نتائج البحث عن (إيما) 50 نتيجة

  • الْإِيمَان
(الْإِيمَان) التَّصْدِيق وَشرعا التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ
الإيمان: في اللغة: التصديق بالقلب، وفي الشرع: هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان. وقيل: من شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق، ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر.

والإيمان على خمسة أوجه: إيمان مطبوع، وإيمان مقبول، وإيمان معصوم، وإيمان موقوف، وإيمان مردود، فالإيمان المطبوع هو إيمان الملائكة، والإيمان المعصوم هو إيمان الأنبياء، والإيمان المقبول هو إيمان المؤمنين، والإيمان الموقوف، هو إيمان المبتدعين، والإيمان المردود، هو إيمان المنافقين.
الإيماء:[في الانكليزية] Warning [ في الفرنسية] Avertissement بالميم عند الأصوليين هو التنبيه، سيأتي.
الإيمان:[في الانكليزية] Faith ،belief [ في الفرنسية] Foi ،croyance هو في اللغة التصديق مطلقا. واختلفت فيه أهل القبلة على أربع فرق. الفرقة الأولى قالوا الإيمان فعل القلب فقط، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين: أحدهما أنه تصديق خاص وهو التصديق بالقلب للرسول عليه السلام فيما علم مجيئه به ضرورة من عند الله. فمن صدّق بوحدانية الله تعالى بالدليل ولم يصدّق بأنه مما علم به مجيء الرسول من عند الله لم يكن هذا التصديق منه إيمانا. ثم ما لوحظ إجمالا كالملائكة والكتب والرسل كفى الإيمان به إجمالا، وما لوحظ تفصيلا كجبرئيل وموسى والإنجيل اشترط الإيمان به تفصيلا. فمن لم يصدّق بمعيّن من ذلك فهو كافر. ثم التقييد بالضرورة لإخراج ما لا يعلم بالضرورة كالاجتهاديات، فإن منكرها ليس بكافر وعدم تقييد التصديق بالدليل لاشتمال اعتقاد المقلّد إذ إيمانه صحيح عند الأكثر وهو الصحيح.والتصديق اللغوي هو اليقيني على ما يجيء في محله. فالظني ليس بكاف في الإيمان، وهذا قول جمهور العلماء، فإنّ الإيمان عندهم هو التصديق الجازم الثابت.

وقال بعضهم: عدم كفاية الظنّ القوي الذي لا يخطر معه النقيض محل كلام، وقد صرّح في شرح المواقف أنّ الظنّ الغالب الذي لا يخطر معه احتمال النقيض حكمه حكم اليقين في كونه إيمانا حقيقة فإن إيمان أكثر العوام من هذا القبيل. وأطفال المؤمنين وإن لم يكن لهم تصديق لكنهم مصدقون حكما لما علم من الدين ضرورة أنه عليه السلام كان يجعل إيمان أحد الأبوين إيمانا للأولاد.والتصديق مع لبس الزنار بالاختيار كلا تصديق فيحكم بكفر هذا المصدّق. وقيل الكفر في مثل هذه الصورة أي في الصورة التي يكون التصديق مقرونا بشيء من أمارات التكذيب في الظاهر في حق إجراء أحكام الدنيا لا فيما بينه وبين الله تعالى، كذا في حاشية الخيالي للمولوي عبد الحكيم.وحدّ الإيمان بما ذكرنا هو مختار جمهور الأشاعرة وعليه الماتريدية وأكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ والحسين بن الفضل ووافقهم على ذلك الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة. والقول الثاني أنه معرفة الله تعالى مع توحيده بالقلب. والإقرار باللسان ليس بركن فيه ولا شرط، حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقرّ به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان.وأما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فزعم أنها داخلة في حدّ الإيمان، وهذا بعيد عن الصواب لمخالفته ظاهر الحديث «بني الإسلام على خمس». والصواب ما حكاه الكعبي عن جهم أنّ الإيمان معرفة الله تعالى وكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد عليه السلام. وفي شرح المواقف قيل الإيمان هو المعرفة، فقوم بالله وهو مذهب جهم بن صفوان، وقوم بالله وبما جاءت به الرسل إجمالا وهو منقول عن بعض الفقهاء.والفرقة الثانية قالوا إنّ الإيمان عمل باللسان فقط وهم أيضا فريقان: الأول أنّ الإقرار باللسان هو الإيمان فقط ولكن شرط في كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا لا أنها داخلة في مسمّى الإيمان وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي. والثاني أنّ الإيمان مجرّد الإقرار باللسان وهو قول الكرّاميّة، وزعموا أنّ المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة، فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة.والفرقة الثالثة قالوا إنّ الإيمان عمل القلب واللسان معا أي في الإيمان الاستدلالي دون الذي بين العبد وربه، وقد اختلف هؤلاء على أقوال: الأول أنه إقرار باللسان ومعرفة بالقلب وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء وبعض المتكلمين والثاني أنه التصديق بالقلب واللسان معا وهو قول أبي الحسن الأشعري وبشر المريسي. وفي شرح المقاصد فعلى هذا المذهب من صدّق تقلبه ولم يتفق له الإقرار باللسان في عمره مرة لا يكون مؤمنا عند الله تعالى، ولا يستحق دخول الجنة ولا النجاة من الخلود في النار، بخلاف ما إذا جعل اسما للتصديق فقط، فالإقرار حينئذ لإجراء الأحكام عليه فقط كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى انتهى كلامه. والمذهب الأخير موافق لما في الحديث «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان» كذا في حاشية الخيالي للمولوي عبد الحكيم. والثالث أنه إقرار باللسان وإخلاص بالقلب. ثم المعرفة بالقلب على قول أبي حنيفة مفسّرة بشيئين: الأول الاعتقاد الجازم سواء كان استدلاليّا أو تقليديّا، ولذا حكموا بصحة إيمان المقلّد وهو الأصح.والثاني العلم الحاصل بالدليل، ولذا زعموا أن الأصح أنّ إيمان المقلّد غير صحيح. ثم هذه الفرقة اختلفوا، فقال بعضهم الإقرار شرط للإيمان في حق إجراء الأحكام حتى أنّ من صدّق الرسول عليه السلام فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى وإن لم يقرّ بلسانه وهو مذهب أبي حنيفة وإليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين وهو قول أبي منصور الماتريدي. ولا يخفى أنّ الإقرار لهذا الغرض لا بدّ أن يكون على وجه الإعلام على الإمام وغيره من أهل الإسلام ليجروا عليه الأحكام، بخلاف ما إذا كان ركنا فإنه يكفي مجرّد التكلّم في العمر مرة، وإن لم يظهر على غيره كذا في الخيالي. وقال بعضهم هو ركن ليس بأصلي له بل هو ركن زائد، ولهذا يسقط حال الإكراه. وقال فخر الإسلام إنّ كونه زائدا مذهب الفقهاء وكونه لإجراء الأحكام مذهب المتكلمين.والفرقة الرابعة قالوا إنّ الإيمان فعل بالقلب واللسان وسائر الجوارح وهو مذهب أصحاب الحديث ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي. وقال الإمام وهو مذهب المعتزلة والخوارج والزيدية. أما أصحاب الحديث فلهم أقوال ثلاثة: القول الأول أنّ المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وزعموا أنّ الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئا من الطاعات ما لم يوجد المعرفة والإقرار باللسان إيمانا ولا شيئا من المعاصي كفرا ما لم يوجد الجحود والإنكار لأن اصل الطاعات الإيمان وأصل المعاصي الكفر والفرع لا يحصل بدون ما هو أصله وهو قول عبد الله بن سعد. والقول الثاني أن الإيمان اسم للطاعات كلها فرائضها ونوافلها، وهي بجملتها إيمان واحد، وأنّ من ترك شيئا من الفرائض فقد انتقض إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقض إيمانه. والقول الثالث أنّ الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أنّ الإيمان إذا عدّي بالباء فالمراد به في الشرع التصديق، يقال آمن بالله أي صدّق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، لا يقال فلان آمن بكذا إذا صلّى وصام، فالإيمان المتعدّي بالباء يجري على طريق اللغة، وإذا أطلق غير متعدّ فقد اتفقوا على أنه منقول نقلا ثانيا من التصديق إلى معنى آخر. ثم اختلفوا فيه على وجوه. الأول أنّ الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة أو من باب الاعتقادات أو الأقوال أو الأفعال وهذا قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار. والثاني أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل وهو قول أبي علي الجبائي وأبي هاشم. والثالث أنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد وهو قول النظّام وأصحابه، ومن قال شرط كونه مؤمنا عندنا وعند الله اجتناب كل الكبائر.وأما الخوارج فقد اتفقوا على أنّ الإيمان بالله يتناول معرفة الله تعالى ومعرفة كل ما نصب الله عليه دليلا عقليا أو نقليا، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر ونهي عنه صغيرا كان أو كبيرا.وقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان ويقرب من مذهب المعتزلة مذهب الخوارج، ويقرب من مذهبهما مذهب السلف وأهل الأثر أنّ الإيمان عبارة عن مجموع ثلاثة أشياء: التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان، إلّا أنّ بين هذه المذاهب فرقا، وهو أن من ترك شيئا من الطاعات فعلا كان أو قولا خرج من الإيمان عند المعتزلة ولم يدخل في الكفر، بل وقع في مرتبة بينهما يسمّونها منزلة بين المنزلتين. وعند الخوارج دخل في الكفر لأن ترك كلّ واحد من الطاعات كفر عندهم. وعند السلف لم يخرج من الإيمان لبقاء أصل الإيمان الذي هو التصديق بالجنان. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال. ونقل عن الشافعي أنه قال الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل، فالمخلّ بالأول وحده منافق، وبالثاني وحده كافر، وبالثالث وحده فاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنّة.

قال الإمام: هذه في غاية الصعوبة لأن العمل إذا كان ركنا لا يتحقق الإيمان بدونه، فغير المؤمن كيف يخرج من النار ويدخل الجنة. قلت الإيمان في كلام الشارع قد جاء بمعنى أصل الإيمان وهو الذي لا يعتبر فيه كونه مقرونا بالعمل كما في قوله عليه السلام «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وتؤمن بالبعث والإسلام وأن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة» الحديث. وقد جاء بمعنى الإيمان الكامل وهو المقرون بالعمل وهو المراد بالإيمان المنفي في قوله عليه السلام «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» الحديث، وكذا كل موضع جاء بمثله. فالخلاف في المسألة لفظي لأنه راجع إلى تفسير الإيمان وأنه في أيّ المعنيين منقول شرعي، وفي أيهما مجاز ولا خلاف في المعنى فإنّ الإيمان المنجّي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين، والإيمان المنجّي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السنة خلافا للمعتزلة والخوارج.وبالجملة فالسلف والشافعي جعلوا العمل ركنا من الإيمان بالمعنى الثاني دون الأول، وحكموا مع فوات العمل ببقاء الإيمان بالمعنى الأول، وبأنه ينجو من النار باعتبار وجوده، وإن فات الثاني فاندفع الإشكال.اعلم أنهم اختلفوا في التصديق بالقلب الذي هو تمام مفهوم الإيمان عند الأشاعرة أو جزء مفهومه عند غيرهم. فقيل هو من باب العلوم والمعارف فيكون عين التصديق المقابل للتصور. وردّ بأنّا نقطع بكفر كثير من أهل الكتاب مع علمهم بحقيقة رسالته صلّى الله عليه وآله وسلّم وما جاء به قال الله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ويَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ الآية. وأجيب بأنّا إنما نحكم بكفرهم لأن من أنكر منهم الرسالة أبطل تصديقه القلبي بتكذيبه اللساني، ومن لم ينكرها أبطله بترك الإقرار اختيارا، لأنّ الإقرار شرط لإجراء الأحكام على رأي، وركن الإيمان على رأي.ولهذا لو حصل التصديق لأحد ومات من ساعته فجأة قبل الإقرار يكون مؤمنا إجماعا. لكن بقي شيء آخر وهو أنّ الإيمان مكلّف به والتكليف إنما يتعلق بالأفعال الاختيارية فلا بد أن يكون التصديق بالقلب اختياريا، والتصديق المقابل للتصوّر ليس اختياريا كما بيّن في موضعه.وأجيب بأن التكليف بالإيمان تكليف بتحصيل أسبابه من القصد إلى النظر في آثار القدرة الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته وتوجيه الحواس إليها، وترتيب المقدمات المأخوذة، وهذه أفعال اختيارية. ولذا قال القاضي الآمدي: التكليف بالإيمان تكليف بالنظر الموصل إليه وهو فعل اختياري. وفيه أنه يلزم على هذا اختصاص التصديق بأن يكون علما صادرا عن الدليل.وقيل هو أي التصديق من باب الكلام النفسي وعليه إمام الحرمين. وهكذا ذكر صدر الشريعة حيث قال: المرادبالتصديق معناه اللغوي وهو أن ينسب الصدق إلى المخبر اختيارا لأنه إن وقع في القلب صدق المخبر ضرورة كما إذا شاهد أحد المعجزة ووقع صدق دعوى النبوة في قلبه ضرورة وقهرا من غير أن ينسب الصدق إلى النبي عليه السلام اختيارا، لا يقال في اللغة إنه صدّقه، فعلم أنّ المراد من التصديق إيقاع نسبة الصدق إلى المخبر اختيارا الذي هو كلام النفس ويسمّى عقد الإيمان. وظاهر كلام الأشعري أنه كلام النفس والمعرفة شرط فيه إذ المراد بكلام النفس الاستسلام الباطني والانقياد لقبول الأوامر والنواهي. وبالمعرفة إدراك مطابقة دعوى النبي للواقع أي تجليها للقلب وانكشافها له وذلك الاستسلام إنّما يحصل بعد حصول هذه المعرفة، ويحتمل أن يكون كل منهما ركنا. وقال بعض المحققين إنّ كلا من المعرفة والاستسلام خارج من مفهوم التصديق لغة، وهو نسبة الصدق بالقلب أو اللسان إلى القائل، لكنهما معتبران شرعا في الإيمان إمّا على أنهما جزءان لمفهومه شرعا، أو شرطان لإجراء أحكامه شرعا. والثاني هو الراجح لأن الأول يلزمه نقل الإيمان عن معناه اللغوي إلى معنى آخر شرعي، والنقل خلاف الأصل، فلا يصار إليه بغير دليل.فائدة:قيل الإيمان والإسلام مترادفان، وقيل متغايران. وقد سبق تفصيله في لفظ الإسلام.فائدة:الإيمان هل يزيد وينقص أو لا؟ اختلف فيه. فقيل لا يقبل الزيادة والنقصان لأنه حقيقة التصديق، وهو لا يقبلهما. وقيل لا يقبل النقصان لأنه لو نقص لانتفى الإيمان، ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى زادَتْهُمْ إِيماناً ونحوها. وقيل يقبلهما وهو مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفائها. وقال الإمام هذا البحث لفظي لأن المراد بالإيمان إن كان هو التصديق فلا يقبلهما لأنّ الواجب هو اليقين الغير القابل للتفاوت لعدم احتمال النقيض فيه، والاحتمال ولو بأبعد وجه ينافي اليقين. وإن كان المراد به الأعمال إمّا وحدها أو مع التصديق فيقبلهما وهو ظاهر. فإن قلت انتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل فكيف تتصوّر الزيادة والنقصان؟ قلت الأعمال ليست مما جعله الشارع جزءا من الإيمان حتى ينتفي بانتفائها الإيمان بل هي تقع جزءا منه إن وجدت. فما لم يوجد الأعمال فالإيمان هو التصديق والإقرار وإن وجدت كانت داخلة في الإيمان، فيزيد على ما كان قبل الأعمال.وقيل الحق أنّ التصديق يقبلهما بحسب الذات وبحسب المتعلق، أمّا الأول فلقبوله القوة والضعف فإنه من الكيفيات النفسانية القابلة لهما كالفرح والحزن والغضب. وقولكم الواجب هو اليقين والتفاوت لاحتمال النقيض. قلنا لا نسلم أنّ التفاوت لذلك فقط إذ يجوز أن يكون بالقوة والضعف بلا احتمال النقيض. ثم الذي قلتم يقتضي أن يكون إيمان النبي عليه السلام وإيمان آحاد الأمة سواء وأنه باطل إجماعا ولقول إبراهيم عليه السلام وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فإنه يدل على قبول التصديق اليقيني للزيادة والنقصان. والظاهر أنّ الظن الغالب الذي لا يخطر معه احتمال النقيض بالبال حكمه حكم اليقين في كونه إيمانا حقيقة، فإنّ إيمان أكثر العوام من هذا القبيل. وعلى هذا فقبول الزيادة والنقصان واضح وضوحا تاما. وأمّا الثاني فإن التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال.فائدة:هل الإيمان مخلوق أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه مخلوق. وذكر عن أحمد بن حنبل وجمع من أصحاب الحديث أنهم قالوا الايمان غير مخلوق. وأحسن ما قيل فيه الإيمان إقرار، وهو مخلوق لأنه صنع العبد أو هداية وهي غير مخلوقة لأنها صنع الربّ. هذا خلاصة ما في العيني شرح صحيح البخاري والفتح المبين شرح الأربعين وشرح المواقف. وقد بقيت بعد أبحاث تركناها مخافة الإطناب، فإن شئت تحقيقها فارجع إلى العيني في أول كتاب الإيمان.
إِيمَانِي بالله
نسبة إلى إيمان بمعنى تصديقي وإقراري بالله.
إِيمَان الله
اسم مركب بمعنى التصديق بالله والإقرار بألُوهِيَته.
إِيمَان
من (أ م ن) التصديق وشرعا التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح.
إِيمَام
صورة كتابية صوتية من إمام: من يأتم به الناس من رئيس والطريق الواسع الواضح.
إِيمَاء
من (و م أ) الإشارة الخفيفة أو الإشارة بالرأس.
الْإِيمَان: بِالْفَتْح جمع الْيَمين. وبالكسر فِي اللُّغَة التَّصْدِيق مُطلقًا وَهُوَ مصدر من بَاب الْأَفْعَال من الْأَمْن والهمزة للصيرورة أَو للتعدية بِحَسب الأَصْل. كَأَن الْمُصدق صَار ذَا أَمن من أَن يكون مكذوبا أَو جعل الْغَيْر آمنا من التَّكْذِيب والمخالفة فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ. وَقد يعدى بِالْبَاء بِاعْتِبَار معنى الِاعْتِرَاف وَالْإِقْرَار كَقَوْلِه تَعَالَى {{آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ من ربه والمؤمنون}} . وباللام بِاعْتِبَار معنى الاذعان وَالْقَبُول كَقَوْلِه تَعَالَى: {{مَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين}} وَلَيْسَ المُرَاد بالتصديق إِيقَاع نِسْبَة الصدْق إِلَى الْخَبَر والمخبر فِي الْقلب بِدُونِ الإذعان وَالْقَبُول بِأَن تَقول هَذَا الْخَبَر صَادِق أَو أَنْت صَادِق من غير إذعان وَقبُول بل المُرَاد بِهِ التَّصْدِيق المنطقي الْمُقَابل للتصور أَي إذعان النِّسْبَة الْمعبر عَنهُ بِالْفَارِسِيَّةِ (بكرويدن) فالإيمان فِي اللُّغَة هُوَ اذعان النِّسْبَة مُطلقًا. وَفِي الشَّرْع فِي مُسَمَّاهُ اخْتِلَاف. ذهب بَعضهم إِلَى أَنه بسيط. وَالْآخر إِلَى أَنه مركب. وَفِي القائمين فِي بساطته اخْتِلَاف. قَالَ بَعضهم إِنَّه تَصْدِيق النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَلْبِ فِي جَمِيع مَا علم بِالضَّرُورَةِ مَجِيئه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِهِ من عِنْد الله إِجْمَالا فِيمَا علم إِجْمَالا وتفصيلا فِيمَا علم تَفْصِيلًا أَي تَصْدِيقه وإذعانه فِيمَا اشْتهر كَونه من الَّذين بِحَيْثُ يُعلمهُ الْعَامَّة من غير افتقار إِلَى نظر واستدلال كوحدة الصَّانِع - وَوُجُوب الصَّلَاة - وَحُرْمَة الْخمر - وَنَحْو ذَلِك وَيَكْفِي الْإِجْمَال فِيمَا يُلَاحظ إِجْمَالا وَيشْتَرط التَّفْصِيل فِيمَا يُلَاحظ تَفْصِيلًا حَتَّى لَو لم يصدق بِوُجُوب الصَّلَاة عِنْد السُّؤَال عَنهُ وبحرمة الْخمر عِنْد السُّؤَال عَنْهَا كَانَ كَافِرًا. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَعَلِيهِ جُمْهُور الْمُحَقِّقين وَهُوَ مُخْتَار الشَّيْخ أبي الْمَنْصُور الماتريدي رَحمَه الله فالإيمان عِنْدهم بسيط لِأَنَّهُ عبارَة عَن التَّصْدِيق الْمَذْكُور فَقَط وَالْإِقْرَار لَيْسَ بِشَرْط لأصل الْإِيمَان بل لإجراء الاحكام فِي الدُّنْيَا من ترك الْجِزْيَة وَالصَّلَاة عَلَيْهِ والدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين والمطالبة بالعشر وَالزَّكَاة فَمن صدق بِقَلْبِه وَلم يقر بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن عِنْد الله تَعَالَى وَإِن لم يكن مُؤمنا فِي أَحْكَام الدُّنْيَا. وَمن أقرّ بِلِسَانِهِ وَلم يقر بِقَلْبِه كالمنافق فبالعكس. وَإِنَّمَا جعلُوا الْإِقْرَار شرطا لإجراء الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة لِأَن الْإِيمَان الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق القلبي أَمر مبطن لَا بُد لَهُ من عَلامَة تدل عَلَيْهِ لإجراء أَحْكَامه.وَلَا يذهب عَلَيْك أَن التَّصْدِيق الإيماني هُوَ التَّصْدِيق المنطقي بِعَيْنِه بل بَينهمَا فرق بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوص من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَن التَّصْدِيق المنطقي هُوَ الإذعان وَالْقَبُول بِالنِّسْبَةِ بَين الشَّيْئَيْنِ مُطلقًا والتصديق الإيماني هُوَ أخص بِاعْتِبَار الْمُتَعَلّق أَي التَّصْدِيق بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا قَالُوا إِن الْإِيمَان فِي الشَّرْع مَنْقُول إِلَى التَّصْدِيق الْخَاص بِاعْتِبَار الْمُتَعَلّق. وَثَانِيهمَا: إِن التَّصْدِيق المنطقي هُوَ الإذعان وَالْقَبُول بِالنِّسْبَةِ مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ حَاصِلا بِالْكَسْبِ وَالِاخْتِيَار أَو لَا. بِخِلَاف التَّصْدِيق الإيماني فَإِنَّهُ الإذعان وَالْقَبُول بِالنِّسْبَةِ بَين الْأُمُورالْمَخْصُوصَة بِالْكَسْبِ وَالِاخْتِيَار حَتَّى لَو وَقع ذَلِك فِي الْقلب من غير اخْتِيَار لم يكن إِيمَانًا. فَمن شَاهد المعجزة فَوَقع فِي قلبه صدق النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بَغْتَة فَإِنَّهُ لَا يُقَال فِي اللُّغَة أَنه صدق وَأَيْضًا لَا يكون مُؤمنا شرعا بل يكون مُكَلّفا بتحصيل ذَلِك الإذعان بِالِاخْتِيَارِ فالتصديق الإيماني أخص مُطلقًا من التَّصْدِيق المنطقي الْمُقَابل للتصور بِاعْتِبَار مُتَعَلّقه ولكونه مُقَيّدا بِالْكَسْبِ وَالِاخْتِيَار دون التَّصْدِيق المنطقي. وَكَيف لَا يكون مُقَيّدا بِالْكَسْبِ وَالِاخْتِيَار فَإِن الْإِيمَان مَأْمُور ومكلف بِهِ فَلَو لم يكن اخْتِيَارا لما صَحَّ التَّكْلِيف بِهِ.فَإِن قلت إِن الْإِيمَان تَصْدِيق والتصديق من قسمي الْعلم الَّذِي من الكيفيات النفسانية دون الْأَفْعَال الاختيارية فَلَا يَصح التَّكْلِيف بِهِ لِأَن الْمُكَلف بِهِ لَا بُد أَن يكون فعلا اختياريا قُلْنَا لَا نسلم أَن الْمُكَلف بِهِ لَا يكون إِلَّا فعلا اختياريا فَإِن التَّكْلِيف بالشَّيْء على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: التَّكْلِيف بِحَسب نفس ذَلِك الشَّيْء وَهُوَ يَقْتَضِي أَن يكون نَفسه مِمَّا تتَعَلَّق بِهِ الْقُدْرَة الْحَادِثَة كالضرب بِالْمَعْنَى المصدري وَهَذَا الشَّيْء لَا يكون إِلَّا فعلا اختياريا. وَالثَّانِي: التَّكْلِيف بالشَّيْء بِحَسب التَّحْصِيل وَهُوَ يَقْتَضِي أَن يكون تَحْصِيله مِمَّا تتَعَلَّق بِهِ الْقُدْرَة. وَذَلِكَ بِأَن يكون الْأَسْبَاب المفضية إِلَيْهِ مقدورة سَوَاء كَانَ نَفسه مَقْدُورًا أَو لَا إِذْ قد يكون الشَّيْء بِحَسب ذَاته غير مَقْدُور وَبِاعْتِبَار تَحْصِيله مَقْدُورًا كالتسخن والتبرد وَالْإِيمَان كَذَلِك فَإِن نَفسه وَإِن كَانَ لَيْسَ مَقْدُورًا اختياريا لَكِن تَحْصِيله فعل اخْتِيَاري فالتكليف بِهِ لَيْسَ إِلَّا بِحَسب تَحْصِيله بِالِاخْتِيَارِ فِي مُبَاشرَة الْأَسْبَاب وَصرف النّظر وَرفع الْمَوَانِع وَنَحْو ذَلِك وَالْعَمَل بالأركان لَيْسَ جُزْء الْإِيمَان على هَذَا الْمَذْهَب أَيْضا كَمَا أَن الْإِقْرَار لَيْسَ بِجُزْء مِنْهُ.وَمذهب الرقاشِي وَالْقطَّان أَن الْإِيمَان بسيط لِأَنَّهُ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَقَط بِتَصْدِيق النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ من عِنْد الله تَعَالَى لَكِن لَيْسَ الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار الْمَذْكُور مُطلقًا عِنْدهمَا بل بِشَرْط مواطأة الْقلب.ثمَّ إِن الرقاشِي يشْتَرط مَعَ الْإِقْرَار الْمَذْكُور الْمعرفَة القلبية حَتَّى لَا يكون الْإِقْرَار بِدُونِهَا إِيمَانًا عِنْده. وَالْقطَّان يشْتَرط مَعَه التَّصْدِيق المكتسببِالِاخْتِيَارِ وَصرح بِأَن الْإِقْرَار الْخَالِي عَن التَّصْدِيق المكتسب لَا يكون إِيمَانًا وَعند اقترانه بِهِ يكون الْإِيمَان عِنْده هُوَ الْإِقْرَار فَقَط. وَذهب الكرامية أَيْضا إِلَى بساطة الْإِيمَان لِأَنَّهُ عِنْدهم أَيْضا الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَقَط لَكِن بِدُونِ اشْتِرَاط الْمعرفَة أَو التَّصْدِيق المكتسب حَتَّى أَن من أضمر الْكفْر وَأظْهر الْإِيمَان يكون مُؤمنا إِلَّا أَنه يسْتَحق الخلود فِي النَّار. وَمن أضمر الْإِيمَان وَلم يتَحَقَّق مِنْهُ الْإِقْرَار لَا يسْتَحق الْجنَّة.وَفِي الْقَائِلين بتركيب الْإِيمَان أَيْضا اخْتِلَاف. قَالَ بَعضهم أَنه مركب من التَّصْدِيق الْمَذْكُور وَالْإِقْرَار بِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مركب من أَمريْن لَكِن الْأَمر الأول: أَعنِي الإذعان الْمَذْكُور ركن لَازم لَا يحْتَمل السُّقُوط أصلا. وَالْأَمر الثَّانِي: أَعنِي الْإِقْرَار المسطور ركن غير لَازم يحْتَمل السُّقُوط كَمَا فِي حَالَة الْإِكْرَاه وَهُوَ الْمَنْقُول عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى ومشهور من أَصْحَابه وَكثير من الأشاعرة.وَفِي شرح الْمَقَاصِد فعلى هَذَا من صدق بِقَلْبِه وَلم يتَّفق لَهُ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فِي عمره مرّة لَا يكون مُؤمنا عِنْد الله تَعَالَى وَلَا يسْتَحق دُخُول الْجنَّة وَلَا النجَاة من الخلود فِي النَّار. ثمَّ الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ قَادِرًا وَترك التَّكَلُّم لَا على وَجه الأباء إِذْ الْعَاجِز كالأخرس مُؤمن اتِّفَاقًا. والمصر على عدم الْإِقْرَار مَعَ الْمُطَالبَة بِهِ كَافِر وفَاقا لكَون ذَلِك من إمارات عدم التَّصْدِيق. وَلِهَذَا أطبقوا على كفر أبي طَالب. وَإِن كابرت الروافض غير متأملين فِي أَنه كَانَ أشهر أعمام النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَكْثَرهم اهتماما بِشَأْنِهِ وأوفرهم حرصا من النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على إيمَانه فَكيف اشْتهر حَمْزَة وَالْعَبَّاس وشاع على رُؤُوس المنابر فِيمَا بَين النَّاس وَورد فِي بابهما الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة وَكثر مِنْهُمَا المساعي المشكورة دون أبي طَالب انْتهى.وَقَالَ بَعضهم إِن مُسَمّى الْإِيمَان هُوَ مَجْمُوع التَّصْدِيق الْمَذْكُور وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالأركان فَهُوَ حِينَئِذٍ مركب من ثَلَاثَة أُمُور. وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين والمحدثين وَالْفُقَهَاء والمعتزلة والخوارج إِلَّا أَن جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين والمحدثين وَالْفُقَهَاء لم يجْعَلُوا الْعَمَل بالأركان ركنا لأصل الْإِيمَان بل للْإيمَان الْكَامِل فتارك الْعَمَل عِنْدهم مُؤمن وَلَيْسَ بِمُؤْمِن كَامِل. فَإِنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى أَن تَارِك الْعَمَل لَيْسَ بِخَارِج عَن الْإِيمَان ودخوله فِي الْجنَّة وَعدم خلوده فِي النَّار مقطوعان. وَعند الْخَوَارِج والمعتزلة الْعَمَل ركن لأصل الْإِيمَان فتارك الْعَمَل خَارج عَن الْإِيمَان وداخل فِي الْكفْر عِنْد الْخَوَارِج وَغير دَاخل فِي الْكفْر عِنْد الْمُعْتَزلَة لأَنهم قَائِلُونَ بالمنزلة بَين المنزلتين. ثمَّ الْمُعْتَزلَة اخْتلفُوا فِيمَا بَينهم فِي الْأَعْمَال فَعِنْدَ أبي عَليّ وَابْنه أبي هَاشم الْأَعْمَال فعل الْوَاجِبَات وَترك الممنوعات. وَعند أبي الْهُذيْل وَعبد الْجَبَّار فعل الطَّاعَات وَاجِبَة كَانَت أَو مَنْدُوبَة فعلى أَي حَال لَا يخرج مُسَمّى الْإِيمَان الشَّرْعِيّ عَن فعل الْقلب وَفعل الْجَوَارِح سَوَاء كَانَ فعل اللِّسَان وَهُوَ الْإِقْرَار أَو غير فعل اللِّسَان وَهُوَ الْعَمَل بالطاعات.وَوجه الضَّبْط أَن مُسَمّى الْإِيمَان الشَّرْعِيّ إِمَّا بسيط أَو مركب. وعَلى الأول إِمَّا تَصْدِيق فَقَط بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي وَهُوَ الْمُخْتَار. أَو إِقْرَار بِاللِّسَانِ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَط بِشَرْط مواطأة الْقلب وَهُوَ مَذْهَب الرقاشِي وَالْقطَّان. أَو بِدُونِ اشْتِرَاط تِلْكَ المواطأة وَهُوَ مَذْهَب الكرامية. وعَلى الثَّانِي إِمَّا مركب من أَمريْن أَي التَّصْدِيق الْمَذْكُور وَالْإِقْرَار وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله وَكثير من الأشاعرة. أَو مركب من ثَلَاثَة أُمُور الْأَمريْنِ الْمَذْكُورينوَالْعَمَل بالأركان. ثمَّ الْعَمَل بالأركان إِمَّا جُزْء للْإيمَان الْكَامِل وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين والمحدثين وَالْفُقَهَاء الشَّافِعِي رَحِمهم الله فالنزاع بَيْننَا وَبينهمْ لَفْظِي. وَإِمَّا جُزْء لأصل الْإِيمَان وَهُوَ مَذْهَب الْخَوَارِج والمعتزلة. وَالْفرق بَينهمَا لَيْسَ إِلَّا فِي الْأَحْكَام الأخروية كَمَا مر فَافْهَم واحفظ وَكن من الشَّاكِرِينَ.
الْإِيمَان: قَالَ الْعَارِف النامي نور الدّين الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الجامي قدس الله تَعَالَى سره السَّامِي فِي (نفحات الْأنس من حضرات الْقُدس) فِي وصف أَحْوَال أَبُو الرّبيع الكفيف الحافي رَحمَه الله تَعَالَى: إِن قَول كلمة (لَا إِلَه إِلَّا الله) توفر النجَاة لمن يَقُولهَا سَبْعَة آلَاف مرّة أَو لمن تقال نِيَابَة عَنهُ أَو بنيته. وَيَقُول الشَّيْخ أَبُو الرّبيع أَنه جَاءَ بِهَذَا الذّكر سَبْعَة آلَاف مرّة من غير نِيَّة حَتَّى كَانَ يَوْم كنت حَاضرا فِيهِ مائدة طَعَام مَعَ جمَاعَة وَمَعَهُمْ طِفْل أعطَاهُ الله قدرَة الْكَشْف، وعندما أَرَادَ هَذَا الطِّفْل البدء بِالْأَكْلِ أَخذ يبكي، فَقَالُوا لَهُ: مَا الَّذِي يبكيك: فَقَالَ: إِنَّنِي أرى عَالم البرزخ وَأرى والدتي فِي نارها، فَمَا كَانَ من الشَّيْخ أَبُو الرّبيع إِلَّا أَن عقد النِّيَّة فِي سره على إهداء ذَلِك الذّكر إِلَى وَالِدَة هَذَا الطِّفْل من أجل خلاصها من نَار البرزخ، وَيَقُول مَا إِن أتتمت النِّيَّة حَتَّى ضحك الطِّفْل وَظَهَرت عَلَيْهِ البشاشة وَقَالَ: الْحَمد لله لقد نجت والدتي من عَذَاب نَار البرزخ وَشرع بِالطَّعَامِ مَعَ الْجَمَاعَة، وَيَقُول الشَّيْخ أَبُو الرّبيع أَنه علم لي فِي هَذَا الْبَاب والكشف الَّذِي حدث للطفل صِحَة الْخَبَر النَّبَوِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتهى.
الْإِيمَاء: إِلْقَاء الْمَعْنى فِي النَّفس بخفاء وَسُرْعَة.

الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص

دستور العلماء للأحمد نكري

الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص: لِأَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي الَّذِي بلغ حد الْجَزْم والإذعان وَلَا تتَصَوَّر فِيهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان. وَقَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله فِي شرح العقائد وَمن ذهب إِلَى أَن الْأَعْمَال جُزْء من الْإِيمَان فقبوله الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان ظَاهر. وَلِهَذَا قيل إِن هَذِه الْمَسْأَلَة فرع مَسْأَلَة كَون الطَّاعَات من الْإِيمَان انْتهى والذاهب إِلَيْهِ الْخَوَارِج والمعتزلة.وَهَا هُنَا اعْتِرَاض مَشْهُور تَقْرِيره أَن كَون الْأَعْمَال جُزْءا من الْإِيمَان يُنَافِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه بهَا فَإِن زِيَادَة الشَّيْء عبارَة عَن قبُوله أمرا زَائِدا على ماهيته فَإِذا كَانَت الْأَعْمَال جزاءا من حَقِيقَة الْإِيمَان فَيكون تَمام ماهيته بهَا فَكيف يتَصَوَّر قبُول الْإِيمَان زِيَادَة على ماهيته بِالْأَعْمَالِ فَإِن انْتِفَاء الْجُزْء يسْتَلْزم انْتِفَاء الْكل فَلَا مزية على كل أَجزَاء الْمَاهِيّة. وَكَذَا نُقْصَان الشَّيْء عبارَة عَن تحَققه نَاقِصا وَلَا تحقق لكل عِنْد انْتِفَاء جزئه فَلَا يتَصَوَّر نُقْصَان الْإِيمَان بِنُقْصَان الْأَعْمَال.وَالْجَوَاب أَن الْأَعْمَال جُزْء وقوعي لَا شَرْعِي لينتفي الْإِيمَان بانتفاءها.وَحَاصِل الْجَواب مَا قَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ عبد الْحَكِيم رَحمَه الله أَن الْأَعْمَال لَيست مِمَّا جعله الشَّارِع جُزْءا من الْإِيمَان حَتَّى يَنْتَفِي بانتفائها بل هِيَ تقع جُزْءا مِنْهُ إِن وجدت فَمَا لم يُوجد فالإيمان هُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَإِذا وجدت كَانَت دَاخِلَة فِي الْإِيمَان فيزيد الْإِيمَان على مَا كَانَ قبل الْأَعْمَال انْتهى.وَلَا يخفى على المتنبه أَنه يُنَافِي مَذْهَب الْخَوَارِج والمعتزلة فَإِن الْخَوَارِج ذَهَبُوا إِلَى أَن تَارِك الْأَعْمَال كَافِر خَارج عَن الْإِيمَان دَاخل فِي الْكفْر. والمعتزلة إِلَى أَنه خَارج عَن الْإِيمَان وَلَيْسَ بداخل فِي الْكفْر لإثباتهم الْمنزلَة بَين المنزلتين فَافْهَم.وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ وَكثير من الْمُتَكَلِّمين أَن هَذَا الْبَحْث أَعنِي أَن الْإِيمَان يزِيد وَينْقص أَولا بحث لَفْظِي لِأَنَّهُ فرع تَفْسِير الْإِيمَان فَمن فسره بالتصديق فَلَا يَقُول بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان. وَمن فسره بِالْأَعْمَالِ وَحدهَا أَو مَعَ التَّصْدِيق فَيَقُول بهما.

الْإِيمَان والاسلام وَاحِد

دستور العلماء للأحمد نكري

الْإِيمَان والاسلام وَاحِد: قَالَ بعض المشائخ أَن بَينهمَا اتحادا فِي الْمَفْهُوم فهما مُتَرَادِفَانِ. وَقَالَ بَعضهم أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ بِحَسب الْمَفْهُوم ومتحدان فِي الصدْق وَلَا يَنْفَكّ أَحدهمَا عَن الآخر فَلَيْسَ بَينهمَا غيرية اصطلاحية. قَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله فِي شرح الْمَقَاصِد الْجُمْهُور على أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد إِذْ معنى آمَنت بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقته وَمعنى أسلمت لَهُ سلمته وَلَا يظْهر بَينهمَا كثير فرق لرجوعهما إِلَى معنى الِاعْتِرَاف والانقياد والإذعان وَالْقَبُول. وَبِالْجُمْلَةِ لَا يعقل بِحَسب الشَّرْع مُؤمن لَيْسَ بِمُسلم أَو مُسلم لَيْسَ بِمُؤْمِن. وَهَذَا مُرَاد الْقَوْم بترادف الاسمين واتحاد الْمَعْنى وَعدم التغاير. وَقَالَ فِي شرحالعقائد النسفية لِأَن الْإِسْلَام هُوَ الخضوع والانقياد بِمَعْنى قبُول الْأَحْكَام والاذعان وَذَلِكَ حَقِيقَة التَّصْدِيق على مَا مر وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى: {{فأخرجنا من كَانَ فِيهَا من الْمُؤمنِينَ فَمَا وجدنَا فِيهَا غير بَيت من الْمُسلمين}} انْتهى.وَقَالَ صَاحب الخيالات اللطيفة أَي لم نجد فِي قَرْيَة لوط إِلَى قَوْله وليلائم كلمة من انْتهى. وَحَاصِله على مَا حررناه فِي التعليقات أَن كلمة غير فِي هَذَا الْآيَة الْكَرِيمَة إِن كَانَت صفة فَيكون الْمَعْنى فَمَا وجدنَا فِيهَا بَيْتا أَو أحدا غير بَيت من الْمُسلمين فَيلْزم الْكَذِب من ثَلَاثَة وُجُوه. الأول: أَنه كَانَت الْكفَّار فِي تِلْكَ الْقرْيَة أَيْضا. وَالثَّانِي: أَنه كَانَت فِيهَا بيُوت لَا بَيت وَاحِد. وَالثَّالِث: أَن كلمة من للْبَيَان لِأَن الظَّاهِر أَنَّهَا بَيَانِيَّة ليلائم السَّابِق. وَأَن يحْتَمل الزِّيَادَة. وَيجوز أَيْضا أَن تكون صلَة لمقدر أَي كَائِنا من الْمُسلمين فتدل على أَن الْمُبين بِالْكَسْرِ من جنس الْمُبين بِالْفَتْح وَالْبَيْت لَيْسَ من جنس الْمُسلمين فَلَا بُد أَن يحمل الْغَيْر على الِاسْتِثْنَاء وَحِينَئِذٍ إِن كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ عَاما فالمحذور على حَاله لِأَن الْمَعْنى حِينَئِذٍ فَمَا وجدنَا شَيْئا إِلَّا بَيْتا من الْمُسلمين فَالْوَاجِب أَن يقدر الْمُسْتَثْنى مِنْهُ خَاصّا أَي أحدا من الْمُؤمنِينَ وَحِينَئِذٍ عدم صِحَة الِاسْتِثْنَاء ظَاهر لِأَن الْمَعْنى فَمَا وجدنَا أحدا من الْمُؤمنِينَ إِلَّا بَيْتا من الْمُسلمين لِأَن الْمُسْتَثْنى حِينَئِذٍ غير دَاخل فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ. إِن قلت أَن الْمُسْتَثْنى مُنْقَطع فَأَقُول إِن الِاسْتِثْنَاء فِي الْمُتَّصِل أصل وَحَقِيقَة دون الْمُنْقَطع وَلَا بُد لَهُ أَن يكون الْمُسْتَثْنى من جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَعَ أَنه لَا يَصح أَن يكون قَوْله تَعَالَى: {{من الْمُسلمين}} بَيَانا للبيت لما مر فَلَا بُد من تَقْدِير الْمُضَاف أَي أهل بَيت من الْمُسلمين لِئَلَّا يلْزم الْمَحْذُور الْمَذْكُور وليلائم كلمة من فِي قَوْله تَعَالَى: {{من الْمُؤمنِينَ}} فَقَوله لِكَثْرَة بيُوت الْبيُوت وَالْكفَّار تَعْلِيل لحمل كلمة غير على الِاسْتِثْنَاء وَتَقْدِير الْمُسْتَثْنى مِنْهُ خَاصّا وَقَوله ليلائم تَعْلِيل لكَون المُرَاد بِالْبَيْتِ أهل الْبَيْت وَإِن كَانَ لحذف الْمُضَاف وَجه آخر يَقْتَضِي عدم صِحَة الْمُسْتَثْنى الْمُتَّصِل فالمجموع تَعْلِيل لقَوْله وَإِنَّمَا قُلْنَا كَذَلِك وَإِن كَانَ تكْرَار لَام التَّعْلِيل مشعرا بِكَوْن كل مِنْهُمَا وَجها مُسْتقِلّا لِأَن قَوْله لِكَثْرَة الْبيُوت وَالْكفَّار لَا يدل على أَن المُرَاد بِالْبَيْتِ أهل الْبَيْت وَقَوله ليلائم لَا يدل على كَون كلمة غير للاستثناء وَكَون الْمُسْتَثْنى مِنْهُ خَاصّا فَلَا يكون كل مِنْهُمَا وَجها مُسْتقِلّا لاثبات التَّقْدِير الْمَذْكُور هَكَذَا فِي الْحَوَاشِي الحكيمية. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: فَإِن قيل قَوْله تَعَالَى: (وَقَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا} إِلَى آخِره مُعَارضَة فِي الْمَطْلُوب أَعنِي الِاتِّحَاد الْمَفْهُوم من قَول النَّسَفِيّ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد وَقَوله فَإِن قيل قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَى آخِره مُعَارضَة فِي مُقَدّمَة الدَّلِيل على الْمَطْلُوب الْمَذْكُور أَعنِي لِأَن الْإِسْلَام هُوَ الخضوع والانقياد. وَقَالَ صَاحب الخيالات اللطيفة فَلَا يرد السُّؤَال على المشائخ إِلَى آخِره أَي فَلَا يرد السُّؤَال على المشائخ الْقَائِلين باتحاد الْإِيمَانوَالْإِسْلَام بِهَذَا الدَّلِيل يَعْنِي لِأَن الْإِسْلَام هُوَ الخضوع إِلَى آخِره فَإِن مُرَادهم باتحادهما بِحَسب الْمَفْهُوم كَمَا يدل عَلَيْهِ قَول الشَّارِح رَحمَه الله تَعَالَى وَذَلِكَ حَقِيقَة التَّصْدِيق لِأَنَّهُ يدل على أَن الْإِسْلَام يرادف التَّصْدِيق لَا أَنه يستلزمه فهما مُتَرَادِفَانِ وَلَيْسَ المُرَاد بالمشائخ هَا هُنَا المشائخ الْقَائِلين باتحادهما فِي الصدْق وتغايرهما فِي الْمَفْهُوم حَيْثُ قَالَ وَظَاهر كَلَام المشائخ أَنهم أَرَادوا إِلَى آخِره وعَلى هَذَا مدَار قَوْله على أَن فِيهِ أَي فِي هَذَا الْجَواب غفولا عَن تَوْجِيه الْكَلَام وَهُوَ أَن الْإِسْلَام هُوَ الخضوع والانقياد وَذَلِكَ حَقِيقَة التَّصْدِيق وَهَذَا الْكَلَام صَرِيح فِي الترادف والموجه أَي الْمُجيب قد تحقق عَن مرام هَذَا الْكَلَام. وَوجه بالاستلزام. وَعدم انفكاك أَحدهمَا عَن الآخر فِي الصدْق دون الترادف.

وَعَلَيْك: أَن تعلم أَن مُرَاد النَّسَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى بقوله الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد الترادف كَمَا هُوَ الظَّاهِر وَلِهَذَا علله بقوله لِأَن الْإِسْلَام إِلَى آخِره وَلما لم يكن هَذَا الدَّلِيل سالما من النَّقْض أعرض عَنهُ وحرر مدعي المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى بِأَن مُرَاده بوحدتهما اتحادهما فِي الصدْق وَعدم انفكاك أَحدهمَا عَن الآخر سَوَاء كَانَا مترادفين أَو متساويين. وَفِي الْحَوَاشِي الحكيمية أَقُول للموجه أَن يَقُول معنى قَوْله وَذَلِكَ حَقِيقَة التَّصْدِيق أَن ذَلِك يسْتَلْزم حَقِيقَة التَّصْدِيق وَتَعْبِيره عَن الاستلزام للْمُبَالَغَة فِيهِ شَائِع فِي كَلَامهم على مَا مر من قَول الشَّارِح رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان قَوْله لَا هُوَ وَلَا غَيره عدمهَا عَدمه ووجودها وجوده فَلَا يكون غفولا وعدلا عَن الْكَلَام السَّابِق.
  • الإيمان
الإيمانهو من الأمن، فالإيمان هو: الاعتماد، ومن هاهنا: "آمَنَ بهِ" : أيقن به. [والفرق بين "الإيمان" و "الإيقان" أن "الإيمان": تصديق وتسليم، وضده: التكذيب، والجحود، والكفر. و "الإيقان" ضده: الظن والشك. فليس كلُّ مَن أيقن صَدَّقَ، بل ربّما يكذّب المرءُ عُتوّاً ومكابرةً وقد أيقن بالشيء، كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه:{{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}} .وكذلك ليس كلُّ من آمن فقد أيقن، فربَّما يؤمنُ الرجلُ بغلبة الظنِّ، ثمَّ يوفقه اللهُ، فيخرج عن الظن، ولكن لا يكمل الإيمان إلا بالإيقان. فالإيمان جزءان: علم وتسليم، وبكمالهما يكمل]"آمَنَ لَه": أذعن لقوله. ["آمَنَه": أعطاه الأمن] فهذا هو الأصل لغةً.[وهو اصطلاح ديني قديم. في العبرانية؟؟؟؟ (أمن) معناه: الصدق والاعتماد، والمتعدي منه: إيمان وتصديق وتثبّت. ومنه؟؟؟؟ (آمين) كلمة تصديق] . ثم علّمنا القرآنُ فروعَ هذا الأصل: فمنها أن المؤمن لا بد أن يتوكل على الله، كما قال تعالى:{{زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}} . ومنها أن الإيمان لكونه جزماً واعتقاداً لا بد أن يسوق إلى العمل، كما قال تعالى: {{يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}} .
الإيماء: هو التنبيه وأن تشير برأسك أو بيدك أو بحابك. وعند الأصوليين: هو من أقسام المنطوق غيرِ الصريح، أي الاقتران بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيداً جداً.
الإيمان: بالكسرِ في اللغة: التصديق بالقلب، وفي الشرع: هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان وقد مرَّ. قيل: من شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق، ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومن أخلَّ بالشهادة فهو كافر. والأيمان- بالفتح-: جمع اليمين وسيأتي.
الإيمان: أحينا وأمِتْنا عليه يَا أرحمَ الرَّاحمين- هو تصديق سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في جميع ما جاء به عن الله تعالى مما عُلِم مجيئه ضرورة كذا في "الدر المختار" يعني أن الإيمان هو الاعتماد والوثوق بالرسول في كل ما جاء به علماً وعملاً والإقرار إما شرط أو شطر. قال النسفي في "العقائد" "الإيمان والإسلام واحد". قال العلاَّمةالتفتازاني في شرحه: "لأن الإسلام هو الخضوعُ والانقياد، بمعنى قَبول الأحكام والإذعان بها وذلك حقيقةُ التصديق ويؤيده قوله تعالى: {{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)}} [الذاريات:35، 36].قلت: هذا إذا كان الإسلامُ على الحقيقة، أما إذا كان على الاستسلام فقط أو على الخوف من القتل فهو غير الإيمان وذلك لقوله تعالى: {{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}} [الحجرات:14].
كَلِمَةُ الإيمانِ: (مُجْمَلاً) هي آمَنْتُ بِاللهِ كَمَا هُوَ بِأسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَقَبِلْتُ جَمِيْعَ أحْكَامِهِ وأرْكَانِهِ و (مفصّلاً) هي آمَنْتُ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ وَالقَدَرِ خَيْرِه وشَرِّه مِنَ الله تَعَالى وَالبَعْثِ بعد المَوْتِ.

الإحسان، في فضيلة أعلام شعب الإيمان

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الإحسان، في فضيلة أعلام شعب الإيمان
للشيخ، أبي محمد: عبد الله البسطامي.
إيضاح البيان، ونور الإيمان
في أصول الدين.
لأبي محمد: عبيد الله بن يحيى، المعروف: بابن الهيثم.
المتوفى: سنة خمسين وخمسمائة.

الإيماء، إلى مذاهب السبعة القراء

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الإيماء، إلى علم الأسماء
للشيخ: محمد بن محمد بن يعقوب الكومي، التنوسي.
وهو مختصر.
أوله: (لك الحمد ونور الأنوار... الخ).
أشار إلى فهم لطائف: أسرار الأسماء، ومنافعها، وتصاريفها، وتوفيق أوفاقها الحرفية والعددية.
وفرغ في: محرم، سنة ثمانين وثمانمائة.
ثم ذيله: بتكملة.
سماها: (الرسالة اللاهوية).
وأول التكملة: (هو الله الذي لا إله إلا هو... الخ).

الإيمان التام، بالنبي – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الإيمان التام، بالنبي - عليه الصلاة والسلام -
لأبي الحسن: علي بن أحمد الحرالي التجيبي.
المتوفى: سنة 637.
أوله: (أحمد الله الذي بدأ النبوة بخليفة علمه الأسما... الخ).

الإيمان الجلي، في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، – رضوان الله عليهم أجمعين –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الإيمان الجلي، في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، - رضوان الله عليهم أجمعين -
للشيخ، تقي الدين: علي بن عبد الكافي السبكي، الشافعي.
المتوفى: سنة ست وخمسين وسبعمائة.
البيان، في تقرير شعب الإيمان
لخصه: بخشايش بن حمزة الرومي.
أوله: (الحمد لله الذي تقرر نور ضمائر أرباب الدين... الخ).

تأسي أهل الإيمان، بما جرى على مدينة القيروان

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تأسي أهل الإيمان، بما جرى على مدينة القيروان
لابن سعدون.

تبيان أعيان الخلف، في بيان إيمان السلف

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تبيان أعيان الخلف، في بيان إيمان السلف
لمنصور بن الحسن بن علي القادري.
أوله: (الحمد لله الذي أوجب الإيمان... الخ).

تحقيق الفرج والأمان، والفرح لأهل الإيمان، بدولة السلطان: سليم بن سليمان خان

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تحقيق الفرج والأمان، والفرح لأهل الإيمان، بدولة السلطان: سليم بن سليمان خان
لنور الدين: علي بن الجزار المصري.
المتوفى: سنة 984.
وهي: رسالة.
على: أربعة أبواب.
ترجمان، شعب الإيمان
لسراج الدين: عمر بن رسلان بن محمد البلقيني، الشافعي.
المتوفى: سنة 805، خمس وثمانمائة.
أوله: (الله أحمد لا إله إلا هو... الخ).

تنبيه الوسنان، إلى شعب الإيمان

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تنبيه الوسنان، إلى شعب الإيمان
للشيخ، زين الدين: عمر بن أحمد الشماع، الحلبي.
المتوفى: سنة 936، ست وثلاثين وتسعمائة.
وهو مختصر: (مورد الظمآن).
من تأليفه.

توثيق عرى الإيمان، في تفضيل حبيب الرحمن

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

توثيق عرى الإيمان، في تفضيل حبيب الرحمن
لشرف الدين، أبي القاسم: هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم، المعروف: بابن البارزي، الحموي، الشافعي.
المتوفى: سنة 838، ثمان وثلاثين وسبعمائة.
وهو مجلد.
أوله: (الحمد لله، ذي العزة والسلطان... الخ).
لخصه من: (الشفاء).
ورتبه على أربعة أركان:
الأول: في فضائله - عليه الصلاة والسلام -.
الثاني: في أوصافه.
الثالث: في إغاثة من استغاث به.
الرابع: في كراماته.
الجامع المصنف في شعب الإيمان
للإمام، أبي بكر: أحمد بن حسين البيهقي، الشافعي.
المتوفى: سنة 458، ثمان وخمسين وأربعمائة.
وهو كبير.
من الكتب المشهورة.
وله مختصرات منها:
مختصر شمس الدين القونوي.
ومختصر الإمام، معين الدين: محمد بن حمويه، وفيه: سبعة وسبعون باباً.
ومنتقاة للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، جمع زوائد الأصل على الكتب الستة، كتب منه الثلث فقط.
الإيمانُ: تَصْدِيق الرَّسُول بِمَا علم مَجِيئه بِهِ بِالضَّرُورَةِ، وَقيل: إِقْرَار بِاللِّسَانِ، وتصديق بالجنان، وَعمل بالأركان.
الإيماءُ: هُوَ الْكَلَام الْمشَار بِهِ إِلَى الْمَطْلُوب من قرب لَا مَعَ الخفاء.

الْإِيمَان

المخصص

التّصديق وَقد آمَن وَزنه أفْعَل وَلَا يكون فاعَل.
قَالَ الْفَارِسِي: لَا تَخْلُو الْألف فِي آمن من أَن تكون زَائِدَة أَو منقلبة وَلَيْسَ فِي الْقِسْمَة أَن تكون أصلا فَلَا يجوز أَن تكون زَائِدَة لِأَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك لكَانَتْ فاعَلَ وَلَو كَانَ فاعَلَ لَكَانَ مضارعه يُفاعِل مثل يُقاتِل ويُضارب فِي مضارع ضارَب وقاتَل فَلَمَّا كَانَ مضارع أَمن يُؤْمِن دلّ ذَلِك على أَنَّهَا غير زَائِدَة وَإِذا لم تكن زَائِدَة كَانَت منقلبة وَإِذا كَانَت منقلبة لم يخل انقلابها من أَن يكون عَن الْيَاء أَو عَن الْوَاو أَو عَن الْهمزَة فَلَا يجوز أَن تكون منقلبة عَن الْوَاو لِأَنَّهَا فِي مَوْضِع سُكُون وَإِذا كَانَت فِي مَوْضِع سُكُون وَجب تصحيحها وَلم يجز انقلابها وبمثل هَذِه الدّلالة لَا يجوز أَن تكون منقلبة عَن الْيَاء فَإِذا لم يجز انقلابها عَن الْوَاو وَلَا عَن الْيَاء ثَبت أَنَّهَا منقلبة عَن الْهمزَة وَإِنَّمَا انقلبت عَنْهَا ألفا لوقوعها سَاكِنة بعد حرف مَفْتُوح فَكَمَا أَنَّهَا إِذا خففت فِي راس وفاس وباس انقلبت ألفا لسكونها وانفتاح مَا قبلهَا كَذَلِك قلبت فِي نَحْو آمَن وآجَر وآتَى وَفِي الْأَسْمَاء نَحْو آدَر وآخَر وآدَم إلاّ أَن الانقلاب هَهُنَا لَزِمَهَا لِاجْتِمَاع الهمزتين والهمزتان إِذا اجتمعتا فِي كلمة لزم الثّانية مِنْهُمَا الْقلب بِحَسب الْحَرَكَة التّي قبلهَا إِذا كَانَت سَاكِنة نَحْو آمَن أُوتُمِن، إيذَن إيثماناَ.
صَاحب الْعين: الاحتساب: طلب الْأجر وَالِاسْم الحِسْبَة.
ابْن السّكيت: احتَسَب فلانٌ بَنِينَ: إِذا مَاتُوا لَهُ كبارًا واحتسب الْأجر بصبره.
أَبُو عُبَيْد: المَسيح: الصِّدِّيق وَبِه سُمي عِيسَى بن مَرْيَم وَقد تقدم وُجُوه الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك.
أَبُو زيد: القارِية: الصالحون من النّاس.
أَبُو عُبَيْد: وَفِي الحَدِيث: (النّاسُ قَواري الله فِي الأَرْض) .
أَي شهداؤه، أُخذ من أَنهم يَقْرون النّاس أَي يتتبعونهم فَيَنْظُرُونَ إِلَى أَعْمَالهم.

أَفعَال الإِيمان

المخصص

غير وَاحِد: أقْسَم وآلى وائتَلى وحَلَف يحلِف حَلفاً.
أَبُو عُبَيْد: ومَحلوفاً وَهُوَ أحد مَا جَاءَ من المصادر على مفعول.
ابْن دُرَيْد: حلف عليّ أُحْلوفة صدق.
صَاحب الْعين: حلف حَلْفاً وحِلفاً وحَلِفاً وَقَالَ مَحلوفةً بِاللَّه مَا قَالَ ذَلِك، على إِضْمَار يحلف، وَرجل حَلاّف وحَلاّفة: كثير الحَلِف، واستحلفته ابلله وأحلفْتُه وحَلَّفْته وكل شَيْء مُحْتَلَفٌ فِيهِ مُحْلِفٌ لِأَنَّهُ دَاع إِلَى الحَلِف وَلذَلِك قيل حَضار وَالْوَزْن مُحْلِفان لِأَنَّهُمَا نجمان يطلعان قبل سُهيل فيظن النّاس بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه سُهَيْل فَيحلف الْوَاحِد أَنه ذَاك وَيحلف الآخر أَنه لَيْسَ بِهِ، وَقد تقدم الاحلاف فِي إِدْرَاك الْغُلَام وسِمن النّاقة وألوان الْخَيل.
غَيره: وَهُوَ الْقسم والأَلِيَّة والأُلْوَة والإلْوَة والحَلِف وَقد تقاسم الْقَوْم وتألَّوا: تحالفوا.
واستقسمته بِاللَّه: اسْتَحْلَفته.
صَاحب الْعين: أُنْشِدُك بِاللَّه إلاّ فعلت: أَي أستحلفك، وأنْشَدْتُك الله كَذَلِك وَقد ناشَدته مناشَدة ونِشاداً.
أَبُو عُبَيْد: أحْلَط الرَّجُل واحتلط: اجْتهد وَحلف.
أَبُو زيد: حَلِط حَلَطاً كَذَلِك.
ابْن دُرَيْد: جَذَمت الْيَمين جَذْماً: أمضيتها، وَحلف يَمِينا حَتماً جَذماً.
أَبُو زيد: سَبَأ على يَمِين كَاذِبَة: حلف.
صَاحب الْعين: بَسَأ عَلَيْهَا كَذَلِك.
أَبُو عُبَيْد: الْيَمين: الحِلْف وَجمعه أيْمُن.
أَبُو عَليّ فِي التّذكرة: استيمنته: اسْتَحْلَفته.
ابْن دُرَيْد: عَتَك على يَمِين فاجرة: أقدم.
وَقَالَ: حَلفت يَمِينا مَا فِيهَا ثَنِيَّة وَلَا ثُنْياً وَلَا مَثْنَوِيَّة.
وَقَالَ: حلف بَتاتاً وبَتَتاً: حلف يَمِينا بَتَّاً فقطعها.
ابْن السّكيت: عَتَقَتْ عَلَيْهِ يَمِين: أَي تقدّمت وَوَجَبَت، وَأنْشد: عليَّ أَلِيَّةٌ عَتَقَتْ قَدِيما فَلَيْسَ لَهَا وَإِن طلبت مَرامُ غَيره: يَمِين سَمْهَجَة: شَدِيدَة، وَقد سمهجها، وأصل السّمْهَجَة: شدَّة الفتل.
ابْن دُرَيْد: التّهْويل: شَيْء كَانَ يُفعل فِي زمن الْجَاهِلِيَّة إِذا أَرَادوا أَن يستحلفوا الرَّجُل: أوقدوا نَارا وألقوا فِيهَا مِلحاً وَالَّذِي يُحلّف المُهَوِّل.
أَبُو عُبَيْد: المِحاش: الْقَوْم يحالفون غَيرهم من الْحلف عِنْد النّار وَهُوَ من المَحْش: أَي الإِحراق.
(هَذَا بَاب مَا عمل بعضه فِي بعض وَفِيه معنى القَسَم)
قد تقدم قبل هَذَا أَن الْقسم إِنَّمَا هُوَ جملَة من ابْتِدَاء وَخبر أَو فعل وفاعل يُؤَكد بهَا جملَة أُخْرَى فَمن الِابْتِدَاء وَالْخَبَر قَوْلهم لَعَمْرُ الله الْمقسم بِهِ فعَمْرُ مُبْتَدأ والمقسم بِهِ المُقدّر خَبره وَلَا يسْتَعْمل فِي الْقسم إلاّ مَفْتُوحًا لخفته وَالْقسم مَوْضِع استخفاف وَلَأَفْعَلَن هُوَ جَوَابه وَهُوَ المُقسم عَلَيْهِ وَمن ذَلِك قَوْلهم أَيْم الله وأَيْمُنُ الله وأيمُن الْكَعْبَة فألف أيم وأيمن فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ عَن يُونُس ألف مَوْصُولَة وحكاها يُونُس عَن الْعَرَب وَأنْشد: فَقَالَ فريقُ القومِ لمّا نَشَدْتهم نعم وفريقٌ لَيَمْنُ اللهِ مَا نَدْرِي وَيُقَال إِن أيمُن لم يُوجد مُضَافا إلاّ إِلَى اسْم الله عز وَجل وَإِلَى الْكَعْبَة وَفِي النّحويين من يَقُول إِنَّه جمع يَمِين وألفه ألف قطع فِي الأَصْل وَإِنَّمَا حُذف تَخْفِيفًا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَقد كَانَ الزّجّاج يذهب إِلَى هَذَا وَهُوَ

مَذْهَب الْكُوفِيّين، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَمعنَا فُصحاء الْعَرَب يَقُولُونَ فِي بَيت امْرِئ الْقَيْس: فَقلت يمينُ اللهِ أبرحُ قَاعِدا وَلَو قطعُوا رَأْسِي لديكَ وأوصالي رُفع الْيَمين كَمَا رُفع أيمُن الله، والتّقدير يمينُ الله قسمي وَمن روى يمينَ الله بالنّصب أَرَادَ أَحْلف بِيَمِين الله وَحذف الْيَاء فنصب وَرَفعه كَقَوْلِهِم أيمُن اللهِ وأيمن الْكَعْبَة وأيم الله وَفِيه معنى الْقسم وَكَذَلِكَ قَوْلهم أمانةَ الله.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وحَدثني هَارُون الْقَارئ أَنه سمع من الْعَرَب: فذاكَ أمانةُ اللهِ الثّريدُ بِالرَّفْع على مَا فسرنا وَمن ذَلِك قَوْلهم عليَّ عهدُ اللهِ فعهدُ مُبْتَدأ وعليّ خَبره وَمثل ذَلِك قَوْلهم يعلمُ اللهُ لأفعلنّ، وَإِعْرَابه كإعراب يذهبُ زيدٌ وَالْمعْنَى واللهِ لَأَفْعَلَنَّ، وَذَا بِمَنْزِلَة يَرْحَمك الله لَفظه لفظ الْخَبَر وَفِيه معنى الدّعاء وَمن الْمَنْصُوب قَوْلهم عَمْرَكَ اللهَ لَأَفْعَلَنَّ ذَاك، بِمَعْنى عَمَّرْتُك اللهَ وعَمْرَ اللهِ لَا أفعل ذَلِك أَبُو عُبَيْد: قَسَماً لَأَفْعَلَنَّ ذَاك وَكَذَلِكَ إِن أدخلت فِيهَا اللَّام فَهِيَ نصبٌ على حَالهَا لقَسَماً وليميناً لَأَفْعَلَنَّ ذَاك إلاّ فِي لَحَقُّ خَاصَّة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ لَحَقُّ لَأَفْعَلَنَّ ذَاك رفع بِغَيْر نون، قَالَ: وعُقَيْل تَقول حَرامَ اللهِ لَا آتِيك، كَقَوْلِهِم يَمِين اللهِ، وَكَذَلِكَ كل يَمِين لَيْسَ فِي أَولهَا وَاو فَهِيَ نصبٌ إلاّ قَوْلهم اللهِ لَا آتِيك، فَإِنَّهُ خفضٌ أبدا، وَقد قدمت تَعْلِيله قبل هَذَا.

خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري سكن المدينة.

معجم الصحابة للبغوي

خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري
سكن المدينة.
619 - حدثني هارون بن موسى الفروي حدثني أبو ضمرة عن عبد الرحمن بن حرملة عن حنظلة بن علي بن الأسقع عن خفاف بن إيماء الغفاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المكتوبة فركع ورفع فقال: " اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله ".

620 - حدثني أحمد بن الخليل نا محمد بن عمر نا عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد الغفاري عن جده عبيد بن أبي عبيد عن خفاف بن إيماء بن رحضة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب قبل التروية بيوم بين
351- إيماء بن رحضة
ب د ع: إيماء بْن رحضة بْن خربة بْن خلاف بْن حارثة بْن غفار سيد غفار في زمانه ووافدهم.
كان يسكن غيقة من ناحية السقيما، ثم انتقل إِلَى المدينة، فاستوطنها قبيل الحديبية.
وقال أَبُو عمر: أسلم قبيل الحديبية، وله ولابنه خفاف صحبة.
(125) أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عن سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عن أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ قَوْمِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا، وَأَخِي أُنَيْسٌ، وَأُمِّي، وَذَكَرَ إِسْلامَهُ، وَفِيهِ: فَجِئْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحْضَةَ، وَكَانَ سَيِّدُهُمْ.
أَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ.
1462- خفاف بن إيماء
ب د ع: خفاف بْن إيماء بْن رحضة بْن خربة بْن خلاف بْن حارثة بْن غفار العفاري كان أبوه سيد غفار، وكان هو إمام بني غفار وخطيبهم.
شهد الحديبية، وبايع بيعة الرضوان، يعد في المدنيين.
روى عنه عَبْد اللَّهِ بْن الحارث، وحنظلة بْن علي الأسدي، وخالد بْن عَبْد اللَّهِ بْن حرملة، وابنة الحارث بْن خفاف، وغيرهم، يقال: إن للخفاف هذا ولأبيه ولجده رحضة صحبة، وكانوا ينزلون غيقة من بلاد غفار، ويأتون المدينة كثيرًا.
روى يونس بْن بكير، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاق، قال: لما سمع أَبُو سفيان بإسلام خفاف بْن إيماء، قال: لقد صبأ الليلة سيد بني كنانة.
(397) أخبرنا يَحْيَى بْنُ أَبِي الرَّجَاءِ وَأَبُو يَاسِرِ بْنُ أَبِي حَبَّةَ، بِإِسْنَادَيْهِمَا إِلَى مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حدثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، أخبرنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ، أخبرنا الْحَارِثُ بْنُ خَفَّافٍ، عن أَبِيهِ خَفَّافِ بْنِ إِيمَاءَ، قَالَ: رَكَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: " غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعَصِيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، اللَّهُمَّ الْعن لَحْيَانَ، اللَّهُمَّ الْعن رَعِلًا وَذَكْوَانَ " ثُمَّ وَقَعَ سَاجِدًا.
قَالَ خَفَّافٌ: فَجُعِلَتْ لَعْنَةُ الْكُفَّارِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
أَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ
بن خرّبة بن خفاف بن حارثة بن غفار. قديم الإسلام. قال ابن المدينيّ: له صحبة. قال: وقد روى حنظلة الأسلمي عن خفاف بن إيماء بن رحضة حديث القنوت. وقال بعضهم: عن إيماء بن رحضة.
وروى مسلم في صحيحه قصة إسلام أبي ذرّ من طريق عبد اللَّه بن الصّامت، عن أبي ذرّ، وفيها: فجئنا قومنا فأسلم نصفها قبل أن يقدم النبيّ ﷺ المدينة. وكان يؤمّهم إيماء بن رحضة الغفاريّ. [ولكن ذكر أحمد في هذا الحديث الاختلاف على رواية سليمان بن المغيرة هل هو خفاف بن إيماء أو أبوه إيماء بن رحضة؟ وعلى هذا فيمكن أن يكون إسلام خفاف تقدّم على إسلام أبيه. واللَّه أعلم] [ (1) ] .
وذكر الزّبير بن بكّار من حديث حكيم بن حزام أن إيماء بن رحضة حضر بدرا مع المشركين، فيكون إسلامه بعد ذلك.
وذكر ابن سعد أنه أسلم قريبا من الحديبيّة. وهذا يعارض رواية مسلم.
وقال ابن سعد: كان سكن غيقة [ (2) ] من ناحية السّقيا [ (3) ] ، ويأوي إلى المدينة، وسيأتي ذكر ابنه خفاف في موضعه، والقصة المذكورة عن حكيم بن حزام فيها، قال: فخرج عتبة ابن ربيعة مبادرا، وخرجت معه لئلا يفوتني من الخير شيء، وعتبة يبكي على إيماء بن رحضة الغفاريّ، وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر [ (4) ] وفيها أن أبا جهل لما كلمه عتبة بن
ربيعة أن يرجع يوم بدر عن القتال فقال: انتفخ سحرك وسل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال إيماء بن رحضة ليس القاتل هذا.
بن خرّبة بن خفاف بن حارثة بن غفار. قديم الإسلام. قال ابن المدينيّ: له صحبة. قال: وقد روى حنظلة الأسلمي عن خفاف بن إيماء بن رحضة حديث القنوت. وقال بعضهم: عن إيماء بن رحضة.
وروى مسلم في صحيحه قصة إسلام أبي ذرّ من طريق عبد اللَّه بن الصّامت، عن أبي ذرّ، وفيها: فجئنا قومنا فأسلم نصفها قبل أن يقدم النبيّ ﷺ المدينة. وكان يؤمّهم إيماء بن رحضة الغفاريّ. [ولكن ذكر أحمد في هذا الحديث الاختلاف على رواية سليمان بن المغيرة هل هو خفاف بن إيماء أو أبوه إيماء بن رحضة؟ وعلى هذا فيمكن أن يكون إسلام خفاف تقدّم على إسلام أبيه. واللَّه أعلم] [ (1) ] .
وذكر الزّبير بن بكّار من حديث حكيم بن حزام أن إيماء بن رحضة حضر بدرا مع المشركين، فيكون إسلامه بعد ذلك.
وذكر ابن سعد أنه أسلم قريبا من الحديبيّة. وهذا يعارض رواية مسلم.
وقال ابن سعد: كان سكن غيقة [ (2) ] من ناحية السّقيا [ (3) ] ، ويأوي إلى المدينة، وسيأتي ذكر ابنه خفاف في موضعه، والقصة المذكورة عن حكيم بن حزام فيها، قال: فخرج عتبة ابن ربيعة مبادرا، وخرجت معه لئلا يفوتني من الخير شيء، وعتبة يبكي على إيماء بن رحضة الغفاريّ، وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر [ (4) ] وفيها أن أبا جهل لما كلمه عتبة بن
ربيعة أن يرجع يوم بدر عن القتال فقال: انتفخ سحرك وسل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال إيماء بن رحضة ليس القاتل هذا.

‏<br> إيماء بن رحضة بن خربة الغفاري،

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


أسلم قريبًا من الحديبية، وكانوا مروا عليه ببدر وهو مشرك، ولابنه خفاف صحبة، وكانا ينزلان غيقة من بلاد بني غفار، ويأتون المدينة كثيرًا، ولابنه خفاف رواية عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم.

‏<br> خفاف بن إيماء بن رحضة بن خربة الغفاري.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


كان إمام مسجد بني غفار وخطيبهم، شهد الحديبية، وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة، يعد في المدنيين.

من أ، ت.

هكذا ضبط في الإصابة. وقال في أسد الغابة: قال الدار قطنى وابن ماكولا: بكسر الجيم. وقال عبد الغنى فيه: يقال بفتح الجيم. وجزء- يعنى بالهمزة.

في أسد الغابة: بن عبد قيس.

في أ، ت: حمل النجاشي. وفي الإصابة: ممن بعثه النجاشي مع عمرو بن أمية.

في التهذيب: رحضة- براء مهملة وضاد معجمة. وفي الإصابة: بفتح الراء المهملة، ثم معجمة- رخصة.



روى عنه عبد الله بن الحارث، وحنظلة بن علي الأسدي. ويقَالَ: إن لخفاف هذا ولأبيه إيماء، ولجده رحضة صحبة، كلهم صحب النبي ﷺ، وكانوا ينزلون غيقة من بلاد غفار، ويأتون المدينة كثيرا. يقولون هو والد مخلد بن خفاف، الذي روى عنه ابن أبي ذئب، ولا يصح ذلك.

‫الرد على شبهات النصارى في ادعائهم الإيمان وأن القرآن قد أثنى على دينهم وحكم لهم بالنجاة يوم القيامة‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫هذه الشبهات متتالية، كل شبهة تعقبها الإجابة عنها:-‬
‫1 - فمنها: أنهم قالوا: إن محمدا- ﷺ- لم يبعث إلينا، فلا يجب علينا اتباعه، وإنما قلنا: إنه لم يرسل إلينا؛ لقوله تعالى في الكتاب العزيز: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف: 2. ولقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4. ولقوله تعالى: بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ [الجمعة:2. ولقوله تعالى: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون [القصص:46. ولقوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين [الشعراء:214. ولا يلزمنا إلا من جاءنا بلساننا، وأتانا بالتوراة والإنجيل بلغاتنا.‬
‫فالجواب من وجوه:‬
‫أحدها: أن الحكمة في أن الله تعالى إنما يبعث رسله بألسنة قومهم، ليكون ذلك أبلغ في الفهم عنه ومنه، وهو أيضا يكون أقرب لفهمه عنهم جميع مقاصدهم في الموافقة والمخالفة، وإزاحة الأعذار والعلل، والأجوبة عن الشبهات المعارضة، وإيضاح البراهين القاطعة، فإن مقصود الرسالة في أول وهلة إنما هو البيان والإرشاد، وهو مع اتحاد اللغة أقرب، فإذا تقررت نبوة النبي في قومه قامت الحجة على غيرهم، إذا سلموا ووافقوا، فغيرهم أولى أن يسلم ويوافق، فهذه هي الحكمة في إرسال الرسول بلسان قومه، ومن قومه.‬
‫وفرق بين قول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4 وبين قوله: وما أرسلنا من رسول إلا لقومه. فالقول الثاني هو المفيد لاختصاص الرسالة بهم، لا الأول. بل لا فرق بين قوله: وما أرسلنا من رسول إلا لقومه. وبين قوله: وما أرسلنا من رسول إلا مكلفا بهداية قومه. فكما أن الثاني لا إشعار له بأنه لم يكلف بهداية غيرهم، فكذلك الأول، فمن لم يكن له معرفة بدلالة الألفاظ، ومواقع المخاطبات سوَّى بين المختلفات، وفرَّق بين المؤتلفات.‬
‫وثانيها: أن التوراة نزلت باللسان العبراني والإنجيل بالرومي، فلو صحَّ ما قالوه لكانت النصارى كلهم مخطئين في اتباع أحكام التوراة، فإن جميع فرقهم لا يعلمون هذا اللسان إلا كما يعلم الروم اللسان العربي بطريق التعليم، وأن تكون القبط كلهم والحبشة مخطئين في اتباعهم التوراة والإنجيل؛ لأن الفريقين غير العبراني والرومي، ولو لم ينقل هذان الكتابان بلسان القبط، وترجما بالعربي لم يفهم قبطي، ولا حبشي، ولا رومي شيئا من التوراة، ولا قبطي ولا حبشي شيئا من الإنجيل إلا أن يتعلموا ذلك اللسان، كما يتعلمون العربي.‬

‫وثالثها: أنه إذا سلم أنه عليه السلام رسول لقومه، ورسل الله تعالى خاصة خلقه وخيرة عباده معصومون عن الزلل، مبرؤون من الخطل، وهو عليه السلام قد قاتل اليهود، وبعث إلى الروم ينذرهم ........ وكتب إلى المقوقس بمصر لإنذار القبط ولكسرى بفارس، وهو الصادق البر، كما سلم أنه رسول لقومه، فيكون رسولا للجميع، ولأن في جملة ما نزل عليه ﷺ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاس [سبأ:28. فصرَّح بالتعميم، واندفعت شبهة من يدَّعي التخصيص، فإن كانت النصارى لا يعتقدون أصل الرسالة، لا لقومه، ولا لغيره، فيقولون: أوضحوا لنا صدق دعواكم. ولا يقولون كتابكم يقتضي تخصص الرسالة، وإن كانوا يعتقدون أصل الرسالة لكنها مخصوصة لزمهم التعميم لما تقدم، وكذلك قوله تعالى: بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ [الجمعة:2. لا يقتضي أنه لم يبعثه لغيرهم، فإن الملك العظيم إذا قال: بعثت إلى مصر رسولا من أهلها لا يدل ذلك على أنه ليس على يده رسالة أخرى لغيرهم، ولا أنه لا يأمر قوما آخرين بغير تلك الرسالة، وكذلك قوله تعالى: لِتُنذِرَ قَوْمًا ما أنذِرَ آبَاؤُهُمْ [يس:6. ليس فيه أنه لا ينذر غيرهم، بل لما كان الذي يتلقى الوحي أولا هم العرب كان التنبيه عليه بالمنة عليهم بالهداية أولى من غيرهم، وإذا قال السيد لعبده: بعثتك لتشتري ثوبا. لا ينافي أنه أمره بشراء الطعام، بل تخصيص الثوب بالذكر لمعنى اقتضاه، ويسكت عن الطعام؛ لأن المقصد الآن لا يتعلق به، وما زالت العقلاء في مخاطباتهم يتكلمون فيما يوجد سببه، ويسكتون عما لم يتعين سببه.‬
‫وإن كان المذكور والمسكوت عنه حقين واقعين، فكذلك الرسالة عامة، ولما كان أيضا المقصود تنبيه بني إسرائيل، وإرشادهم خصوا بالذكر، وخصصت كل فرقة من اليهود والنصارى بالذكر، ولم يذكر معها غيرها في القرآن في تلك الآيات المتعلقة بهم، وهذا هو شأن الخطاب أبدا، فلا يغتر جاهل بأن ذكر زيد بالحكم يقتضي نفيه عن عمرو، وكذلك قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين [الشعراء:214. ليس فيه دليل على أنه لا ينذر غيرهم، كما أنه إذا قال القائل لغيره: أدِّب ولدك. لا يدل على أنه أراد أنه لا يؤدب غلامه، بل ذلك يدل على أنه مراد المتكلم في هذا المقام تأديب الولد؛ لأن المقصود مختص به، ولعله إذا فرغ من الوصية على الولد يقول له: وغلامك أيضا أدبه؛ وإنما بدأت بالولد لاهتمامي به. ولا يقول عاقل: إن كلامه الثاني مناقض للأول. وكذلك قرابته عليه السلام هم أولى الناس ببره عليه السلام وإحسانه، وإنقاذهم من المهلكات، فخصَّهم بالذكر لذلك، لا أن غيرهم غير مراد، كما ذكرنا في صورة الولد والعبد.‬
‫وبالجملة فهذه الألفاظ ألفاظ لغتنا، ونحن أعلم بها، وإذا كان عليه السلام هو المتكلم بها، ولم يفهم‬
‫تخصيص الرسالة، ولا إرادته، بل أنذر الروم والفرس وسائر الأمم، والعرب لم تفهم ذلك وأعداؤه من أهل زمانه لم يدَّعوا ذلك، ولا فهموه، ولو فهموه لأقاموا به الحجة عليه، ونحن أيضا لم نفهم ذلك.‬
‫2 - ومنها أنهم قالوا: إن القرآن الكريم ورد بتعظيم عيسى عليه السلام، وبتعظيم أمه مريم رضي الله عنها، وهذا هو رأينا واعتقادنا فيهما، فالدينان واحد، فلا ينكر المسلمون علينا.‬
‫والجواب من وجوه:‬

‫أحدها: تعظيمهما لا نزاع فيه، ولم يكفر النصارى بالتعظيم، إنما كفروا بنسبة أمور أخرى إليها لا يليق بجلال الربوبية، ولا بدناءة البشرية من الأبوة والبنوة والحلول، والإلحاد، واتخاذ الصاحبة والأولاد، تعالى الله عما يقول الكافرون علوًّا كبيرا، فهذه مغالطة في قوله: (موافق لاعتقادنا)، ليس هذا هو الاعتقاد المتنازع فيه، نعم لو ورد القرآن الكريم بهذه الأمور الفاسدة المتقدم ذكرها- وحاشاه- كان موافقا لاعتقادهم، فأين أحد البابين من الآخر؟‬
‫وثانيها: أنه اعترف بأن القرآن الكريم ورد بما يعتقد أنه حق، فإن الباطل لا يؤكد الحق، بل المؤكد للحق حق جزما، فيكون القرآن الكريم حقا قطعا، وهذا هو سبب إسلام كثير من أحبار اليهود ورهبان النصارى، وهو أنهم اختبروا ما جاء به عليه السلام، فوجدوه موافقا لما كانوا يعتقدونه من الحق، فجزموا بأنه حق وأسلموا واتبعوه، وما زال العقلاء على ذلك يعتبرون كلام المتكلم، فإن وجدوه على وفق ما يعتقدونه من الحق اتبعوه، وإلا رفضوه.‬
‫وثالثها: أن هذا برهان قاطع على رجحان الإسلام على سائر الملل والأديان، فإنه مشتمل على تعظيم جملة الرسل وجميع الكتب المنزلة، فالمسلم على أمان من جميع الأنبياء عليهم السلام على كل تقدير، أما النصراني فليس على أمان من تكذيب محمد ﷺ، فتعين رجحان الإسلام على غيره، ولو سلمنا تحرير صحة ما يقوله النصراني من النبوة وغيرها يكون المسلم قد اعترف لعيسى عليه السلام، ولأمه رضي الله عنها بالفضل العظيم والشرف المنيف، وجهل بعض أحوالهما، على تقدير تسليم صحة ما ادَّعاه النصارى والجهل ببعض فضائل من وجب تعظيمه لا يوجب ذلك خطرا، أما النصراني فهو منكر لأصل تعظيم النبي ﷺ، بل ينسبه للكذب والرذائل والجراءة على سفك الدماء بغير إذن من الله، ولا خفاء في أن هذا خطر عظيم، وكفر كبير، فيظهر من هذا القطع بنجاة المسلم قطعا، ويتعين غيره للغرر والخطر قطعا، فليبادر كل عاقل حينئذ إلى الإسلام، فيدخل الجنة بسلام.‬
‫3 - ومنها أنهم قالوا: إن القرآن الكريم ورد بأن عيسى عليه السلام روح الله تعالى وكلمته، وهو اعتقادنا.‬
‫والجواب من وجوه:‬
‫أحدها: أن من المحال أن يكون المراد الروح والكلمة على ما تدعيه النصارى، وكيف يليق بأدنى العقلاء أن يصف عيسى عليه السلام بصفة، وينادي بها على رؤوس الأشهاد، ويطبق بها الآفاق، ثم يكفر من اعتقد تلك الصفة في عيسى عليه السلام، ويأمر بقتالهم وقتلهم، وسفك دمائهم، وسبي ذراريهم، وسلب أموالهم؟، بل هو بالكفر أولى؛ لأنه يعتقد ذلك مضافا إلى تكفير غيره، والسعي في وجوه ضرره، وقد اتفقت الملل كلها مؤمنها وكافرها على أنه عليه السلام من أكمل الناس في الصفات البشرية خَلقا وخُلقا وعقلا ورأيا، فإنها أمور محسومة، إنما النزاع في الرسالة الربانية، فكيف يليق به عليه السلام أن يأتي بكلام هذا معناه، ثم يقاتل معتقده ويكفره؟، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم والفضلاء من الخلفاء من بعده، وهذا برهان قاطع على أن المراد على غير ما فهمه النصارى.‬
‫ثانيها: أن الروح اسم الريح الذي بين الخافقين يقال لها: ريح وروح، لغتان، وكذلك في الجمع رياح وأرواح، واسم لجبريل عليه السلام وهو المسمى بروح القدس، والروح اسم للنفس المقومة للجسم الحيواني.‬
‫والكلمة اسم للفظة المفيدة من الأصوات، وتطلق الكلمة على الحروف الدالة على اللفظة من الأصوات، ولهذا يقال: هذه الكلمة خط حسن ومكتوبة بالحبر. وإذا كانت الروح والكلمة لهما معان عديدة، فعلى أيهما يحمل هذا اللفظ؟ وحمل النصراني اللفظ على معتقده، تحكُّمٌ بمجرد الهوى المحض.‬

‫وثالثهما: وهو الجواب بحسب الاعتقاد لا بحسب الإلزام، أن معنى الروح المذكور في القرآن الكريم في حق عيسى عليه السلام هو الروح الذي بمعنى النفس المقوم لبدن الإنسان، ومعنى نفخ الله تعالى في عيسى عليه السلام من روحه أنه خلق روحا نفخها فيه، فإن جميع أرواح الناس يصدق أنها روح الله، وروح كل حيوان هي روح الله تعالى، فإن الإضافة في لسان العرب تصدق حقيقة بأدنى الملابسة، كقول أحد حاملي الخشبة لآخر: شل طرفك. يريد طرف الخشبة، فجعله طرفا للحامل، ويقول: طلع كوكب زيد. إذا كان نجم عند طلوعه يسري بالليل، ونسبة الكوكب إليه نسبة المقارنة فقط، فكيف لا يضاف كل روح إلى الله تعالى، وهو خالقها ومدبرها في جميع أحوالها؟ وكذلك يقول بعض الفضلاء لما سئل عن هذه الآية فقال: نفخ الله تعالى في عيسى عليه السلام روحا من أرواحه، أي: جميع أرواح الحيوان أرواحه، وأما تخصيص عيسى عليه السلام، وعلو منزلته بذكر الإضافة إليه، يقال: كما قال تعالى: وَما أنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [الأنفال:41، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42 مع أن الجميع عبيده، وإنما التخصيص لبيان منزلة المخصص، وأما الكلمة فمعناها أن الله تعالى إذا أراد شيئا يقول له: كن فيكون. فما من موجود إلا وهو منسوب إلى كلمة كن، فلما أوجد الله تعالى عيسى عليه السلام قال له: كن في بطن أمك. فكان، وتخصيصه بذلك للشرف، كما تقدم، فهذا معنى معقول متصور ليس فيه شيء كما يعتقده النصارى من أن صفة من صفات الله حلَّت في ناسوت المسيح عليه السلام، وكيف يمكن في العقل أن تفارق الصفة الموصوف، بل لو قيل لأحدنا: إن علمك أو حياتك انتقلت لزيد. لأنكر ذلك كل عاقل، بل الذي يمكن أن يوجد في الغير مثل الصفة، وأما أنها هي في نفسها تتحرك من محل إلى محل فمحال؛ لأن الحركات من صفات الأجسام، والصفة ليست جسما، فإن كانت النصارى تعتقد أن الأجسام صفات، والصفات أجسام، وأن أحكام المختلفات وإن تباينت شيء واحد سقطت مكالمتهم، وذلك هو الظن بهم؛ بل يقطع بأنهم أبعد من ذلك عن موارد العقل ومدارك النظر، وبالجملة فهذه كلمات عربية في كتاب عربي، فمن كان يعرف لسان العرب حق معرفته في إضافاته وتعريفاته وتخصيصاته، وتعميماته، وإطلاقاته وتقييداته، وسائر أنواع استعمالاته فليتحدث فيه ويستدل له، ومن ليس كذلك فليقلد أهله العلماء به، ويترك الخوض فيما لا يعنيه ولا يعرفه.‬
‫4 - ومنها: أنهم قالوا: إنه في الكتاب العزيز: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران:55.‬

‫والجواب: أنَّ الذين اتبعوه ليسوا النصارى الذين اعتقدوا أنه ابن الله، وسلكوا مسلك هؤلاء الجهلة، فإن اتباع الإنسان موافقته فيما جاء به، وكون هؤلاء المتأخرين اتبعوه، محل النزاع، بل متبعوه هم الحواريون، ومن تابعهم قبل ظهور القول بالتثليث، أولئك هم الذين رفعهم الله في الدنيا والآخرة، ونحن إنما نطالب هؤلاء بالرجوع إلى ما كان أولئك عليه، فإنهم قدَّس الله أرواحهم آمنوا بعيسى وبجملة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، وكان عيسى عليه السلام بشَّرهم بمحمد ﷺ فكانوا ينتظرون ظهوره ليؤمنوا به عليه السلام، وكذلك لما ظهر عليه السلام جاءه أربعون راهبا من نجران، فتأملوه فوجدوه هو الموعود به في ساعة واحدة بمجرد النظر والتأمل لعلاماته، فهؤلاء هم الذين اتبعوه فهم المرفوعون المعظمون، وأما هؤلاء النصارى فهم الذين كفروا به مع من كفر، وجعلوه سببا لانتهاك حرمة الربوبية بنسبة واجب الوجود المقدس عن صفات البشر إلى الصاحبة والولد الذي ينفر منها أقل رهبانهم، حتى أنه قد ورد أن الله تعالى إذا قال لعيسى عليه السلام يوم القيامة: أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ؟ [المائدة:116. .......... ،‬
‫5 - ومنها: أنهم قالوا: إن القرآن الكريم شهد بتقديم بيع النصارى وكنائسهم على مساجد المسلمين بقوله تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40. فقد جعل الصوامع والبيع مقدمات على المساجد، وجعل فيها ذكر الله كثيرا، وذلك يدل على أن النصارى- في زعمهم- على الحق، فلا ينبغي لهم العدول عما هم عليه؛ لأن العدول عن الحق إنما يكون للباطل.‬
‫والجواب: من وجوه:‬
‫أحدها: أنَّ المراد بهذه الآية أن الله تعالى يدفع المكاره عن الأشرار بوجود الأخيار، فيكون وجود الأخيار سببا لسلامة الأشرار من الفتن والمحن، فزمان موسى عليه السلام يسلم فيه أهل الأرض من بلاء يعمهم بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة الموسوية، وزمان عيسى عليه السلام يسلم فيه أهل الاستقامة على الشريعة العيسوية، وزمان محمد ﷺ يسلم فيه أهل الأرض بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة المحمدية، وكذلك سائر الأزمان الكائنة بعد الأنبياء عليهم السلام، كل من كان مستقيما على الشريعة الماضية هو سبب لسلامة البقية، فلولا أهل الاستقامة في زمن موسى عليه السلام لم يبق صوامع يعبد الله تعالى فيها على الدين الصحيح؛ لعموم الهلاك، فينقطع الخير بالكلية، وكذلك في سائر الأزمان، فلولا أهل الخير في زماننا لم يبق مسجد يعبد الله فيه على الدين الصحيح، ولغضب الله تعالى على أهل الأرض.‬
‫والصوامع أمكنة الرهبان في زمن الاستقامة حيث يعبد الله تعالى فيها على دين صحيح، وكذلك البيعة والصلاة والمسجد، وليس المراد هذه المواطن إذا كُفِرَ بالله تعالى فيها وبدلت شرائعه، وكانت محل العصيان والطغيان لا محل التوحيد والإيمان، وهذه المواطن في أزمنة الاستقامة لا نزاع فيها، وإنما النزاع لما تغيرت أحوالها، وذهب التوحيد وجاء التثليث وكذبت الرسل والأنبياء عليهم السلام، وصار ذلك يتلى في الصباح والمساء، حينئذ هي أقبح بقعة على وجه الأرض وألعن مكان يوجد، فلا تجعل هذه الآية دليلا على تفضيلها.‬

‫وثانيها: أن الله تعالى قال: صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ [الحج:40. بالتنكير، والجمع المنكر لا يدل عند العرب على أكثر من ثلاثة من ذلك المجموع بالاتفاق، ونحن نقول: إنه قد وقع في الدنيا ثلاث من البيع، وثلاث من الصوامع كانت أفضل مواضع العبادات بالنسبة إلى ثلاثة مساجد، .......... ،‬
‫وثالثها: أن هذه الآية تقتضي أن المساجد أفضل بيت عند الله تعالى على عكس ما قاله هؤلاء الجهال بلغة العرب، وتقريره أن الصنف القليل المنزلة عند الله تعالى أقرب للهلاك من العظيم المنزلة، والقاعدة العربية أن الترقي في الخطاب إلى الأعلى فالأعلى أبدا في المدح والذم والتفخيم، والامتنان؛ فتقول في المدح: الشجاع البطل، ولا تقول: البطل الشجاع؛ لأنك تعد راجعا عن الأول، وفي الذم: العاصي الفاسق، ولا تقول: الفاسق العاصي، وفي التفخيم: فلان يغلب المائة والألف، وفي الامتنان لا أبخل عليك بالدرهم ولا بالدينار، ولا يقول بالدينار والدرهم، والسر في الجميع أنك تعد راجعا عن الأول كقهقرتك عما كنت فيه إلى ما هو أدنى منه، إذا تقرر ذلك ظهرت فضيلة المساجد ومزيد شرفها على غيرها، وأن هدمها أعظم من تجاوز ما يقتضي هدم غيرها، كما نقول: لولا السلطان لهلك الصبيان والرجال والأمراء. فترتقي أبدا للأعلى فالأعلى؛ لتفخيم أمر عزم السلطان، وأن وجوده سبب عصمة هذه الطوائف، أما لو قلت: لولا السلطان لهلك الأبطال والصبيان. لعد كلاما متهافتا.‬
‫ورابعها: أن الآية تدل على أن المساجد أفضل بيت وضع على وجه الأرض للعابدين من وجه آخر، وذلك أن القاعدة العربية أن الضمائر إنما يحكم بعودها على أقرب مذكور، فإذا قلت: جاء زيد، وخالد، وأكرمته فالإكرام خاص بخالد؛ لأنه الأقرب، فقوله تعالى: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40. يختص بالأخير الذي هو المساجد، فقد اختصت بكثرة ذكر الله تعالى، وهو يقتضي أن غيرها لم يساوها في كثرة الذكر، فتكون أفضل، وهو المطلوب.‬
‫فائدة: الصومعة موضع الرهبان، وسمِّيت بذلك لحدة أعلاها ودقته، ومنه قول العرب: أصمعت الثريدة. إذا رفعت أعلاها، ومنه قولهم: رجل أصمع القلب. إذا كان حاد الفطنة. والصلاة: اسم لمتعبد اليهود، وأصلها بالعبراني صلوتا فعربت، والبيع اسم لمتعبد النصارى، اسم مرتجل غير مشتق، والمسجد اسم لمكان السجود، فإن مفعلا في لسان العرب، اسم للمكان، واسم للزمان الذي يقع فيه الفعل نحو: المضرب لمكان الضرب ورماته.‬
‫6 - ومنها: أنهم قالوا: القرآن دل على تعظيم الحواريين والإنجيل، وأنه غير مبدل بقوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة:48 وإذا صدَّقها لا تكون مبدلة، ولا يطرأ التغيير عليها بعد ذلك؛ لشهرتها في الأعصار والأمصار، فيتعذر تغيرها، ولقوله تعالى في القرآن: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة:1 - 2. والكتاب هو الإنجيل؛ لقوله تعالى: فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:184. والكتاب ها هنا هو الإنجيل، ولأنه تعالى لو أراد القرآن لم يقل ذلك؛ بل قال هذا، ولقوله تعالى: آمَنتُ بِما أنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى:15.‬

‫والجواب: أن تعظيم الحواريين لا نزاع فيه، وأنهم من خواص عباد الله الذين اتبعوا عيسى عليه السلام، ولم يبدلوا، وكانوا معتقدين لظهور نبينا محمد ﷺ في آخر الزمان، على ما دلَّت عليه كتبهم، وإنما كفر وخالف الحادثون بعدهم، وأما تصديق القرآن لما بين يديه فمعناه: أن الكتب المتقدمة عند نزولها قبل تغييرها وتخبيطها كانت حقا موافقة للقرآن، والقرآن موافق لها، وليس المراد الكتب الموجودة اليوم، فإن لفظ التوراة والإنجيل إنما ينصرفان إلى المنزلين.‬
‫وأما قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:2، وأنه المراد به الإنجيل: فمن الافتراء العجيب والتخيل الغريب، بل أجمع المسلمون قاطبة على أن المراد به القرآن ليس إلا، وإذا أخبر الناطق بذا اللفظ، وهو رسول الله ﷺ أن المراد هذا الكتاب، كيف يليق أن يحمل على غيره؟، فإن كل أحد مصدق فيما يدعيه في قول نفسه إنما ينازع في تفسير قول غيره، إن أمكنت منازعته، وأما الإشارة بذلك التي اغتر بها هذا السائل فاعلم أن للإشارة ثلاثة أحوال: ذا للقريب، وذاك للمتوسط، وذلك للبعيد، لكن البعد والقرب يكون تارة بالزمان وتارة بالمكان، وتارة بالشرف، وتارة بالاستحالة، ولذلك قالت زليخا في حق يوسف عليه السلام بالحضرة، وقد قطعن أيديهن من الدهش بحسنه: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف:32. إشارة لبعده عليه السلام في شرف الحسن، وكذلك القرآن الكريم لما عظمت رتبته في الشرف أشير إليه بذلك، وقد أشير إليه بذلك؛ لبعد مكانه؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، وقيل: لبعد زمانه؛ لأنه وعد به في الكتب المنزلة قديما، وأما قوله تعالى: جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:184.‬
‫فاعلم: أن اللام في لسان العرب تكون لاستغراق الجنس نحو حرم الله الخنزير والظلم، وللعهد نحو قولك لمن رآك أهنت رجلا: أكرمت الرجل بعد إهانته. ولها محامل كثيرة ليس هذا موضعها، فتحمل في كل مكان على ما يليق بها، فهي في قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة:2. للعهد؛ لأنه موعود به مذكور على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، فصار معلوما فأشير إليه بلام العهد، وهي في قوله تعالى: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ [آل عمران:184. للجنس، إشارة إلى جميع الكتب المنزلة المتقدمة، ولا يمكن أن يفهم القرآن الكريم إلا من فهم لسان العرب فهما متقنا، وقوله تعالى لنبيه عليه السلام، فهو أمر له بأن يقول: آمَنتُ بِما أنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ [الشورى:15. فالمراد الكتب المنزلة لا المبدلة، وهذا لا يمتري فيه عاقل، ونحن ننازعهم في أن ما بأيديهم منزلة، بل هي مبدلة مغيرة في غاية الوهن والضعف، وسقم الحفظ، والرواية والسند بحيث لا يوثق بشيء منها.‬

‫7 - ومنها: أنهم قالوا: القرآن الكريم أثنى على أهل الكتاب بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ إلى قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين [الكافرون:1 - 6. وبقوله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46. والظالمون إنما هم اليهود عبدة العجل، وقتلة الأنبياء، وبقوله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون [العنكبوت:46. ولم يقل: كونوا به مسلمين، وبقوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون [المائدة:82. فذكر حميد صفاتنا وجميل نياتنا، ونفا عنا الشرك‬
‫بقوله: والذين أشركوا، ومدحنا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62.‬
‫والجواب: أما قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1 - 6 إلى آخرها، فمعناها: أن قريشا قالت له عليه السلام: اعبد آلهتنا عاما، ونعبد إلهك عاما. فأمره الله تعالى أن يقول لهم ذلك، فليس المراد النصارى، ولو كان المراد النصارى لم ينتفعوا بذلك؛ لأن قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين [الكافرون:6. معناه الموادعة والمتاركة، فإن الله تعالى أول ما بعث نبيه عليه السلام أمره أولا بالإرشاد بالبيان ليهتدي من قصده الاهتداء، فلما قويت شوكة الإسلام أمره بالقتال بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير [التوبة:73.‬
‫قال العلماء: نسخت هذه الآية نيفا وعشرين آية منها: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين [الكافرون:6 , لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105، لسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر [الغاشية:22 وغير ذلك، وليس في المتاركة والاقتصار على الموعظة دليل على صحة الدين المتروك.‬
‫وقوله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46. دليل على أنهم على الباطل، فإنهم لو كانوا على الحق ما احتجنا للجدال معهم، فهي تدل على عكس ما قالوا، وقوله تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46 المراد من طغى، فإنا نعدل معه عن الدليل والبرهان إلى السيف والسنان، وأمره تعالى لنا بأن نؤمن بما أنزل على أهل الكتاب صحيح، ولكن أين ذلك المنزل؟ والله إن وجوده أعز من عنقاء مغرب!‬
‫وأما مدح النصارى بأنهم أقرب مودة، وأنهم متواضعون فمسلم، لكن هذا لا يمنع أن يكونوا كفرة مخلدين في النار؛ لأن السجايا الجليلة والآداب الكسبية تجمع مع الكفر والإيمان، كالأمانة والشجاعة، والظرف واللطف، وجودة العقل، فليس فيه دليل على صحة دينهم.‬

‫وأما نفي الشرك عنهم فالمراد الشرك بعبادة الأصنام، لا الشرك بعبادة الولد، واعتقاد التثليث، وسببه أنهم مع التثليث يقولون: الثلاثة واحد. فأشاروا إلى التوحيد بزعمهم بوجه من الوجوه، ويقولون: نحن لا نعبد إلا الله تعالى، لكن الله تعالى هو المسيح، ونعبد المسيح، والمسيح هو الله. تعالى الله عن قولهم، فهذا وجه التوحيد من حيث الجملة، ثم يعكسون ذلك فيقولون: الله ثالث ثلاثة. وأما عبدة الأوثان فيصرحون بتعدد الآلهة من كل وجه، ولا يقول أحد منهم: إن الصنم هو الله تعالى، وكانوا باسم الشرك أولى من النصارى، وكان النصارى باسم الكفر أولى، حيث جعلوا الله تعالى بعض مخلوقاته، وعبدوا الله تعالى، وذلك المخلوق، فصاروا عبدة الأوثان في عبادة غير الله تعالى، وزادوا بالاتحاد والصاحبة والأولاد، فلا يفيدهم كون الله تعالى خصَّص كل طائفة من الكفار باسم هو أولى بها في اللغة مدحا ولا تصويبا لما هم عليه.‬
‫8 - ومنها: أنهم قالوا: مدح الله قرباننا وتوعدنا إن أهملنا ما متعنا بقوله تعالى: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ إلى قوله تعالى: قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِين [المائدة:112 - 115. فالمائدة هي القربان الذي يتقربون به في كل قداس.‬
‫والجواب: إن من العجائب أن يدعي النصارى أن المائدة التي نزلت من السماء هي القربان الذي يتقربون به مع الذين يتقربون به من مصنوعات الأرض، وأين المائدة من القربان؟ نعوذ بالله تعالى من الخذلان، بل معنى الآية أن الله تعالى طرد عادته وأجرى سنته أنه متى بعث للعباد أمرا قاهرا للإيمان لا يمكن العبد معه الشك، فمن لم يؤمن به عجل له العذاب؛ لقوة ظهور الحجة، كما أن قوم صالح لما أخرج الله تعالى لهم الناقة من الحجر فلم يؤمنوا عجَّل لهم العذاب، وكانت هذه المائدة جسما عليه خبز وسمك نزل من السماء يقوت القليل من الخلق العظيم العدد، فأمرهم أن يأكلوا، ولا يدَّخروا، فخالفوا وادَّخروا، فمسخهم الله تعالى، ونزول مثل هذا من السماء كخروج الناقة من الصخرة الصماء، فأخبر الله تعالى أن من لم يؤمن بعد نزول المائدة عجِّلت له العقوبة، ولا تعلُّق للمائدة بقربانهم البتة؛ بل المائدة معجزة عظيمة خارقة، والقربان أمر معتاد ليس فيه شيء من الإعجاز البتة، فأين أحد البابين من الآخر لولا العمى والضلال؟.‬
‫9 - ومنها: أنهم قالوا: إن الله تعالى أخبر خبرا جازما أنا نؤمن بعيسى عليه السلام بقوله تعالى: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159. فكيف نتبع من أخبر الله تعالى عنه أنه شاك في أمره بقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [سبأ:14. وأمره في سورة الفاتحة أن يسأل الهداية إلى صراط مستقيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [الفاتحة:7 والمنعم عليهم هم النصارى، والمغضوب عليهم اليهود، والضالون عبدة الأصنام.‬

‫والجواب: أن النصارى لما لعبوا في كتابهم بالتحريف، والتخليط صار ذلك لهم سجية، وأصبح الضلال والإضلال لهم طوية، فسهل عليهم تحريف القرآن، وتغيير معانيه لأغراضهم الفاسدة، والقرآن الكريم بريء من ذلك، وكيف تخطر لهم هذه التحكمات بغير دليل ولا برهان؛ بل بمجرد الأوهام والوسواس؟، وأما قوله تعالى: وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159. ففيه تفسيران:‬
‫أحدهما: أن كل كافر إذا عاين الملائكة عند قبض روحه ساعة الموت ظهر له منهم الإنكار عليه بسبب ما كان عليه من الكفر، فيقطع حينئذ بفساد ما كان عليه، ويؤمن بالحق على ما هو عليه فإن الدار الآخرة لا يبقى فيها تشكك ولا ضلال، بل يموت الناس كلهم مؤمنين موحدين على قدم الصدق ومنهاج الحق، وكذلك يوم القيامة بعد الموت، لكنه إيمان لا ينفع ولا يعتد به، وإنما يقبل الإيمان من العبد حيث يكون متمكنا من الكفر، فإذا عدل عنه وآمن بالحق كان إيمانه من كسبه وسعيه، فيؤجر عليه، أما إذا اضطر إليه، فليس فيه أجر، فما من أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن بنبوة عيسى عليه السلام وعبوديته لله تعالى قبل موته، لكن قهرا لا ينفعه في الخلوص من النيران وغضب الديان.‬
‫التفسير الثاني: أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان عند ظهور المهدي بعد أن يفتح المسلمون القسطنطينية من الفرنج، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يبقى على الأرض إلا المسلمون، ويستأصل اليهود بالقتل، ويصرِّح بأنه عبد الله ونبيه، فتضطر النصارى إلى تصديقه حينئذ لإخباره لهم بذلك، وعلى التفسيرين ليس فيه دلالة على أن النصارى الآن على خير.‬
‫وأما قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [سبأ:14. فهو من محاسن القرآن الكريم، لأنه من تلطف الخطاب وحسن الإرشاد، فإنك إذا قلت لغيرك: أنت كافر فآمن. ربما أدركته الأنفة فاشتد إعراضه عن الحق، فإذا قلت له: أحدنا كافر ينبغي أن يسعى في خلاص نفسه من عذاب الله تعالى، فهلم بنا نبحث عن الكافر منا فنخلصه. فإن ذلك أوفر لداعيته في الرجوع إلى الحق، والفحص عن الصواب، فإذا نظر فوجد نفسه هو الكافر فرَّ من الكفر من غير منافرة منك عنده، ويفرح بالسلامة، ويُسرُّ منك بالنصيحة، هكذا هذه الآية سهَّلت الخطاب على الكفار؛ ليكون ذلك أقرب لهدايتهم، ومنه قول صاحب فرعون المؤمن لموسى عليه السلام: وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا [غافر:28 - 29. فخصَّهم أولا بالملك والظهور؛ لتنبسط نفوسهم مع علمه بأنه وبال عليهم، وسبب طغيانهم، ولم يجزم في ظاهر اللفظ بصدق موسى عليه السلام مع قطعه بصدقه، بل جعله معلقا على شرط؛ لئلا ينفِّرهم فيحتجبوا عن الصواب، فكل من صحَّ قصده في هداية الخلق سلك معهم ما هو أقرب لهدايتهم، وكذلك قوله تعالى لموسى وهارون في حق فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44 وقوله لمحمد صلوات الله عليهم أجمعين: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159. وقوله: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46. فهذا كله من محاسن الخطاب، لا من موجبات الشك والارتياب.‬

‫وأما أمره تعالى لمحمد عليه السلام ولأمته بالدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم، فلا يدلُّ على عدم حصول الهداية في الحال؛ لأن القاعدة اللغوية أن الأمر والنهي والدعاء والوعد والوعيد والشرط وجزاءه إنما يتعلق بالمستقبل من الزمان دون الماضي والحاضر، فلا يطلب إلا المستقبل؛ لأن ما عداه قد تعيَّن وقوعه، أو عدم وقوعه، فلا معنى لطلبه، والإنسان باعتبار المستقبل لا يدري ماذا قضي عليه، فيسأل الهداية في المستقبل؛ ليأمن من سوء الخاتمة، كما أن النصراني إذا قال: اللهم أمتني على ديني. لا يدل على أنه غير نصراني وقت الدعاء، ولا أنه غير مصمم على صحة دينه، وكذلك سائر الأدعية، وأجمع المسلمون والمفسرون على أن المغضوب عليهم اليهود، وأن الضالين النصارى، فتبديل ذلك مصادمة ومكابرة ومغالطة وتحريف وتبديل، فلا يُسمع من مدعيه.‬
‫10 - ومنها: أنهم قالوا: ليس من عدل الله تعالى أن يطالبنا باتباع رسول لم يرسله إلينا، ولا وقفنا على كتابه بلساننا.‬
‫والجواب: أنه عليه السلام لو لم يرسل إليهم فليت شعري من كتب إلى قيصر هرقل ملك الروم؟، وإلى المقوقس أمير القبط يدعوهم إلى الإسلام؟!‬
‫وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل‬
‫11 - ومنها: أنهم قالوا: إن قال المسلمون: لم أطلقتم لفظ الابن والزوج الأقانيم، مع أن ذلك يوهم أنكم تعتقدون تعدد الآلهة، وأن الآلهة ثلاثة أشخاص مركبة، وأنكم تعتقدون ببنوة المباضعة؟ قلنا للمسلمين: هذا كإطلاق المتشابه عندكم من لفظ اليد، والعين، ونحوها، فإنه يوهم التجسيم، وأنتم لا تعتقدونه.‬
‫والجواب: أن آيات وأحاديث صفات الله ليست من المتشابه عند أهل السنة؛ بل هي معلومة المعنى، نثبتها لله كما أثبتها لنفسه دون تشبيه أو تعطيل، أو تأويل. وأما ما كان من المتشابهات التي بيَّنها العلماء والواردة في قوله تعالى: وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7. فإنما يطلق المسلمون المتشابه بعد ثبوته نقلا متواترا نقطع به عن الله تعالى أنه أمر بتلاوته امتحانا لعباده ليضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وليعظم ثواب المهتدين حيث حصلت الهداية بعد التعب في وجوه النظر، ويعظم عذاب الضالين حيث قطعوا لا في موضع القطع، ولم ينقلوا ذلك عن أمره كما اتفق ذلك في الإنجيل؛ بل ما اقتصر المسلمون على الجمع القليل، بل ما اعتمدوا على العدد الذي يستحيل عليهم الكذب، فلما تحققوا أن الله أمرهم بذلك نقلوه، وأما النصارى فأطلقوا بعض ذلك من قبل أنفسهم، كالأقانيم والجوهر، وبعضها نقلوه نقلا لا تقوم به حجة في أقل الأحكام، فضلا عن أحوال الربوبية، فهم عصاة لله تعالى حيث أطلقوا عليه ما لم يثبت عندهم بالنقل، بل لو طولبوا بالرواية لإنجيلهم لعجزوا عن الرواية، فضلا عن النقل القطعي، فلا تجد أحدا له رواية في الإنجيل يرويه واحد عن واحد إلى عيسى عليه السلام، وأقل الكتب عند المسلمين من الارتياب وغيرها يروونها عن قائلها، فتأمَّل الفرق بين الاثنين، والبون الذي بين الدينين؛ هؤلاء المسلمون ضبطوا كل شيء، والنصارى أهملوا كل شيء، ومع ذلك يعتقدون أنهم على شيء.‬
‫12 - ومنها: أنهم قالوا: الله له عدل وفضل، وهو سبحانه وتعالى يتصرف بهما، فأرسل موسى عليه السلام بشريعة العدل لما فيها من التشديد، فلما استقرت في نفوسهم وقد بقي الكمال الذي لا يصنعه إلا أكمل الكملاء، وهو الله تعالى، ولما كان جوادا تعيَّن أن يجود بأفضل الموجودات، وليس في الموجودات أجود من كلمته يعني نطقه، فجاد بها واتحدت بأفضل المحسوسات، وهو الإنسان، لتظهر قدرته، فحصل غاية الكمال، ولم يبق بعد الكمال إلا النقص؛ فتفضل بالنصرانية.‬

‫والجواب: أما شريعة موسى عليه السلام، فكانت عدلا وفضلا، وقل أن يقع في العالم عدل مجرد، وإنما وقع ذلك لأهل الجنة.‬
‫وتقرير هذا الباب: أن كل جود وإحسان فهو فضل من الله تعالى، وهو جود لا يجب عليه عري عن الخير والإحسان البتة، فهو العدل المحض؛ لأن الملك ملكه، والتصرف في الملك المملوك كيف كان عدل ليس بظلم. فإن وقع الخير المحض فهو التفضيل المحض، وهذا هو شأن أهل الجنة.‬
‫إذا تقرَّر هذا، فشريعة موسى عليه السلام كان فيها من الإحسان أنواع كثيرة، فتلك كلها فضل، كتحريم القتل والغصب والزنا والقذف والمسكر من الخمور المغيبة للعقول، وإنما أباح فيها اليسير الذي لا يصل إلى حد السكر، وكإباحة الفواكه واللحوم والزواج وغير ذلك، وهذه كلها أنواع من الفضل، ثم إن عيسى عليه السلام جاء مقررا لها وعاملا بمقتضاها، ومستعملا لأحكامها، ولم يزد شيئا من الأحكام، إنما زاد المواعظ والأمر بالتواضع والرقة والرأفة، فلم يأت عيسى عليه السلام بشريعة أخرى حتى يقال: إنها الفضل. بل مقتضى ما قاله أن تكون شريعة الفضل هي شريعتنا؛ لأنها هي الشريعة المستقلة التي ليست تابعة لغيرها، ولا مقلدة لسواها، وهذا هو اللائق لمنصب الكمال أن يكون متبوعا لا تابعا، فهذه الحجة عليه لا له.‬
‫ثم قولهم: لا يصنع الأكمل إلا هو سبحانه. فهو باطل؛ لأنه لا حجر عليه سبحانه في ملكه، فيأمر بعض خلقه بوضع الأكمل، ويرسل للناس بأوامر وشرائع هي في غاية جلب المصالح ودرء المفاسد، كما هي شريعتنا المعظمة.‬
‫ثم قولهم: الله تعالى جواد، فجاد بأعظم الموجودات وهو كلمته، فجعله متحدا بأفضل المحسوسات وهو الإنسان، باطل لوجوه:‬
‫أحدها: أن الجود بالشيء فرع إمكانه، فإن الكرم بالمستحيل محال، فينبغي أن يبين أولا تصور انتقال الكلام من ذات الله تعالى إلى مريم رضي الله عنها، ثم يقيم الدليل على وقوع هذا الممكن بعد إثبات إمكانه، وقد تقدم بيان استحالة ذلك.‬
‫وثانيها: سلمنا أنه ممكن، لكن لم قلتم: إن الكلام هو أفضل الموجودات؟. ولم لا يكون العلم أفضل منه، لأن الكلام تابع للعلم؟‬
‫وثالثها: أن الذات الواجبة الوجود التي الصفات قائمة بها أفضل من الصفات؛ لأن الصفات تفتقرللذات في قيامها، والذات لا تفتقر لمحل بخلاف الصفة.‬
‫ورابعها: أنها صفة من الصفات، والصفات بجملتها مع الذات أفضل من الكلام وحده، ولم يقل أحد باتحاد هذا، فالأفضل لم يحصل حينئذ، ولما كان كلام النصارى نوعا من الوسواس اتسع الخرق عليهم.‬
‫¤إفحام النصارى مختصر من (الأجوبة الفاخرة للقرافي) لسليمان بن صالح الخراشي – بتصرف - ص 15 - 68‬

*إيمانويل قرة صو سياسى يهودى، إسبانى الأصل، استقر فى سالونيك باليونان ، حيث كانت مركزًا لنشاط الجمعيات السرية المعادية للدولة العثمانية.
عمل إيمانويل قرة صو محاميًّا، واشترك فى حركة تركيا الفتاة، وجمعية الاتحاد والترقى، وكان من أنشط أعضاء الاتحاد والترقى فى إثارة الشعب وتحريضه ضد السلطان عبد الحميد، ولما تولت جمعية الاتحاد والترقى الحكم عملت على تعيينه فى المجلس النيابى العثمانى نائبًا عن سالونيك مرة وعن إستانبول مرتين بالتناوب.
وكان إيمانويل طوال مدة إقامته بإستانبول يعد الأستاذ الأعظم لمحفل مقدونيا زيرولتا الماسونى.
ولعب أيضًا قرة صو دورًا مهمًّا فى احتلال إيطاليا لليبيا نظير مبلغ من المال دفعته إليه إيطاليا، وبعد تبين خيانته للدولة العثمانية هرب إلى إيطاليا، وحصل على حق المواطنة الإيطالية، واستقر فى تريستا حتى مات سنة (1934م).
التَّعْرِيفُ:
1 - الإِْيمَاءُ لُغَةً: الإِْشَارَةُ بِالْيَدِ أَوْ بِالرَّأْسِ أَوْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالْحَاجِبِ. وَقَال الشِّرْبِينِيُّ: الإِْيمَاءُ لُغَةً: هُوَ الإِْشَارَةُ الْخَفِيَّةُ. وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الإِْشَارَةُ حِسِّيَّةً أَمْ مَعْنَوِيَّةً (1) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.
2 - وَالإِْيمَاءُ فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: دَلاَلَةُ النَّصِّ عَلَى التَّعْلِيل بِالْقَرِينَةِ، لاَ بِصَرَاحَةِ اللَّفْظِ (2) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْشَارَةُ:
3 - الإِْشَارَةُ لُغَةً أَعَمُّ مِنَ الإِْيمَاءِ، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الإِْيمَاءَ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ. أَمَّا مَنْ يَرَى أَنَّهُ مُطْلَقُ الإِْشَارَةِ فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: الإِْشَارَةُ دَلاَلَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَى لَمْ يُسَقِ الْكَلاَمُ لأَِجْلِهِ. نَحْوَ دَلاَلَةِ قَوْله تَعَالَى: {{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ}} (3) عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ لِلأَْبِ، وَأَنَّ الأَْبَ لاَ يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ، فَالإِْيمَاءُ عِنْدَهُمْ أَخَصُّ مِنَ الإِْيمَاءِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ
وَاللُّغَوِيِّينَ، سَوَاءٌ أَخَذَ فِي مَفْهُومِ الإِْيمَاءِ الإِْشَارَةُ مُطْلَقًا أَوِ الْخَفِيَّةُ.
وَأَجَازَ الْغَزَالِيُّ تَسْمِيَةَ الإِْيمَاءِ إِشَارَةً (4) .
ب - الدَّلاَلَةُ:
4 - الدَّلاَلَةُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ بِحَالَةٍ يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَقِيل: كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَالأَْوَّل يُسَمَّى الدَّال، وَالثَّانِي يُسَمَّى الْمَدْلُول (5)
وَالدَّلاَلَةُ اللَّفْظِيَّةُ إِمَّا عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ، أَوْ عَلَى جُزْئِهِ، أَوْ عَلَى خَارِجٍ عَنْهُ لاَزِمٍ لَهُ، كَدَلاَلَةِ لَفْظِ " السَّقْفِ " عَلَى الْحَائِطِ أَوِ التَّحَيُّزِ أَوِ الظِّل، وَمِنْ هَذِهِ الدَّلاَلَةِ الاِلْتِزَامِيَّةِ الإِْيمَاءُ؛ لأَِنَّهُ دَلاَلَةُ اللَّفْظِ غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لِلتَّعْلِيل عَلَى التَّعْلِيل (6) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أَوَّلاً: عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
5 - الْمُصَلِّي الْعَاجِزُ عَنِ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ لِمَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، يُصَلِّي بِالإِْيمَاءِ، وَيَجْعَل سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ. وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ صَلاَةِ الْمَرِيضِ، وَأَبْوَابِ صَلاَةِ الْخَوْفِ (7) .
وَفِي اعْتِبَارِ الإِْيمَاءِ بِالرَّأْسِ وَنَحْوِهِ فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ مِنَ النَّاطِقِ وَالأَْخْرَسِ وَالْمُعْتَقَل لِسَانُهُ تَفْصِيلٌ (8) (ر: إِشَارَةٌ. وَعَقْدٌ، وَطَلاَقٌ) .
وَفِي مُفْسِدَاتِ الصَّلاَةِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال عِنْدَ بَعْضِ الأَْئِمَّةِ (ر: مُفْسِدَاتُ الصَّلاَةِ) .
ثَانِيًا: عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
6 - الإِْيمَاءُ عِنْدَ أَكْثَرِ الأُْصُولِيِّينَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنْطُوقِ (9) . لَكِنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ. وَيَذْكُرُونَهُ فِي الدَّلاَلاَتِ مِنْ مَبَاحِثِ الأَْلْفَاظِ، وَمَسَالِكُ الْعِلَّةِ مِنْ مَبَاحِثِ الْقِيَاسِ.
أَنْوَاعُ الإِْيمَاءِ:
7 - أَنْوَاعُ الإِْيمَاءِ كَثِيرَةٌ، حَتَّى قَال الْغَزَالِيُّ: وُجُوهُ التَّنْبِيهِ لاَ تَنْضَبِطُ إِلاَّ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا الأَْنْوَاعَ التَّالِيَةَ:
أ - أَنْ يَقَعَ الْحُكْمُ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ. وَمِثَالُهُ قَوْل الرَّجُل الأَْنْصَارِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. فَقَال: أَعْتِقْ رَقَبَةً (10) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْوِقَاعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عِلَّةٌ لِلإِْعْتَاقِ. وَوَجْهُ فَهْمِ التَّعْلِيل هُنَا: أَنَّ غَرَضَ الأَْنْصَارِيِّ مَعْرِفَةُ حُكْمِ مَا فَعَل، وَمَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ جَوَابٌ لَهُ لِيَحْصُل غَرَضُهُ، فَصَارَ الْجَوَابُ مُقَدَّرًا فِيهِ السُّؤَال، كَأَنَّهُ قَال: كَفِّرْ لأَِنَّكَ وَاقَعْتَ. وَهُوَ لَوْ صَرَّحَ بِحَرْفِ التَّعْلِيل بِقَوْلِهِ: كَفِّرْ لأَِنَّكَ وَاقَعْتَ، لَمْ يَكُنْ مُومِئًا لِلْعِلِّيَّةِ، بَل يَكُونُ مُصَرَّحًا بِهَا.
وَقَدْ يَجْتَمِعُ التَّصْرِيحُ بِالْعِلَّةِ وَالإِْيمَاءِ بِهَا، وَمِثَالُهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَال: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَلاَ، إِذَنْ (11) فَإِنَّ " إِذَنْ " صَرِيحٌ فِي التَّعْلِيل.
وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ " إِذَنْ " لَفُهِمَ التَّعْلِيل مِنَ الْقَرِينَةِ، فَاجْتَمَعَا.
ب - أَنْ يَقْتَرِنَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ بِالْحُكْمِ فِي كَلاَمِ الْمُتَكَلِّمِ: وَمِثَالُهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْهِرَّةِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ (12) ، فَأَفْهَمَ أَنَّ عِلَّةَ طَهَارَتِهَا الطَّوَافُ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَصْفُ عِلَّةً لَكَانَ لَغْوًا، أَوْ - عَلَى تَعْبِيرِ بَعْضِ الأُْصُولِيِّينَ - لَكَانَ بَعِيدًا جِدًّا، فَيُحْمَل الْوَصْفُ عَلَى التَّعْلِيل، صِيَانَةً لِكَلاَمِ الشَّارِعِ عَنِ اللَّغْوِ وَالْعَبَثِ (13) .
ج - وَمِنْهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِوَصْفَيْنِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا عِلَّةٌ لأَِحَدِ الْحُكْمَيْنِ، وَالآْخَرَ عِلَّةٌ لِلآْخَرِ.
وَالتَّفْرِيقُ يَكُونُ بِطُرُقٍ:
(14) إِمَّا بِصِيغَةِ صِفَةٍ. مِثْل حَدِيثِ لِلْفَارِسِ
سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِل سَهْمٌ (15) وَمِثْل الْقَاتِل لاَ يَرِثُ (16) وَقَدْ ثَبَتَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ تَوْرِيثُ الْعَصَبَاتِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ.
(17) وَإِمَّا بِصِيغَةِ الْغَايَةِ، نَحْوَ {{وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}} (18) .
(19) وَإِمَّا بِصِيغَةِ الشَّرْطِ، نَحْوَ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (20) نَاطَ الْجَوَازَ بِاخْتِلاَفِ الْجِنْسِ.
(21) أَوْ بِصِيغَةِ اسْتِدْرَاكٍ. نَحْوَ {{لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ}} (22) فَدَل عَلَى أَنَّ الاِنْعِقَادَ عِلَّةُ الْكَفَّارَةِ.
(23) أَوْ بِصِيغَةِ اسْتِثْنَاءٍ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: {{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ}} (24) يُفِيدُ عِلِّيَّةَ الْعَفْوِ لِسُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ.
الإِْيمَاءُ بِذِكْرِ النَّظِيرِ:
8 - قَدْ يَكُونُ الإِْيمَاءُ إِلَى الْعِلَّةِ بِذِكْرِ نَظِيرٍ لِمَحَل السُّؤَال.
وَمِثَالُهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاِمْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَقَدْ سَأَلَتْهُ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا،
أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ (25) .
سَأَلَتْهُ عَنْ دَيْنِ اللَّهِ فَذَكَرَ نَظِيرَهُ، وَهُوَ دَيْنُ الآْدَمِيِّ. فَنَبَّهَ عَلَى التَّعْلِيل بِهِ، وَإِلاَّ لَزِمَ الْعَبَثُ.
فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ نَظِيرَهُ - وَهُوَ دِينُ اللَّهِ - كَذَلِكَ عِلَّةٌ لِمِثْل ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ.
مَرَاتِبُ الإِْيمَاءِ:
9 - أ - قَدْ يُذْكَرُ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ كُلٌّ مِنْهُمَا صَرِيحًا، نَحْوَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ (26) فَهَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْغَضَبَ عِلَّةُ عَدَمِ جَوَازِ الْحُكْمِ، وَمِثْل: أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ وَأَهِنِ الْجُهَّال فَهُوَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الإِْكْرَامِ الْعِلْمُ، وَعِلَّةَ الإِْهَانَةِ الْجَهْل. فَهَذَا النَّوْعُ إِيمَاءٌ بِالاِتِّفَاقِ.
ب - وَقَدْ يُذْكَرُ الْوَصْفُ صَرِيحًا وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ.
نَحْوَ {{وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ}} (27) فَالْوَصْفُ إِحْلاَل الْبَيْعِ، وَالْحُكْمُ الصِّحَّةُ، أَوْ يُذْكَرُ الْحُكْمُ وَالْوَصْفُ مُسْتَنْبَطٌ، نَحْوَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَلاَ تُذْكَرُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَهِيَ الْوَصْفُ. فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَقِيل: هُمَا مِنَ الإِْيمَاءِ، وَقِيل: لاَ لِعَدَمِ الاِقْتِرَانِ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ لَفْظًا (28) .
__________
(1) تاج العروس، والمصباح.
(2) تقرير على شرح جمع الجوامع وحاشية البناني 2 / 266.
(3) سورة البقرة / 233.
(4) شرح مسلم الثبوت 1 / 407، 413 ط بولاق، والمستصفى 2 / 188، 190.
(5) تعريفات الجرجاني.
(6) كشاف اصطلاحات الفنون 2 / 489، والمستصفى 1 / 30.
(7) انظر مثلا: الاختيار 1 / 46، 76 ط دار المعرفة بلبنان، وجواهر الإكليل 1 / 54، 56، 100، والقليوبي على شرح المنهاج 1 / 134، 301 ط عيسى الحلبي، والمغني لابن قدامة 1 / 432 و 2 / 400 ط الرياض.
(8) انظر مثلا ابن عابدين 4 / 452، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 312، وتفسير القرطبي 4 / 81.
(9) دلالة الإيماء التزامية، والالتزام من المنطوق. وبعض الشافعية ومنهم صاحب المنهاج أدرجوه في المفهوم (شرح مسلم الثبوت 1 / 413، والبناني على جمع الجوامع 2 / 266) .
(10) حديث: " أعتق رقبة " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 552 - ط السلفية) .
(11) حديث: " أينقص الرطب إذا يبس. . . " أخرجه أبو داود (3 / 657 - ط عزت عبيد دعاس) وصححه ابن المديني والترمذي وغيرهما. (بلوغ المرام لابن حجر ص 193 - ط عبد الحميد أحمد حنفي) .
(12) حديث: " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم " أخرجه أبو داود (1 / 60 - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (1 / 154 - ط الحلبي) وصححه البخاري والعقيلي. (التلخيص لابن حجر 1 / 41 - ط دار المحاسن)
(13) الاحتمال البعيد الذي يصان عنه كلام الشارع في مثل هذا، يقع مثله في الكلام. كما لو قال الولد لأبيه طلعت الشمس. فقال له: اسقني ماء. فليس طلوع الشمس سببا لسقي الماء بل هو كلام منقطع عن الأول. (المستصفى) .
(14) حديث: " للفارس سهمان وللراجل سهم " أخرجه البخاري بلفظ " قسم رسول الله ﷺ للفرس سهمين وللراجل سهما " (فتح الباري 7 / 484 ط السلفية) .
(15) حديث: " القاتل لا يرث " أخرجه ابن ماجه (2 / 883 ط الحلبي) والبيهقي (6 / 220 - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال: إسحاق بن عبد الله لا يحتج به، إلا أن شواهده تقويه.
(16) سورة البقرة / 222.
(17) حديث: " إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا. . . " أخرجه مسلم (3 / 1211 - ط الحلبي) .
(18) سورة البقرة / 225.
(19) سورة البقرة / 237.
(20) حديث: " إن أمي نذرت أن تحج. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 64 ط السلفية) .
(21) حديث: " لا يقضي القاضي وهو غضبان " أخرجه البخاري (الفتح 13 / 136 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1343 - ط الحلبي) . واللفظ للبخاري.
(22) سورة البقرة / 275.
(23) كشاف اصطلاحات الفنون 6 / 1434، وشرح مسلم الثبوت 2 / 296 - 298 ط بولاق، والمستصفى 2 / 289، 290 ط بولاق، وحاشية التفتازاني على شرح العضد على ابن الحاجب 2 / 234 - 236 نشر الجامعة الإسلامية بالبيضاء - ليبيا، وشرح جمع الجوامع حاشية البناني 2 / 266 - 270 ط مصطفى الحلبي 1356 هـ.
التَّعْرِيفُ:
1 - الإِْيمَانُ مَصْدَرُ " آمَنَ " " وَآمَنَ " أَصْلُهُ مِنَ الأَْمْنِ ضِدُّ الْخَوْفِ.
يُقَال: آمَنَ فُلاَنٌ الْعَدُوَّ يُؤْمِنُهُ إِيمَانًا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمِنْ هُنَا يَأْتِي الإِْيمَانُ بِمَعْنَى: جُعِل الإِْنْسَانِ فِي مَأْمَنٍ مِمَّا يَخَافُ. جَاءَ فِي اللِّسَانِ: قُرِئَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ {{إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ}} (1) مَنْ قَرَأَهُ بِكَسْرِ الأَْلِفِ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ إِنْ أَجَارُوا وَأَمِنُوا الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَفُوا وَغَدَرُوا، وَالإِْيمَانُ هُنَا: الإِْجَارَةُ.
وَالْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ الإِْيمَانُ لُغَةً بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ ضِدَّ التَّكْذِيبِ (2) . يُقَال: آمَنَ بِالشَّيْءِ إِذَا صَدَّقَ بِهِ، وَآمَنَ لِفُلاَنٍ إِذَا صَدَّقَهُ فِيمَا يَقُول. فَفِي التَّنْزِيل {{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}} (3) وَفِيهِ {{وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ}} (4) وَالإِْيمَانُ فِي الاِصْطِلاَحِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ:
فَقِيل: هُوَ تَصْدِيقُ الرَّسُول ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مَعَ إِظْهَارِ الْخُضُوعِ وَالْقَبُول لِمَا أَتَى بِهِ. فَهُوَ اعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَْرْكَانِ.
وَالْمُرَادُ بِالاِعْتِقَادِ: الإِْيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْقَدَرِ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْل اللِّسَانِ: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَمَل بِالْجَوَارِحِ: فِعْلُهَا وَكَفُّهَا تَبَعًا لِلأَْمْرِ وَالنَّهْيِ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: هَذَا قَوْل السَّلَفِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْل الْمُعْتَزِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ جَعَلُوا الأَْعْمَال شَرْطًا فِي صِحَّةِ الإِْيمَانِ، وَالسَّلَفَ جَعَلُوهَا شَرْطًا فِي كَمَالِهِ.
وَقِيل: الإِْيمَانُ هُوَ: التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْفُقَهَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ لِلَفْظِ (الإِْيمَانِ) وَأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ النَّقْل. وَلَيْسَتِ الأَْعْمَال عِنْدَهُمْ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الإِْيمَانِ. فَإِذَا وُجِدَ لَدَى الإِْنْسَانِ الإِْيمَانُ وُجِدَ كَامِلاً، وَإِنْ زَال زَال دَفْعَةً وَاحِدَةً.
أَمَّا عَلَى قَوْل السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّ الإِْيمَانَ دَرَجَاتٌ بِحَسَبِ قُوَّةِ التَّصْدِيقِ لِوُضُوحِ الأَْدِلَّةِ وَجَوْدَةِ الْفَهْمِ. وَيَزِيدُ الإِْيمَانُ بِالطَّاعَاتِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي، وَيُفَاضَل النَّاسُ فِيهِ.
وَاسْتَشْهَدَ لَهُمْ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى {{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا}} (5) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ (6) .
الْفَرْقُ بَيْنَ الإِْسْلاَمِ وَالإِْيمَانِ:
2 - الإِْسْلاَمُ لُغَةً: الاِسْتِسْلاَمُ، وَشَرْعًا: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْعَمَل بِالْفَرَائِضِ، فَالإِْيمَانُ أَخَصُّ مِنَ الإِْسْلاَمِ، إِذْ يُؤْخَذُ فِي مَعْنَى الإِْيمَانِ - مَعَ النُّطْقِ وَالْعَمَل - التَّصْدِيقُ، وَالإِْحْسَانُ أَخَصُّ مِنَ الإِْيمَانِ. فَكُل مُحْسِنٍ مُؤْمِنٌ، وَكُل مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلاَ عَكْسَ.
قَال الأَْزْهَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {{قَالَتِ الأَْعْرَابُ آمَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُل الإِْيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}} (7) قَال: الإِْسْلاَمُ إِظْهَارُ الْخُضُوعِ وَالْقَبُول لِمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَبِهِ يُحْقَنُ الدَّمُ. فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الإِْظْهَارِ اعْتِقَادٌ وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ فَذَلِكَ هُوَ الإِْيمَانُ، الَّذِي يُقَال لِلْمَوْصُوفِ بِهِ هُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ.
فَأَمَّا مَنْ أَظْهَرَ قَبُول الشَّرِيعَةِ وَاسْتَسْلَمَ؛ لِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ، فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمٌ، وَبَاطِنُهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُول: أَسْلَمْتُ. وَحُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ (8) .
وَفِي الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ وَشَرْحِهَا أَنَّ الإِْيمَانَ وَالإِْسْلاَمَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا لاَ يَنْفَكُّ عَنِ الآْخَرِ (9) .
وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الإِْيمَانَ وَالإِْسْلاَمَ إِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَل فِيهِ الآْخَرُ، وَدَل بِانْفِرَادِهِ عَلَى مَا يَدُل عَلَيْهِ الآْخَرُ بِانْفِرَادِهِ. وَإِنْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا تَغَايَرَا، عَلَى وِزَانِ مَا قَالُوهُ فِي (الْفَقِيرِ) (وَالْمِسْكِينِ) (10)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
3 - الإِْيمَانُ وَاجِبٌ، بَل هُوَ أَعْظَمُ الْفَرَائِضِ. وَلاَ يُعْتَبَرُ التَّصْدِيقُ إِلاَّ مَعَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنَ الْقَادِرِ (11) . وَالاِمْتِنَاعُ مِنَ التَّلَفُّظِ - مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ - مُنَافٍ لِلإِْذْعَانِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الإِْيمَانِ، عَلَى قَوْلَيْنِ (12) .
4 - وَالإِْيمَانُ شَرْطٌ فِي قَبُول الْعِبَادَاتِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى {{مَنْ عَمِل صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}} (13) وَقَوْلِهِ {{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}} (14) وَنَحْوِهِمَا مِنَ الآْيَاتِ.
أَمَّا صِحَّةُ الأَْعْمَال ظَاهِرًا وَجَرَيَانُ الأَْحْكَامِ عَلَى الشَّخْصِ، كَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيُشْتَرَطُ لَهَا الإِْسْلاَمُ فَقَطْ، إِذِ التَّصْدِيقُ وَالاِعْتِقَادُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الأَْحْكَامُ الظَّاهِرَةُ.
وَقَدْ يَكُونُ الإِْسْلاَمُ شَرْطَ وُجُوبٍ، كَوُجُوبِ
الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِهَادِ حَيْثُ وَجَبَتْ، فَإِنَّمَا تَجِبُ ظَاهِرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
مِنْ أَجْل ذَلِكَ، وَأَنَّ مَبَاحِثَ الْفِقْهِ مُنَصَّبَةٌ عَلَى الأُْمُورِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ غَالِبًا فِي بَيَانِهِمْ لِلأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَفْظَ (الإِْسْلاَمِ) ، وَيَجْعَلُونَهُ مُتَعَلِّقُ الأَْحْكَامِ، دُونَ لَفْظِ (الإِْيمَانِ)
وَلِذَلِكَ يُنْظَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ (ر: إِسْلاَمٌ) .
5 - وَإِذَا وُجِدَتِ الرِّدَّةُ - بِارْتِكَابِ أَحَدِ الْمُكَفِّرَاتِ اخْتِيَارًا - أَبْطَلَتِ الإِْسْلاَمَ وَالإِْيمَانَ ظَاهِرًا. وَخَرَجَ صَاحِبُهُ مِنْهُ إِلَى الْكُفْرِ اتِّفَاقًا (ر: رِدَّةٌ) .
6 - أَمَّا الْفِسْقُ وَالْمَعَاصِي فَلاَ يَخْرُجُ بِهِمَا الْمُؤْمِنُ مِنَ الإِْيمَانِ عَلَى قَوْل أَهْل السُّنَّةِ. وَعِنْدَ الْخَوَارِجِ يَخْرُجُ بِهِمَا مِنَ الإِْيمَانِ وَيَدْخُل فِي الْكُفْرِ. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ يَخْرُجُ مِنَ الإِْيمَانِ، وَلاَ يَدْخُل الْكُفْرَ، بَل هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ (15) .
7 - وَفِي حُكْمِ الاِسْتِثْنَاءِ فِي الإِْيمَانِ، بِأَنْ يَقُول الإِْنْسَانُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ اخْتِلاَفٌ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ خِلاَفٌ لَفْظِيٌّ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قَصَدَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ لاَ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِالإِْجْمَاعِ، وَلَوْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ وَالتَّأَدُّبَ، بِإِسْنَادِ الأَْمْرِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَبَرُّكًا، فَلاَ يُمْكِنُ الْقَوْل بِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ (16) .
شُعَبُ الإِْيمَانِ:
8 - الإِْيمَانُ أَصْلٌ تَنْشَأُ عَنْهُ الأَْعْمَال الصَّالِحَةُ وَتَنْبَنِي
عَلَيْهِ، كَمَا تَنْبَنِي فُرُوعُ الشَّجَرَةِ عَلَى أَصْلِهَا وَتَتَغَذَّى مِنْهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الإِْيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلاَهَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ. وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِْيمَانِ (17) . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا جُمْلَةً فِي أَوَّل سُورَةِ (الْمُؤْمِنُونَ) . وَتَتَبَّعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَاقِيَ الْعَدَدِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (18) .
وَإِتْمَامًا لِهَذَا الْمُصْطَلَحِ تُرَاجَعُ كُتُبُ الْعَقَائِدِ وَالتَّوْحِيدِ.
__________
(1) المصل والمصالة ما سال من الأقط إذا طبخ ثم عصر، والأقط هو اللبن المجفف.
(2) مطالب أولي النهى 6 / 389، 390.
(3) سورة التوبة / 12.
(4) لسان العرب، وشرح العقائد النسفية ص 151 دار الطباعة العامرة باستنبول 1302 هـ.
(5) سورة يوسف / 17.
(6) سورة الدخان / 21.
(7) سورة التوبة / 124.
(8) وانظر لما مضى من هذه المسألة: فتح الباري (1 / 46، 47، 73 ط السلفية) ، وكتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص 54، 72 ط المطبعة العمومية، بدمشق) مع كتاب الإيمان لابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لابن تيمية (ص 241 - 260) ، وشرح العقائد النسفية (ص 156 وما بعدها) . وحديث: " يخرج من النار من كان. . . " أخرجه البخاري ضمن حديث الشفاعة (الفتح 3 / 473 - 474 ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1831 ط الحلبي) .
(9) سورة الحجرات / 14.
(10) لسان العرب مادة " أمن ".
(11) شرح العقائد النسفية ص 160.
(12) كشاف اصطلاحات الفنون 3 / 697.
(13) شرح جمع الجوامع 2 / 417.
(14) المصدر نفسه 2 / 403.
(15) سورة النحل / 97.
(16) سورة النور / 39.
(17) كتاب الإيمان لابن تيمية ص 280، وجمع الجوامع وشرحه وحاشية البناني 2 / 418، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني ص 141.
(18) الإيمان لأبي عبيد ص 67، وشرح العقائد النسفية ص 162.

الخلافة في الأرض تنال بالإيمان والأعمال الصالحة

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* الخلافة في الأرض تُنال بالإيمان والأعمال الصالحة:
قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) (النور/55).
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت