نتائج البحث عن (إرث) 18 نتيجة

[إرث]نه فيه: أنكم على "إرث" من "إرث" أبيكم إبراهيم يريد ميراثهم ملته. وفيه: وإذا نار "تؤرث" بصرار: هو موضع، والتأريث إيقاد النار والإراث والأريث النار.
إِرْث -قَالَ أَبُو عُبَيْد: الْإِرْث أَصله من الْمِيرَاث إِنَّمَا هُو ورث فقلبتالْوَاو ألفا مَكْسُورَة لكسرة الْوَاو كَمَا قَالُوا للوسادة: إسادة وللوشاح: إشاح وللوكاف: إكاف وَقَالَ اللَّه عز وَجل {{وَإذَا الرُّسُّلُ أُقَّتَتْ}} وَأَصلهَا من الْوَقْت فَجعلت الْوَاو ألفا مَضْمُومَة لضمة الْوَاو كَمَا كسرت فِي تِلْكَ الْأَشْيَاء لكسرة الْوَاو. فَكَأَن معنى الحَدِيث أَنكُمْ على بَقِيَّة من ورث إِبْرَاهِيم وَهُوَ الْإِرْث قَالَ الحطيئة: [الطَّوِيل]

فَاِنْ تَكُ ذَا عِزٍّ حديثٍ فانَّهُم...ذَوُو إِرْث مجدٍ لم تخنه زوافره

يَعْنِي الْأُصُول.
الإِرْثُ، بالكسرِ: الميراثُ، والأَصْلُ، والأَمْرُ القديمُ تَوَارثَه الآخِرُ عن الأَوَّلِ، والرَّمادُ، والبَقِيةُ من كلِّ شيء.والتَّأْرِيثُ: الإِغْراء بين القَوْم، وإِيقادُ النارِ، كالأَرْثِ.وتَأَرَّثَتْ: اتَّقَدَتْ.والأُرْثُ، بالضم: شَوْكٌ. وكَصُرَدٍ: الأُرَفُ.والأُرْثَةُ، بالضم: الأَكَمَةُ الحَمْراءُ، وسِرْقينٌ يُهَيَّأُ عند الرَّمادِ لِحينِ الحاجَةِ، والحَدُّ بين الأَرْضَيْنِ، والمكانُ السَّهْلُ،وـ من ألوانِ الغَنَمِ: كالرُّقْطَةِ. وهو آرَثُ، وهي أرْثاءُ.والإِراثُ، ككِتابٍ: النارُ، وما أُعِدَّ للنارِ مِن حِراقَةٍ ونحوها.

مَوَانِع الْإِرْث خَمْسَة

دستور العلماء للأحمد نكري

مَوَانِع الْإِرْث خَمْسَة: الأول: الرّقّ وافرا كَانَ أَو نَاقِصا - وَاعْلَم أَن المُرَاد بِالرّقِّ هَا هُنَا الْملك عِنْد من جعله أَعم من وَجه من الْملك فَلَا يرد أَنه لَا فَائِدَة فِي اعْتِبَار اخْتِلَاف الدَّاريْنِ وَجعله مَانِعا رَابِعا بعد اعْتِبَار الرّقّ. واتضح لَك هَذَا الْمُجْمل فِي الْملك بِفضل الله تَعَالَى - وَالثَّانِي: الْقَتْل الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ وجوب الْقصاص أَو الْكَفَّارَة - وَالثَّالِث: اخْتِلَاف الدينَيْنِ - وَالرَّابِع: اخْتِلَاف الدَّاريْنِ - وَالْخَامِس: استبهام تَارِيخ الْمَوْت كَمَا فِي الغرقى والحرقى والهدمى. وَالْوَارِث بِسَبَب أحد هَذِه الْأُمُور يكون محروما عَن الْإِرْث وَيصير كالميت. وَلِهَذَا لَا يحجب حجب الحرمان بالِاتِّفَاقِ وَلَا حجب النُّقْصَان على الِاخْتِلَاف. وَالْفَتْوَى على أَنه لَا يحجب أصلا. وتفصيل هَذِه الْأُمُور فِي كتب الْفَرَائِض.
المانع من الإرث: عبارة عن انعدام الحكم عند وجود السبب.
المانع من الإرث: عبارةٌ عما يوجب انعدامَ الحكم بالإرث مع وجود سبب الإرث.
التَّعْرِيفُ:
1 - مِنْ مَعَانِي الإِْرْثِ فِي اللُّغَةِ: الأَْصْل، وَالأَْمْرُ الْقَدِيمُ تَوَارَثَهُ الآْخَرُ عَنِ الأَْوَّل، وَالْبَقِيَّةُ مِنْ كُل شَيْءٍ. وَهَمْزَتُهُ أَصْلُهَا وَاوٌ (1) . وَيُطْلَقُ الإِْرْثُ وَيُرَادُ مِنْهُ انْتِقَال الشَّيْءِ مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ. وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ مِنْهُ الْمَوْرُوثُ (2) . وَيُقَارِبُهُ عَلَى هَذَا الإِْطْلاَقِ فِي الْمَعْنَى التَّرِكَةُ. وَعِلْمُ الْمِيرَاثِ - وَيُسَمَّى أَيْضًا عِلْمَ الْفَرَائِضِ - هُوَ عِلْمٌ بِأُصُولٍ مِنْ فِقْهٍ وَحِسَابٍ تُعَرِّفُ حَقَّ كُلٍّ فِي التَّرِكَةِ (3) . وَالإِْرْثُ اصْطِلاَحًا: عَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي أَفْضَل الدِّينِ الْخُونَجِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهُ حَقٌّ قَابِلٌ لِلتَّجَزُّؤِ يَثْبُتُ لِمُسْتَحِقِّهِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ نَحْوِهَا (4) .
__________
(1) القاموس المحيط 1 / 167
(2) العذب الفائض 1 / 16 وحاشية البقري 10
(3) الدر، وحاشية ابن عابدين 5 / 499، والشرح الكبير 4 / 456، ونهاية المحتاج 6 / 2، والعذب الفائض 1 / 62
(4) العذب الفائض 1 / 16، وحاشية البقري 10

أَهَمِّيَّةُ الإِْرْثِ:
2 - مَعْرِفَةُ الْفَرَائِضِ مِنْ أَهَمِّ الْعُلُومِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَرْكَانِ الدِّينِ. وَقَدْ حَثَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَعْلِيمِهَا وَتَعَلُّمِهَا. فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، وَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَسَيُقْبَضُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ بَعْدِي حَتَّى يَتَنَازَعَ الرَّجُلاَنِ فِي فَرِيضَةٍ فَلاَ يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِل بَيْنَهُمَا. (1)
وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ مُذَاكَرَةِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَمُدِحُوا عَلَى ذَلِكَ.

عَلاَقَةُ الإِْرْثِ بِالْفِقْهِ:
3 - وَالْفُقَهَاءُ فِي الْمَذَاهِبِ الإِْسْلاَمِيَّةِ حِينَ يَتَكَلَّمُونَ عَنِ الْمِيرَاثِ يُعَنْوِنَونَ لِذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ بِكِتَابِ الْفَرَائِضِ (2) . وَقَدْ أَفْرَدَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِكُتُبٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. وَابْتَدَأَ ذَلِكَ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِي لِلْهِجْرَةِ مَعَ ابْتِدَاءِ تَدْوِينِ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَمِنْ أَوَّل مَنْ أَلَّفَ الْكُتُبَ الْخَاصَّةَ بِأَحْكَامِ الْفَرَائِضِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَكَانَتْ كُتُبُ الْفِقْهِ الْمُدَوَّنَةُ فِي هَذَيْنِ الْقَرْنَيْنِ خَالِيَةً مِنْ أَحْكَامِ الْفَرَائِضِ مِثْل الْمُدَوَّنَةِ لِسَحْنُونٍ
__________
(1) حديث " تعلموا القرآن. . " أخرجه الحاكم (4 / 333 - ط دائرة المعارف العثمانية) ، وأخرجه الترمذي مختصرا. (6 / 265 - تحفة الأحوذي - نشر المكتبة السلفية) وقال. " هذا حديث فيه اضطراب "
(2) العذب الفائض 1 / 8، ونهاية المحتاج 6 / 2 نشر المكتبة الإسلامية، والمغني 6 / 165 ط الرياض.

وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالأُْمِّ لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ.
وَعَلَى الْخِلاَفِ مِنْ ذَلِكَ كَانَتْ كُتُبُ السُّنَّةِ، فَقَدْ شَمِلَتْ أَحْكَامَ الْفَرَائِضِ مَعَ أَحْكَامِ الْفِقْهِ كَالْمُوَطَّأِ وَمُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ.
وَلَمْ تَبْدَأْ كُتُبُ الْفِقْهِ تَشْمَل أَحْكَامَ الْفَرَائِضِ إِلاَّ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ، مِثْل رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَمَرَّ الأَْمْرُ كَذَلِكَ.

دَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهِ:
4 - الْمِيرَاثُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَآيَاتُ الْمَوَارِيثِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَحَادِيثُ مِثْل قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلأَِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (1) وَمِثْل ثُبُوتِ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ لأُِمٍّ بِشَهَادَةِ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ سَلَمَةَ لَدَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَّثَهَا، وَلَمْ يَرِدْ تَوْرِيثُهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (2)
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَمِثْل إِرْثِ الْجَدَّةِ لأَِبٍ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الدَّاخِل فِي عُمُومِ الإِْجْمَاعِ، وَلاَ مَدْخَل لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ.
__________
(1) حديث " ألحقوا الفرائض بأهلها. . . " أخرجه البخاري 12 / 11 - فتح الباري - ط السلفية) ومسلم (3 / 1233 - ط عيسى الحلبي) .
(2) حديث توريث الجدة لأم. . أخرجه أبو داود (3 / 81 - ط المطبعة الأنصارية بدهلي) ، والترمذي (6 / 277 - 278 - تحفة الأحوذي - نشر المكتبة السلفية) وقد أعله ابن حجر وغيره بالانقطاع. (التلخيص الحبير 3 / 82 - ط شركة الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة) . وحاشية ابن عابدين 5 / 499 ط الأميرية الثالثة.

التَّدَرُّجُ فِي تَشْرِيعِ الْمِيرَاثِ:
5 - كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَتَوَارَثُونَ بِشَيْئَيْنِ: النَّسَبُ وَالسَّبَبُ.
فَأَمَّا مَا يَسْتَحِقُّ بِالنَّسَبِ فَلَمْ يَكُونُوا يُوَرِّثُونَ الصِّغَارَ وَلاَ الإِْنَاثَ، وَإِنَّمَا يُوَرِّثُونَ مَنْ قَاتَل وَحَازَ الْغَنِيمَةَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَآخَرِينَ إِلَى أَنْ أَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى {وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاءِ قُل اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} : إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} (1) وَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ} . (2)
وَقَدْ كَانُوا بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْمُنَاكَحَاتِ وَالطَّلاَقِ وَالْمِيرَاثِ إِلَى أَنْ نُقِلُوا عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ بِالشَّرِيعَةِ.
قَال ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ النَّاسَ عَلَى مَا أَدْرَكَهُمْ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ مِيرَاثٍ؟ ، قَال: لَمْ يَبْلُغْنَا إِلاَّ ذَلِكَ (3) .
وَرَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَال: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ عَلَى أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ إِلَى أَنْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ أَوْ يُنْهَوْا عَنْهُ، وَإِلاَّ فَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِمْ.
وَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي يَتَوَارَثُونَ بِهِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْحَلِفُ وَالْمُعَاقَدَةُ، وَالآْخَرُ التَّبَنِّي. ثُمَّ جَاءَ الإِْسْلاَمُ فَتُرِكُوا بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ نُسِخَ. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُول: إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْحَلِفِ وَالْمُعَاقَدَةِ بِنَصِّ التَّنْزِيل ثُمَّ نُسِخَ، وَقَال
__________
(1) سورة النساء / 127
(2) سورة النساء / 11
(3) الجصاص 2 / 90

شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ (1) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} : كَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَاقِدُ الرَّجُل فَيَقُول: دَمِي دَمُكَ، وَهَدْمِي هَدْمُكَ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، وَتُطْلَبُ بِي وَأُطْلَبُ بِكَ. قَال: فَوَرَّثُوا السُّدُسَ فِي الإِْسْلاَمِ مِنْ جَمِيعِ الأَْمْوَال، ثُمَّ يَأْخُذُ أَهْل الْمِيرَاثِ مِيرَاثَهُمْ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} . (2)

الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّرِكَةِ وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا:
6 - مِنْ إِطْلاَقَاتِ الإِْرْثِ لُغَةً: التَّرِكَةُ (3) . وَهِيَ فِي الاِصْطِلاَحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: مَا تَرَكَهُ الْمَيِّتُ مِنْ أَمْوَالٍ وَحُقُوقٍ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هِيَ مَا تَرَكَهُ الْمَيِّتُ مِنَ الأَْمْوَال صَافِيًا عَنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِعَيْنٍ مِنَ الأَْمْوَال، فَالأَْصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْحُقُوقَ لاَ يُورَثُ مِنْهَا إِلاَّ مَا كَانَ تَابِعًا لِلْمَال أَوْ فِي مَعْنَى الْمَال، كَحَقِّ التَّعَلِّي وَحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ، أَمَّا حَقُّ الْخِيَارِ وَحَقُّ الشُّفْعَةِ وَحَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا فَلاَ تُورَثُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (4) ، وَيَدْخُل فِي التَّرِكَةِ اتِّفَاقًا الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ بِالْقَتْل الْخَطَأِ، أَوْ بِالصُّلْحِ عَنِ الْعَمْدِ، أَوْ بِانْقِلاَبِ الْقِصَاصِ مَالاً بِعَفْوِ بَعْضِ الأَْوْلِيَاءِ فَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُ الْمَيِّتِ وَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُبْدَأُ مِنَ التَّرِكَةِ بِالدُّيُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَعْيَانِهَا
__________
(1) سورة النساء / 33، وقرأ السبعة ما عدا عاصما وحمزة والكسائي (عاقدت) وقرأ الثلاثة المذكورون (عقدت) الجصاص 2 / 90 - 91 ط البهية.
(2) سورة الأحزاب / 6 والمصدر السابق.
(3) القاموس
(4) نهاية المحتاج 6 / 3، العذب الفائض 1 / 13، الشرح الكبير 4 / 457

قَبْل الْوَفَاةِ كَالأَْعْيَانِ الْمَرْهُونَةِ، لأَِنَّ الْمُوَرِّثَ فِي حَال حَيَاتِهِ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الأَْعْيَانِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ، فَأَوْلَى أَلاَّ يَكُونَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
فَإِذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ كُلُّهَا مَرْهُونَةً فِي دَيْنٍ فَإِنَّ الْمُوَرِّثَ (الْمَيِّتَ) لاَ يُجَهَّزُ إِلاَّ بَعْدَ سَدَادِ الدَّيْنِ، أَوْ فِيمَا يَفْضُل بَعْدَ سَدَادِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُل شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ سَدَادِ الدَّيْنِ يَكُونُ تَجْهِيزُهُ عَلَى مَنْ كَانَتْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِي حَيَاتِهِ (1) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ بُدِئَ بِتَكْفِينِهِ وَتَجْهِيزِهِ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا تُقَدَّمُ نَفَقَةُ الْمُفْلِسِ عَلَى دُيُونِ غُرَمَائِهِ، ثُمَّ بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ (2) .
7 - لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي الدُّيُونِ الَّتِي تُقْضَى بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الدَّيْنَ إِنْ كَانَ لِلْعِبَادِ فَالْبَاقِي بَعْدَ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إِنْ وَفَى بِهِ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَفِ فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ وَاحِدًا يُعْطِي لَهُ الْبَاقِيَ. وَمَا بَقِيَ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ إِنْ شَاءَ عَفَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ.
وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مُتَعَدِّدًا، فَإِنْ كَانَ الْكُل دَيْنَ الصِّحَّةِ - وَهُوَ مَا كَانَ ثَابِتًا بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الإِْقْرَارِ فِي زَمَانِ صِحَّةِ الْمَدِينِ - أَوْ كَانَ الْكُل دَيْنَ الْمَرَضِ - وَهُوَ مَا كَانَ ثَابِتًا بِإِقْرَارِهِ فِي مَرَضِهِ - فَإِنَّهُ يُصْرَفُ الْبَاقِي إِلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مَقَادِيرِ دُيُونِهِمْ.
وَإِنِ اجْتَمَعَ الدَّيْنَانِ مَعًا يُقَدَّمُ دَيْنُ الصِّحَّةِ لِكَوْنِهِ أَقْوَى، لأَِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَنِ التَّبَرُّعِ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 5 / 463، 483، وشرح السراجية ص 4، والشرح الكبير 4 / 457، ونهاية المحتاج 6 / 7
(2) العذب الفائض 1 / 13 ط مصطفى الحلبي

بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَفِي إِقْرَارِهِ حِينَئِذٍ نَوْعُ ضَعْفٍ.
وَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِطَرِيقِ الْمُعَايَنَةِ، كَاَلَّذِي يَجِبُ بَدَلاً عَنْ مَال مِلْكِهِ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ دَيْنِ الصِّحَّةِ، إِذْ قَدْ عُلِمَ وُجُوبُهُ بِغَيْرِ إِقْرَارِهِ، فَلِذَلِكَ سَاوَاهُ فِي الْحُكْمِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَحِجَّةِ الإِْسْلاَمِ وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ، فَإِنْ أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ وَجَبَ تَنْفِيذُهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ الْبَاقِي بَعْدَ دَيْنِ الْعِبَادِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ يَجِبْ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ تُقْضَى دُيُونُ الْمَيِّتِ الَّتِي لآِدَمِيٍّ كَانَتْ بِضَامِنٍ أَمْ لاَ. حَالَّةً كَانَتْ أَوْ مُؤَجَّلَةً لأَِنَّ الْمُؤَجَّلَةَ تَحِل بِالْمَوْتِ، ثُمَّ هَدْيُ تَمَتُّعٍ إِنْ مَاتَ بَعْدَ رَمْيِ الْعَقَبَةِ أَوْصَى بِهِ أَمْ لاَ، ثُمَّ زَكَاةُ فِطْرٍ فَرَّطَ فِيهَا، وَكَفَّارَاتٌ فَرَّطَ فِيهَا، مِثْل كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالصَّوْمِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْل إِذَا أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ أَنَّهَا بِذِمَّتِهِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَال. سَوَاءٌ أَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا أَمْ لَمْ يُوصِ، لأَِنَّ الْمُقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ مَتَى أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ بِهَا خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَال، أَوْصَى بِهَا أَمْ لاَ، فَإِنْ أَوْصَى بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ فَمِنَ الثُّلُثِ، وَمِثْل الْكَفَّارَاتِ عِنْدَهُمْ الَّتِي أَشْهَدَ بِهَا زَكَاةُ عَيْنٍ حَلَّتْ وَأَوْصَى بِهَا، وَزَكَاةُ مَاشِيَةٍ حَلَّتْ وَلاَ سَاعِيَ، وَلَمْ تُوجَدِ السِّنُّ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا، فَإِنْ وُجِدَ فَهُوَ كَالدَّيْنِ الْمُتَعَلِّقِ بِحَقٍّ فَيَجِبُ إِخْرَاجُهُ قَبْل الْكَفَنِ وَالتَّجْهِيزِ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ تُقْضَى الدُّيُونُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِذِمَّةِ الْمَيِّتِ مِنْ رَأْسِ الْمَال سَوَاءٌ أَكَانَتْ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَمْ لآِدَمِيٍّ أَوْصَى بِهَا أَمْ لاَ،
__________
(1) شرح السراجية ص 5 وما بعدها ط مصطفى الحلبي حاشية الدسوقي 4 / 408 ط دار الفكر.
(2) حاشية الدسوقي 4 / 408 ط دار الفكر

لأَِنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَيُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ - تَعَالَى - كَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا عَلَى دَيْنِ الآْدَمِيِّ. وَذَلِكَ فِيمَا إِذَا تَلِفَ الْمَال. فَلَوْ كَانَ بَاقِيًا فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الزَّكَاةِ فَتَخْرُجُ قَبْل التَّجْهِيزِ كَمَا قَال الْمَالِكِيَّةُ، وَإِنْ كَانَتِ الدُّيُونُ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنٍ قُدِّمَتْ عَلَى التَّجْهِيزِ (1) كَمَا سَبَقَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ بَعْدَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ يُوفَى حَقُّ مُرْتَهِنٍ لَدَيْهِ، ثُمَّ إِنْ فَضَل لِلْمُرْتَهِنِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ شَارَكَ الْغُرَمَاءَ، لأَِنَّهُ سَاوَاهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ رُدَّ عَلَى الْمَال لِيُقْسَمَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، ثُمَّ بَعْدَمَا سَبَقَ تُسَدَّدُ الدُّيُونُ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالأَْعْيَانِ وَهِيَ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ. وَيَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالتَّرِكَةِ كُلِّهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهَا الدَّيْنُ سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ، أَمْ كَانَ لآِدَمِيٍّ كَالْقَرْضِ وَالثَّمَنِ وَالأُْجْرَةِ، فَإِنْ زَادَتِ الدُّيُونُ عَنِ التَّرِكَةِ وَلَمْ تَفِ بِدَيْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَدَيْنِ الآْدَمِيِّ يَتَحَاصُّونَ عَلَى نِسْبَةِ دُيُونِهِمْ كَمَال الْمُفْلِسِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الدُّيُونُ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَمْ لِلآْدَمِيِّينَ أَمْ مُخْتَلِفَةً، ثُمَّ بَعْدَ الدَّيْنِ الْوَصِيَّةُ لِلأَْجْنَبِيِّ - وَهُوَ مَنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ - مِنْ ثُلُثِ مَا يَفِي مِنَ الْمَال بَعْدَ الْحُقُوقِ الثَّلاَثَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ فَلاَ بُدَّ مِنْ إِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لأَِجْنَبِيٍّ فَمَا يَزِيدُ عَنِ الثُّلُثِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ كُل الْوَرَثَةِ (2) .
8 - وَالْفُقَهَاءُ مُجْمِعُونَ - كَمَا سَبَقَ - عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، لِمَا قَالَهُ عَلِيٌّ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الدَّيْنَ قَبْل الْوَصِيَّةِ، وَلأَِنَّ الدَّيْنَ تَسْتَغْرِقُهُ حَاجَتُهُ فَقُدِّمَ كَمَئُونَةِ تَجْهِيزِهِ، ثُمَّ تَنْفُذُ وَصَايَاهُ.
__________
(1) نهاية المحتاج 6 / 76 وما بعدها
(2) العذب الفائض شرح عمدة الفارص ص 1 / 13

9 - وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الذِّكْرِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الآْيَةِ {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (1) لأَِنَّهَا تُشْبِهُ الْمِيرَاثَ، لِكَوْنِهَا مَأْخُوذَةً بِلاَ عِوَضٍ، فَيَشُقُّ إِخْرَاجُهَا عَلَى الْوَرَثَةِ، فَكَانَتْ لِذَلِكَ مَظِنَّةً فِي التَّفْرِيطِ فِيهَا بِخِلاَفِ الدَّيْنِ فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ مُطْمَئِنَّةٌ إِلَى أَدَائِهِ، فَقُدِّمَ ذِكْرُهَا حَثًّا عَلَى أَدَائِهَا، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا مِثْلُهُ فِي وُجُوبِ الأَْدَاءِ، أَوِ الْمُسَارَعَةِ إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ جِيءَ بَيْنَهُمَا بِكَلِمَةِ التَّسْوِيَةِ، وَأَيْضًا إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالتَّبَرُّعَاتِ وَلَيْسَ فِي التَّرِكَةِ وَفَاءٌ بِالْكُل فَتَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ، لأَِنَّ أَدَاءَ الدَّيْنِ فَرْضٌ عَلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ فِي حَال حَيَاتِهِ، وَالْوَصِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَطَوُّعٌ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الْفَرْضَ أَقْوَى (2) .
10 - ثُمَّ بَعْدَ التَّكْفِينِ وَالدَّيْنِ تَنْفُذُ الْوَصَايَا مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَذَلِكَ فِي الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ - عَدَا خُوَاهَرْ زَادَهْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - لاَ مِنْ أَصْل الْمَال، لأَِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّكْفِينِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ قَدْ صَارَ مَصْرُوفًا فِي ضَرُورَاتِهِ الَّتِي لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهَا، فَالْبَاقِي هُوَ مَالُهُ الَّذِي كَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي ثُلُثِهِ، وَأَيْضًا رُبَّمَا اسْتَغْرَقَ ثُلُثُ الأَْصْل جَمِيعَ الْبَاقِي، فَيُؤَدِّي إِلَى حِرْمَانِ الْوَرَثَةِ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً أَمْ مُعَيَّنَةً، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
11 - وَقَال شَيْخُ الإِْسْلاَمِ خُوَاهَرْ زَادَهْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُعَيَّنَةً كَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى الإِْرْثِ. وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً كَأَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ رُبُعِهِ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمِيرَاثِ لِشُيُوعِهَا فِي التَّرِكَةِ، فَيَكُونُ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ لاَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِمْ، وَيَدُل عَلَى شُيُوعِهِ فِيهَا كَحَقِّ الْوَارِثِ أَنَّهُ إِذَا زَادَ الْمَال بَعْدَ
__________
(1) سورة النساء / 11
(2) السراجية ص 4، 5

الْوَصِيَّةِ زَادَ عَلَى الْحَقَّيْنِ، وَإِذَا نَقَصَ نَقَصَ عَنْهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مَالُهُ حَال الْوَصِيَّةِ أَلْفًا مَثَلاً فَصَارَ أَلْفَيْنِ، فَلَهُ ثُلُثُ الأَْلْفَيْنِ. وَإِنِ انْعَكَسَ فَلَهُ ثُلُثُ الأَْلْفِ (1) .
ثُمَّ بَعْدَ التَّكْفِينِ وَالدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ يُقْسَمُ الْبَاقِي مِنْ مَال الْمَيِّتِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الَّذِينَ ثَبَتَ إِرْثُهُمْ بِالْكِتَابِ وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الآْيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، أَوِ الَّذِينَ ثَبَتَ إِرْثُهُمْ بِالنِّسْبَةِ مِثْل قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَطْعِمُوا الْجَدَّاتِ السُّدُسَ، أَوِ الَّذِينَ ثَبَتَ إِرْثُهُمْ بِالإِْجْمَاعِ كَالْجَدِّ وَابْنِ الاِبْنِ وَبِنْتِ الاِبْنِ وَسَائِرِ مَنْ عُلِمَ تَوْرِيثُهُمْ بِالإِْجْمَاعِ (2) .

أَرْكَانُ الإِْرْثِ:
12 - الرُّكْنُ لُغَةً جَانِبُ الشَّيْءِ الأَْقْوَى، وَفِي الاِصْطِلاَحِ عِبَارَةٌ عَنْ جُزْءِ الْمَاهِيَّةِ (3) .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الإِْرْثَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ مِنْهُ الاِسْتِحْقَاقُ وَبِهَذَا الإِْطْلاَقِ لَهُ أَرْكَانٌ ثَلاَثَةٌ إِنْ وُجِدَتْ كُلُّهَا تَحَقَّقَتِ الْوِرَاثَةُ، وَإِنْ فُقِدَ رُكْنٌ مِنْهَا فَلاَ إِرْثَ.
أَوَّلُهَا: الْمُورَثُ وَهُوَ الْمَيِّتُ أَوِ الْمُلْحَقُ بِالأَْمْوَاتِ.
وَثَانِيهَا: الْوَارِثُ وَهُوَ الْحَيُّ بَعْدَ الْمُورَثِ أَوِ الْمُلْحَقُ بِالأَْحْيَاءِ.
وَثَالِثُهَا: الْمَوْرُوثُ (أَيِ التَّرِكَةُ) وَهُوَ لاَ يَخْتَصُّ
__________
(1) السراجية ص 6، 7، والشرح الصغير 4 / 618، وحاشية الدسوقي 4 / 458، ونهاية المحتاج 6 / 7، والعذب الفائض 1 / 15.
(2) المراجع السابقة. وحديث أطعموا الجدات أورده الجرجاني في شرح السراجية ص 7 ط مصطفى الحلبي، وأخرجه مالك وأحمد والأربعة من حديث المغيرة ومحمد بن مسلمة بلفظ " شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس وصححه ابن حبان والحاكم (نصب الراية 4 / 428)
(3) القاموس والعذب الفائض 1 / 16

بِالْمَال، بَل يَشْمَل الْمَال وَغَيْرَهُ.
وَعَلَى هَذَا فَمَنْ مَاتَ وَلَهُ وَارِثٌ وَلاَ مَال لَهُ فَلاَ إِرْثَ (1) ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ وَلاَ وَارِثَ لَهُ فَلاَ إِرْثَ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ لاَ يَرَى بَيْتَ الْمَال وَارِثًا، كَمَا سَيَأْتِي.

شُرُوطُ الْمِيرَاثِ:
13 - الشُّرُوطُ جَمْعُ شَرْطٍ وَهُوَ لُغَةً الْعَلاَمَةُ. وَاصْطِلاَحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلاَ عَدَمٌ لِذَاتِهِ (2) ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمَاهِيَّةِ.
(وَلِلإِْرْثِ شُرُوطٌ ثَلاَثَةٌ) :
أَوَّلُهَا: تَحَقُّقُ مَوْتِ الْمُورَثِ أَوْ إِلْحَاقُهُ بِالْمَوْتَى حُكْمًا كَمَا فِي الْمَفْقُودِ إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِمَوْتِهِ أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا فِي الْجَنِينِ الَّذِي انْفَصَل بِجِنَايَةٍ عَلَى أُمِّهِ تُوجِبُ غُرَّةً.
ثَانِيهَا: تَحَقُّقُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُورَثِ، أَوْ إِلْحَاقُهُ بِالأَْحْيَاءِ تَقْدِيرًا، كَحَمْلٍ انْفَصَل حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً لِوَقْتٍ يَظْهَرُ مِنْهُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ نُطْفَةً عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي فِي مِيرَاثِ الْحَمْل.
ثَالِثُهَا: الْعِلْمُ بِالْجِهَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلإِْرْثِ مِنْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ وَلاَءٍ، وَتَعَيُّنُ جِهَةِ الْقَرَابَةِ مِنْ بُنُوَّةٍ أَوْ أُبُوَّةٍ أَوْ أُمُومَةٍ أَوْ أُخُوَّةٍ أَوْ عُمُومَةٍ، وَالْعِلْمُ بِالدَّرَجَةِ الَّتِي اجْتَمَعَ الْمَيِّتُ وَالْوَارِثُ فِيهَا (3) .
__________
(1) ابن عابدين 5 / 482 ط بولاق الأولى، والتحفة الخيرية (الشنثورية) ص 47 ط الحلبي، والعذب الفائض 1 / 16 ط الحلبي.
(2) العذب الفائض 1 / 17
(3) ابن عابدين 5 / 483 ط بولاق، والتحفة ص 47 ط الحلبي والعذب الفائض 1 / 17، 18 ط الحلبي.

أَسْبَابُ الإِْرْثِ:
14 - السَّبَبُ لُغَةً مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَاصْطِلاَحًا: مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ.
أَسْبَابُ الإِْرْثِ أَرْبَعَةٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، وَالرَّابِعُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَالثَّلاَثَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا: النِّكَاحُ، وَالْوَلاَءُ، وَالْقَرَابَةُ، وَيُعَبِّرُ عَنْهَا الْحَنَفِيَّةُ بِالرَّحِمِ، وَالرَّابِعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ هُوَ جِهَةُ الإِْسْلاَمِ، وَاَلَّذِي يَرِثُ بِهَذَا السَّبَبِ - عِنْدَ مَنْ قَال بِهِ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - هُوَ بَيْتُ الْمَال عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ (1) .
وَكُل سَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ يُفِيدُ الإِْرْثَ عَلَى الاِسْتِقْلاَل (2)

مَوَانِعُ الإِْرْثِ:
15 - الْمَانِعُ: مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ (3) .
وَمَوَانِعُ الإِْرْثِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ ثَلاَثَةٌ: الرِّقُّ، وَالْقَتْل، وَاخْتِلاَفُ الدِّينِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ثَلاَثَةٍ أُخْرَى وَهِيَ: الرِّدَّةُ، وَاخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ، وَالدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الْمَوَانِعِ جَهْل تَأَخُّرِ مَوْتِ الْوَارِثِ عَنْ مَوْتِ الْمُورَثِ وَاللِّعَانُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْمَوَانِعِ كُلِّهَا (4) .
__________
(1) العذب الفائض 1 / 18، وشرح الرحبية للمارديني ص 18 ط صبيح
(2) ابن عابدين 5 / 486 ط الأميرية والتحفة ص 49 وما بعدها والعذب الفائض 1 / 18 وما بعدها.
(3) العذب الفائض 1 / 23
(4) شرح الرحبية ص 23

الرِّقُّ:
16 - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الرِّقَّ الْكَامِل يَمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ مِنَ الْمَال فَهُوَ لِمَوْلاَهُ. فَلَوْ وَرَّثْنَاهُ مِنْ أَقْرِبَائِهِ لَوَقَعَ الْمِلْكُ لِسَيِّدِهِ، فَيَكُونُ تَوْرِيثًا لِلأَْجْنَبِيِّ بِلاَ سَبَبٍ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ إِجْمَاعًا (1) .

الْقَتْل:
17 - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الْقَتْل الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ يَمْنَعُ الْقَاتِل الْبَالِغَ الْعَاقِل مِنَ الْمِيرَاثِ إِذَا كَانَ الْقَتْل مُبَاشِرًا (2) . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْقَتْل الَّذِي يُوجِبُ الْقِصَاصَ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَاتِل صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ غَيْرَ مُبَاشِرٍ لِلْقَتْل أَوْ كَانَ الْقَتْل خَطَأً. فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقَتْل الْعُدْوَانَ الْعَمْدَ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْجَانِي مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ.
وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْقَتْل الْعَمْدَ الَّذِي يُوجِبُ الْقِصَاصَ: مَا يَكُونُ بِضَرْبَةِ سِلاَحٍ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي تَفْرِيقِ الأَْجْزَاءِ كَالْمُحَدَّدِ مِنَ الْخَشَبِ أَوِ الْحَجَرِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْقَتْل شِبْهَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ يَمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَالْقَتْل شِبْهُ الْعَمْدِ: كَأَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَاتِل ضَرْبَ الْمَقْتُول بِمَا لاَ يُقْتَل بِهِ غَالِبًا، وَمُوجِبُهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْحَنَفِيَّةِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالإِْثْمُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَالْخَطَأُ كَأَنْ رَمَى إِلَى الصَّيْدِ فَأَصَابَ إِنْسَانًا، أَوِ
__________
(1) السراجية ص 18 ط الحلبي، والشرح الكبير 4 / 485 ط الحلبي، والتحفة ص 57 ط الحلبي، والعذب الفائض 1 / 23
(2) السراجية ص 19، والعذب الفائض 1 / 28

انْقَلَبَ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ فَقَتَلَهُ، أَوْ وَطِئَتْهُ دَابَّةٌ، وَهُوَ رَاكِبُهَا أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ عَلَيْهِ، أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ مِنْ يَدِهِ فَمَاتَ. وَمُوجِبُهُ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلاَ إِثْمَ فِيهِ. وَفِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا يُحْرَمُ الْقَاتِل مِنَ الْمِيرَاثِ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ الْقَتْل بِحَقٍّ (1) .
وَإِذَا كَانَ الْقَتْل بِالسَّبَبِ دُونَ الْمُبَاشَرَةِ كَحَافِرِ الْبِئْرِ أَوْ وَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، أَوْ كَانَ الْقَاتِل صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَلاَ حِرْمَانَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْقَتْل فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ (2) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الأَْرْجَحِ إِلَى أَنَّ الْقَاتِل عَمْدًا مُبَاشِرًا أَوْ مُتَسَبِّبًا يُمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ مِنَ الْمَال وَالدِّيَةِ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، وَإِنْ أَتَى بِشُبْهَةٍ تَدْفَعُ الْقِصَاصَ كَرَمْيِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ بِحَجَرٍ فَمَاتَ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رَأْيٌ آخَرُ هُوَ أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَالْخَطَأِ، فَيَرِثُ مِنَ الْمَال دُونَ الدِّيَةِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ (3) . وَأَمَّا إِذَا قَتَل مُورَثُهُ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا أَوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ فَلاَ يُحْرَمُ مِنَ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (4) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ كُل مَنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْقَتْل يُمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْل بِحَقٍّ كَمُقْتَصٍّ، وَإِمَامٍ، وَقَاضٍ، وَجَلاَّدٍ بِأَمْرِ الإِْمَامِ وَالْقَاضِي وَشَاهِدٍ وَمُزَكٍّ. وَيُحْرَمُ الْقَاتِل وَلَوْ قَتَل بِغَيْرِ قَصْدٍ كَنَائِمٍ وَمَجْنُونٍ وَطِفْلٍ وَلَوْ قَصَدَ بِهِ مَصْلَحَةً كَضَرْبِ الأَْبِ ابْنَهُ لِلتَّأْدِيبِ، وَفَتْحِهِ الْجَرْحَ
__________
(1) السراجية ص 18، والشرح الكبير 4 / 486، والعذب الفائض 1 / 29
(2) السراجية ص 18
(3) حاشية الدسوقي 4 / 486
(4) المراجع السابقة

لِلْمُعَالَجَةِ، وَقَالُوا: لَوْ قَال الْمَقْتُول: وَرِّثُوهُ فَهُوَ وَصِيَّةٌ.
وَلَوْ سَقَطَ مُتَوَارِثَانِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ وَأَحَدُهُمَا فَوْقَ الآْخَرِ فَمَاتَ الأَْسْفَل لَمْ يَرِثْهُ الأَْعْلَى، لأَِنَّهُ قَاتِلٌ. وَإِنْ مَاتَ الأَْعْلَى وَرِثَهُ الأَْسْفَل لأَِنَّهُ غَيْرُ قَاتِلٍ لَهُ (1) .
اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْحِرْمَانِ بِالْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ، وَمِنْ عَدَمِ حِرْمَانِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِأَنَّ الْقَاتِل بِالتَّسَبُّبِ لَيْسَ بِقَاتِلٍ حَقِيقَةً، لأَِنَّهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ وَوَقَعَ فِيهَا مُورَثُهُ فَمَاتَ فَلاَ يُؤَاخَذُ عَلَى ذَلِكَ بِشَيْءٍ. وَالْقَاتِل يُؤَاخَذُ بِفِعْلِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مِلْكِهِ أَمْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ كَالرَّامِي. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَتْل لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِمَقْتُولٍ وَقَدِ انْعَدَمَ حَال التَّسَبُّبِ. فَإِنَّ حَفْرَهُ مَثَلاً قَدِ اتَّصَل بِالأَْرْضِ دُونَ الْحَيِّ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَل قَاتِلاً حَال الْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ؛ إِذْ رُبَّمَا كَانَ الْحَافِرُ حِينَئِذٍ مَيِّتًا. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَاتِلاً حَقِيقَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ جَزَاءُ الْقَتْل، وَهُوَ الْحِرْمَانُ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْكَفَّارَةِ. وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لاَ يُحْرَمَانِ مِنَ الْمِيرَاثِ بِالْقَتْل، لأَِنَّ الْحِرْمَانَ جَزَاءٌ لِلْقَتْل الْمَحْظُورِ، وَفِعْلُهُمَا مِمَّا لاَ يَصْلُحُ أَنْ يُوصَفَ بِالْحَظْرِ شَرْعًا، إِذْ لاَ يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُ خِطَابِ الشَّارِعِ إِلَيْهِمَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحِرْمَانَ بِاعْتِبَارِ التَّقْصِيرِ فِي التَّحَرُّزِ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ نِسْبَةُ التَّقْصِيرِ إِلَيْهِمَا (2) .
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ لَيْسَ لِلْقَاتِل مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ وَفَسَّرُوهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْقَتْل شَيْءٌ مِنَ الإِْرْثِ.
وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ خَوْفُ اسْتِعْجَال الْوَارِثِ لِلإِْرْثِ
__________
(1) التحفة الخيرية ص 56
(2) السراجية ص 19 وما بعدما

بِقَتْل مُورَثِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهُوَ مَا إِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا فَاقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ حِرْمَانَهُ مِنَ الإِْرْثِ، عَمَلاً بِقَاعِدَةِ: مَنَ اسْتَعْجَل بِشَيْءٍ قَبْل أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ، وَالاِسْتِعْجَال إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ ظَنِّهِ، وَبِالنَّظَرِ لِلظَّاهِرِ وَسَدِّ بَابِ الْقَتْل فِي بَاقِي الصُّوَرِ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَ الْقَتْل بِغَيْرِ قَصْدٍ كَمَا فِي النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالطِّفْل.
وَلاَ مَدْخَل لِلْمُفْتِي فِي الْقَتْل وَلَوْ أَخْطَأَ فِي الإِْفْتَاءِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ، لأَِنَّ إِفْتَاءَهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ، وَلاَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَلاَ الْقَاتِل بِالْعَيْنِ، وَلاَ مَنْ أَتَى لاِمْرَأَتِهِ بِلَحْمٍ فَأَكَلَتْ مِنْهُ حَيَّةٌ ثُمَّ أَكَلَتْ مِنْهُ الزَّوْجَةُ فَمَاتَتْ.
وَأَمَّا مَنْ شَهِدَ عَلَى مُورَثٍ بِمُقْتَضَى جَلْدٍ فَجُلِدَ فَمَاتَ فَلِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ، لَكِنْ ظَاهِرُ إِطْلاَقِهِمْ مَنْعُهُ بِذَلِكَ (1) .

