَّالِثُ لِلْحَنَابِلَةِ: الْخِيَارُ، إِنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَيُخْفِيَ أَذَانَهُ وَإِقَامَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ صَلَّى مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ. (1) مَا يُقَامُ لَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ: 19 - يُقَامُ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الْمَفْرُوضَةِ فِي حَال الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَالاِنْفِرَادِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى طَلَبِ الإِْقَامَةِ لِكُلٍّ مِنَ الصَّلاَتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، لأَِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ وَأَقَامَ لِكُل صَلاَةٍ (2) . وَلأَِنَّهُمَا صَلاَتَانِ جَمَعَهُمَا وَقْتٌ وَاحِدٌ، وَتُصَلَّى كُل صَلاَةٍ وَحْدَهَا، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ لِكُل صَلاَةٍ إِقَامَةٌ. (3) وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى طَلَبِ الإِْقَامَةِ لِلصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حِينَ شَغَلَهُمُ الْكُفَّارُ يَوْمَ الأَْحْزَابِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ أَمَرَ بِلاَلاً أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، حَتَّى قَالُوا: أَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى __________ (1) بدائع الصنائع 1 / 418، وحاشية الدسوقي 1 / 198، والمجموع 3 / 85، والمغني 1 / 421 (2) حديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع المغرب. . . . "، أخرجه البخاري (3 / 523 - الفتح ط السلفية) . (3) بدائع الصنائع 1 / 419 ط العاصمة، والمجموع 3 / 83 ط المنيرية، والمغني 1 / 420، وحاشية الدسوقي 1 / 200. الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى الْعِشَاءَ. (1) وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْقَامَةِ لِلْمُنْفَرِدِ، سَوَاءٌ صَلَّى فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَكَانٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَسْجِدِ، لِخَبَرِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ الشَّظِيَّةِ لِلْجَبَل يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلصَّلاَةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُول اللَّهُ عَزَّ وَجَل: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلاَةَ يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ (2) وَلَكِنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى أَذَانِ الْحَيِّ وَإِقَامَتِهِ أَجْزَأَهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ " صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالأَْسْوَدِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ وَقَال: يَكْفِينَا أَذَانُ الْحَيِّ وَإِقَامَتُهُمْ (3) . الإِْقَامَةُ لِصَلاَةِ الْمُسَافِرِ: 20 - الأَْذَانُ وَالإِْقَامَةُ لِلْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ مَشْرُوعَانِ فِي السَّفَرِ كَمَا فِي الْحَضَرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ السَّفَرُ سَفَرَ قَصْرٍ أَوْ دُونَهُ. (4) __________ (1) المجموع للنووي 3 / 82، 83، والمغني 1 / 420 ط الأولى، وبدائع الصنائع 1 / 419 وحديث أبي سعيد حين شغلهم الكفار يوم الأحزاب عن أربع صلوات. أخرجه الشافعي (1 / 86 - ط مكتبة الكليات الأزهرية) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (1 / 338 - ط الحلبي) . (2) حديث: " يعجب ربك. . . " أخرجه النسائي (2 / 20 - ط المكتبة التجارية) وأبو داود (2 / 9 - ط عزت عبيد دعاس) وقال المنذري: رجاله ثقات. (3) بدائع الصنائع 1 / 416، 417 ط العاصمة، وحاشية الدسوقي 1 / 197، ومواهب الجليل 1 / 451، وابن عابدين 1 / 264، 265، والمجموع للنووي 3 / 85، والمغني 1 / 420 وما بعدها ط الرياض، وكشاف القناع 1 / 211، والأثر عن عبد الله بن مسعود أنه صلى بعلقمة. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1 / 220 ط الدار السلفية) وإسناده صحيح. (4) (4) بدائع الصنائع 1 / 417، وابن عابدين 1 / 264، ومواهب الجليل 1 / 449، وحاشية الدسوقي 1 / 197، والمجموع للنووي 3 / 82، وكشاف القناع 1 / 211، والمغني 1 / 421. الأَْذَانُ لِلصَّلاَةِ الْمُعَادَةِ: 21 - فِي الإِْقَامَةِ لِلصَّلاَةِ الْمُعَادَةِ فِي وَقْتِهَا لِلْفَسَادِ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ: تُعَادُ الصَّلاَةُ الْفَاسِدَةُ فِي الْوَقْتِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ، وَأَمَّا إِنْ قَضَوْهَا بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَوْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ. (1) الثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ: يُقَامُ لِلصَّلاَةِ الْمُعَادَةِ لِلْبُطْلاَنِ أَوِ الْفَسَادِ، وَلَمْ يُعْثَرْ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ قَوَاعِدَهُمْ لاَ تَأْبَاهُ (2) . مَا لاَ يُقَامُ لَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ: 22 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُسَنُّ الإِْقَامَةُ لِغَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ. فَلاَ أَذَانَ وَلاَ إِقَامَةَ لِصَلاَةِ الْجِنَازَةِ وَلاَ لِلْوَتْرِ وَلاَ لِلنَّوَافِل وَلاَ لِصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ وَصَلاَةِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ. (3) لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِيدَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ. (4) __________ (1) ابن عابدين 1 / 261 - 262. (2) الخرشي 1 / 236 ط دار صادر، والدسوقي 1 / 199 ط الحلبي، ونهاية المحتاج 1 / 387 ط المكتب الإسلامي، والمغني 1 / 420 ط الرياض. (3) بدائع الصنائع 1 / 415، وابن عابدين 1 / 258، والحطاب 1 / 435، وحاشية العدوي على الخرشي 1 / 228، وكشاف القناع 1 / 211، والمجموع 3 / 77، والتحفة 1 / 462. (4) حديث جابر بن سمرة: " صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة ". أخرجه مسلم (2 / 604 - ط الحلبي) . . وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ. (1) إِجَابَةُ السَّامِعِ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ: 23 - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِيغَةِ الإِْجَابَةِ بِاللِّسَانِ فَقَالُوا: يَقُول السَّامِعُ مِثْل مَا يَقُول الْمُقِيمُ، إِلاَّ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ " حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ وَحَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ " فَإِنَّهُ يُحَوْقِل " لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاَللَّهِ ". وَيَزِيدُ عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ " أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا "، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ بِلاَلاً أَخَذَ فِي الإِْقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَال: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا. (2) وَقَال فِي سَائِرِ الإِْقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الأَْذَانِ الَّذِي رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا قَال الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَال أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ (3) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ أَذَانٍ. وَحُكْمُ الإِْجَابَةِ بِاللِّسَانِ أَنَّهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّ الإِْجَابَةَ عِنْدَهُمْ تَكُونُ فِي الأَْذَانِ دُونَ الإِْقَامَةِ (4) . __________ (1) حديث عائشة: " الصلاة جامعة " أخرجه البخاري (2 / 549 - الفتح - ط السلفية) ، ومسلم (2 / 620 ط الحلبي) . (2) حديث: " أن بلالا. . . . " أخرجه أبو داود (1 / 362 - ط عزت عبيد دعاس) قال المنذري: في إسناده رجل مجهول. مختصر سنن أبي داود (1 / 285 - نشر دار المعرفة) . (3) حديث عمر: " إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر " أخرجه مسلم (1 / 289 - ط الحلبي) . (4) ابن عابدين 1 / 267 وبدائع الصنائع 1 / 422، والقرطبي 18 / 101 ط دار الكتب، والمغني 1 / 427، والمجموع 3 / 122. الْفَصْل بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ: 24 - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِاسْتِحْبَابِ الْفَصْل بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ بِصَلاَةٍ أَوْ جُلُوسٍ أَوْ وَقْتٍ يَسَعُ حُضُورَ الْمُصَلِّينَ فِيمَا سِوَى الْمَغْرِبِ، مَعَ مُلاَحَظَةِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ لِلصَّلاَةِ. وَتُكْرَهُ عِنْدَهُمُ الإِْقَامَةُ لِلصَّلاَةِ بَعْدَ الأَْذَانِ مُبَاشَرَةً بِدُونِ هَذَا الْفَصْل، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال لِبِلاَلٍ: اجْعَل بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ نَفَسًا حَتَّى يَقْضِيَ الْمُتَوَضِّئُ حَاجَتَهُ فِي مَهْلٍ، وَحَتَّى يَفْرُغَ الآْكِل مِنْ أَكْل طَعَامِهِ فِي مَهْلٍ وَفِي رِوَايَةٍ: لِيَكُنْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ مِقْدَارُ مَا يَفْرُغُ الآْكِل مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَل لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ. (1) وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالأَْذَانِ إِعْلاَمُ النَّاسِ بِدُخُول الْوَقْتِ لِيَتَهَيَّئُوا لِلصَّلاَةِ بِالطَّهَارَةِ فَيَحْضُرُوا الْمَسْجِدَ، وَبِالْوَصْل يَنْتَفِي هَذَا الْمَقْصُودُ، وَتَفُوتُ صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. (2) وَقَدْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ تَحْدِيدُ مِقْدَارِ الْفَصْل بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ، فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مِقْدَارَ الْفَصْل فِي الْفَجْرِ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ عِشْرِينَ آيَةً، __________ (1) حديث: " اجعل من أذانك. . . " أخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (5 / 143 - ط الميمنية) من حديث أبي بن كعب، وذكره الهيثمي في المجمع (2 / 4 - ط القدسي) وأعله بالانقطاع. وحديث: " ليكن بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الأكل ". أخرجه الترمذي (1 / 373 - ط الحلبي) وضعفه ابن حجر في التلخيص (1 / 200 - ط شركة الطباعة الفنية) . (2) مراقي الفلاح 1 / 107 وابن عابدين 1 / 261، والخرشي 1 / 235ط بولاق، وبدائع الصنائع ا / 410 ط العاصمة، وأسنى المطالب 1 / 130 ط المكتب الإسلامي، وكشاف القناع 1 / 221. وَفِي الظُّهْرِ قَدْرُ مَا يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُل رَكْعَةٍ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ آيَاتٍ، وَفِي الْعَصْرِ مِقْدَارُ مَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي كُل رَكْعَةٍ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ آيَاتٍ. (1) أَمَّا فِي الْمَغْرِبِ: فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَعْجِيل الإِْقَامَةِ فِيهَا لِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَ كُل أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ لِمَنْ شَاءَ إِلاَّ الْمَغْرِبَ (2) لأَِنَّ مَبْنَى الْمَغْرِبِ عَلَى التَّعْجِيل، وَلِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: لَنْ تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ (3) وَعَلَى هَذَا يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْفَصْل بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فِيهَا يَسِيرًا. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي مِقْدَارِ هَذَا الْفَصْل الْيَسِيرِ أَقْوَالٌ: أ - قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةُ: يَفْصِل بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فِي الْمَغْرِبِ قَائِمًا بِمِقْدَارِ ثَلاَثِ آيَاتٍ، وَلاَ يَفْصِل بِالصَّلاَةِ، لأَِنَّ الْفَصْل بِالصَّلاَةِ تَأْخِيرٌ، كَمَا لاَ يَفْصِل الْمُقِيمُ بِالْجُلُوسِ، لأَِنَّهُ تَأْخِيرٌ لِلْمَغْرِبِ، وَلأَِنَّهُ لَمْ يَفْصِل بِالصَّلاَةِ فَبِغَيْرِهَا أَوْلَى. ب - وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَفْصِل بِجَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ كَالْجَلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَوَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْفَصْل __________ (1) بدائع الصنائع 1 / 410. (2) حديث: " بين كل أذانين ركعتين ما خلا صلاة المغرب ". أخرجه الدارقطني (1 / 264 - شركة الطباعة الفنية) والبيهقي في المعرفة كما في نصب الراية (1 / 140 - ط المجلس العلمي) وأعلاه بتفرد أحد رواته ثم قال: " لمن شاء ". (3) حديث: " لا تزال أمتي بخير " - أو قال: " على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم. " أخرجه أبو داود (1 / 291 - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 190 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه، ووافقه الذهبي. مَسْنُونٌ وَلاَ يُمْكِنُ بِالصَّلاَةِ، فَيَفْصِل بِالْجَلْسَةِ لإِِقَامَةِ السُّنَّةِ. ج - وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الْفَصْل بِرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فِي الْمَغْرِبِ، أَيْ أَنَّهُمَا لاَ يُكْرَهَانِ وَلاَ يُسْتَحَبَّانِ. (1) الأُْجْرَةُ عَلَى الإِْقَامَةِ مَعَ الأَْذَانِ: 25 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ مَنْ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ مُحْتَسِبًا - مِمَّنْ تَتَحَقَّقُ فِيهِ شَرَائِطُ الْمُؤَذِّنِ - فَلاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ أَحَدٍ لِلأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُوجَدِ الْمُتَطَوِّعُ أَوْ وُجِدَ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهِ الشُّرُوطُ فَهَل يُسْتَأْجَرُ عَلَى الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ؟ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ آرَاءَ: الأَْوَّل: الْمَنْعُ لأَِنَّهُ طَاعَةٌ، وَلاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ أَحَدٍ عَلَى الطَّاعَةِ لأَِنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ بِهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ صَلاَةَ أَضْعَفِهِمْ، وَأَنْ يَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا لاَ يَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا (2) وَهَذَا الرَّأْيُ لِمُتَقَدِّمِي الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. الثَّانِي: الْجَوَازُ لأَِنَّهُ كَسَائِرِ الأَْعْمَال، وَهُوَ قَوْلٌ لِمُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إِلَيْهِ، وَقَدْ لاَ يُوجَدُ مُتَطَوِّعٌ. وَلأَِنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ لَهُ قَدْ لاَ يَجِدُ مَا يُقِيتُ بِهِ عِيَالَهُ. __________ (1) المراجع السابقة مع بدائع الصنائع 1 / 411. (2) حديث: " أن يصلي (عثمان بن العاص) بالناس صلاة. . . " أخرجه أبو داود (1 / 363 - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / 201 ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. وَهِيَ مِنْ قَبِيل الرُّخْصَةِ الْوَاجِبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (1) . أَمَّا شُرْبُ الْخَمْرِ لِدَفْعِ الْعَطَشِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ يُقَابِل الأَْصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى جَوَازِ شُرْبِهَا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ، كَمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ تَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ، وَقَيَّدَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: إِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ تَرُدُّ ذَلِكَ الْعَطَشَ (2) وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَرُدَّ الْعَطَشَ لاَ يَجُوزُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى تَحْرِيمِ شُرْبِهَا لِدَفْعِ الْعَطَشِ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: لأَِنَّهَا لاَ تُزِيل الْعَطَشَ، بَل تَزِيدُهُ حَرَارَةً لِحَرَارَتِهَا وَيُبُوسَتِهَا (3) . وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ حُرْمَةَ شُرْبِهَا بِكَوْنِهَا صَرْفًا، أَيْ غَيْرَ مَمْزُوجَةٍ بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ، فَإِنْ مُزِجَتْ بِمَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ جَازَ شُرْبُهَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ (4) . وَأَمَّا ضَرُورَةُ التَّدَاوِي فَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَحْثِ. (الثَّانِي) مِنْ أَحْكَامِ الْخَمْرِ: أَنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا: 22 - لَقَدْ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْخَمْرِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ، كَمَا سَبَقَ. فَمَنِ اسْتَحَلَّهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ حَلاَل الدَّمِ وَالْمَال (5) . وَلِلتَّفْصِيل فِي ذَلِكَ انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رِدَّةٌ) . __________ (1) الفتاوى الهندية 5 / 412، والدسوقي مع الشرح الكبير 4 / 352، والفواكه الدواني 2 / 289، والحطاب 6 / 318، والخرشي على خليل 8 / 108، وكشاف القناع 6 / 117، والإنصاف 10 / 229، ومغني المحتاج 4 / 188. (2) الفتاوى الهندية 5 / 412، ونهاية المحتاج 8 / 12. (3) الدسوقي مع الشرح الكبير 4 / 353، والفواكه الدواني 2 / 289، والحطاب 6 / 318. (4) كشاف القناع 6 / 117. (5) الفتاوى الهندية 5 / 410، والهداية مع فتح القدير 9 / 28، والمغني 8 / 303 و 304، وشرح روض الطالب 4 / 158. هَذَا، وَإِنَّ الْخَمْرَ الَّتِي يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا هِيَ مَا اتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، أَمَّا مَا أَسْكَرَ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ فَلاَ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ حُرْمَتَهَا دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ الثَّابِتَةِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَهَذِهِ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الآْحَادِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ (1) . (الثَّالِثُ) عُقُوبَةُ شَارِبِهَا : 23 - ثَبَتَ حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ، مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ {أَنَّ النَّبِيَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ} . قَال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (2) . وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: {كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ} (3) . __________ (1) الفتاوى الهندية 5 / 410، والهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 28، والمغني 8 / 303، 304، وشرح روض الطالب 4 / 158، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج 4 / 202، ومغني المحتاج 4 / 186، والمحلى 7 / 491، وفيه أن الظاهرية يكفرون مستحل النبيذ ككفر مستحل الخمر المجمع عليه. (2) حديث أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1330 - ط الحلبي) . (3) حديث السائب بن يزيد قال: " كنا نؤتى بالشارب. . . . " أخرجه البخاري (12 / 66 - الفتح ط السلفية) . وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى جَلْدِ شَارِبِ الْخَمْرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْل بِالثَّمَانِينَ (1) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (حَدِّ الشُّرْبِ) . وَعَلَى هَذَا يُحَدُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَارِبُ الْخَمْرِ سَوَاءٌ أَسَكِرَ أَمْ لَمْ يَسْكَرْ، وَكَذَا شَارِبُ كُل مُسْكِرٍ، سَوَاءٌ أَشَرِبَ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلاً. وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُحَدُّ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا أَوْ كَثِيرِهَا، وَكَذَا يُحَدُّ مَنْ سَكِرَ مِنْ شُرْبِ غَيْرِهَا. (2) ضَابِطُ السُّكْرِ: 24 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَالِبُ كَلاَمِهِ الْهَذَيَانَ، وَاخْتِلاَطَ الْكَلاَمِ، لأَِنَّ هَذَا هُوَ السَّكْرَانُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ، فَإِنَّ السَّكْرَانَ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ اسْمٌ لِمَنْ هَذَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الإِْمَامُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (3) : إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَحَدُّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ. فَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعِبَادَاتِ، وَيُوجِبُ الْفِسْقَ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ وَنَحْوِهِ هُوَ الَّذِي __________ (1) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار 5 / 289، والفواكه الدواني 2 / 290، ومغني المحتاج 4 / 187، والمغني 8 / 304 وما بعدها، ونيل الأوطار 7 / 146 وما بعدها. (2) بدائع الصنائع 6 / 2935 وما بعدها، وتبيين الحقائق 6 / 45 - 47، ومغني المحتاج 4 / 187، والمغني 8 / 304 وما بعدها، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 352، وابن عابدين 3 / 162 - 163، 5 / 289 - 293. (3) أثر علي رضي الله عنه: " إذا سكر هذى. . . . . " رواه مالك في الموطأ (2 / 842 - ط الحلبي) ، وأعله ابن حجر في التلخيص (4 / 75 ط دار المحاسن) . هَذَا، وَإِنَّ الْخَمْرَ الَّتِي يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا هِيَ مَا اتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، أَمَّا مَا أَسْكَرَ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيءِ فَلاَ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ حُرْمَتَهَا دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ الثَّابِتَةِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَهَذِهِ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الآْحَادِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ (1) . (الثَّالِثُ) عُقُوبَةُ شَارِبِهَا : 23 - ثَبَتَ حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ، مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ {أَنَّ النَّبِيَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ} . قَال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (2) . وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: {كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ} (3) . __________ (1) الفتاوى الهندية 5 / 410، والهداية مع تكملة فتح القدير 9 / 28، والمغني 8 / 303، 304، وشرح روض الطالب 4 / 158، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج 4 / 202، ومغني المحتاج 4 / 186، والمحلى 7 / 491، وفيه أن الظاهرية يكفرون مستحل النبيذ ككفر مستحل الخمر المجمع عليه. (2) حديث أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1330 - ط الحلبي) . (3) حديث السائب بن يزيد قال: " كنا نؤتى بالشارب. . . . " أخرجه البخاري (12 / 66 - الفتح ط السلفية) . وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى جَلْدِ شَارِبِ الْخَمْرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْل بِالثَّمَانِينَ (1) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (حَدِّ الشُّرْبِ) . وَعَلَى هَذَا يُحَدُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَارِبُ الْخَمْرِ سَوَاءٌ أَسَكِرَ أَمْ لَمْ يَسْكَرْ، وَكَذَا شَارِبُ كُل مُسْكِرٍ، سَوَاءٌ أَشَرِبَ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلاً. وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُحَدُّ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا أَوْ كَثِيرِهَا، وَكَذَا يُحَدُّ مَنْ سَكِرَ مِنْ شُرْبِ غَيْرِهَا. (2) ضَابِطُ السُّكْرِ: 24 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَالِبُ كَلاَمِهِ الْهَذَيَانَ، وَاخْتِلاَطَ الْكَلاَمِ، لأَِنَّ هَذَا هُوَ السَّكْرَانُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ، فَإِنَّ السَّكْرَانَ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ اسْمٌ لِمَنْ هَذَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الإِْمَامُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (3) : إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَحَدُّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ. فَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعِبَادَاتِ، وَيُوجِبُ الْفِسْقَ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ وَنَحْوِهِ هُوَ الَّذِي __________ (1) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار 5 / 289، والفواكه الدواني 2 / 290، ومغني المحتاج 4 / 187، والمغني 8 / 304 وما بعدها، ونيل الأوطار 7 / 146 وما بعدها. (2) بدائع الصنائع 6 / 2935 وما بعدها، وتبيين الحقائق 6 / 45 - 47، ومغني المحتاج 4 / 187، والمغني 8 / 304 وما بعدها، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 352، وابن عابدين 3 / 162 - 163، 5 / 289 - 293. (3) أثر علي رضي الله عنه: " إذا سكر هذى. . . . . " رواه مالك في الموطأ (2 / 842 - ط الحلبي) ، وأعله ابن حجر في التلخيص (4 / 75 ط دار المحاسن) . يَجْمَعُ بَيْنَ اضْطِرَابِ الْكَلاَمِ فَهْمًا وَإِفْهَامًا، وَبَيْنَ اضْطِرَابِ الْحَرَكَةِ مَشْيًا وَقِيَامًا، فَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ مُنْكَسِرٍ، وَمَعْنًى غَيْرِ مُنْتَظِمٍ، وَيَتَصَرَّفُ بِحَرَكَةِ مُخْتَبِطٍ، وَمَشْيِ مُتَمَايِلٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَذْكُرُهُ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي حَدِّ السُّكْرِ أَيْ مِقْدَارِهِ. (1) وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ السُّكْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ هُوَ الَّذِي يُزِيل الْعَقْل بِحَيْثُ لاَ يَفْهَمُ السَّكْرَانُ شَيْئًا، وَلاَ يَعْقِل مَنْطِقًا، وَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَالأَْرْضِ وَالسَّمَاءِ، لأَِنَّ الْحُدُودَ يُؤْخَذُ فِي أَسْبَابِهَا بِأَقْصَاهَا، دَرْءًا لِلْحَدِّ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: {ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (2) وَقَوْل الصَّاحِبَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَال إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى عِنْدَهُمْ. قَال فِي الدُّرِّ: يُخْتَارُ لِلْفَتْوَى لِضَعْفِ دَلِيل الإِْمَامِ. (3) طُرُقُ إِثْبَاتِ السُّكْرِ: 25 - إِنَّ إِثْبَاتَ الشُّرْبِ الْمُوجِبِ لِعُقُوبَةِ الْحَدِّ لأَِجْل __________ (1) مختصر الطحاوي ص 278، والبدائع 5 / 2947، وحاشية ابن عابدين 5 / 292، والتاج والإكليل 6 / 317، والأحكام السلطانية للماوردي ص 229، ولأبي يعلى ص 254، والمغني 8 / 312، والمحلى 7 / 506. (2) البدائع 6 / 2946 - 2947، ونفي الحد عند أبي حنيفة قبل وصول السكر إلى غايته ليس معناه عدم استحقاق العقوبة، بل تجب عقوبة التعزيز بما يكفي للردع كما هو معلوم. وحديث: " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم " أخرجه الترمذي (4 / 33 - ط الحلبي) والحاكم (4 / 384 - ط دائرة المعارف العثمانية) ، وضعفه ابن حجر في التلخيص (4 / 65 ط دار المحاسن) وصحح وقفه على ابن مسعود. (3) الدر المختار بحاشية ابن عابدين 3 / 165. إِقَامَتِهِ عَلَى الشَّارِبِ بِوَاسِطَةِ الشَّهَادَةِ أَوِ الإِْقْرَارِ أَوِ الْقَيْءِ وَنَحْوِهَا تَفْصِيلُهُ فِي حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِثْبَاتٌ) . حُرْمَةُ تَمَلُّكِ وَتَمْلِيكِ الْخَمْرِ: 26 - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ تَمَلُّكُ أَوْ تَمْلِيكُ الْخَمْرِ بِأَيِّ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ الاِخْتِيَارِيَّةِ أَوِ الإِْرَادِيَّةِ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: {إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا} . (1) وَعَنْ جَابِرٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: {إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ} (2) أَمَّا إِذَا كَانَ التَّمَلُّكُ لِلْخَمْرِ بِسَبَبٍ جَبْرِيٍّ كَالإِْرْثِ، فَإِنَّهَا تَدْخُل فِي مِلْكِهِ وَتُورَثُ، كَمَا إِذَا كَانَتْ مِلْكًا لِذِمِّيٍّ فَأَسْلَمَ، أَوْ تَخَمَّرَ عِنْدَ الْمُسْلِمِ عَصِيرُ الْعِنَبِ قَبْل تَخَلُّلِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَالْخَمْرُ فِي حَوْزَتِهِ، فَإِنَّهَا تَنْتَقِل مِلْكِيَّتُهَا إِلَى وَارِثِهِ بِسَبَبٍ غَيْرِ إِرَادِيٍّ، فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّمَلُّكِ وَالتَّمْلِيكِ الاِخْتِيَارِيِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَيَنْبَنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَمْرَ هَل هِيَ مَالٌ أَوْ لاَ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى __________ (1) حديث: " إن الذي حرم شربها حرم بيعها " أخرجه مسلم (3 / 1206 ط الحلبي) . (2) حديث: " إن الله ورسوله حرم. . . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله عنهما مرفوعا. (فتح الباري 4 / 424 ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3 / 1207 ط عيسى الحلبي) . أَنَّهَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، (1) لَكِنْ يَجُوزُ إِتْلاَفُهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَتُضْمَنُ إِذَا أُتْلِفَتْ لِذِمِّيٍّ. فِي حِينِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ - وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ إِتْلاَفُهَا، لِمُسْلِمٍ كَانَتْ أَوْ ذِمِّيٍّ. أَمَّا غَيْرُ الْخَمْرِ مِنَ الْمُسْكِرِ الْمَائِعِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِتْلاَفُهُ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (2) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ فِي ذَلِكَ مُصْطَلَحَيْ (بَيْعٌ) (وَإِتْلاَفٌ) . ضَمَانُ إِتْلاَفِ الْخَمْرِ أَوْ غَصْبِهَا: 27 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ فَلاَ يَضْمَنُ مُتْلِفُهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمَانِ مَنْ أَتْلَفَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْقَوْل بِالضَّمَانِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِعَدَمِ الضَّمَانِ، لاِنْتِفَاءِ تَقَوُّمِهَا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لاَ تُرَاقُ الْخَمْرَةُ الْمَغْصُوبَةُ مِنْ مُسْلِمٍ إِذَا كَانَتْ مُحْتَرَمَةً - وَهِيَ الَّتِي عُصِرَتْ لاَ بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ، وَإِنَّمَا بِقَصْدِ التَّخْلِيل - وَتُرَدُّ إِلَى الْمُسْلِمِ، لأَِنَّ لَهُ إِمْسَاكَهَا لِتَصِيرَ خَلًّا. وَالضَّمَانُ هُنَا __________ (1) المتقوم بكسر الواو المشددة: ما يباح الانتفاع به شرعا، وغير المتقوم: ما لا يباح الانتفاع به شرعا، كالخمر والخنزير ونحوهما. (تكملة فتح القدير 9 / 31، وابن عابدين على الدر المختار 5 / 289) . (2) ابن عابدين 5 / 289، 292، وتكملة فتح القدير 9 / 31، 5 / 280، والشرح الصغير 4 / 474، وشرح الروض 2 / 344، ومغني المحتاج 2 / 285، والمجموع 9 / 227، 230، والمغني 5 / 222 - 223 مطابع سجل العرب، والإنصاف 5 / 192 و 6 / 124 - 125، والمنتقى على الموطأ 3 / 158، والمهذب 1 / 261. إِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لاَ بِالْمِثْل، لأَِنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِهِ وَتَمَلُّكِهِ إِيَّاهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْزَازِهَا. وَإِذَا وَجَبَ لِذِمِّيٍّ عَلَى ذِمِّيٍّ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَكُونُ بِالْمِثْل. (1) وَيُنْظَرُ أَيْضًا مُصْطَلَحُ (إِتْلاَفٌ) (وَضَمَانٌ) . حُكْمُ الاِنْتِفَاعِ بِالْخَمْرِ: 28 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ الاِنْتِفَاعِ بِالْخَمْرِ لِلْمُدَاوَاةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَوْجُهِ الاِنْتِفَاعِ، كَاسْتِخْدَامِهَا فِي دُهْنٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ بَل طِينٍ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} . (2) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ {أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ - أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا - فَقَال: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ} . (3) وَقَال الْجُمْهُورُ: يُحَدُّ مَنْ شَرِبَهَا لِدَوَاءٍ. (4) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ حَرَامٌ فِي الأَْصَحِّ إِذَا كَانَتْ صَرْفًا غَيْرَ مَمْزُوجَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ __________ (1) البدائع 6 / 2936، وحاشية ابن عابدين 5 / 292، وتبيين الحقائق 5 / 234، 235، والحطاب 5 / 280، والشرح الكبير مع المغني 5 / 376، ونهاية المحتاج 5 / 165، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج 3 / 30 وما بعدها. (2) حديث: " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " أخرجه ابن حبان (موارد الظمآن ص 39 ط السلفية) وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد (5 / 86 - ط القدسي) ، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ما عدا حسان بن مخارق. (3) حديث طارق بن سويد: " إنه ليس بدواء ولكنه داء " أخرجه مسلم (3 / 1573 - ط الحلبي) . (4) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير 4 / 352، ومغني المحتاج 4 / 188، وكشاف القناع 6 / 116 - 117، وبدائع الصنائع 6 / 2935. تُسْتَهْلَكُ فِيهِ، وَيَجِبُ الْحَدُّ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ آخَرَ تُسْتَهْلَكُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ عِنْدَ فَقْدِ مَا يَقُومُ بِهِ التَّدَاوِي مِنَ الطَّاهِرَاتِ، وَحِينَئِذٍ تَجْرِي فِيهِ قَاعِدَةُ الضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِذًا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِذَلِكَ لِتَعْجِيل شِفَاءٍ، بِشَرْطِ إِخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ بِذَلِكَ، أَوْ مَعْرِفَتِهِ لِلتَّدَاوِي بِهِ، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الْمُسْتَعْمَل قَلِيلاً لاَ يُسْكِرُ. وَذَهَبَ الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ إِلَى الْجَزْمِ بِحُرْمَتِهَا فَقَال: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي. (1) حُكْمُ سَقْيِهَا لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ: 29 - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَسْقِيَ الْخَمْرَ الصَّبِيَّ، أَوِ الْمَجْنُونَ، فَإِنْ أَسْقَاهُمْ فَالإِْثْمُ عَلَيْهِ لاَ عَلَى الشَّارِبِ، وَلاَ حَدَّ عَلَى الشَّارِبِ، لأَِنَّ خِطَابَ التَّحْرِيمِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْبَالِغِ الْعَاقِل. (2) وَقَدْ قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْخَمْرُ أُمُّ الْخَبَائِثِ} (3) وَقَال: {لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَآكِل ثَمَنِهَا} . (4) وَيَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُسْقِيَ الْخَمْرَ لِلدَّوَابِّ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. __________ (1) المجموع 9 / 51، والقليوبي 4 / 203، ونهاية المحتاج 8 / 12، ومغني المحتاج 4 / 188. (2) البدائع 6 / 2935، ومغني المحتاج 4 / 188، وحاشية عميرة على المحلي 4 / 202. (3) حديث: " لعن الله الخمر. . . . . " أخرجه أبو داود وابن ماجه وزيادة " وآكل ثمنها " له من حديث ابن عمر مرفوعا، وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أنس بن مالك مرفوعا، ولفظ الترمذي: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 2 / 1121، 1122 ط عيسى الحلبي، وتحفة الأحوذي 4 / 516، 517 نشر المكتبة السلفية، والتلخيص الحبير 4 / 73 ط شركة الطباعة الفنية، والترغيب والترهيب 4 / 292، 293 ط مطبعة السعادة) (4) حديث: " لعن الله الخمر. . . . . " أخرجه أبو داود وابن ماجه وزيادة " وآكل ثمنها " له من حديث ابن عمر مرفوعا، وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أنس بن مالك مرفوعا، ولفظ الترمذي: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 2 / 1121، 1122 ط عيسى الحلبي، وتحفة الأحوذي 4 / 516، 517 نشر المكتبة السلفية، والتلخيص الحبير 4 / 73 ط شركة الطباعة الفنية، والترغيب والترهيب 4 / 292، 293 ط مطبعة السعادة) الاِحْتِقَانُ أَوِ الاِسْتِعَاطُ (1) بِالْخَمْرِ: 30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا الاِحْتِقَانُ بِالْخَمْرِ (بِأَخْذِهَا حُقْنَةً شَرَجِيَّةً) أَوْ جَعْلِهَا فِي سَعُوطٍ، لأَِنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْمُحَرَّمِ النَّجِسِ، وَلَكِنْ لاَ يَجِبُ الْحَدُّ، لأَِنَّ الْحَدَّ مُرْتَبِطٌ بِالشُّرْبِ، فَهُوَ سَبَبُ تَطْبِيقِ الْحَدِّ. وَيُلاَحَظُ - كَمَا سَبَقَ - أَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ عُقُوبَةً أُخْرَى زَاجِرَةً بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الاِحْتِقَانَ بِهَا يُعْتَبَرُ حَرَامًا. وَخِلاَفُهُمْ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّسْمِيَةِ، فَالْحَنَفِيَّةُ يُسَمُّونَ مَا طَلَبَ الشَّارِعُ تَرْكَهُ عَلَى وَجْهِ الْحَتْمِ وَالإِْلْزَامِ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا، وَالْجُمْهُورُ يُسَمُّونَهُ حَرَامًا. وَهُمْ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ فِي أَنَّهُ لاَ حَدَّ فِي حَالَةِ الاِحْتِقَانِ بِالْخَمْرِ، لأَِنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ، وَلاَ حَاجَةَ لِلزَّجْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لأَِنَّ النَّفْسَ لاَ تَرْغَبُ فِي مِثْل ذَلِكَ عَادَةً. وَلَكِنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا بِوُجُوبِ الْحَدِّ فِي حَالَةِ الاِسْتِعَاطِ، لأَِنَّ الشَّخْصَ أَوْصَل الْخَمْرَ إِلَى بَاطِنِهِ مِنْ حَلْقِهِ. (2) حُكْمُ مُجَالَسَةِ شَارِبِي الْخَمْرِ: 31 - يَحْرُمُ مُجَالَسَةُ شُرَّابِ الْخَمْرِ وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا، أَوِ الأَْكْل عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ خَمْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ __________ (1) استعاط الدواء إدخاله في الأنف. (2) نهاية المحتاج 8 / 11، والمغني 8 / 307، والشرح الكبير 4 / 352، وحاشية ابن عابدين مع الدر المختار 5 / 290. بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ} . (1) نَجَاسَةُ الْخَمْرِ: 32 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ نَجِسَةٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً، كَالْبَوْل وَالدَّمِ لِثُبُوتِ حُرْمَتِهَا وَتَسْمِيَتِهَا رِجْسًا. (2) كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ. . .} (3) وَالرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ: الشَّيْءُ الْقَذِرُ وَالنَّتِنُ (4) . أَمَّا الأَْشْرِبَةُ الأُْخْرَى الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَالْحُكْمُ بِالْحُرْمَةِ يَسْتَتْبِعُ عِنْدَهُمُ الْحُكْمَ بِنَجَاسَتِهَا. (5) وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ رَبِيعَةُ شَيْخُ مَالِكٍ وَالصَّنْعَانِيُّ وَالشَّوْكَانِيُّ، إِلَى طَهَارَتِهَا، تَمَسُّكًا بِالأَْصْل، وَحَمَلُوا الرِّجْسَ فِي الآْيَةِ عَلَى الْقَذَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. (6) أَمَّا الْبَهِيمَةُ إِذَا سُقِيَتْ خَمْرًا، فَهَل تَحِل أَوْ تَحْرُمُ لأَِجْل الْخَمْرِ؟ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَةٌ) . __________ (1) كشاف القناع 6 / 118. وحديث: " من كان يؤمن. . . . " أخرجه الدرمي من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا، وأصله في سنن أبي داود من حديث سالم عن أبيه بلفظ: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل (الرجل) وهو منبطح على بطنه وسنن الدارمي 2 / 112 نشر دار إحياء السنة النبوية) . (2) المجموع 2 / 564. (3) سورة المائدة / 9. (4) المصباح المنير. (5) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار 5 / 289 - 291، وتبيين الحقائق 6 / 45. (6) ابن عابدين 5 / 289، والمجموع 2 / 564، والمغني 8 / 318، ومغني المحتاج 4 / 188، والمحلى 1 / 163. أَثَرُ تَخَلُّل الْخَمْرِ وَتَخْلِيلِهَا: 33 - إِذَا تَخَلَّلَتِ الْخَمْرُ بِنَفْسِهَا بِغَيْرِ قَصْدِ التَّخْلِيل يَحِل ذَلِكَ الْخَل (1) بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (2) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {نِعْمَ الأُْدْمُ الْخَل} . (3) وَيُعْرَفُ التَّخَلُّل بِالتَّغَيُّرِ مِنَ الْمَرَارَةِ إِلَى الْحُمُوضَةِ، بِحَيْثُ لاَ يَبْقَى فِيهَا مَرَارَةٌ أَصْلاً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، حَتَّى لَوْ بَقِيَ فِيهَا بَعْضُ الْمَرَارَةِ لاَ يَحِل شُرْبُهَا، لأَِنَّ الْخَمْرَ عِنْدَهُ لاَ تَصِيرُ خَلًّا إِلاَّ بَعْدَ تَكَامُل مَعْنَى الْخَلِيَّةِ فِيهِ. كَمَا لاَ يَصِيرُ الْعَصِيرُ خَمْرًا إِلاَّ بَعْدَ تَكَامُل مَعْنَى الْخَمْرِيَّةِ. وَقَال الصَّاحِبَانِ: تَصِيرُ الْخَمْرُ خَلًّا بِظُهُورِ قَلِيلٍ مِنَ الْحُمُوضَةِ فِيهَا، اكْتِفَاءً بِظُهُورِ الْخَلِّيَّةِ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْعَصِيرَ يَصِيرُ خَمْرًا بِظُهُورِ دَلِيل الْخَمْرِيَّةِ، كَمَا أَشَرْنَا فِي بَيَانِ مَذْهَبِهِمَا. تَخْلِيل الْخَمْرِ بِعِلاَجٍ: 34 - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ لاَ يَحِل تَخْلِيل الْخَمْرِ بِالْعِلاَجِ كَالْخَل وَالْبَصَل وَالْمِلْحِ، أَوْ إِيقَادُ نَارٍ عِنْدَهَا، وَلاَ تَطْهُرُ حِينَئِذٍ، لأَِنَّنَا مَأْمُورُونَ بِاجْتِنَابِهَا، فَيَكُونُ التَّخْلِيل اقْتِرَابًا مِنَ الْخَمْرِ عَلَى وَجْهِ التَّمَوُّل، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلأَْمْرِ بِالاِجْتِنَابِ، وَلأَِنَّ الشَّيْءَ الْمَطْرُوحَ فِي الْخَمْرِ يَتَنَجَّسُ بِمُلاَقَاتِهَا __________ (1) الخل معروف، والجمع خلول، سمي بذلك؛ لأنه اختل منه طعم الحلاوة، يقال: اختل الشيء: إذا تغير واضطرب (ر: المصباح المنير) . (2) المحلى 1 / 117، والبحر الزخار 4 / 351 وما بعدها، والروضة البهية 2 / 290. (3) وفي لفظ: " نعم الإدام الخل " رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن جابر بن عبد الله، وأخرجه مسلم عن عائشة، ورواه الحاكم والبيهقي عن آخرين (نصب الراية 4 / 310، والمقاصد الحسنة للسخاوي ص 447) . فَيُنَجِّسُهَا بَعْدَ انْقِلاَبِهَا خَلًّا، وَلأَِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِهْرَاقِ الْخَمْرِ بَعْدَ نُزُول آيَةِ الْمَائِدَةِ بِتَحْرِيمِهَا. وَعَنْ {أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَقَال: أَهْرِقْهَا، قَال: أَفَلاَ أُخَلِّلُهَا؟ قَال: لاَ} (1) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ فَقَال: لاَ، فَسَارَّهُ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَال: بِمَ سَارَرْتَهُ؟ فَقَال: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا، فَفَتَحَ الرَّجُل الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا} . (2) __________ (1) حديث: " سأل أبو طلحة النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا. . . " أخرجه أحمد وأبو داود والدارمي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: قال شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي. وأصله في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: " أن النبي صلى الله عليه وسلم وعون المعبود 3 / 366، 367 ط الهند، وسنن الدارمي 2 / 118 نشر دار إحياء السنة النبوية، وشرح السنة للبغوي بتحقيق شعيب الأرناؤوط 8 / 32 نشر المكتب الإسلامي) . وأجاب الطحاوي عن الحديث بأنه محمول على التغليظ والتشديد؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام، كما ورد ذلك في سؤر الكلب. يعني أن ذلك المعنى قد انعدم في زماننا لاستقرار التحريم، فلا يحتمل ال (2) حديث ابن عباس " أهدى رجل. . . . " رواه مالك في الموطأ وأحمد ومسلم والنسائي (نيل الأوطار 8 / 169، والمنتقى على الموطأ 3 / 153) والرواية: المزادة من ثلاثة جلود ويوضع فيها الماء. والمزادة: جلود يضم بعضها إلى بعض، يوضع فيها الماء. فَقَدْ أَرَاقَ الرَّجُل مَا فِي الْمَزَادَتَيْنِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَازَ تَخْلِيلُهَا لَمَا أَبَاحَ لَهُ إِرَاقَتَهَا، وَلَنَبَّهَهُ عَلَى تَخْلِيلِهَا. وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَلَوْ كَانَ إِلَى اسْتِصْلاَحِهَا سَبِيلٌ مَشْرُوعٌ لَمْ تَجُزْ إِرَاقَتُهَا، بَل أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ، سِيَّمَا وَهِيَ لأَِيْتَامٍ يَحْرُمُ التَّفْرِيطُ فِي أَمْوَالِهِمْ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - كَمَا يَقُولُونَ - فَقَدْ رَوَى أَسْلَمُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَال: لاَ تَأْكُل خَلًّا مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حَتَّى يَبْدَأَ اللَّهُ تَعَالَى إِفْسَادَهَا، وَذَلِكَ حِينَ طَابَ الْخَل، وَلاَ بَأْسَ عَلَى امْرِئٍ أَصَابَ خَلًّا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ أَنْ يَبْتَاعَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا إِفْسَادَهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ النَّهْيُ. (1) وَهَذَا قَوْلٌ يَشْتَهِرُ بَيْنَ النَّاسِ لأَِنَّهُ إِعْلاَنٌ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ. وَبِهِ قَال الزُّهْرِيُّ. وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَحِل شُرْبُهَا، وَيَكُونُ التَّخْلِيل جَائِزًا أَيْضًا، (2) لأَِنَّهُ إِصْلاَحٌ، وَالإِْصْلاَحُ مُبَاحٌ، قِيَاسًا عَلَى دَبْغِ الْجِلْدِ، فَإِنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُهُ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ} (3) وَقَال عَنْ جِلْدِ الشَّاةِ __________ (1) أثر عمر رواه أبو عبيد في كتاب الأموال بنحو من هذا المعنى ص 104 وما بعدها (المغني 8 / 330) . (2) البدائع 5 / 114، وابن عابدين 1 / 290، والمنتقى على الموطأ 3 / 153 - 154، وبداية المجتهد 1 / 461، والقوانين الفقهية ص 34. (3) حديث: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " أخرجه النسائي بهذا اللفظ (7 / 173 - ط المكتبة التجارية) ورواه مسلم (1 / 277 ط الحلبي) بلفظ: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر " الْمَيْتَةِ: {إِنَّ دِبَاغَهَا يُحِلُّهُ كَمَا يُحِل خَلٌّ الْخَمْرَ} (1) فَأَجَازَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّخْلِيل، كَمَا ثَبَتَ حِل الْخَل شَرْعًا، بِدَلِيل قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا: {خَيْرُ خَلِّكُمْ خَل خَمْرِكُمْ} (2) وَبِدَلِيل قَوْلِهِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ أَيْضًا: {نِعْمَ الأُْدْمُ الْخَل} ، فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّخَلُّل بِنَفْسِهِ وَالتَّخْلِيل، فَالنَّصُّ مُطْلَقٌ. (3) وَلأَِنَّ التَّخْلِيل يُزِيل الْوَصْفَ الْمُفْسِدَ، وَيَجْعَل فِي الْخَمْرِ صِفَةَ الصَّلاَحِ، وَالإِْصْلاَحُ مُبَاحٌ، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ إِرَاقَةَ الْخَمْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ عَنْ مَالِكٍ - وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ - أَنَّهُ عَلَى سَبِيل الْكَرَاهَةِ. تَخْلِيل الْخَمْرِ بِنَقْلِهَا، أَوْ بِخَلْطِهَا بِخَلٍّ: 35 - إِذَا نُقِلَتِ الْخَمْرُ مِنَ الظِّل إِلَى الشَّمْسِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَلَوْ بِقَصْدِ التَّخْلِيل، فَتَخَلَّلَتْ يَحِل الْخَل الْحَاصِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ وَقَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى الْخَمْرِ بِلاَ نَقْلٍ، كَرَفْعِ سَقْفٍ كَانَ فَوْقَهَا، لاَ يَحِل نَقْلُهَا. وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ الْحِل بِقَوْلِهِمْ: لأَِنَّ الشِّدَّةَ الْمُطْرِبَةَ (أَيِ الإِْسْكَارَ) الَّتِي هِيَ عِلَّةُ النَّجَاسَةِ وَالتَّحْرِيمِ، قَدْ زَالَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعَقِّبَ نَجَاسَةً فِي الْوِعَاءِ، فَتَطْهُرُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ نُقِلَتِ الْخَمْرُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى آخَرَ، فَتَخَلَّلَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا شَيْءٌ، فَإِنْ لَمْ __________ (1) حديث: " إن دباغها يحله كما يحل خل الخمر " (يعني جلد الشاة الميتة) . أخرجه الدارقطني (4 / 266 - ط دار المحاسن) وقال: تفرد به فرج بن فضالة وهو ضعيف. (2) حديث: " خير خلكم خل خمركم " أخرجه البيهقي في المعرفة وقال: تفرد به المغيرة بن زياد وليس بالقوي (نصب الراية للزيلعي 4 / 311 - ط المجلس العلمي بالهند) . ويلاحظ أن أهل الحجاز يسمون خل العنب الخمر. (3) تبيين الحقائق للزيلعي 6 / 48. يَكُنْ قَصَدَ تَخْلِيلَهَا حَلَّتْ بِذَلِكَ، لأَِنَّهَا تَخَلَّلَتْ بِفِعْل اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ قُصِدَ بِذَلِكَ تَخْلِيلُهَا احْتَمَل أَنْ تَطْهُرَ، لأَِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ الْقَصْدُ، فَلاَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا. وَيُحْتَمَل أَلاَّ تَطْهُرَ، لأَِنَّهَا خُلِّلَتْ بِفِعْلٍ، كَمَا لَوْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ. (1) إِمْسَاكُ الْخَمْرِ لِتَخْلِيلِهَا: 36 - اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ إِمْسَاكِ الْخَمْرِ بِقَصْدِ تَخْلِيلِهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِهِ، وَهَذَا الْخَل عِنْدَهُمْ حَلاَلٌ طَاهِرٌ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى تَحْرِيمِ إِمْسَاكِ الْخَمْرِ بِقَصْدِ تَخْلِيلِهَا، لَكِنْ يَحِل عِنْدَهُمْ لِلْخَلاَّل إِمْسَاكُ الْخَمْرِ لِيَتَخَلَّل، لِئَلاَّ يَضِيعَ مَالُهُ. (2) طَهَارَةُ الإِْنَاءِ: 37 - إِذَا تَخَلَّلَتِ الْخَمْرَةُ وَطَهُرَتْ - حَسَبَ اخْتِلاَفِ أَقْوَال الْعُلَمَاءِ السَّابِقَةِ فِي طَهَارَتِهَا أَوْ نَجَاسَتِهَا - فَإِنَّ الإِْنَاءَ الَّذِي فِيهِ الْخَمْرُ يَطْهُرُ أَعْلاَهُ وَأَسْفَلُهُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ. وَهُنَاكَ اخْتِلاَفٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَوْل طَهَارَةِ __________ (1) مغني المحتاج 1 / 81، وحاشيتي قليوبي وعميرة على شرح المحلي 1 / 72، والمغني 8 / 319، وكشاف القناع 1 / 187، والمبسوط 24 / 2، 7، 20، والبدائع 5 / 112 - 114، ونتائج الأفكار تكملة فتح القدير 8 / 155، 166، وتبيين الحقائق للزيلعي 6 / 44، 48، والفتاوى الهندية 2 / 410، والدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 5 / 319، ومختصر الطحاوي ص 279، والخرشي مع خليل 1 / 88، والحطاب 1 / 97 - 98، والدسوقي 1 / 52. (2) البدايع 6 / 2937، والهندية 5 / 410، والدسوقي 1 / 52، والحطاب 1 / 97، ومغني المحتاج 1 / 81 - 82، والمغني 8 / 319، وكشاف القناع 1 / 187. أَعْلَى الإِْنَاءِ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ الْجَزْمُ بِالطَّهَارَةِ. (1) أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَالْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِهِمْ أَنَّ أَعْلَى الإِْنَاءِ يَطْهُرُ تَبَعًا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ أَعْلاَهُ لاَ يَطْهُرُ، لأَِنَّهُ خَمْرٌ يَابِسَةٌ إِلاَّ إِذَا غُسِل بِالْخَل، فَتَخَلَّل مِنْ سَاعَتِهِ فَيَطْهُرُ. (2) |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
|
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الأطعمة والأشربة والذكاة والصيد
1 - الأطعمة والأشربة • * الأطعمة والأشربة الأصل فيها الحل:. • * المحرم من الحيوانات والطيور:. • * الحلال من الحيوانات والطيور:. • * ما يحرم أكله من الأطعمة:. • * حكم أكل الجَلاَّلة:. • * حكم الخمر:. • * عقوبة شارب الخمر:. • * الملعونون في الخمر:. • * السنة إذا وقع الذباب في الإناء:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
الأطعمة والأشربة والذكاة والصيد
1 - الأطعمة والأشربة • * الأطعمة والأشربة الأصل فيها الحل:. • * المحرم من الحيوانات والطيور:. • * الحلال من الحيوانات والطيور:. • * ما يحرم أكله من الأطعمة:. • * حكم أكل الجَلاَّلة:. • * حكم الخمر:. • * عقوبة شارب الخمر:. • * الملعونون في الخمر:. • * السنة إذا وقع الذباب في الإناء:. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* الأطعمة والأشربة الأصل فيها الحل:
فيباح كل طعام أو شراب طاهر لا مضرة فيه من لحم، وحب، وثمر، وعسل، ولبن، وتمر ونحوها. ولا يحل نجس كالميتة والدم المسفوح، ولا ما فيه مضرة كالسم، والخمر، والحشيش، والمخدرات، والتبغ، والقات ونحوها؛ لأنها خبيثة مضرة بدنياً، ومالياً، وعقلياً. * السنة إذا دخل المسلم على أخيه المسلم فأطعمه من طعامه فليأكل ولا يسأله عنه، وإن سقاه من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه. * المتباريان وهما المتفاخران في الضيافة رياء وسمعة وفخراً لا يجابان ولا يؤكل طعامهما. * التمر من أجود الأغذية، وبيت لا تمر فيه جياع أهله، وهو حرز من السم والسحر، وأفضله تمر المدينة، خاصة العجوة. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تصبَّح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سمٌّ ولا سحر)). متفق عليه (¬1). * التمر مقو للكبد، ملين للطبع، خافض للضغظ، وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن، غني بالمواد السكرية، وأكله على الريق يقتل الدود، فهو فاكهة وغذاء ودواء وحلوى. * من أكل تمراً عتيقاً فله أن يفتشه ويخرج السوس منه. ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (5445)، واللفظ له، ومسلم برقم (2047). |
موسوعة الفقه الإسلامي
موسوعة الفقه الإسلامي
|
الباب الثالث عشر
كتاب الأطعمة والأشربة ويشتمل على ما يلي: 1 - أحكام الأطعمة والأشربة. 2 - باب الأطعمة: ويشتمل على ما يلي: 1 - أقسام الأطعمة المباحة. 2 - أقسام الأطعمة المحرمة. 3 - أقسام الأطعمة المختلطة بمحرم. 3 - باب الأشربة: ويشتمل على ما يلي: 1 - أقسام الأشربة المباحة. 2 - أقسام الأشربة المحرمة. 4 - باب الذكاة. 5 - باب الصيد. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
كتاب الأطعمة والأشربة
1 - أحكام الأطعمة والأشربة - مراتب الغذاء: مراتب الغذاء ثلاث: أحدها: مرتبة الحاجة. الثانية: مرتبة الكفاية. الثالثة: مرتبة الفضلة. فأفضل ما للبدن لقيمات يقمن صلبه؛ لئلا تسقط قوته. فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثالث للنفس. وهذا القدر من أنفع ما للبدن والقلب، فالبدن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس، وعرض له الكرب والتعب؛ لثقل الحِمْل، وذلك يسبب فساد القلب، وكسل الجوارح عن الطاعات، وتحركها في الشهوات. - أحوال البدن: للبدن ثلاثة أحوال: الأولى: حال طبيعية، وبها يكون البدن صحيحاً. الثانية: حال خارجة عن الطبيعة، وبها يكون البدن مريضاً. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
3 - باب الأشربة
- الشراب: هو كل ما يشرب. - أقسام الأشربة: تنقسم الأشربة إلى قسمين: الأول: الأشربة الحلال: وهي كل شراب طيب، نافع، لا مضرة فيه ولا إسكار. والأشربة الأصل فيها الحل والإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه. والأشربة الحلال أنواع كثيرة لا يحصيها إلا الذي خلقها، ومنها: المياه .. والألبان .. والسمن .. والزيت .. والعسل .. والزنجبيل .. والنارجيل .. والزعفران .. والخل .. والقهوة .. والشاي .. والعصير .. والنعناع وغيرها من الأشربة التي خلقها الله لمصلحة الإنسان، وأمره بشربها بلا إسراف. 1 - قال الله تعالى: {{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}} [البقرة: 29]. 2 - وقال الله تعالى: {{يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)}} [الأعراف: 31]. الثاني: الأشربة المحرمة: وهي كل شراب خبيث، ضار، نجس، مسكر، مهلك، سام. فكل شراب جمع هذه الأوصاف، أو بعضها، أو أحدها، فهو محرم لا يجوز |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
1 - أقسام الأشربة المباحة
- أنواع الأشربة المباحة: الأشربة الحلال أنواع كثيرة مختلفة الألوان، والطعوم، والأشكال، والمنافع. ومن أهم هذه الأشربة المباحة ما يلي: 1 - الماء: وهو الماء السائل الذي خلقه الله عز وجل لسقي الإنسان والحيوان والنبات. مثل مياه الأمطار .. ومياه الأنهار .. ومياه الآبار .. ومياه العيون .. ومياه البحار. وهذه المياه أنواع مختلفة: فمنها العذب والمالح .. ومنها الحلو والمر .. ومنها البارد والحار .. ومنها العادي والغازي .. ومنها الثقيل والخفيف .. وأفضله الماء الصافي الحلو البارد. ومنها ما يصلح للإنسان .. ومنها ما يصلح للحيوان .. ومنها ما يصلح للنبات .. ومنها ما يصلح للكل .. ومنها ما لا يصلح للكل. 1 - قال الله تعالى: {{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)}} ... [النحل: 10 - 11]. 2 - وقال الله تعالى: {{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21)}} ... [الزمر: 21]. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
2 - أقسام الأشربة المحرمة
- أنواع الأشربة المحرمة: الأشربة المحرمة أنواع كثيرة مختلفة الأشكال، والأضرار، والخبث، والنجاسة. ومن أعظم الأشربة المحرمة ما يلي: 1 - الخمر: وهي اسم لكل ما خامر العقل وغطاه من أي نوع من الأشربة أو الأطعمة. وكل شراب أسكر كثيره فقليله حرام. - حكم الخمر: 1 - قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}} [المائدة: 90 - 91]. 2 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا، لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخرةِ». متفق عليه (¬1). 3 - وعَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَقْعُدَنَّ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ ¬_________ (¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (5575) , ومسلم برقم (2003)، واللفظ له. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
البيان عن الفصل في الأشربة بين الحلال والحرام
لأبي المحاسن: المفضل بن مسعود بن محمد التنوخي، الحنفي. المتوفى: سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
علم: طبخ الأطعمة، والأشربة، والمعاجين
وهو: علم يعرف به كيفية تركيب الأطعمة اللذيذة النافعة، بحسب الأمزجة المخالفة، وكيفية تركيب المركبات الدوائية، من جهة: الوزن، والوقت، والتقديم، والتأخير. وهو من: فروع الطب، غير طبخ الأطعمة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
كتاب: الأشربة الصغير
للإمام، أبي عبد الله: أحمد بن حنبل. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
كتاب الأشربة
لأبي محمد: عبد الله بن مسلم بن قتيبة النحوي. المتوفى: سنة 276، ست وسبعين ومائتين. وللإمام، أبي عبد الله: محمد بن إسماعيل البخاري. المتوفى: سنة 256، ست وخمسين ومائتين. ذكره: الدارقطني. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
كتاب: الأطعمة، والأشربة
لابن مندويه: أحمد بن عبد الرحمن الطبيب، الأصبهاني. المتوفى: سنة ... |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
جمع شراب، والشراب: اسم لما يشرب من أي نوع كان ماء أو غيره على أي حال كان، وكل شيء لا مضغ فيه، فإنه يقال فيه: الشرب.
وليس مصدرا، لأن المصدر هو الشرب- مثلثة الشين. اصطلاحا: تطلق الأشربة على ما كان مسكرا من الشراب، سواء كان متخذا من الثمار كالعنب والرطب والتين، أو من الحبوب كالحنطة، أو الشعير، أو الحلويات كالعسل، وسواء أكان مطبوخا أو نيئا. وسواء كان معروفا باسم قديم كالخمر أو مستحدث كالعرق والشمبانيا. إلخ. لحديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ليشربن أناس من أمّتي الخمر ويسمّونها بغير اسمها». [رواه البخاري: (أشربة/ 6) ] وهي جمع شراب، وهو كل مائع رقيق يشرب ولا يتأتى معه المضغ، محرما أو حلالا، وهي لا تستخرج إلا من العنب والزبيب والتمر والحبوب، ومنها حلال ومنها حرام، وهو مائع رقيق يشرب ولا يمكن مضغه حلالا أو حراما. وهو ما يتأتى فيه الشّرب بالضم، وهو ابتلاع ما كان مائعا: أى ذائبا. - وهو لغة: كل ما يسكر وخص شرعا بالمسكر. وهي أنواع: - الخمر: وهي عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، ومعنى «وقذف بالزبد» : رمى بالرغوة بحيث لا يبقى شيء فيه فيصفو ويروق. والباذن والطلاء: - عصير العنب: إذا طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه، وقيل: الطلاء: ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه كما في «المحيط»، وقيل: إذا ذهب ثلثه، فهو الطلاء، وإن ذهب نصفه، فهو المنصف، وإن طبخ فالباذن، والكل حرام إذا غلى واشتد وقذف بالزبد يحرم قليله وكثيره ولا يفسق شاربه ولا يكفر مستحله ولا يحدّ شاربه ما لم يسكر. الدباء- بضم الدال وتشديد الباء والمد-: القرع. الواحدة: دباءة. الحنتم: الخزف الأسود والجرة الخضراء، وعن أبى عبيدة: هي جرار خمر تحمل فيها الخمر إلى المدينة. الواحدة: حنتمة. المزفت: الوعاء المطلي بالزفت، وهو القار، وهذا ما يحدث التغير في الشرب سريعا. النقير: خشبة تنقر وينبذ فيها. قال: وما ورد من النهى عن ذلك منسوخ بقوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث طويل بعد ذكر هذه الأشياء: «فاشربوا في كلّ ظرف، فإنّ الظرف لا يحل شيئا ولا يحرمه ولا تشربوا المسكر» [رواه مسلم: أشربة 64]. وقاله بعد أن أخبر عن النهى فكان ناسخا. البتع- بكسر الباء وسكون التاء-: شراب مسكر يتخذ من العسل باليمن. الحق- بكسر الحاء-: وهو نبيذ الشّعير. السّكر: بضم السين والكاف، وسكران: هو نبيذ الذّرة، وهو حلال شربه لاستمرار الطّعام والتّقوّى، وإن لم يطبخ، وإن اشتد وقذف بالزبد وهذا عند أبي حنيفة، وأبى يوسف، وعند محمد حرام، ومثله الحق. الخليطان: هو ماء الزبيب والتمر أو الرطب أو البسر المجتمعين المطبوخين أدنى طبخ، والمفهوم من عبارة بعض الفقهاء: عدم اشتراط الطبخ. «المصباح المنير ص 308 (علمية)، والاختيار 3/ 288، والتوقيف ص 66، 67، وطلبة الطلبة ص 316، وشرح الزرقانى على الموطأ 4/ 166». |
|
السَّوائِلُ والمائِعاتُ التي تُشْرَبُ ولا تُمْضَغُ، حَلالاً كانَتْ أو حَراماً.
Drinks/Beverages: Liquids and fluids that are drunk and not chewed, whether they are Halal (lawful to eat) or not. |