|
سنق: السَّنَقُ: البَشَمُ. أَبو عبيد: السَّنِقُ الشَّبْعان كالمُتَّخِم. سَنِقَ الرجلُ سَنَقاً، فهو سَنِقٌ وسَنق: بَشِم، وكذلك الدابة؛ يقال: شرب الفصيل حتى سَنِقَ، بالكسر، وهو كالتُّخَمَة. الليث: سَنِقَ الحمارُ وكل دابة سَنَقاً إذا أكل من الرُّطْب حتى أَصابه كالبَشَم، وهو الأَحمّ بعينه غير أن الأحمّ يستعمل في الناس، والفصيلُ إذا أكثر من اللبن يكاد يمرض؛ قال الأَعشى: ويأمُرُ لليَحْموم، كلَّ عَشِيّة، بِقَتٍّ وتَعْلِيقٍ، فقد كاد يَسْنَقُ وأَسْنَقَ فلاناً النعيمُ إذا قَرَّفَه، وقد سَنِقَ سَنَقاً؛ وقال لبيد يصف فرساً: فهو سَحّاجٌ مُدِلٌّ سنِقٌ، لاحِقُ البَطْنِ إذا يَعْدُو زَمَلْ والسُّنَّيْقُ: البيت المُجَصَّص. والسُّنَّيْقُ: البقرة؛ ولم يفسر أَبو عمروقول امرئ القيس: وسِنّ كسُنَّيْقٍ سَناءً وسُنَّماً، دَغَرْتُ بمِزْلاج الهجير نَهوضِ ويروى سَناماً وسُنَّماً، وفسره غيره فقال: هو جبل. التهذيب: وسُنَّيْق اسم أكمة معروفة؛ وأَورد بيت امرئ القيس. شمر: سُنَّيْقٌ جُمِعَ سُنَّيْقاتٍ وسَنانِيقَ وهي الآكام. وقال ابن الأعرابي: لا أدري ما سُنَّيْق. الأَزهري: جعل شمر سُنَّيقاً اسماً لكل أكمة وجعله نكرة مصروفة، قال: وإذا كان سُنَّيْق اسم أكمة بعينها فهي عندي غيرمجراة لأنها معرفة، وقد أجراها امرؤُ القيس وجعلها كالنكرة، وفي نسخة كالبقرة، على أن أن الشاعر إذا اضطر أجرى المعرفة التي لا تنصرف.
|
لسان العرب لابن منظور
|
(س ن ق)
سنق الرجل سنقا، فَهُوَ سنق، وسنق: بشم، وَكَذَلِكَ: الدَّابَّة. والسنيق: الْبَيْت المجصص. والسنيق: الْبَقَرَة. وَلم يُفَسر أَبُو عَمْرو قَول امْرِئ الْقَيْس: وسِنٍّ كسنيق سناء وسنما...ذعرت بمزلاج الهجير نهوض ويروى: سناما وسنما. وَفَسرهُ سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ: هُوَ جبل. |
|
سنق
سَنِقَ الفَصِيلُ من اللَّبَنِ، كفَرِحَ: إِذا بشِمَ واتخَمَ يُقال: شَرِبَ الفَصِيلُ حَتّى شِقَ، وَهُوَ كالتُّخَمَةِ، وقالَ اللَّيْثُ: سَنِقَ الحِمارُ، وكُل دابَّة، سَنَقاً: إِذا أكَلَ من الرَّطْبِ حَتّى أصابَه كالبَشَم، وَهُوَ الأحمُّ بعَيْنِه، غير أَنَّ الأحَمَّ يسْتَعْمَلُ فِي الناسِ، والفَصِيلُ إِذا أَكْثَرَ من اللَّبَنِ يَكادُ يَمْرَضُ، قَالَ رؤْبةُ: لَوح مِنْهُ بَعْدَ بُدْنٍ وسَنقْ وقالَ الأعْشَى: (ويَأمُرُ لليَحْمُوم كُلَّ عَشِيةٍ...بقَمت وتَعْلِيقٍ، فقد كادَ يَسْنَقُ) وقالَ شَمِر: والسُّنيْق، كقُبيْطٍ: بَيْت مُجَصَّص عَن ابْنِ عَبّاد، وَقَالَ شَمِرٌ: ج: سنَّيْقاتٌ، وسَنانِيقُ وهى الآكامُ. وقالَ ابنُ عَبّادٍ: السنيْقُ: كَوْكَبٌ أَبْيضُ. وَفِي التَّهْذِيبِ: سُنَّيْق: اسْم أَكَمَة م مَعْرُوفة، قَالَ امْرُؤُ القَّيْسِ: (وسِن كسُنًّيْق سَناءً وسُنَّماً...ذَعَرْتُ بمدْلاج الهَجِينِ نَهوضِ) وَلم يُفَسِّرْهُ أَبُو عَمْرٍ و، وقالَ ابنُ الاعْرابيِّ: لَا أَدْري مَا سُنَّيْق وقالَ)الأزْهَرِي: جَعَلَ شَمِرٌ سُنَّيْقاً اسْما لكُلِّ أَكَمَة، وجَعَلَه نَكِرَةً مَصْرُوفةً، قَالَ: وإِذا كانَ سُنَّيْق اسمَ أكَمَةٍ بعَيْنِها، فَهِيَ عِندِي غَيْرُ مُجراةٍ لِأَنَّهَا مَعْرِفَةٌ، وَقد أجْراهَا امْرُؤُ القَيْسِ، وجَعَلَها كالنَّكِرَةِ وفى نسخةٍ كالبَقَرةِ على أَنَّ الشاعِرَ إِذا اضْطُرَّ أَجْرَى المَعْرِفَةَ الَّتِي لَا تَنْصَرِفُ. وأَسْنَقَهُ النَّعِيمُ: إِذا تَرَّفَهُ قَالَ رُؤ بَة: سَقَى فأرْوَى ورَعَى فأسْنَقَا وَمِمَّا يُستدركُ عَلَيْهِ: السنِقُ، ككَتِفٍ: الشَّبْعانُ، كالمُتَّخَم قَالَه أَبو عُبَيْدٍ، وقالَ لَبِيد يصفُ فَرَساً: (فهْوََسحّاجٌ مُدِل سنِقٌ...لاحِقُ البَطْنِ إِذا يعدُو زَمَلْ) وأبُو عَمْرٍ وعثمانُ بنُ محمّدِ بنِ بِشْرٍ السَّقَطِي المَعْرُوف بابْنِ سَنَقَةَ السَّنَقِي محركةً، وضَبَطَه الحافِظُ بالفَتح، وَهُوَ لَقَبُ جَدِّ أَبِيهِ حَدَّث عَن إِسماعيلَ بنِ إِسْحاقَ القاضِي، وعنهُ ابنُ رِزْقٍ البَزّازُ توفّي سنة. وسانِقان، بكسرِ النُون الأولى: قَرْيَة بمَروَ، ويُقال أَيضاً بالصَّادِ، وَمِنْهَا أَبُو بِشْرٍ الأشْعَثُ بنُ حَسّان السانِقانِيُّ، توفّي بعد الثّلثِمائة. والمسانِقُ: من دِيارِ كَلْبِ بنِ وَبَرة. |
|
سنقر
: (سُنْقُر الأَشْقَرُ، كقُنْفُذ) ، أَهمله الْجَمَاعَة، وَهُوَ رَجُلٌ (تَسَلْطَنَ بِدِمَشْقَ) ، قَالَ الذَّهَبِيّ: رأَيْتُه. (وعَبْدُ اللَّهِ بنُ فُتُوحِ بنِ سُنْقُرَ مُحَدِّثٌ) ، سمعَ عبدَ الحَقِّ بنَ يُوسُفَ. (وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ طَيْبَرْسَ السُّنْقُرِيّ الصُّوفِيّ، مولَى الأَمِيرِ علِيّبنِ سُنْقُرَ، سَمعَ ابنَ رُوزْبَةَ) ، هُوَ أَبو الحَسَنِ عليُّ بنُ أَبي بَكْرِ بنِ رُوزْبَةَ القَلاَنِسِيّ، راوية الصَّحِيح عَن أَبي الوقْت، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة 684. (وسُنْقُرُ الزَّيْنِيّ) القَضَائِيّ، (رَوَيْنَا عَنْ أَصْحَابِهِ) ، وسيأْتي لَهُ فِي زين، هاكذا قَالَ الذَّهَبِيّ، أَكثَرْتُ عَنهُ بِحَلَبَ، قلت: وكُنيته أَبو سَعِيد، وَهُوَ مَوْلَى ابنِ الأُستاذ، وَمَات سنة 706 كَذَا ذكره الحافِظُ. وسُنْقُرُ المُغِيثِيّ. وسُنْقُر شَاه الرُّومِيّ. وَفَارِس بنُ آقْ سُنْقُر المَقْدَسِيّ، سَمِعُوا على أَبي المُنَجَّا بنِ اللَّتِّيّ البَغْدَادِيّ. والأَتَابِكُ سَيْفُ الدّين سُنْقُرُ الأَيُّوبِيّ، استولَى على اليَمَنِ بعدَ قَتْلِ الأَكْرَادِ، وبَنَى مَدرسةً بزَبِيد، وَهِي الدَّحْمَانِيَّة، وتُعْرَفُ أَيضاً بالعَاصِمِيَّة بمُدَرِّسها الْفَقِيه نجمِ الدّين عُمَر بن عاصِم الكِنانيّ، ومَدرسة بَأَبْيَنَ، والمُعِزِّيَّة بتَعِزّ، والأَتابِكِيَّة بذِي هُزَيْم بتَعِزّ، وَبهَا دُفِن، ودُفِن إِلى جَنْبه الملكُ المنصورُ عُمَرُ بنُ عليِّ بنِ رَسُول. |
|
[سنق]السنق: البشم. يقال: شرب الفصيل حتى سنق بالكسر، وهو كالتخمة.
|
|
سُنْقُر [جمع]: (حن) سُنقُور، جنس طير من فصيلة الصَّقريّات، موطنه البلاد الباردة جميع أنواعه من الجوارح الكبيرة الجُثَّة.
سُنْقور [جمع]: (حن) سُنقُر، جنس طير من فصيلة الصَّقريّات، موطنه البلاد الباردة جميع أنواعه من الجوارح الكبيرة الجُثَّة. |
|
س ن ق
أصاب الدابة سنق: بشم. قال الأعشى: ويأمر لليحوم كل عشية...بقت وتعليق فقد كاد يسنق وقد سنقت. ومن المجاز: أسنقه النعيم. |
|
(سنق)من الطَّعَام أَو الشَّرَاب سنقا بشم واتخم وَفُلَان ترفه وتنعم فَكَأَنَّهُ قد بشم وامتلأ من النَّعيم فَهُوَ سنق وَهِي سنقة
|
|
سنق
سَنِقَ الحِمارُ وكلُّ دابةٍ سَنَقاً: إذا أكَلَ من الرطْب حتّى اتَّخَمَ. والسُّنَّيْقُ: الأكَمَةُ. وبَيْتٌ مُجَصَّصٌ. وكَوكبٌ أبْيَضُ. |
|
سنقر: سُنْقُر وجمعه سَناقِر: طير من فصيلة. الصقريات (مملوك 1، 1: 91).
سناقر: نوع من الأمراض خاص بدهستان. (الثعالبي لطائف ص132). |
|
سنق1 سَنِقَ, (S, K,) aor. ـَ (K,) inf. n. سَنَقٌ, (S,) He (a young camel) suffered indigestion (S, K) مِنَ اللَّبَنِ [from the milk]. (K.) One says, of a young camel, شَرِبَ حَتَّى سَنِقَ He drank until, or so that, he suffered indigestion. (S.) And one says, of an ass, and of any beast, سَنِقَ, inf. n. as above, meaning, He was affected with what resembled indigestion from eating fresh herbage. (TA.) 4 اسنقهُ النَّعِيمُ i. q. تَرَّفَهُ [i. e. Ease and plenty caused him to exult, or to exult greatly, or excessively, and to behave insolently and unthankfully, or ungratefully: or wealth made him to enjoy, or lead, a plentiful, and a pleasant or an easy, and a soft or delicate, life; or a life of ease and plenty]. (O, K.) سَنِقٌ Satiated, or sated, like him who is suffering indigestion: (A'Obeyd, TA:) applied by Lebeed as an epithet to a horse. (TA.) سُنَّيْقٌ A house, or chamber, plastered with gypsum: (Ibn-'Abbád, O, K:) pl. سُنَّيْقَاتٌ and سَنَانِيقُ: (K:) or, accord. to Sh, these are pls. of the word in the sense next following. (TA.) b2: Any [hill of the kind termed] أَكَمَة: pl. as above: so accord. to Sh: (T, O, TA:) or it is the name of a particular أَكَمَة, (T, O, K, * TA,) well known; occurring, without ال, in a poem of Imra-el-Keys. (T, O, TA.) b3: And السُّنَّيْقُ, A certain white star. (Ibn-'Abbád, O, K.)
|
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
السِّنِقْطارُ: السِّقِنْطارُ.
|
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
سُنْقُرُ الأَشْقَرُ، كقُنْفُذٍ: تَسَلْطَنَ بِدمَشْقَ. وعبدُ اللهِ بنُ فُتُوحِ بنِ سُنْقُرَ: محدثٌ. وأبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ طَيْبَرْسَ السُّنْقُرِيُّ الصوفِيُّ، مَوْلَى الأَمِيرِ عليِّ بنِ سُنْقُرَ: سَمِعَ ابنَ رُوزْبَةَ. وسُنْقُرُ الزَّيْنِيُّ: رَوَيْنا عن أصحابِهِ.
|
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
سَنِقَ الفَصيلُ من اللَّبَنِ، كَفرِحَ: بَشِمَ واتَّخَمَ.والسُّنَّيْقُ، كقُبَّيْطٍ: بَيْتٌ مُجَصَّصٌ، ج: سُنَّيْقاتٌ وسَنانيقُ، وكَوْكَبٌ أبيضُ، وأكَمَةٌ م.وأسْنَقَه النَّعيمُ: تَرَّفَهُ.
|
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
العُسْنُقُ، كقُنْفُذٍ: التامُّ الحُسْنِ.
|
|
سنق
سَنِقَ(n. ac. سَنَق) a. Suffered indigestion ( from the milk: young camel & c. ). سَنِقa. Surfeited. |
مقاييس اللغة لابن فارس
سير أعلام النبلاء
|
ابن أبي روبا، وسنقة، وابن سلم:
3261- ابن أبي روبا 1: المحدِّث, أَبُو مُحَمَّدٍ, عَبْدُ الخَالِقِ بنُ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرِ بن أَبِي رُوبَا البَغْدَادِيُّ السَّقَطِيُّ المُعَدّلُ. سَمِعَ: مُحَمَّدَ بنَ غَالِبٍ التَّمتَامَ، وَمُحَمَّدَ بنَ سُلَيْمَانَ البَاغَنْدِيَّ, وَإِسْحَاقَ بنَ الحَسَنِ الحَرْبِيَّ، وَأَبا شُعَيْبٍ الحرَّاني. حدَّث عَنْهُ: أَبُو الحَسَنِ بنُ رَزْقَوَيْه، وَعَلِيُّ بنُ دَاوُدَ الرَّزَّازُ, وَعَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ، وَطَلْحَةُ الكتَّاني, وَمُحَمَّدُ بنُ طَلْحَةَ النِّعَالِيُّ, وَأَبُو عَلِيٍّ بن شاذان. وثَّقه أبو بكر البركاني. مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. 3263- سَنَقَة 2: المحدث, أبو عمرو, عثمان بن محمد بن بشر البغدادي السَّقَطِي سَنَقَة. سَمِعَ الكُدَيْمي, وَإِسْمَاعِيْلَ القَاضِي، وَإِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيَّ، وَأَحْمَدَ بنَ عَلِيٍّ البَرْبَهَاري, وَجَمَاعَةً. وَعَنْهُ: الدَّارَقُطْنِيُّ, وَابنُ أَبِي الفَوَارِسِ، وَابنُ رَزْقَوَيْه, وَعَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ، وَطَلْحَةُ بنُ الصَّقرِ, وَمُحَمَّدُ بنُ طَلْحَةَ النِّعَالِيُّ. كتبَ النَّاس عَنْهُ بَانتخَابِ الدَّارَقُطْنِيِّ، ووثَّقه البَرْقَانِيُّ وأثْنَى عَلَيْهِ. توفِّي فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ, عَنْ سبع وثمانين سنة. 3263- ابن سَلْم 3: الرَّجُلُ الصَّالِحُ, أَبُو الفَتْحِ, عُمَرُ بنُ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَلْم الخَتْلِيّ, ثُمَّ البَغْدَادِيُّ. سَمِعَ الحَارِثَ بنَ أَبِي أُسَامَةَ والكُدَيْمي، وَإِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيَّ, وَبِشْرَ بنَ مُوْسَى, وَمُعَاذَ بنَ المثنَّى. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ رَزْقَوَيْه, وَأَبُو نَصْرٍ بنُ حَسْنُون، وَأَبُو الفَتْحِ بنُ أَبِي الفَوَارِسِ، وَطَلْحَةُ الكَتَّاني, وَعَبْدُ العَزِيْزِ السُّتوري, وَآخَرُوْنَ. قَالَ الخَطِيْبُ: كَانَ ثِقَةً صَالِحاً. مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ, وتوفِّي سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. __________ 1 ترجمته في تاريخ بغداد "11/ 124"، والمنتظم لابن الجوزي "7/ 40"، والعبر "2/ 305". 2 ترجمته في تاريخ بغداد "11/ 304"، والأنساب "7/ 92"، والمنتظم لابن الجوزي "7/ 40". 3 ترجمته في تاريخ بغداد "11/ 243"، والمنتظم لابن الجوزي "7/ 40"، والعبر "2/ 307". |
تاريخ دولة آل سلجوق
|
عشرون ألف مهند قد أصلتت فلّت مضاربها نكاية مبضع
وقيل: إن في الليلة التي توفي فيها جاولي الجاندار قتل زنكي بن آق سنقر بالشام، وكان كلاهما قطبا يدور عليه فلك الإسلام. قال: والصحيح أن زنكي بن آق سنقر، قتل في شهر ربيع الآخر من السنة، على قلعة جعبر قبل موت جاولي بأيام، ولكن تدانى موتهما، وتنادى فوتهما. ومن قبلهما كانت وفاة سعد الدولة يرنقش، ووفاة قزل أمير آخر، وكان قد قتل من قبل ناصر الدين قتلغ آبه البازداري فتقاربت مناياهم، وتبدلت نقودهم بنسياهم. وصاروا أسمارا، وعادوا أخبارا. ولما اخترم جاولي انحلت تلك المعاقد، واختلت تلك القواعد. وتفرق ذلك الجمع، وتشوس ذلك الوضع. وعاد كل طائر إلى وكره، وكل صاح إلى سكره. وآمن السلطان من أمله، وأقبل إليه من قبله، وعاد الأمير تتار إلى السلطان لبوزابه متوسطا، ولتمكينه مشترطا. وكان ذلك برأي الأمير الحاجب الكبير فخر الدين عبد الرحمن بن طغايرك، وعملت سعادة السلطان عمله، وقدر الله ما لم يجر بخاطره أمله. قال: وحيث أجرينا ذكر زنكي بن آق سنقر وقتله بالشام في التاريخ الذي توفي فيه جاولي جاندار بزنجان، فإنا نذكر جملة من أموره، إلى أن قضى الله عليه بمقدوره. ذكر زنكي بن آق سنقر في آخر عهده قال: كان جبار عسوفا، بنكباء النكبات عصوفا، نمريّ الخلق، أسدي الحنق، لا ينكر العنف، ولا يعرف العرف. قد استولى على الشام سنة 522 هـ إلى أن قتل في سنة 541 هـ، وهو مرهوب لسطوه، مجفوّ لجفوه. عاد عات، حتف عداة ورعاة. لكنما ختم الله له في آخر عمره بالسعادة وبالشهادة، ووفقه للجهاد الذي هو أفضل أركان العبادة. وهو الذي فتح الرها عنوة، واحتل بها من السعادة ذروة، وذلك يوم السبت السادس والعشرين من جماد الآخر سنة 539 هـ فتسنى بفتح الرها للمسلمين، جوس بلاد جوسلين، وعاد جميعها إلى الإسلام في عهد ولد زنكي نور الدين، وصارت عقود الإفرنج من ذلك بعد فتح الرها نزل على حصن البيرة وهي |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
مسير آقسنقر البرسقي إلى الشام لحرب الفرنج.
508 - 1114 م سير السلطان محمد الأمير أتسز البرسقي إلى الموصل وأعمالها، والياً عليها، لما بلغه قتل مودود، وسير معه ولده الملك مسعوداً في جيش كثيف، وأمره بقتال الفرنج، وكتب إلى سائر الأمراء بطاعته، فوصل إلى الموصل، واتصلت به عساكرها، وفيهم عماد الدين زنكي بن آقسنقر، واتصل به أيضاً تميرك صاحب سنجار وغيرهما، فسار البرسقي إلى جزيرة ابن عمر، فسلمها إليه نائب مودود بها، وسار معه إلى ماردين، فنازلها البرسقي، حتى أذعن له إيلغازي صاحبها، وسير معه عسكراً مع ولده إياز، فسار عنه البرسقي إلى الرها في خمسة عشر ألف فارس، فنازلها في ذي الحجة، وقاتلها، وصبر له الفرنج، وأصابوا من بعض المسلمين غرة، فأخذوا منهم تسعة رجال وصلبوهم على سورها، فاشتد القتال حينئذ، وحمي المسلمون، وقاتلوا، فقتلوا من الفرنج خمسين فارساً من أعيانهم، وأقام عليها شهرين وأياماً، وضاقت الميرة على المسلمين، فرحلوا من الرها إلى سميساط، بعد أن خربوا بلد الرها وبلد سروج وبلد سميساط وأطاعه صاحب مرعش على ما نذكره، ثم عاد إلى شحنان، فقبض على إياز بن إيلغازي، حيث لم يحضر أبوه، ونهب سواد ماردين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة أبي سعيد آق سنقر البُرْسقي الملقب بقسيم الدولة.
520 ذو القعدة - 1126 م توفي أبو سعيد آق سنقر البُرْسقي الملقب بقسيم الدولة، أحد أبطال المسلمين في مقاومة الصليبيين، وكان حاكمًا عادلاً، اغتالته يد الغدر في مسجد الموصل؛ ففقد المسلمون قائدًا كانوا في أمسّ الحاجة لمثله لمقاومة الحركة الصليبية في الشام. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
الحشاشون (الإسماعيليون) يغتالون القائد الإسلامي آقسنقر البرقسي.
520 ذو القعدة - 1126 م ثامن ذي القعدة، قتل قسيم الدولة آقسنقر البرسقي، صاحب الموصل، بمدينة الموصل، قتلته الباطنية يوم جمعة بالجامع، وكان يصلي الجمعة مع العامة، فركب إلى الجامع على عادته، وكان يصلي في الصف الأول، فوثب عليه بضعة عشر نفساً فجرحوه بالسكاكين، فجرح هو بيده منهم ثلاثة، وقتل رحمه الله، وكان مملوكاً تركياً، خيراً، يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله، وكان من خير الولاة يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجداً، ولما قتل كان ابنه عز الدين مسعود بحلب يحفظها من الفرنج، فأرسل إليه أصحاب أبيه بالخبر، فسار إلى الموصل ودخلها أول ذي الحجة، وأحسن إلى أصحاب أبيه بها، وأقر وزيره المؤيد أبا غالب بن عبد الخالق بن عبد الرزاق على وزارته، وأطاعه الأمراء والأجناد، وانحدر إلى خدمة السلطان محمود، فأحسن إليه وأعاده، ولم يختلف عليه أحد من أهل بلاد أبيه، ووقع البحث عن حال الباطنية، والاستقصاء عن أخبارهم، فقيل: إنهم كانوا يجلسون إلى إسكاف بدرب إيليا، فأحضر ووعد الإحسان إن أقر، فلم يقر، فهدد بالقتل، فقال: إنهم وردوا من سنين لقتله، فلم يتمكنوا منه إلى الآن. فقطعت يداه ورجلاه وذكره، ورجم بالحجارة فمات. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
استيلاء قراسنقر على بلاد فارس وعوده عنها.
533 - 1138 م جمع أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان عساكر كثيرة وحشد، وسار طالباً بثأر أبيه الذي قتله بوزابة في الصف المقدم ذكره، فلما قارب السلطان مسعوداً أرسل إليه يطلب منه قتل وزيره الكمال، فقتله، فلما قتل سار قراسنقر إلى بلاد فارس، فلما قاربها تحصن بوزابة منه في القلعة البيضاء، ووطىء قراسنقر البلاد، وتصرف فيها، وليس له فيها دافع ولا مانع إلا أنه لم يمكنه المقام، وملك المدن التي في فارس، فسلم البلاد إلى سلجوقشاه ابن السلطان محمود وقال له: هذه البلاد لك فاملك الباقي؛ وعاد إلى أذربيجان فنزل حينئذ بوزابة من القلعة سنة أربع وثلاثين، وهزم سلجوقشاه وملك البلاد، وأسر سلجوقشاه وسجنه في قلعة بفارس. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان.
535 - 1140 م توفي أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وأرانية بمدينة أردبيل، وكان مرضه السل، وطال به، وكان من مماليك الملك طغرل، وسلمت أذربيجان وأرانية إلى الأمير جاولي الطغرلي، وكان قراسنقر علا شأنه على سلطانه وخافه السلطان |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ملك أتابك زنكي بن آقسنقر مدينة الحديثة.
536 - 1141 م ملك أتابك زنكي بن آقسنقر مدينة الحديثة، ونقل من كان بها من آل مهراش إلى الموصل، ورتب أصحابه فيها |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
استيلاء سنقر الأشقر على دمشق وقتاله مع عسكر مصر.
679 محرم - 1280 م لما كان يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 678هـ ركب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من دار السعادة بعد صلاة العصر وبين يديه جماعة من الأمراء والجند مشاة، وقصد باب القلعة الذي يلي مدينة دمشق، فهجم منه ودخل القلعة واستدعى الأمراء فبايعوه على السلطنة، ولقب بالملك الكامل، وأقام بالقلعة ونادت المنادية بدمشق بذلك، فلما أصبح يوم السبت استدعى بالقضاة والعلماء والأعيان ورؤساء البلد إلى مسجد أبي الدرداء بالقلعة، وحلفهم وحلف له بقية الأمراء والعسكر، وأرسل العساكر إلى غزة لحفظ الأطراف وأخذ الغلات، ثم وفي يوم الخميس أول المحرم من هذه السنة ركب الملك الكامل سنقر الأشقر بشعار السلطنة من قلعة دمشق إلى الميدان الأخضر، وبين يديه الأمراء مشاة بالخلع، ثم عاد، وفي يوم الجمعة ثانيه: خطب له على منبر الجامع بدمشق، وكتب إلى الأمير عز الدين الأفرم وهو بالكرك يعتذر عن قيامه، وأتبع الكتاب بعسكر، فلما ورد كتابه جهزه الأفرم إلى السلطان بمصر، فكتب السلطان عند وروده إلى الأشقر يقبح فعله، وكتب أمراء مصر إليه بذلك، ويحثونه على الإذعان وترك الفتنة، وسار بالكتب بلبان الكريمي، فوصل دمشق في ثامنه، وخرج سنقر الأشقر إلى لقائه وأكرمه، ولم يرجع عما هو فيه، واستقر الأفرم بغزة، فوافاه عسكر سنقر الأشقر بها، فاندفع من قدامهم إلى الرمل، وملك العسكر غزة واطمأنوا، فطرقهم الأفرم وأوقع بهم فانهزموا إلى الرملة، وأسر من الأمراء عدة وغنم منهم مالا وخيولا وأثقالا كثيرة، وبعث الأفرم بالبشارة على يد ناصر الدين محمد ولد الأمير بكتاش الفخري، فقدم في خامس عشره بالأمراء المأسورين، فعفا السلطان عنهم وأحسن إليهم، وأعادهم على أخبازهم وجعلهم في العسكر، ولما بلغ سنقر الأشقر كسرة عسكره، جمع وحشد وبعث إلى الأمراء بغزة يعدهم ويستميلهم، فقدم عليه شهاب الدين أحمد بن حجي أمير العربان بالبلاد القبلية، والأمير شرف الدين عيسى بن مهنا أمير العربان بالبلاد الشرقية والشمالية، وأتته النجدات من حلب وحماة ومن جبال بعلبك، واستخدم عدة كبيرة وبذل فيهم المال، وكثرت عنده بدمشق الأرجاف أن عسكر مصر قد سار إليه، فاشتد استعداده، وجرد السلطان من القاهرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح، ومعه الأمير بدر الدين الأيدمري والأمير حسام الدين أيتمش بن أطلس خان في أربعة آلاف فارس، فسار إلى غزه، واجتمعوا مع الأمير عز الدين الأفرم والأمير بدر الدين الأيدمري، وساروا جميعا والمقدم عليهم علم الدين سنجر الحلبي، فرحل عسكر سنقر الأشقر من الرملة إلى دمشق، فخرج سنقر الأشقر في ثاني عشر صفر بعساكره وخيم بالجسورة خارج دمشق، ونزل عسكر مصر الكسوة والعقوة في يوم الاثنين سابع عشره بالجسورة، فوقعت الحرب في تاسع عشره، وثبت سنقر الأشقر وأبلى بلاء عظيما، ثم خامر من عسكره طائفة كبيرة إلى عسكر مصر، وانهزم كثير منهم، ورجع عسكر حلب وحماة عنه إلى بلادهم، وتخاذل عنه عسكر دمشق، وحمل عليه الأمير سنجر الحلبي فانهزم منه، وهرب سنقر الأشقر وتبعه بعض خواصه من الأمراء وساروا معه هم والأمير عيسى بن مهنا إلى برية الرحبة وأقاموا بها أياما، وتوجهوا إلى الرحبة، وكان سنقر قبل ذلك قد بعث حرمه وأمواله إلى صهيون، ولما انهزم سنقر الأشقر تفرق عسكره في سائر الجهات، وغلقت أبواب دمشق، وزحف عسكر مصر إليها وأحاطوا بها، ونزلوا في الخيام ولم يتعرضوا لشيء، وأقام الأمير سنجر الحلبي بالقصر الأبلق في الميدان الأخضر خارج دمشق، فلما أصبح أمر فنودي بالأمان، وكان بقلعة دمشق الأمير سيف الدين الجكندار، وهو متوليها من جهة سنقر الأشقر، فأفرج عن الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجالق، والأمير حسام الدين لاجين المنصوري، والصاحب تقي الدين توبه، وحلفهم ألا يؤذوه إذا أطلقهم، ثم فتح باب القلعة، ونزل لاجين إلى باب الفرج فوقف عليه، ومنع العسكر من دخول المدينة، ونودي بإطابة قلوب الناس وزينة البلد، فوقف البشائر بالقلعة، وقدم كثير ممن كان مع سنقر الأشقر فأمنهم الأمير سنجر الحلبي، ثم وفي صفر من سنة 680هـ جرد السلطان من دمشق الأمير عز الدين أيبك الأفرم والأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي في عدة من الأجناد، فساروا إلى شيزر، فبعث سنقر الأشقر يطلب الصلح على أن يسلم شيزر، ويعوض عنها الشغر وبكاس وكانتا قد أخدتا منه ومعهما فامية وكفر طلب وأنطاكية وعدة ضياع، مع ما بيده من صهيون وبلاطنس ونرزية واللاذقية، وشرط أيضاً أن يكون أميراً بستمائة فارس، ويؤمر من عنده من الأمراء، فأجيب إلى ذلك. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
السلطان الناصر يرسل الفداوية لقتل قراسنقر الذي هرب إلى بلاد التتار.
720 - 1320 م بعث السلطان الناصر محمد بن قلاوون ثلاثين فداويا من أهل قلعة مصياب للفتك بالأمير قراسنقر، فعندما وصلوا إلى تبريز نم بعضهم لقراسنقر عليهم، فتتبعهم وقبض على جماعة منهم، وقتلهم، وانفرد به بعضهم وقد ركب من الأردو، فقفز عليه فلم يتمكن منه، وقتل، واشتهر في الأردو خبر الفداوية، وأنهم حضروا لقتل السلطان أبي سعيد وجوبان والوزير على شاه وقراسنقر وأمراء المغول، فاحترسوا على أنفسهم، وقبضوا عدة فداوية، فتحيل بعضهم وعمل حمالاً، وتبع قراسنقر ليقفز عليه فلم يلحقه، ووقع على كفل الفرس فقتل، فاحتجب أبو سعيد بالخركاه أحد عشر يوماً خوفاً على نفسه، وطلب المجد إسماعيل، وأنكر عليه جوبان وأخرق به، وقال له: أنت كل قليل تحضر إلينا هدية، وتريد منا أن نكون متفقين مع صاحب مصر، لتمكر بنا حتى تقتلنا الفداوية والإسماعيلية وهدده أنه يقتله شر قتلة، ورسم عليه، فقام معه الوزير على شاه حتى أفرج عنه، ثم قدم الخبر من بغداد بأن بعض الإسماعيلية قفز على النائب بها ومعه سكين فلم يتمكن منه، ووقعت الضربة في أحد أمراء المغول، وأن الإسماعيلي فر، فلما أدركه الطلب قتل نفسه، فتنكر جوبان لذلك، وجهز المجد السلامي إلى مصر ليكشف الخبر، وبعثوا في أثره رسولاً بهدية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
189 - عثمان بن محمد بن بشر، أبو عمرو السَّقَطي البغدادي، سَنَقه. [المتوفى: 356 هـ]
سَمِعَ: محمد بن يونس الكديمي، وإسماعيل القاضي، وإبراهيم الحربي، وأحمد بن علي البربهاري، وغيرهم. وكتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني، وأثنى عليه البرقاني ووثّقه؛ روي عنه ابن رزقويه، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وعبد الله السُّكّري، وطلحة بن الصقر، ومحمد بن طلحة النّعالي. تُوُفّي في ذي الحجّة، وله سبع وثمانون سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
214 - آقْسُنْقُر قسيم الدّولة، أبو الفتح الحاجب، مملوك السّلطان ملكشاه، وقيل: هو لصيق به، وقيل: اسم أبيه آل تُرْغَان. [المتوفى: 487 هـ]
تزوّج داية السّلطان إدريس بن طُغان شاه، وحظي عند السّلطان ملكشاه وقدِم معه حلب، حين قصد تاج الدولة أخاه فانهزم، وملكها ملكشاه في سنة تسعٍ وسبعين، وملك أنطاكيّة، وقرر نيابة حلب لقسيم الدّولة في أوّل سنة ثمانين، فأحسن فيها السّياسة، وأقام الهيبة، وأباد قُطّاع الطّريق، وتتبّعهم، وبالَغ، فأمِنَت البلاد، وعُمِّرت حلب، ووردها التُّجّار، ورغبوا في سُكناها للعدل، وعمّر منارة حلب، فاسمُه منقوشٌ عليها، وبنى مشهد قرنبيا، ومشهد -[575]- الدّكّة. وكان أحسن الأمراء سياسة لرعيّته وحفظًا لهم. وتحدَّث الرُّكْبانُ بِحُسْن سيرتِه. وكان يستغلّ حلب في كل يومٍ ألفا وخمسمائة دِينار. وأمّا تُتُش فتملّك دمشق. ولمّا كان ربيع الأوّل سنة سبعٍ وثمانين هذه خرج تُتُش، وجمع معه خلْقًا من العرب، ووافاه عسكر أنطاكية بحماه، ورعوا ونهبوا، فاتّصل الخبر بأقْسُنْقُر، فكاتَبَ السّلطان بَرْكَيارُوق، وخطب له بحلب، فجمع وحشد، وأنجده كربُوقا صاحب الموصل، وبُزان صاحب الرُّها، ويوسف بن أبق صاحب الرَّحْبَة، في ألفين وخمسمائة فارس، وتهيّأ قسيم الدّولة لِلّقاء، فقيل إنّه عرض عشرين ألف فارس، فلمّا التقوا أوّل من برز للحرب قسيم الدّولة، وحمي القتال، فحمل عسكر تُتُش، فانهزم العرب الّذين مع قسيم الدّولة، وكُسر كربُوقا وبُزان، ووقع فيهم القتْل، وثبت قسيم الدّولة، فأُسر في طائفةٍ من أصحابه وحُمل إلى تُتُش، فأمر بضرب عنقه وأعناق جماعة من أصحابه. وذلك في شهر جُمَادى الأولى، ودُفن بالمدرسة الزّجاجية داخل حلب، بعدما كان دُفن مدّةً بمشهد قرنبيا. وإنّما نقله ولده زِنْكي، وعمل عليه قُبَّة. وهو جدّ نور الدّين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
400 - آقسُنْقُر، سيف الدين قسيم الدولة أبو سعيد البُرْسُقيُّ، [المتوفى: 520 هـ]
مولى الأمير بُرْسُق غلام السُّلطان طغرلبك. -[314]- ترقت به الحال إلى أن ولاه السُّلطان محمود بن محمد إمرة المَوْصل والرَّحْبة، ثم ولاَّه شحنكية بغداد إلى أن عُزِلَ عنها في سنة ثمان عشرة، وسار إلى الموصل، فكاتبه الحلبيون إلى حلب لما حصرهم الفرنج، فسار إليهم وترحَّل الفرنج عنها فملكها في ذي الحجة من السنة. وكان بلك بن بهرام بن أرتق قد قتل بمنبج فتملك ابن عمِّه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق. وكان بغدوين ملك الفرنج أسيراً في يد بلك فاشترى نفسه من تمرتاش وهادنَهُ واتفق موت والده شمس الدولة إيلغازي صاحب ماردين، فتوجه ابنه إليها، واشتغل بملكها، فغدر بغدوين واتفق مع دُبيس بن صدقة وإبراهيم بن رضوان بن تتش فنازلوا حلب وطال الحصار حتى أكلوا الجيف ووقع فيهم الوباء بحلب وهم مع ذلك ثابتو الجأش في القتال، فأغاثهم الله بقسيم الدولة؛ وذلك أن أهل حلب اتفقوا وأخرجوا في اللَّيل قاضيهم أبا غانم والشريف زُهْرة وابن الحلِّي إلى تمرتاش صاحب حلب وهو بماردين، فلما أصبح الصَّباح صاح الفرنج: أين قاضيكم أين شريفكم، فما شكَّ النَّاس أنهم قد أُسروا. فوصل منهم كتاب بأنهم فاتوا الفرنج فقدموا على حسام الدين تمرتاش، فأخذ يماطلهم ويسوفهم إلى أن قال مرة: خلُّوهم إذا أخذوا حلب عُدتُ وأخذتُها، فقلنا: لا تفعل ولا تسلم المسلمين إلى عدوهم. فقال: كيف أقدر على لقائهم؟ فقال القاضي أبو غانم: وأيش هم حتى لا تقدر عليهم. ثم لما خاف أن ننفصل عنه إلى غيره رسم علينا من يحفظنا، فأعملنا الحيلة في الهرب إلى الموصل إلى آقسنقر، فتحدثنا مع من يُهَرِّبُنَا وكان للمنزل الذي نحن فيه باب يصرُّ عظيماً إذا فُتِحَ فطرحنا فيه زيتاً وواعدنا الغِلْمان أن يأتونا بالدَّواب، وكان الثَّلج كثيراً. قال أبو غانم: فنام الموكلون بنا، وجاء الغلمان إلا غلامي ياقوت، فأخبروا أن قيد الدابة تعسر عليه، فضاقت صدورنا، فقلت لأصحابي: امضوا أنتم ولا تنتظروني. ثم جاءني ياقوت بالدَّابة سحَرًا، فركبت ولا أعرف الطريق، ثم قصدت الجهة، فلما طلع الضَّوء إذا أنا وأصحابي في مكان واحد، وكانوا قد ضلُّوا عن الطَّريق، فصلينا الصُّبح وسُقنا، فجئنا فإذا البُرْسقي مريض، وقد تماثل ولكنه ضعيف، فطلبنا منه أن يغيث المسلمين وذكرنا له ما حلَّ بهم من الحصار والضِّيق والقلّة، فقال: كيف لي بالوصول إليهم وأنا هكذا؟ فقلنا: يجعل المولى في نيَّته وعزمه إن خلَّصه الله أن ينصرهم. فقال: إي، والله، ثم -[315]- رفع رأسه إلى السَّماء وقال: اللهم إني أشهدك إن عوفيت لأنصرنَّهم. قال: ففارقته الحُمَّى بعد ثلاث، فنادى في عسكره: الغزاة، وبرَّز خيمته، ثم توجَّه بعساكره، فلما أشرف على حلب رحل الفرنج عنها، وتأخروا إلى جبل جوشن، فقاربها وخرج أهلها إلى لقائه فقصد نحو الفرنج بعسكره وبأهل البلد، فانهزم الفرنج، فسار وراءهم حتى أبعدوا، ورجع ودخل البلد، ورتَّبه وجلب إليه الغلال، وكان ذلك في آذار، فجعل الناس يبلُّون الحنطة والشَّعير بالماء ويزرعونها، وجاء مغل صالح. وترك ولده عز الدين مسعوداً بها، وعاد إلى الموصل، فقتلته الإسماعيلية بالجامع يوم الجُمُعة، ثار عليه عشرة فقتل بيده منهم ثلاثة وقُتِل، ولم يفلت منهم سوى رجل، وذلك في تاسع ذي القعدة من سنة عشرين. وقيل: إنهم كانوا بزي الصُّوفية، وكان قد تصدى لإبادة الإسماعيلية والباطنية، وقَتَلَ منهم جماعة كثيرة. قال القاضي بهاء الدين بن شدَّاد: كان البرسقي دينا، عادلاً، حسن الأخلاق، يؤثر عنه أنه قال لقاضيه: أريد أن تساوي بين الرَّفيع والوضيع في مجلس الحُكم، فقال: كيف لي بذلك؟ فقال: الطريق في هذا أن ترتاد لي خصماً وتدعوني إلى مجلس الحكم، فإذا حضرت إليك تلتزم معي ما تلتزمه مع خصمي. ثم قال لزوجته الخاتون: وكِّلي وكيلاً يطالبني بصداقك، فوكلت رجلاً، فمضى إلى مجلس الحكم، وقال: لي خصومة مع قسيم الدولة وأطلب حضوره إلى مجلسك. فسيَّر بطلبه، فحضر إلى الحكم، فلم يقم له القاضي، وساوى بينه وبين الوكيل، فادَّعى عليه، فاعترف، فأمره القاضي بدفع المال، فقام ودفع إليه من خزانته. ثم إنه أمر القاضي أن يتخذ مسماراً على باب داره نقشه "أجب داعي الله" وأن يختم عليه بشمعه، فمن كان له خصم حضر وختم بشمعه على ذلك المسمار ومضى إلى خصمه بها كائناً مَنْ كان، فلا يجسر أن يتخلَّف، فرحمه الله تعالى. وولي بعده ابنه عز الدين مسعود فلم يسن. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
256 - قراسنقر، الأتابك، [المتوفى: 535 هـ]
صاحب أذربيجان وأران. من مماليك الملك طغرل ابن السّلطان محمد بن ملكشاه، وكان شجاعًا، مهيبًا، ظَلومًا، غَشُومًا، عظيم المحلّ، كان السّلطان مسعود يخافه ويُداريه، وقتل الوزير كمال الدّين الرّازيّ من أجله، وقد مات له ابنان تحت الزلزلة بجنزة، مرض بالسل، ومات بأردبيل. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
14 - زَنْكيّ بْن آقسُنقُر، الملك عماد الدّين [المتوفى: 541 هـ]
صاحب الموصل، ويُعرف أبوه بالحاجب قسيم الدولة التُّركيّ، وقد تقدَّم ذِكره. وزنكيّ فوّض إِلَيْهِ السّلطان محمود بْن محمد بْن ملكشاه السّلْجوقيّ ولاية -[780]- بغداد وشرطتها في سنة إحدى عشرة وخمسمائة، ثمّ نقله إلى الموصل، وسلّم إِلَيْهِ ولده فَرُّوخ شاه الملقّب بالخفاجيّ ليربّيه، ولهذا قِيلَ لَهُ أتابَك، وذلك في سنة اثنتين وعشرين، واستولى عَلَى البلاد، وقوي أمره، وافتتح الرُّها في سنة تسعٍ وثلاثين، وترقَّت بِهِ الحال إلى أن ملك الموصل، وحلب، وحماه، وحمص، وبَعْلَبَكّ، ومدائن كثيرة يطول تَعْدادها، وسار بجيشه إلى دمشق وحاصرها، ثمّ استقرّ الحال عَلَى أن خُطب لَهُ بدمشق، واسترجع عدَّةَ حصون من الفرنج، مثل كَفرْطاب والمعرة والرها. وكان بطلًا، شجاعًا، صارمًا، وقد نازَل قلعة جَعْبَر، وصاحبها يومئذٍ عليّ بْن مالك، فحاصرها، وأشرف عَلَى أخْذها، فأصبح يوم الأربعاء خامس ربيع الآخر مقتولًا، قتله خادمه غيلة وهو نائم، ودُفن بصِفّين عند الرَّقَّة، وسار ولده الملك نور الدّين محمود، فاستولى عَلَى حلب، واستولى ولده الآخر سيف الدّين غازي أخو قُطب الدّين مَوْدود الأعرج عَلَى الموصل. قَالَ ابن الأثير: نزل أتابَك زنكيّ عَلَى حصن جَعْبر المُطل عَلَى الفُرات، وقاتَله مَن بها، فلمّا طال أرسل إلى صاحبها ابن مالك العُقيلي رسالة مَعَ الأمير حسّان المَنْبِجيّ، لمودَّةٍ بينهما في معنى تسليمها، ويبذل له الإقطاع والمال، ويتهدّده إن لم يفعل، فما أجاب، فَقُتِلَ أتابَك بعد أيّام، وثب عَلَيْهِ جماعة من مماليكه في اللّيل، وهربوا إلى القلعة، فدخلوها، فصاح أهلها وفرحوا بقتله، فدخل أصحابه إِلَيْهِ، حدَّثني أَبِي، عَنْ بعض خواصّه قَالَ: دخلت إِلَيْهِ في الحال وهو حيّ، فظنّ أَنّى أريد قتْله، فأشار إليَّ بإصبعه يستعطفني، فقلت: يا مولانا مَن فعل هذا؟ فلم يقدر عَلَى الكلام، وفاضت نفسه. قَالَ: وكان حَسَن الصّورة، أسمر، مليح العينين، قد وَخَطَه الشَّيْب، وزاد عمره عَلَى السّتّين، وكان صغيرًا لمّا قُتل أَبُوهُ، وكان شديد الهَيْبة عَلَى عسكره ورعيّته، وكانت البلاد خرابًا من الظُّلم ومجاورة الفرنج، فعمَّرها. حكى لي والدي قَالَ: رأيت الموصل وأكثرها خراب، بحيث يقف الْإِنْسَان قريب محلَّة الطّبّالين، ويرى الجامع العتيق، ودار السّلطان، ولا يقدر -[781]- أحد أن يصل إلى جامع إلّا ومعه من يحميه، لبُعْده عَن العمارة، وهو الآن في وسط العمارة، وكان شديد الغيرة لاسيما على نساء الأجناد، ويقول: إنْ لم نحفظْهُنّ بالهيبة، وإلّا فَسَدْن، لكثرة غَيْبة أزواجهنّ. قَالَ: وكان من أشجع خلْق اللَّه، أمّا قبل أن يملك، فيكفيه أنّه حضر مَعَ الأمير مودود صاحب الموصل مدينة طبريَّة، وهي للفرنج، فوصلت طعنته إلى باب البلد، وأثّر فيه، وحَمَل أيضًا عَلَى قلعة عُقر الحميديَّة، وهي عَلَى جبلٍ عالٍ، فوصلت طعنته إلى سورها، إلى أشياء أخَر وأمّا بعد ملْكه، فكان الأعداء محدقين ببلاده، وكلهم يقصدها، ويريد أخْذَها، وهو لا يقنع بحفْظها، حتّى أنّه لا ينقضي عَلَيْهِ عامٌ إلّا وهو يفتح من بلادهم. قَالَ: وقد أتينا عَلَى أخباره في كتاب " الباهر " في تاريخ دولته وأولاده، وكان معه حين قُتل الملك ألب أرسلان ابن السّلطان محمود، فركب يومئذٍ، واجتمعت حوله العسكر، وحسّنوا لَهُ اللَّهْو والشُّرْب، وأدخلوه الرَّقَّة، فبقي بها أيّامًا لا يظهر، ثمّ سار إلى ماكِسين، ثمّ إلى سَنْجار، وتفرّق العسكر عَنْهُ، وراح إلى الشرق، ثمّ ردّوه، وحُبس في قلعة الموصل، وملك البلاد غازي بْن زنكي، واستولى نور الدّين عَلَى حلب وما يليها، ثمّ سار فتملّك الرُّها، وسبى أهلها، وكان أكثرهم نصارى. وقال القاضي جمال الدّين بْن واصل: لم يخلّف قسيمُ الدّولة آقسُنْقُر مولى السّلطان ألْب أرسلان السَّلْجوقيّ ولدًا غير أتابَك زنكيّ، وكان عمره حين قُتل والده عشر سِنين، فاجتمع عَلَيْهِ مماليك والده وأصحابه، ولمّا تخلّص كرْبُوقا من سجن حمص بعد قتل تُتُش، ذهب إلى حران، وانضم إِلَيْهِ جماعة، فملك حَرّان، ثمّ ملك الموصل وقرَّبَ زنكيّ، وبالغ في الإحسان إِلَيْهِ، وربّاه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
233 - غازي بْن زنْكيّ بْن آقسُنقر التُّركيّ، السّلطان سيف الدين ابن الأتابَك عماد الدّين، [المتوفى: 544 هـ]
صاحب المَوْصِل. لمّا قُتل والدُه أتابَك عَلَى قلعة جَعْبَر اقتسم ولداه مملكته، فأخذ غازي المَوْصل وبلادَها، وأخذ نور الدّين محمود حلب ونواحيها، وكان مَعَ أتابَك على جعبر ألْب رسلان ابن السلطان محمود السلجوقي، وهو السّلطان، وأتابَكه هُوَ زنْكي، فاجتمع الأكابر والدّولة، وفيهم الوزير جمال الدين محمد الأصبهانيّ المعروف بالجواد، والقاضي كمال الدين الشهرزوري ومشوا إلى مخيّم السّلطان ألْب رسلان، وقالوا: كَانَ عماد الدين، رحمه الله، غلامك، والبلاد لك، وطمّنوه بهذا الكلام، ثمّ إنّ العسكر افترق، فطائفة توجّهت إلى الشّام مَعَ نور الدّين، وطائفة سارت مَعَ ألْب رسلان، وعساكر الموصل وديار ربيعة إلى المَوْصِل، فلمّا انتهوا إلى سَنْجار، تخيّل ألْب رسلان منهم الغدْرَ فتركهم وهرب، فلحِقوه وردّوه، فلمّا وصل إلى المَوْصِل أتاهم سيف الدّين غازي، وكان مقيمًا بشَهْرُزُور، وهي إقطاعه، ثمّ إنّه وثب عَلَى ألْب رسلان، وقبض عَلَيْهِ، وتملّك المَوْصِل. وكان مُنْطَوِيًا عَلَى خيرٍ وديانةٍ، يحبّ الْعِلْمَ وأهله، وفيه كَرَم، وشجاعة وإقدام، وبنى بالمَوْصِل مدرسة. ولم تَطُلْ مدّته حتّى تُوُفّي في جُمادى الآخرة، وقد جاوز الأربعين، وتملّك بعده أخوه قطب الدين مودود، وخلّف ولدًا صبيًا، فانتشا، وتزوَّج ببنت عمّه قُطْب الدّين، ومات شابًّا ولم يُعقب. وكان غازي مليح الصّورة، حَسَن الشَّكْل، وافر الهَيْبَة، وكان يمدّ السِّماط غَداءً وعَشاءً، ففي بكرةٍ يذبح نحو المائة رأس، وهو أوّل من حُمل فوق رأسه السَّنْجَقُ في الإقامة، وأوّل من أمر الأجناد أن يركبوا بالسيف في أوساطهم، والدبّوس تحت رُكَبِهم، ومدرسته من أحسن المدارس، وَقَفَها عَلَى الشّافعيَّة والحنفيَّة، وبنى أيضًا رِباطًا للصُّوفيَّة، وقد وَصَلَ الحَيْصَ بَيْصَ بألف دينار، سوى الخِلَع عَلَى قصيدته الرّائيَّة، قاله ابن الأثير. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
331 - أمير ميران بن أتابك زنْكي بْن أقْسُنْقُر التُّركيّ، [المتوفى: 560 هـ]
أَخو السّلطان نور الدِّين. كان شجاعًا مِقْدامًا. مرض صاحب الشَّام نور الدِّين أخوه، فكاتب هُوَ الأمراء ليملِّكُوه، فَلَمّا عُوفي نور الدِّين سار إليه، وأخذ منه حرّان بعد الخمسين وطرده، فمضى إلى صاحب الروم، وجيَّش الجيوش في العام الماضي، وكان نور الدين نازلا على رأس الماء، فالتقوا فكسره نور الدين، وقتل في الوقعة جماعة منهم ابن الداية الأمير، ورد أمير ميران إلى صاحب حصن كيفا، ثُمَّ اصطلح هُوَ وأخوه، وأصابه سَهْمٌ فِي عينه على بانياس فقتله، ومات منه بدمشق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
212 - مودود بن أتابك زنكي أقْسُنْقُر، الملك قُطْب الدّين صاحب المَوْصِل المعروف بالأعرج، [المتوفى: 565 هـ]
أخو السّلطان نور الدّين تملّك المَوْصِل بعد أخيه الأكبر سيف الدّين غازي. قَالَ ابن خَلِّكَان: وكان قُطْب الدّين حَسَن السّيرة، عادلًا في حكمه، وفي أيّامه عظُم الوزير مُحَمَّد الإصبهانيّ المعروف بالجواد، وهو الَّذِي قبض عَلَيْهِ. وكان مدبّر دولته الأمير زين الدّين عَلِيّ والد الملك مظفَّر الدّين صاحب إِربِل. تُوُفّي فِي شوّال بالمَوْصِل، وله نيِّفٌ وأربعون سنة، وخلّف عدَّة أولاد، منهم السّلطان عزّ الدّين مَسْعُود، والسّلطان سيف الدّين غازي صاحب المَوْصِل بعد أَبِيهِ. قَالَ ابن الأثير: كَانَ ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا. وكان فخر الدّين عَبْد المسيح الخَصِيّ هُوَ المدبر للأمور والحاكم فِي الدّولة. قَالَ: وكان قُطْب الدّين من أحسن الملوك سيرةً، وأعفِّهم عن أموال رعيته، محسنًا إليه، كثير الإنْعام عليهم، محبوبًا إلى كبيرهم وصغيرهم، كريم الأخلاق، حَسَن الصُّحْبة لهم، جَمَّ المناقب، وقليل المعايب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
340 - محمود ابن قسيم الدولة أَبِي سَعِيد زنكي بْن أقْسُنْقُر التّركيّ، الملك العادل نور الدِّين، ناصر أمير المؤمنين، أَبُو القاسم. [المتوفى: 569 هـ]
قَالَ ابن عساكر: كَانَ أقْسُنْقُر قد ولي نيابة حلب للسّلطان ملك شاه بْن ألب رسلان، ووُلّي غيرها من بلاد الشّام. ونشأ قسيم الدَّولة زنكي بالعراق، وندبه السُّلطان محمود بْن مُحَمَّد بْن مِلكْشاه بْن ألْب رسلان برأي الخليفة المسترشد بالله لولاية المَوْصِل، وديار بَكْر، والبلاد الشّاميَّة، بعد قتل أقْسُنْقُر البُرْسُقيّ، وموت ابنه مسعود. وظهرت كفاية زنكي، وعُرِفت شهامته وثَبَاته عند ظهور ملك الروم، ونزوله عَلَى شَيْزَر، حَتَّى رجع إلى بلاده خائبًا. وقد حاصر ابن قسيم الدَّولة زنكي دمشقَ مرّتين، فلم يفتحها، وافتتح الرُّهَا، والمَعَرَّة، وكَفَرْطاب وغيرها من أيدي الكُفّار، وتُوُفّي. وقام مقامه فِي ولاية الشّام ابنه الملك نور الدِّين. وُلِدَ فِي شوَّال سَنَة إحدى عشرة وخمسمائة، ودخل قلعة حلب بعد قتل والده عَلَى جعبر في ربيع الآخر سَنَة إحدى وأربعين، فخلع عَلَى الأمراء. قلت: تملَّك ولَهُ ثلاثون سَنَة. وكان أعدل ملوك زمانه بالإجماع، وأكثرهم جهادًا، وأحرصهم عَلَى الخير، وأَدْيَنَهم وأَتْقَاهم لله. قَالَ ابن عساكر: ظهر منه بذل الاجتهاد فِي قيام الجهاد، وخرج من -[425]- حلب غازيًا فِي أعمال تلّ باشِر، فافتتح حصونًا كثيرة، وقلعة أفامية، وحصن البارَة، وقلعة الراوندان، وقلعة تل خالد، وحصن كفرلاثا، وحصن بسرفوت بجبل بني عُلَيْم، وقلعة عزاز، وتلّ باشِر، ودُلُوك، ومَرْعَش، وقلعة عين تَاب، ونهر الجوز. وغزا حصن إنَّب، فقصده الإبْرِنْس صاحب أنطاكية، فواقعه، فكسره نور الدِّين وقتله، وقتل ثلاثة آلاف إفْرنجي، وبقي لَهُ ولدٌ صغيرٌ مَعَ أمّه بأنطاكية، فتزوّجت بإبْرِنْسٍ آخر، فخرج نور الدِّين فِي بعض غزواته فأسر الإبْرِنْس الآخر، وتملك أنطاكية ابنُه، وباعه نور الدِّين نفسَه بمالٍ عظيم. قَالَ: وأظهر السُّنَّة بحلب، وغيَّر البدعة التي كانت لهم فِي التّأذين، وقمع الرّافضة، وبنى بها المدارس، وأقام العدل. وحاصر دمشق مرَّتين، ثُمَّ قصدها الثالثة. وقد كان صالح معين الدين أنر نائب صاحبها، وصاهره، واجتمعت كلمتهما على العدو، فسلَّم أهل دمشق إِلَيْهِ البلد لغلاء الأسعار، وللخوف من العدوّ، فتملّكها وسكنها، وحصّن سورها، وبنى بها المدارس والمساجد، ووسّع أسواقها، ورفع عَنِ النَّاس الأَثقال، ومنع مِنْ أخذ ما كَانَ يؤخذ منهم من المغارم بدار بِطّيخ وسوق الغَنَم. وضمان النّهر والكَيّالة، وأبطل الخمر. وأخذ من الفِرَنج ثغر بانياس، والمُنَيْطِرة. وكان فِي الحرب رابط الجأش، ثابت القَدَم، حَسَن الرَّمْي. وكان يتعرَّض بنفسه للشّهادة، فلقد حكى عَنْهُ كاتبه أبو اليُسْر شاكر بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ سمعه يسأل اللَّه أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير، فالله يقي مهجته من الأسواء. فلقد أحسن إلى العلماء وأكرمهم، وبنى دُور العدل، وحضرها بنفسه أكثر الأوقات، ووقف عَلَى المرضى، وأَدَرَّ عَلَى الضُّعفاء والأيتام وعلى المجاورين، وأمر بإكمال سور مدينة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستخراج العين الّتي بأُحُد، وكانت قد دفنتها السيول. وفتح سبيل الحجّ من الشّام، وعمّر الرُّبَط والخوانق، والبيمارستانات فِي بلاده، وبنى الجسور والطُّرُق والخانات، ونصَّبَ مؤدبين للأيتام. وكذلك صنع لما ملك سنجار، وحران، والرقة، والرها، ومنبج، وشيزر، وحماه، وحمص، وصَرْخَد، وبَعْلَبَكّ، وتَدمُر. ووقف كُتُبًا كثيرة عَلَى أهل العِلْم، وكسر الفِرَنج والأرمن عَلَى حارِم هُوَ وأخوه قطب الدِّين فِي عسكر الموصل، وكان العدو ثلاثين ألفا، فلم يفلت منهم إِلَّا القليل. وقبلها كسر الفِرَنج عَلَى بانياس. -[426]- قَالَ سِبْط الْجَوْزيّ: سبب أخْذ نور الدِّين دمشقَ ما ظهر من صاحبها مُجير الدِّين من الظُّلْم ومصادرات أهلها، وقبْضة عَلَى جماعةٍ من الأعيان، واستدعى زين الدولة ابن الصُّوفيّ الَّذِي ولّاه رياسة دمشق لَمّا أخرج أخاه وجيه الدَّولة منها، فقتله فِي القلعة، ونهب داره، وأحرق دُور بني الصُّوفيّ، ونهب أموالهم. وتواترت مكاتباته للفرنج يستنجد بهم ويُطْمعهم فِي البلاد، وأعطاهم بانياس، فكانوا يشنُّون الغارات إلى باب دمشق، فيقتلون ويأسرون. وجعل للفِرَنج عَلَى أهل دمشق قطيعةً، فكاتب أهل دولته نور الدِّين، فأخذ نور الدِّين معه فِي الملاطفة والود، وخاف إن شدد عَلَيْهِ أن يستعين بالفِرَنج، ولم يزل إلى أن تسلّم دمشق. قَالَ ابن عساكر: وقد كَانَ شاور السَّعْديّ أمير الجيوش بمصر وصل إلى جنابه مستجيرًا به لما عاين الذعر، فأكرمه وأكرم مورده واحترمه، وبعث معه جيشًا ليرده إلى درجته، فوصلوا معه، وقتلوا خصمه، ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته، واستجاش بجيش الفرنج طلبا لبقائه في مرتبته ثم وجه إليه بعد ذلك جيشا آخر فأصرّ عَلَى المشاققة وكابر، واستنجد بالعدوّ المخذول، فأنجدوه، وضمِن لهم الأموالَ العظيمة، فرجع عسكر نور الدين إلى الشام، فحدَّث صاحب الفرنج نفسَه بأخْذ مصر، فتوجَّه إليها بعد سنتين لينتهز الفرصة، فأخذ بَلبيس، وخيَّم بعَرَصَة مصر، فلمّا بلغ نورَ الدِّين ذَلِكَ، بذل جهده فِي توجيه الجيش إليها، فلمّا سَمِعَ العدوّ بمجيء جيشه رجعوا، وأمِن أهلُ مصر بقدوم الجيش وانتعشوا، واطُّلِع من شاور عَلَى المخامرة، وأنّه أنفذ يراسل العدوّ ليردَّهم إلى مصر، ويدفع بهم الجيش، فلمّا عرف غدْره تمارض أسد الدِّين، فجاء شاور يعوده، فوثب جورديك وبُزْغُش النُّوريّان فقتلاه، وأراح اللَّه منه، وصفى الأمر لأسد الدِّين، وتملّك وحُمِدت سيرته، وظهرت السُّنَّة بمصر. وكان حَسَن الخطّ، حريصًا عَلَى تحصيل الكُتُب الصِّحاح والسُّنَن، كثير المطالعة للفِقه، والحديث، مواظبًا عَلَى الصَّلَوات فِي جماعةٍ، كثير التِّلاوة، -[427]- والصِّيَام، والتّسبيح، عفيفًا، متحرّيًا فِي المطعم والمشرب، عُرْيًا عَن التَّكَبُّر. وكان ذا عقل متين ورأي رصين، مقْتديًا بسيرة السَّلَف، مُتَشَبِّهًا بالعلماء والصُّلحاء، روى الحديث وأسمعه بالإجازة، وكان من رآه شاهَدَ من جلال السّلطنة وهَيْبة المُلك ما يُبْهِره، فإذا فاوضه رَأَى من لطافته وتواضعه ما يُحيِّره، ولقد حكى عَنْهُ مَن صَحِبَه فِي حَضَره وسَفَره أَنَّهُ لم يسمع منه كلمةَ فحش في رضاه ولا في ضَجَره، وإنَّ أشهى ما إِلَيْهِ كلمةُ حقٍّ يسمعها، أو إرشاد إلى سُنَّة يتَّبِعُها، يؤاخي الصّالحين ويزورهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوَّج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم. ومتى تكرَّرت الشِّكاية من وُلاته عَزَلهم. وأكثر ما أخذه من البلدان تسلّمه بالأمان. وكان كُلَّما فتح اللَّه عَلَيْهِ فتحًا، وزاده ولايةَ، أسقط عَنْ رعيّته قسْطًا، حَتَّى ارتفعت عَنْهُمُ الظُّلامات والمُكُوس، واتَّضعت فِي جميع ولايته الغرامات والنحوس. وقال أبو الفرج ابن الْجَوْزيّ: نور الدِّين وليَ الشّامَ سِنين، وجاهد الثّغور، وانتزع من أيدي الكُفَّار نيِّفًا وخمسين مدينة وحصْنًا، وبنى مارستانًا فِي الشّام، فأنفق عَلَيْهِ مالًا، وبنى بالمَوْصِل جامعًا غرِم عَلَيْهِ سبعين ألف دينار؛ ثُمَّ أثنى عَلَيْهِ. وقال: كان يتدين بطاعة الخلافة، وترْك المُكُوس قبل موته؛ وبعث جُنودًا فتحوا مصر. وكان يميل إلى التَّواضُع، ومحبَّة العلماء والصُّلَحاء، وكاتَبَني مِرارًا. وأحْلَفَ الأمراءَ عَلَى طاعة ولده بعده، وعاهد ملك الفرنج، صاحب طَرَابُلُسَ، وقد كَانَ فِي قبضته أسيرًا، عَلَى أن يطلقه بثلاثمائة ألف دينار وخمسمائة حصان، وخمسمائة زردية، ومثلها تراس إفرنجية، ومثلها قنطوريات، وخمسمائة أسيرٍ مسلمين، وبأنّه لا يُغير عَلَى بلاد المسلمين سبْع سِنين وسبعة أشهر وسبعة أيّام. وأخذ منه فِي قبضته عَلَى الوفاء بذلك مائة من كبار أولاد الفرنج وبطارقتهم، فإن نكث أراق دماءهم. وعزم عَلَى فتح بيت المقدس، فتُوُفّي فِي شوَّال. وكانت ولايته ثمانيًا وعشرين سَنَة. وقال المُوفَّق عَبْد اللّطيف: كَانَ نور الدِّين لم ينشف لَهُ لبدٌ من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة، ويعمل أغلافًا تارةً، ويلبس الصوف، -[428]- ويلازم السَّجّادةَ والمُصْحَف، وعمّر المدارس، وعمّر المارستان بدمشق للمهذّب ابن النّقّاش تلميذ أوحد الزّمان. وكان حنفيًّا، ويُراعي مذهب الشّافعيّ ومالك. وكان ولده الصّالح أحسن أهل زمانه صورةً. ونزل نور الدِّين عَلَى حارِم، فكبستهم الفِرَنج، وهرب جيشه عَلَى الخيل عُرْيًا، وقام هُوَ حافيًا، فركب فَرَس النَّوْبة، وأخذت الفِرَنج الخِيَم بما حَوَت، فلمّا دخل حلبَ غرِم لجميع الْجُنْد ما ذهب، حَتَّى المِخْلَاة والمِقْوَد، وخرج بعد شهرٍ بأتمّ عُدَّة، وكسرهم كسرةً مُبِيدة. ونقل الْحَسَن بْن مُحَمَّد القليوييُّ فِي " تاريخه " قَالَ: لَمّا جاءت الزّلزلة بنى نور الدِّين فِي القلعة بيتًا من خشب كَانَ يبيت فِيهِ، فدُفِن فِي ذَلِكَ البيت، ورثاه جماعة من الشُّعراء، وأخرجت الأمراء ولده مشقوق الثّياب، مجزوز الشَّعْر، وأجلسوه على التَّخْت الباقي من عهد الملك تُتُش، والنّاس حوله يبكون، ثُمَّ حلف لَهُ الأمراء. وقال القاضي ابن خَلِّكان: وسيَّر نور الدِّين الأمير أسد الدِّين شِيَركُوه إلى مصر ثلاثٍ دفعات، ثُمَّ ملكها صلاح الدِّين نيابةً لَهُ، وضرب باسمه السِّكَّة والخُطْبة. قَالَ: وكان زاهدًا، عابدًا، متمسّكًا بالشّريعة، مجاهدًا، كثير البِرّ والأوقاف. وبنى بالمَوْصِل الجامع النّوريّ. ولَهُ من المناقب ما يستغرق الوصف. تُوُفّي فِي حادي عشر شوَّال بقلعة دمشق بالخوانيق، وأشاروا عَلَيْهِ بالفصد فامتنع، وكان مهيبًا، فما روجع، وكان أسمر طويلًا، حَسَن الصّورة، لَيْسَ بوجهه شَعْر سوى حَنَكه. وعُهِد بالمُلك إلى ولده الملك الصّالح إِسْمَاعِيل، وهُوَ ابن إحدى عشرة سَنَة. وقال ابن الأثير: حكى لي الطّبيب قَالَ: استدعاني نور الدِّين مَعَ غيري، فدخلنا عَلَيْهِ، وقد تمكّنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك، ولا يكاد يُسمع صوتُه، فقلت: ينبغي أن ينتقل إلى موضعٍ فسيحٍ مضيء، فله أثر في هذا -[429]- المرض. وأشرنا بالفَصْد، فقال: ابن ستّين سَنَة لا يفتصِد. وامتنع منه، فعالجناه بغيره، فلم ينجع. وقال ابن الأثير: كَانَ أسمر طويلًا، لَيْسَ لَهُ لحية إِلَّا في حَنَكه. وكان واسع الجبهة، حَسَن الصّورة، حُلْو العينين، قد طالعت السِّيَر، فلم أر فيها بعد الخلفاء الرّاشدين وعُمَر بْن عَبْد العزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحرّيًا منه للعدل. وكان لا يأكل، ولا يلبس، ولا يتصرّف فِي الَّذِي يخصّه إِلَّا من مُلْكٍ كَانَ لَهُ قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المُرْصَدَة لمصالح المسلمين. ولقد طلبَتْ منه زوجته فأعطاها ثلاثة دكاكين بحمص كراؤها نحو عشرين دينارًا في السّنة، فاستقلَّتها فقال: لَيْسَ لي إِلَّا هذا، وجميع ما بيدي أَنَا فِيهِ خازن للمسلمين. وكان رحمه اللَّه يصلّي كثيرًا بالّليل. وكان عارِفًا بالفقه عَلَى مذهب أَبِي حنيفة، ولم يترك فِي بلاده عَلَى سَعتِها مُكْسًا. إلى أن قَالَ فِي أوقافه عَلَى أنواع البِرّ: سَمِعْتُ أنّ حاصل وقْفه فِي الشّهر تسعة آلاف دينار صوريّ. قال له القطب النيسابوري مرة: بالله لا تُخَاطِرْ بنفسك، فإنْ أُصِبتَ فِي معركةٍ لا يبقي للمسلمين أحدٌ إِلَّا أخذه السّيف. فقال: ومن محمود حتى يقال هذا؟ مَن حفظ البلاد قبلي؟ ذَلِكَ اللَّه الَّذِي لا إله إِلَّا هُوَ. وقال يحيى بْن مُحَمَّد الوهْرانيّ، وذكر نور الدِّين: هُوَ سهم للدّولة سديد، ورُكنٌ للخلافة شديد، وأميرٌ زاهد، وملك مجاهد، تساعده الأفلاك، وتعضدُه الجيوشُ والأملاك، غير أَنَّهُ عرف بالمرعى الوكيل لابن السبيل، وبالمحل الجديب للشاعر الأديب، فما يُرزّى ولا يُعزّى، ولا لشاعرٍ عنده نعمةٌ تجزي. وإيّاه عني أُسامة بْن منقذ بقوله: سلطانُنا زاهدٌ والنّاس قد زَهِدُوا ... لَهُ فكلٌّ عَن الخيراتِ مُنْكمِش أيَّامُه مثلُ شهر الصَّوم طاهرةٌ ... من المعاصي وفيها الجوعُ والعَطَشُ قلت: وفي كتاب " البرق الشّاميّ " وغيره من مصنَّفات العماد الكاتب كثيرٌ من سِيرة نور الدِّين وأخباره. وقد عُنيَ الْإِمَام أَبُو شامة فِي كتاب " الروضتين " لَهُ بأخبار الدّولتين النُّورّية والصلاحية. -[430]- ودُفِن نور الدِّين بتُربته عَلَى باب الخوّاصين رحمه اللَّه، وعاش ابنه عشرين سَنَة، ومات بالقولنج في حلب. وقال مجد الدِّين ابن الأثير الْجَزَريّ، فِي " تاريخ الموصل " على ما حكاه أبو المظفر ابن الْجَوْزيّ عَنْهُ، قَالَ: لم يلبس حريرًا قطّ، ولا ذهبًا ولا فضة، ومنع من بيع الخمر فِي بلاده. قلت: قد لبس خلْعة الخليفة وهي من حرير وطَوْق ذهب، فلعلّه أراد أَنَّهُ لا بُدّ من لبْس ذَلِكَ. قَالَ: وكان كثير الصّيام، ولَهُ أوراد فِي اللّيل والنّهار، كثير اللَّعِب بالكُرة، فكتب إِلَيْهِ بعض الصّالحين يُنْكِر عَلَيْهِ، ويقول: تُتْعِب الخيلَ فِي غير فائدة، فكتب إِلَيْهِ بخطّه: واللهِ ما أقصد اللَّعِبَ، وإنّما نَحْنُ فِي ثغرٍ، فرُبَّما وقع الصُّوت، فتكون الخيلُ قد أدمنت عَلَى سُرعة الانعطاف بالكَرّ والفَرّ. وأُهْدَيَت لَهُ عمامه مذهَّبة من مصر، فوهبها لشيخ الصُّوفية ابن حَمُّوَيْه، فبعث بها إلى العجم، فأُبيعت بألف دينار. قَالَ: وكان عارفًا بمذهب أَبِي حنيفة، وليس عنده تعصُّب، والمذاهب عنده سواء. قَالَ: وكان يلعب يومًا في ديوان دمشق، وجاءه رَجُلٌ فطلبه إلى الشَّرْع، فجاء معه إلى مجلس القاضي كمال الدِّين الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك لا تنزعِجْ، واسلْك معه ما تسلك مَعَ آحاد النَّاس. فلمّا حضر سوّى بينه وبين خصْمه وتحاكما، فلم يثبت للرّجل عَلَيْهِ حقّ، وكان يدّعي مُلْكًا فِي يد نور الدِّين، فقال نور الدِّين: هَلْ ثبت لَهُ حقّ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فاشهدوا أنّي قد وهبت لَهُ المِلْك، وإنّما حضرت معه لئلّا يُقال عنّي أنّي دُعيت إلى مجلس الشَّرع فأَبَيْت. قَالَ: ودخل يومًا فرأى مالًا كثيرًا، فقالوا: بعث بهذا القاضي كمال الدِّين من قابض الأوقاف. فقال: رُدُّوه، وقولوا لَهُ: أَنَا رقبتي رقيقة، لا أقدر عَلَى حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة تقدر عَلَى حمله. ولَمّا قَدِمَ أمراؤه دمشق -[431]- اقتنوا الأملاك، واستطالوا عَلَى النَّاس، خصوصًا أسد الدِّين شِيرَكُوه، ولم يقدر القاضي عَلَى الانتصاف من شِيرَكُوه، فأمر نور الدِّين ببناء دار العدل، فقال شِيرَكُوه: إنّ نور الدِّين ما بنى هذه الدّار إِلَّا بسببي، وإلا فمن يمتنع عَلَى كمال الدِّين؟. وقال لديوانه: واللهِ لئن أُحضِرتُ إلى دار العدل بسببٍ واحد منكم لأصلبنَّه، فإنّ كَانَ بينكم وبين أحدٍ منازعةٌ فأرضوه بمهما أمكن، ولو أتى على جميع مالي. وكان نور الدِّين يقعد فِي دار العدل فِي الأسبوع أربع مرات، ويحضر عنده الفقهاء والعلماء، ويأمر بإزالة الحاجب والبوّابين. قَالَ: وكان إذا حضرت الحربُ حمل قوسين وتركشَيْن، وكان لا يتّكل الْجُنْد عَلَى الأمراء، بل يتولاهم بنفسه، ويُباشر خيولهم وسلاحهم. قَالَ: وأنفق على عمارة جامع الموصل ستّين ألف دينار، وفوّض عمارته إلى الشَّيْخ عُمَر المُلّا الزّاهد. قَالَ: ويُقال: أنفق عَلَيْهِ ثلاثمائة ألف دينار، فتمّ فِي ثلاثٍ سِنين. وبنى جامع حماه عَلَى العاصي. قَالَ: ووقع فِي أسْره ملك إفرنجيّ، فأشار الأمراء ببقائه فِي أسره خوفًا من شرِّه، وبذل هُوَ فِي نفسه مالًا. فبعث إِلَيْهِ نور الدِّين سرًّا يقول: أحضر المال، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار، فأطلقه، فعند وصوله إلى مأمنه مات، فطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال: ما تستحقون منه شيئًا؛ لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع اللَّه لي الحُسْنَيَيْن: الفداء، وموت اللّعين، وخلاص المسلمين منه. فبنى بذلك المال المارستان، والمدرسة بدمشق، ودار الحديث. قَالَ: وما كَانَ أحدٌ من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هَيْبته، فإذا دخل عَلَيْهِ فقيرٌ أو عالم أو رب خرقة قام ومشى إِلَيْهِ وأجلسه إلى جانبه، ويُعطيهم الأموال، فإذا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ يَقُولُ: هَؤُلَاءِ لهم حقٌّ فِي بيت المال، فإذا قنعوا منّا ببعضه فلهم المِنَّة علينا. وقال العماد الكاتب فِي " البرق الشّاميّ ": أكَثَر نور الدِّين فِي السَّنة الّتي تُوُفّي فيها من الصَّدقات، والأوقاف، وعمارة المساجد، وأسقط كلَّ ما فِيهِ حرام، فما أبقى سوى الجزْية والخراج، وما يحصل من قسمة الغَلَّات عَلَى قويم المنهاج، وأمرني بكتابة مناشير لجميع أهل البلاد، فكتبت أكثر من ألف -[432]- منشور، وحَسَبْنا ما تصدَّق بِهِ فِي تِلْكَ الشّهور، فكان ثلاثين ألف دينار. وكان لَهُ برسم نفقته الخاصَّة فِي كلّ شهرٍ من الجزية ما يبلغ ألفي قِرْطاس، يصرفها فِي كسوته ومأكوله، وأجرة خياطه، وجامكيَّة طبّاخة، ويستفضل منها ما يتصدَّق بِهِ فِي آخر الشّهر. وقيل إنّ قيمة كلّ ستّين قرطاسًا بدينار. وذكر العماد جملةً من فضائله. وقال فِي ترجمته القاضي ابنُ واصل: حكى مَعِين الدِّين مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن خَالِد بْن محمد ابن القَيْسرانيّ قَالَ: انكسر عَلَى ضامن الزّكاة مالٌ، وهُوَ ابن شمّام، فباع أملاكه بثمانية آلاف دينار صوريَّة وحملها، فحُبِس عَلَى ما بقي عَلَيْهِ، وكان جدّي خَالِد هُوَ الوزير والمشير، فقال لنور الدِّين: رَأَيْت البارحة كأنّ المولى قد نزع ثيابه ودفعها إليَّ، وقال: اغسِلْها. فأخذتُها وغسّلتها. فأطرق وسكت، فندِمت وخفْت أن يكون تطيَّر منِّي، فخرجت وأنا ضيق الصَّدر، فبقيت ثمانية أيّام لم يطلبني، فساء ظنيّ، فدخل عَلَى نور الدِّين الشَّيْخ إِسْمَاعِيل المكبس، وكان يحبّه، فقال: يا مولانا قد حضر مَن زاد فِي دار الزّكاة خمسة آلاف دينار فِي السّنة، فانتهره وقال: قد أصبحت عَلَى سجّادتي بعد أداء فريضتي أذكر اللَّه، واستفتحتَ أنت تبشّرني بمُكْسٍ. فوجم الشَّيْخ إِسْمَاعِيل، ثُمَّ قَالَ: اطلبوا خالدًا. قَالَ: فحضرت، فتبسَّم وقال: قد تفسَّر منامك. فقلت: بخيرٍ إن شاء اللَّه. فقال: لا تظنّ أنّ تَرْكي لك لموجدة، بل كنت مفكّرًا فِي المنام حَتَّى فتح اللَّه بتأويله. اعلم أنّ غسْل الثياب غسْل أوساخِ الذُّنوب، ولا ذَنب أوسَخَ مِن تناول أموال المُكُوس. فلا تترك من يومنا هذا فِي بلدٍ من بلادي مُكْسًا، ولا دِرْهمًا حرامًا، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلَّدَةً فِي البلاد. والتفت إلى إسماعيل فقال: مر أطلق ابن شمّام، ورُدَّ عَلَيْهِ ما أُخِذ منه. فلمّا عرف ابن شَمّام بذلك، اقترح بأن يجعل الذَّهَب فِي أطباق، وتُزَفّ بالطُّبول والبُوقات فِي الأسواق. فأمر نور الدِّين بإجابته، وأن يُخلَع عَلَيْهِ. وكتب جدّي خَالِد بذلك تواقيع ونسختُها كلَّها: " الحمد لله فاتح أَبُواب الخيرات بعد إغلاقها، وناهج سُبُل النّجاة لطُلّابها وطُرّاقها، وفارج الكُرُبات بعد إرتاجها -[433]- وإطْباقها، الَّذِي منح أولياءه التّوفيق، وأوضح لهم دليله، ونصر أهل الحقّ، وأعان قبيله، نحمده عَلَى جزيل مواهبه، وجليل رغائبه، ونسأله أن يُصلّي عَلَى مُحَمَّد الَّذِي أوضح الطّريق والمَحجَّة، وأوجب الحُجَّة، وعلى آله "، إلى أن قَالَ: " وبعد، فقد اتّضح عَلَى الأَفْهام، ووضح عند الخاصّ والعامّ، ما نغاديه ونراوحه، ونُماسيه ونُصابحه، ونشتغل به عامة أوقاتنا، ونعمل فيه رؤيتنا وأفكارنا من الاجتهاد فِي إحياء سنَّةٍ حَسَنة، وإماتة سُنَّة سيّئة، وإزالة مَظْلِمة، ومحو سِيرةٍ مؤلمة "، إلى أن قَالَ: " وقد علمتم معاشرَ الرعايا وفَّقكم اللَّه، ما كَانَ مُرَتَّبًا من المظالم المجحِفَة بأحوالكم، والمُكُوس المستولية عَلَى شطْر أموالكم، والرُّسوم المضيقة عليكم فِي أرزاقكم، فأمرْنا بإزالة ذَلِكَ عنكم أوّلًا فأوّلًا، ولا نتبع فِي إقراره عَلَى وجوهه شُبْهة ولا تأوُّلًا، وقد كَانَ بقي من رسم الظُّلم ومعالم الجور في سائر ولايتنا ما أقررنا بإزالته رأفة بكم ولُطْفًا، " الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا "، وسنذكر ما أزلناه من المظالم والمُكوس أوّلًا وآخرًا من سائر أعمال ولايتنا - عمّرها الدَّهْر - فِي هذا السِّجِلّ من الدّيوان ". قَالَ: ثُمَّ كتب بقلم دقيقٍ ما صورته: " ذِكْر ما أُطْلِق مِنَ الرسوم والمكوس والضّرائب فِي هذا التّاريخ، ورسْم إطلاق ذَلِكَ وتعفية آثاره، وإخماد ناره، ومبلغ ما يتحصل من ذلك في كل سنة خمسمائة ألف وستة وثمانون ألفًا وأربعمائة وسبعون دينارًا نقد الشام. فمن ذَلِكَ دمشق بتواريخ متقدّمة: مائتا ألف وعشرون ألفًا وخمسمائة وثلاثة وثمانون دينارًا. دمشق فِي تاريخ هذا الكتاب: خمسون ألفًا وسبعمائة وثلاثون دينارًا، تدمر: خمسمائة دينار، صرخد: سبعمائة، القريتين والسخنة: خمسمائة دينار، بانياس: ألف ومائتا دينار، بَعْلَبَكّ وأعمالها: ستة آلاف وتسعمائة وعشرون دينارًا، حمص وأعمالها: ستَّة وعشرون ألف دينار ونيف، حماه وأعمالها: ستَّة وعشرون ألف دينار ونيّف، حلب: ستة وتسعون ألف دينار ونيف، سرمين: ألفان وثلاثمائة وستّون دينارًا، المَعَرَّة: سبعة آلاف دينار، كَفَرْطاب: ألف دينار، عزاز: ستة آلاف وخمسمائة دينار، تل باشر: ألف وخمسمائة دينار، عين تاب: تسعة وثمانون دينارًا، بالِس: أربعة آلاف دينار، مَنْبِج وأعمالها: ثمانية عشر ألفًا وخمسمائة وستَّة وستّون دينارًا، الباب وبزاعة: ثلاثة آلاف دينار، قلعة نجم: ثلاثمائة دينار، قلعة جَعْبَر: سبعة آلاف -[434]- وستمائة دينار ونيف، الرقة: ستة وعشرون ألف دينار ونيف، والرها: ثمانية آلاف وخمسمائة دينار، حران: ستة عشر ألفًا وستّمائة ونيِّف دينارًا، سِنْجار: سبعة آلاف دينار، المَوْصِل: ثمانية وثلاثون ألف دينار، نصيبِين: عشرة آلاف وأربعمائة دينار، عرابان: خمسة آلاف وسبعمائة دينار، بطامان من أعمال الخابور: مائتان وخمسون دينارًا، الأرسل: سبعمائة وخمسون دينارًا، السّمسمانيَّة: ألف دينار، قرقيسيا: ألف دينار، السلين: مائتا دينار، ماكسين: خمسة آلاف دينار، المَجْدَل: ثلاثة آلاف دينار، الحُصَيْن: ستّمائة دينار ونيِّف، الْجُحَيْشة هِيَ وما قبلها من الخابور: مائتا دينار، المحولية: مائةٌ وثلاثةٌ وستّون دينارًا، الرَّحْبَة: ستة عشر ألفًا وسبعمائة وأربعون دينارًا. ثُمَّ كتب بعد ذَلِكَ بالقلم الجافي: " تحقيقًا للحقّ، وتمحيقًا للباطل، ونشرًا للعدل، وتقديمًا للصّلاح الشّامل، وإيثارًا للثواب الآجل عَلَى الحطام العاجل "، إلى أن قال: " وأيقنوا أنّ ذَلِكَ إنعامٌ مستمرّ عَلَى الدّهور، باق إلى يوم النُّشُور، فـ " كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ "، وسبيل كلّ واقفٍ عَلَى هذا المِثال من الوُلاة والعمّال حذْف ذَلِكَ كلّه، وتَعْفية رسومه، ومحو آثاره وأوزاره، وإطلاقه على الإطلاق، " فمن بدله بعدما سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ الله سميع عليم "، والتوقيع الأعلى حجة لمضمونه ومقتضاه، وكتب بالمشافهة الكريمة شرّفها اللَّه، فِي مُسْتَهَلّ رجب سَنَة سبع وستين وخمسمائة. ومن شجاعته، نقل ابن واصل وغيره أَنَّهُ كَانَ مِن أقوى النَّاس بَدَنًا وقلبًا، وأنّه لم يُرَ عَلَى ظهر فَرَسٍ أشد منه، كأنما خلق عليه لا يتحرَّك. وكان من أحسن النَّاس لعبًا بالكُرَة، تجري الفَرَس ويتناولها من الهواء بيده، ويرميها إلى آخر الميدان، وكان يمسك الجوكان بكم قبائه استهانةً باللّعب، وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركاشَيْن، وباشر القتال بنفسه، وكان يَقُولُ: طالما تعرّضتُ للشّهادة فلم أُدْرِكْها. قلت: قد أدركْتَها عَلَى فراشك، وبقي ذَلِكَ فِي أفواه المسلمين تراهم يقولون: نور الدِّين الشّهيد، وما شهادته إِلَّا بالخوانيق، رحمه اللَّه. -[435]- ومن فضائله، قَالَ سِبْط ابن الْجَوْزيّ: إنّه كان له عجائز بدمشق وحلب، وكان يخيط الكوافر ويعمل السكاكر وتبيعها له العجائز سرًا، فكان يوم يصوم يفطر عَلَى أثمانها. حكى لي شرف الدِّين يعقوب بْن المعتمد أنّ فِي دارهم سُكْرة عَلَى حرستان من عمل نور الدِّين يتبرّكون بها، وهي باقية إلى سَنَة خمسين وستّمائة. ومنها ما حكاه لي الشَّيْخ أَبُو عُمَر قَالَ: كَانَ نور الدين يزور والدي في المدرسة الصغيرة المجاورة للدَّير، ونور الدِّين بنى هذه المدرسة، والمصنع، والفُرن؛ فجاء لزيارة والدي، وكان فِي سقف المسجد خشبةٌ مكسورة، فقال لَهُ بعض الجماعة: لو جدّدت السَّقْف، فنظر إلى الخشبة وسكت، فلمّا كَانَ من الغد جاء مِعْمارُه ومعه خشبة، فزرقها موضِعَ المكسورة ومضى. فقال لَهُ بعض الحاضرين: فاكرتنا فِي كشْف سقْف. فقال: لا واللهِ، وإنّما هذا الشَّيْخ أَحْمَد رجلٌ صالحٌ، وإنّما أزوره لأنتفع بِهِ، وما أردت أن أُزخرف لَهُ المسجد. ومنها ما حكاه لي نجم الدين الحسن بْن سلام قَالَ: لَمّا ملك الأشرف دمشقَ، وعمّر فِي القلعة مسجد أَبِي الدّرداء، قَالَ لي: يا نَجْمَ الدِّين، كيف ترى هذا المسجد؟ قد عمّرتُه وأفردتُه عَن الدُّور، وما صلّى فِيهِ أحدٌ من زمان أَبِي الدّرداء. فقلت: اللَّه اللَّه يا مولانا، ما زال نور الدِّين منذ ملك دمشقَ يصلّي فِيهِ الصَّلَوات الخمس. حدَّثني والدي، وكان من أكابر عُدُول دمشق، أنّ الفِرَنج لَمّا نزلت عَلَى دِمْياط بعد موت أسد الدِّين، وضايقوها، أشرفت عَلَى الأَخْذ، فأقام نور الدِّين عشرين يومًا صائمًا، لا يُفطر إِلَّا عَلَى الماء، فضعُف وكاد يتلف، وكان مَهِيبًا لا يتجاسر أحدٌ أن يُخاطبه فِي ذَلِكَ، وكان لَهُ إمامٌ ضريرٌ اسمه يحيى، وكان يقرأ عَلَيْهِ القرآن، فاجتمع إليه خواص نور الدين، فكلموه فِي ذَلِكَ، فلمّا كَانَ تِلْكَ اللّيلة رَأَى الشَّيْخ يحيى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ يَقُولُ لَهُ: يا يحيى بِشِّر نورَ الدِّين برحيل الفِرَنْج عَنْ دِمياط. فقلت: يا رسول اللَّه، ربّما لا يصدِّقني! فقال: -[436]- قُلْ لَهُ: بعلامة يوم حارِم. قَالَ: وانتبه يحيى، فلمّا صلّى نور الدِّين خلْفَه الفجْرَ، وشرع يدعو، هابه أن يكلّمه، فقال لَهُ نور الدِّين: يا يحيى. قَالَ: لَبَّيْكَ. قَالَ: تحدِّثْني أو أحدّثْك؟ فارتعد يحيى وخرِس، فقال: أَنَا أحدّثك، رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هذه اللّيلة، وقال لك: كذا وكذا. قَالَ: نعم، فباللهِ يا مولانا، ما معنى قوله: بعلامة يوم حارِم؟ قَالَ: لَمّا التقينا خفتُ عَلَى الْإِسْلَام، فانفردت ونزلت، ومرَّغْتِ وجهي عَلَى التّراب، وقلت: يا سيّدي، مَن محمود فِي البَيْن، الدِّين دِينُك، والْجُنْد جُنْدُك، وهذا اليوم هُوَ، فافعلْ ما يليق بكَرَمِك. قال: فنصرنا الله عليهم. وحكى لنا شيخنا تاج الدِّين الكِنْديّ قَالَ: ما تبسَّم نور الدِّين إِلَّا نادرًا. حكى لي جماعة من المحدثين أنهم قرؤوا عنده حديث التَّبَسُّم، وكان يرويه، فقالوا لَهُ: تبسم. فقال: لا والله لا أتبسم من غير عجب. وللعماد الكاتب في نور الدين يرثيه: يا ملكًا أيامه لم تزل ... بفضله فاضلة فاخِرَة ملكتَ دنياك وخلّفتها ... وسِرْتَ حَتَّى تملك الآخرة |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
221 - غازي، سيف الدين صاحب الموصل ابْن الملك قُطْب الدين مودود بْن أتابك زنكي بْن أقسنقر التركي. [المتوفى: 576 هـ]
والد سنجر شاه صاحب جزيرة ابْن عُمَر. لما مات أَبُوهُ قُطْب الدين بلغ السلطانَ نورَ الدين الخبر، وهو على تل باشَر، فسار فِي الحال إلى الموصل، وأتى الرقة فِي أول سنة ست وستين فملكها، ثم سار إلى نصيبين فمكلها، ثم أخذ سَنْجَار فِي ربيع الآخر، ثم أتى الموصل، وقصد أن لَا يقابلها، فعبر بجيشه من مخاضة بلدٍ ثم نزل قُبَالة الموصل، وأرسل إلى غازي وعرفه صحة قصده، فصالحه. ونزل الموصل ودخلها، وأقر صاحبها فِيهَا، وزوجه بابنته، وعاد إلى الشام، فدخل حلب في -[589]- شعبان من السنة. فلما تملك صلاح الدين وسار إلى حلب وحاصرها، سير إليه غازي جيشًا عَلَيْهِ أخوه عز الدين مَسْعُود، فالتقوا عند قرون حماه، فأنكسر عز الدين. فتجهز غازي وسار بنفسه، فالتقوا على تل السلطان، وهي قرية بين حلب وحماه فِي شوال سنة إحدى وسبعين، فانكسرت ميسرة صلاح الدين بمظفّر الدين ابن زين الدين صاحب إربل، فإنه كان على ميمنة غازي، فحمل السلطان صلاح الدين بنفسه، فأنهزم جيش غازي فعاد إلى حلب، ثم رحل إلى الموصل. ومات بالسل فِي صَفَر. وعاش نحوًا من ثلاثين سنة. قال ابْن الأثير: كان مليح الشباب، تام القامة، أبيض اللون، وكان عاقلًا وقُورًا، قليل الالتفات. لم يُذكر عنه ما ينافي العفة. وكان غيورًا شديد الغيرة، يمنع الخدّام الكبار من دخول الدور، وَلَا يحب الظُّلْم، على شحّ فيه وجبن. قلت: ودار الخمر والزنا ببلاده بعد موت نور الدين، فمقته أهل الخير. وقد تاب قبل موته بيسير، وتملك بعده أخوه مَسْعُود، فبقي ثلاث عشرة سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
370 - مسعود ابن الملك مودود بْن أتابك زنكي بْن آقسُنقُر، السّلطان عز الدّين أَبُو المظفَّر [المتوفى: 589 هـ]
صاحب المَوْصِل. وصل إلى حلب قبل السلطنة مُنجدًا لابن عمّه الصالح إِسْمَاعِيل بْن نور الدين على السلطان الملك الناصر صلاح الدّين، وليُرهب صلاح الدّين، لئلّا يطمع ويقصد المَوْصِل، فانضم إِلَيْهِ عسكر حلب، وسار فِي جمعٍ كثير، فوقع المصاف عَلَى قُرُون حماه، فكسره صلاح الدّين، وأسَر جماعةً من أمرائه فِي سنة سبعين، كَمَا ذكرناه فِي الحوادث. ولما احتضر الصالح أوصى بمملكة حلب لابن عمه عز الدين هذا، فساق إليها، وصعد القلعة، وورث ابن عمه واستولى على الخزائن النورية وتزوج بامرأة الصالح، وعلم أنه لا يمكنه حفظ حلب والموصل، فاستناب بحلب مظفر الدين ابن صاحب إربل، ورجع، فلما وصل إلى الرقة لقيه أخوه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، فقايضه بسنجار وجاء إلى حلب فتملكها. وبلغ السلطان صلاح الدين أن عز الدين مسعود قد راسل الفرنج يحثهم على قتال صلاح الدين، فعلم أنه قد غدر، فقصد حلب والموصل، فنازل حلب في سنة ثمان وسبعين، فأقام عليها ثلاثة أيام. ثم جاءه مظفر الدين ابن صاحب إربل منابذا لعز الدين فقوى عزمه على قصد الجزيرة، فعدا الفرات فأخذ الرها والرقة ونصيبين وسروج واستناب بها. ثم سار فنزل على الموصل وعلم أنه بلد عظيم لا ينال بالمحاصرة، فترحل ونزل على سنجار أياما، فأخذها وأعطاها إلى ابْن أخيه الملك المظفَّر تقي الدين عُمَر، وعاد إلى حران. ثم عاد بعد سنتين إلى منازلة الموصل، فنزلت إليه والدة مسعود وطلبت المصالحة، فردها ظنا أن ذلك عجز من ولدها، واعتذر إليها، ثم ندم بعد. وبذل أهل الموصل جهدهم في القتال لكون صلاح الدين رد المصالحة، فأقام عليها إلى أن بلغته وفاة شاه أرمن صاحب خلاط وقيام مملوكه بكتمر. ثم عجز بكتمر وكاتب صلاح الدين أن يسلم إليه خلاط وأن يعوضه عنها، فقصد خلاط وترك حصار الموصل، فنزل بطوانة، بليدة بقرب خلاط، وراسل بكتمر، وإذا شمس الدين -[888]- بهلوان بن إلدكز صاحب أذربيجان وعراق العجم قد قرب من خلاط قاصدا محاصرتها، فبعث إليه يعرفه بأنه إن لم يرجع عنه وإلا سلم البلد إلى صلاح الدين، فصالحه، فنزل صلاح الدين على ميافارقين، فقاتلها قتالا شديدا، ثم أخذها صلحا بالخديعة، وكان صاحبها قطب الدين إيلغازي بن ألبي الأرتقي، فمات وخلف ولده حسام الدين بولق أرسلان وهو صبي، فطمع صلاح الدين وتسلمها بمعاملة من واليها، وأما بكتمر فقويت نفسه بمصاهرته لصاحب أذربيجان. وعاد صلاح الدّين فنازل المَوْصِل ثالثًا، فمرض فِي الحَرّ مرضًا أشفى منه عَلَى الموت، فترحّل إِلَى حَرَّان، فسير صاحب المَوْصِل عز الدّين رسولًا، وَهُوَ القاضي بهاء الدّين يوسف بْن شدّاد إِلَى صلاح الدّين فِي الصُّلْح، فأجاب وحلف لَهُ وَقَدْ تماثل من مرضهِ، ووفى لَهُ إِلَى أن مات. فلم تطُلْ مدة عز الدّين بعد صلاح الدّين، وعاش أشهرًا. وتُوُفّي فِي شعبان فِي التاسع والعشرين منه. قَالَ ابن الأثير: وكان قَدْ بَقِيّ ما يزيد عَلَى عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وتلاوة القرآن، وَإِذَا تكلَّم بغيرها استغفر اللَّه، ثُمّ عاد إِلَى التلاوة، فرُزق خاتمة خير. وكان خير الطَّبْع، كثير الخير والإحسان، يزور الصالحين ويقربهم ويشفعهم. وكان حليمًا حيِّيًّا، لَمْ يكلم جليسه إلا وَهُوَ مُطرق. وكان قَدْ حج، ولبس بمكة خِرْقَةَ التَّصَوُّف. فكان يلبس تِلْكَ الخِرْقة كُلّ ليلة، ويخرج إِلَى مَسْجِد داره، فيصلّي فِيهِ إلى نحو ثلث الليل. وكان رقيق القلب، شَفوقًا عَلَى الرعية. قُلْتُ: ودُفن فِي مدرسته بالموصل، وهي مدرسة كبيرة عَلَى الشافعية والحنفية، وتسلطن بعده ولده نور الدّين إِلَى أن مات عَنْ ولدين وهما: القاهر عز الدّين مَسْعُود، والمَنْصُور عماد الدّين زنكي. وقسم البلاد بينهما، فأعطى القاهر المَوْصِل، وأعطى المنصور قلاعًا. وقد توفي القاهر صاحب الموصل فجاءةً في سنة خمس عشرة وستمائة، ودُفن بمدرسته. وأمّا زنكي فانتقل إِلَى إربل، وتزوَّج بابنة صاحبها مظفَّر الدّين، وكان من -[889]- أحسن النّاس صورة، ثُمّ قبض عليه مظفَّر الدّين لأمور جَرَت، وسيَّره إِلَى الملك الأشرف موسى، ثم أطلقه وعاد. وأُعطي بلد شَهْرَزُور وأعمالها. وتُوُفّي فِي حدود سنة ثلاثين وستمائة، وقام بعده ولده قليلًا ومات. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
186 - زنكي ابن قطب الدين مودود ابن الأتابَك زنْكي بْن آقسُنقُر. الملك عماد الدّين [المتوفى: 594 هـ]
صاحب سِنْجار. كان قد تملّك مدينة حلب بعد وفاة ابن عمه الملك الصّالح إِسْمَاعِيل ابن نور الدّين، ثُمَّ إن الملك النّاصر صلاح الدّين سار إليه وحاصر حلب، ثُمَّ وقع بعد الحصار الاتّفاق على أن يترك حلب ويعوّضه بسنْجار وأعمالها، فسار إليها. ولم يزل ملكها إلى هذا الوقت. وكان يكرم العلماء ويبرُّ الفقراء. وبنى بسنجار مدرسة للحنفية. وكان عاقلا، حسن السيرة. تزوج بابنة عمه نور الدين. وكان الملك صلاح الدين يحترمه ويتحفه بالهدايا. ولم يزل مع صلاح الدين في غزواته وحروبه. توفي في المحرم. -[1017]- قال ابن الأثير: كان بخيلا شديد البخل، لكنه كان عادلا في الرعية، عفيفا عن أموالهم، متواضعًا. ملك بعده ابنه قُطْب الدّين محمد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
301 - سنقر الطويل النّاصريّ. فَلَك الدّين. [المتوفى: 596 هـ]
كان ذا قُرب من الْإِمَام النّاصر. ألْحقه بالزّعماء وجعله من كبار الأمراء، وأقطعه تكريت ودقوقا. -[1072]- توفي في ربيع الأول. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
235 - سنجر شاه بْن غازي بْن مودود بْن زنكي بْن آقسنقر، [المتوفى: 605 هـ]
صاحب الجزيرة العُمرية. قتله ابنُه غازي، وتملَّك الجزيرة، وحلفوا لَهُ، فبقي في السّلطنة يومًا، ثُمَّ وثَبَ عَلَيْهِ خَوَاصُّ أَبِيهِ وقيّدوه، وأقاموا أخاه المَلِك المعظَّم محمدًا، ثُمَّ قتلوا غازيًا؛ قاله أَبُو شامة. وطالت أيامُ المعظَّم. وقال ابنُ الأثير: كان سنجر شاه سيئ السيرةِ مَعَ الرعيَّة والْجُند والحريم والأولاد، وبلغ مِنْ قُبح فِعله مَعَ أولاده أَنَّهُ سجنهم بقلعة، فهرب غازي ولدُه إِلى المَوْصِل، فأكرمه صاحبُها، وقال: اكفِنا شرَّ أبيك ولا تجعل -[112]- كونَك عندنا ذريعة إِلى فتنة، فرَدَّ غازي متنكّرًا، وتسلَّقَ إِلى دار أَبِيهِ، واختفى عند بعض السّراري، وعَلِمَ بِهِ كثير من أهل الدّار، فسترن عَلَيْهِ بُغضًا لأبيه، ثمّ إنّ سنجر شاه شرب بظاهر البلد وغنّوا لَهُ، وعاد آخر النّهار إِلى البلد، وبات عند بعض حظاياه، فدخل الخلاء، فوثب عليه ابنُه، فضربه بسِكّين أربعَ عشرة ضربة ثُمَّ ذبحه، فلو فتح الباب، وطلب الْجُندَ وحَلَّفَهم، لملك البلد، لكنه أمَّن واطمأنّ. وبلغ الخبر في السّرّ أستاذَ الدّار، فطلب الكبارَ، واستحلفهم لمحمود بْن سنجر شاه، وأحضره من قلعة فرح، ثُمَّ دخلوا الدّارَ عَلَى غازي، فمانع عَنْ نفسه فَقُتِلَ، وأُلقي عَلَى بَابُ الدّار، فأكلت منه الكلاب. وتملك معزُّ الدّين محمود، وأخذ كثيرًا من جواري أَبِيهِ، فَغَرّقهن في دجلة. ثُمَّ أخذ ابنُ الأثير يعدّد مخازي سنجر شاه، وقلَّة دينه، ثمّ قتل ولده محمود أخاه مودودًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
332 - أرسلان شاه ابن السُّلطان عزَّ الدين مسعود بن مودود ابن أتابك زنكي بْن آقسنقر، السّلطان المَلِك العادل نور الدّين أَبُو الحارث، [المتوفى: 607 هـ]
صاحب المَوْصِل وابن صاحبها. تملك الموصل ثمان عشرة سنة، وولي الموصل بَعْدَه ابنهُ السّلطان عزّ الدّين مسعود. قَالَ أَبُو المظفّر سِبطُ ابن الجوزيّ: كَانَ ملكًا جَبّارًا سافكًا للدّماء بخيلًا. وقال ابن خَلِّكان: كَانَ ملكًا شهمًا، عارفًا بالأمور، وانتقل إِلى مذهب الشّافعيّ، ولم يكن في بيته شافعيّ سواه. وبنى المدرسة المعروفة بِهِ بالموصل للشّافعيَّة قَلَّ أن توجدّ مدرسة في حُسنها. تُوُفّي في التّاسع والعشرين من رجب. قَالَ أَبُو شامة: وفيها كَانَ إمْلاكُ صاحب المَوْصِلِ نور الدّين أرسلان شاه عَلَى ابنةِ السّلطان المَلِك العادل بقلعة دمشق عَلَى صداق ثلاثين ألف دينار، وكان العقد مع وكيله، ثُمَّ انكشف الأمرُ أَنَّهُ قد مات من أيامٍ بالموصل. وقال ابنُ الأثير: كَانَ مرضُه قد طال، ومزاجُه قد فسد، وكان مدَّةُ ملكه سبعَ عشرة سنة وأحد عشر شهرًا. وكان شهمًا شجاعًا ذا سياسة للرعايا، شديدًا عَلَى أصحابه، فكانوا يخافونه خوفًا شديدًا، وكانت لَهُ همَّة عالية، أعاد ناموسَ البيت الأتابكيّ وحُرمته. سَمِعْتُ مِن أخي أَبِي السّعادات، وكان مِن أكثر الناسِ اختصاصًا بِهِ، يَقُولُ: ما قلتُ لَهُ يومًا في فِعْلِ خَيْرٍ فامتنع منه بل بادر إِلَيْهِ. -[157]- وقال عز الدين ابن الأثير: وكان سريعَ الحركة في طلب المُلْك، إلّا أَنَّهُ لم يكن لَهُ صبرٌ، فلهذا لم يتّسع ملكُه، ولمّا احتضر أمرَ أن يُرتّب في المُلْك ولده المَلِك القاهر مسعود، وأعطى ولَدَهُ عمادَ الدّين زنكي قلعتين، وجعل تدبيرَ مملكتهما إِلى فتاه بدرِ الدّين لؤلؤ. |