اخْتِلاَفُ الدِّينَيْنِ:
18 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوْل أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمَ حَتَّى وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْل قِسْمَةِ التَّرِكَةِ، لأَِنَّ الْمَوَارِيثَ قَدْ وَجَبَتْ لأَِهْلِهَا بِمَوْتِ الْمُورَثِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الاِرْتِبَاطُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ بِالْقَرَابَةِ أَمْ بِالنِّكَاحِ أَمْ بِالْوَلاَءِ.
وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْل قِسْمَةِ التَّرِكَةِ وَرِثَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ (2) وَلأَِنَّ فِي تَوْرِيثِهِ تَرْغِيبًا فِي الإِْسْلاَمِ.
__________
(1) التحفة الخيرية ص 56 وما بعدها
(2) حديث " من أسلم على شيء فهو له " أخرجه البيهقي (9 / 113 - ط دائرة المعارف العثمانية) وسعيد بن منصور في سننه (رقم 189 مطبعة علي بريس الهند)

كَمَا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ يَرِثُ عَتِيقَهُ الْمُسْلِمَ (1) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يَرِثُ الْكَافِرَ.
وَذَهَبَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالْحَسَنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَمَسْرُوقٌ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْكَافِرَ.
اسْتَدَل الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَتَوَارَثُ أَهْل مِلَلٍ شَتَّى (2) وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ. (3)
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِتَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الإِْسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى (4) وَمِنَ الْعُلُوِّ أَنْ يَرِثَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ.
وَفَسَّرَ الْمَانِعُونَ الْحَدِيثَ بِأَنَّ نَفْسَ الإِْسْلاَمِ هُوَ الَّذِي يَعْلُو، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ الإِْسْلاَمُ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ وَيَعْلُو. أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الْعُلُوُّ بِحَسَبِ الْحُجَّةِ أَوْ بِحَسَبِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ. أَيِ النُّصْرَةِ فِي الْعَاقِبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ (5) .

إِرْثُ الْمُرْتَدِّ:
19 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ - وَهُوَ مَنْ تَرَكَ الإِْسْلاَمَ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ - لاَ يَرِثُ
__________
(1) العذب الفائض 1 / 31
(2) حديث (لا يتوارث أهل ملتين شتى) أخرجه أبو داود 3 / 85 - عون المعبود - طبع المطبعة الأنصارية بدهلي) وابن ماجه (رقم 2731 ط عيسى الحلبي) وأحمد (2 / 178، 195 - ط الميمنية) من حديث عبد الله بن عمرو
(3) رواه أحمد والبخاري ومسلم
(4) حديث (الإسلام يعلو ولا يعلى) . أخرجه الدارقطني (3 / 252 - ط دار المحاسن بمصر) والبيهقي (6 / 205 - ط دائرة المعارف العثمانية) وحسنه الحافظ ابن حجر وفتح الباري (3 / 220 - ط السلفية)
(5) السراجية ص 74، 75

أَحَدًا مِمَّنْ يَجْمَعُهُ وَإِيَّاهُمْ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمِيرَاثِ، لاَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ مِنْ أَهْل الدِّينِ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ، أَوْ أَيِّ دِينٍ آخَرَ خِلاَفُهُ، لأَِنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ، وَلأَِنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ. وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدَّةُ لاَ تَرِثُ أَحَدًا، لأَِنَّ حُكْمَ الإِْسْلاَمِ فِي الْمُرْتَدِّ إِنْ كَانَ رَجُلاً هُوَ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إِلَى الإِْسْلاَمِ أَوْ يُقْتَل إِنْ أَصَرَّ عَلَى رِدَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَإِنَّهَا تُحْبَسُ حَتَّى تَتُوبَ أَوْ يُدْرِكَهَا الْمَوْتُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ مَعْنَى مُطْلَقًا لأََنْ يُقَال بِأَنَّهُ يَرِثُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
أَمَّا كَوْنُهُ يُورَثُ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - قَال الْقَاضِي: هِيَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ - أَنَّ الْمُرْتَدَّ لاَ يَرِثُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرُهُمْ مِمَّنِ انْتَقَل إِلَى دِينِهِمْ بَل مَالُهُ كُلُّهُ - إِنْ مَاتَ أَوْ قُتِل عَلَى رِدَّتِهِ - يَكُونُ فَيْئًا وَحَقًّا لِبَيْتِ الْمَال.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالأَْوْزَاعِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَاسْتَدَل لِهَذَا الْقَوْل بِفِعْل الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وَلأَِنَّ رِدَّتَهُ يَنْتَقِل بِهَا مَالُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا لَوِ انْتَقَل بِالْمَوْتِ (1) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ، فَالْمُرْتَدَّةُ يَرِثُهَا أَقَارِبُهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَرِثُونَ
__________
(1) الشرح الكبير 4 / 486، والتحفة ص 61، والعذب الفائض ص 34، والمغني 6 / 300 و 8 / 128

كُل مَالِهَا، سَوَاءٌ مَا اكْتَسَبَتْهُ حَال إِسْلاَمِهَا أَوْ حَال رِدَّتِهَا.
أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَإِنَّ وَرَثَتَهُ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ مِنْهُ مَا اكْتَسَبَهُ فِي زَمَانِ إِسْلاَمِهِ. وَلاَ يَرِثُونَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي زَمَانِ رِدَّتِهِ. وَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ (1) لَكِنْ هَل يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَانُوا مَوْجُودِينَ وَقْتَ رِدَّتِهِ أَوْ وَقْتَ مَوْتِهِ أَوْ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ؟ أَوْ مَنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ وَقْتَ رِدَّتِهِ وَوَقْتَ مَوْتِهِ؟
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ. فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّ الْوَارِثَ لِلْمُرْتَدِّ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ وَقْتَ رِدَّتِهِ وَبَقِيَ إِلَى مَوْتِ الْمُرْتَدِّ، أَمَّا مَنْ حَدَثَتْ لَهُ صِفَةُ الْوِرَاثَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ يَرِثُهُ، فَلَوْ أَسْلَمَ بَعْضُ قَرَابَتِهِ بَعْدَ رِدَّتِهِ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ بَعْدَ رِدَّتِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَرِثُهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لأَِنَّ سَبَبَ التَّوْرِيثِ هُنَا الرِّدَّةُ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ سَبَبُ الاِسْتِحْقَاقِ، وَتَمَامُ الاِسْتِحْقَاقِ بِالْمَوْتِ، فَيُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْوَارِثِ إِلَى حِينِ تَمَامِ السَّبَبِ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْوَارِثِ وَقْتَ الرِّدَّةِ، وَلاَ يَبْطُل اسْتِحْقَاقُهُ بِمَوْتِهِ قَبْل مَوْتِ الْمُرْتَدِّ، لأَِنَّ الرِّدَّةَ فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ كَالْمَوْتِ، وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُورَثِ قَبْل قِسْمَةِ مِيرَاثِهِ لاَ يَبْطُل اسْتِحْقَاقُهُ وَيَحِل وَارِثُهُ مَحَلَّهُ.
وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَنْ يَكُونُ وَارِثًا لَهُ حِينَ مَاتَ أَوْ قُتِل، سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الرِّدَّةِ أَمْ حَدَثَ بَعْدَهُ، لأَِنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْل تَمَامِهِ يُعْتَبَرُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ
__________
(1) السراجية ص 75

السَّبَبِ، مِثْل الزِّيَادَةِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ؛ إِذْ تُجْعَل كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فَتَكُونُ مَعْقُودًا عَلَيْهَا بِالْقَبْضِ، وَيَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنَ الثَّمَنِ، فَكَذَلِكَ الأَْمْرُ هُنَا.
وَاعْتَبَرَ الإِْمَامُ مُحَمَّدٌ لَحَاقَ الْمُرْتَدِّ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ، فَتُقْسَمُ تَرِكَتُهُ مِنْ حِينِ اللَّحَاقِ. وَاعْتَبَرَ الإِْمَامُ أَبُو يُوسُفَ مَنْ يَكُونُ وَارِثًا لَهُ حِينَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، وَتَرِثُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ إِنْ مَاتَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ عَلَى رَأْيِ الصَّاحِبَيْنِ، لأَِنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَإِنِ ارْتَفَعَ بِالرِّدَّةِ لَكِنَّهُ فَارٌّ عَنْ مِيرَاثِهَا. وَامْرَأَةُ الْفَارِّ تَرِثُ إِذَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ وَقْتَ مَوْتِهِ.
وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنِ الإِْمَامِ تَرِثُ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ مَوْتِهِ مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ، لأَِنَّ سَبَبَ التَّوْرِيثِ كَانَ مَوْجُودًا فِي حَقِّهَا عِنْدَ رِدَّتِهِ؛ إِذْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعْتَبَرُ قِيَامُ السَّبَبِ عِنْدَ أَوَّل الرِّدَّةِ (1) .

اخْتِلاَفُ الدِّينِ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ:
20 - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، لأَِنَّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَيَرِثُ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ وَالْعَكْسُ، وَيَرِثُ الْمَجُوسِيُّ وَعَابِدُ الْوَثَنِ النَّصْرَانِيَّ وَالْيَهُودِيَّ وَيَرِثُهُمَا الْمَجُوسِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ مِلَلٌ، فَلاَ يَتَوَارَثُ أَهْل الْمِلَل بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَلاَ يَرِثُ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ وَلاَ الْعَكْسُ (2) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ مُرَجَّحٍ وَنُسِبَ إِلَى الإِْمَامِ
__________
(1) المبسوط 10 / 102، 103 ط 2 دار المعرفة بلبنان
(2) الشنشورية وشرحها ص 60

أَحْمَدَ أَنَّ الْكُفْرَ ثَلاَثُ مِلَلٍ: النَّصَارَى مِلَّةٌ، وَالْيَهُودُ مِلَّةٌ، وَمَنْ عَدَاهُمَا مِلَّةٌ، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي شُرَيْحٍ وَعَطَاءٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالضَّحَّاكِ وَالْحَكَمِ وَشَرِيكِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَوَكِيعٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رَأْيٌ آخَرُ مُرَجَّحٌ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِلَّةٌ، وَأَنَّ مَا سِوَاهُمَا مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلاَ يَرِثُهُمُ الْمَجُوسُ وَلاَ يَرِثُ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى الْمَجُوسَ.
وَاسْتَدَل الْمَانِعُونَ مِنَ الْمِيرَاثِ فِيمَا بَيْنَ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لاَ يَتَوَارَثُ أَهْل مِلَّتَيْنِ شَتَّى (1) وَهُمْ أَهْل مِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى} (2) فَقَدْ عَطَفَ النَّصَارَى عَلَى الَّذِينَ هَادُوا، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَقَال تَعَالَى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (3) وَالْيَهُودُ لاَ تَرْضَى إِلاَّ بِاتِّبَاعِ الْيَهُودِيَّةِ مَعَهُمْ وَالنَّصَارَى كَذَلِكَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مِلَّةً عَلَى حِدَةٍ، وَلأَِنَّ النَّصَارَى يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالإِْنْجِيل، وَالْيَهُودُ يَجْحَدُونَ ذَلِكَ.
وَاسْتَدَل ابْنُ أَبِي لَيْلَى بِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّفَقُوا عَلَى دَعْوَى التَّوْحِيدِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ نِحَلُهُمْ
__________
(1) تقدم (هامش ف 18)
(2) سورة البقرة / 63
(3) سورة البقرة / 120

فِي ذَلِكَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الإِْقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالتَّوْرَاةِ، بِخِلاَفِ الْمَجُوسِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ التَّوْحِيدَ وَلاَ يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَلاَ بِكِتَابٍ مُنَزَّلٍ، وَلاَ يُوَافِقُهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى ذَلِكَ فَكَانُوا أَهْل مِلَّتَيْنِ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ حِل الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، إِذْ تَحِل ذَبَائِحُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلاَفِ الْمَجُوسِ.
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَل الدِّينَ دِينَيْنِ، الْحَقَّ وَالْبَاطِل فَقَال اللَّهُ عَزَّ وَجَل {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ} (1) وَجَعَل النَّاسَ فَرِيقَيْنِ فَقَال: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} (2) . وَفَرِيقُ الْجَنَّةِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَفَرِيقُ السَّعِيرِ هُمُ الْكُفَّارُ جَمِيعُهُمْ، وَجَعَل الْخَصْمَ خَصْمَيْنِ فَقَال تَعَالَى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} (3) وَالْمُرَادُ الْكُفَّارُ جَمِيعًا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ مُقَابَلَتِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ أَهْل مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، لأَِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُقِرُّونَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْقُرْآنِ وَجَمِيعُهُمْ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَبِإِنْكَارِهِمْ كَفَرُوا، فَكَانُوا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ مِلَّةً وَاحِدَةً فِي الشِّرْكِ. وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَتَوَارَثُ أَهْل مِلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَ الْمِلَّتَيْنِ قَوْلُهُ: لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، إِذْ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الْوَصْفِ الْعَامِّ وَهُوَ الْكُفْرُ بَيَانُ أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ أَهْل مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ (4) .
__________
(1) سورة الكافرين / 6
(2) سورة الشورى / 7
(3) سورة الحج / 19
(4) المبسوط 30 / 30 وما بعدها ط السعادة، والحديث تقدم (هامش ف 18)

اخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ:
21 - يَقْصِدُ الْفُقَهَاءُ بِاخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ اخْتِلاَفَ الْمَنَعَةِ، وَفَسَّرُوا الْمَنَعَةَ بِالْعَسْكَرِ وَاخْتِلاَفِ الْمَلِكِ وَالسُّلْطَانِ، كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بِالْهِنْدِ وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ وَالآْخَرُ فِي التُّرْكِ وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ أُخْرَى، وَانْقَطَعَتْ بَيْنَهُمَا الْعِصْمَةُ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمَا يَسْتَحِل قَتْل الآْخَرِ (1) .
وَمِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَهْمَا اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ وَدُوَلُهُمْ وَجِنْسِيَّاتُهُمْ، لأَِنَّ دِيَارَ الإِْسْلاَمِ كُلَّهَا دَارٌ وَاحِدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (2) ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ (3) وَلأَِنَّ وِلاَيَةَ كُل مُسْلِمٍ هِيَ لِلإِْسْلاَمِ وَتَنَاصُرُهُمْ يَكُونُ بِهِ وَلَهُ.
وَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ حُكْمًا لاَ حَقِيقَةً، فَإِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَرِثَهُ أَقَارِبُهُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَإِنْ وُجِدَ اخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً، لأَِنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ هُوَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ حُكْمًا، لأَِنَّهُ دَخَل دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ لِيَقْضِيَ غَرَضَهُ ثُمَّ يَعُودَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ فَوُجِدَ اتِّحَادُ الدَّارَيْنِ حُكْمًا. وَالاِخْتِلاَفُ الْحَقِيقِيُّ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ اخْتِلاَفٌ حُكْمِيٌّ (4) .
وَكَذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ اخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ مِنَ الْمِيرَاثِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَيَرِثُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ قَرِيبَهُ
__________
(1) ابن عابدين 5 / 489
(2) سورة الحجرات / 10
(3) حديث (المسلم أخو المسلم) أخرجه البخاري (5 / 97 - فتح الباري - ط السلفية) ومسلم (4 / 1996 - ط عيسى الحلبي)
(4) حاشية الفناري على السراجية ص 79 وما بعدها.

غَيْرَ الْمُسْلِمِ مَهْمَا اخْتَلَفَتْ دُوَلُهُمْ وَجِنْسِيَّاتُهُمْ؛ إِذْ لاَ يُوجَدُ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الْمِيرَاثِ بَعْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ (1) .
وَعِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّ اخْتِلاَفَ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ مِنَ التَّوَارُثِ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِعَدَمِ وُجُودِ التَّنَاصُرِ وَالْمُوَالاَةِ بَيْنَهُمَا لاِخْتِلاَفِ دَوْلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمُوَالاَةُ وَالتَّنَاصُرُ أَسَاسُ الْمِيرَاثِ (2) .
22 - وَهُنَاكَ مَوَانِعُ أُخْرَى فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ، وَهِيَ اللِّعَانُ وَالزِّنَى، وَلَكِنَّ هَذَيْنِ الْمَانِعَيْنِ يَدْخُلاَنِ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَفِي انْتِفَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بِاللِّعَانِ.

الدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ:
23 - عِنْدَ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ مِنْ مَوَانِعِ الإِْرْثِ، الدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ، وَهُوَ أَنْ يَلْزَمَ مِنَ التَّوْرِيثِ عَدَمُهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقِرَّ حَائِزٌ لِلْمَال فِي ظَاهِرِ الْحَال بِمَنْ يَحْجُبُهُ حِرْمَانًا، كَمَا إِذَا أَقَرَّ أَخٌ لأَِبٍ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِابْنٍ لِلْمُتَوَفَّى مَجْهُول النَّسَبِ؛ إِذْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَثْبُتُ نَسَبُ الْقَرَابَةِ وَلَكِنْ لاَ يَرِثُ. إِذْ يَلْزَمُ مِنْ تَوْرِيثِهِ الدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ، لأَِنَّهُ لَوْ وَرِثَ الاِبْنُ لَحَجَبَ الأَْخَ. فَلاَ يَكُونُ الأَْخُ وَارِثًا فَلاَ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ، لَمْ يَثْبُتِ الإِْرْثُ. فَإِثْبَاتُ الإِْرْثِ يُؤَدِّي إِلَى نَفْيِهِ، وَمَا أَدَّى بِإِثْبَاتِهِ إِلَى نَفْيِهِ انْتَفَى مِنْ أَصْلِهِ، وَلاَ يَكُونُ
__________
(1) الشرح الكبير 4 / 486، والعذب الفائض 1 / 37، ونهاية المحتاج 6 / 37
(2) حاشية الفناري ص 79، ونهاية المحتاج 6 / 37، والعذب الفائض 1 / 37

الدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُقِرُّ حَائِزًا لِلْمَال، وَأَقَرَّ بِمَنْ يَحْجُبُهُ حِرْمَانًا وَإِلاَّ فَلاَ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ بَنُونَ بِابْنٍ آخَرَ أَوْ إِخْوَةٌ بِأَخٍ آخَرَ، أَوْ أَعْمَامٌ بِعَمٍّ آخَرَ، فَإِنَّ نَسَبَ الْمُقَرِّ بِهِ يَثْبُتُ، وَكَذَلِكَ إِرْثُهُ، لأَِنَّ الإِْرْثَ فَرْعُ النَّسَبِ وَقَدْ ثَبَتَ، وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ الْحَائِزَيْنِ بِابْنٍ ثَالِثٍ وَأَنْكَرَهُ الاِبْنُ الآْخَرُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الاِبْنِ الثَّالِثِ الْمُقَرِّ بِهِ إِجْمَاعًا، وَلاَ يَرِثُ ظَاهِرًا لِعَدَمِ النَّسَبِ، وَيُشَارِكُ الْمُقَرُّ بِهِ بَاطِنًا عَلَى الأَْظْهَرِ مِنْ قَوْلَيِ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَال الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ: أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: يُشَارِكُهُ ظَاهِرًا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَالْقَوْل الثَّانِي مِنْ قَوْلَيِ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ لاَ يُشَارِكُهُ بَاطِنًا وَلاَ ظَاهِرًا، وَعَلَى الأَْظْهَرِ يُشَارِكُهُ فِي ثُلُثِ مَا فِي يَدِهِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، لأَِنَّهُ الَّذِي اسْتَفْضَلَهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ يُشَارِكُهُ فِي نِصْفِ مَا فِي يَدِهِ، لأَِنَّ مُقْتَضَى إِقْرَارِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ قَوْل الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (1) .

24 - الْمُسْتَحِقُّونَ لِلتَّرِكَةِ:
1 - أَصْحَابُ الْفُرُوضِ.
2 - الْعَصَبَاتُ النَّسَبِيَّةُ. ثُمَّ الْعَصَبَاتُ السَّبَبِيَّةُ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - عَلَى خِلاَفٍ فِي التَّرْتِيبِ وَالتَّفْصِيل.
3 - الْمُسْتَحِقُّونَ بِالرَّدِّ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِيمَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَمَنْ لاَ يُرَدُّ، وَفِي الرَّدِّ عَلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.
4 - ذَوُو الأَْرْحَامِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي أَصْل تَوْرِيثِهِمْ وَكَيْفِيَّتِهِ.
__________
(1) الخطيب الشربيني مع حاشية البجيرمي 3 / 261 - وفتح الجواد شرح الإرشاد 1 / 411 ط الحلبي، والعذب الفائض 1 / 38، 39

5 - مَوْلَى الْمُوَالاَةِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِيهِ.
6 - الْمُقَرُّ لَهُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ.
7 - الْمُوصَى لَهُ بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ.
8 - بَيْتُ الْمَال (1) :

الْفُرُوضُ الْمُقَدَّرَةُ:
25 - الْفُرُوضُ الْمُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى سِتَّةٌ هِيَ: النِّصْفُ، وَالرُّبُعُ، وَالثُّمُنُ، وَالثُّلُثَانِ، وَالثُّلُثُ، وَالسُّدُسُ.

الأَْوَّل: النِّصْفُ: وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ: نَصِيبُ الْبِنْتِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} (2) وَنَصِيبُ الزَّوْجِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} (3) وَنَصِيبُ الأُْخْتِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} . (4)
الثَّانِي: الرُّبُعُ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي قَوْله تَعَالَى مِيرَاثِ الأَْزْوَاجِ: {فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ} (5) وَالزَّوْجَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ} . (6)
الثَّالِثُ: الثُّمُنُ: ذُكِرَ فِي قَوْله تَعَالَى فِي نَصِيبِ الزَّوْجَاتِ: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ} . (7)
__________
(1) شرح السراجية ص 11، وشرح الرحبية ص 10 ط محمد علي صبيح.
(2) سورة النساء / 11
(3) سورة النساء / 12
(4) سورة النساء / 17
(5) سورة النساء / 12
(6) سورة النساء / 12
(7) سورة النساء / 12

الرَّابِعُ: الثُّلُثَانِ: ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَصِيبِ الْبَنَاتِ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} . (1)

الْخَامِسُ: الثُّلُثُ: وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} (2) وَفِي أَوْلاَدِ الأُْمِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} . (3)
وَالسَّادِسُ: السُّدُسُ: وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} (4) وقَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ} (5) وَفِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} . (6)

أَصْحَابُ الْفُرُوضِ:
26 - يَسْتَحِقُّ الْفُرُوضَ السَّابِقَةَ اثْنَا عَشَرَ شَخْصًا، أَرْبَعَةٌ مِنَ الرِّجَال، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ النِّسَاءِ.
فَالرِّجَال هُمْ: الأَْبُ، وَالْجَدُّ الصَّحِيحُ (أَبُو الأَْبِ) وَإِنْ عَلاَ، وَالأَْخُ لأُِمٍّ، وَالزَّوْجُ.
وَالنِّسَاءُ هُنَّ: الزَّوْجَةُ، وَالْبِنْتُ، وَبِنْتُ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَلَتْ، وَالأُْخْتُ الشَّقِيقَةُ، وَالأُْخْتُ لأَِبٍ، وَالأُْخْتُ لأُِمٍّ، وَالأُْمُّ، وَالْجَدَّةُ الصَّحِيحَةُ، وَهِيَ الَّتِي لاَ يَدْخُل فِي نِسْبَتِهَا إِلَى الْمَيِّتِ جَدٌّ فَاسِدٌ أَيْ:
__________
(1) سورة النساء / 11
(2) سورة النساء / 11
(3) سورة النساء / 12
(4) سورة النساء / 11
(5) سورة النساء / 11
(6) سورة النساء / 12

رَحِمِيٌّ، وَهُوَ مَنْ يُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِأُنْثَى.
وَيُسَمَّى الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ أَصْحَابَ الْفُرُوضِ السَّبَبِيَّةِ، إِذْ إِنَّ مِيرَاثَهُمَا بِسَبَبِ الزَّوَاجِ لاَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ. وَيُسَمَّى مَنْ عَدَاهُمَا - وَهُمُ الأَْقَارِبُ - أَصْحَابَ الْفُرُوضِ النَّسَبِيَّةِ، لأَِنَّ الْقَرَابَةَ تُسَمَّى نَسَبًا.
وَقَدْ يَجْتَمِعُ الإِْرْثُ بِالْفَرْضِ مَعَ الإِْرْثِ بِالتَّعْصِيبِ.
وَأَصْحَابُ الْفُرُوضِ يَرِثُونَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحْجُبُهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ حَجْبَ حِرْمَانٍ.

أَحْوَال الأَْبِ فِي الْمِيرَاثِ:
27 - لِلأَْبِ فِي الْمِيرَاثِ ثَلاَثُ حَالاَتٍ:

الأُْولَى: أَنْ يَرِثَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ فَقَطْ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ فَرْعٌ وَارِثٌ مُذَكَّرٌ، وَهُوَ الاِبْنُ وَابْنُ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَل، وَمِيرَاثُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ السُّدُسُ.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَرِثَ بِالْفَرْضِ وَبِالتَّعْصِيبِ مَعًا، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ فَرْعٌ وَارِثٌ مُؤَنَّثٌ وَهُوَ الْبِنْتُ وَبِنْتُ الاِبْنِ مَهْمَا نَزَل أَبُوهَا.
وَإِنَّمَا وَرِثَ الأَْبُ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ أَوَّلاً، ثُمَّ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ، لأَِنَّهُ لَوْ وَرِثَ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ فَقَطْ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَكَانَ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَرِثَ أَوَّلاً بِطَرِيقِ الْفَرْضِ حَتَّى يَضْمَنَ السُّدُسَ.

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَرِثَ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ فَقَطْ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ فَرْعٌ وَارِثٌ مُطْلَقًا، فَيَأْخُذُ التَّرِكَةَ كُلَّهَا، أَوِ الْبَاقِيَ مِنْهَا بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ.
وَالدَّلِيل عَلَى مَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى: {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ

يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ} . (1)
فَإِنَّ الآْيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ نَصِيبَ كُلٍّ مِنَ الأَْبِ وَالأُْمِّ السُّدُسُ فِي تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى إِنْ كَانَ لَهُ مَعَهُمَا وَلَدٌ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَلَدُ ابْنًا كَانَ لَهُ الْبَاقِي بَعْدَ الأَْبَوَيْنِ، لأَِنَّهُ أَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ وَأَحَقُّهُمْ بِمِيرَاثِ الْبَاقِي بَعْدَ سِهَامِ. ذَوِي الْفُرُوضِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلأَِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (2) وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مِيرَاثُ الأَْبِ هُوَ السُّدُسَ فَرْضًا، وَهَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الأُْولَى مِنْ حَالاَتِ الأَْبِ.
وَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْمُتَوَفَّى بِنْتًا، أَوْ بِنْتَ ابْنٍ وَإِنْ نَزَل وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا فَرْعٌ ذَكَرٌ يُعَصِّبُهَا كَانَ الْبَاقِي - بَعْدَ نَصِيبِ الْبِنْتِ أَوْ بِنْتِ الاِبْنِ - لِلأَْبِ مَعَ السُّدُسِ الَّذِي هُوَ فَرْضُهُ. وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِهِ أَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ إِلَى الْمُتَوَفَّى، وَهَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَفَّى وَلَدٌ مُطْلَقًا وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَقَطْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ كَانَ لأُِمِّهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الثُّلُثُ، وَيَكُونُ الْبَاقِي وَهُوَ الثُّلُثَانِ لِلأَْبِ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ، لأَِنَّ الآْيَةَ ذَكَرَتْ فَرْضَ الأُْمِّ وَهُوَ الثُّلُثُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الإِْخْوَةِ، وَالسُّدُسَ عِنْدَ وُجُودِ الإِْخْوَةِ، وَلَمْ تَذْكُرْ فَرْضًا لِلأَْبِ عِنْدَ عَدَمِ الإِْخْوَةِ، فَكَانَ مَدْلُول ذَلِكَ أَنَّ الأَْبَ يَرِثُ الْبَاقِيَ بَعْدَ نَصِيبِ الأُْمِّ، لأَِنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الْعَصَبَاتِ، وَالأَْحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ (3) .
__________
(1) سورة النساء / 11
(2) الحديث تقدم (هامش ف 4)
(3) الفناري على السراجية 89 وما بعدها

مِيرَاثُ الأُْمِّ:
28 - لِلأُْمِّ فِي الْمِيرَاثِ ثَلاَثُ حَالاَتٍ:

أَوَّلُهَا: أَنْ تَرِثَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ وَيَكُونَ فَرْضُهَا السُّدُسَ. وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ فَرْعٌ يَرِثُ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ أَوِ التَّعْصِيبِ أَوْ جَمْعٌ مِنَ الإِْخْوَةِ.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} (1) ، وَلَفْظُ الْوَلَدِ يَتَنَاوَل الذَّكَرَ وَالأُْنْثَى وَلاَ قَرِينَةَ تُخَصِّصُهُ بِأَحَدِهِمَا، كَمَا يَتَنَاوَل الْوَاحِدَ وَالْجَمْعَ، وَفِي حُكْمِ الْوَلَدِ وَلَدُ الاِبْنِ، وَإِنْ نَزَل، لأَِنَّ لَفْظَ الْوَلَدِ يَتَنَاوَلُهُ، وَلأَِنَّ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الاِبْنِ يَقُومُ مَقَامَ وَلَدِ الصُّلْبِ فِي تَوْرِيثِ الأُْمِّ، وَالْمُرَادُ مِنَ الإِْخْوَةِ الاِثْنَانِ مِنَ الإِْخْوَةِ أَوَ الأَْخَوَاتِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَا مِنْ جِهَةِ الأَْبَوَيْنِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الأُْمِّ وَلَوْ مَحْجُوبَيْنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ السُّدُسُ} (2) وَلَفْظُ الإِْخْوَةِ يَتَنَاوَل الْكُل لِلاِشْتِرَاكِ فِي الأُْخُوَّةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ يَجْعَل الثَّلاَثَةَ مِنَ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ حَاجِبَةً لِلأُْمِّ دُونَ الاِثْنَيْنِ، فَلَهَا مَعَهُمَا الثُّلُثُ عِنْدَهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الآْيَةَ نَصَّتْ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَحْجُبُ الأُْمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ هُمُ الإِْخْوَةُ وَهُوَ جَمْعٌ يُطْلَقُ عَلَى الثَّلاَثَةِ فَصَاعِدًا وَلاَ يُطْلَقُ عَلَى الاِثْنَيْنِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ:
أَوَّلاً: أَنَّ حُكْمَ الاِثْنَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ حُكْمُ الْجَمْعِ بِدَلِيل أَنَّ الْبِنْتَيْنِ تَرِثَانِ الثُّلُثَيْنِ كَالْجَمْعِ مِنَ الْبَنَاتِ، وَالأُْخْتَيْنِ تَرِثَانِ الثُّلُثَيْنِ كَالأَْخَوَاتِ فَيَكُونُ الاِثْنَانِ مِنَ الإِْخْوَةِ كَالْجَمْعِ فِي الْحَجْبِ.
__________
(1) سورة النساء / 11
(2) سورة النساء / 11

ثَانِيًا: أَنَّ الْجَمْعَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمُثَنَّى وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ {وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} (1) فَقَدْ تَكَرَّرَ عَوْدُ الضَّمِيرِ - وَهُوَ جَمْعٌ - عَلَى الْمُثَنَّى وَهُمَا الْخَصْمَانِ.
وَكَذَلِكَ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ عَنِ الْمُثَنَّى فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (2) وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَل عَلَى عُثْمَانَ فَقَال لَهُ: لِمَ صَارَ الأَْخَوَانِ يَرُدَّانِ الأُْمَّ إِلَى السُّدُسِ؟ وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} وَالأَْخَوَانِ فِي لِسَانِ قَوْمِكَ لَيْسَا بِإِخْوَةٍ فَقَال عُثْمَانُ: هَل أَسْتَطِيعُ نَقْضَ أَمْرٍ كَانَ قَبْلِي وَتَوَارَثَهُ النَّاسُ وَمَضَى فِي الأَْمْصَارِ (3) . وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الأُْمَّ لاَ تُحْجَبُ بِالإِْنَاثِ فَقَطْ، فَلاَ تُحْجَبُ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ إِلاَّ بِالإِْخْوَةِ الذُّكُورِ أَوِ الذُّكُورِ مَعَ الإِْنَاثِ، لأَِنَّ (إِخْوَةٌ) فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} جَمْعُ ذُكُورٍ فَلاَ يَدْخُل فِيهِ الإِْنَاثُ وَحْدَهُنَّ. وَقَال الْمُخَالِفُونَ: إِنَّ لَفْظَ الإِْخْوَةِ يَشْمَل الأَْخَوَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ.

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَرِثَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ وَيَكُونَ فَرْضُهَا هُوَ ثُلُثَ التَّرِكَةِ كُلِّهَا، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ فَرْعٌ وَارِثٌ، وَلاَ عَدَدٌ مِنَ الإِْخْوَةِ، وَلَيْسَ فِي الْوَرَثَةِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا إِلاَّ الأَْبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا
__________
(1) سورة ص / 21، 22
(2) سورة التحريم / 4
(3) حاشية الفناري ص 128. والتحفة ص 83

تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} . (1)
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَرِثَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ وَيَكُونَ فَرْضُهَا هُوَ ثُلُثَ الْبَاقِي مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَلَيْسَ ثُلُثَ التَّرِكَةِ كُلِّهَا، وَذَلِكَ إِذَا تُوُفِّيَ الْمَيِّتُ عَنِ الأُْمِّ وَالأَْبِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ جَمْعٌ مِنَ الإِْخْوَةِ.
وَتُسَمَّى الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ بِصُورَتَيْهَا بِالْمَسْأَلَتَيْنِ الْعُمَرِيَّتَيْنِ، لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ هُوَ الَّذِي قَضَى فِيهِمَا بِمَا سَبَقَ.
وَتُسَمَّى أَيْضًا الْغَرَّاوِيَّةَ أَيِ الْمَشْهُورَةَ. نَظَرًا لِشُهْرَتِهَا (2) .
وَتُسَمَّى أَيْضًا بِالْغَرْبِيَّةِ.

حَالاَتُ الْجَدِّ الصَّحِيحِ: أ - عِنْدَ عَدَمِ الإِْخْوَةِ:
29 - الْجَدُّ الصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي لاَ تَدْخُل فِي نِسْبَتِهِ إِلَى الْمَيِّتِ أُمٌّ كَأَبِي الأَْبِ، وَأَبِي أَبِي الأَْبِ مَهْمَا عَلاَ. وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَمِنَ الْعَصَبَاتِ. وَيُحْجَبُ بِالأَْبِ فَلاَ يَرِثُ مَعَ وُجُودِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الأَْبُ حَل الْجَدُّ مَحَلَّهُ، وَوَرِثَ بِاعْتِبَارِهِ أَبًا، وَكَانَ لَهُ نَفْسُ حَالاَتِ الأَْبِ الثَّلاَثِ السَّابِقَةِ: السُّدُسُ عِنْدَ وُجُودِ الْفَرْعِ الْمُذَكَّرِ فَرْضًا، وَالْفَرْضُ مَعَ التَّعْصِيبِ عِنْدَ وُجُودِ فَرْعٍ مُؤَنَّثٍ لِلْمُتَوَفَّى، وَالتَّعْصِيبُ فَقَطْ، فَيَأْخُذُ التَّرِكَةَ أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ فَرْعٌ وَارِثٌ مُطْلَقًا.
وَالدَّلِيل عَلَى مِيرَاثِهِ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ هُوَ نَفْسُ دَلِيل تَوْرِيثِ الأَْبِ. فَهُوَ أَبٌ فِي الْمِيرَاثِ وَفِي بَعْضِ
__________
(1) سورة النساء / 11
(2) التحفة ص 85 وما بعدها ط الحلبي. والسراجية ص 127 وما بعدها ط الكردي

الأَْحْكَامِ الأُْخْرَى. وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَبًا فِي قَوْله تَعَالَى: {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} (1) وَهُمَا آدَم وَحَوَّاءُ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} . (2)
وَمِثَال هَذَا مِنَ السُّنَّةِ ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيل فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا. (3)
وَهَذِهِ الأَْحْكَامُ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَ الْجَدِّ إِخْوَةٌ لِلْمُتَوَفَّى.

30 - ب - الْجَدُّ مَعَ الإِْخْوَةِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ تَوْرِيثِ الإِْخْوَةِ أَوِ الأَْخَوَاتِ لأُِمٍّ مَعَ الْجَدِّ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ أَوْ لأَِبٍ فَإِنَّ الأَْئِمَّةَ: مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ ذَهَبُوا إِلَى تَوْرِيثِ الإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ أَوْ لأَِبٍ مَعَ الْجَدِّ.
وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْجَدَّ يَأْخُذُ حُكْمَ الأَْبِ فَيَحْجُبُ الإِْخْوَةَ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَثْنَى الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ إِقَامَةِ الْجَدِّ مَقَامَ الأَْبِ مَسْأَلَتَيْنِ يَأْتِي ذِكْرُهُمَا (ف: 32) .
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّ الْجَدَّ أَبٌ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ، وَيَحْجُبُ الإِْخْوَةَ كَمَا يَحْجُبُهُمْ الأَْبُ، وَقَدْ سُمِّيَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَبًا، وَهُوَ يَأْخُذُ حُكْمَ الأَْبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحْكَامِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الأَْبِ فِي حَجْبِ الإِْخْوَةِ، وَلأَِنَّ الْجَدَّ الْمُبَاشِرَ فِي أَعْلَى عَمُودِ النَّسَبِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَيِّتِ، وَابْنَ الاِبْنِ
__________
(1) سورة الأعراف / 27
(2) سورة يوسف / 38
(3) حديث " ارموا بني اسماعيل. . " أخرجه البخاري (6 / 91 - فتح الباري - ط السلفية) .

الْمُبَاشِرِ فِي أَسْفَل الْعَمُودِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ ابْنَ الاِبْنِ يَحْجُبُ الإِْخْوَةَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَدُّ كَذَلِكَ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلأَِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (1) وَالْجَدُّ أَقْرَبُ إِلَى الْمَيِّتِ مِنَ الأَْخِ. إِذْ لَهُ قَرَابَةُ وَلاَءٍ وَجُزْئِيَّةٍ كَالأَْبِ، وَلاَ يَحْجُبُهُ عَنِ الإِْرْثِ سِوَى الأَْبِ. بِخِلاَفِ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ، فَإِنَّهُمْ يُحْجَبُونَ بِثَلاَثَةٍ: بِالأَْبِ وَالاِبْنِ وَابْنِ الاِبْنِ، وَالْجَدُّ يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ كَالأَْبِ، وَالإِْخْوَةُ يَنْفَرِدُونَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِتَوْرِيثِ الإِْخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ بِأَدِلَّةٍ هِيَ:

أَوَّلاً: أَنَّ مِيرَاثَ الإِْخْوَةِ أَشِقَّاءَ أَوْ لأَِبٍ قَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ} (2) وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ يَمْنَعُهُمُ الإِْرْثَ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ.

ثَانِيًا: أَنَّ الْجَدَّ وَالإِْخْوَةَ يَتَسَاوُونَ فِي دَرَجَةِ الْقُرْبِ مِنَ الْمَيِّتِ. فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْجَدِّ وَالإِْخْوَةِ يُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَتَّصِل بِهِ عَنْ طَرِيقِ الأَْبِ، فَالْجَدُّ أَبُو الأَْبِ، وَالأَْخُ ابْنُ الأَْبِ، وَقَرَابَةُ الْبُنُوَّةِ لاَ تَقِل عَنْ قَرَابَةِ الأُْبُوَّةِ.

ثَالِثًا: أَنَّ الْجَدَّ لاَ يَقُومُ مَقَامَ الأَْبِ فِي كُل حَالٍ بَل يَخْتَلِفُ عَنْهُ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ، فَالصَّغِيرُ لاَ يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلاَمِ الْجَدِّ.
__________
(1) حديث " ألحقوا الفرائض. . . " تقدم (هامش ف 4)
(2) سورة النساء / 176

نَصِيبُ الْجَدِّ مَعَ الإِْخْوَةِ:
31 - لَمْ يَرِدْ نَصٌّ فِي الْكِتَابِ وَلاَ فِي السُّنَّةِ فِي مِقْدَارِ مِيرَاثِ الْجَدِّ مَعَ الإِْخْوَةِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
فَمَذْهَبُ الإِْمَامِ عَلِيٍّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ لِلْجَدِّ الْبَاقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الأَْخَوَاتِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ أَخٌ مَا لَمْ يَنْقُصْ عَنِ السُّدُسِ، وَإِلاَّ قَاسَمَ مَا لَمْ تُنْقِصْهُ الْمُقَاسَمَةُ عَنِ السُّدُسِ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَحَدٌ مِنَ الْبَنَاتِ أَوْ بَنَاتِ الاِبْنِ. فَإِنْ نَقَصْنَهُ عَنْهُ أَوْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الأَْخَوَاتِ أَقَل مِنْهُ، أَوْ كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَنَاتِ أَوْ بَنَاتِ الاِبْنِ فُرِضَ لَهُ السُّدُسُ. وَعَنْهُ أَنَّهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبَدًا.
وَمَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نَصِيبَ الْجَدِّ يَجِبُ إِلاَّ يَنْقُصَ عَنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ إِنْ كَانَ مِيرَاثُهُ بِالْمُقَاسَمَةِ بِاعْتِبَارِهِ عَاصِبًا مَعَ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ؛ إِذْ عِنْدَهُ أَنَّ الْجَدَّ يُعَصِّبُ الإِْخْوَةَ وَالأَْخَوَاتِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانُوا ذُكُورًا فَقَطْ، أَمْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، أَمْ إِنَاثًا فَقَطْ.
فَإِنْ كَانَ مَعَ إِخْوَةٍ أَشِقَّاءَ قَاسَمَهُمْ عَلَى أَنَّهُ شَقِيقٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَ إِخْوَةٍ لأَِبٍ قَاسَمَهُمْ عَلَى أَنَّهُ أَخٌ لأَِبٍ، عَلَى أَلاَّ يَقِل نَصِيبُهُ فِي أَيِّ حَالٍ عَنِ الثُّلُثِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الأَْئِمَّةُ: مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ صَاحِبُ فَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ صَاحِبُ فَرْضٍ، فَلَهُ خَيْرُ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا الْمُقَاسَمَةُ، وَإِمَّا ثُلُثُ الْبَاقِي، وَإِمَّا ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَال.
وَيَضْرِبُ ابْنُ قُدَامَةَ مَثَلاً لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ وَمَنْ مَعَهُمْ فَيَقُول: إِنْ كَانَ مَعَ الْجَدِّ اثْنَانِ مِنَ الإِْخْوَةِ أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ أَوْ أَخٌ وَأُخْتَانِ. فَإِنَّ الْجَدَّ

يُعْطَى الثُّلُثَ مِنْ جَمِيعِ الْمَال لأَِنَّ الثُّلُثَ وَالْمُقَاسَمَةَ سَوَاءٌ. فَإِنْ نَقَصُوا عَنْ ذَلِكَ فَالثُّلُثُ أَحَظُّ لَهُ فَقَاسَمَ بِهِ لاَ غَيْرُ، وَإِنْ زَادُوا فَالثُّلُثُ خَيْرٌ لَهُ، فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ وَسَوَاءٌ أَكَانُوا مِنْ أَبٍ أَمْ أَبَوَيْنِ.
وَمَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ حُكْمَ الْجَدِّ مَعَ الأَْخَوَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ عَنْ أَخٍ أَوْ فَرْعٍ وَارِثٍ يُعَصِّبُهُنَّ أَنَّهُ يَرِثُ الْبَاقِيَ بِاعْتِبَارِهِ عَصَبَةً بَعْدَ أَنْصِبَةِ الأَْخَوَاتِ وَأَنْصِبَةِ مَنْ يُوجَدُ مَعَهُنَّ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، لَكِنْ عَلَى أَلاَّ يَقِل نَصِيبُهُ عَنِ الثُّلُثِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ نَصِيبُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ أُعْطِيَ الثُّلُثَ.
وَحُجَّتُهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ نَصِيبَ الْجَدِّ مَعَ بَنَاتِ الْمُتَوَفَّى وَحْدَهُنَّ لاَ يَقِل عَنِ الثُّلُثِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْ جَدٍّ وَإِخْوَةٍ، لأَِنَّ قَرَابَةَ الْفَرْعِ لَهَا صِلَةٌ أَقْوَى مِنْ قَرَابَةِ الأَْخِ لأَِخِيهِ.
وَمَا دَامَ الْفَرْعُ لاَ يُنْقِصُ نَصِيبَ الْجَدِّ عَنِ الثُّلُثِ فَبِالأَْوْلَى يَكُونُ الثُّلُثُ نَصِيبَهُ مَعَ الإِْخْوَةِ (1) .
32 - وَالْمَسْأَلَتَانِ اللَّتَانِ اسْتَثْنَاهُمَا الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ إِقَامَةِ الْجَدِّ مَقَامَ الأَْبِ فِي الْمِيرَاثِ وَالْحَجْبِ هُمَا:

أُولاَهُمَا: زَوْجٌ وَأُمٌّ وَجَدٌّ. فَإِنَّهُ قَال: إِنَّ لِلأُْمِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَال. وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْجَدِّ أَبٌ كَانَ لَهَا ثُلُثُ مَا بَقِيَ.

وَثَانِيَتُهُمَا: زَوْجَةٌ وَأُمٌّ وَجَدٌّ، فَلِلأُْمِّ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَال. وَذَكَرَ أَصْحَابُ الإِْمْلاَءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ عَلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لِلأُْمِّ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ ثُلُثَ مَا بَقِيَ أَيْضًا. وَهَذَا مَا رَوَاهُ أَهْل الْكُوفَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَرَوَى أَهْل الْبَصْرَةِ عَنْ
__________
(1) التحفة الخيرية ص 130 وما بعدها ط الحلبي، والمغني / 218

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالأُْمِّ نِصْفَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ هَارُونَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعَ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الأُْمِّ وَالْجَدِّ نِصْفَيْنِ، وَقَدْ غَلَّطَ الرُّوَاةُ كُلُّهُمْ زَيْدًا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَقَالُوا: إِنَّمَا قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ هَذَا فِي: زَوْجٍ وَأُمٍّ وَجَدٍّ (1) .

مِيرَاثُ الْجَدَّاتِ:
33 - الْجَدَّاتُ نَوْعَانِ: جَدَّاتٌ صَحِيحَاتٌ، وَجَدَّاتٌ غَيْرُ صَحِيحَاتٍ.
فَالْجَدَّةُ الصَّحِيحَةُ: هِيَ الَّتِي لاَ يَدْخُل فِي نِسْبَتِهَا إِلَى الْمَيِّتِ أَبٌ، أَوْ هِيَ الَّتِي تُدْلِي بِعَصَبَةٍ أَوْ صَاحِبَةِ فَرِيضَةٍ كَأُمِّ الأُْمِّ.
وَغَيْرُ الصَّحِيحَةِ: هِيَ الَّتِي تُدْلِي بِمَنْ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ، وَلاَ صَاحِبَةِ فَرِيضَةٍ كَأُمِّ أَبِي الأُْمِّ.
وَمِيرَاثُ الْجَدَّةِ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، كَمَا ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
وَالْجَدَّةُ الصَّحِيحَةُ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ. وَالْجَدَّةُ غَيْرُ الصَّحِيحَةِ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ.
34 - وَلِلْجَدَّةِ الصَّحِيحَةُ فِي الْمِيرَاثِ حَالَتَانِ:

الأُْولَى: أَنْ تَرِثَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ، وَيَكُونَ فَرْضُهَا السُّدُسَ، تَسْتَقِل بِهِ الْجَدَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَتَشْتَرِكُ فِيهِ الْجَدَّاتُ الْمُتَعَدِّدَاتُ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْجَدَّةُ مِنْ جِهَةِ الأُْمِّ كَأُمِّ الأُْمِّ، أَمْ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ كَأُمِّ الأَْبِ، أَمْ مِنِ الْجِهَتَيْنِ مَعًا كَأُمِّ الأُْمِّ الَّتِي هِيَ أُمُّ أَبِي الأَْبِ أَيْضًا.
وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْجَدَّةُ ذَاتُ الْقَرَابَتَيْنِ مَعَ الْجَدَّةِ
__________
(1) المبسوط 29 / 180 ط السعادة

ذَاتِ الْقَرَابَةِ الْوَاحِدَةِ اشْتَرَكَتَا فِي السُّدُسِ مُنَاصَفَةً بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْقِيَاسُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ. لأَِنَّ تَعَدُّدَ جِهَةِ الْقَرَابَةِ فِي الْجَدَّةِ ذَاتِ الْقَرَابَتَيْنِ لَمْ يُكْسِبْهَا اسْمًا جَدِيدًا تَرِثُ بِهِ، بَل هِيَ فِي الْقَرَابَتَيْنِ جَدَّةٌ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ: إِلَى أَنَّ السُّدُسَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَثْلاَثًا: الثُّلُثَانِ لِذَاتِ الْقَرَابَتَيْنِ. وَثُلُثُهُ لِذَاتِ الْقَرَابَةِ الْوَاحِدَةِ، لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ الإِْرْثِ مُتَرَتِّبٌ عَلَى وُجُودِ سَبَبِهِ. فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي شَخْصٍ سَبَبَانِ، وَإِنْ كَانَا مُتَّفِقَيْنِ وَرِثَ بِهِمَا، كَالْجَدَّةِ ذَاتِ الْقَرَابَتَيْنِ، وَكَانَتِ الْجَدَّةُ الْوَاحِدَةُ كَأَنَّهَا جَدَّتَانِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فِي شَخْصِهَا حَقِيقَةً فَإِنَّهَا مُتَعَدِّدَةٌ حُكْمًا وَمَعْنَى، فَتَسْتَحِقُّ بِالسَّبَبَيْنِ بِمُقْتَضَى هَذَا التَّعَدُّدِ. وَهَذَا مِثْل مَا إِذَا اجْتَمَعَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ لِلإِْرْثِ فَإِنَّهُ يَرِثُ بِهِمَا اتِّفَاقًا، كَمَا إِذَا تُوُفِّيَتْ امْرَأَةٌ عَنْ زَوْجٍ هُوَ ابْنُ عَمِّهَا الشَّقِيقِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ النِّصْفَ فَرْضًا بِاعْتِبَارِهِ زَوْجًا، وَالْبَاقِيَ تَعْصِيبًا بِاعْتِبَارِهِ ابْنَ عَمٍّ شَقِيقٍ (1) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ لِلْجَدَّةِ: حَجْبُ الْجَدَّاتِ كُلِّهِنَّ بِالأُْمِّ، سَوَاءٌ أَكُنَّ لأَِبٍ أَمْ لأُِمٍّ، أَمَّا الأُْمِّيَّاتُ فَلأَِنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِالأُْمِّ. وَأَمَّا الأَْبَوِيَّاتُ فَلأَِنَّهُنَّ مِثْل الْجَدَّاتِ لأُِمٍّ، بَل هُنَّ أَضْعَفُ، وَلِهَذَا تُقَدَّمُ الْجَدَّةُ مِنْ قِبَل الأُْمِّ عَلَى الْجَدَّةِ لأَِبٍ فِي الْحَضَانَةِ.
وَالْجَدَّاتُ الأَْبَوِيَّاتُ يَسْقُطْنَ بِالأَْبِ، وَهُوَ قَوْل عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ. وَنُقِل عَنْ
__________
(1) المبسوط 29 / 165 وما بعدها ط السعادة، والعذب الفائض 1 / 66، والتحفة الخيرية ص 98، 99 ط الحلبي

عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ: أَنَّ أُمَّ الأَْبِ تَرِثُ مَعَ الأَْبِ، وَاخْتَارَهُ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ، لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى أُمَّ الأَْبِ السُّدُسَ مَعَ وُجُودِ الأَْبِ.
وَالْجَدَّةُ الْقُرْبَى مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ مِنْ قِبَل الأُْمِّ أَوْ مِنْ قِبَل الأَْبِ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ الْبُعْدَى. وَهَذَا مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ زَيْدٍ: أَنَّ الْقُرْبَى إِنْ كَانَتْ مِنْ قِبَل الأَْبِ وَالْبُعْدَى مِنْ قِبَل الأُْمِّ فَهُمَا سَوَاءٌ، وَالْقَوْلاَنِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الأَْبِ لاَ تُسْقِطُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الأُْمِّ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُْولَى يَكُونُ الْحَجْبُ فِي أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَكُونُ الْحَجْبُ فِي ثَلاَثَةٍ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلَيْهِ، وَمَذْهَبُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (1) .

مِيرَاثُ الزَّوْجَيْنِ:
35 - مِيرَاثُ الزَّوْجَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} . (2)
__________
(1) حاشية الفناري على السراجية ص 140، 141 ط الكردي والتحفة الخيرية ص 100 ط الحلبي.
(2) سورة النساء / 12

فَالآْيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ لاَ يَرِثُ إِلاَّ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ وَأَنَّ لِكُلٍّ حَالَتَيْنِ:

أَحْوَال الزَّوْجِ:
36 - أ - يَرِثُ الزَّوْجُ نِصْفَ مِيرَاثِ زَوْجَتِهِ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا فَرْعٌ وَارِثٌ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ أَوِ التَّعْصِيبِ، وَهُوَ الاِبْنُ وَابْنُ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَل، وَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَل، سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْفَرْعُ الْوَارِثُ مِنَ الزَّوْجِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَتَشْمَل هَذِهِ الْحَالَةُ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجَةِ فَرْعٌ أَصْلاً وَمَا إِذَا كَانَ لَهَا فَرْعٌ غَيْرُ وَارِثٍ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ أَوِ التَّعْصِيبِ، وَهُوَ بِنْتُ الْبِنْتِ أَوِ ابْنُ الْبِنْتِ.
ب - أَنْ يَرِثَ الرُّبُعَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلزَّوْجَةِ فَرْعٌ وَارِثٌ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ أَوِ التَّعْصِيبِ، سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْفَرْعُ الْوَارِثُ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ.

حَالاَتُ الزَّوْجَةِ:
لاَ تَرِثُ الزَّوْجَةُ إِلاَّ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ، وَلَهَا حَالَتَانِ:
37 - (الأُْولَى) أَنْ يَكُونَ فَرْضُهَا الرُّبُعَ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا فَرْعٌ وَارِثٌ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ أَوِ التَّعْصِيبِ، وَهُوَ الاِبْنُ وَابْنُ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَل، وَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَل، سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْفَرْعُ الْوَارِثُ وَلَدًا لَهُ مِنْ هَذِهِ الزَّوْجَةِ أَمْ وَلَدًا لَهُ مِنْ غَيْرِهَا.
فَيَدْخُل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ فَرْعٌ أَصْلاً، وَمَا إِذَا كَانَ لَهُ فَرْعٌ غَيْرُ وَارِثٍ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ أَوِ التَّعْصِيبِ وَهُوَ بِنْتُ الْبِنْتِ أَوِ ابْنُ الْبِنْتِ.
(الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يَكُونَ فَرْضُهَا الثُّمُنَ، وَذَلِكَ

إِذَا كَانَ لِلزَّوْجِ فَرْعٌ وَارِثٌ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
38 - وَيُشْتَرَطُ لِلْمِيرَاثِ بِالزَّوْجِيَّةِ شَرْطَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الزَّوْجِيَّةُ صَحِيحَةً. . فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا فَلاَ تَوَارُثَ وَلَوِ اسْتَمَرَّتِ الْعِشْرَةُ بِمُقْتَضَاهُ إِلَى الْوَفَاةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الأَْئِمَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
وَقَال الإِْمَامُ مَالِكٌ: إِنَّ سَبَبَ الْفَسَادِ إِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَتَزَوُّجِ خَامِسَةٍ وَفِي عِصْمَتِهِ أَرْبَعٌ، أَوْ تَزَوُّجِ الْمُحَرَّمَةِ رَضَاعًا جَاهِلاً بِسَبَبِ التَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ لاَ تَوَارُثَ، سَوَاءٌ أَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْل الْمُتَارَكَةِ وَالْفَسْخِ، أَمْ مَاتَ بَعْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْفَسَادِ غَيْرَ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ كَعَدَمِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ فِي زَوَاجِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَأَمْثَالِهَا إِنْ كَانَتِ الْوَفَاةُ بَعْدَ الْفَسْخِ فَلاَ تَوَارُثَ، لِعَدَمِ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْمِيرَاثِ؛ إِذِ انْتَهَتِ الزَّوْجِيَّةُ. وَإِنْ كَانَتِ الْوَفَاةُ قَبْل الْفَسْخِ فَيَكُونُ الْمِيرَاثُ ثَابِتًا، لِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى صِحَّةَ الزَّوَاجِ.

ثَانِيهِمَا: أَنْ تَكُونَ الزَّوْجِيَّةُ قَائِمَةً وَقْتَ الْوَفَاةِ حَقِيقَةً، أَوْ أَنْ تَكُونَ قَائِمَةً حُكْمًا، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مُطَلَّقَةً طَلاَقًا رَجْعِيًّا، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا فَإِنَّهُ لاَ تَوَارُثَ وَلَوْ كَانَتِ الْوَفَاةُ فِي حَال الْعِدَّةِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مَنْ تَوَلَّى سَبَبَ الْفُرْقَةِ قَدْ اُعْتُبِرَ فَارًّا مِنَ الْمِيرَاثِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ.
وَتَنْفَرِدُ الْوَاحِدَةُ بِالرُّبُعِ وَالثُّمُنِ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الأَْكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ: اثْنَتَانِ أَوْ ثَلاَثٌ أَوْ أَرْبَعٌ. (1)
__________
(1) حاشية ابن عابدين 5 / 491 ط بولاق، والخرشي 5 / 442 ط الشرقية، والتحفة ص 78 ط الحلبي، والعذب الفائض 1 / 51

أَحْوَال الْبَنَاتِ:
39 - جُمِعَتْ أَحْكَامُ مِيرَاثِ بَنَاتِ الْمُتَوَفَّى فِي قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} . (1)
فَقَدْ دَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّ أَحْوَال الْبَنَاتِ الصُّلْبِيَّاتِ ثَلاَثٌ:

الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ابْنٌ صُلْبِيٌّ أَوْ أَبْنَاءٌ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الْجَمِيعُ عَصَبَةً لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، وَيَأْخُذُونَ التَّرِكَةَ كُلَّهَا إِنْ لَمْ يَكُنِ لِلْمُورَثِ أَصْحَابُ فَرْضٍ، أَوِ الْبَاقِي بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ بِنْتَانِ فَأَكْثَرُ، وَلَيْسَ مَعَهُنَّ ابْنٌ لِلْمَيِّتِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُنَّ ثُلُثَا التَّرِكَةِ بِالتَّسَاوِي.
أَمَّا الْبِنْتَانِ فَاسْتِحْقَاقُهُمَا الثُّلُثَانِ، وَدَلِيل ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اُسْتُشْهِدَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ (2) وَكَانَ خَلَّفَ ابْنَتَيْنِ وَزَوْجَةً، فَاسْتَوْلَى أَخُوهُ عَلَى مَالِهِ، فَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ: إِنَّ سَعْدًا قُتِل مَعَكَ وَخَلَفَ ابْنَتَيْنِ، وَقَدْ غَلَبَ عَمُّهُمَا عَلَى مَالِهِمَا وَلاَ يُرْغَبُ فِي النِّسَاءِ إِلاَّ بِمَالٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَلاَ يُنْكَحَانِ إِلاَّ وَلَهُمَا مَالٌ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ يُنْزِل اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ شَيْئًا. ثُمَّ ظَهَرَ آثَارُ الْوَحْيِ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَال: قِفُوا مَال سَعْدٍ، فَقَدْ أَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مَا إِنْ بَيَّنَهُ لِي بَيَّنْتُهُ لَكُمْ، وَتَلاَ
__________
(1) سورة النساء / 11
(2)
(قتل يوم أحد) هكذا جاء في رواية التزمذي وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجه (تحفة الأحوذي 6 / 267 - 268 ط الفجالة) .

عَلَيْهِمْ قَوْله تَعَالَى: {لِلرِّجَال نَصِيبُ مِمَّا تَرَكَ} الآْيَةَ ثُمَّ قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ} فَدَعَا أَخَا سَعْدٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ وَالْمَرْأَةَ الثُّمُنَ وَلَهُ مَا بَقِيَ. وَقِيل: هَذَا أَوَّل مِيرَاثٍ فِي الإِْسْلاَمِ. (1)
كَمَا اسْتَدَل بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ} وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ أَدْنَى مَرَاتِبِ الاِخْتِلاَطِ: ابْنٌ وَبِنْتٌ، فَلِلاِبْنِ حِينَئِذٍ الثُّلُثَانِ بِالاِتِّفَاقِ، فَعُرِفَ بِهَذِهِ الإِْشَارَةِ أَنَّ الْبِنْتَيْنِ لَهُمَا الثُّلُثَانِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ فِي حَالَةِ انْفِرَادِهِمَا فَلاَ حَاجَةَ إِلَى بَيَانِ حَالِهِمَا، بَل إِلَى بَيَانِ حَال مَا فَوْقَهُمَا، فَلِذَلِكَ جَاءَتِ الآْيَةُ {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} (2) أَيْ فَإِنْ كُنَّ جَمَاعَةً بَالِغَاتٍ مَا بَلَغْنَ مِنَ الْعَدَدِ فَلَهُنَّ مَا لِلاِثْنَتَيْنِ أَيِ الثُّلُثَانِ لاَ يَتَجَاوَزْنَهُ، وَبِأَنَّ الْبِنْتَيْنِ أَمَسُّ رَحِمًا مِنَ الأُْخْتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُحْرِزَانِ الثُّلُثَيْنِ فَهُمَا أَوْلَى بِذَلِكَ الإِْحْرَازِ.
وَبِأَنَّ الأُْخْتَ إِذَا كَانَتْ مَعَ أَخِيهَا وَجَبَ لَهَا الثُّلُثُ، فَبِالأَْوْلَى أَنْ يَجِبَ لَهَا ذَلِكَ مَعَ أُخْتٍ أُخْرَى. وَكَذَا الْبِنْتُ يَجِبُ لَهَا مَعَ أُخْتِهَا مِثْل مَا كَانَ لَهَا لَوِ انْفَرَدَتْ مَعَ أَخِيهَا فَوَجَبَ لَهُمَا ذَلِكَ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْبِنْتَيْنِ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْوَاحِدَةِ، أَيْ أَنَّ نَصِيبَهُمَا إِذَا انْفَرَدَتَا
__________
(1) حديث (قفوا مال سعد. . . . .) أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي 6 / 267 نشر المكتبة السلفية) وأبو داود (3 / 80 - ط المطبعة الأنصارية بدهلي) والحاكم 4 / 334 - ط دائرة المعارف العثمانية)
(2) سورة النساء / 11

عَنْ عَاصِبٍ هُوَ النِّصْفُ.
وَاسْتَدَل لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِأَنَّ الآْيَةَ {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} قَدْ نَصَّتْ عَلَى حُكْمِ الأَْكْثَرِ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَعَلَى الْوَاحِدَةِ. فَإِذَا أَعْطَيْتَ الثِّنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ فَقَدْ خَالَفْتَ الآْيَةَ، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَنْ تُعْطَيَا الأَْقَل. (1) لَكِنْ قَال الشَّرِيفُ الأُْرْمَوِيُّ: صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَصَارَ إِجْمَاعًا؛ إِذِ الإِْجْمَاعُ بَعْدَ الاِخْتِلاَفِ حُجَّةٌ. وَحَكَى الإِْجْمَاعَ الْعَلاَّمَةُ الشِّنْشَوَرِيُّ وَقَال: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمُنْكَرٌ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ (2)

الثَّالِثَةُ: أَنْ تَرِثَ النِّصْفَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ وَاحِدَةً لَمْ يُوجَدْ مَعَهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا، وَهُوَ ابْنُ الْمُتَوَفَّى الْمُبَاشِرُ: وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} .

أَحْوَال بَنَاتِ الاِبْنِ (3) :
40 - بِنْتُ الاِبْنِ هِيَ كُل بِنْتٍ تَنْتَسِبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى بِطَرِيقِ الاِبْنِ مَهْمَا نَزَلَتْ دَرَجَةُ أَبِيهَا فَتَشْمَل بِنْتَ الاِبْنِ وَبِنْتَ ابْنِ الاِبْنِ مَهْمَا نَزَل.
وَلَهَا فِي الْمِيرَاثِ سِتُّ حَالاَتٍ: ثَلاَثٌ مِنْهَا تَكُونُ لَهَا إِذَا قَامَتْ مَقَامَ الْبِنْتِ الصُّلْبِيَّةِ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَهَا فَرْعٌ وَارِثٌ لِلْمُتَوَفَّى أَقْرَبُ مِنْهَا دَرَجَةً سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْفَرْعُ مُذَكَّرًا أَمْ مُؤَنَّثًا. وَثَلاَثٌ مِنْهَا تَكُونُ لَهَا إِذَا لَمْ تَقُمْ مَقَامَ الْبِنْتِ الصُّلْبِيَّةِ.
__________
(1) حاشية الفناري على السراجية ص 102 وما بعدها ط الكردي.
(2) العذب الفائض 1 / 52
(3) السراجية مع حاشية الفناري ص 106

فَإِذَا قَامَتْ مَقَامَ الْبِنْتِ الصُّلْبِيَّةِ كَانَتْ لَهَا الْحَالاَتُ الثَّلاَثُ الآْتِيَةُ:

الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ تَرِثَ النِّصْفَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ وَاحِدَةً وَلَيْسَ مَعَهَا مَنْ يَعْصِبُهَا.

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَرِثَ بَنَاتُ الاِبْنِ الثُّلُثَيْنِ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ، وَذَلِكَ إِذَا كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ عَاصِبٌ. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَرِثَ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَعَهَا أَوْ مَعَهُنَّ مَنْ يُعَصِّبُ.
41 - فَإِذَا لَمْ تَقُمْ بِنْتُ الاِبْنِ مَقَامَ الْبِنْتِ الصُّلْبِيَّةِ بِأَنْ وُجِدَ مَعَهَا فَرْعٌ وَارِثٌ لِلْمُتَوَفَّى أَقْرَبُ دَرَجَةً مِنْهَا كَانَتْ لَهَا الأَْحْوَال الثَّلاَثَةُ الآْتِيَةُ:

الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ تَأْخُذَ السُّدُسَ فَرْضًا تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ وَاحِدَةً أَمْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَعَهَا بِنْتٌ أَعْلَى مِنْهَا دَرَجَةً، صُلْبِيَّةً كَانَتْ أَمْ غَيْرَ صُلْبِيَّةٍ، بِشَرْطِ أَلاَّ يُوجَدَ مَعَ بِنْتِ الاِبْنِ مَنْ يُعَصِّبُهَا، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا وَرِثَتْ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ لاَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ.

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَلاَّ يَبْقَى لَهَا شَيْءٌ مِنْ فَرْضِ الْبَنَاتِ، وَذَلِكَ إِذَا وُجِدَ مَعَهَا اثْنَتَانِ فَأَكْثَرُ مِنَ الْبَنَاتِ الصُّلْبِيَّاتِ أَوْ مِنْ بَنَاتِ الاِبْنِ الأَْعْلَى دَرَجَةً، عَلَى أَنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَرِثُ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ إِنْ وُجِدَ مَعَهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلاَ شَيْءَ لَهَا. وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ بِنْتَ أَوْ بَنَاتِ الاِبْنِ تَأْخُذُ أَوْ يَأْخُذْنَ السُّدُسَ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، لأَِنَّ الْبِنْتَيْنِ عِنْدَهُ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْوَاحِدَةِ. وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ بَنَاتِ الاِبْنِ مَعَ الْبِنْتَيْنِ لاَ يَرِثْنَ مَعَ ابْنِ الاِبْنِ أَوْ أَبْنَائِهِ، بَل يَكُونُ الْبَاقِي لاِبْنِ الاِبْنِ، لأَِنَّهُ لَوْ أَعْطَى بَنَاتِ الاِبْنِ لَزَادَ

حَقُّ الْبَنَاتِ عَلَى الثُّلُثَيْنِ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَجْعَل لَهُنَّ إِلاَّ الثُّلُثَيْنِ. وَحُجَّةُ مَنْ عَدَا ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل الثُّلُثَيْنِ لِلْبَنَاتِ بِطَرِيقَةِ الْفَرْضِ، وَاسْتِحْقَاقُ بَنَاتِ الاِبْنِ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، فَلاَ يُضَمُّ أَحَدُ الْحَقَّيْنِ إِلَى الآْخَرِ فَلاَ زِيَادَةَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ.

الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: لاَ تَرِثُ شَيْئًا، وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ، مَعَهَا مُعَصِّبٌ، أَوْ لَيْسَ مَعَهَا مُعَصِّبٌ، وَذَلِكَ إِذَا وُجِدَ مَعَهَا ابْنٌ أَوِ ابْنُ ابْنٍ أَعْلَى دَرَجَةً
وَهَذِهِ الْحَالاَتُ هِيَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ عَدَا ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ. (1)
أَحْوَال الأَْخَوَاتِ الشَّقِيقَاتِ:
42 - لِلأَْخَوَاتِ الشَّقِيقَاتِ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ. وَهَذِهِ الأَْحْوَال مِنْهَا مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ، وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ بِالإِْجْمَاعِ.

الْحَالَتَانِ الأُْولَى وَالثَّانِيَةُ: النِّصْفُ لِلْوَاحِدَةِ إِذَا انْفَرَدَتْ وَلَيْسَ فِي الْوَرَثَةِ مَنْ يَحْجُبُهَا، أَوْ أَخٌ شَقِيقٌ. وَالثُّلُثَانِ لِلاِثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا أَخٌ شَقِيقٌ. وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُل اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ} . (2)
فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالأَْخَوَاتِ فِي الآْيَةِ: الشَّقِيقَاتُ، أَوْ لأَِبٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُنَّ اللاَّئِي يَرِثْنَ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ
__________
(1) شرح السراجة ص 109 ط الكردي
(2) سورة النساء / 176

فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ. وَالأَْخَوَاتُ لأُِمٍّ يَرِثْنَ بِالْفَرْضِ فَقَطْ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي آيَةِ الْكَلاَلَةِ أَوَائِل السُّورَةِ، كَمَا بَيَّنَ فِي الآْيَةِ الأَْخِيرَةِ مِنَ السُّورَةِ نَصِيبَ الأَْخَوَاتِ الشَّقِيقَاتِ أَوْ لأَِبٍ.
وَإِذَا زَادَتِ الأَْخَوَاتُ عَنِ الاِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى فِي بَيَانِ نَصِيبِ الأَْوْلاَدِ: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} لأَِنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْبَنَاتُ الثَّلاَثُ فَأَكْثَرُ يَرِثْنَ الثُّلُثَيْنِ وَقَرَابَتُهُنَّ بِالْمُتَوَفَّى أَكْثَرُ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَلاَّ تَأْخُذَ الأَْخَوَاتُ الشَّقِيقَاتُ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، وَلَمْ يَنُصَّ فِي الآْيَةِ عَلَى نَصِيبِ الأَْكْثَرِ مِنَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الأَْخَوَاتِ لِدَلاَلَةِ الآْيَةِ الْخَاصَّةِ بِنَصِيبِ الأَْوْلاَدِ عَلَيْهِ.

الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مَعَ الأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ أَوِ الأَْخَوَاتِ الشَّقِيقَاتِ أَخٌ شَقِيقٌ فَيَكُونُ لَهُنَّ مَعَهُ الْبَاقِي بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، لأَِنَّهُنَّ يَصِرْنَ عَصَبَةً بِهِ وَهَذَا مَا دَل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ} وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأُْخْتَ الشَّقِيقَةَ أَوْ لأَِبٍ تَصِيرُ عَصَبَةً بِالْجَدِّ، مِنْ بَابِ الْعَصَبَةِ بِالْغَيْرِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَخٌ يُعَصِّبُهَا، وَيَكُونُ لَهُ ضِعْفُ نَصِيبِهَا. (1)

الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ تَكُونَ الأُْخْتُ الشَّقِيقَةُ أَوِ الأَْخَوَاتُ الشَّقِيقَاتُ عَصَبَةً مَعَ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ أَوْ أَخَوَاتٌ شَقِيقَاتٌ وَلَيْسَ مَعَهُنَّ أَخٌ شَقِيقٌ وَقَدْ تَرَكَ الْمَيِّتُ فَرْعًا وَارِثًا مُؤَنَّثًا، فَإِنَّ الْفَرْعَ الْوَارِثَ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ وَالأُْخْتَ أَوِ الأَْخَوَاتِ
__________
(1) الدسوقي 4 / 459، المواق 6 / 410، العذب 1 / 90

الشَّقِيقَاتِ يَأْخُذْنَ الْبَاقِيَ بِاعْتِبَارِهِنَّ عَصَبَةً، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلُوا الأَْخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةً. (1) وَهَذَا مَا أَفْتَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وَقَال: إِنَّهُ قَضَاءُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (2)

الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ: الْحِرْمَانُ وَذَلِكَ إِنْ تَرَكَ الْمَيِّتُ فَرْعًا وَارِثًا ذَكَرًا أَوْ أَبًا، وَفِي مِيرَاثِهِنَّ مَعَ الْجَدِّ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ.

أَحْوَال الأَْخَوَاتِ لأَِبٍ:
43 - لِلأَْخَوَاتِ لأَِبٍ سَبْعُ حَالاَتٍ:
(1) النِّصْفُ لِلْوَاحِدَةِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَهَا أُخْتٌ شَقِيقَةٌ أَوْ أَخٌ لأَِبٍ يُعَصِّبُهَا.
(2) الثُّلُثَانِ لِلأُْخْتَيْنِ فَأَكْثَرَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَهُنَّ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ أَوْ أَخٌ لأَِبٍ يُعَصِّبُهُنَّ. وَدَلِيل هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ آيَةُ الْكَلاَلَةِ آخِرَ سُورَةِ النِّسَاءِ {يَسْتَفْتُونَكَ قُل اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} .
(3) السُّدُسُ لِلْوَاحِدَةِ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ الأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ الْوَاحِدَةِ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، لأَِنَّ فَرْضَ الشَّقِيقَةِ النِّصْفُ، وَالأُْخْتُ لأَِبٍ مَعَهَا كَبِنْتِ الاِبْنِ مَعَ الْبِنْتِ، فَتَأْخُذُ السُّدُسَ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مَعَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَخٌ لأَِبٍ فَإِنَّهُ يُعَصِّبُهَا، وَهِيَ الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ الآْتِيَةُ، وَيَسْقُطَانِ مَعًا " الأَْخُ وَالأُْخْتُ لأَِبٍ " لَوِ اسْتَغْرَقَتِ الْفُرُوضُ التَّرِكَةَ، لأَِنَّ حَقَّ الأَْخَوَاتِ الثُّلُثَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} .
__________
(1) حدبث (اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة) جعله البخاري عنوانا (باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة) ، الفتح 8 / 448، والعذب الفائض 1 / 91
(2) المبسوط 29 / 151 وشرح الرحبية ص 32 وما بعدها

(4) التَّعْصِيبُ بِالأَْخِ لأَِبٍ فَيُعْطَى الذَّكَرُ ضِعْفَ الأُْنْثَى.
(5) الإِْرْثُ بِالتَّعْصِيبِ مَعَ الْبَنَاتِ أَوْ بَنَاتِ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَل أَوْ مَعَهُمَا، فَتَأْخُذُ الْبَاقِيَ بَعْدَهُنَّ مِنَ التَّرِكَةِ بِالْعُصُوبَةِ، وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَتَسْقُطُ إِذَا اسْتَغْرَقَتِ الْفُرُوضُ التَّرِكَةَ فَلاَ تَأْخُذُ شَيْئًا.
(6) تُحْجَبُ بِالأُْخْتَيْنِ الشَّقِيقَتَيْنِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَعَهَا أَخٌ لأَِبٍ، فَيَأْخُذَانِ الْبَاقِيَ تَعْصِيبًا لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ.
(7) تُحْجَبُ بِالأَْبِ، وَالاِبْنِ، وَابْنِ الاِبْنِ، وَإِنْ نَزَل، وَبِالأَْخِ الشَّقِيقِ، وَالأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ إِذَا صَارَتْ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ أَوْ بِنْتِ الاِبْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَ الأُْخْتِ لأَِبٍ أَخٌ يُعَصِّبُهَا أَمْ لاَ. لأَِنَّ الأُْخْتَ الشَّقِيقَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَأَنَّهَا أَخٌ شَقِيقٌ فِي كَوْنِهَا عَصَبَةً أَقْرَبُ إِلَى الْمَيِّتِ. (1)

مِيرَاثُ أَوْلاَدِ الأُْمِّ:
44 - الْمُرَادُ بِأَوْلاَدِ الأُْمِّ، إِخْوَةُ الْمُتَوَفَّى وَأَخَوَاتُهُ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ فَقَطْ.
وَأَوْلاَدُ الأُْمِّ يَرِثُونَ دَائِمًا بِطَرِيقِ الْفَرْضِ، وَلاَ يَرِثُونَ بِالتَّعْصِيبِ وَلَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ مِنْهُمْ أَخًا، لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا عَصَبَةً لإِِدْلاَئِهِمْ إِلَى الْمُتَوَفَّى بِقَرَابَةِ الأُْمِّ وَحْدَهَا، وَلاَ يَصِيرُونَ عَصَبَةً بِالْغَيْرِ وَلاَ مَعَ الْغَيْرِ. وَذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ سَوَاءٌ فِي الْمِيرَاثِ عِنْدَ الاِنْفِرَادِ وَعِنْدَ الاِجْتِمَاعِ، فَلاَ يَفْضُل الذَّكَرُ عَلَى الأُْنْثَى.
__________
(1) المبسوط 29 / 156 والشرح الكبير 4 / 459 - 460، والعذب الفائض 1 / 91

وَلَهُمْ ثَلاَثُ حَالاَتٍ:

الأُْولَى: السُّدُسُ فَرْضًا لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَفَّى فَرْعٌ وَارِثٌ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، أَوْ أَصْلٌ مُذَكَّرٌ وَارِثٌ كَالأَْبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلاَ.

الثَّانِيَةُ: الثُّلُثُ فَرْضًا إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا أَوْ مُخْتَلِفِينَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَوَفَّى فَرْعٌ وَارِثٌ أَوْ أَصْلٌ مُذَكَّرٌ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ يُحْجَبُونَ بِالاِبْنِ وَابْنِ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَل، وَالْبِنْتِ وَبِنْتِ الاِبْنِ وَإِنْ نَزَل، وَبِالأَْبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلاَ.
وَدَلِيل مَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} (1)
إِذِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَوْلاَدُ الأُْمِّ إِجْمَاعًا. وَيَدُل عَلَيْهِ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنَ الأُْمِّ) .
وَدَلِيل التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى وَأَنَّ نَصِيبَهُمْ لاَ يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} لأَِنَّ الشَّرِكَةَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ وَقَدْ حَصَرَتِ الآْيَةُ نَصِيبَ الأَْكْثَرِ مِنَ الْوَاحِدِ فِي الثُّلُثِ. وَلأَِنَّ إِدْلاَءَ أَوْلاَدِ الأُْمِّ إِلَى الْمَيِّتِ هُوَ بِالأُْمِّ، فَفُرِضَ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَقَل فَرْضِهَا وَهُوَ السُّدُسُ، وَفُرِضَ لِلأَْكْثَرِ مِنْ وَاحِدٍ أَكْثَرُ فَرْضِهَا وَهُوَ الثُّلُثُ. وَلَمْ يُفْرَضْ لَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ كَيْ لاَ يُؤَدِّيَ إِلَى تَفْضِيل نَصِيبِ الْمُدْلِي عَلَى نَصِيبِ الْمُدْلَى بِهِ. وَسُوِّيَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ قِسْمَةً
__________
(1) سورة النساء / 12

وَاسْتِحْقَاقًا، لأَِنَّ تَفْضِيل الذَّكَرِ عَلَى الأُْنْثَى إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْعُصُوبَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي قَرَابَةِ الأُْمِّ، فَلاَ يَفْضُل الذَّكَرُ مِنْهُمْ عَلَى الأُْنْثَى لاَ فِي الْقِسْمَةِ وَلاَ فِي الاِسْتِحْقَاقِ. (1)

الإِْرْثُ بِالْعُصُوبَةِ:
45 - عَصَبَةُ الرَّجُل لُغَةً: بَنُوهُ وَقَرَابَتُهُ لأَِبِيهِ، سُمُّوا بِذَلِكَ، لأَِنَّهُمْ عُصِّبُوا بِهِ، أَيْ أَحَاطُوا بِهِ. وَالأَْبُ طَرَفٌ وَالاِبْنُ طَرَفٌ. وَالْعَمُّ جَانِبٌ، وَالأَْخُ جَانِبٌ. (2)
وَيُسَمَّى بِهَا الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ لِلْغَلَبَةِ. وَقَالُوا فِي مَصْدَرِهَا الْعُصُوبَةَ. وَالذَّكَرُ يُعَصِّبُ الأُْنْثَى أَيْ يَجْعَلُهَا عَصَبَةً. (3)
46 - وَالْعَاصِبُ بِنَفْسِهِ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ مَنْ يَرِثُ الْمَال كُلَّهُ إِذَا انْفَرَدَ أَوِ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْفَرْضِ، وَهُوَ الَّذِي يُرَادُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ. (4) وَعَرَّفَهُ صَاحِبُ السِّرَاجِيَّةِ: بِأَنَّهُ كُل ذَكَرٍ لاَ تَدْخُل فِي نِسْبَتِهِ إِلَى الْمَيِّتِ أُنْثَى، فَإِنَّ مَنْ دَخَلَتِ الأُْنْثَى فِي نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةً كَأَوْلاَدِ الأُْمِّ (5) .
47 -
__________
(1) الفناري على السراجة ص 94 وما بعدها، والعذب الفائض ص 54 - 63، والشرح الكبير 4 / 411، والتحفة مع الشرواني 6 / 17
(2) مختار الصحاح ص 435 ط دار الكتاب
(3) السراجية ص 146، والعذب الفائض 1 / 74
(4) الشرح الكبير 4 / 414، والتحفة مع الحاشية 6 / 28، والعذب الفائض 1 / 75
(5) السراجة ص 146

وَالْعَصَبَةُ نَوْعَانِ، عَصَبَةٌ نَسَبِيَّةٌ وَهِيَ مَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ.
وَعَصَبَةٌ سَبَبِيَّةٌ وَيُرَادُ بِهَا الْمُعْتَقُ وَعَصَبَتُهُ الذُّكُورُ.
وَالْعَصَبَةُ النَّسَبِيَّةُ أَقْسَامٌ ثَلاَثَةٌ: عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ، وَعَصَبَةٌ بِغَيْرِهِ، وَعَصَبَةٌ مَعَ غَيْرِهِ.
48 - وَالْعَصَبَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ:

الأَْوَّل: جُزْءُ الْمَيِّتِ، وَالثَّانِي أَصْلُهُ، وَالثَّالِثُ جُزْءُ أَبِيهِ، وَالرَّابِعُ جُزْءُ جَدِّهِ.
فَيُقَدَّمُ فِي هَذِهِ الأَْصْنَافِ وَالْمُنْدَرِجِينَ فِيهَا الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ، أَيْ يُرَجَّحُونَ بِقُرْبِ الدَّرَجَةِ. فَأَوْلاَهُمْ بِالْمِيرَاثِ بَنُو الْمَيِّتِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ أَصْل الْمَيِّتِ أَيِ الأَْبُ، ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلاَ. وَقُدِّمَ الْبَنُونَ عَلَى الأَْبِ، لأَِنَّهُمْ فُرُوعُ الْمَيِّتِ وَالأَْبُ أَصْلُهُ، وَاتِّصَال الْفَرْعِ بِأَصْلِهِ أَظْهَرُ مِنْ اتِّصَال الأَْصْل بِفَرْعِهِ. فَإِنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ أَصْلَهُ وَيَصِيرُ مَذْكُورًا بِذِكْرِهِ دُونَ الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْبِنَاءَ وَالأَْشْجَارَ يَدْخُلاَنِ فِي بَيْعِ الأَْرْضِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَلاَ يَدْخُلاَنِ فِي بَيْعِهَا إِلاَّ بِالنَّصِّ عَلَيْهِمَا. وَقُدِّمَ بَنُو الْبَنِينَ وَإِنْ سَفَلُوا عَلَى الأَْبِ، لأَِنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِمْ أَيْضًا الْبُنُوَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى الأُْبُوَّةِ. وَكَوْنُ الأَْبِ أَقْرَبَ مِنَ الْجَدِّ ظَاهِرٌ كَظُهُورِهِ فِيمَا بَيْنَ الاِبْنِ وَابْنِ الاِبْنِ، وَإِذَا أُرِيدَ بِالْجَدِّ أَبُو الأَْبِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ أَبُو الأُْمِّ، ثُمَّ يُقَدَّمُ بَعْدَ مَنْ ذُكِرُوا جُزْءُ الأَْبِ أَيِ الإِْخْوَةُ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا. وَهَذَا (أَيْ تَأْخِيرُ الإِْخْوَةِ عَنِ الْجَدِّ) عِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ، ثُمَّ جُزْءُ جَدِّهِ أَيِ الأَْعْمَامُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا.
وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ جِهَاتِ الْعُصُوبَةِ سِتٌّ: الْبُنُوَّةُ ثُمَّ الأُْبُوَّةُ ثُمَّ الْجُدُودَةُ مَعَ الأُْخُوَّةُ ثُمَّ بَنُو الإِْخْوَةِ ثُمَّ الْعُمُومَةُ ثُمَّ الْوَلاَءُ، وَعِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ خَمْسُ جِهَاتٍ فَقَطْ: الْبُنُوَّةُ ثُمَّ الأُْبُوَّةُ ثُمَّ الأُْخُوَّةُ ثُمَّ الْعُمُومَةُ ثُمَّ الْوَلاَءُ،

بِإِدْخَال الْجَدِّ وَإِنْ عَلاَ فِي الأُْبُوَّةِ وَإِدْخَال بَنِي الإِْخْوَةِ وَإِنْ نَزَلُوا بِمَحْضِ الذُّكُورَةِ فِي الأُْخُوَّةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ الْجِهَاتُ سَبْعٌ: الْبُنُوَّةُ ثُمَّ الأُْبُوَّةُ ثُمَّ الْجُدُودَةُ مَعَ الأُْخُوَّةِ ثُمَّ بَنُو الإِْخْوَةِ ثُمَّ الْعُمُومَةُ ثُمَّ الْوَلاَءُ ثُمَّ بَيْتُ الْمَال (1)
وَمِمَّا تَقَدَّمَ يُعْلَمُ أَنَّ الْعَصَبَةَ إِذَا كَانَ وَاحِدًا مِنْ أَيِّ جِهَةٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ كُل التَّرِكَةِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ فَرْضٍ، فَإِنْ وُجِدَ كَانَ لَهُ الْبَاقِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاقٍ فَلاَ شَيْءَ لَهُ.
وَإِذَا تَعَدَّدَتِ الْعَصَبَاتُ وَتَعَدَّدَتْ جِهَاتُهُمْ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْبُنُوَّةِ كَمَا سَبَقَ. فَإِذَا تَعَدَّدُوا وَكَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ قُدِّمَ أَقْرَبُهُمْ دَرَجَةً، فَيُقَدَّمُ الاِبْنُ عَلَى ابْنِ الاِبْنِ، وَالأَْبُ عَلَى الْجَدِّ، وَيُقَدَّمُ فُرُوعُ الْجَدِّ الأَْوَّل مَهْمَا نَزَلُوا عَلَى فُرُوعِ الْجَدِّ الثَّانِي مَهْمَا عَلَوْا، لأَِنَّهُمْ أَقْرَبُ دَرَجَةً.
وَإِنِ اتَّحَدَتِ الْجِهَةُ وَاتَّحَدَتِ الدَّرَجَةُ قُدِّمَ الأَْقْوَى قَرَابَةً، وَهُوَ مَنْ تَكُونُ قَرَابَتُهُ لأَِبَوَيْنِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ تَكُونُ قَرَابَتُهُ لأَِبٍ فَقَطْ، فَيُقَدَّمُ الأَْخُ الشَّقِيقُ عَلَى الأَْخِ لأَِبٍ، وَابْنُ الأَْخِ الشَّقِيقِ عَلَى ابْنِ الأَْخِ لأَِبٍ وَهَكَذَا.
وَإِنْ تَعَدَّدَتِ الْعَصَبَاتُ وَكَانُوا جَمِيعًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقُوَّةُ قَرَابَتِهِمْ وَاحِدَةٌ، اسْتَحَقُّوا جَمِيعًا فِي الْمِيرَاثِ؛ إِذْ لاَ تَفَاوُتَ بَيْنَهُمْ وَلاَ وَجْهَ لِتَرْجِيحِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَيَكُونُونَ فِي التَّعْصِيبِ سَوَاءً.
__________
(1) السراجية ص 146 وما بعدها، والعذب الفائض 1 / 75 وما بعدها، والشرح الكبير 4 / 414 وما بعدها، والتحفة مع الحاشية 6 / 28

الْعَصَبَةُ بِالْغَيْرِ:
49 - وَهُنَّ النِّسَاءُ اللاَّتِي يَصِرْنَ عَصَبَةً بِالْغَيْرِ
وَهُنَّ أَرْبَعٌ: بِنْتُ الصُّلْبِ، وَبِنْتُ الاِبْنِ إِذَا لَمْ تُوجَدِ الْبِنْتُ، وَالأُْخْتُ الشَّقِيقَةُ، وَالأُْخْتُ لأَِبٍ عِنْدَ عَدَمِ الشَّقِيقَةِ، فَإِنَّ هَؤُلاَءِ الأَْرْبَعَ يَصِرْنَ عَصَبَةً بِإِخْوَتِهِنَّ الَّذِينَ فِي قُوَّتِهِنَّ، وَيُعَصَّبُ بَنَاتُ الاِبْنِ أَيْضًا بِبَنِي عَمِّهِنَّ الَّذِينَ فِي دَرَجَتِهِنَّ، وَيُعَصِّبْنَ كَذَلِكَ بِبَنِي إِخْوَتِهِنَّ، وَبَنِيَّ أَبْنَاءِ عَمِّهِنَّ إِذَا احْتَجْنَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرِيثِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأُْخْتَ الشَّقِيقَةَ أَوْ لأَِبٍ تُعَصَّبُ أَيْضًا بِالْجَدِّ وَتَكُونُ عَصَبَةً بِالْغَيْرِ (1) .
وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَخٌ يُعَصِّبُهَا.
وَمَنْ لاَ فَرْضَ لَهَا مِنْهُنَّ يُعَصِّبُهَا أَيْضًا مَنْ دُونَهَا مِنْ بَنِي الاِبْنِ.
وَالأَْصْل فِي هَذَا قَوْله تَعَالَى: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ} . (2)
وقَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ} . (3)
وَمَنْ لاَ فَرْضَ لَهَا وَأَخُوهَا عَصَبَةٌ لاَ تَصِيرُ عَصَبَةً بِأَخِيهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِي صَيْرُورَةِ الإِْنَاثِ بِالذُّكُورِ عَصَبَةً إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: الْبَنَاتِ بِالْبَنِينَ، وَالأَْخَوَاتِ بِالإِْخْوَةِ، وَالإِْنَاثُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ذَوَاتُ فُرُوضٍ. فَمَنْ لاَ فَرْضَ لَهَا مِنَ الإِْنَاثِ كَبِنْتِ الأَْخِ مَعَ أَخِيهَا، وَالْعَمَّةِ مَعَ الْعَمِّ، لاَ يَتَنَاوَلُهَا النَّصُّ، وَالأَْخُ يَنْقُل أُخْتَهُ مِنْ فَرْضِهَا حَالَةَ
__________
(1) المواق 6 / 410، والدسوقي 4 / 449، والعذب الفائض 1 / 90
(2) سورة النساء / 11
(3) سورة النساء / 176

الاِنْفِرَادِ إِلَى الْعُصُوبَةِ، كَيْ لاَ يَلْزَمَ تَفْضِيل الأُْنْثَى عَلَى الذَّكَرِ أَوِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا.

الْعَصَبَةُ مَعَ الْغَيْرِ:
50 - وَهِيَ كُل أُنْثَى تَصِيرُ عَصَبَةً مَعَ أُنْثَى غَيْرِهَا، وَهِيَ الأُْخْتُ الشَّقِيقَةُ أَوْ لأَِبٍ مَعَ الْبِنْتِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ صُلْبِيَّةً أَمْ بِنْتَ ابْنٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ وَاحِدَةً أَمْ أَكْثَرَ
، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اجْعَلُوا الأَْخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةً (1) وَالْمُرَادُ مِنَ الْجَمْعَيْنِ (الأَْخَوَاتُ) (وَالْبَنَاتُ) هُوَ الْجِنْسُ وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَصَبَةِ بِالْغَيْرِ وَالْعَصَبَةِ مَعَ الْغَيْرِ، أَنَّ الْمُعَصِّبَ لِغَيْرِهِ يَكُونُ عَصَبَةً بِنَفْسِهِ، فَتَتَعَدَّى بِسَبَبِهِ الْعُصُوبَةُ إِلَى الأُْنْثَى. وَفِي الْعَصَبَةِ مَعَ الْغَيْرِ لاَ يَكُونُ ثَمَّةَ عَاصِبٌ بِالنَّفْسِ أَصْلاً. (2)

الإِْرْثُ بِالْعُصُوبَةِ السَّبَبِيَّةِ:
51 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَتِيقَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً يَرِثُ جَمِيعَ مَال مَنْ أَعْتَقَهُ أَوِ الْبَاقِيَ مِنْهُ إِذَا اتَّفَقَا فِي الدِّينِ، وَلَمْ يَخْلُفِ الْعَتِيقُ مَنْ يَرِثُهُ، أَوْ خَلَفَ مَنْ يَرِثُ الْبَعْضَ. أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي الدِّينِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ عَتِيقَهُ الْكَافِرَ بِالْوَلاَءِ وَعَكْسِهِ. (3)
__________
(1) تقدم (هامش ف 42)
(2) السراجية ص 154، 156، والعذب الفائض 1 / 88 - 93 والشرح الكبير 4 / 414، والتحفة على الحاشية 6 / 27
(3) منتهى الإرادات 2 / 625

وَلاَءُ الْمُوَالاَةِ:
52 - عَقْدُ الْمُوَالاَةِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الإِْرْثِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَرْتَبَتُهُ بَعْدَ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ.
فَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ وَوَالاَهُ وَعَاقَدَهُ ثُمَّ مَاتَ وَلاَ وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَمِيرَاثُهُ لَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} وَعَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ (عَاقَدَتْ) فَالآْيَةُ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ مُسْتَعْمَلَةٌ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مِنْ إِثْبَاتِ الْمِيرَاثِ عِنْدَ فَقْدِ ذَوِي الأَْرْحَامِ.
وَقَدْ وَرَدَ الأَْثَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ وَبَقَائِهِ عِنْدَ عَدَمِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُل يُسْلِمُ عَلَى يَدَيِ الرَّجُل مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَال: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ فَقَوْلُهُ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَمَاتِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَوْلاَهُمْ بِمِيرَاثِهِ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ بَيْنَهُمَا وِلاَيَةٌ إِلاَّ فِي الْمِيرَاثِ.
وَقَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ: مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَال يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: إِذَا جَاءَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَإِنَّ وَلاَءَهُ لِمَنْ وَالاَهُ. وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَوَلاَؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَلأَِنَّ أَسْبَابَ الإِْرْثِ مَحْصُورَةٌ فِي رَحِمٍ وَنِكَاحٍ وَوَلاَءٍ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَالآْيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَرِثُ مَعَ ذِي

رَحِمٍ شَيْئًا، وقَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} مَنْسُوخٌ.
وَقَال الْحَسَنُ: نَسَخَتْهَا {وَأُولُوا الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} وَقَال مُجَاهِدٌ: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أَيْ مِنَ الْعَقْل - الدِّيَةِ - وَالنُّصْرَةِ وَالرِّفَادَةِ. وَلَيْسَ هَذَا بِوَصِيَّةٍ، لأَِنَّ الْوَصِيَّ لاَ يُشَارِكُ فِي دِيَةٍ، فَلَهُ الرُّجُوعُ (1)

بَيْتُ الْمَال:
53 - بَيْتُ الْمَال هُوَ الْجِهَةُ الَّتِي يَؤُول إِلَيْهَا كُل مَالٍ اسْتَحَقَّهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ مِنْهُمْ، كَالْفَيْءِ (2) وَيُطْلِقُ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ جِهَةَ الإِْسْلاَمِ أَيْضًا (3)
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ شَاذٌّ - أَنَّ بَيْتَ الْمَال لَيْسَ وَارِثًا، وَإِنَّمَا تَئُول إِلَيْهِ التَّرِكَةُ أَوْ مَا يَبْقَى مِنْهَا بِاعْتِبَارِهِ مَالاً لاَ مُسْتَحِقَّ لَهُ، فَيَأْخُذُهُ بَيْتُ الْمَال كَمَا يَأْخُذُ كُل مَالٍ ضَائِعٍ لاَ مِلْكَ فِيهِ لأَِحَدٍ كَاللُّقَطَةِ، وَيَصْرِفُهُ فِي الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُزَنِيُّ وَابْنُ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّ بَيْتَ الْمَال مِنَ الْعَصَبَةِ وَرُتْبَتُهُ تَلِي رُتْبَةَ الْمُعْتِقِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِبَيْتِ الْمَال: بَيْتُ مَال وَطَنِهِ، مَاتَ فِيهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْبِلاَدِ، كَانَ مَالُهُ
__________
(1) المبسوط 30 / 43 - 46، وأحكام القرآن للجصاص 2 / 186 ط دار الكتاب، والبهجة شرح التحفة ص 593، وشرح المحلي 3 / 137، هامش قليوبي وعميرة، والمغني 6 / 381 ط الرياض.
(2) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 235
(3) التحفة هامش الشرواني 6 / 8

بِوَطَنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنٌ فَقِيل: الْمُعْتَبَرُ الْوَطَنُ الَّذِي بِهِ الْمَال، وَقِيل الَّذِي مَاتَ بِهِ، وَهُمْ يَعُدُّونَ بَيْتَ الْمَال عَاصِبًا فَهُوَ كَوَارِثٍ ثَابِتِ النَّسَبِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُنْتَظِمًا أَمْ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ.
وَقِيل: إِنَّهُ حَائِزٌ لِلأَْمْوَال الضَّائِعَةِ لاَ وَارِثٌ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْقَوْل: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنَ النَّسَبِ، كَمَا يَجُوزُ الإِْقْرَارُ بِوَارِثٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، بِخِلاَفِ الْقَوْل بِأَنَّ بَيْتَ الْمَال وَارِثٌ فَلاَ يَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِكُل الْمَال وَلاَ الإِْقْرَارُ بِوَارِثٍ. (1)
وَالشَّافِعِيَّةُ كَالْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ بَيْتَ الْمَال يَلِي الْعَصَبَةَ النَّسَبِيَّةَ وَالسَّبَبِيَّةَ، وَأَنَّهُ يَرِثُ كُل الْمَال أَوِ الْبَاقِيَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَظِمًا، بِأَنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ جَائِرًا أَوْ غَيْرَ أَهْلٍ لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الإِْرْثَ لِجِهَةِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ ظُلْمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَبْطُل حَقُّهُمْ بِجَوْرِ الإِْمَامِ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل عِنْدَهُمْ.
وَأَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ: بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْتَظِمْ أَمْرُ بَيْتِ الْمَال، بِأَنْ فَقَدَ الإِْمَامَ أَوْ بَعْضَ شُرُوطِ الإِْمَامَةِ، كَأَنْ جَارَ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، لاِنْحِصَارِ مَصْرِفِ التَّرِكَةِ فِيهِمْ وَفِي بَيْتِ الْمَال، فَإِذَا تَعَذَّرَ بَيْتُ الْمَال تَعَيَّنُوا.

الْحَجْبُ:
54 - الْحَجْبُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ، بَابُهُ قَتَل، وَمِنْهُ قِيل لِلسِّتْرِ حِجَابٌ، لأَِنَّهُ يَمْنَعُ الْمُشَاهَدَةَ، وَقِيل لِلْبَوَّابِ حَاجِبٌ، لأَِنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الدُّخُول. (2)
__________
(1) حاشية الدسوقي 4 / 416
(2) المصباح

وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهُ صَاحِبُ السِّرَاجِيَّةِ: بِأَنَّهُ مَنْعُ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ عَنْ مِيرَاثِهِ إِمَّا كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بِوُجُودِ شَخْصٍ آخَرَ (1)
، وَلاَ تَخْرُجُ التَّعْرِيفَاتُ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى عَنْ هَذَا التَّعْرِيفِ.
وَالْحَجْبُ مُطْلَقًا قِسْمَانِ:
حَجْبٌ بِوَصْفٍ، وَهُوَ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ عُلَمَاءُ الْمِيرَاثِ بِالْمَانِعِ، كَمَنْعِ الْقَاتِل مِنَ الْمِيرَاثِ.
وَحَجْبٌ بِشَخْصٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ. وَهُوَ قِسْمَانِ:
حَجْبُ حِرْمَانٍ، وَهُوَ أَنْ يُسْقِطَ الشَّخْصُ غَيْرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَهُوَ لاَ يَدْخُل عَلَى سِتَّةٍ مِنَ الْوَرَثَةِ إِجْمَاعًا، وَهُمْ: الأَْبَوَانِ وَالزَّوْجَانِ وَالْوَلَدَانِ (الاِبْنُ وَالْبِنْتُ) وَضَابِطُهُمْ كُل مَنْ أَدْلَى بِنَفْسِهِ إِلَى الْمَيِّتِ إِلاَّ الْمُعْتَقَ.
وَالثَّانِي حَجْبُ نُقْصَانٍ. وَهُوَ: حَجْبٌ عَنْ سَهْمٍ أَكْثَرَ إِلَى سَهْمٍ أَقَل، وَهُوَ لِخَمْسَةٍ مِنَ الْوَرَثَةِ، لِلزَّوْجَيْنِ، إِذِ الزَّوْجُ يُحْجَبُ مِنَ النِّصْفِ إِلَى الرُّبُعِ، وَالزَّوْجَةُ مِنَ الرُّبُعِ إِلَى الثُّمُنِ بِوُجُودِ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الاِبْنِ، وَالأُْمُّ تُحْجَبُ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ بِالْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الاِبْنِ، أَوَ الاِثْنَيْنِ مِنَ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ، وَبِنْتُ الاِبْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ مِنَ النِّصْفِ إِلَى السُّدُسِ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، وَالأُْخْتُ لأَِبٍ تَحْجُبُ الشَّقِيقَةَ مِنَ النِّصْفِ إِلَى السُّدُسِ.
وَالْمَحْرُومُ (الْمَمْنُوعُ) مِنَ الْمِيرَاثِ، لِوُجُودِ وَصْفٍ مَانِعٍ بِهِ لاَ يَحْجُبُ غَيْرَهُ، لاَ حِرْمَانًا كَامِلاً وَلاَ نَاقِصًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمُ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ، لأَِنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ، خِلاَفًا لاِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَجْبِ الزَّوْجَيْنِ وَالأُْمِّ حَجْبَ نُقْصَانٍ بِالْوَلَدِ
__________
(1) السراجية ص171

وَالإِْخْوَةِ الْكُفَّارِ وَالأَْرِقَّاءِ وَالْقَاتِلِينَ، وَتَبِعَهُ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ فِي الثَّلاَثَةِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي الْقَاتِل خَاصَّةً.
فَإِنْ مَاتَ شَخْصٌ عَنِ ابْنِهِ الْكَافِرِ وَزَوْجَةٍ وَأَخٍ شَقِيقٍ، فَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ وَالْبَاقِي لِلأَْخِ الشَّقِيقِ بِاتِّفَاقِ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ.
وَالْمَحْجُوبُ حَجْبَ حِرْمَانٍ قَدْ يَحْجُبُ غَيْرَهُ حَجْبَ نُقْصَانٍ. فَإِذَا تُوُفِّيَ شَخْصٌ عَنْ أُمٍّ وَأَبٍ وَإِخْوَةٍ، فَإِنَّ الإِْخْوَةَ وَإِنْ كَانُوا مَحْجُوبِينَ بِالأَْبِ يُصَيِّرُونَ نَصِيبَ الأُْمِّ إِلَى السُّدُسِ.
55 - وَقَدْ وَضَعَ الْفُقَهَاءُ قَوَاعِدَ يَقُومُ عَلَيْهَا الْحَجْبُ هِيَ:

الأُْولَى: أَنَّ مَنْ يُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِوَارِثٍ يُحْجَبُ حَجْبَ حِرْمَانٍ عِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الْوَارِثِ، لأَِنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ هُوَ وَمَنْ يُدْلِي بِسَبَبِهِ كَانَ هُوَ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْهُ، لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَيِّتِ، وَلأَِنَّ الْبَعِيدَ إِنَّمَا اتَّصَل بِالْمَيِّتِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْقَرِيبِ وَلِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَحَيْثُ وُجِدَ الأَْصْل لاَ يَسْتَحِقُّ مَنْ كَانَ بَدَلاً عَنْهُ.
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَسْرِي عَلَى الْعَصَبَاتِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، فَالأَْبُ يَحْجُبُ الْجَدَّ، وَالأَْخُ الشَّقِيقُ يَحْجُبُ ابْنَهُ وَهَكَذَا.
وَتَسْرِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، فَالأَْبُ يَحْجُبُ الْجَدَّ عَنْ فَرْضِهِ، وَالأُْمُّ تَحْجُبُ أُمَّ الأُْمِّ، وَلاَ تَسْرِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي بَعْضِ أَحْوَال أَصْحَابِ الْفُرُوضِ كَأَوْلاَدِ الأُْمِّ بِالنِّسْبَةِ لِلأُْمِّ، فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ مَعَ وُجُودِهَا، لَكِنَّهُمْ يَحْجُبُونَهَا حَجْبَ نُقْصَانٍ إِذَا تَعَدَّدُوا، وَيَحْجُبُهُمُ الأَْبُ وَالْجَدُّ مَعَ أَنَّهُمْ لاَ يُدْلُونَ بِهِمَا، لأَِنَّ النَّصَّ قَيَّدَ مِيرَاثَهُمْ بِأَنْ

يَكُونَ الْمَيِّتُ كَلاَلَةً لَيْسَ لَهُ وَالِدٌ وَلاَ وَلَدٌ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ الأَْقْرَبَ يَحْجُبُ الأَْبْعَدَ إِذَا كَانَ يَسْتَحِقُّ بِوَصْفِهِ وَنَوْعِهِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَعَمُّ مِنَ السَّابِقَةِ، لأَِنَّهَا تَشْمَل الْبَعِيدَ الَّذِي يُدْلِي بِأَقْرَبَ مِنْهُ، وَمَنْ لاَ يُدْلِي بِهِ، فَالاِبْنُ يَحْجُبُ ابْنَ الاِبْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبَاهُ، وَالْبِنْتَانِ تَحْجُبَانِ بِنْتَ الاِبْنِ فِي الاِسْتِحْقَاقِ بِالْفَرْضِ، وَالأَْخُ يَحْجُبُ الْعَمَّ وَلَوْ كَانَ لاَ يُدْلِي بِهِ، وَالْقُرْبَى تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنَ الْجَدَّاتِ وَإِنْ كَانَتْ لاَ تُدْلِي بِهَا، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَتَحَقَّقُ فِي الْعَصَبَاتِ وَأَصْحَابِ الْفُرُوضِ عَلَى السَّوَاءِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ الأَْقْوَى قَرَابَةً يَحْجُبُ الأَْضْعَفَ مِنْهُ، فَالأَْخُ الشَّقِيقُ يَحْجُبُ الأَْخَ لأَِبٍ، وَالأُْخْتُ لأَِبٍ لاَ تَأْخُذُ النِّصْفَ مَعَ الأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ، وَهَكَذَا فِي كُل الأَْحْوَال الَّتِي تَتَّحِدُ فِيهَا الدَّرَجَةُ وَتَخْتَلِفُ قُوَّةُ الْقَرَابَةِ، فَإِنِ اتَّحَدَتِ الدَّرَجَةُ اُعْتُبِرَ الْحَجْبُ بِقُرْبِهَا. (1)

الْعَوْل:
56 - مِنْ مَعَانِي الْعَوْل فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ، وَعَالَتِ الْفَرِيضَةُ فِي الْحِسَابِ زَادَتْ. وَالْفِعْل عَال وَمُضَارِعُهُ يَعُول وَتُعِيل. (2)
57 - وَفِي الاِصْطِلاَحِ: زِيَادَةُ سِهَامِ الْفُرُوضِ عَنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ، بِزِيَادَةِ كُسُورِهَا عَنِ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نُقْصَانُ أَنْصِبَاءِ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ بِنِسْبَةِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، كَمَا إِذَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ عَنْ زَوْجٍ وَأُمٍّ وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ، فَإِنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ
__________
(1) السراجية ص 171 - 180، والعذب الفائض 1 / 93 - 100 والشرح الكبير 4 / 415، والتحفة على الشرواني 6 / 18 - 22
(2) القاموس 4 / 23

فَرْضًا، وَلِلأُْمِّ الثُّلُثَ فَرْضًا، وَلِلأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ النِّصْفَ فَرْضًا، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ زَادَتِ الْفُرُوضُ عَمَّا تَنْقَسِمُ إِلَيْهِ التَّرِكَةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْوَاحِدِ الصَّحِيحِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ أَوَّل مَسْأَلَةٍ عَالَتْ فِي الإِْسْلاَمِ - وَقِيل: إِنَّ أَوَّل مَسْأَلَةٍ عَالَتْ هِيَ امْرَأَةٌ تُوُفِّيَتْ عَنْ زَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ - وَقَدْ وَقَعَتْ فِي صَدْرِ خِلاَفَةِ عُمَرَ، فَاسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ وَقَال: وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي أَيُّكُمْ قَدَّمَ اللَّهُ وَأَيُّكُمْ أَخَّرَ؟ وَإِنِّي إِنْ بَدَأْتُ بِالزَّوْجِ فَأَعْطَيْتُهُ حَقَّهُ كَامِلاً لَمْ يَبْقَ لِلأُْخْتَيْنِ حَقَّهُمَا، وَإِنْ بَدَأْتُ بِالأُْخْتَيْنِ فَأَعْطَيْتُهُمَا حَقَّهُمَا كَامِلاً لَمْ يَبْقَ لِلزَّوْجِ حَقُّهُ. فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْعَوْل الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَوْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى.
وَيُرْوَى أَنَّ الْعَبَّاسَ قَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْتَ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَتَرَك سِتَّةَ دَرَاهِمَ، لِرَجُلٍ عَلَيْهِ ثَلاَثَةٌ، وَلآِخَرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ أَلَيْسَ تَجْعَل الْمَال سَبْعَةَ أَجْزَاءٍ قَال: نَعَمْ، قَال الْعَبَّاسُ: هُوَ ذَلِكَ فَقَضَى عُمَرُ بِالْعَوْل.
وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال: أَوَّل مَنْ أَعَال الْفَرَائِضَ عُمَرُ لَمَّا الْتَوَتْ عَلَيْهِ الْفَرَائِضُ وَدَافَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَقَال: مَا أَدْرِي أَيُّكُمْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَلاَ أَيُّكُمْ أَخَّرَهُ، وَكَانَ امْرَأً وَرِعًا، فَقَال: مَا أَجِدُ شَيْئًا أَوْسَعَ لِي مِنْ أَنْ أَقْسِمَ التَّرِكَةَ عَلَيْكُمْ بِالْحِصَصِ، وَأُدْخِل عَلَى كُل ذِي حَقٍّ مَا دَخَل عَلَيْهِ مِنْ عَوْل الْفَرِيضَةِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ حَتَّى انْتَهَى أَمْرُ الْخِلاَفَةِ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَظْهَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ خِلاَفَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَال: لَوْ أَنَّهُمْ قَدَّمُوا مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ وَأَخَّرُوا مَنْ أَخَّرَ اللَّهُ مَا عَالَتْ فَرِيضَةٌ قَطُّ. فَقِيل

لَهُ: مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَمَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ؟ فَقَال: قَدَّمَ اللَّهُ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ وَالأُْمَّ وَالْجَدَّةَ، وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ فَالْبَنَاتُ، وَبَنَاتُ الاِبْنِ، وَالأَْخَوَاتُ الشَّقِيقَاتُ، وَالأَْخَوَاتُ لأَِبٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَال: مَنْ أَهْبَطَهُ اللَّهُ مِنْ فَرْضٍ إِلَى فَرْضٍ فَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ، وَمَنْ أَهْبَطَهُ اللَّهُ مِنْ فَرْضٍ إِلَى غَيْرِ فَرْضٍ فَهُوَ الَّذِي أَخَّرَهُ.
احْتَجَّ مَنْ قَال بِالْعَوْل بِأَنَّ الْوَرَثَةَ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمُسَاوَاةَ فِيهِ فَيَأْخُذُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَ حَقِّهِ إِنِ اتَّسَعَ الْمَحَل، فَإِنْ ضَاقَ تَحَاصَّوْا - كَالْغُرَمَاءِ - فِي التَّرِكَةِ، وَلاَ يَصِحُّ إِسْقَاطُ حَقِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ، لأَِنَّهُ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ بِنَصٍّ ثَابِتٍ. وَهَذَا هُوَ رَأْيُ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ. (1)
وَيَحْتَجُّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْحُقُوقَ فِي الأَْمْوَال غَيْرُ مُتَسَاوِيَةٍ، فَإِذَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لاَ يَفِي بِهَا يُقَدَّمُ مِنْهَا مَا كَانَ أَقْوَى، فَفِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ يُقَدَّمُ التَّجْهِيزُ، وَالدَّيْنُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْمِيرَاثُ، فَإِذَا ضَاقَتِ التَّرِكَةُ عَنِ الْفُرُوضِ يُقَدَّمُ الأَْقْوَى. وَلاَ شَكَّ أَنَّ مَنْ يُنْقَل مِنْ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ إِلَى فَرْضٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ يَكُونُ صَاحِبَ فَرْضٍ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَيَكُونُ أَقْوَى مِمَّنْ يُنْقَل مِنْ فَرْضٍ مُقَدَّرٍ إِلَى فَرْضٍ آخَرَ غَيْرِ مُقَدَّرٍ، لأَِنَّهُ صَاحِبُ فَرْضٍ مِنْ وَجْهٍ وَعَصَبَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. فَإِدْخَال النَّقْصِ عَلَيْهِ أَوِ الْحِرْمَانِ أَوْلَى، لأَِنَّ ذَوِي الْفُرُوضِ مُقَدَّمُونَ عَلَى الْعَصَبَاتِ.
58 - وَلَقَدْ وُجِدَ بِالاِسْتِقْرَاءِ أَنَّ أُصُول الْمَسَائِل الَّتِي تَعُول هِيَ: مَا كَانَ أَصْلُهُ سِتَّةً، وَاثْنَيْ عَشَرَ، وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ.
__________
(1) السراجية ص 195 - 196، والمبسوط 29 / 161 - 162 ط دار المعرفة، والعذب الفائض 1 / 165

59 - فَمَا أَصْلُهُ سِتَّةٌ قَدْ يَعُول إِلَى سَبْعَةٍ وَإِلَى ثَمَانِيَةٍ وَإِلَى تِسْعَةٍ وَإِلَى عَشَرَةٍ.
فَالأَْوَّل، كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ: فَإِنَّ الزَّوْجَ يَأْخُذُ النِّصْفَ وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ، وَالأُْخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، فَالْمَجْمُوعُ سَبْعَةٌ.
وَمِثَال الْعَوْل إِلَى ثَمَانِيَةٍ: زَوْجٌ، وَأُخْتَانِ لأَِبٍ، وَأُمٌّ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَأْخُذُ النِّصْفَ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ، وَتَأْخُذُ الأُْخْتَانِ الثُّلُثَيْنِ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ، وَالأُْمُّ السُّدُسَ سَهْمًا، فَالْمَجْمُوعُ ثَمَانِيَةٌ.
وَمِثَال الْعَوْل إِلَى تِسْعَةٍ: زَوْجٌ، وَأُخْتَانِ شَقِيقَتَانِ، وَأَخَوَانِ لأُِمٍّ، فَإِنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ثَلاَثَةً، وَلِلأُْخْتَيْنِ الشَّقِيقَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ أَرْبَعَةً، وَلِلأَْخَوَيْنِ لأُِمٍّ الثُّلُثَ سَهْمَيْنِ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ تِسْعَةً.
وَمِثَال الْعَوْل إِلَى عَشَرَةٍ: زَوْجٌ، وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ، وَأُخْتٌ لأَِبٍ، وَأَخَوَانِ لأُِمٍّ، وَأُمٌّ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ النِّصْفُ ثَلاَثَةٌ، وَلِلأُْخْتِ لأَِبٍ السُّدُسُ سَهْمٌ، وَلِلأَْخَوَيْنِ لأُِمٍّ الثُّلُثُ سَهْمَانِ، وَلِلأُْمِّ السُّدُسُ سَهْمٌ، فَالْمَجْمُوعُ عَشَرَةٌ.
60 - وَإِذَا كَانَ أَصْل الْمَسْأَلَةِ اثْنَيْ عَشَرَ فَقَدْ تَعُول إِلَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ، كَزَوْجَةٍ وَأُمٍّ وَأُخْتٍ لأَِبٍ، فَإِنَّ لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعَ، وَلِلأُْمِّ الثُّلُثَ، وَلِلأُْخْتِ لأَِبٍ النِّصْفَ، فَأَصْل الْمَسْأَلَةِ: اثْنَا عَشَرَ، لِلزَّوْجَةِ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلأُْخْتِ سِتَّةٌ، وَلِلأُْمِّ أَرْبَعَةٌ.
وَقَدْ تَعُول إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، كَزَوْجٍ، وَبِنْتَيْنِ، وَأُمٍّ، وَأَبٍ، لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ ثَلاَثَةٌ، وَلِلْبِنْتَيْنِ ثَمَانِيَةٌ، وَلِكُلٍّ مِنْ الأَْبِ وَالأُْمِّ اثْنَانِ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ خَمْسَةَ عَشَرَ.

وَقَدْ تَعُول إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ، كَزَوْجَةٍ، وَأُمٍّ، وَأُخْتَيْنِ لأَِبٍ، وَأَخَوَيْنِ لأُِمٍّ. لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ ثَلاَثَةٌ، وَلِلأُْمِّ السُّدُسُ اثْنَانِ، وَلِلأُْخْتَيْنِ لأَِبٍ الثُّلُثَانِ ثَمَانِيَةٌ، وَلِلأَْخَوَيْنِ لأُِمٍّ الثُّلُثُ أَرْبَعَةٌ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ سَبْعَةَ عَشَرَ.
61 - وَإِذَا كَانَ أَصْل الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، فَإِنَّهَا لاَ تَعُول إِلاَّ إِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَذَلِكَ كَزَوْجَةٍ، وَبِنْتَيْنِ، وَأُمٍّ، وَأَبٍ، لِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ ثَلاَثَةٌ، وَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَلِكُلٍّ مِنَ الأَْبِ وَالأُْمِّ السُّدُسُ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ.
62 - وَمَا عَدَا مَا ذُكِرَ مِنْ أُصُول الْمَسَائِل فَلاَ تَعُول، وَهِيَ الاِثْنَانِ، وَالثَّلاَثَةُ، وَالأَْرْبَعَةُ، وَالثَّمَانِيَةُ، فَلاَ عَوْل فِي الاِثْنَيْنِ، لأَِنَّ الْمَسْأَلَةَ إِنَّمَا تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ إِذَا كَانَ فِيهَا نِصْفَانِ، كَزَوْجٍ وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ، أَوْ نِصْفٌ وَمَا بَقِيَ، كَزَوْجٍ وَأَخٍ شَقِيقٍ.
كَمَا لاَ عَوْل فِي الثَّلاَثَةِ، لأَِنَّ الْخَارِجَ مِنْهَا إِمَّا ثُلُثٌ وَمَا بَقِيَ، كَأُمٍّ وَأَخٍ لأَِبٍ وَأُمٍّ، وَإِمَّا ثُلُثَانِ وَمَا بَقِيَ، كَبِنْتَيْنِ وَأَخٍ لأَِبٍ، وَإِمَّا ثُلُثٌ وَثُلُثَانِ، كَأُخْتَيْنِ لأُِمٍّ وَأُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ.
وَلاَ عَوْل فِي الأَْرْبَعَةِ، لأَِنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، إِمَّا رُبُعٌ وَمَا بَقِيَ، كَزَوْجٍ وَابْنٍ، أَوْ رُبُعٌ وَنِصْفٌ وَمَا بَقِيَ، كَزَوْجٍ وَبِنْتٍ وَأَخٍ شَقِيقٍ، أَوْ رُبُعٌ وَثُلُثُ مَا بَقِيَ، كَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ.
وَلاَ عَوْل فِي الثَّمَانِيَةِ، لأَِنَّ الْخَارِجَ مِنْهَا إِمَّا ثُمُنٌ وَمَا بَقِيَ، كَزَوْجَةٍ وَابْنٍ، أَوْ ثُمُنٌ وَنِصْفٌ وَمَا بَقِيَ كَزَوْجَةٍ وَبِنْتٍ وَأَخٍ لأَِبٍ وَأُمٍّ. (1)
__________
(1) السراجية ص 197 - 198

الإِْرْثُ بِالرَّدِّ:
63 - مِنْ مَعَانِي الرَّدِّ فِي اللُّغَةِ: الرَّجْعُ. يُقَال: رَجَعْتُ بِمَعْنَى رَدَدْتُ. وَمِنْهُ رَدَدْتُ عَلَيْهِ الْوَدِيعَةَ وَرَدَدْتُهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَارْتَدَّ إِلَيْهِ. (1)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: دَفْعُ مَا فَضَل مِنْ فُرُوضِ ذَوِي الْفُرُوضِ النَّسَبِيَّةِ إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ، عِنْدَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْغَيْرِ (2) . فَالرَّدُّ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ إِذَا ثَبَتَ أَمْرَانِ:

أَوَّلُهُمَا: أَلاَّ تَسْتَغْرِقَ الْفُرُوضُ التَّرِكَةَ؛ إِذْ لَوِ اسْتَغْرَقَتْهَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ حَتَّى يُرَدَّ.

ثَانِيهُمَا: أَلاَّ يُوجَدَ عَاصِبٌ نَسَبِيٌّ أَوْ سَبَبِيٌّ عَلَى الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ. فَلَوْ وُجِدَ عَاصِبٌ نَسَبِيٌّ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، وَهُوَ الأَْبُ أَوِ الْجَدُّ أَخَذَ الْبَاقِيَ تَعْصِيبًا بَعْدَ الْفَرْضِ.
64 - وَالرَّدُّ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ. فَقَدِ انْقَسَمُوا فِيهِ إِلَى فَرِيقَيْنِ، وَتَبِعَ كُل فَرِيقٍ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَالأَْئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ.
65 - فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ، وَتَبِعَهُمْ فِي ذَلِكَ الإِْمَامَانِ: أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ.
فَذَهَبَ الإِْمَامُ عَلِيٌّ إِلَى: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَ ذَوِي الْفُرُوضِ عَصَبَةٌ مِنَ النَّسَبِ، وَلاَ مِنَ السَّبَبِ يُرَدُّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ بِقَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ إِلاَّ الزَّوْجَيْنِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ. وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ أَيْضًا،
__________
(1) المصباح المنير مادة (رد) .
(2) الفناري على السراجية ص 228

وَهُوَ قَوْل جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَاحْتَجَّ عُثْمَانُ لِلرَّدِّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ بِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ، فَكَمَا أَنَّ بِالْعَوْل تَنْقُصُ سِهَامُهُمَا، فَيَجِبُ أَنْ تُزَادَ بِالرَّدِّ.
وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يُرَدُّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ إِلاَّ عَلَى سِتَّةٍ: الزَّوْجَيْنِ، وَابْنَةِ الاِبْنِ مَعَ ابْنَةِ الصُّلْبِ، وَالأُْخْتِ لأَِبٍ مَعَ الأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ، وَأَوْلاَدِ الأُْمِّ مَعَ الأُْمِّ، وَالْجَدَّةِ مَعَ ذِي سَهْمٍ أَيًّا كَانَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى جِهَةَ الرَّدِّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ، وَأَوْلاَدِ الأُْمِّ مَعَ الأُْمِّ، وَالْجَدَّةِ مَعَ ذِي سَهْمٍ فَقَطْ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ إِلاَّ ثَلاَثَةً: الزَّوْجَيْنِ وَالْجَدَّةَ. (1)
وَقَدْ أَجْمَعَ مُتَأَخِّرُو فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُمْ مَنْ بَعْدِ الأَْرْبَعِمِائَةِ، عَلَى أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ، وَيُورَثُ ذَوُو الأَْرْحَامِ إِذَا كَانَ بَيْتُ الْمَال غَيْرَ مُنْتَظِمٍ، وَذَلِكَ بِأَلاَّ يَكُونَ هُنَاكَ إِمَامٌ أَصْلاً، أَوْ وُجِدَ وَفَقَدَ بَعْضَ شُرُوطِهِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا فَقَدَ الإِْمَامُ بَعْضَ الشُّرُوطِ لَكِنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ الْعَدَالَةُ، وَأَوْصَل الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهَا، كَانَ بَيْتُ الْمَال مُنْتَظِمًا.

أَدِلَّةُ الْقَائِلِينَ بِالرَّدِّ:
66 - اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالرَّدِّ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ:

أَوَّلاً: بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُولُوا الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} (2) فَإِنَّ مَعْنَاهَا بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِمِيرَاثِ بَعْضٍ بِسَبَبِ الرَّحِمِ، فَقَدْ دَلَّتْ
__________
(1) السراجية ص 229، والمبسوط 29 / 192 ط دار المعرفة والمغني 6 / 296، وحاشية الشرواني 6 / 12
(2) سورة الأنفال / 75

عَلَى أَنَّ ذَوِي الرَّحِمِ يَسْتَحِقُّونَ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ. وَالْمُتَبَادِرُ مِنَ الْمِيرَاثِ الْمُرَادُ فِي الآْيَةِ مَجْمُوعُهُ. وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ خِلاَفُ الظَّاهِرِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَرِدُ أَنَّ الأَْوْلَوِيَّةَ الْمَفْهُومَةَ مِنَ الآْيَةِ تَحْصُل بِإِعْطَاءِ كُل ذِي فَرْضٍ فَرْضَهُ، لأَِنَّ إِعْطَاءَ الْفَرْضِ حَصَل مِنْ آيَةٍ أُخْرَى هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ، وَحَمْل آيَةِ الأَْنْفَال عَلَى التَّأْسِيسِ وَإِفَادَةُ حُكْمٍ جَدِيدٍ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى تَأْكِيدِ مَا فِي آيَةِ الْفَرْضِ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِمَا فِي الآْيَتَيْنِ، وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ فَلاَ يُرَدُّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ، لاِنْعِدَامِ الرَّحِمِ فِي حَقِّهِمَا.

ثَانِيًا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَل عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ قَال سَعْدٌ: أَمَا إِنَّهُ لاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي، أَفَأُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي؟ إِلَى أَنْ قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الثُّلُثُ خَيْرٌ. وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ. (1) لَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ سَعْدًا اعْتَقَدَ أَنَّ الْبِنْتَ تَرِثُ جَمِيعَ الْمَال، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَنَعَهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ، مَعَ أَنَّهُ لاَ وَارِثَ لَهُ إِلاَّ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْل بِالرَّدِّ؛ إِذْ لَوْ لَمْ تَكُنِ ابْنَتُهُ تَسْتَحِقُّ مَا زَادَ عَلَى فَرْضِهَا - وَهُوَ النِّصْفُ بِطَرِيقِ الرَّدِّ - لَجَوَّزَ لَهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَصِيَّةَ بِالنِّصْفِ.

ثَالِثًا: أَنَّ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَرَّثَ الْمُلاَعَنَةَ لِجَمِيعِ مَال وَلَدِهَا، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ بِطَرِيقِ الرَّدِّ.
وَفِي حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الأَْسْقَعِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَال: تُحْرِزُ الْمَرْأَةُ مِيرَاثَ لَقِيطِهَا وَعَتِيقِهَا
__________
(1) حديث " الثلث خير. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 164، 9 / 497 ط السلفية) ومسلم (3 / 1253 - ط عيسى الحلبي)

وَالاِبْنِ الَّذِي لُوعِنَتْ بِهِ. (1)

رَابِعًا: إِنَّ أَصْحَابَ الْفُرُوضِ قَدْ شَارَكُوا الْمُسْلِمِينَ فِي الإِْسْلاَمِ، وَتَرَجَّحُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِالْقَرَابَةِ، وَمُجَرَّدُ الْقَرَابَةِ فِي أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِلَّةَ الْعُصُوبَةِ لَكِنْ يَثْبُتُ بِهَا التَّرْجِيحُ، بِمَنْزِلَةِ قَرَابَةِ الأُْمِّ فِي حَقِّ الأَْخِ لأَِبٍ وَأُمٍّ، فَإِنَّ قَرَابَةَ الأُْمِّ، وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ بِانْفِرَادِهَا الْعُصُوبَةَ إِلاَّ أَنَّهُ يَحْصُل بِهَا التَّرْجِيحُ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا التَّرْجِيحُ بِالسَّبَبِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الْفَرِيضَةَ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْفَرِيضَةِ، فَيُرَدُّ الْبَاقِي كُلُّهُ عَلَيْهِمْ بِنِسْبَةِ أَنْصِبَائِهِمْ، وَكَمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الأَْقْرَبِ وَالأَْقْوَى فِي أَصْل الْفَرِيضَةِ يَسْقُطُ أَيْضًا فِي اعْتِبَارِ الرَّدِّ. (2)
67 - وَذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُرَدُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، فَإِذَا لَمْ تَسْتَغْرِقِ الْفُرُوضُ التَّرِكَةَ، وَبَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْوَرَثَةِ عَاصِبٌ يَرِثُ الْبَاقِيَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِبَيْتِ الْمَال، لأَِنَّ هَذَا الْفَرِيقَ لاَ يَرَى تَوْرِيثَ ذَوِي الأَْرْحَامِ، وَلاَ الرَّدَّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَبِهِ أَخَذَ عُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَالإِْمَامَانِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَيَّدَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ الدَّفْعَ لِبَيْتِ الْمَال، إِذَا لَمْ يُوجَدْ عَاصِبٌ نَسَبِيٌّ أَوْ سَبَبِيٌّ بِمَا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ عَدْلاً، يَصْرِفُ الْمَال فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ
__________
(1) حديث " تحرز المرأة ميراث لقيطها. . . " ورد بلفظ: " المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عنه ". أخرجه الترمذي (تحفة الأحوذي 6 / 298 - 299 - نشر المكتبة السلفية) وأبو داود (3 / 84 - طبع المطبعة الأنصارية بدهلي) ، والبيهقي (6 / 240 - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي: " هذا غير ثابت ".
(2) شرح السراجية ص 239، 241

يَكُنْ عَدْلاً فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا فَلِبَيْتِ الْمَال. وَهُمْ يَعْتَبِرُونَ بَيْتَ الْمَال عَاصِبًا يَلِي فِي الرُّتْبَةِ الْعَاصِبَ النَّسَبِيَّ وَالسَّبَبِيَّ. (1)
68 - اسْتَدَل الْمَانِعُونَ مِنَ الرَّدِّ:

أَوَّلاً: بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بَيَّنَ فِيهَا نَصِيبَ كُل وَارِثٍ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ.
وَالتَّقْدِيرُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ. لأَِنَّ فِي الزِّيَادَةِ مُجَاوَزَةَ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ قَال اللَّهُ - تَعَالَى - بَعْدَ آيَةِ الْمَوَارِيثِ: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} (2) الآْيَةَ، فَقَدْ أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِمَنْ جَاوَزَ الْحَدَّ الْمَشْرُوعَ.

ثَانِيًا: أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْفُرُوضِ مَالٌ لاَ مُسْتَحِقَّ لَهُ، فَيَكُونُ لِبَيْتِ الْمَال، كَمَا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا أَصْلاً، لأَِنَّ الرَّدَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ الْفَرْضِيَّةِ، أَوِ الْعُصُوبَةِ أَوِ الرَّحِمِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ الْفَرْضِيَّةِ، لأَِنَّ كُل ذِي فَرْضٍ قَدْ أَخَذَ فَرْضَهُ، وَلاَ بِاعْتِبَارِ الْعُصُوبَةِ، لأَِنَّ بِاعْتِبَارِهَا يُقَدَّمُ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ، وَلاَ بِاعْتِبَارِ الرَّحِمِ، لأَِنَّهُ فِي إِرْثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ يُقَدَّمُ الأَْقْرَبُ أَيْضًا. فَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ بَطَل الْقَوْل بِالرَّدِّ. (3)

أَقْسَامُ مَسَائِل الرَّدِّ:
69 - مَسَائِل الرَّدِّ أَقْسَامٌ أَرْبَعَةٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِمَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ مِمَّنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا فَضَل
__________
(1) حاشية الدسوقي 4 / 416
(2) سورة النساء / 14
(3) السراجية ص 239، 240

وَإِمَّا أَكْثَرُ مِنْ صِنْفٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ، أَوْ لاَ يَكُونُ، فَانْحَصَرَتِ الأَْقْسَامُ فِي أَرْبَعَةٍ: (1)
70 - أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ مِمَّنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى الْفُرُوضِ، عِنْدَ عَدَمِ مَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ عَدَدَ رُءُوسِهِمْ، لأَِنَّ جَمِيعَ الْمَال لَهُمْ فَرْضًا وَرَدًّا، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ بِنْتَيْنِ، أَوْ أُخْتَيْنِ، أَوْ جَدَّتَيْنِ فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنِ اثْنَيْنِ، وَتُعْطَى كُل وَاحِدَةٍ نِصْفَ التَّرِكَةِ، لِتَسَاوِيهِمَا فِي الاِسْتِحْقَاقِ.

71 - ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ جِنْسَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ مِمَّنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ دَل الاِسْتِقْرَاءُ عَلَى أَنَّ أَجْنَاسَ مَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ لاَ تَزِيدُ عَنْ ثَلاَثَةٍ، فَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَصْل الْمَسْأَلَةِ مَجْمُوعَ سِهَامِ الْمُجْتَمِعِينَ. فَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ سُدُسَانِ، كَجَدَّةٍ وَأُخْتٍ لأُِمٍّ، فَالْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ مِنْ سِتَّةٍ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَرْضًا، فَيُجْعَل الاِثْنَانِ أَصْل الْمَسْأَلَةِ، وَيُقْسَمُ الْمَال مُنَاصَفَةً بَيْنَ الْجَدَّةِ وَالأُْخْتِ لأُِمٍّ، لِتَسَاوِي نَصِيبِهِمَا.
وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثُلُثٌ وَسُدُسٌ، كَوَلَدَيِ الأُْمِّ مَعَ الأُْمِّ، فَأَصْل الْمَسْأَلَةِ سِتَّةٌ، وَمَجْمُوعُ سِهَامِ الْوَرَثَةِ ثَلاَثَةٌ، فَتُجْعَل أَصْل الْمَسْأَلَةِ، وَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ أَثْلاَثًا، لِوَلَدَيِ الأُْمِّ الثُّلُثَانِ، وَلِلأُْمِّ الثُّلُثُ.

72 - ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِمَّنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ، مَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ كَالزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ، وَحِينَئِذٍ يُعْطَى فَرْضَ مَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَقَل أَصْلٍ لِلْمَسْأَلَةِ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ مَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ، إِنِ اسْتَقَامَ الْبَاقِي عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ،
__________
(1) شرح السراجية 239 - 241

وَذَلِكَ كَزَوْجٍ وَثَلاَثِ بَنَاتٍ، فَإِنَّ أَصْل الْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَرْبَعَةٍ، يُعْطَى الزَّوْجُ وَاحِدًا مِنْهَا، وَالْبَاقِي لِلْبَنَاتِ بِالتَّسَاوِي.
وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمِ الْبَاقِي، فَيَضْرِبُ عَدَدَ رُءُوسِ مَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ إِنْ وَافَقَ رُءُوسَهُمْ ذَلِكَ الْبَاقِي، فَمَا حَصَل تَصِحُّ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ، كَزَوْجٍ وَسِتِّ بَنَاتٍ. فَإِنَّ أَقَل أَصْلٍ لِلْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ، يَبْقَى مِنْهَا ثَلاَثَةٌ بَعْدَ نَصِيبِ الزَّوْجِ، فَلاَ تَنْقَسِمُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْبَنَاتِ السِّتِّ، لَكِنْ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ بِالثُّلُثِ، فَيَضْرِبُ وَفْقَ عَدَدِ الرُّءُوسِ، وَهُوَ اثْنَانِ فِي الأَْرْبَعَةِ، فَيَبْلُغُ ثَمَانِيَةً، لِلزَّوْجِ مِنْهَا اثْنَانِ وَلِلْبَنَاتِ سِتٌّ.
وَإِنْ لَمْ يُوَافِقِ الْبَاقِي عَدَدَ الرُّءُوسِ، فَيَضْرِبُ كُل عَدَدِ رُءُوسِهِمْ فِي أَصْل مَسْأَلَةِ مَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ، فَالْمَبْلَغُ هُوَ الْحَاصِل مِنْ ضَرْبِ وَفْقِ عَدَدِ الرُّءُوسِ فِي ذَلِكَ الأَْصْل عَلَى تَقْدِيرِ التَّوَافُقِ، أَوْ مِنْ ضَرْبِ كُل عَدَدِ الرُّءُوسِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّبَايُنِ، وَذَلِكَ كَزَوْجٍ وَخَمْسِ بَنَاتٍ. فَأَصْل الْمَسْأَلَةِ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، لاِجْتِمَاعِ الرُّبُعِ وَالثُّلُثَيْنِ، لَكِنْ مِثْلُهَا يُرَدُّ إِلَى الأَْرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ أَقَل أَصْل فَرْضِ مَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَعْطَى الزَّوْجَ وَاحِدًا يَبْقَى ثَلاَثَةٌ، فَلاَ تَنْقَسِمُ عَلَى خَمْسِ بَنَاتٍ، فَيَضْرِبُ الأَْصْل أَرْبَعَةً فِي عَدَدِ رُءُوسِ الْبَنَاتِ، فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ عِشْرِينَ، فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ، وَيَضْرِبُ نَصِيبَ الزَّوْجِ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي خَمْسَةٍ، فَيَصِيرُ نَصِيبُهُ خَمْسَةً، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْبَنَاتِ، فَتَأْخُذُ كُل وَاحِدَةٍ ثَلاَثَةً.

73 - رَابِعُهَا: أَنْ يُوجَدَ أَكْثَرُ مِنْ نَوْعٍ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ مِمَّنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَمَعَهُمْ مَنْ لاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَفِي

هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ هُوَ مَخْرَجَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، فَيُعْطَى نَصِيبُهُ مِنْهُ، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ الَّذِينَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِنِسْبَةِ فُرُوضِهِمْ، فَإِذَا احْتَاجَ الأَْمْرُ إِلَى تَصْحِيحِ الْمَسْأَلَةِ صُحِّحَتْ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ. فَإِذَا مَاتَ شَخْصٌ عَنْ زَوْجَةٍ وَأُمٍّ وَأَخَوَيْنِ لأُِمٍّ، فَإِنَّ أَصْل الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةٌ، لِلزَّوْجَةِ مِنْهَا الرُّبُعُ سَهْمٌ، وَلِلأُْمِّ وَالأَْخَوَيْنِ لأُِمٍّ الثَّلاَثَةُ الأَْسْهُمِ الْبَاقِيَةُ. لِلأُْمِّ سَهْمٌ فَرْضًا وَرَدًّا وَلِلأَْخَوَيْنِ لأُِمٍّ سَهْمَانِ فَرْضًا وَرَدًّا.
وَإِذَا مَاتَ شَخْصٌ عَنْ زَوْجَةٍ وَأُمٍّ وَبِنْتَيِ ابْنٍ، فَيَكُونُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ ثَمَانِيَةً، لِلزَّوْجَةِ مِنْهَا سَهْمٌ، وَالْبَاقِي - وَهُوَ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ - يُقْسَمُ عَلَى بِنْتَيِ الاِبْنِ وَالأُْمِّ بِنِسْبَةِ 3: 2 إِلَى 6: 1 أَيْ 4 إِلَى 1 فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ خَمْسَةً، وَالسَّبْعَةُ لاَ تَنْقَسِمُ عَلَى خَمْسَةٍ، فَيُصَحَّحُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ بِضَرْبِ خَمْسَةٍ فِي ثَمَانِيَةٍ فَيَصِيرُ أَرْبَعِينَ، لِلزَّوْجَةِ ثُمُنُهَا خَمْسَةٌ، وَلِلأُْمِّ سَبْعَةٌ، وَلِبِنْتَيِ الاِبْنِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ. (1)
مِيرَاثُ ذَوِي الأَْرْحَامِ:
74 - الرَّحِمُ لُغَةً: بَيْتُ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَاؤُهُ، وَالْقَرَابَةُ، أَوْ أَصْلُهَا وَأَسْبَابُهَا، وَجَمْعُهُ أَرْحَامٌ، (2) وَشَرْعًا: كُل قَرِيبٍ.
وَفِي عُرْفِ الْفَرْضِيِّينَ: كُل قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ مُقَدَّرٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إِجْمَاعِ الأُْمَّةِ، وَلاَ عَصَبَةَ تُحْرِزُ الْمَال عِنْدَ الاِنْفِرَادِ (3) .
__________
(1) السراجية ص 241 - 248
(2) القاموس
(3) السراجية ص 265، والعذب الفائض 2 / 15

75 - وَفِي تَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِتَوْرِيثِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ.
فَمِمَّنْ قَال بِتَوْرِيثِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو عُبَيْدَة بْنُ الْجَرَّاحِ، وَمِنَ التَّابِعِينَ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ.
وَمِمَّنْ قَال بِعَدَمِ تَوْرِيثِهِمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ. وَلَكِنْ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. فَإِنَّهُ حُكِيَ أَنَّ الْمُعْتَضِدَ سَأَل أَبَا حَازِمٍ الْقَاضِيَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَال أَبُو حَازِمٍ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ بِمُقَابَلَةِ إِجْمَاعِهِمْ.
وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَمِمَّنْ قَال بِتَوْرِيثِهِمْ: الْحَنَفِيَّةُ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ، وَمُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَعِيسَى بْنُ أَبَانَ، وَأَهْل التَّنْزِيل رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَمِمَّنْ قَال بِأَنَّهُمْ لاَ يَرِثُونَ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمُتَقَدِّمُو الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.

أَدِلَّةُ الْمَانِعِينَ:
76 - اسْتَدَل مَنْ لاَ يَقُول بِتَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ بِمَا يَلِي:

أَوَّلاً: أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - نَصَّ فِي آيَاتِ الْمَوَارِيثِ عَلَى بَيَانِ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ وَالْعَصَبَاتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَوِي الأَْرْحَامِ شَيْئًا، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًا} (1)
__________
(1) سورة مريم / 64

وَأَدْنَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ تَوْرِيثُ ذَوِي الأَْرْحَامِ زِيَادَةً عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَذَلِكَ لاَ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوِ الْقِيَاسِ.

ثَانِيًا: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ فَقَال: نَزَل جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَخْبَرَنِي إِلاَّ مِيرَاثَ لِلْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ. (1)
أَدِلَّةُ الْقَائِلِينَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ:
77 - وَاسْتَدَل مَنْ قَال بِتَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ بِمَا يَأْتِي:

أَوَّلاً: بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُولُوا الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} (2)
إِذْ مَعْنَى الآْيَةِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَقَدْ أَثْبَتَتِ اسْتِحْقَاقَ ذَوِي الأَْرْحَامِ بِوَصْفٍ عَامٍّ، هُوَ وَصْفُ الرَّحِمِ، فَإِذَا انْعَدَمَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَصْحَابَ فُرُوضٍ أَوْ عَصَبَاتٍ، اسْتَحَقُّوا بِالْوَصْفِ الْعَامِّ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ ذَوِي رَحِمٍ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ الاِسْتِحْقَاقِ بِالْوَصْفِ الْعَامِّ وَالاِسْتِحْقَاقِ بِالْوَصْفِ الْخَاصِّ، فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى كِتَابِ اللَّهِ.

ثَانِيًا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لاَ مَوْلَى لَهُ، وَالْخَال وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ. (3) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ الْخَال وَارِثُ مَنْ لاَ
__________
(1) حديث " نزل جبريل عليه السلام وأخبرني. . . " أخرجه الدارقطني (4 / 80 - ط دار المحاسن بالقاهرة) والحاكم (4 / 343 - ط دائرة المعارف العثمانية) وذكره ابن حجر في التلخيص (3 / 81 ط شركة الطباعة الفنية بالقاهرة) وضعف طرقه.
(2) سورة الأنفال / 75
(3) حديث " الله ورسوله مولى. . . " أخرجه الترمذي (6 / 281 - نشر المكتبة السلفية) وابن ماجه (2 / 914 - ط عيسى الحلبي) وابن حبان (رقم 1227 من زوائده - ط السلفية)

وَارِثَ لَهُ، يَرِثُهُ وَيَعْقِل عَنْهُ (1)
وَذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ ذَوِي الأَْرْحَامِ يَرِثُونَ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَصْحَابُ فُرُوضٍ، وَلاَ عَصَبَةٌ، وَلَمْ يَكُنِ الإِْمَامُ عَدْلاً. (2)
وَأَجْمَعَ مُتَأَخِّرُو الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَيْتُ الْمَال غَيْرَ مُنْتَظِمٍ فَإِنَّ ذَوِي الأَْرْحَامِ يَرِثُونَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَصْحَابُ فُرُوضٍ أَوْ عَصَبَةٍ. وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ انْتِظَامِهِ أَلاَّ يَصْرِفَ الإِْمَامُ التَّرِكَةَ فِي مَصَارِفِهَا الشَّرْعِيَّةِ.
78 - وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، يُقَدِّمُونَ الرَّدَّ فِي حَال وُجُودِ أَصْحَابِ فُرُوضٍ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا التَّرِكَةَ عَلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا، وَرِثَ ذَوُو الأَْرْحَامِ بِالْقَيْدِ السَّابِقِ. (3)
وَمَنِ انْفَرَدَ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ أَخَذَ جَمِيعَ التَّرِكَةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، أَمَّا إِذَا تَعَدَّدُوا، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
1 - مَذْهَبُ أَهْل الْقَرَابَةِ.
2 - مَذْهَبُ أَهْل الرَّحِمِ.
3 - مَذْهَبُ أَهْل التَّنْزِيل.
79 - وَأَهْل الْقَرَابَةِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ قُوَّةَ الْقَرَابَةِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، فَيُقَدِّمُونَ الأَْقْرَبَ فَالأَْقْرَبَ كَمَا هُوَ الْحَال فِي إِرْثِ الْعَصَبَاتِ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي تَسْمِيَتِهِمْ بِأَهْل الْقَرَابَةِ.
فَكَمَا أَنَّ لِلْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ جِهَاتٍ أَرْبَعًا،
__________
(1) حديث " الخال وارث. . . " أخرجه أبو داود (3 / 82 - طبع المطبعة الأنصارية بدهلي) وابن حبان (رقم 1225، 1226 من زوائده - ط المطبعة السلفية) وأحمد (4 / 131 - ط الميمنية)
(2) الشرح الكبير 4 / 416
(3) حاشية البقري على الرحبية ص 11

فَكَذَلِكَ ذَوُو الأَْرْحَامِ، لأَِنَّ الْقَرِيبَ الَّذِي لَيْسَ صَاحِبَ فَرْضٍ وَلاَ عَاصِبًا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ فُرُوعِ الْمَيِّتِ، أَوْ مِنْ أُصُولِهِ، أَوْ مِنْ فُرُوعِ أَبَوَيْهِ، أَوْ مِنْ فُرُوعِ أَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ.
وَتَقْدِيمُ الأَْقْرَبِ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَطَعَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي.
80 - وَذَوُو الأَْرْحَامِ عِنْدَهُمْ أَصْنَافٌ أَرْبَعَةٌ:
الصِّنْفُ الأَْوَّل: مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْمَيِّتِ، وَهُمْ أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ وَإِنْ نَزَلُوا، وَأَوْلاَدُ بَنَاتِ الاِبْنِ كَذَلِكَ.
الصِّنْفُ الثَّانِي: مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمُ الْمَيِّتُ، وَهُمُ الأَْجْدَادُ الرَّحِمِيُّونَ وَإِنْ عَلَوْا، كَأَبِي أُمِّ الْمَيِّتِ وَأَبِي أَبِي أُمِّهِ، وَالْجَدَّاتِ الرَّحِمِيَّاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ، كَأُمِّ أَبِي أُمِّ الْمَيِّتِ، وَأُمِّ أُمِّ أَبِي أُمِّهِ.
الصِّنْفُ الثَّالِثُ: مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى أَبَوَيِ الْمَيِّتِ أَوْ أَحَدِهِمْ. وَهُمْ أَوْلاَدُ الأَْخَوَاتِ وَإِنْ نَزَلُوا، سَوَاءٌ أَكَانُوا ذُكُورًا أَمْ إِنَاثًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الأَْخَوَاتُ لأَِبٍ وَأُمٍّ، أَمْ لأَِبٍ، أَمْ لأُِمٍّ، وَبَنَاتِ الإِْخْوَةِ وَإِنْ نَزَلُوا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الأُْخُوَّةُ مِنَ الأَْبَوَيْنِ، أَمْ مِنَ الأَْبِ، أَمْ مِنَ الأُْمِّ، وَبَنُو الإِْخْوَةِ لأُِمٍّ وَإِنْ نَزَلُوا.
الصِّنْفُ الرَّابِعُ: مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى جَدَّيِ الْمَيِّتِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، وَهُمَا أَيْ جَدَّا الْمَيِّتِ أَبُو الأَْبِ، وَأَبُو الأُْمِّ، أَوْ يَنْتَسِبُ إِلَى جَدَّتَيْهِ أَوْ إِحْدَاهُمَا، وَهُمَا أُمُّ الأَْبِ، وَأُمُّ الأُْمِّ، وَيَشْمَل ذَلِكَ الْعَمَّاتِ عَلَى الإِْطْلاَقِ، وَالأَْعْمَامَ لأُِمٍّ، وَبَنَاتِ الأَْعْمَامِ وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ وَإِنْ تَبَاعَدَ هَؤُلاَءِ، وَأَوْلاَدُهُمْ وَإِنْ نَزَلُوا.

كَيْفِيَّةُ التَّوْرِيثِ بَيْنَ الأَْصْنَافِ:
81 - اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ هَذِهِ الأَْصْنَافِ عَلَى بَعْضٍ. فَرَوَى أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ أَقْرَب الأَْصْنَافِ إِلَى الْمَيِّتِ وَأَوْلاَهُمْ بِالتَّقْدِيمِ فِي الْوِرَاثَةِ عَنْهُ هُوَ الصِّنْفُ الثَّانِي، وَهُمُ الرَّحِمِيُّونَ مِنَ الأَْجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا، ثُمَّ الصِّنْفُ الأَْوَّل وَإِنْ نَزَلُوا، ثُمَّ الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَإِنْ نَزَلُوا، ثُمَّ الصِّنْفُ الرَّابِعُ وَإِنْ بَعُدُوا بِالْعُلُوِّ وَالنُّزُول. وَتَابَعَهُ فِي ذَلِكَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ أَقْرَبَ الأَْصْنَافِ وَأَوْلاَهُمْ بِالتَّقْدِيمِ إِلَى الْمَيِّتِ فِي الْمِيرَاثِ الصِّنْفُ الأَْوَّل، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ، ثُمَّ الرَّابِعُ، كَتَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ، إِذْ يُقَدَّمُ مِنْهُمُ الاِبْنُ، ثُمَّ الأَْبُ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ الإِْخْوَةُ ثُمَّ الأَْعْمَامُ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ لِلْفَتْوَى.
وَوَفَّقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ مَا رَوَاهُ أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ الأَْوَّل، وَمَا رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ هُوَ قَوْلُهُ الثَّانِي.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الصِّنْفَ الثَّالِثَ، وَهُمْ أَوْلاَدُ الأَْخَوَاتِ، وَبَنَاتُ الإِْخْوَةِ، وَبَنُو الإِْخْوَةِ لأُِمٍّ، مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَدِّ أَبِي الأُْمِّ، وَإِنْ كَانَ قِيَاسُ مَذْهَبِهِمَا فِي الْجَدِّ أَبِي الأَْبِ - وَهُوَ مُقَاسَمَةُ الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ مَا دَامَتِ الْقِسْمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنْ ثُلُثِ جَمِيعِ الْمَال - يَقْتَضِي ألاَّ يُقَدَّمَ الصِّنْفُ الثَّالِثُ عَلَى الْجَدِّ أَبِي الأُْمِّ.
وَتَوْجِيهُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الأُْولَى جَرَى فِيهَا عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِهِ فِي الْعَصَبَاتِ، حَيْثُ

قَدَّمَ هَا هُنَا الْجَدَّ أَبَا الأُْمِّ الَّذِي هُوَ فِي دَرَجَةِ الْجَدِّ أَبِي الأَْبِ عَلَى أَوْلاَدِ أَبِي الْمَيِّتِ، فَلاَ يَرِثُونَ مَعَهُ، أَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ تَقْدِيمُهُ أَوْلاَدَ الْمَيِّتِ فِي ذَوِي الأَْرْحَامِ عَلَى الْجَدِّ أَبِي الأُْمِّ فَهِيَ جَارِيَةٌ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْعَصَبَاتِ، حَيْثُ كَانَ فِيهَا ابْنُ الاِبْنِ مُقَدَّمًا عَلَى الْجَدِّ أَبِي الأَْبِ.

كَيْفِيَّةُ تَوْرِيثِ كُل صِنْفٍ:
82 - الصِّنْفُ الأَْوَّل: وَهُوَ أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ وَأَوْلاَدُ بَنَاتِ الاِبْنِ، أَوْلاَهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْمَيِّتِ، كَبِنْتِ الْبِنْتِ، فَإِنَّهَا أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ بِنْتِ بِنْتِ الاِبْنِ، لأَِنَّ بِنْتَ الْبِنْتِ تُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالثَّانِيَةُ بِوَاسِطَتَيْنِ.
وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الدَّرَجَةِ، بِأَنْ يُدْلُوا كُلُّهُمْ إِلَى الْمَيِّتِ بِدَرَجَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ، فَحِينَئِذٍ يُقَدَّمُ وَلَدُ الْوَارِثِ عَلَى وَلَدِ ذِي الرَّحِمِ، كَبِنْتِ بِنْتِ الاِبْنِ، فَإِنَّهَا أَوْلَى مِنِ ابْنِ بِنْتِ الْبِنْتِ، لأَِنَّ الأُْولَى وَلَدُ بِنْتِ الاِبْنِ، وَهِيَ صَاحِبَةُ فَرْضٍ، وَالثَّانِيَةُ ذَاتُ رَحِمٍ، وَسَبَبُ هَذِهِ الأَْوْلَوِيَّةِ أَنَّ وَلَدَ الْوَارِثِ أَقْرَبُ حُكْمًا، وَالتَّرْجِيحُ يَكُونُ بِالْقُرْبِ الْحَقِيقِيِّ إِنْ وُجِدَ، وَإِلاَّ فَبِالْقُرْبِ الْحُكْمِيِّ.
83 - وَإِنِ اسْتَوَتْ دَرَجَاتُهُمْ فِي الْقُرْبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وَلَدٌ وَارِثٌ كَبِنْتِ ابْنِ الْبِنْتِ، وَابْنِ بِنْتِ الْبِنْتِ، أَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ يُدْلُونَ بِوَارِثٍ، كَابْنِ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الْبِنْتِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ يُعْتَبَرُ أَشْخَاصُ الْفُرُوعِ الْمُتَسَاوِيَةِ الدَّرَجَاتِ، وَيُقْسَمُ الْمَال عَلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ حَال ذُكُورَتِهِمْ وَأُنُوثَتِهِمْ، سَوَاءٌ أَكَانَ أُصُولُهُمْ مُتَّفِقِينَ فِي الذُّكُورَةِ أَوِ الأُْنُوثَةِ أَمْ لاَ. فَإِنْ كَانَتِ الْفُرُوعُ ذُكُورًا فَقَطْ، أَوْ

إِنَاثًا فَقَطْ تَسَاوَوْا فِي الْقِسْمَةِ. وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَلِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ. وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ حَال أُصُولِهِمْ مِنَ الذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيَعْتَبِرُ مُحَمَّدٌ أَشْخَاصَ الْفُرُوعِ إِنِ اتَّفَقَتْ صِفَةُ الأُْصُول فِي الذُّكُورَةِ أَوِ الأُْنُوثَةِ، وَيَعْتَبِرُ الأُْصُول إِنِ اخْتَلَفَتْ صِفَاتُهُمْ، وَيُعْطِي الْفُرُوعَ مِيرَاثَ الأُْصُول. وَهُوَ الْقَوْل الأَْوَّل لأَِبِي يُوسُفَ وَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَجِهَةُ قَوْل أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْفُرُوعِ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَعْنًى فِيهِمْ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ، لاَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِمْ، فَقَدِ اتَّحَدَتِ الْجِهَةُ، وَهِيَ الْوِلاَدَةُ، فَيَتَسَاوَى الاِسْتِحْقَاقُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الصِّفَةُ فِي الأُْصُول. وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّ صِفَةَ الْكُفْرِ أَوِ الرِّقِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْمُدْلَى بِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُعْتَبَرُ صِفَةُ الْمُدْلِي، فَكَذَا تُعْتَبَرُ فِيهِ صِفَةُ الذُّكُورَةِ أَوِ الأُْنُوثَةِ فَقَطْ.
وَوَجْهُ قَوْل مُحَمَّدٍ: أَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ تَرَكَ عَمَّةً وَخَالَةً، فَإِنَّ لِلْعَمَّةِ الثُّلُثَيْنِ، وَلِلْخَالَةِ الثُّلُثَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ كَانَتِ الْعِبْرَةُ بِأَشْخَاصِ الْفُرُوعِ لَكَانَ الْمَال بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ صِفَةَ الأَْصْل الْمُدْلَى بِهِ، وَهُوَ الأَْبُ فِي الْعَمَّةِ، وَالأُْمُّ فِي الْخَالَةِ.
84 - وَلَوْ تَرَكَ بِنْتَ ابْنِ بِنْتٍ، وَابْنَ بِنْتِ بِنْتٍ فَالْمَال عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ أَثْلاَثًا: ثُلُثَاهُ لاِبْنِ بِنْتِ الْبِنْتِ، لِكَوْنِهِ ذَكَرًا، وَثُلُثُهُ لِلْبِنْتِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَكُونُ الْمَال بَيْنَ الأُْصُول (الْبَطْنُ الثَّانِي) ، وَهُوَ أَوَّل مَا وَقَعَ فِيهِ الاِخْتِلاَفُ بِالذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ، وَهُوَ بِنْتُ الْبِنْتِ وَابْنُ الْبِنْتِ أَثْلاَثًا:

لِبِنْتِ ابْنِ الْبِنْتِ ثُلُثَاهُ، لأَِنَّهُ نَصِيبُ أَبِيهَا، وَثُلُثُهُ لاِبْنِ بِنْتِ الْبِنْتِ، لأَِنَّهُ نَصِيبُ أُمِّهِ. وَكَمَا اُعْتُبِرَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ حَال الأُْصُول فِي الْبَطْنِ الثَّانِي، فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ عِنْدَهُ حَال الأُْصُول الْمُتَعَدِّدَةِ، إِذَا كَانَ فِي أَوْلاَدِ الْبَنَاتِ الْمُتَسَاوِيَةِ فِي الدَّرَجَةِ بُطُونٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَحِينَئِذٍ يُقْسَمُ الْمَال عَلَى أَوَّل بَطْنٍ اخْتَلَفَ فِي الأُْصُول بِالذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ: لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَل الذُّكُورَ مِنْ أَوَّل بَطْنٍ اخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى حِدَةٍ، وَالإِْنَاثَ أَيْضًا طَائِفَةً أُخْرَى عَلَى حِدَةٍ، بَعْدَ الْقِسْمَةِ عَلَى الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ، فَمَا أَصَابَ الذُّكُورَ مِنْ أَوَّل بَطْنٍ وَقَعَ فِيهِ الاِخْتِلاَفُ يَجْمَعُ وَيُعْطِي فُرُوعَهُمْ بِحَسَبِ صِفَاتِهِمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فُرُوعِهِمْ مِنَ الأُْصُول اخْتِلاَفٌ فِي الذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ، بِأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا ذُكُورًا فَقَطْ أَوْ إِنَاثًا فَقَطْ.
85 - وَإِنْ كَانَ مَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا فِيهِ اخْتِلاَفٌ، بِأَنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا يَجْمَعُ مَا أَصَابَ الذُّكُورَ وَيُقْسَمُ عَلَى أَعْلَى أَوَّل دَرَجَةٍ اُخْتُلِفَ فِيهَا ذُكُورَةً وَأُنُوثَةً فِي أَوْلاَدِهِمْ، وَيَجْعَل الذُّكُورَ طَائِفَةً وَالإِْنَاثَ طَائِفَةً أُخْرَى حَسْبَمَا سَبَقَ، وَكَذَلِكَ مَا أَصَابَ الإِْنَاثَ يُعْطِي فُرُوعَهُنَّ، إِنْ لَمْ تَخْتَلِفِ الأُْصُول الَّتِي بَيْنَهُمَا، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ يَجْمَعُ مَا أَصَابَهُنَّ وَيُقْسَمُ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ وَهَكَذَا يَكُونُ الْحَال.
هَذَا وَإِنَّ مَشَايِخَ بُخَارَى أَخَذُوا بِقَوْل أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسَائِل ذَوِي الأَْرْحَامِ لأَِنَّهُ أَيْسَرُ. (1)
__________
(1) السراجية ص 274 - 282

الصِّنْفُ الثَّانِي:
86 - وَهُمُ الرَّحِمِيُّونَ مِنَ الأَْجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، وَالْحُكْمُ فِي تَوْرِيثِهِمْ أَنَّ أَوْلاَهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ، مِنْ جِهَةِ الأَْبِ أَوِ الأُْمِّ، فَأَبُو الأُْمِّ أَوْلَى مِنْ أَبِي أُمِّ الأُْمِّ.
وَعِنْدَ الاِسْتِوَاءِ فِي دَرَجَاتِ الْقُرْبِ يُقَدَّمُ مَنْ يُدْلِي بِوَارِثٍ عَلَى مَنْ لاَ يُدْلِي بِوَارِثٍ عِنْدَ أَبِي سَهْلٍ الْفَرْضِيِّ وَأَبِي فَضْلٍ الْخِفَافِ وَعَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْبَصْرِيِّ؛ إِذْ عِنْدَهُمْ يَكُونُ أَبُو أُمِّ الأُْمِّ أَوْلَى مِنْ أَبِي أَبِي الأُْمِّ، لأَِنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الدَّرَجَةِ، لَكِنَّ أَبَا أُمِّ الأُْمِّ يُدْلِي بِوَارِثٍ، وَهِيَ الْجَدَّةُ الصَّحِيحَةُ (أُمُّ الأُْمِّ) وَالثَّانِي يُدْلِي بِغَيْرِ وَارِثٍ، وَهُوَ الْجَدُّ الرَّحِمِيُّ أَبُو الأُْمِّ، وَهُوَ لاَ يَرِثُ مَعَ الأُْمِّ.
وَعِنْدَ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الْبُسْتِيِّ لاَ تَفْضِيل لِمَنْ يُدْلِي بِوَارِثٍ عَلَى مَنْ لاَ يُدْلِي بِوَارِثٍ، وَيُقْسَمُ الْمَال فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَثْلاَثًا: ثُلُثَاهُ لأَِبِي أَبِي الأُْمِّ، وَثُلُثُهُ لأَِبِي أُمِّ الأُْمِّ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ فِي هَؤُلاَءِ بِالإِْدْلاَءِ بِوَارِثٍ يُؤَدِّي إِلَى جَعْل الأَْصْل - وَهُوَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ - تَابِعًا لِلْفَرْعِ، وَهُوَ خِلاَفُ الْمَعْقُول.
87 - وَإِنِ اسْتَوَتْ دَرَجَاتُهُمْ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَعَ ذَلِكَ مَنْ يُدْلِي بِوَارِثٍ كَأَبِي أَبِي أُمِّ الأَْبِ، وَأُمِّ أَبِي أُمِّ الأَْبِ، أَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ يُدْلُونَ بِوَارِثٍ، كَأَبِي أُمِّ أَبِي أَبِي الأَْبِ، وَأَبِي أُمِّ أُمِّ أُمِّ الأَْبِ، وَاتَّفَقَتْ صِفَةُ مَنْ يُدْلُونَ بِهِمْ فِي الذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ، فَإِنَّ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُتَّحِدَانِ فِيمَنْ يُدْلِيَانِ بِهِ، فَلاَ يُتَصَوَّرُ اخْتِلاَفٌ فِي صِفَةِ الْمُدْلَى بِهِ، فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ حِينَئِذٍ عَلَى أَشْخَاصِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، فَيَكُونُ لأَِبِي أَبِي أُمِّ

الأَْبِ الثُّلُثَانِ، وَلأَِبِي أَبِي أُمِّ الأَْبِ الثُّلُثُ.
وَإِنِ اسْتَوَتِ الدَّرَجَةُ وَاخْتَلَفَتْ صِفَةُ مَنْ يُدْلُونَ بِهِمْ فِي الذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ، كَأَبِي أُمِّ أَبِي أَبِي الأَْبِ وَأَبِي أُمِّ أُمِّ أُمِّ الأَْبِ، يُقْسَمُ الْمَال عَلَى أَوَّل بَطْنٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ، كَمَا فِي الصِّنْفِ الأَْوَّل، فَيَجْعَل لِلذَّكَرِ مِثْل ضِعْفِ نَصِيبِ الأُْنْثَى، وَيَتْبَعُ مَا اتُّبَعَ فِي تَوْرِيثِ الصِّنْفِ الأَْوَّل بَعْدَ الاِخْتِلاَفِ.
88 - وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قَرَابَتُهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ دَرَجَاتِهِمْ، كَمَا إِذَا تَرَكَ أُمَّ أَبِي أُمِّ أَبِي الأَْبِ، وَأُمَّ أَبِي أَبِي أَبِي الأُْمِّ، فَالثُّلُثَانِ لِقَرَابَةِ الأَْبِ وَهُوَ نَصِيبُ الأَْبِ، وَالثُّلُثُ لِقَرَابَةِ الأُْمِّ، لأَِنَّ الَّذِينَ يُدْلُونَ بِالأَْبِ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، وَالَّذِينَ يُدْلُونَ بِالأُْمِّ يَقُومُونَ مَقَامَهَا، فَيَجْعَل الْمَال أَثْلاَثًا، كَأَنَّهُ تَرَكَ أَبًا وَأُمًّا. ثُمَّ مَا أَصَابَ كُل فَرِيقٍ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ، كَمَا لَوِ اتَّحَدَتْ قَرَابَتُهُمْ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يُقْسَمُ الثُّلُثَانِ عَلَى قَرَابَةِ الأَْبِ، وَالثُّلُثُ عَلَى قَرَابَةِ الأُْمِّ. وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ اسْتِوَاءٌ فِي الدَّرَجَةِ أَوْ لاَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِوَاءٌ فَالأَْقْرَبُ هُوَ الأَْوْلَى بِالْمِيرَاثِ، وَإِنْ وُجِدَ اسْتِوَاءٌ فِي الدَّرَجَةِ فَإِمَّا أَنْ تَتَّحِدَ الْقَرَابَةُ أَوْ تَخْتَلِفَ، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ يُقْسَمُ الْمَال أَثْلاَثًا. وَإِنِ اتَّحَدَتْ: فَإِنِ اتَّفَقَتْ صِفَةُ الأُْصُول فَالْقِسْمَةُ عَلَى أَشْخَاصِ الْفُرُوعِ. وَإِنْ لَمْ تَتَّفِقْ يُقْسَمُ الْمَال عَلَى الْخِلاَفِ كَمَا فِي الصِّنْفِ الأَْوَّل.

الصِّنْفُ الثَّالِثُ:
89 - وَهُمْ أَوْلاَدُ الأَْخَوَاتِ، وَبَنَاتُ الإِْخْوَةِ مُطْلَقًا، وَبَنُو الإِْخْوَةِ لأُِمٍّ.
وَالْحُكْمُ فِيهِمْ أَنَّ أَوْلاَهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَقْرَبُهُمْ دَرَجَةً إِلَى الْمَيِّتِ، فَبِنْتُ الأُْخْتِ أَوْلَى مِنِ ابْنِ بِنْتِ

الأَْخِ، لِقُرْبِهَا، وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي دَرَجَةِ الْقُرْبِ فَوَلَدُ الْعَصَبَةِ أَوْلَى مِنْ وَلَدِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، كَبِنْتِ ابْنِ الأَْخِ، وَابْنِ بِنْتِ الأُْخْتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ كِلاَهُمَا لأَِبٍ وَأُمٍّ، أَمْ لأَِبٍ، أَمْ مُخْتَلِفَيْنِ، فَالْمَال كُلُّهُ لِبِنْتِ ابْنِ الأَْخِ، لأَِنَّهَا وَلَدُ الْعَصَبَةِ. وَإِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِنْتَ ابْنِ الأَْخِ، وَابْنَ الأَْخِ لأُِمٍّ، كَانَ الْمَال بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِاعْتِبَارِ الأَْشْخَاصِ. لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْمَوَارِيثِ تَفْضِيل الذَّكَرِ عَلَى الأُْنْثَى، وَإِنَّمَا تُرِكَ هَذَا الأَْصْل فِي أَوْلاَدِ الأُْمِّ بِالنَّصِّ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} (1) وَمَا كَانَ مَخْصُوصًا عَنِ الْقِيَاسِ لاَ يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ. وَلَيْسَ أَوْلاَدُ هَؤُلاَءِ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ كُل وَجْهٍ، إِذْ لاَ يَرِثُونَ بِالْفَرْضِيَّةِ شَيْئًا، فَيَجْرِي فِيهِمْ ذَلِكَ الأَْصْل وَهُوَ أَنَّ لِلذَّكَرِ ضِعْفَ الأُْنْثَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَوْرِيثَ ذَوِي الأَْرْحَامِ بِمَعْنَى الْعُصُوبَةِ، فَيَفْضُل فِيهِ الذَّكَرُ عَلَى الأُْنْثَى، كَمَا فِي حَقِيقَةِ الْعُصُوبَةِ.
وَعِنْدَ الإِْمَامِ مُحَمَّدٍ: الْمَال بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً بِاعْتِبَارِ الأُْصُول، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمَا لِلْمِيرَاثِ بِقَرَابَةِ الأُْمِّ، وَبِهَذَا الاِعْتِبَارِ لاَ تَفْضِيل لِلذَّكَرِ عَلَى الأُْنْثَى أَصْلاً، بَل رُبَّمَا تَفْضُل الأُْنْثَى عَلَيْهِ، فَإِنَّ أُمَّ الأُْمِّ صَاحِبَةُ فَرْضٍ بِخِلاَفِ أَبِي الأُْمِّ، فَإِنْ لَمْ تَفْضُل الأُْنْثَى هُنَا فَلاَ أَقَل مِنَ التَّسَاوِي.
90 - وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ وَلَدَ الْعَصَبَةِ، وَبَعْضُهُمْ وَلَدُ ذَوِي الأَْرْحَامِ، كَأَنْ يَكُونَ الْكُل أَوْلاَدَ الْعَصَبَةِ، كَبِنْتِ أَخٍ شَقِيقٍ، وَبِنْتِ أَخٍ
__________
(1) سورة النساء / 12

لأَِبٍ، أَوْ يَكُونَ الْكُل أَوْلاَدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، كَثَلاَثَةِ أَوْلاَدِ ثَلاَثِ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، أَوْ يَكُونَ الْكُل أَوْلاَدَ ذِي الرَّحِمِ كَبِنْتِ بِنْتِ أَخٍ، وَابْنِ بِنْتِ أَخٍ آخَرَ، أَوْ يَكُونَ الْبَعْضُ وَلَدَ الْعَصَبَةِ، وَالْبَعْضُ الآْخَرُ وَلَدَ صَاحِبِ الْفَرْضِ، كَثَلاَثِ بَنَاتِ ثَلاَثَةِ إِخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ، فَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَعْتَبِرُ الأَْقْوَى فِي الْقَرَابَةِ، فَعِنْدَهُ يَجْعَل الْمَال أَوَّلاً لأَِوْلاَدِ بَنِي الأَْعْيَانِ، ثُمَّ لأَِوْلاَدِ بَنِي الْعَلاَّتِ إِنْ لَمْ يُوجَدْ أَوْلاَدُ بَنِي الأَْعْيَانِ، ثُمَّ لأَِوْلاَدِ بَنِي الأَْخْيَافِ إِنْ لَمْ يُوجَدْ أَوْلاَدُ بَنِي الْعَلاَّتِ، لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ.
91 - وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الأَْقْوَى بِأَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الْقُوَّةِ، يُقْسَمُ الْمَال بَيْنَ أَبْدَانِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُقْسَمُ الْمَال عَلَى الإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ، كَمَا لَوْ كَانُوا هُمُ الْوَرَثَةَ دُونَ فُرُوعِهِمْ، مَعَ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْفُرُوعِ وَالْجِهَاتِ فِي الأُْصُول، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْل الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُقْسَمُ مَا أَصَابَ كُل فَرِيقٍ مِنْ تِلْكَ الأُْصُول بَيْنَ فُرُوعِهِمْ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الصِّنْفِ الأَْوَّل، مِثَال ذَلِكَ: لَوْ تَرَكَ ثَلاَثَ بَنَاتِ إِخْوَةٍ مُتَفَرِّقِينَ وَثَلاَثَ بَنِينَ وَثَلاَثَ بَنَاتٍ مِنْ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ بِهَذِهِ الصُّورَةِ:

مَيِّتٌ

1 - بِنْتُ أَخٍ لأَِبَوَيْنِ
2 - ابْنٌ وَبِنْتُ أُخْتٍ لأَِبَوَيْنِ
3 - بِنْتُ أَخٍ لأَِبٍ
4 - ابْنٌ وَبِنْتُ أُخْتٍ لأَِبٍ
5 - بِنْتُ أَخٍ لأُِمٍّ
6 - ابْنٌ وَبِنْتُ أُخْتٍ لأُِمٍّ
عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُقْسَمُ كُل الْمَال بَيْنَ فُرُوعِ بَنِي الأَْعْيَانِ، ثُمَّ بَيْنَ فُرُوعِ بَنِي

الْعَلاَّتِ، ثُمَّ بَيْنَ فُرُوعِ بَنِي الأَْخْيَافِ، لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ أَرْبَاعًا، بِاعْتِبَارِ أَبْدَانِ الْفُرُوعِ وَصِفَاتِهِمْ، فَيُعْطِي بِنْتَ الأَْخِ لأَِبَوَيْنِ النِّصْفَ، وَبِنْتَ الأُْخْتِ لأَِبَوَيْنِ الرُّبُعَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فُرُوعُ بَنِي الأَْعْيَانِ، يُقْسَمُ عَلَى فُرُوعِ بَنِي الْعَلاَّتِ. (1) أَرْبَاعًا أَيْضًا بِاعْتِبَارِ أَبْدَانِهِمْ، لاِبْنِ الأُْخْتِ مِنَ الأَْبِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الأَْخِ مِنَ الأَْبِ الرُّبُعُ، وَلِبِنْتِ الأُْخْتِ مِنَ الأَْبِ الرُّبُعُ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فُرُوعُ بَنِي الْعَلاَّتِ يُقْسَمُ الْمَال عَلَى فُرُوعِ بَنِي الأَْخْيَافِ أَرْبَاعًا أَيْضًا بِاعْتِبَارِ الأَْبْدَانِ، وَقَدَّمَ أَوْلاَدَ بَنِي الْعَلاَّتِ عَلَى أَوْلاَدِ بَنِي الأَْخْيَافِ، لأَِنَّ قَرَابَةَ الأَْبِ أَقْوَى مِنْ قَرَابَةِ الأُْمِّ، فَأَصْل الْمَسْأَلَةِ عَلَى رَأْيِهِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَمِنْهَا تَصِحُّ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُقْسَمُ ثُلُثُ الْمَال بَيْنَ فُرُوعِ بَنِي الأَْخْيَافِ عَلَى السَّوِيَّةِ أَثْلاَثًا، لاِسْتِوَاءِ أُصُولِهِمْ فِي الْقِسْمَةِ، فَإِذَا اُعْتُبِرَ عَدَدُ الْفُرُوعِ فِي الأُْخْتِ، صَارَتْ كَأَنَّهَا أُخْتَانِ لأُِمٍّ، فَتَأْخُذُ هِيَ ثُلُثَيِ الْمَال وَيَأْخُذُ الأَْخُ لأُِمٍّ ثُلُثَهُ، ثُمَّ يَنْتَقِل مَا أَصَابَ الأَْخَ، وَهُوَ تُسْعُ الْمَال لِبِنْتِهِ، وَمَا أَصَابَ الأُْخْتَ وَهُوَ تُسْعُ الْمَال إِلَى ابْنِهَا وَابْنَتِهَا بِالسَّوِيَّةِ، وَثُلُثَا الْمَال يُقْسَمُ بَيْنَ بَنِي الأَْعْيَانِ أَنْصَافًا، بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الْفُرُوعِ فِي الأُْصُول، نِصْفُهُ لِبِنْتِ الأَْخِ نَصِيبُ أَبِيهَا، وَالنِّصْفُ الآْخَرُ بَيْنَ وَلَدَيِ الأُْخْتِ الْمُقَدَّرَةِ بِأُخْتَيْنِ أَثْلاَثًا، لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، بِاعْتِبَارِ الأَْبْدَانِ، وَلاَ شَيْءَ لِفُرُوعِ بَنِي الْعَلاَّتِ، لأَِنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِبَنِي الأَْعْيَانِ كَمَا
__________
(1) أولاد الإخوة الأعيان هم: الإخوة الأشقاء متحدي الأب والأم - أولاد الإخوة الأخياف هم: الإخوة من أم واحدة وآباء مختلفين. - أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى (المصباح المنير، مادة عين، خيف، عل) بتصرف.

سَبَقَ، فَتَصِحُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تِسْعَةٍ، ثَلاَثَةٌ مِنْهَا لِفُرُوعِ بَنِي الأَْخْيَافِ الثَّلاَثَةِ بِالسَّوِيَّةِ، وَثَلاَثَةٌ لِبِنْتِ الأَْخِ لأَِبَوَيْنِ، وَثَلاَثَةٌ لِوَلَدَيِ الأُْخْتِ لأَِبَوَيْنِ، لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ.

الصِّنْفُ الرَّابِعُ:
92 - هُوَ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَى أَحَدِ جَدَّيِ الْمَيِّتِ أَوْ جَدَّتَيْهِ، وَهُمُ الْعَمَّاتُ عَلَى الإِْطْلاَقِ، وَالأَْعْمَامُ لأُِمٍّ، وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتُ مُطْلَقًا.
وَالْحُكْمُ فِيهِمْ: أَنَّهُ إِذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْتَحَقَّ الْمَال كُلَّهُ، لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ. فَإِذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ عَمَّةً وَاحِدَةً، أَوْ عَمًّا وَاحِدًا لأُِمٍّ، أَوْ خَالاً وَاحِدًا، أَوْ خَالَةً وَاحِدَةً، كَانَ الْمَال كُلُّهُ لِلْوَاحِدِ الْمُنْفَرِدِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُل الأَْصْنَافِ.
فَإِذَا اجْتَمَعُوا، وَكَانُوا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، كَالأَْعْمَامِ لأُِمٍّ، وَالْعَمَّاتِ (فَإِنَّهُمْ مِنْ جَانِبِ الأَْبِ) ، أَوِ الأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ (فَإِنَّهُمْ مِنْ جَانِبِ الأُْمِّ) ، فَالْحُكْمُ فِيهِمْ: أَنَّ الأَْقْوَى مِنْهُمْ فِي الْقَرَابَةِ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ إِجْمَاعًا، فَمَنْ كَانَ شَقِيقًا فَهُوَ أَوْلَى مِمَّنْ كَانَ لأَِبٍ. وَمَنْ كَانَ لأَِبٍ فَهُوَ أَوْلَى مِمَّنْ كَانَ لأُِمٍّ. وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الأَْقْرَبُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَعَمَّةٌ شَقِيقَةٌ أَوْلَى مِنْ عَمَّةٍ لأَِبٍ أَوْ عَمَّةٍ لأُِمٍّ أَوْ عَمٍّ لأُِمٍّ، لِقُوَّةِ قَرَابَتِهَا، وَكَذَا الْخَال أَوِ الْخَالَةُ لأَِبٍ وَأُمٍّ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ.
93 - وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَاتَّحَدَتْ جِهَةُ الْقَرَابَةِ، وَاسْتَوَتْ قَرَابَتُهُمْ فِي الْقُوَّةِ، بِأَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ أَشِقَّاءَ أَوْ لأَِبٍ أَوْ لأُِمٍّ، كَانَ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، كَعَمٍّ وَعَمَّةٍ كِلاَهُمَا لأُِمٍّ. أَوْ خَالٍ وَخَالَةٍ كِلاَهُمَا شَقِيقٌ، أَوْ لأَِبٍ، أَوْ لأُِمٍّ، لأَِنَّ الْعَمَّ وَالْعَمَّةَ مُتَّحِدَانِ فِي الأَْصْل الَّذِي هُوَ الأَْبُ، وَكَذَلِكَ أَصْل

الْخَال وَالْخَالَةِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الأُْمُّ. وَمَتَى اتَّفَقَ الأَْصْل فَالْعِبْرَةُ فِي الْقِسْمَةِ بِالأَْشْخَاصِ عِنْدَ الْجَمِيعِ.
94 - وَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ قَرَابَتِهِمْ، بِأَنْ كَانَتْ قَرَابَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ جَانِبِ الأَْبِ، وَقَرَابَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ جَانِبِ الأُْمِّ فَلاَ اعْتِبَارَ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ. فَإِذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ عَمَّةً شَقِيقَةً وَخَالَةً لأُِمٍّ، أَوْ خَالاً شَقِيقًا وَعَمَّةً لأُِمٍّ، فَالثُّلُثَانِ - وَهُوَ نَصِيبُ الأَْبِ - لِقَرَابَةِ الأَْبِ، وَالثُّلُثُ - وَهُوَ نَصِيبُ الأُْمِّ - لِقَرَابَةِ الأُْمِّ.

كَيْفِيَّةُ تَوْرِيثِ أَوْلاَدِ الصِّنْفِ الرَّابِعِ:
95 - الْحُكْمُ السَّابِقُ فِي تَوْرِيثِ الصِّنْفِ الرَّابِعِ لاَ يَسْرِي عَلَى أَوْلاَدِهِمْ، لأَِنَّ أَوْلَى الأَْوْلاَدِ بِالْمِيرَاثِ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ، فَبِنْتُ الْعَمَّةِ أَوِ ابْنُهَا أَوْلَى مِنْ بِنْتِ بِنْتِ الْعَمَّةِ وَابْنِ بِنْتِهَا، لأَِنَّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْمَيِّتِ.
وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ إِلَى الْمَيِّتِ، وَكَانَتْ جِهَةُ قَرَابَتِهِمْ مُتَّحِدَةً، بِأَنْ تَكُونَ قَرَابَةُ الْكُل مِنْ جَانِبِ أَبِي الْمَيِّتِ، أَوْ مِنْ جَانِبِ أُمِّهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ قُوَّةُ الْقَرَابَةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالإِْجْمَاعِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ الْقَرَابَةِ، فَإِذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ ثَلاَثَةَ أَوْلاَدِ عَمَّاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، كَانَ الْمَال كُلُّهُ لِوَلَدِ الْعَمَّةِ الشَّقِيقَةِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلِوَلَدِ الْعَمَّةِ لأَِبٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلِوَلَدِ الْعَمَّةِ لأُِمٍّ، وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي أَوْلاَدِ أَخْوَالٍ مُتَفَرِّقِينَ، أَوْ خَالاَتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ.
96 - وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ بِحَسَبِ الدَّرَجَةِ وَقُوَّةِ الْقَرَابَةِ، وَكَانَتْ جِهَةُ الْقَرَابَةِ مُتَّحِدَةً، بِأَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ جِهَةِ أَبِي الْمَيِّتِ أَوْ جِهَةِ أُمِّهِ، فَوَلَدُ الْعَصَبَةِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، كَبِنْتِ الْعَمِّ وَابْنِ الْعَمَّةِ الشَّقِيقَةِ، أَوْ لأَِبٍ، أَوْ لأُِمٍّ، فَالْمَال كُلُّهُ لِبِنْتِ

الْعَمِّ، لأَِنَّهَا وَلَدُ الْعَصَبَةِ، دُونَ ابْنِ الْعَمَّةِ، لأَِنَّهُ وَلَدُ رَحِمٍ.
وَإِنْ كَانَ الْعَمُّ أَوِ الْعَمَّةُ شَقِيقًا، وَالآْخَرُ لأَِبٍ، كَانَ الْمَال كُلُّهُ لِبِنْتِ الْعَمِّ الشَّقِيقِ، لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ، فَلَوْ تَرَكَ الْمَيِّتُ ابْنَ عَمَّةٍ شَقِيقَةٍ، وَبِنْتَ عَمٍّ لأَِبٍ، فَالْمَال كُلُّهُ لاِبْنِ الْعَمَّةِ الشَّقِيقَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لِقُوَّةِ قَرَابَتِهِ دُونَ بِنْتِ الْعَمِّ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَ وَارِثٍ.
وَقَال بَعْضُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، بِنَاءً عَلَى رِوَايَةٍ غَيْرِ ظَاهِرَةٍ، الْمَال كُلُّهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِبِنْتِ الْعَمِّ لأَِبٍ، لأَِنَّهَا وَلَدُ الْعَصَبَةِ، بِخِلاَفِ ابْنِ الْعَمَّةِ، فَإِنَّهُ وَلَدُ ذَاتِ رَحِمٍ.
97 - وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ، وَاخْتَلَفَتْ جِهَةُ قَرَابَتِهِمْ، بِأَنْ كَانَ بَعْضُهُمْ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ جِهَةِ الأُْمِّ، فَلاَ اعْتِبَارَ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ وَلاَ لِوَلَدِ الْعَصَبَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَلاَ يَكُونُ وَلَدُ الْعَمَّةِ الشَّقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ وَلَدِ الْخَال الشَّقِيقِ أَوِ الْخَالَةِ الشَّقِيقَةِ، لِعَدَمِ اعْتِبَارِ قُوَّةِ قَرَابَةِ وَلَدِ الْعَمَّةِ. وَكَذَا بِنْتُ الْعَمِّ الشَّقِيقِ لَيْسَتْ أَوْلَى مِنْ بِنْتِ الْخَال أَوِ الْخَالَةِ الشَّقِيقَةِ، لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَوْنِ بِنْتِ الْعَمِّ وَلَدَ عَصَبَةٍ، لَكِنْ يُقْسَمُ الْمِيرَاثُ بِاعْتِبَارِ الثُّلُثَيْنِ لِقَرَابَةِ الأَْبِ، وَالثُّلُثِ لِقَرَابَةِ الأُْمِّ، لِقِيَامِ قَرَابَةِ الأَْبِ مَقَامَهُ وَقَرَابَةِ الأُْمِّ مَقَامَهَا.
ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَا أَصَابَ كُل فَرِيقٍ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ أَوْ جِهَةِ الأُْمِّ، يُقْسَمُ عَلَى أَشْخَاصِ فُرُوعِهِمْ مَعَ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْجِهَاتِ فِي الْفُرُوعِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُقْسَمُ الْمَال عَلَى أَوَّل بَطْنٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ، مَعَ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْفُرُوعِ وَالْجِهَاتِ فِي الأُْصُول

كَمَا هُوَ الْحَال فِي الصِّنْفِ الأَْوَّل وَهَكَذَا. (1)
هَذِهِ هِيَ أَحْكَامُ تَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ فِي مَذْهَبِ أَهْل الْقَرَابَةِ

مَذْهَبُ أَهْل التَّنْزِيل:
98 - مَعْنَى التَّنْزِيل:
أَنَّ مَنْ أَدْلَى مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ إِلَى الْمَيِّتِ بِوَارِثٍ قَامَ مَقَامَ ذَلِكَ الْوَارِثِ، فَوَلَدُ الْبَنَاتِ، وَوَلَدُ بَنَاتِ الاِبْنِ، وَوَلَدُ الأَْخَوَاتِ مُطْلَقًا كَأُمَّهَاتِهِمْ. وَبَنَاتُ الإِْخْوَةِ، وَبَنَاتُ الأَْعْمَامِ الأَْشِقَّاءِ، أَوْ لأَِبٍ، وَبَنَاتُ بَنِيهِمْ، وَأَوْلاَدُ الإِْخْوَةِ مِنْ الأُْمِّ، وَأَوْلاَدُ الأَْعْمَامِ لأُِمٍّ كَآبَائِهِمْ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهِ عَلْقَمَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَمَسْرُوقٌ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَمٍ.
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنْهُ، وَاسْتَثْنَيَا مِنْ هَذَا الأَْصْل مَسْأَلَتَيْنِ:
1 - أَنَّهُمَا نَزَّلاَ الْخَال وَالْخَالَةَ وَلَوْ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ مَنْزِلَةَ الأُْمِّ عَلَى الأَْصَحِّ، وَنَزَّلاَ جَدَّ الْمَيِّتِ لأُِمٍّ مَنْزِلَةَ الأُْمِّ عَلَى الأَْصَحِّ.
2 - نَزَّلاَ الأَْعْمَامَ لأُِمٍّ وَالْعَمَّةَ مُطْلَقًا مَنْزِلَةَ الأَْبِ عَلَى الأَْصَحِّ.
وَقَدْ رَجَّحَ الإِْمَامَانِ مَذْهَبَ أَهْل التَّنْزِيل، لأَِنَّهُ مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْقَائِلِينَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، فَلَوْ تَرَكَ الْمَيِّتُ بِنْتَ بِنْتٍ، وَبِنْتَ بِنْتِ ابْنٍ، فَعَلَى مَذْهَبِ أَهْل التَّنْزِيل الْمَال بَيْنَهُمَا: ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهِ لِبِنْتِ الْبِنْتِ، وَرُبُعُهُ لِبِنْتِ بِنْتِ الاِبْنِ فَرْضًا وَرَدًّا.
__________
(1) السراجية ص 265 - 300، والعذب الفائض 2 / 15 وما بعدها.

99 - وَمَذْهَبُ أَهْل التَّنْزِيل كَمَذْهَبِ أَهْل الْقَرَابَةِ فِي أَنَّ مَنِ انْفَرَدَ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ يَأْخُذُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ يَظْهَرُ فِي اجْتِمَاعِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، فَأَهْل التَّنْزِيل حِينَئِذٍ يَجْعَلُونَ الْفُرُوعَ قَائِمِينَ مَقَامَ أُصُولِهِمْ، وَيَأْخُذُونَ أَنْصِبَتَهُمْ. فَإِنْ أَدْلَوْا بِعَاصِبٍ أَخَذُوا نَصِيبَهُ تَعْصِيبًا. وَإِنْ أَدْلَوْا بِذِي فَرْضٍ أَخَذُوا نَصِيبَهُ فَرْضًا وَرَدًّا، وَيُقْسَمُ عَلَى الْجَمِيعِ بِالتَّسَاوِي بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى عِنْدَ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، لأَِنَّهُمْ يَرِثُونَ بِالرَّحِمِ الْمُجَرَّدِ، فَيَسْتَوُونَ كَأَوْلاَدِ الأُْمِّ. وَذَهَبَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الذَّكَرَ يَأْخُذُ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ.
فَفِي بِنْتِ بِنْتٍ، وَابْنٍ، وَبِنْتٍ مِنْ بِنْتٍ أُخْرَى، إِذَا رُفِعُوا دَرَجَةً صَارُوا فِي مَنْزِلَةِ بِنْتَيْنِ، فَتَكُونُ التَّرِكَةُ مُنَاصَفَةً، تَأْخُذُ بِنْتُ الْبِنْتِ نِصْفَهَا، وَيَأْخُذُ الاِبْنُ وَالْبِنْتُ النِّصْفَ الآْخَرَ، فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ عَلَى مَذْهَبِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. وَعِنْدَ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ تَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ، لأَِنَّ أَصْل الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةٌ. وَذَلِكَ فِي غَيْرِ أَوْلاَدِ الأُْمِّ لأَِنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي النَّصِيبِ بِالنَّصِّ. (1)

مَذْهَبُ أَهْل الرَّحِمِ:
100 - هُمُ الَّذِينَ يُسَوُّونَ بَيْنَ ذَوِي الأَْرْحَامِ فِي التَّوْرِيثِ، فَلاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ صِنْفٍ وَصِنْفٍ، وَلاَ بَيْنَ دَرَجَةٍ وَدَرَجَةٍ، وَلاَ بَيْنَ قَرَابَةٍ قَوِيَّةٍ وَأُخْرَى ضَعِيفَةٍ.
فَلَوْ كَانَ لِلْمُتَوَفَّى بِنْتُ أُخْتٍ، وَبِنْتُ بِنْتٍ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، وَلَوْ تَرَكَ ابْنَ أُخْتٍ،
__________
(1) العذب الفائض 2 / 18 وما بعدها.

وَبِنْتَ ابْنِ أَخٍ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْمِيرَاثِ هُوَ الرَّحِمُ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ، وَتَحَقُّقُهَا فِي الْجَمِيعِ بِقَدْرٍ مُشْتَرَكٍ، فَثَبَتَ الْمِيرَاثُ لِلْجَمِيعِ بِالتَّسَاوِي. وَلَقَدْ كَانَ مِنْ أَنْصَارِ هَذَا الرَّأْيِ حَسَنُ بْنُ مُيَسَّرٍ وَنُوحُ بْنُ ذُرَاحٍ، وَلَمْ يَأْخُذْ هَذَا الرَّأْيَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ. (1)

إِرْثُ ذَوِي الأَْرْحَامِ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ:
101 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ مَنْ وَرَّثُوا ذَوِي الأَْرْحَامِ فِي أَنَّهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ كَامِلاً، فَلاَ يُحْجَبُ الزَّوْجُ مِنَ النِّصْفِ إِلَى الرُّبُعِ، وَلاَ تُحْجَبُ الزَّوْجَةُ مِنَ الرُّبُعِ إِلَى الثُّمُنِ بِأَحَدٍ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ فَرْضَ الزَّوْجَيْنِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ، وَإِرْثُ ذَوِي الأَْرْحَامِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَلاَ يُعَارِضُهُ. وَمَا بَقِيَ بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ يَكُونُ لِذَوِي الأَْرْحَامِ.
102 - لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ: فَقَال أَهْل الْقَرَابَةِ: يُخْرَجُ نَصِيبُ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ أَوَّلاً، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي عَلَى ذَوِي الأَْرْحَامِ، كَمَا يُقْسَمُ عَلَى الْجَمِيعِ لَوِ انْفَرَدُوا.
وَلأَِهْل التَّنْزِيل مَذْهَبَانِ: أَصَحُّهُمَا مَا قَالَهُ أَهْل الْقَرَابَةِ: رُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَا فَضَل كَمَا يَرِثُونَ الْمَال إِذَا انْفَرَدُوا، وَهَذَا قَوْل أَبِي عُبَيْدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيِّ وَعَامَّةِ مَنْ وَرَّثَهُمْ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى نِسْبَةِ سِهَامِ الَّذِينَ يُدْلِي
__________
(1) المبسوط 30 / 4 ط دار المعرفة.

بِهِمْ ذَوُو الأَْرْحَامِ مِنَ الْوَرَثَةِ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذَا قَوْل يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَضِرَارٍ. وَيُعْرَفُ الْقَائِلُونَ بِالأَْوَّل بِأَصْحَابِ: (اعْتِبَارِ مَا بَقِيَ) . وَالْقَائِلُونَ بِالثَّانِي بِأَصْحَابِ: (اعْتِبَارِ الأَْصْل) . وَلاَ خِلاَفَ فِي التَّوْرِيثِ إِذَا كَانَ ذَوُو الأَْرْحَامِ يُدْلُونَ بِذِي فَرْضٍ فَقَطْ، أَوْ بِعَصَبَةٍ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْخِلاَفُ إِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ يُدْلِي بِعَصَبَةٍ، وَبَعْضُهُمْ يُدْلِي بِذِي فَرْضٍ. فَلَوْ مَاتَتِ امْرَأَةٌ، عَنْ زَوْجٍ، وَبِنْتِ بِنْتٍ، وَخَالَةٍ، وَبِنْتِ عَمٍّ شَقِيقٍ أَوْ لأَِبٍ. فَعِنْدَ أَهْل الْقَرَابَةِ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْبِنْتِ وَحْدَهَا. وَعَلَى قَوْل أَهْل التَّنْزِيل: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الْبِنْتِ نِصْفُ الْبَاقِي، وَلِلْخَالَةِ سُدُسُ الْبَاقِي، وَلِبِنْتِ الْعَمِّ الْبَاقِي. فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ: لِلزَّوْجِ مِنْهَا سِتَّةٌ، وَلِبِنْتِ الْبِنْتِ ثَلاَثَةٌ، وَلِلْخَالَةِ وَاحِدٌ، وَلِبِنْتِ الْعَمِّ اثْنَانِ. وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي: إِذَا نَزَلُوا حَصَل مَعَ الزَّوْجِ أُمٌّ، وَعَمٌّ، وَبِنْتٌ بِالتَّنْزِيل، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ بِنْتُ ابْنٍ وَهِيَ كَالْبِنْتِ فِي التَّنْزِيل لاَ فِي الْحَجْبِ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ. يَخْرُجُ نَصِيبُ الزَّوْجِ أَوَّلاً الرُّبُعُ، ثَلاَثَةٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ تَمَامُ نَصِيبِ النِّصْفِ لِلزَّوْجِ لِعَدَمِ الْحَجْبِ الْحَقِيقِيِّ، فَيَبْقَى سِتَّةٌ، تُقْسَمُ عَلَى التِّسْعَةِ، فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ، وَلِبِنْتِ الْبِنْتِ سِتَّةٌ، وَلِلْخَالَةِ اثْنَانِ، وَلِبِنْتِ الْعَمِّ وَاحِدٌ. (1)

الْمِيرَاثُ مِنْ جِهَتَيْنِ:
103 - قَدْ يَكُونُ لأَِحَدِ الْوَرَثَةِ جِهَتَانِ لِلْمِيرَاثِ. فَإِذَا كَانَتِ الْجِهَتَانِ مَعًا مِنْ طَرِيقِ الْعُصُوبَةِ وَرِثَ
__________
(1) العذب الفائض 2 / 50، 51، والمغني 7 / 93 ط المنار الأولى.

بِأَقْوَاهِمَا. فَإِذَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ عَنِ ابْنٍ، هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمٍّ. فَإِنَّ التَّرِكَةَ تَكُونُ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ ابْنًا وَلاَ شَيْءَ لَهُ بِالْقَرَابَةِ الأُْخْرَى، لأَِنَّ الْبُنُوَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْعُمُومَةِ.
فَإِذَا اخْتَلَفَتْ جِهَتَا إِرْثٍ تَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهُمَا الْمِيرَاثَ، وَرِثَ بِالْجِهَتَيْنِ. فَإِذَا مَاتَ شَخْصٌ عَنْ أَخَوَيْنِ لأُِمٍّ، أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ شَقِيقٍ. فَإِنَّ لِلأَْخَوَيْنِ لأُِمٍّ الثُّلُثَ فَرْضًا مُنَاصَفَةً بَيْنَهُمَا، وَالْبَاقِي يَنْفَرِدُ بِهِ الأَْخُ لأُِمٍّ الَّذِي هُوَ ابْنُ عَمٍّ شَقِيقٍ بِاعْتِبَارِهِ عَاصِبًا فَيَأْخُذُ الْبَاقِيَ.
وَقَدْ يُحْجَبُ الشَّخْصُ عَنِ الْمِيرَاثِ بِإِحْدَى الْجِهَتَيْنِ فَيَرِثُ بِالأُْخْرَى، لِعَدَمِ وُجُودِ حَاجِبٍ لَهُ فِيهَا، كَمَا إِذَا تُوُفِّيَ عَنْ بِنْتٍ، وَابْنَيْ عَمٍّ شَقِيقٍ أَحَدُهُمَا أَخٌ لأُِمٍّ، فَإِنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ فَرْضًا، وَالْبَاقِي لاِبْنَيِ الْعَمِّ الشَّقِيقِ تَعْصِيبًا مُنَاصَفَةً بَيْنَهُمَا، وَلاَ شَيْءَ لاِبْنِ الْعَمِّ الثَّانِي بِاعْتِبَارِهِ أَخًا لأُِمٍّ، لأَِنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْبِنْتِ.

مِيرَاثُ الْخُنْثَى:
104 - الْخُنْثَى لُغَةً: مَنْ لَهُ مَا لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا، جَمْعُهُ خَنَاثَى وَخَنَاثٌ. وَالْخَنِثُ كَكَتِفٍ مَنْ فِيهِ انْخِنَاثٌ، أَيْ تَكَسُّرٌ وَتَثَنٍّ. وَقَدْ خَنِثَ كَفَرِحَ وَانْخَنَثَ. (1)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَنْ لَهُ آلَةُ الرِّجَال وَآلَةُ النِّسَاءِ مَعًا. أَوْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُمَا أَصْلاً (2)
، فَقَدْ سُئِل الشَّعْبِيُّ عَنْ مِيرَاثِ مَوْلُودٍ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الآْلَتَيْنِ وَيَخْرُجُ مِنْ سُرَّتِهِ شِبْهُ بَوْلٍ غَلِيظٍ، فَاعْتَبَرَهُ أُنْثَى.
__________
(1) القاموس المحيط.
(2) شرح السراجية ص 303 والعذب الفائض 2 / 53. والمغني 7 / 11 ط المنار الأولى، والرحبية ص 41

وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى مُشْكِلٍ وَغَيْرِ مُشْكِلٍ. فَاَلَّذِي يَتَبَيَّنُ فِيهِ عَلاَمَاتُ الذُّكُورِيَّةِ أَوِ الأُْنُوثِيَّةِ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ فَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ، إِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ فِيهِ خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ، أَوِ امْرَأَةٌ فِيهَا خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ.
105 - وَحُكْمُهُ فِي إِرْثِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ: حُكْمُ مَا ظَهَرَتْ عَلاَمَاتُهُ فِيهِ. وَيُعْتَبَرُ بِمَبَالِهِ فِي قَوْل الْفُقَهَاءِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخُنْثَى يُورَثُ مِنْ حَيْثُ يَبُول. فَإِنْ بَال مِنْ حَيْثُ يَبُول الرَّجُل فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ بَال مِنْ حَيْثُ تَبُول الْمَرْأَةُ فَهُوَ امْرَأَةٌ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ: عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَأَهْل الْكُوفَةِ وَسَائِرُ أَهْل الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل عَنْ مَوْلُودٍ لَهُ قُبُلٌ وَذَكَرٌ: مِنْ أَيْنَ يُورَثُ؟ قَال: مِنْ حَيْثُ يَبُول. وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُتِيَ بِخُنْثَى مِنَ الأَْنْصَارِ فَقَال: وَرِّثُوهُ مِنْ أَوَّل مَا يَبُول مِنْهُ. (1)
وَلأَِنَّ خُرُوجَ الْبَوْل أَعَمُّ الْعَلاَمَاتِ، لِوُجُودِهَا مِنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَسَائِرُ الْعَلاَمَاتِ إِنَّمَا تُوجَدُ بَعْدَ الْكِبَرِ مِثْل نَبَاتِ اللِّحْيَةِ، وَتَفَلُّكِ الثَّدْيِ (اسْتِدَارَتُهُ) ، وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَالْحَيْضِ، وَالْحَبَل، وَإِنْ بَال مِنْهُمَا جَمِيعًا اُعْتُبِرَ أَسْبَقُهُمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
فَإِنْ خَرَجَا مَعًا وَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا، فَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: يَرِثُ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يَنْزِل مِنْهُ
__________
(1) حديث " ورثوه من أول. . . " من حديث ابن عباس، أخرجه ابن عدى في الكامل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وعنه البيهقي في سننه (6 / 261 - ط حيدر أباد الدكن) وقال: " الكلبي لا يحتج به ". وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (3 / 230 - نشر المكتبة السلفية) .

أَكْثَرُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عَنْهُ، وَإِنِ اسْتَوَى الْمِقْدَارُ الْخَارِجُ مِنَ الْمَحَلَّيْنِ فَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ عِلْمَ لَنَا بِذَلِكَ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ مُشْكِلاً.
106 - فَإِنْ مَاتَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ. فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: يُوقَفُ الأَْمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيَتَبَيَّنَ فِيهِ عَلاَمَاتُ الرِّجَال مِنْ نَبَاتِ اللِّحْيَةِ، وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ، وَكَوْنِهِ مَنِيَّ رَجُلٍ، أَوْ عَلاَمَاتُ النِّسَاءِ مِنَ الْحَيْضِ، وَالْحَبَل، وَتَفَلُّكِ الثَّدْيَيْنِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ.
فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ أُعْطِي هُوَ وَبَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الْيَقِينَ، وَوُقِفَ الْبَاقِي إِلَى حِينِ بُلُوغِهِ، فَتَعْمَل الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ ثُمَّ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى، وَيَدْفَعُ إِلَى كُل وَارِثٍ أَقَل النَّصِيبَيْنِ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَبْلُغَ.
107 - وَإِنْ مَاتَ قَبْل بُلُوغِهِ، أَوْ بَلَغَ مُشْكِلاً فَلَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عَلاَمَةٌ. وَرِثَ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ، وَنِصْفَ مِيرَاثِ أُنْثَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَهْل الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالثَّوْرِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ وَشَرِيكٍ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ وَضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ وَنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ. وَوَرَّثَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَسْوَأِ حَالاَتِهِ، وَأَعْطَى الْبَاقِيَ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَأَعْطَاهُ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ مَعَهُ الْيَقِينَ، وَوَقَفَ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ الأَْمْرُ أَوْ يَصْطَلِحَ الْوَرَثَةُ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ

وَدَاوُدُ وَابْنُ جَرِيرٍ. وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ غَيْرُ هَذِهِ. (1)
108 - وَإِذَا أَخْبَرَ الْخُنْثَى بِحَيْضٍ، أَوْ مَنِيٍّ، أَوْ مَيْلٍ إِلَى الرِّجَال أَوِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَلاَ يُقْبَل رُجُوعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ يَقِينًا، مِثْل أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّهُ رَجُلٌ، ثُمَّ تَلِدَ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُتْرَكُ الْعَمَل بِقَوْلِهِ السَّابِقِ. (2)

مِيرَاثُ الْحَمْل:
109 - الْحَمْل مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ إِذَا عُلِمَ بِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْبَطْنِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُورَثِ وَانْفَصَل حَيًّا. وَيُعْلَمُ وُجُودُهُ فِي الْبَطْنِ إِذَا جَاءَتْ بِهِ لأَِقَل مُدَّةِ الْحَمْل، وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مُنْذُ مَوْتِ الْمُورَثِ، إِذَا كَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، لأَِنَّ أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل سِتَّةُ أَشْهُرٍ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً، وَجَاءَتْ بِهِ لأَِقَل مِنْ سَنَتَيْنِ مُنْذُ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِمَوْتٍ أَوْ طَلاَقٍ بَائِنٍ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. وَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْل أَرْبَعُ سِنِينَ، وَذَلِكَ مَذْهَبُ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَهُمْ: أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْل خَمْسُ سِنِينَ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: سَنَةٌ.
وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ فِي أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْل حَدِيثُ عَائِشَةَ فَإِنَّهَا قَالَتْ: " لاَ يَبْقَى الْوَلَدُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ
__________
(1) المغني 7 / 113 - 115 ط المنار، والسراجية ص 304 وما بعدها، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 435 وشرح الرحبية ص 41
(2) السراجية ص 306

سَنَتَيْنِ، وَلَوْ بِفَلْكَةِ مِغْزَلٍ (1) . وَمِثْل هَذَا لاَ يُعْرَفُ قِيَاسًا بَل سَمَاعًا مِنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2)
وَدَلِيل الشَّافِعِيَّةِ فِي أَقْصَى الْمُدَّةِ الاِسْتِقْرَاءُ، وَأَنَّ عُمَرَ قَال فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ. وَسَبَبُ التَّقْدِيرِ بِالأَْرْبَعِ أَنَّهَا نِهَايَةُ مُدَّةِ الْحَمْل. (3)
وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَرْجُوعٌ فِيهَا إِلَى الْعَادَةِ وَالتَّجْرِبَةِ. وَقَوْل ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَقْرَبُ إِلَى الْمُعْتَادِ. وَالْحُكْمُ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُعْتَادِ لاَ بِالنَّادِرِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِيلاً) . (4)
110 - وَإِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ عَنْ حَمْلٍ يَرِثُهُ، وَقَفَ الأَْمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، فَإِنْ طَالَبَ الْوَرَثَةُ بِالْقِسْمَةِ لَمْ يُعْطُوا كُل الْمَال بِغَيْرِ خِلاَفٍ. وَلَكِنْ يُدْفَعُ إِلَى مَنْ لاَ يُنْقِصُهُ الْحَمْل كُل مِيرَاثِهِ، وَيُدْفَعُ إِلَى مَنْ يُنْقِصُ الْحَمْل نَصِيبَهُ أَقَلُّهُ، وَلاَ يُدْفَعُ إِلَى مَنْ يُسْقِطُهُ الْحَمْل شَيْءٌ.
111 - وَيَرِثُ الْحَمْل إِذَا وُلِدَ لأَِقَل مُدَّةِ الْحَمْل. وَكَذَلِكَ يَرِثُ إِذَا وُلِدَ لأَِقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ. فَإِنْ وُلِدَ بَعْدَهَا فَلاَ يَرِثُ إِلاَّ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ.
__________
(1) حديث " قالت عائشة رضي الله عنها: لا يبقى الولد في رحم أمه. . . . " أخرجه الدارقطني (3 / 322 - ط دار المحاسن بالقاهرة) بلفظ: " ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين ولا قدر ما يتحول ظل عود هذا المغزل ". وأخرجه الدارقطني بلفظ مقارب له وعنه البيهقي (7 / 443 - ط دائرة المعارف العثمانية)
(2) حديث " قالت عائشة رضي الله عنها: لا يبقى الولد في رحم أمه. . . . " أخرجه الدارقطني (3 / 322 - ط دار المحاسن بالقاهرة) بلفظ: " ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين ولا قدر ما يتحول ظل عود هذا المغزل ". وأخرجه الدارقطني بلفظ مقارب له وعنه البيهقي (7 / 443 - ط دائرة المعارف العثمانية)
(3) شرح الروض 3 / 393 ط المكتبة الإسلامية
(4) ابن رشد 2 / 358 ط الحلبي. واللجنة ترى أن رأى ابن عبد الحكم أقرب إلى ما يقرره الطب، ومثل هذه الأمور يرجع إلى أهل الخبرة.

112 - وَيَرِثُ الْحَمْل بِشَرْطَيْنِ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يُولَدَ حَيًّا، حَتَّى تُعْتَبَرَ حَيَاتُهُ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ امْتِدَادًا لِحَيَاتِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَدَلِيلاً عَلَيْهَا. يَقُول الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِذَا اسْتَهَل الْمَوْلُودُ وَرِثَ (1) وَيَرْوِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَوْلَهُمَا: قَضَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَرِثُ الصَّبِيُّ حَتَّى يَسْتَهِل. (2)
فَإِذَا وُلِدَ مَيِّتًا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى أُمِّهِ. وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى حَيَاتِهِ فِيمَا قَبْل، لاَ يَكُونُ وَارِثًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ شَرْطَ الْمِيرَاثِ حَيَاةُ الْوَارِثِ. وَإِذَا نَزَل مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بِجِنَايَةٍ عَلَيْهَا فَلاَ يَرِثُ أَيْضًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِعَدَمِ وُجُودِ دَلِيلٍ عَلَى حَيَاتِهِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَرِثُ، لأَِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ حَيًّا قَبْل الْجِنَايَةِ؛ إِذْ أَوْجَبَ عَلَى الْجَانِي (الْغُرَّةَ) وَوُجُوبُهَا لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ، وَكَذَلِكَ يَرِثُ عِنْدَهُمْ مُورَثُهُ الَّذِي مَاتَ، وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ثُمَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ.
113 - وَيَكْفِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرُ الْحَمْل حَيًّا. فَإِذَا ابْتَدَأَ نُزُولُهُ مُسْتَقِيمًا بِرَأْسِهِ وَبَقِيَ حَيًّا حَتَّى خَرَجَ صَدْرُهُ كُلُّهُ، أَوِ ابْتَدَأَ نُزُولُهُ مَنْكُوسًا بِرِجْلَيْهِ وَاسْتَمَرَّ حَيًّا حَتَّى ظَهَرَتْ سُرَّتُهُ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَرِثَ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّ لِلأَْكْثَرِ حُكْمَ الْكُل. (3)
__________
(1) حديث " إذا استهل المولود ورث " أخرجه أبو داود (3 / 87 - ط المطبعة الأنصارية بدهلي) وعنه البيهقي (6 / 257 - ط دائرة المعارف العثمانية) .
(2) حديث " لا يرث الصبي حتى يستهل " أخرجه ابن ماجه (رقم 2751 - ط عيسى الحلبي) . من حديث جابر والمسور بن مخرمة.
(3) السراجية ص 321، 322

وَاشْتَرَطَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ أَنْ تَتِمَّ وِلاَدَتُهُ كُلُّهُ حَيًّا. وَتُعْرَفَ حَيَاتُهُ بِالاِسْتِهْلاَل صَارِخًا. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا سِوَى الاِسْتِهْلاَل. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لاَ يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِل، وَلاَ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الاِسْتِهْلاَل مَا هُوَ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لاَ يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِل صَارِخًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَرُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا اسْتَهَل الْمَوْلُودُ وَرِثَ (1) أَنَّهُ لاَ يَرِثُ بِغَيْرِ الاِسْتِهْلاَل، وَلأَِنَّ الاِسْتِهْلاَل لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنْ حَيٍّ. وَالْحَرَكَةُ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ حَيٍّ. وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: يَرِثُ السِّقْطُ وَيُورَثُ إِذَا اسْتَهَل. فَقِيل لَهُ مَا اسْتِهْلاَلُهُ؟ قَال: إِذَا صَاحَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَكَى، فَعَلَى هَذَا كُل صَوْتٍ يُوجَدُ مِنْهُ تُعْلَمُ بِهِ حَيَاتُهُ فَهُوَ اسْتِهْلاَلٌ، وَهَذَا قَوْل الزُّهْرِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، لأَِنَّهُ صَوْتٌ عُلِمَتْ بِهِ حَيَاتُهُ فَأَشْبَهَ الصُّرَاخَ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: إِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِصَوْتٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرِثَ وَثَبَتَتْ لَهُ أَحْكَامُ الْمُسْتَهِل، لأَِنَّهُ حَيٌّ. وَبِهَذَا قَال الثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. (2)

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَأَتَتْ بِهِ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَذَبَتْ، وَوَرِثَ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ فِي دَعْوَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَأَتَتْ بِهِ لِتَمَامِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْل، أَوْ لأَِقَل مِنْ ذَلِكَ وَرِثَ، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِقَةً قَبْل الْمَوْتِ.
وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لأَِكْثَرَ مِنْ تَمَامِ مُدَّةِ الْحَمْل - عَلَى
__________
(1) الحديث تقدم تخريجه هامش (ف 112)
(2) المغني 7 / 197 - 200 ط أولى.

الْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ - فَلاَ يَرِثُ، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ.

114 - وَإِذَا أُرِيدَ تَقْسِيمُ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي فِي وَرَثَتِهِ حَمْلٌ، أُوقِفَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَصِيبُ أَرْبَعَةِ بَنِينَ أَوْ نَصِيبُ أَرْبَعِ بَنَاتٍ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ. وَيُعْطَى بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ أَقَل الأَْنْصِبَاءِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ إِذِ الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ ضَبْطَ لَهُ. وَمِثَال أَكْثَرِيَّةِ نَصِيبِ الْبَنِينَ: إِذَا مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ حَامِلٍ وَعَمٍّ أَوْ أَخٍ. وَمِثَال أَكْثَرِيَّةِ نَصِيبِ الْبَنَاتِ: إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ عَنْ زَوْجَةٍ حَامِلٍ وَأَبَوَيْنِ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ تَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، فَلِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ، وَلِلأَْبَوَيْنِ السُّدُسَانِ، فَيَبْقَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ، وَذَلِكَ لِلْعَصَبَاتِ إِذَا قُدِّرَ أَرْبَعَةُ بَنِينَ، وَإِذَا قُدِّرَتْ أَرْبَعُ بَنَاتٍ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ (سِتَّةَ عَشَرَ) .
فَإِذَا ظَهَرَ الْحَمْل، وَزَال الاِشْتِبَاهُ، فَإِنْ كَانَ الْحَمْل مُسْتَحِقًّا لِجَمِيعِ الْمَوْقُوفِ أَخَذَهُ، وَانْتَهَى الأَْمْرُ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْبَعْضِ فَيَأْخُذُ الْحَمْل هَذَا الْبَعْضَ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَيُعْطَى لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا كَانَ مَوْقُوفًا مِنْ نَصِيبِهِ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ هُوَ مَذْهَبُ شَرِيكٍ النَّخَعِيِّ، فَقَدْ قَال: رَأَيْتُ بِالْكُوفَةِ لأَِبِي إِسْمَاعِيل أَرْبَعَةَ بَنِينَ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ. وَلَمْ يُنْقَل عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُوقَفُ نَصِيبُ ثَلاَثَةِ بَنِينَ أَوْ ثَلاَثِ بَنَاتٍ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ. رَوَاهُ عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُ ابْنَيْنِ أَوْ بِنْتَيْنِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَذَلِكَ لأَِنَّ وِلاَدَةَ أَرْبَعَةٍ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ، فَلاَ يُبْنَى عَلَيْهِ حُكْمٌ بَل يُبْنَى عَلَى مَا يُعْتَادُ

فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ وِلاَدَةُ اثْنَيْنِ. وَرَوَى الْخَصَّافُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُ ابْنٍ وَاحِدٍ أَوْ بِنْتٍ وَاحِدَةٍ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُعْتَادَ الْغَالِبَ إِلاَّ تَلِدَ الْمَرْأَةُ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ إِلاَّ وَلَدًا وَاحِدًا فَيُبْنَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلاَفُهُ.
115 - وَذُكِرَ فِي فَتْوَى أَهْل سَمَرْقَنْدَ: أَنَّ الْوِلاَدَةَ إِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً تُوقَفُ الْقِسْمَةُ لِوُجُودِ الْحَمْل، إِذْ لَوْ عُجِّلَتْ فَرُبَّمَا لَغَتْ بِظُهُورِ الْحَمْل عَلَى خِلاَفِ مَا قُدِّرَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً لَمْ تُوقَفْ، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِضْرَارًا بِبَاقِي الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يُعَيَّنْ لِلْقُرْبِ مُدَّةٌ بَل أُحِيل عَلَى الْعَادَةِ. وَقِيل: هُوَ مَا دُونَ الشَّهْرِ. وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ يَأْخُذُ الْقَاضِي مِنَ الْوَرَثَةِ كَفِيلاً عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحَمْل أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (1) .
وَمَذْهَبُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ كُلٍّ مِنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّهُ يُوقَفُ لِلْحَمْل نَصِيبُ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ. وَعُلِّل ذَلِكَ بِأَنَّ وِلاَدَةَ التَّوْأَمَيْنِ كَثِيرَةٌ مُعْتَادَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا فَنَادِرٌ لاَ يُبْنَى عَلَيْهِ حُكْمٌ. وَالْقَاعِدَةُ بِالنِّسْبَةِ لِحَجْزِ نَصِيبِ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ. أَنَّهُ مَتَى زَادَتِ الْفُرُوضُ عَلَى الثُّلُثِ فَمِيرَاثُ الإِْنَاثِ أَكْثَرُ، لأَِنَّهُ يُفْرَضُ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَيَدْخُل النَّقْصُ عَلَى الْكُل بِالْمُحَاصَّةِ، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْهُ كَانَ مِيرَاثُ الذَّكَرَيْنِ أَكْثَرَ، وَإِنِ اسْتَوَتْ كَأَبَوَيْنِ وَحَمْلٍ، اسْتَوَى مِيرَاثُ الذَّكَرَيْنِ وَالأُْنْثَيَيْنِ.
__________
(1) السراجية ص 317، 318، والرهوني 8 / 343 ط بولاق، وروضة الطالبين 6 / 39، والعذب الفائض 2 / 89.

مِيرَاثُ الْمَفْقُودِ:
116 - الْمَفْقُودُ لُغَةً: هُوَ الْمَعْدُومُ (1) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الْغَائِبُ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ، وَلاَ يُدْرَى حَيَاتُهُ مِنْ مَوْتِهِ (2) . وَفَسَّرَهُ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ بِأَنَّهُ: اسْمٌ لِمَوْجُودٍ هُوَ حَيٌّ بِاعْتِبَارِ أَوَّل حَالِهِ، وَلَكِنَّهُ كَالْمَيِّتِ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ (3) . وَقِيل: إِنَّ هَذَا أَحْسَنُ تَعْرِيفٍ.
117 وَالْحُكْمُ فِي مِيرَاثِهِ: أَنَّهُ حَيٌّ فِي حَقِّ مَالِهِ، فَلاَ يَرِثُ مِنْهُ أَحَدٌ، وَمَيِّتٌ فِي مَال غَيْرِهِ فَلاَ يَرِثُ مِنْ أَحَدٍ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الأَْصْل ثُبُوتُ حَيَاتِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلاَفُهُ، فَاعْتُبِرَ حَيًّا اسْتِصْحَابًا لِحَالِهِ، وَاسْتِصْحَابُ الْحَال حُجَّةٌ تَدْفَعُ الاِسْتِحْقَاقَ، وَلِذَلِكَ فَلاَ يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ فِي مِيرَاثِهِ، لاِعْتِبَارِهِ حَيًّا، وَلاَ يَسْتَحِقُّ هُوَ فِي مِيرَاثِ غَيْرِهِ. وَيُوقَفُ مَالُهُ حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُهُ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لاَ يَحْيَا إِلَى مِثْلِهَا مِثْلُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحَدُ رَأْيَيْنِ لِلْحَنَفِيَّةِ.

118 - وَاخْتَلَفَتْ رِوَايَاتُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يُحْكَمُ بَعْدَهَا بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ. فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ فِي بَلَدِهِ، وَقِيل أَقْرَانُهُ فِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ. لَكِنِ الأَْوَّل أَصَحُّ، لأَِنَّ فِي الْعَمَل بِالْقَوْل الثَّانِي حَرَجًا عَظِيمًا، كَمَا أَنَّ الأَْعْمَارَ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الأَْقَالِيمِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُدَّةَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وِلاَدَةِ الْمَفْقُودِ. وَقَال مُحَمَّدٌ: مِائَةٌ وَعَشْرُ سِنِينَ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: مِائَةٌ
__________
(1) القاموس
(2) السراجية ص 326
(3) حاشية الفناري ص 326

وَخَمْسُ سِنِينَ. وَرُوِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَنَةٍ. وَقَال بَعْضُهُمْ: تِسْعُونَ سَنَةً، لأَِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَلاَ تُنَاطُ بِهَا الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، لأَِنَّهَا تُبْنَى عَلَى الأَْغْلَبِ. قَال الإِْمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا سَبْعُونَ سَنَةً، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي أَعْمَارِ هَذِهِ الأُْمَّةِ أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ. (1) وَقَال بَعْضُهُمْ: مَال الْمَفْقُودِ مَوْقُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ. وَنُقِل عَنْ شَرْحِ الْفَرَائِضِ الْعُثْمَانِيَّةِ أَنَّ الإِْمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يُقَدِّرْ فِي ذَلِكَ تَقْدِيرًا، وَفَوَّضَ الْمُدَّةَ إِلَى اجْتِهَادِ الْقَاضِي فِي كُل عَصْرٍ يَحْكُمُ بِمَوْتِهِ فِي أَيِّ مُدَّةٍ يَرَى فِيهَا مَصْلَحَةً بِاجْتِهَادِهِ، وَيَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (2) .
وَلَمْ يُحَدِّدِ الْمَالِكِيَّةُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً بَل قَالُوا: (لاَ يَقْسِمُ وَرَثَةُ الْمَفْقُودِ مَالَهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَنِ مَا لاَ يَحْيَا إِلَى مِثْلِهِ) . (3)
وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ: (مَنْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ، تُرِكَ مَالُهُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِمَوْتِهِ، أَوْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُظَنُّ أَنَّهُ لاَ يَعِيشُ فَوْقَهَا، وَلاَ تَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ عَلَى الصَّحِيحِ، فَيَجْتَهِدُ الْقَاضِي وَيَحْكُمُ بِمَوْتِهِ) وَقِيل تُقَدَّرُ (بِسَبْعِينَ وَبِثَمَانِينَ وَبِتِسْعِينَ وَبِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ) . (4)
119 - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: (إِنَّ الْمَفْقُودَ نَوْعَانِ:
__________
(1) حديث " أعمار أمتي. . . " أخرجه الترمذي (6 / 623 و 9 / 537 - نشر المكتبة السلفية) وقال: " حسن غريب ". وحسنه ابن حجر في فتح الباري (11 / 240 - ط السلفية) .
(2) السراجية وحاشية الفناري ص 326 - 328
(3) الحطاب 6 / 423 ط مكتبة النجاح
(4) الشرواني على التحفة 6 / 42، 43 بتصرف يسير.

النَّوْعُ الأَْوَّل: مَنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ الْهَلاَكَ، وَهُوَ مَنْ يُفْقَدُ فِي مُهْلِكَةٍ كَاَلَّذِي يُفْقَدُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، أَوْ فِي مَفَازَةٍ يَهْلَكُ فِيهَا النَّاسُ، أَوْ يُفْقَدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، أَوْ يَخْرُجُ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ، أَوْ لِحَاجَةٍ قَرِيبَةٍ فَلاَ يَرْجِعُ، وَلاَ يُعْلَمُ خَبَرُهُ، فَهَذَا يُنْتَظَرُ بِهِ أَرْبَعُ سِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ قُسِمَ مَالُهُ، وَاعْتَدَّتِ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَحَلَّتْ لِلأَْزْوَاجِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لاَ يُقْسَمُ مَالُهُ حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ. لأَِنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُبَاحُ لاِمْرَأَتِهِ التَّزَوُّجُ فِيهِ، وَالأَْوَّل أَصَحُّ، لأَِنَّ الْعِدَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْوَفَاةِ. فَإِذَا حُكِمَ بِوَفَاتِهِ فَلاَ وَجْهَ لِلْوُقُوفِ عَنْ قَسْمِ مَالِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَنْ لَيْسَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ الْهَلاَكَ، كَالْمُسَافِرِ لِتِجَارَةٍ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ، أَوْ سِيَاحَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ يُقْسَمُ مَالُهُ، وَلاَ تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ مَوْتَهُ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لاَ يَعِيشُ لِمِثْلِهَا، وَذَلِكَ مَرْجِعُهُ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ. قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: (لأَِنَّ الأَْصْل حَيَاتُهُ، وَالتَّقْدِيرُ لاَ يُصَارُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِتَوْقِيفٍ، وَلاَ تَوْقِيفَ هُنَا، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ)
الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُنْتَظَرُ بِهِ تَتِمَّةُ تِسْعِينَ سَنَةً مُنْذُ وُلِدَ، لأَِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لاَ يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا (1) .

120 - وَيُوقَفُ لِلْمَفْقُودِ حِصَّتُهُ مِنْ مَال مَوْرُوثِهِ الَّذِي مَاتَ فِي مُدَّةِ الاِنْتِظَارِ، فَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ
__________
(1) مطالب أولي النهى 4 / 630، وكشاف القناع 4 / 391

يُعْلَمْ خَبَرُهُ، رُدَّ الْمَوْقُوفُ إِلَى وَرَثَةِ مَوْرُوثِ الْمَفْقُودِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَرِثُ الْمَفْقُودَ إِلاَّ الأَْحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِ يَوْمَ قَسْمِ مَالِهِ، لاَ مَنْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ، وَلَوْ بِيَوْمٍ.

121 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ مَاتَ وَفِي وَرَثَتِهِ مَفْقُودٌ، فَمَذْهَبُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ يُعْطَى كُل وَارِثٍ مِنْ وَرَثَتِهِ نَصِيبَهُ الْمُتَيَقَّنَ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، أَوْ تَمْضِي مُدَّةُ الاِنْتِظَارِ. وَذَلِكَ إِذَا كَانَ وُجُودُ الْمَفْقُودِ يُنْقِصُ أَنْصِبَةَ الْوَرَثَةِ الآْخَرِينَ، فَإِنْ كَانَ يَحْجُبُهُمْ حَجْبَ حِرْمَانٍ فَلاَ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنَ التَّرِكَةِ، بَل تُوقَفُ كُلُّهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ أَوْ حَيَاتُهُ (1) .

مِيرَاثُ الأَْسِيرِ:
122 - الأَْسِيرُ لُغَةً: الأَْخِيذُ وَالْمُقَيَّدُ وَالْمَسْجُونُ (2) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ عَلَى كُل مَنْ أُخِذَ سَوَاءٌ شُدَّ أَوْ لَمْ يُشَدَّ (3) .
123 - وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ فَإِنَّهُ يَرِثُ (4) .
فَإِنْ فَارَقَ دِينَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ؛ إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْتَدَّ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، ثُمَّ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْتَدَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَيُقِيمَ فِيهَا، فَهُوَ فِي الْحَالَيْنِ يَصِيرُ حَرْبِيًّا.
فَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ رِدَّتُهُ وَلاَ حَيَاتُهُ وَلاَ مَوْتُهُ فَحُكْمُهُ
__________
(1) السراجية ص 329، والحطاب 6 / 423، والتحفة 6 / 44، والمغني 6 / 205 - 208
(2) القاموس
(3) السراجية ص 335
(4) المغني 7 / 131 ط المنار.

حُكْمُ الْمَفْقُودِ، عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ الَّذِي سَبَقَ (ف: 121) . فَإِنِ ادَّعَى وَرَثَتُهُ أَنَّهُ ارْتَدَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُقْبَل ذَلِكَ إِلاَّ بِشَهَادَةِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ، لأَِنَّ إِسْلاَمَهُ كَانَ مَعْلُومًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَال، فَلاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِعَدَمِهِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ، لأَِنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ لاَ تُقْبَل فِي الأُْمُورِ الْجُزْئِيَّةِ، فَعَدَمُ قَبُولِهَا فِي أَمْرِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الأُْمُورِ مِنْ بَابِ أَوْلَى. فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِرِدَّتِهِ، وَأَنْكَرَ الرِّدَّةَ فَلاَ يَنْقُضُ الْقَاضِي حُكْمَهُ، فَلاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَلاَ مَالُهُ إِلاَّ مَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ وَارِثِهِ، كَمَا فِي الْمُرْتَدِّ الْمَعْرُوفِ إِذَا جَاءَ تَائِبًا (1) .

مِيرَاثُ الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى وَالْهَدْمَى:
124 - قَال السَّرَخْسِيُّ: اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمْ مَاتَ أَوَّلاً أَنَّهُ لاَ يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُجْعَل مِيرَاثُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِوَرَثَتِهِ الأَْحْيَاءِ، وَبِذَلِكَ قَضَى زَيْدٌ فِي قَتْلَى الْيَمَامَةِ، وَفِيمَنْ مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ، وَفِي قَتْلَى الْحَرَّةِ، وَنُقِل عَنِ الإِْمَامِ عَلِيٍّ فِي قَتْلَى الْجَمَل وَصِفِّينَ، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ أَخَذَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرِثُ مِنْ بَعْضٍ إِلاَّ فِيمَا وَرِثَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ، لأَِنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِيرَاثَ صَاحِبِهِ مَعْلُومٌ، وَهُوَ حَيَاتُهُ، وَسَبَبُ الْحِرْمَانِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِحَيَاتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِيَقِينٍ آخَرَ، وَسَبَبُ الْحِرْمَانِ مَوْتُهُ قَبْل
__________
(1) السراجية ص 335 - 337

مَوْتِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلاَ يَثْبُتُ الْحِرْمَانُ بِالشَّكِّ إِلاَّ فِيمَا وَرِثَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ لأَِجْل الضَّرُورَةِ، لأَِنَّهُ إِذَا أَعْطَيْنَا أَحَدَهُمَا مِيرَاثَ صَاحِبِهِ فَقَدْ حَكَمْنَا بِحَيَاتِهِ فِيمَا وَرِثَ مِنْ صَاحِبِهِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ قَبْلَهُ، وَلَكِنِ الثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ لاَ يَعْدُو مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ فِيمَا وَرِثَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ يَتَمَسَّكُ بِالأَْصْل، وَذَلِكَ عَمَلاً بِالْقَاعِدَةِ الْقَائِلَةِ: (إِنَّ الْيَقِينَ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ) . وَهِيَ أَصْلٌ لأَِحْكَامٍ كَثِيرَةٍ.
وَوَجْهُ قَوْل الْمَانِعِينَ مِنَ الْمِيرَاثِ أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِيرَاثَ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقِينًا، وَالاِسْتِحْقَاقُ يَنْبَنِي عَلَى السَّبَبِ، فَمَا لَمْ يَتَيَقَّنِ السَّبَبَ لاَ يَثْبُتُ الاِسْتِحْقَاقُ، وَفِي الْفِقْهِ أَصْلٌ كَبِيرٌ: أَنَّ الاِسْتِحْقَاقَ لاَ يَثْبُتُ بِالشَّكِّ (1) .

مِيرَاثُ وَلَدِ الزِّنَى:
125 - وَلَدُ الزِّنَى: وَهُوَ الْوَلَدُ الَّذِي تَأْتِي بِهِ أُمُّهُ نَتِيجَةَ ارْتِكَابِهَا الْفَاحِشَةَ. وَالْحُكْمُ: فِيهِ ثُبُوتُ نَسَبِهِ مِنْ أُمِّهِ. وَيَرِثُ بِجِهَتِهَا فَقَطْ، لأَِنَّ صِلَتَهُ بِهَا حَقِيقَةٌ مَادِّيَّةٌ لاَ شَكَّ فِيهَا، أَمَّا نَسَبُهُ إِلَى الزَّانِي فَلاَ يَثْبُتُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِبُنُوَّتِهِ لَهُ مِنَ الزِّنَى، لأَِنَّ النَّسَبَ نِعْمَةٌ، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الزِّنَى الَّذِي هُوَ جَرِيمَةٌ، فَإِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ ابْنُهُ مِنَ الزِّنَى، وَكَانَتْ أُمُّ الْوَلَدِ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ، وَتَحَقَّقَتْ شُرُوطُ الإِْقْرَارِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ حَمْلاً لِحَالِهِ عَلَى الصَّلاَحِ، وَعَمَلاً بِالظَّاهِرِ. وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَرِثَهُ الآْخَرُ (2) .
__________
(1) المبسوط 30 / 27 - 28 ط دار المعرفة بتصرف يسير
(2) تبيين الحقائق 6 / 241

وَذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُمَا إِلَى ثُبُوتِ نَسَبِ وَلَدِ الزِّنَى مِنَ الزَّانِي بِغَيْرِ صَاحِبَةِ فِرَاشِ الزَّوْجِيَّةِ، لأَِنَّ زِنَاهُ حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ، فَكَمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنَ الأُْمِّ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنَ الزَّانِي، كَيْ لاَ يَضِيعَ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَيُصِيبَهُ الضَّرَرُ وَالْعَارُ بِسَبَبِ جَرِيمَةٍ لَمْ يَرْتَكِبْهَا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - يَقُول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . (1)
وَمُقْتَضَى هَذَا الرَّأْيِ أَنَّ التَّوَارُثَ يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا، لأَِنَّ التَّوَارُثَ فَرْعُ ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَهُمْ يُثْبِتُونَهُ عَلَى الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ.

مِيرَاتُ وَلَدِ اللِّعَانِ وَالْمُتَلاَعِنِينَ:
126 - وَلَدُ اللِّعَانِ لاَ تَوَارُثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُلاَعِنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَاقِي الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا لاَعَنَ الرَّجُل امْرَأَتَهُ، وَنَفَى وَلَدَهَا، وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، انْتَفَى وَلَدُهَا عَنْهُ، وَانْقَطَعَ تَعْصِيبُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُلاَعِنِ، فَلَمْ يَرِثْهُ هُوَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ عَصَبَتِهِ، وَتَرِثُهُ أُمُّهُ، وَذَوُو الْفُرُوضِ مِنْهُ فُرُوضَهُمْ، وَيَنْقَطِعُ التَّوَارُثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلاَ نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلاَفًا.
وَأَمَّا إِنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْل تَمَامِ اللِّعَانِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، وَرِثَهُ الآْخَرَانِ فِي قَوْل الْجُمْهُورِ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِذَا أَكْمَل الزَّوْجُ لِعَانَهُ لَمْ يَتَوَارَثَا. وَقَال مَالِكٌ: إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ بَعْدَ لِعَانِهِ. فَإِنْ لاَعَنَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تَرِثْ وَلَمْ تُحَدَّ. وَإِنْ لَمْ تُلاَعِنْ وَرِثَتْ وَحُدَّتْ. وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ وَرِثَهَا فِي قَوْل جَمِيعِهِمْ إِلاَّ الشَّافِعِيَّ.
وَإِنْ تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْل تَفْرِيقِ
__________
(1) سورة فاطر / 18

الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ يَتَوَارَثَانِ. وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَزُفَرَ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَالأَْوْزَاعِيِّ، لأَِنَّ اللِّعَانَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي حُصُول الْفُرْقَةِ بِهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَالرَّضَاعِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَتَوَارَثَانِ مَا لَمْ يُفَرِّقِ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ، وَلَوْ حَصَل التَّفْرِيقُ بِاللِّعَانِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَفْرِيقِهِ.
وَإِنْ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا قَبْل تَمَامِ اللِّعَانِ لَمْ تَقَعِ الْفُرْقَةُ، وَلَمْ يَنْقَطِعِ التَّوَارُثُ فِي قَوْل الْجُمْهُورِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: إِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ تَلاَعَنَا ثَلاَثًا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَانْقَطَعَ التَّوَارُثُ، لأَِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُمَا مُعْظَمُ اللِّعَانِ، وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْل ذَلِكَ لَمْ تَقَعِ الْفُرْقَةُ وَلَمْ يَنْقَطِعِ التَّوَارُثُ (1) .
وَرُوِيَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ التَّوَارُثَ لاَ يَنْقَطِعُ بِاللِّعَانِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْمُلاَعِنِ.

اسْتِحْقَاقُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ:
127 - إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنَ الْوَرَثَةِ السَّابِقِ ذِكْرُهُمْ بِتَرْتِيبِهِمْ، فَإِنَّ الْمَال يَئُول إِلَى بَيْتِ الْمَال عَلَى رَأْيٍ، أَوْ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، أَوِ الْمُوصَى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ حَسَبَ الْخِلاَفِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ.
128 - وَالإِْقْرَارُ بِالنَّسَبِ قِسْمَانِ، الأَْوَّل: إِقْرَارٌ بِنَسَبٍ عَلَى الْمُقِرِّ، وَهُوَ الإِْقْرَارُ بِأَصْل النَّسَبِ:
__________
(1) المغني 7 / 121 - 122، والمبسوط 29 / 198 ط دار المعرفة، وروضة الطالبين 6 / 43 ط المكتب الإسلامي، ومنح الجليل 4 / 752

الْبُنُوَّةُ وَالأُْبُوَّةُ وَالأُْمُومَةُ مُبَاشَرَةً. فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الإِْقْرَارِ مَتَى تَوَافَرَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِصِحَّتِهِ صَحَّ الإِْقْرَارُ وَثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْبُنُوَّةِ أَوِ الأُْبُوَّةِ لِلْمُقِرِّ، فَيَرِثُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَسَائِرِ أَبْنَائِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ.
الثَّانِي: إِقْرَارٌ بِنَسَبٍ عَلَى غَيْرِ الْمُقِرِّ، وَهُوَ الإِْقْرَارُ بِقَرَابَةٍ يَكُونُ فِيهَا وَاسِطَةً بَيْنَ الْمُقِرِّ وَالْمُقَرِّ لَهُ، كَإِقْرَارِ شَخْصٍ لآِخَرَ بِأَنَّهُ أَخُوهُ أَوْ عَمُّهُ أَوْ جَدُّهُ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الإِْقْرَارِ لاَ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَلَكِنْ يُعَامَل الْمُقِرُّ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ، فَيَصِحُّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فِي الأُْمُورِ الْمَالِيَّةِ مَتَى تَحَقَّقَتْ شُرُوطُ صِحَّتِهِ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلْحَاقُ ضَرَرٍ بِالْغَيْرِ.
فَإِذَا تُوُفِّيَ الْمَيِّتُ عَنِ ابْنَيْنِ، وَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِثَالِثٍ وَأَنْكَرَ الثَّانِي. فَقَدْ قَال مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: إِنَّ لِلْمُقَرِّ لَهُ حَقًّا عَلَى الْمُقِرِّ، فَيُشَارِكُهُ فِي مِيرَاثِهِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُقِرِّ إِعْطَاؤُهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ، فَقَال مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا زَادَ عَنْ نَصِيبِهِ فِيمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ أَيْ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ. وَقَال الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْطِيهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، لأَِنَّ الْمُقِرَّ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ يَقُول لِلْمُقَرِّ لَهُ: أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءٌ فِي مِيرَاثِ أَبِينَا، وَمَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ، فَكَأَنَّهُ تَلِفَ أَوْ أَخَذَتْهُ يَدٌ مُعْتَدِيَةٌ، فَنَسْتَوِي فِيمَا بَقِيَ وَهُوَ الَّذِي بِيَدِيِّ.
وَاحْتَجَّ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ بِالزَّائِدِ عَنْ مِيرَاثِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ شَيْءٌ قَضَاءً. وَهَل يَلْزَمُهُ دِيَانَةً؟ قَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا لاَ يَلْزَمُهُ، لأَِنَّهُ لاَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِهَذَا الإِْقْرَارِ، وَإِذَا

كَانَ لاَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ فَلاَ يَرِثُ. وَالْقَوْل الآْخَرُ إِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ دِيَانَةً فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ.

129 - وَإِذَا تَرَكَ الْمُتَوَفَّى ابْنًا وَاحِدًا فَأَقَرَّ بِأَخٍ لَهُ فَلاَ يَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ لَهُ بِالإِْقْرَارِ، لأَِنَّ نِصَابَ الشَّهَادَةِ لَمْ يَتِمَّ، وَلَكِنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلاَ يَجِبُ الْمِيرَاثُ. وَالثَّانِي يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَجِبُ الْمِيرَاثُ. وَالضَّابِطُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَال كُلَّهُ مِيرَاثًا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ النَّسَبُ وَيَتْبَعُهُ الْمِيرَاثُ فِي الْحُكْمِ (1) .

الْمُوصَى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وَلاَ وَارِثَ لَهُ:
130 - إِذَا لَمْ يُوجَدْ وَارِثٌ لِلْمُتَوَفَّى حَسْبَمَا سَبَقَ، أَوْ مُقَرٌّ لَهُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، كَانَتْ تَرِكَتُهُ كُلُّهَا لِلْمُوصَى لَهُ بِجَمِيعِ الْمَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُمْ يُقَدِّمُونَهُ هُنَا عَلَى بَيْتِ الْمَال، وَإِنَّمَا أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لأَِنَّ عَدَمَ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ فِيمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَقَدْ زَال الْمَانِعُ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَال لاَ يُجِيزُونَ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْجَازَةِ (2) .
__________
(1) ابن عابدين 2 / 969 ط أولى، بداية المجتهد لابن رشد 2 / 256 ط الحلبي، والروضة 4 / 423 ط المكتب الإسلامي والمغني 7 / 144 - 146، والمهذب للشيرازي 2 / 353.
(2) السراجية ص 58، وبداية المجتهد 2 / 336 ط الحلبي 3، وشرح روض الطالب 3 / 33 ط المكتبة الإسلامية، ابن عابدين 5 / 417، 418، ومنتهى الإرادات 2 / 37 ط دار العروبة.

التَّخَارُجُ:
131 - التَّخَارُجُ لُغَةً: أَنْ يَأْخُذَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الدَّارَ، وَبَعْضُهُمُ الأَْرْضَ مَثَلاً (1) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَتَصَالَحَ الْوَرَثَةُ عَلَى إِخْرَاجِ بَعْضِهِمْ مِنَ الْمِيرَاثِ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الشَّيْءُ الْمَعْلُومُ مِنْ تَرِكَةِ الْمُوَرِّثِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا
132 - حُكْمُهُ: أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيُجِيزُونَهُ فِي الْمَوَارِيثِ الْقَدِيمَةِ، أَمَّا فِي التَّرِكَاتِ الْحَاضِرَةِ، فَقَدْ صَرَّحَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا عُلِمَ لِلطَّرَفَيْنِ، أَمَّا إِذَا جَهِل صَاحِبُ الْحَقِّ الْمُتَصَالَحَ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ.
133 - وَإِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، أَوْ هُمَا مَعًا فَلاَ بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ أَحْكَامِ الصَّرْفِ، مِنْ وُجُوبِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ وَالْمُسَاوَاةِ إِنْ تَعَيَّنَتْ. كَمَا أَنَّهُ عِنْدَ التَّخَارُجِ تُغْتَفَرُ الْجَهَالَةُ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ.
وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ وَالْخِلاَفُ فِيهِ وَتَخْرِيجُ مَسَائِلِهِ فِي مُصْطَلَحِهِ (2) .

الْمُنَاسَخَةُ:
134 - التَّنَاسُخُ لُغَةً: التَّتَابُعُ وَالتَّدَاوُل، وَمِنْهُ تَنَاسَخَ الْوَرَثَةُ؛ لأَِنَّ الْمِيرَاثَ لاَ يُقْسَمُ عَلَى حُكْمِ
__________
(1) القاموس
(2) البحر الرائق 5 / 190 ط العلمية، الدسوقي 4 / 468، 3 / 315، ونهاية المحتاج 4 / 375، والقليوبي 3 / 137، والمغني 4 / 544 ط الرياض. والسراجية 236 - 237، والمبسوط 2 / 135، و 15 / 60

الْمَيِّتِ الأَْوَّل، بَل عَلَى حُكْمِ الثَّانِي، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ (1) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: انْتِقَال نَصِيبِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِمَوْتِهِ قَبْل الْقِسْمَةِ إِلَى مَنْ يَرِثُ مِنْهُ.
135 - فَإِذَا مَاتَ إِنْسَانٌ وَلَمْ تُقْسَمْ تَرِكَتُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ حَتَّى مَاتَ بَعْضُهُمْ فَلاَ يَخْلُو الْحَال مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَرَثَةُ الثَّانِي هُمْ وَرَثَةُ الأَْوَّل. أَوْ يَكُونَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لِلأَْوَّل، فَإِذَا كَانَ وَرَثَةُ الثَّانِي هُمْ وَرَثَةُ الأَْوَّل فَيُكْتَفَى بِقِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ الْمَوْجُودِينَ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُتَوَفَّى الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ حَيًّا حِينَ وَفَاةِ الْمُتَوَفَّى الأَْوَّل، وَلاَ دَاعِيَ لِقِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَ وَرَثَةِ الأَْوَّل، ثُمَّ وَرَثَةِ الثَّانِي؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَتَغَيَّرُوا.

136 - فَلَوْ مَاتَ شَخْصٌ عَنْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ مِنْ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْل قِسْمَةِ التَّرِكَةِ، وَلاَ وَارِثَ لَهُ سِوَى إِخْوَتِهِ الْبَاقِينَ، فَيُكْتَفَى بِقِسْمَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ.

137 - وَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ وَرَثَةِ الْمُتَوَفَّى الثَّانِي مَنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لِلأَْوَّل، فَإِنَّهُ يَجِبُ قِسْمَةُ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى الأَْوَّل بَيْنَ وَرَثَتِهِ، ثُمَّ يَقْسِمُ نَصِيبَ الثَّانِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ حَسَبَ أَحْكَامِ الْمِيرَاثِ. وَذَلِكَ كَأَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ عَنِ ابْنِهِ وَبِنْتِهِ، ثُمَّ قَبْل قِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا مَاتَ الاِبْنُ عَنْ: بِنْتٍ وَأُخْتٍ، فَإِنَّ تَرِكَةَ الأَْوَّل تُقْسَمُ بَيْنَ الاِبْنِ وَالْبِنْتِ، لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، ثُمَّ يُقْسَمُ نَصِيبُ الاِبْنِ بَيْنَ بِنْتِهِ وَأُخْتِهِ مُنَاصَفَةً بَيْنَهَا، وَهَكَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي الْمُنَاسَخَاتِ (2) .
__________
(1) المصباح المنير
(2) السراجية ص 259

حِسَابُ الْمَوَارِيثِ:
138 - إِذَا اسْتَحَقَّ التَّرِكَةَ وَارِثٌ وَاحِدٌ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى تَقْسِيمِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ عَاصِبًا، أَمْ صَاحِبَ فَرْضٍ، أَمْ ذَا رَحِمٍ.
أَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ الْوَرَثَةُ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ، فَيَأْخُذُ كُل وَارِثٍ نَصِيبَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِنْهَا، وَيَلْزَمُ لِتَقْسِيمِ التَّرِكَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ الأُْمُورُ الآْتِيَةُ:

139 - أَوَّلاً: مَعْرِفَةُ الْفُرُوضِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا أَصْحَابُ الْفُرُوضِ مِنَ الْوَرَثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوضَةِ. وَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْوَال ذَوِي الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْوَرَثَةِ.

140 - ثَانِيًا: مَعْرِفَةُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوضَةِ، وَهُوَ أَقَل عَدَدٍ يُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ سِهَامُ الْوَرَثَةِ بِدُونِ كَسْرٍ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَنْ يُوجَدُ مِنَ الْوَرَثَةِ. فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ، أَوْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، أَوْ مُشْتَرَكًا. فَإِذَا وُجِدَ عَصَبَةٌ فَقَطْ يُعْتَبَرُ عَدَدُ رُءُوسِهِمْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ، فَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ عَدَدِ الرُّءُوسِ. فَفِي ثَلاَثَةِ أَبْنَاءٍ، أَوْ ثَلاَثَةِ إِخْوَةٍ أَشِقَّاءٍ، أَوْ لأَِبٍ، أَصْل الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةٌ، وَتُقْسَمُ عَلَيْهِمْ أَثْلاَثًا، يَأْخُذُ كُل وَاحِدٍ ثُلُثَ التَّرِكَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا وُجِدَتْ مَعَهُمْ أُنْثَى مُعَصَّبَةٌ بِهِمْ، عُدَّ كُل ذَكَرٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنَ الإِْنَاثِ، وَتُقْسَمُ التَّرِكَةُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ، فَفِي ابْنَيْنِ وَثَلاَثِ بَنَاتٍ أَصْل الْمَسْأَلَةِ سَبْعَةٌ، لِكُل ابْنٍ سُبُعَانِ، وَلِكُل بِنْتٍ سُبُعٌ. وَفِي ثَلاَثَةِ إِخْوَةٍ أَشِقَّاءٍ وَأَرْبَعِ أَخَوَاتٍ شَقِيقَاتٍ. أَصْل الْمَسْأَلَةِ عَشَرَةٌ، لِكُل أَخٍ عُشْرَانِ، وَلِكُل أُخْتٍ عَشْرٌ.

141 - وَإِذَا وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ. فَأَصْل الْمَسْأَلَةِ مَقَامُ الْكَسْرِ الاِعْتِيَادِيِّ الدَّال عَلَى فَرْضِ صَاحِبِ الْفَرْضِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْفُرُوضُ لاَ تَتَعَدَّى الْكُسُورَ الآْتِيَةَ:
النِّصْفَ، الرُّبُعَ، الثُّمُنَ، الثُّلُثَيْنِ، الثُّلُثَ، السُّدُسَ.
فَلاَ يَخْرُجُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ مَقَامَاتِ هَذِهِ الْكُسُورِ.
142 - وَإِذَا وُجِدَ أَصْحَابُ فُرُوضٍ مُخْتَلِفَةٍ وَحْدَهُمْ، أَوْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْعَصَبَاتِ النَّسَبِيَّةِ، فَأَصْل الْمَسْأَلَةِ الْمُضَاعَفُ الْبَسِيطُ لِمَقَامَاتِ الْكُسُورِ الاِعْتِيَادِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْفُرُوضِ، وَقَدْ دَل الاِسْتِقْرَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُضَاعَفَ الْبَسِيطَ لِمَقَامَاتِ الْكُسُورِ فِي أَيِّ مَسْأَلَةٍ لاَ يَخْرُجُ أَوَّلاً عَنْ سَبْعَةِ أَعْدَادٍ، وَهِيَ: (2، 3، 4، 6، 8، 12، 24) .
143 - وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَائِلَةٌ، أَوْ فِيهَا رَدٌّ، يَخْرُجُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ عَنْ هَذِهِ الأَْعْدَادِ، وَالْخَمْسَةُ الأُْولَى مِنْ هَذِهِ الأَْعْدَادِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ مَقَامَاتِ الْكُسُورِ الاِعْتِيَادِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْفُرُوضِ، وَالْعَدَدُ (12) مَأْخُوذٌ مِنِ اخْتِلاَطِ. 1: 4 بِالنَّوْعِ الثَّانِي مِنَ الْفُرُوضِ وَهُوَ:
الثُّلُثَانِ الثُّلُثُ السُّدُسُ.

وَأَمَّا النَّوْعُ الأَْوَّل مِنَ الْفُرُوضِ فَهُوَ:
النِّصْفُ الرُّبُعُ الثُّمُنُ
وَالْعَدَدُ (24) مَأْخُوذٌ مِنِ اخْتِلاَطِ الثُّمُنِ بِالنَّوْعِ الثَّانِي الْمَذْكُورِ.
وَيُغْنِي عَمَّا تَقَدَّمَ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ (24) أَصْلاً لِمَسَائِل الْمَوَارِيثِ، فَذَلِكَ أَيْسَرُ وَأَسْهَل.
وَلاَ بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أَصْل الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوضَةِ، حَتَّى يُمْكِنَ مَعْرِفَةُ سِهَامِ كُل وَارِثٍ مِنَ الْوَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلتَّرِكَةِ.

144 - ثَالِثًا: مَعْرِفَةُ عَدَدِ سِهَامِ كُل وَارِثٍ مِنَ الْوَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلتَّرِكَةِ. فَإِذَا كَانَ الْوَارِثُ صَاحِبَ فَرْضٍ، فَعَدَدُ سِهَامِهِ مِنَ التَّرِكَةِ هُوَ النَّاتِجُ مِنْ ضَرْبِ أَصْل الْمَسْأَلَةِ فِي الْكَسْرِ الدَّال عَلَى فَرْضِهِ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَبٌ وَأُمٌّ، فَإِنَّ الأُْمَّ تَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ، وَيَكُونُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ هُوَ ثَلاَثَةٌ، وَإِذَا كَانَ عَاصِبًا وَبَقِيَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ. فَعَدَدُ سِهَامِهِ هُوَ الْبَاقِي مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ طَرْحِ مَجْمُوعِ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ. فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ زَوْجَةً وَأَبًا، فَأَصْل الْمَسْأَلَةِ يَكُونُ أَرْبَعَةً؛ لأَِنَّ الزَّوْجَةَ لَهَا الرُّبُعُ، فَيَكُونُ لَهَا سَهْمٌ، وَلِلأَْبِ الْبَاقِي ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ.

145 - رَابِعًا: مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ السَّهْمِ الْوَاحِدِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَهُوَ النَّاتِجُ مِنْ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ عَلَى أَصْل الْمَسْأَلَةِ إِنْ كَانَ مَجْمُوعُ السِّهَامِ مُسَاوِيًا لأَِصْل الْمَسْأَلَةِ. فَفِي زَوْجٍ، وَابْنٍ، وَبِنْتٍ، يَكُونُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَرْبَعَةٍ: لِلزَّوْجِ سَهْمٌ، وَلِلْبِنْتِ سَهْمٌ، وَلِلاِبْنِ سَهْمَانِ.

146 - خَامِسًا: مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ نَصِيبِ كُل وَارِثٍ مِنَ التَّرِكَةِ، وَهُوَ النَّتِيجَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنَ التَّرِكَةِ. وَهُوَ النَّاتِجُ مِنْ ضَرْبِ مِقْدَارِ السَّهْمِ الْوَاحِدِ مِنَ التَّرِكَةِ فِي عَدَدِ سِهَامِ كُل وَارِثٍ.
ثُمَّ إِذَا جَمَعْتَ سِهَامَ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ عَدَدِ سِهَامِ كُل وَارِثٍ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ حَسَبَ الطَّرِيقَةِ السَّابِقَةِ، وَقَارَنْتَ مَجْمُوعَ تِلْكَ السِّهَامِ بِأَصْل الْمَسْأَلَةِ، فَلاَ يَخْلُو الْحَال مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ:
أ - أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ السِّهَامِ مُسَاوِيًا لأَِصْل الْمَسْأَلَةِ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَادِلَةً؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنَ التَّرِكَةِ بِلاَ زِيَادَةٍ وَلاَ نَقْصٍ، كَمَا فِي زَوْجٍ، وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ.
ب - أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ أَكْثَرَ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَائِلَةً، كَمَا فِي زَوْجٍ، وَأُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ، أَوْ لأَِبٍ.
ج - أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ سِهَامِ الْفُرُوضِ أَقَل مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يُوجَدْ عَاصِبٌ نَسَبِيٌّ يَسْتَحِقُّ الْبَاقِيَ مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ سِهَامِ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، وَيُقَال لِلْمَسْأَلَةِ حِينَئِذٍ فِيهَا رَدٌّ. وَالأَْمْرَانِ: الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَهُمَا الْعَوْل وَالرَّدُّ، بَيَانُهُمَا فِيمَا سَبَقَ.

الْمُلَقَّبَاتُ مِنْ مَسَائِل الْمِيرَاثِ:
فِي الْفَرَائِضِ مَسَائِل اشْتُهِرَتْ بِأَلْقَابٍ خَاصَّةٍ لِمَا تَقَرَّرَ مِنَ الْقَوَاعِدِ وَالأَْحْكَامِ. مِنْهَا مَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُكْمِهَا، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ:

147 - أَوَّلاً: الْمُشَرَّكَةُ، أَوِ الْحِمَارِيَّةُ، أَوِ الْحَجَرِيَّةُ، أَوِ الْيَمِّيَّةُ:
وَصُورَتُهَا: امْرَأَةٌ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجًا وَأُمًّا

وَأَخَوَيْنِ لأُِمٍّ، أَوْ أُخْتَيْنِ لأُِمٍّ، أَوْ أَخًا وَأُخْتًا لأُِمٍّ، وَأَخَوَيْنِ شَقِيقَيْنِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ.
فَمَذْهَبُ الإِْمَامِ عَلِيٍّ، وَأَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ، وَلِلأُْمِّ السُّدُسَ، وَلِلأَْخَوَيْنِ لأُِمٍّ الثُّلُثَ، وَلاَ شَيْءَ لِلإِْخْوَةِ لأَِبٍ وَأُمٍّ. وَهَذَا هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الأَْصَحِّ عَنْهُ.
وَمَذْهَبُ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ: أَنَّهُ يُشْرَكُ بَيْنَ الإِْخْوَةِ لأُِمٍّ وَالأَْشِقَّاءِ، فَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا يُسَوَّى بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، فِي النَّصِيبِ.
وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ شُرَيْحٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رَأْيِهِ الأَْوَّل يَنْفِي التَّشْرِيكَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا التَّشْرِيكُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا عَدَمُ التَّشْرِيكِ.
148 - وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ التَّشْرِيكِ؛ لِمُشَارَكَةِ أَوْلاَدِ الأَْبِ وَالأُْمِّ لأَِوْلاَدِ الأُْمِّ فِي الْمِيرَاثِ. كَمَا تُسَمَّى، الْحِمَارِيَّةُ وَالْحَجَرِيَّةُ وَالْيَمِّيَّةُ أَيْضًا. لأَِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا اُسْتُفْتِيَ عُمَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ، أَفْتَى بِعَدَمِ مُشَارَكَةِ الإِْخْوَةِ لأَِبٍ وَأُمٍّ لِلإِْخْوَةِ لأُِمٍّ فِي الْمِيرَاثِ، فَقَال لَهُ الإِْخْوَةُ لأَِبٍ وَأُمٍّ: هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا، وَفِي رِوَايَةٍ حَجَرًا مُلْقًى فِي الْيَمِّ. أَلَسْنَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ؟ فَرَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ الأَْوَّل، وَأَفْتَى بِالتَّشْرِيكِ. وَقِيل لَهُ: لَقَدْ أَفْتَيْتَ سَابِقًا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَقَال: تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذِهِ عَلَى مَا نَقْضِي.
قَال صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ الرَّأْيَ

بِالتَّشْرِيكِ: وَهُوَ " أَيِ الْقَوْل بِالتَّشْرِيكِ " الْمَعْنَى الْفِقْهِيُّ. فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ وَالإِْدْلاَءِ. وَقَدِ اسْتَوَوْا فِي الإِْدْلاَءِ إِلَى الْمَيِّتِ بِالأُْمِّ وَرَجَحَ الإِْخْوَةُ لأُِمٍّ وَأَب بِالإِْدْلاَءِ إِلَيْهِ بِالأَْبِ. فَإِنْ كَانُوا لاَ يَتَقَدَّمُونَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَلاَ أَقَل مِنْ أَنْ يَسْتَوُوا بِهِمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَقَدَّمُوا لأَِنَّ الإِْدْلاَءَ بِالأَْبِ بِسَبَبِ الْعُصُوبَةِ. وَاسْتِحْقَاقُ الْعَصَبَاتِ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الأَْبِ فِي حَقِّهِمْ. وَإِنَّمَا يَبْقَى الإِْدْلاَءُ بِقَرَابَةِ الأُْمِّ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَالْقَائِلُونَ بِالتَّشْرِيكِ سَوَّوْا فِي الْمِيرَاثِ بِالنِّسْبَةِ لأَِوْلاَدِ الأُْمِّ، وَلأَِوْلاَدِ الأَْبِ وَالأُْمِّ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى؛ لأَِنَّ الْمِيرَاثَ ثَبَتَ لَهُمْ بِاعْتِبَارِهِمْ أَوْلاَدَ أُمٍّ. وَالْحُكْمُ فِيهِمُ الْمُسَاوَاةُ. وَذَلِكَ بَعْدَ قِسْمَةِ الثُّلُثِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مُنَاصَفَةً.
149 - وَاسْتَدَلُّوا لِلْقَوْل بِالتَّشْرِيكِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا:

أَوَّلاً: أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْضُ وَلَدِ الأُْمِّ ابْنَ عَمٍّ يُشَارِكُ بِقَرَابَةِ الأُْمِّ وَإِنْ سَقَطَتْ عُصُوبَتُهُ، فَبِالأَْوْلَى الأَْخُ مِنَ الأَْبَوَيْنِ.

ثَانِيًا: أَنَّهَا فَرِيضَةٌ جَمَعَتْ وَلَدَ الأَْبَوَيْنِ وَوَلَدَ الأُْمِّ، وَهُمْ مِنْ أَهْل الْمِيرَاثِ. فَإِذَا وَرِثَ وَلَدُ الأُْمِّ وَرِثَ وَلَدُ الأَْبَوَيْنِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَوْجٌ.

ثَالِثًا: أَنَّ الإِْرْثَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْدِيمِ الأَْقْوَى عَلَى الأَْضْعَفِ. وَأَدْنَى أَحْوَال الأَْقْوَى مُشَارَكَتُهُ لِلأَْضْعَفِ، وَلَيْسَ فِي أُصُول الْمِيرَاثِ سُقُوطُ الأَْقْوَى بِالأَْضْعَفِ، وَوَلَدُ الأَْبِ وَالأُْمِّ أَقْوَى مِنْ وَلَدِ الأُْمِّ (1) .
150 - وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ التَّشْرِيكِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا:
__________
(1) السراجية ص241 - 248

أَوَّلاً: قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} . (1)
إِذْ لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالآْيَةِ أَوْلاَدُ الأُْمِّ عَلَى الْخُصُوصِ، كَمَا أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الْمُفَسِّرُونَ. وَيَدُل عَلَيْهِ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمِّهِ. فَتَشْرِيكُ الأَْشِقَّاءِ مَعَ أَوْلاَدِ الأُْمِّ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الآْيَةِ الأُْخْرَى {فَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ} . (2) ، إِذِ الْمُرَادُ مِنَ الإِْخْوَةِ فِي الآْيَةِ كُل الإِْخْوَةِ، مَا عَدَا إِخْوَةَ الأُْمِّ. وَقَدْ جَعَل اللَّهُ فِيهَا حَظَّ الذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ. وَلَكِنِ الْقَائِلِينَ بِالتَّشْرِيكِ يُسَوُّونَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى وَفِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لَهَا.

ثَانِيًا: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلأَِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (3) وَإِلْحَاقُ الْفَرَائِضِ بِأَهْلِهَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لأَِوْلاَدِ الأُْمِّ فِي الْمَسْأَلَةِ كُل الثُّلُثِ؛ لأَِنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، فَمُشَارَكَةُ الإِْخْوَةِ لأَِبٍ وَأُمٍّ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِلْحَدِيثِ.

ثَالِثًا: أَنَّ الإِْجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلاَدِ الأُْمِّ، وَعَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الإِْخْوَةِ الأَْشِقَّاءِ، فَإِنَّ وَلَدَ الأُْمِّ يَأْخُذُ السُّدُسَ، وَكُل الإِْخْوَةِ يَأْخُذُونَ الثُّلُثَ.
فَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ يَفْضُلُهُمْ هَذَا الْفَضْل، فَلِمَ لاَ يَجُوزُ لِلاِثْنَيْنِ إِسْقَاطُهُمْ.
__________
(1) سورة النساء / 12
(2) سورة النساء / 176
(3) حديث تقدم (هامش ف 4)

الْغَرَّاوَانِ، أَوِ الْغَرِيمَتَانِ، أَوِ الْغَرِيبَتَانِ، أَوِ الْعُمَرِيَّتَانِ:
151 - صُورَتُهَا امْرَأَةٌ تُوُفِّيَتْ عَنْ: زَوْجٍ وَأُمٍّ وَأَبٍ، أَوْ رَجُلٌ تُوُفِّيَ عَنْ: زَوْجَةٍ وَأُمٍّ وَأَبٍ.
فَقَدِ اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ فِي الأُْولَى عَلَى: أَنَّ لِلزَّوْجِ نِصْفَ التَّرِكَةِ، وَلِلأُْمِّ ثُلُثَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ. وَفِي الثَّانِيَةِ: لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعَ، وَلِلأُْمِّ ثُلُثَ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَةِ، وَلِلأَْبِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْبَاقِيَ، بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ وَفَرْضِ الأُْمِّ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ كُل ذَكَرٍ وَأُنْثَى يَأْخُذَانِ الْمَال أَثْلاَثًا يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَا الْبَاقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِيَّةِ كَذَلِكَ، كَالأَْخِ وَالأُْخْتِ لِغَيْرِ أُمٍّ. وَبِأَنَّ الأَْصْل أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى مِنْ دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، أَنْ يَكُونَ لِلذَّكَرِ ضِعْفُ مَا لِلأُْنْثَى، فَلَوْ جَعَل لِلأُْمِّ ثُلُثَ كُل التَّرِكَةِ مَعَ الزَّوْجِ، لَفَضَلَتْ عَلَى الأَْبِ، وَمَعَ الزَّوْجَةِ لَمْ يَكُنْ نَصِيبُ الأَْبِ ضِعْفَ نَصِيبِ الأُْمِّ، وَلاَ يَرِدُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمَا إِذَا اجْتَمَعَا مَعَ الاِبْنِ تَسَاوَيَا؛ لأَِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: الأَْصْل كَذَا. فَذَلِكَ لاَ يُنَافِي خُرُوجَ فَرْضٍ عَنْهُ لِدَلِيلٍ، كَمَا خَرَجَ عَنْهُ الإِْخْوَةُ لأُِمٍّ فِي تَسَاوِي نَصِيبِ الذَّكَرِ بِنَصِيبِ الأُْنْثَى.
وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَال: لِلأُْمِّ فِي الصُّورَتَيْنِ الثُّلُثُ كَامِلاً. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} (1) : وَبِقَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلأَِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (2) وَالأَْبُ فِي الصُّورَةِ عَصَبَةٌ، فَلَهُ مَا بَقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ. قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي - كَمَا نَقَل عَنْهُ
__________
(1) سورة النساء / 11
(2) حديث تقدم (هامش ف 4)

صَاحِبُ الْعَذْبِ الْفَائِضِ: وَالْحُجَّةُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَوْلاَ انْعِقَادُ الإِْجْمَاعِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلاَفِهِ فِيهِمَا.
152 - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الأَْبِ فِي الصُّورَتَيْنِ جَدٌّ، لَكَانَ لِلأُْمِّ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَال، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَرَوَى ذَلِكَ أَهْل الْكُوفَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي صُورَةِ الزَّوْجِ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنَّ لِلأُْمِّ مَعَ الْجَدِّ ثُلُثَ الْبَاقِي أَيْضًا، كَمَا مَعَ الأَْبِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَعَل الْجَدَّ كَالأَْبِ. وَالْوَجْهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْولَى هُوَ تَرْكُ ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} فِي حَقِّ الأَْبِ كَيْ لاَ يَلْزَمَ تَفْضِيلُهَا عَلَيْهِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقُرْبِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْجَدِّ فَأُبْقِيَ النَّصُّ عَلَى ظَاهِرِهِ {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} لِعَدَمِ تَسَاوِي الأُْمِّ وَالْجَدِّ فِي الْقُرْبِ.
153 - وَتُسَمَّى الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ بِالْغَرَّاوَيْنِ؛ لِشُهْرَتِهَا كَالْكَوْكَبِ الأَْغَرِّ " الْمُضِيءِ "، وَبِالْغَرِيمَتَيْنِ لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ كَالْغَرِيمِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَالأَْبَوَانِ كَالْوَرَثَةِ يَأْخُذَانِ مَا فَضَل بَعْدَ فَرْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَبِالْغَرِيبَتَيْنِ لِغَرَابَتِهِمَا بَيْنَ مَسَائِل الْفَرَائِضِ، وَبِالْعُمَرِيَّتَيْنِ؛ لأَِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوَّل مَنْ قَضَى فِيهِمَا لِلأُْمِّ بِثُلُثِ الْبَاقِي، وَوَافَقَهُ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (1) . وَهُنَاكَ مَسَائِل أُخْرَى مُسْتَثْنَاةٌ،
__________
(1) السراجية 132 - 134، والعذب الفائض 1 / 55، والشرح الكبير 4 / 410، 411 ط دار الفكر، والتحفة مع الشرواني 1 / 4، 5

تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا أَيْضًا لَكِنْ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ، مِمَّا دَعَا إِلَى إِفْرَادِهِمَا وَلأَِهَمِّيَّتِهِمَا.

الْخَرْقَاءُ:
154 - صُورَتُهَا: أُمٌّ وَجَدٌّ وَأُخْتٌ، سُمِّيَتْ خَرْقَاءَ لأَِنَّ أَقَاوِيل الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ تَخَرَّقَتْهَا. قَال أَبُو بَكْرٍ: لِلأُْمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ، وَقَال زَيْدٌ: لِلأُْمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالأُْخْتِ أَثْلاَثًا. وَقَال عَلِيٌّ: لِلأُْمِّ الثُّلُثُ، وَلِلأُْخْتِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لِلأُْخْتِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَ الأُْمِّ وَالْجَدِّ نِصْفَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ قَوْل عُمَرَ لِلأُْخْتِ النِّصْفُ، وَلِلأُْمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ.
وَتُسَمَّى عُثْمَانِيَّةً، لأَِنَّ عُثْمَانَ انْفَرَدَ فِيهَا بِقَوْلٍ خَرَقَ الإِْجْمَاعَ فَقَال: لِلأُْمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالأُْخْتِ نِصْفَانِ قَالُوا: وَبِهِ سُمِّيَتْ خَرْقَاءَ.
وَتُسَمَّى مُثَلَّثَةَ عُثْمَانَ، وَمُرَبَّعَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُخَمَّسَةَ الشَّعْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، لأَِنَّ الْحَجَّاجَ سَأَلَهُ عَنْهَا فَقَال: اخْتَلَفَ فِيهَا خَمْسَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِمْ قَوْل الصِّدِّيقِ كَانَتْ مُسَدَّسَةً.

الْمَرْوَانِيَّةُ:
155 - صُورَتُهَا: سِتُّ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ وَزَوْجٌ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأُْخْتَيْنِ لأَِبَوَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَلِلأُْخْتَيْنِ لأُِمٍّ الثُّلُثُ، وَسَقَطَ أَوْلاَدُ الأَْبِ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ، وَتَعُول إِلَى تِسْعَةٍ، سُمِّيَتْ مَرْوَانِيَّةً؛ لِوُقُوعِهَا فِي زَمَنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَتُسَمَّى الْغَرَّاءَ؛ لاِشْتِهَارِهَا بَيْنَهُمْ.

الْحَمْزِيَّةُ:
156 - صُورَتُهَا: ثَلاَثُ جَدَّاتٍ مُتَحَاذِيَاتٍ، وَجَدٌّ، وَثَلاَثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، قَال أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: لِلْجَدَّاتِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ. أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ. وَقَال عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ: لِلأُْخْتِ مِنَ الأَْبَوَيْنِ النِّصْفُ، وَمِنَ الأَْبِ السُّدُسُ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، وَلِلْجَدَّاتِ السُّدُسُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ: لِلْجَدَّةِ أُمُّ الأُْمِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ. وَقَال زَيْدٌ: لِلْجَدَّاتِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالأُْخْتِ لأَِبَوَيْنِ وَالأُْخْتِ لأَِبٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ، ثُمَّ تَرُدُّ الأُْخْتُ مِنَ الأَْبِ مَا أَخَذَتْ عَلَى الأُْخْتِ مِنَ الأَْبَوَيْنِ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ، وَتَصِحُّ مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَتَعُودُ بِالاِخْتِصَارِ إِلَى سِتَّةٍ وَثَلاَثِينَ، لِلْجَدَّاتِ سِتَّةٌ، وَلِلأُْخْتِ مِنَ الأَْبَوَيْنِ نَصِيبُهَا وَنَصِيبُ أُخْتِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلِلْجَدِّ خَمْسَةَ عَشَرَ. سُمِّيَتْ حَمْزِيَّةً؛ لأَِنَّ حَمْزَةَ الزَّيَّاتَ سُئِل عَنْهَا فَأَجَابَ بِهَذِهِ الأَْجْوِبَةِ.

الدِّينَارِيَّةُ:
157 - صُورَتُهَا: زَوْجَةٌ، وَجَدَّةٌ وَبِنْتَانِ وَاثْنَا عَشَرَ أَخًا وَأُخْتٌ وَاحِدَةٌ لأَِبٍ وَأُمٍّ، وَالتَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ سِتُّمِائَةِ دِينَارٍ، لِلْجَدَّةِ السُّدُسُ مِائَةُ دِينَارٍ، وَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَلِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِينَارًا، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا لِكُل أَخٍ دِينَارَانِ، وَلِلأُْخْتِ دِينَارٌ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الدِّينَارِيَّةَ، وَتُسَمَّى الدَّاوُدِيَّةَ، لأَِنَّ دَاوُد الطَّائِيَّ سُئِل عَنْهَا، فَقَسَّمَهَا هَكَذَا، فَجَاءَتِ الأُْخْتُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَتْ: إِنَّ أَخِي مَاتَ وَتَرَكَ سِتَّمِائَةِ

دِينَارٍ، فَمَا أُعْطِيتُ مِنْهَا إِلاَّ دِينَارًا وَاحِدًا، فَقَال: مَنْ قَسَمَ التَّرِكَةَ؟ فَقَالَتْ: تِلْمِيذُكَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ فَقَال: هُوَ لاَ يَظْلِمُ، هَل تَرَكَ أَخُوكِ جَدَّةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: هَل تَرَكَ بِنْتَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: هَل تَرَكَ زَوْجَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: هَل تَرَكَ مَعَكِ اثْنَيْ عَشَرَ أَخًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: إِذَنْ حَقُّكِ دِينَارٌ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْمُعَايَاةِ فَيُقَال: رَجُلٌ خَلَّفَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ وَارِثًا، ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَأَصَابَ أَحَدَهُمْ دِينَارٌ وَاحِدٌ.

الاِمْتِحَانُ:
158 - صُورَتُهَا: أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ، وَخَمْسُ جَدَّاتٍ، وَسَبْعُ بَنَاتٍ، وَتِسْعُ أَخَوَاتٍ لأَِبٍ. أَصْلُهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، لِلزَّوْجَاتِ الثُّمُنُ ثَلاَثَةٌ، وَلِلْجَدَّاتِ السُّدُسُ أَرْبَعَةٌ، وَلِلْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَلِلأَْخَوَاتِ مَا بَقِيَ سَهْمٌ، وَلاَ مُوَافَقَةَ بَيْنَ السِّهَامِ وَالرُّءُوسِ، وَلاَ بَيْنَ الرُّءُوسِ وَالرُّءُوسِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى ضَرْبِ الرُّءُوسِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، فَاضْرِبْ أَرْبَعَةً فِي خَمْسَةٍ يَكُنْ عِشْرِينَ، ثُمَّ اضْرِبْ عِشْرِينَ فِي سَبْعَةٍ يَكُنْ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ اضْرِبْ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ فِي تِسْعَةٍ يَكُنْ أَلْفًا وَمِائَةً وَسِتِّينَ، فَاضْرِبْهَا فِي أَصْل الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَكُنْ ثَلاَثِينَ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، مِنْهَا تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ. وَجْهُ الاِمْتِحَانِ أَنْ يُقَال: رَجُلٌ خَلَفَ أَصْنَافًا، عَدَدُ كُل صِنْفٍ أَقَل مِنْ عَشَرَةٍ، وَلاَ تَصِحُّ مَسْأَلَتُهُ إِلاَّ مِمَّا يَزِيدُ عَلَى ثَلاَثِينَ أَلْفًا.

الْمَأْمُونِيَّةُ:
159 - صُورَتُهَا: أَبَوَانِ وَبِنْتَانِ، مَاتَتْ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ وَخَلَّفَتْ مَنْ خَلَّفَتْ. سُمِّيَتِ الْمَأْمُونِيَّةَ لأَِنَّ

الْمَأْمُونَ أَرَادَ أَنْ يُوَلِّيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ أَحَدًا، فَأَحْضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ فَاسْتَحْقَرَهُ (أَيْ لِصِغَرِ سِنِّهِ) فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْمَيِّتِ الأَْوَّل، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَعَلِمَ الْمَأْمُونُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمَسْأَلَةَ فَأَعْطَاهُ الْعَهْدَ، وَوَلاَّهُ الْقَضَاءَ.
وَالْجَوَابُ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِ الْمَيِّتِ الأَْوَّل ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا، فَالْمَسْأَلَةُ الأُْولَى مِنْ سِتَّةٍ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَلِلأَْبَوَيْنِ السُّدُسَانِ، فَإِذَا مَاتَتْ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ فَقَدْ خَلَّفَتْ أُخْتًا وَجَدًّا صَحِيحًا أَبَا أَبٍ، وَجَدَّةً صَحِيحَةً أُمَّ أَبٍ، فَالسُّدُسُ لِلْجَدَّةِ وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ، وَسَقَطَتِ الأُْخْتُ عَلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ. وَقَال زَيْدٌ: لِلْجَدَّةِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالأُْخْتِ أَثْلاَثًا، وَصَحَّحَ الْمُنَاسَخَةَ. وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الأَْوَّل أُنْثَى، فَقَدْ مَاتَتِ الْبِنْتُ عَنْ أُخْتٍ، وَجَدَّةٍ صَحِيحَةٍ أُمِّ أُمٍّ، وَجَدٍّ فَاسِدٍ أَبِي أُمٍّ، فَلِلْجَدَّةِ السُّدُسُ وَلِلأُْخْتِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، وَسَقَطَ الْجَدُّ الْفَاسِدُ بِالإِْجْمَاعِ. كَذَا فِي الاِخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ (1) .

* أركان الإرث ثلاثة:
1 - المورِّث، وهو الميت.
2 - الوارث، وهو الحي بعد موت المورث.
3 - الحق الموروث، وهو التركة.
* أسباب الإرث ثلاثة:
1 - النكاح بعقد الزوجية الصحيح، فيرث به الزوج زوجته، والزوجة من زوجها بمجرد العقد.
2 - النسب، وهو القرابة من الأصول كالوالدين، والفروع كالأولاد، والحواشي كالإخوة، والعمومة، وبنوهم.
3 - الولاء، وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، فيرثه إن لم يكن له وارث من عصبة النسب أو أصحاب الفروض.
* موانع الإرث ثلاثة:
1 - الرِّقّ: فلا يرث الرقيق ولا يورث؛ لأنه مملوك لسيده.
2 - القتل بغير حق: فلا يرث القاتل المقتول.
3 - اختلاف الدين: فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)). متفق عليه (¬1).
* الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً يثبت التوارث بينها وبين زوجها ما دامت في العدة.
* الزوجة إذا طلقها زوجها طلاقاً بائناً، فإن كان في حال الصحة فلا توارث، وإن كان في حال المرض أو الخوف ولم يتهم بقصد حرمانها فإنها لا ترث كذلك، فإن اتُّهم بقصد حرمانها ورثته.
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6764)، ومسلم برقم (1614).
* أقسام الإرث:
1 - إرث بالفرض: وهو أن يكون للوارث نصيب مقدر كالنصف والربع مثلاً.
2 - إرث بالتعصيب: وهو أن يكون للوارث نصيب غير مقدر.
* الفروض الواردة في القرآن ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس، أما ثلث الباقي فثابت بالاجتهاد.
1 - أحكام الإرث
· علم الفرائض: هو العلم الذي يُعرف به من يرث ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث من التركة.
والفرض في الشرع: هو النصيب المقدر للوارث كالنصف أو الربع مثلاً.
موضوعه: التركات، وهي كل ما يتركه الميت من الأموال والحقوق.
ثمرته: إيصال الحقوق إلى مستحقيها من الورثة.
· أهمية علم الفرائض:
علم الفرائض من أجَلِّ العلوم خطراً، وأرفعها قدراً، وأعظمها أجراً، وأعمها نفعاً.
ولأهميته وحاجة جميع الناس إليه، تولى الله عز وجل بيان الفرائض بنفسه، فبيَّن ما لكل وارث من الميراث، وفصّلها غالباً في آيات معلومات.
فالأموال وقسمتها محط أطماع الناس ورغباتهم، والميراث غالباً بين رجال ونساء، وكبار وصغار، وأقوياء وضعفاء، ولئلا يكون فيها مجال للظلم والآراء والأهواء.
لهذا تولى الله عز وجل قسمتها بنفسه، وفصلها في كتابه، وسوّاها بين الورثة على مقتضى العدل والرحمة والمصلحة.
· صفة الإرث في الجاهلية والإسلام:
كان أهل الجاهلية يورِّثون الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار؛ لأن الرجال والكبار يحوزون الغنائم، ويحمون الذِّمار، والنساء والصغار لا
- بكسر الهمزة-: الميراث، وأصله الواو قلبت ألفا لمكان الكسرة البقيّة، والأمر القديم.
وفي الحديث: «فإنّكم على إرث هو من إرث إبراهيم». [أخرجه النسائي في «المناسك» (202) ] أي: إنكم على بقية من شرعه، وأمره القديم.
«مشارق الأنوار 1/ 26، والمعجم الكبير 1/ 183، وطلبة الطلبة ص 149».

عبارة عن انعدام الحكم عند وجود السبب.
وموانع الإرث: الرق، والقتل، واختلاف الدين، والنبوة.
«التعريفات ص 172، والتوقيف ص 632».

خمسة:
الأول: الرق، وافرا كان أو ناقصا.
والمراد بالرق هنا: الملك عند من وجه الملك فلا يرد أنه لا فائدة في اعتبار اختلاف الدارين وجعله مانعا رابعا بعد اعتبار الرق، واتضح لك هذا المجمل في (الملك) بفضل الله تعالى.
والثاني: القتل الذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة.
والثالث: اختلاف الدينين.
والرابع: اختلاف الدارين.
والخامس: استبهام تاريخ الموت كما في الغرقى، والحرقى، والهدمى.
والوارث بسبب هذه الأمور يكون محروما عن الإرث ويصير كالميت، ولهذا لا يحجب حجب الحرمان بالاتفاق ولا حجب النقصان على الاختلاف، والفتوى على أنه لا يحجب أصلا، وتفصيل هذه الأمور في كتب الفرائض.
«دستور العلماء 3/ 385».

الـحَقُّ الذي يَثْبُتُ لِـمُسْتَحِقِّهِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كان لَهُ ذلك الـحَقُّ؛ لِقَرابَةٍ بَيْنَهُما، أو نَحْوِها.
Inheritance: "Irth": property left by a deceased person. Original meaning: transfer of something from a group of people to another.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت