|
قُولَنْج [مفرد]: (طب) مرضٌ مِعَوِيّ مؤلم يصعب معه خروج البراز والرِّيح، وسببه التهاب القُولُون.
|
|
(القولنج)مرض معوي مؤلم يصعب مَعَه خُرُوج البرَاز وَالرِّيح وَسَببه التهاب القولون (مَعَ)
|
المصباح المنير للفيّومي
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
بَغُولَن:
بضم الغين، وسكون الواو، وفتح اللام، ونون، قال أبو سعد: وظنّي أنها من قرى نيسابور، منها أبو حامد أحمد بن إبراهيم بن محمد الفقيه الزاهد البغولني من أصحاب أبي حنيفة وشيخهم في عصره، درّس بنيسابور فقه أبي حنيفة نيفا وستين سنة، سمع بنيسابور والعراق، وتوفي في سابع عشر شهر رمضان سنة 383. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
قولنج
قُوْلَنْجٌ, (Msb, * K,) with fet-h to the ل, (Msb,) and sometimes قَوْلِنْجٌ, with kesr to the ل, or thus and قُولِنْجٌ, i. e. with kesr to the ل and with fet-h and damm to the ق, (K,) a foreign word, (TA,) [from the Greek kwlikos The colic;] a certain painful intestinal disease, in which the egress of the feces and wind is attended with difficulty; (K;) a violent griping in the intestine called the colon. (Msb.) |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
خَوْلَنِيّ
صورة كتابية صوتية من خَوْلَاني نسبة إلى خَوْلَان من يدبر أمور أهله ويكفيهم. |
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
القُولَنْجُ، وقَدْ تُكْسَرُ لامُهُ، أو هو مكسورُ اللامِ، ويُفْتَحُ القافُ ويُضَمُّ: مَرَضٌ مِعَوِيُّ مُؤْلِمٌ، يَعْسُرُ معه خُروجُ الثُّفْلِ والرِّيحِ.
|
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
التَّوَلُّنُ: رَفْعُ الصوتِ بالصِياحِ عند المَصائِبِ.
|
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
دَوْلَنَةالجذر: د و ل
مثال: دَوْلَنَة القضيةالرأي: مرفوضةالسبب: لعدم وجود وزن «فَعْلَنَ» في أوزان الأفعال. المعنى: جعل القضية دولية الصواب والرتبة: -دَوْلَنَة القضية [صحيحة] التعليق: رويت ألفاظ كثيرة عن العرب على وزن «فَعْلَن» فعلاً وصفة، حتى قال أبو العلاء المعري في رسالة الملائكة: «ولا أمنع أن يجيء الفعل على» فَعْلَن « ... لأن الاسم إذا جاء على ذلك وجب أن يجيء عليه الفعل، إذ كان الاسم أصلاً، وقد قالوا: ناقة رعشن، وامرأة خلبن»، وقد أقرَّ مجمع اللغة المصري استخدام هذه الصيغة لوجود نظائر لها في القديم، كما في «رَهْبَنَة»، و «بَرْهَنة»، وبناء على ذلك كله فلا مانع من تصحيح الكلمة المرفوضة. |
|
لا ولن
...الجذر: ل ا مثال: دفاعي عن وطني لا ولن أتخلَّى عنهالرأي: مرفوضةالسبب: لأنه لا تنازع في العمل بين الحروف. الصواب والرتبة: -دفاعي عن وطني لا أتخلَّى عنه ولن أتخلَّى عنه [فصيحة]-دفاعي عن وطني لا ولن أتخلَّى عنه [صحيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري الاستعمال المرفوض على أنه من باب تنازع العاملين معمولاً واحدًا، أخذًا برأي البصريين الذي يجعل العمل في المعمول للعامل الثاني مع السعة في تطبيق القاعدة على الحروف. كما يمكن تخريج الاستعمال أيضًا على أنه من قبيل عطف الجملة على الجملة والتقدير كما بالمثال الأول، ويكون حذف الجملة الأولى اختصارًا واستغناء بالثانية عنها. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
لَمْ ولَنْالجذر: ل م
مثال: إِنَّه لمْ ولنْ يُغيِّرَ قَرارَهُالرأي: مرفوضةالسبب: لأنه تنازع في العمل بين الحروف. الصواب والرتبة: -إِنَّه لمْ يُغيِّر قَرارَهُ ولنْ يغيره [فصيحة]-إِنَّه لمْ ولنْ يُغيِّرَ قَرارَهُ [صحيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري الاستعمال المرفوض على أنه من باب تنازع العاملين معمولاً واحدًا، أخذًا برأي البصريين الذي يجعل العمل في المعمول للعامل الثاني مع السعة في تطبيق القاعدة على الحروف. كما يمكن تخريج الاستعمال أيضًا على أنه من قبيل عطف الجملة على الجملة، والتقدير كما بالمثال الأول، ويكون حذف الجملة الأولى اختصارًا واستغناء بالثانية عنها. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
القُولَنْجُ: وجع معوي يعسر مَعَه خُرُوج مَا يخرج بالطبع.
|
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
النمسا
Austria يعود استقرار أعضاء الجماعات اليهودية في النمسا إلى أيام الغزو الروماني. ومع العصور الوسطى، أصبح تاريخ يهود النمسا هو تاريخ يهود فيينا. وتحدَّد ووضع اليهود بوصفهم أقنان بلاط وجماعة وظيفية وسيطة في تلك الآونة شأنهم في هذا شأن كل الجماعات اليهودية في أوربا. وقد أصدر الدوق فريدريك الثاني (عام 1244) ميثاقاً يمنح اليهود مزايا ويحدد حقوقهم كيهود بلاط، وأصبح هذا الميثاق نموذجاً للمواثيق المماثلة في المجر وبوهيميا وسيليزيا وبولندا. ومع صدور الفرمان الذهبي عام 1356، وُضع اليهود تحت حماية الحكام الإمبراطوريين المنتخبين «إليكتورز Electors» ، فأصبح لهم حق فرض الضرائب على أعضاء الجماعات اليهودية وحمايتهم أو طردهم دون تَدخُّل الإمبراطور. وطُرد اليهود جميعاً من النمسا عام 1421، ولكنهم مع هذا لم يختفوا تماماً. سمح فريدريك الثالث (1440 ـ 1493) لليهود بالعودة، ولذا سُمِّي «ملك اليهود» .ولكن ماكسيميليان الأول (1493 ـ 1519) أصدر أمراً بطردهم، وخصوصاً أن بعض المقاطعات وعدت بتعويض الإمبراطور عما سيحيق به من خسائر مالية نتيجة لذلك، وظل هذا هو النمط العام السائد: يُطرَد أعضاء الجماعات اليهودية من بعض المقاطعات فيدخلون غيرها، ثم يُسمَح لهم بالعودة، وهكذا. وفي القرن السابع عشر، ظهر يهود البلاط ومن أهمهم سامسون فرتايمر وصموئيل أوبنهايمر. وظل وضع الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة قائماً ولكن قلقاً، وقد وصفتهم الإمبراطورة ماريا تريزا بأنهم «وباء» وبأنهم «مرابون غشاشون» ، وفرضت عليهم ضرائب ثقيلة. كما أصدرت عام 1744 أمراً بطردهم من بوهيميا حينما انتشرت شائعة بأنهم خانوا النمسا أثناء حربها مع فريدريك الأكبر إمبراطور بروسيا. ولكن السلطات المحلية وجدت أن لليهود نفعاً كبيراً، فتوسطت لإلغاء قرار الطرد، وتم ذلك فعلاً عام 1748. وفي عام 1760، أصدرت ماريا تريزا مرسوماً بأن يرتدي اليهود غير الملتحين شارة اليهود ولكنها منعت تعميد الأطفال بالقوة. ويبدو أن محاولة إصلاح اليهود بدأت في عهدها، فأصدرت أمراً بتيسير عملهم كصباغين وجواهرجية وبائعي ملابس يصنعونها بأنفسهم، وإن كان من الواضح أن هذه هي بعض الحرف التي عملوا فيها نظراً لارتباطها بالوظائف التي تضطلع بها الجماعة الوظيفية الوسيطة. وبدأت المحاولات الجادة لدمج اليهود والقضاء على عزلتهم وخصوصيتهم في عهد جوزيف الثاني الذي أصدر عام 1782 براءة التسامح، وهي من أهم الوثائق في تواريخ الجماعات اليهودية في الغرب والتي تهدف إلى تحويل اليهود إلى عنصر نافع للدولة. وقد مُنح اليهود بالفعل حقوقهم الكاملة عام 1867، فأُتيحت لهم فرص التعليم والحراك الاجتماعي. ثم تصاعد دمج اليهود في المجتمع النمساوي وفي كل أرجاء الإمبراطورية النمساوية المجرية، فاشترك كبار المموِّلين اليهود ومن بينهم أسرة روتشيلد في عملية التصنيع، وانتُخب أعضاء يهود في المجالس النيابية، وأُعيد تنظيم الجماعة اليهودية بحيث أصبح لكل منطقة جماعة يهودية واحدة بغض النظر عن الخلافات الدينية بين أعضائها. ووصلت أعداد كبيرة من يهود اليديشية من المجر وجاليشيا وبكوفينا إلى النمسا، واستوطنوا فيينا التي تزايد عدد سكانها من اليهود لهذا السبب. وقد كان عدد يهود فيينا عام 1846 نحو 3.739، زاد إلى 9.731 عام 1850 وإلى 15.000 عام 1854. وفي عام 1923، كان عددهم 201.513. وساعد هذا الوضع على ظهور الصهيونية التوطينية. وكانت فيينا المدينة التي يعمل فيها هرتزل مؤسِّس الصهيونية، والتي قضى فيها معظم حياته. كما أدَّى تزايد اليهود إلى تزايد معدلات معاداة اليهود، فظهرت أحزاب معادية لليهودية مثل الحزب الاجتماعي المسيحي الذي كان زعيمه كارل ليوجر. ولكن الحكومة اتخذت موقفاً معادياً لهذه الأحزاب. وبعد الحرب العالمية الأولى، كان عدد اليهود 300 ألف منهم 201.011 في فيينا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون الأغلبية في عدة قطاعات استهلاكية، فكانت نسبتهم تتراوح بين 100% و65% من مالكي المصارف والمطاعم وتجارة الخمور والأحذية والفراء والمنسوجات والأخشاب وصناعة الأثاث والصحف وشركات الإعلانات ومحطات الإذاعة وقطاع السينما وصالونات التجميل. وتركزوا كذلك في تجارة البترول والزيوت والقبعات. وكانت النسبة تصل أحياناً إلى 94% (المطاعم) بل إلى 100% (تجارة الخردة) . وتركزوا كذلك في مهن بعينها دون غيرها، فكانوا يشكِّلون 70% من جملة العلماء و51% من جراحي الأسنان والأطباء و23% من أساتذة الجامعة (منهم 45% في كليات الطب) و62% من جملة المحامين و55% من جملة الصاغة. كان هذا هو الوضع الاقتصادي الذي تَحدَّث عنه هرتزل حينما وصف اليهود بأنهم طبقة وسطى ومثقفون، وهو ما يبين جهله الشديد بوضع يهود شرق أوربا أي يهود اليديشية. وقد بيَّن إحصاء عام 1923 أن عدد اليهود في النمسا هو 220.208، أما إحصاء عام 1934 فيبين أن عددهم هو 191.481، أي 2.8% من جملة السكان، أي أن عدد اليهود نقص 28.727 في نحو عشرة أعوام. ولعل هذا كان بسبب تناقص نسبة المواليد. وكان عدد المواليد في فيينا 2.733 نسمة عام 1923، هبط إلى 1.362 عام 1928 ثم إلى 900 عام 1933 وإلى 757 عام 1936. وفي الوقت نفسه، زاد معدل الوفيات، ففي عام 1923 كان عدد الوفيات 2.571 في فيينا، زاد إلى 2.669 عام 1928 وإلى 2.689 عام 1933 وإلى 2.751 عام 1936، أي أن عدد الوفيات زاد عن عدد المواليد بنحو ألفي نسمة عام 1936. وهذه الأرقام قد تفيد في تحديد عدد ضحايا الإبادة الحقيقي. وبعد الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد يهود النمسا نحو 12 ألفاً. ويبلغ عددهم في الوقت الحاضر 3000 من مجموع السكان البالغ عددهم 7.805.000، وهم مندمجون تماماً في مجتمعهم. ومن أهم يهود النمسا المستشار كرايسكي، وهو يهودي معاد للصهيونية. ويقوم كثير من يهود الاتحاد السوفيتي بالتوقف في النمسا وتغيير مسارهم، فيتجهون إلى الولايات المتحدة بدلاً من إسرائيل. وتضم النمسا تنظيمات ومؤسسات ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية من أهمها: اتحاد الجماعات اليهودية في النمسا. وهي المنظمة المركزية التي تمثل الجماعات اليهودية المختلفة في النمسا، والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي. كما تُوجَد منظمات صهيونية مختلفة. وتضم فيينا المعبد اليهودي الأساسي، كما توجد حجرات مخصصة للعبادة للجماعة السفاردية والجماعات الأرثوذكسية. كما توجد معابد أخرى في مدن بادن ولنز وسالزبورج. ويترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية كبير الحاخامات، إلا أنه لا يحظى باعتراف الجماعة الأرثوذكسية. هولندا Holland كانت هولندا في العصور الوسطى في الغرب جزءاً من الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة. ولذا، كان وضع أعضاء الجماعة اليهودية فيها يشبه وضعهم في مختلف أرجاء أوربا، أي أقنان بلاط وجماعة وظيفية وسيطة. ويبدأ التاريخ الحقيقي للجماعة اليهودية بوصول يهود المارانو (السفارد) مع نهاية القرن السادس عشر الميلادي. وقد استقرت أغلبية المارانو في أمستردام، ولم يتم الاعتراف بهم كمواطنين هولنديين في بادئ الأمر. إلا أنهم، بعد قليل، أُعطوا حقوقهم كافة وتمتعوا بدعم هولندا خارج حدودها. بل إن السلطات الهولندية كانت تفضل اليهود على الكاثوليك، ولذا سُمِّيت أمستردام «القدس الثانية» . ولحق بالسفارد أعداد من الإشكناز ابتداءً من عام 1620 إلى أن فاقوهم عدداً وإن ظلوا في الوضع الأدنى طبقياً واجتماعياً وفكرياً. وأصبحت الجماعة اليهودية في أمستردام أكبر جماعة يهودية في غرب أوربا، بلغ عددها عشرة آلاف، وكان ثقلها الاقتصادي يفوق ثقلها العددي. وكان يهود المارانو، رغم طردهم من شبه جزيرة أيبريا، تربطهم علاقة قوية بوطنهم الأم، وكانوا يجيدون الإسبانية والبرتغالية وبعض اللغات الأوربية الأخرى. ولذا، كانوا يتاجرون مع إسبانيا والبرتغال ويمثلونهما في كثير من أنحاء أوربا، ويشكلون حلقة اتصال مهمة بين شقي أوربا البروتستانتي والكاثوليكي، بل كانت شبكة التجارة اليهودية تمتد لتشمل الدولة العثمانية وموانئ البحر الأبيض المتوسط التي كان فيها عنصر سفاردي ماراني قوي. كما كان يوجد يهود سفارد في العالم الجديد، في البرازيل وسورينام وغيرهما، وكذلك في جزر الهند الغربية وفي أجزاء من أفريقيا، وهو ما وسع نطاق الشبكة. كما ازدادت الحلقة اتساعاًً من خلال يهود الأرندا في بولندا ويهود البلاط في وسط أوربا. لكل هذا، لعب أعضاء الجماعة اليهودية دوراً اقتصادياً مهماً تميل بعض الدراسات إلى المبالغة في أهميته. وكان من بين اليهود من يعمل بالربا وتجارة الجملة والتجارة الدولية، وكذلك تجارة الماس والتبغ والحرير والرقيق. وقد أصبحت أمستردام مركزاً للتجارة بسبب عدة عناصر من بينها وجود عدد كبير من اليهود السفارد فيها. كما كانوا يشتغلون بالشئون المالية في شركات تأمين ومصارف، وكسماسرة ويهود بلاط (وحينما ذهب وليام الثالث ليعتلي عرش إنجلترا، اقترض نحو مليوني جلدر من أحد يهود البلاط السفارد) . وكان بينهم طابعو كتب وأصحاب معامل تكرير سكر. كما كان منهم الأطباء والصيادلة. وبلغ نفوذ أعضاء الجماعة المالي من قوته حد أن سوق الأسهم كانت تغلق يوم السبت. ولذا، أصبحت المضاربة في الأسهم من أهم نشاطاتهم، حتى أن أحد اليهود وصف النبي أيوب بأنه أول من تاجر بالأسهم، فالأسهم تصعد أسعارها وتهبط دائماً دون سبب واضح، ولذا كان عليه التحلي بالصبر والإذعان لقوانين لا يفهمها (وهذا يشبه إلى حدٍّ كبير حديث إسبينوزا، ابن مدينة أمستردام، عن الضرورة ووهم الحرية، وعن تحقيق الحرية من خلال الإذعان لقوانين الطبيعة الصارمة) . ولكن الإحصاءات تبيِّن أن قوتهم كانت محدودة فهم لم يمتلكوا سوى 2% من مجموع الثروات التي كان يمتلكها أثرياء هولندا آنذاك. ومن أشهر يهود السفارد منَسَّى بن إسرائيل وديفيد دي بنتو أكبر المساهمين في شركة الهند الشرقية الهولندية والذي اشتهر بكتاباته عن الاقتصاد والمال التي سماها سومبارت "نشيد الأنشاد الخاص بنظام الدين العام والملكية". وقد أسس سومبارت نظريته عن علاقة اليهود بنشأة الرأسمالية، بدراسته لدور يهود السفارد (المارانو) في أوربا على وجه العموم وهولندا على وجه التحديد. وكان للإشكناز دور اقتصادي أيضاً، ولكنه مختلف بعض الشيء. فلم تكن لهم علاقات دولية مثل السفارد، ولم تكن لديهم الخبرات أو رءوس الأموال المطلوبة، فكانوا تجار عملة ووسطاء. ونشطوا في صناعة الحرير وتجارة التبغ والماس وتجارة القطاعي إذ كانوا يشترون بضائع شركة الهند الشرقية وأصبحوا من أهم مستوردي الماس، وكان من بينهم طابعو وموزعو الكتب. وتزايدت ثروة الإشكناز واتسع نطاق تجارتهم في العملة والسلع. ولكن السفارد ظلوا، مع هذا، يتمتعون بالثروات الكبيرة والمستوى الثقافي الرفيع والمكانة الاجتماعية. وكان يهود هولندا من أكثر اليهود حداثة في العالم، فكان هناك تَزايُد في الزواج المُختلَط بالهولنديات. ويُلاحَظ أن رؤساء الجماعة اليهودية كانوا يرتدون أزياء الهولنديين نفسها بل ويسمحون لهم برسمهم. وحينما سمح إسبينوزا لرمبرانت بأن يرسمه، لم يكن إسبينوزا يقوم بفعل غير عادي من منظور الجماعة اليهودية. ومن الواضح أن يهود أمستردام كانوا قد استوعبوا التراث الحضاري الهولندي في عصرهم وتمثلوه واستوعبوه واستوعبهم، وهي ظاهرة عامة بين أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من الحقب التاريخية. وكان يهود هولندا يتحدثون الهولندية إلى جانب لغات أخرى (الإسبانية والبرتغالية بالنسبة للسفارد، واليديشية بالنسبة للإشكناز) . وقام اليهود السفارد بنقل الأعمال الأدبية والفكرية الغربية إلى اللغات واللهجات التي يتحدثون بها. كما شكلوا نخبة تجارية مالية دولية تحتفظ بمسافة بينها وبين الإشكناز (من شرق أوربا) . وكان الإشكناز والسفارد لا يتزاوجون فيما بينهم. ولم يكن بمقدور الإشكناز الحصول على مقاعد دائمة في المعبد السفاردي، بل كان معظمهم يعملون خدماً وكانت تُوجَد بطبيعة الحال نسبة من الفقراء السفارد. ويُلاحَظ كذلك أن اليهودية، كنسق ديني وكمؤسسة، كانت في حالة تَراجُع وتآكُل، فالقبَّالاه اللوريانية كانت قد سيطرت على معظم يهود أوربا، وهي صيغة حلولية مادية استوعبها يهود هولندا، وخصوصاً السفارد (ومن بينهم إسبينوزا) ، فأثرت في رؤيتهم للعالم بشكل عميق. ولكن مع تدهور وضع هولندا الاقتصادي (بظهور القوة الإنجليزية) ، تدهور وضعهم أيضاً. وازداد التدهور مع الأزمة الاقتصادية في الفترة 1772 ـ 1773. وتسبَّبت الحرب مع إنجلترا في دمار شركة الهند الشرقية الهولندية التي كان كثير من اليهود يمتلكون أسهماً فيها. وتزايد الانهيار مع حرب الثلاثين عاماً. وفي نهاية الأمر، أدَّى وصول قوات فرنسا الثورية إلى قطع علاقة يهود هولندا مع الشبكة التجارية اليهودية، وهو ما أدَّى إلى دمارهم تماماً. وعلى كلٍّ، كانت التجارة الدولية في أوربا قد بدأت تأخذ شكلاً ضخماً ومركباً تجاوز قدرات الشبكة اليهودية التي لم يكن بمقدورها أن تستوعب حركة البضائع على هذا النطاق الضخم. وكان يرأس الجماعة اليهودية السفاردية مجلس الماهاماد الذي سيطر على اليهود بيد من حديد، حيث كانت له صلاحيات مثل تلك التي كانت تتمتع بها محاكم التفتيش بل كان يسلك سلوكها، وربما تكون خلفية السفارد الإسبانية قد لعبت دوراً في ذلك. ويُلاحَظ انتشار القبَّالاه اللوريانية في هولندا. ولذا، حينما ظهر الماشيَّح الدجال (شبتاي تسفي) تبعته أعداد كبيرة من السفارد، وأدَّى فشل حركته إلى خيبة الأمل وإلى المزيد من التفسخ. ويمكن القول بأن انتشار الفكر القبَّالي الحلولي وثراء يهود أمستردام هو الخلفية الاجتماعية والفكرية لفلسفة إسبينوزا، وهو أول مفكر غربي في العصر الحديث من أصل يهودي ترك اليهودية ولم يتبن ديناً آخر. وبذا، فإنه يعد أول يهودي علماني بل أول فيلسوف علماني. وحينما وصلت جيوش فرنسا الثورية عام 1796 وأسَّست الجمهورية الباتفية، لم يتغير وضع أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يتمتعون بكل حقوقهم. وفي أوائل القرن التاسع عشر، لم يكن الوضع الاقتصادي في هولندا مستقراً، فتدهور حال أعضاء الجماعة. ومما يدل على هذا التدهور أن كثيراً من اليهود السفارد (في أمستردام) صُنِّفوا باعتبارهم فقراء. ويمكن افتراض أن الصورة العامة في بقية هولندا لم تكن مختلفة كثيراً إن لم تكن أسوأ. وكان عدد اليهود في هولندا عام 1780 ثلاثين ألفاً، منهم ثلاثة آلاف سفاردي، زاد إلى ثلاثة وخمسين ألفاً عام 1810، وكانت الزيادة كلها إشكنازية. ومع عام 1889، وصل عدد يهود هولندا إلى ثلاثة وثمانين ألفاً، منهم 5.070 من السفارد. وبلغ عددهم 106.409عام 1909، منهم 6624 من السفارد. وبلغ عددهم 139.687 عام 1941. أما في عام 1946، أي بعد الحرب، فبلغ عدد اليهود ثلاثين ألفاً من بينهم ثمانية آلاف ممن تزوجوا زيجات مُختلَطة. وانخفض عددهم إلى 26.623 عام 1954، أي خلال ثمانية أعوام. كان يعيش منهم 14.068، أي أكثر من نصفهم، في أمستردام. ويُعزَى النقص إلى العزوف عن الإنجاب وإلى انخفاض عدد المواليد وارتفاع نسبة الوفيات. كما يُعزَى هذا النقص إلى الهجرة، إذ هاجر خلال هذه الفترة 4492 يهودياً من هولندا (لم يهاجر منهم سوى 1399 إلى إسرائيل) . وأدَّت التعويضات الألمانية إلى تغيير البناء الطبقي ليهود هولندا تماماً، إذ تحوَّل أعضاء الطبقة العاملة منهم إلى أثرياء، وهذا ما أدَّى إلى تزايد معدل الاندماج والعلمنة. وبلغ عدد اليهود عام 1968 اثنين وعشرين ألف يهودي، أغلبيتهم في أمستردام. أما في عام 1992، فبلغ عددهم نحو خمسة وعشرين ألفاً من مجموع السكان البالغ 15.270.000 نسمة. وهم يُعتبَرون، بهذا، أقلية صغيرة لا وزن لها ولا نفوذ وفي طريقها إلى الاختفاء. وتوجد في هولندا بعض التنظيمات والمؤسسات التي ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية من أهمها: ـ الجماعة اليهودية الإشكنازية. ـ الجماعة اليهودية السفاردية. ـ اتحاد الجماعات اليهودية التقدمية. ـ منظمة العمل الاجتماعي اليهودي التي تعمل في المجالات الصحية والخدمة الاجتماعية. وتتبع كل من الجماعتين (الإشكنازية والسفاردية) الحاخامية الكبرى. وأغلب المعابد اليهودية موجودة في أمستردام، منها معابد أرثوذكسية إشكنازية ومعبد سفاردي ومعبد ليبرالي إصلاحي. إيطاليا Italy يعود تاريخ أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا إلى الفترة الرومانية القديمة. إذ كانت تُوجَد فيها جماعة يهودية منذ القرن الثاني قبل الميلاد، قبل أن يقوم تيتوس بهدم الهيكل عام 70 ميلادية. وكان أعضاء هذه الجماعة يتحدثون اليونانية، ولكنهم اصطبغوا مع بداية العصور الوسطى بالصبغة اللاتينية. ويرد ذكر اليهود في الأدب اللاتيني وفي بعض كتابات المؤرخين الرومان. ولم تتأثر الجماعة اليهودية في روما كثيراً بما حدث في فلسطين ولكنها تأثرت حين قامت الإمبراطورية الرومانية بتبني المسيحية ديناً في القرن الرابع الميلادي، فتحولت إلى جماعة وظيفية وسيطة، وعُرِّف وضع أعضائها بأنهم " أقنان بلاط تحت الحماية الملكية " أو تحت حماية الأفراد، واضطلعوا بوظيفة التجار والمرابين في كثير من المدن الإيطالية مثل نابولي. وتدهور وضعهم في القرن العاشر الميلادي بظهور المدن/الدول البحرية الإيطالية (مثل البندقية وجنوة) ، وبيوت المال المسيحية القوية (مثل اللومبارد والكوهارسين) التي كانت تتمتع بدعم السلطات الحاكمة. ومع هذا، كانت للجماعة اليهودية في إيطاليا خصائص فريدة تميزها عن بقية الجماعات اليهودية في الغرب. فهناك، أولاً، الوجود المستمر وغير المنقطع لليهود في داخل إيطاليا، كما استوعب أعضاؤها اللغة الإيطالية والحضارة السائدة. ولم يُطرَد يهود إيطاليا كما حدث ليهود إنجلترا أو فرنسا إذ كانوا حينما يُطرَدون من مدينة إيطالية يجدون مدناً أخرى ترحب بهم. ومع هذا كانوا يُطرَدون من المناطق الإيطالية الخاضعة لحكم الأجانب (الفرنسيين والأسبان) ، كما حدث ليهود صقلية التي خضعت لحكم الأسبان. ولم تتسم الحياة اليومية لأعضاء الجماعة بالاضطهاد أو التمييز الذي كان يسم الحياة في العصور الوسطى، بل كانت العلاقة مع السكان طيبة على وجه العموم. ومن الطريف أن إيطاليا هي مركز البابوية، ومع هذا لم تنجح السلطة البابوية في تنفيذ سياستها تجاه اليهود. بل إن محاكم التفتيش التي تأسست في روما لم يكن تعقبها لليهود داخل إيطاليا محموماً كما كان الحال أحياناً خارجها. ولذا، اندمج أعضاء الجماعة اليهودية في محيطهم الحضاري الكاثوليكي، وأصبحت لغة العبادة في المعبد هي الإيطالية المطعمة بكلمات عبرية منذ عام 1200. ومن ثم يُعتبَر أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا جماعة مستقلة بذاتها ولا تُصنَّف ضمن الكتل اليهودية الثلاث الأساسية: الإشكناز، والسفارد، ويهود العالم الإسلامي وضمن ذلك اليهود المستعربة، وإنما يُنظَر إليها باعتبارها كتلة مستقلة. اجتذبت إيطاليا كثيراً من أعضاء الكتل الكبرى، فهاجر إليها الإشكناز، حيث وصلت حركة الهجرة إلى الذروة عام 1400، واستقروا في شمالها. وهاجر إليها السفارد بعد عام 1391، ووصلت حركة الهجرة ذروتها عام 1492. كما استقر بعض اليهود المستعربة في صقلية. ولم يندمج هؤلاء على الفور بل احتفظ كل بخصائصه. وقد كانوا يكرهون بعضهم بعضاً كراهية المسيحيين لليهود والأتراك (أي المسلمين) على حد قول ليو دي مودينا، ولذا كان يُشار إلى اليهود بأنهم «تراي ناسيوني» أي الأمم الثلاث. وبلغت العداوة درجة أن اليهود الأصليين كانوا أحياناً يستعْدون السلطات على المهاجرين الجدد ويطلبون طردهم (وهذا نمط تكرَّر في كل الجماعات اليهودية، وآخر تعبير عنه هو الحركة الصهيونية التي أسسها يهود الغرب المندمجون لترحيل يهود اليديشية بعيداً عنهم) . ولكن، بعد عصر النهضة، اندمجت الجماعات اليهودية كافة في جماعة واحدة واصطبغوا بالصبغة الإيطالية. ظهر بين يهود إيطاليا أدباء يكتبون بالإيطالية والعبرية متأثرين تماماً بمحيطهم الحضاري، من بينهم عمانوئيل هارومي أي «الرومي» (1270 ـ 1330) والذي كان يُعرَف أيضاً باسم عمانوئيل داجوبيو الذي كتب أشعاراً بالإيطالية وتعليقات على التوراة. وبعد عصر النهضة، ظهر عدد من الكُتَّاب من بينهم يهودا ابرابانيل المعروف باسم ليو هبرايوس أو ليو العبراني، وكان شاعراً وفيلسوفاً وعالماً كتب عدة كتب بالإيطالية من أهمها حوار عن الحب وهو كتاب ينتمي إلى كتب الحب (قواعده وطرقه) التي انتشرت إبان عصر النهضة في أوربا. وقد أحرز كتاب ليو العبراني شعبية غير عادية، فتُرجم إلى عدة لغات. ويتجلى اندماج يهود إيطاليا الكامل في محيطهم الحضاري في انصرافهم عن العقيدة اليهودية وفي تعديلها وإصلاحها بما يتفق مع معايير الحضارة المحيطة بهم. فنجد أن معمار المعبد اليهودي في روما كان يشبه معمار الكنائس، وكان يزينه تمثال نصفي لموسى وصور للملائكة والحيوانات والأشخاص. وكانت المواعظ تُعطَى بالإيطالية تقليداً للمواعظ المسيحية ومتأثرة بها أكثر من تأثرها بالتلمود. كما كان الحاخامات يشيرون في مواعظهم إلى المؤلفين الكلاسيكيين الوثنيين مثل أرسطو وشيشرون. وتُرجم كتاب الصلوات إلى الإيطالية. بل كانت بعض المعابد تغني القصائد الدينية اليهودية فيها على ألحان إيطالية. وتحوَّل عيد النصيب إلى الكرنفال الإيطالي، فكان اليهود يلبسون الأقنعة ويتمتعون بالحريات المتطرفة التي كان يتمتع بها الإيطاليون في مثل هذه المناسبات، كما كانوا يعرضون مسرحيات على النمط الإيطالي داخل الجيتو. وانتشرت الحرية الجنسية بينهم، وزاد عدد الأطفال غير الشرعيين والزيجات المُختلَطة. وأصبح كثير من نساء اليهود إما عشيقات لأعضاء النخبة الحاكمة المسيحية أو عاهرات. وحتى نبيِّن مدى انتشار الإباحية بين أعضاء الجماعة، يمكن أن نشير إلى فلورنسا التي كان عدد أعضاء الجماعة فيها لا يزيد على مائة أسرة. ومع هذا كان عدد القضايا التي رُفعت ضدهم ثمان وثمانون قضية من بينها أربع وثلاثون قضية لها علاقة بالسلوك الأخلاقي والآداب، وسبع عشرة قضية لها صلة بالمقامرة. ولابد أن هذه الإحصاءات لا تبين الصورة الحقيقية، إذ تُوجَد ولا شك حالات لم يتم الإبلاغ عنها. ويمكن القول بأن المجتمع اليهودي الصغير في إيطاليا كان انعكاساً كاملاً للمجتمع الكبير، كما أن الأنماط الاجتماعية والأخلاقية السائدة بين الجماعة اليهودية لم تختلف كثيراً عن تلك السائدة في المجتمع. ومع عام 1545، وبداية الإصلاح المضاد الذي قامت به الكنيسة الكاثوليكية، فُرض على اليهود في روما ملازمة الجيتو (بعد أن كان الجيتو ميزة يتمتعون بها) . ويُطلَق على هذه الفترة «فترة الجيتو» . ولكن، مع هذا، استمر المؤلفون اليهود في وضع مؤلفاتهم الدينية والدنيوية بالعبرية والإيطالية. ومن أهم المؤلفين اليهود ليو دي مودينا وسيمون لوتساتو الذي يَعُده بعض المؤرخين مؤسس الأدب المكتوب بالعبرية. ولكن يُلاحَظ أن هذه المؤلفات ليست لها أهمية كبيرة من منظور غربي أو إنساني عام. ومما تقدَّم، يمكن القول بأن أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا كانوا جزءاً من محيطهم الحضاري، ومن ثم كان موقفهم من اليهودية الحاخامية موقفاً نقدياً، موقف من ينظر إليها من الخارج. كما لم تكن مُثُل التنوير والإصلاح غريبة عليهم. ولذا، فحينما ظهرت حركة التنوير في ألمانيا، لم تترك أثراً عميقاً فيهم لأنها لم تكن تمثل شيئاً جديداً. انتهت هذه الفترة بإعتاق أعضاء الجماعة أثناء حروب الثورة الفرنسية ابتداءً من عام 1796. وأُلغيت حقوق اليهود مع سقوط نابليون، ولكنها تأكدت مرة أخرى مع تأسيس إيطاليا الموحَّدة (1840 ـ 1870) . وظهرت حركة تنوير يهودية في إيطاليا، من أقطابها حاييم لوتساتو. ومع تَزايُد إعتاق اليهود، تزايدت معدلات اندماجهم في المجتمع. ولم يتأثر هذا الوضع كثيراً بوصول موسوليني والفاشيين إلى السلطة إذ أن موسوليني كان متعاطفاً مع المشروع الصهيوني، وكان يتصور أن بوسعه تحويل اليهود إلى عنصر ممالئ له يوظفه في خدمة مشروعه الاستعماري بل في خدمة الفاشية. وبلغ عدد يهود إيطاليا واحداً وعشرين ألفاً عام 1600، و31.400 عام 1800، وبلغ سبعة وثلاثين ألفاً عام 1840، زاد إلى 42.963 عام 1901، وبلغ عام 1931 ستة وأربعين ألفاً. ولكن عددهم أخذ في التناقص بعد ذلك، ففي الفترة (1931 ـ 1935) كان عدد اليهود يتناقص بمعدل 5.28 في الألف، كما تزايدت معدلات الاندماج والتنصر والزواج المُختلَط. ويذكر روفائيل باتاي أن عدد يهود إيطاليا انخفض إلى خمسة وثلاثين ألفاً عام 1939، ثم وصل العدد إلى 29.117 يهودياً إيطالياً. ومع هذا، انضم إليهم 26.300 مهاجر، وبذلك ارتفع العدد إلى 55.417 في الأربعينيات. وبلغ العدد عام 1956 نحو 27.705، ووصل إلى خمسة وثلاثين ألفاً عام 1967. وتناقص عدد اليهود حتى وصل إلى 31.000 عام 1992 من مجموع السكان البالغ عددهم 57.826.000 نسمة. ومعظم يهود إيطاليا مركزون في روما وميلانو، ولا يختلف بناؤهم الوظيفي والمهني عن بقية الجماعات اليهودية في أوربا. ففي عام 1931، كان 34.3% منهم تجاراً، و52.2% من عمال الياقات البيضاء، و10.8% مهنيين. ولا يزال معدل الزواج المُختلَط بينهم مرتفعاً للغاية، كما لا تزال معدلات الاندماج والعلمنة آخذة في التزايد. والجماعة اليهودية جماعة مسنة تعيش في المدن، وكل هذا يعني تَزايُد الإحجام عن الإنجاب وتَناقُص الخصوبة، الأمر الذي يؤدي إلى موت الشعب اليهودي. والمنظمة التي تنظم أعضاء الجماعة اليهودية في إيطاليا هي اتحاد الجماعة اليهودية الإيطالية. ويترأس الجماعة اليهودية من الناحية الدينية كبير الحاخامات والمجلس الحاخامي. وأغلبية المعابد اليهودية سفاردية، إلا إنه يوجد عدد قليل من المعابد الأرثوذكسية الإشكنازية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
يهود اليديشية أو يهود شرق أوربا
Yiddish or East European Jews.... «يهود اليديشية» مصطلح نستخدمه في معظم الأحيان بدلاً من مصطلح «يهود شرق أوربا» . وهذا المصطلح الأخير هو المصطلح الشائع في الدراسات التي تتناول الجماعات اليهودية، وهو مصطلح مطاط غير محدَّد ولكنه يشير عادةً إلى الجماعات اليهودية الموجودة شرق ألمانيا، (في بولندا وروسيا) . ولذا، فهو لا يتفق بالضرورة مع الحدود السياسية المعروفة بمنطقة شرق أوربا في الوقت الحالي والتي تضم، على سبيل المثال، رومانيا وتشيكوسلوفاكيا. وأصل المصطلح ألماني، ويعبِّر عن إحساس يهود ألمانيا بأنهم ينتمون إلى الغرب، أي غرب أوربا، وأنهم يختلفون عن يهود الشرق. وقد انتشر المصطلح مع القرن التاسع عشر وبداية حركة القومية السلافية. ونحن نفضل استخدام مصطلح «يهود اليديشية» الذي استخدمه يهود إنجلترا، من السفارد وغيرهم، للإشارة إلى المهاجرين الجدد من روسيا وبولندا. ويهود اليديشية يشكلون أغلبية يهود العالم، وتعود أصولهم إلى القرن الثاني عشر، مع حروب الفرنجة، حين بدأت تهاجر جماعات من اليهود الألمان، مع التجار الألمان، واستوطنت بولندا بدعوة من حكامها لتشجيع حركة التجارة وحملت معها لغتها وثقافتها الألمانية. وقد دخلت على لغتهم الألمانية بعض الكلمات السلافية والعبرية، ثم كتبوها بالحروف العبرية حتى أصبح يُشار إليها باللغة اليديشية، وهي في واقع الأمر لهجة ألمانية وحسب. وأصبحت هذه اللهجة، التي يُقال لها لغة، سمتهم الثقافية الأساسية التي حملوها معهم أينما ذهبوا ومن هنا كانت التسمية. ويذهب آرثر كوستلر إلى أن أصل يهود اليديشية ما يسميه هو «الدياسبورا الخزرية» ، أي تشتُّت أو انتشار يهود الخزر واستقرار أعداد منهم في شرق أوربا. وينقسم يهود اليديشية إلى تقسيمات فرعية مثل يهود البولاك والليتفاك والجاليسيانر، وهي كلمات يديشية تعني «البولندي والليتواني والجاليشي» . (كانت جاليشيا وليتوانيا أجزاء من بولندا) . وثمة اختلافات دقيقة بين الأنواع الثلاثة لها دلالاتها، ولكن هناك وحدة أساسية وخصوصية يستمدها أعضاء الجماعة اليهودية من وجودهم داخل التشكيل السياسي الحضاري البولندي بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف المال والتجارة وبمهن وحرف معيَّنة. والجماعات الوظيفية عادةً ما تحتفظ بعزلتها وبسماتها الإثنية (التي أحضرتها معها من وطنها الأصلي، وهو ألمانيا) حتى يتسنى لها الاضطلاع بوظيفتها في المجتمع التقليدي التي وفدت إليه. وكان يهود شرق أوربا يتحدثون اليديشية في وسط يتحدث إما البولندية وإما الأوكرانية، ويرتدون أزياء مميَّزة، ويؤمنون باليهودية في وسط يؤمن بالمسيحية. وقد عاشوا في مدن صغيرة تُسمَّى «شتتل» وفرت لهم تربة يهودية يديشية معزولة نسبياً عن عالم الأغيار. ولكن عقيدتهم اليهودية نفسها، بدأت تدخلها عناصر صوفية بتأثير القبَّالاه وبتأثير المسيحية الأرثوذكسية الشعبية والهرطقات الدينية المختلفة التي وجدوها بين الفلاحين السلاف. ومما يجدر ذكره أن المستوى المعيشي ليهود اليديشية حتى بداية القرن الثامن عشر، كان مرتفعاً قياساً إلى عامة الشعب من الفلاحين والأقنان، بل إلى أعضاء الطبقات الوسطى الهزيلة في بولندا. وكان لا يفوقهم في مستواهم المعيشي سوى النبلاء البولنديين (شلاختا) . بل إن النخبة الثرية بين اليهود كانت تعيش في مستوى اقتصادي يفوق صغار النبلاء. ولكن بعد ذلك التاريخ، ونتيجة تحولات عديدة، أخذ مستواهم الاقتصادي ينحدر. وتعرَّض تَماسُك يهود اليديشية لعدة هجمات وضربات من الخارج كانت أولاها هجمات شميلنكي عام 1648، التي بدأت تُخلخل وضع الجماعة اليهودية، ثم كانت الضربة الثانية تقسيم بولندا (الأول والثاني والثالث) في الفترة 1772 ـ 1795 والذي انتهى باختفاء بولندا عام 1795 بوصفها وحدة سياسية مستقلة، وبتقسيمها بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية وألمانيا (بروسيا) . وكانت الأراضي التي ضمتها روسيا تضم أكبر عدد من يهود اليديشية. وكانت البلاد الثلاثة التي اقتسمت بولندا فيما بينها بلاداً زراعية متخلفة. ومع هذا، بدأت تظهر فيها، بتشجيع من الملكيات المطلقة، اتجاهات نحو التصنيع. ورغم ضعف النظام الإقطاعي، فإن الأرستقراطية الزراعية ظلت ممسكة بزمام السلطة. وشهدت هذه الفترة حركة تحرير الأقنان في روسيا، الأمر الذي أدَّى إلى خلل في الأوضاع الاجتماعية، وخصوصاً أن الرقعة الصالحة للزراعة لم تكن واسعة، وهو ما أدَّى إلى زيادة الصراعات الاجتماعية وإلى ظهور توترات بين النبلاء والفلاحين. وقد ازداد بؤس الفلاحين وزاد تعاطيهم للخمور. ومع تركز أعضاء الجماعة اليهودية في صناعة الخمور، وجدوا أنفسهم في مركز الأزمة الاجتماعية، وأشارت أصابع الاتهام إليهم باعتبارهم مسئولين عن بؤس الفلاحين. وقد كانت حكومات البلاد الثلاثة، التي اقتسمت بولندا وسكانها اليهود فيما بينها، يحكمها حكام مطلقون مستنيرون (فريدريك الثاني في بروسيا، وجوزيف الثاني في النمسا، وكاترين الثانية في روسيا) ، فتبنت هذه الحكومات مقياس مدى نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم وتقليل عزلتهم. فتم تقسيمهم إلى نافعين وغير نافعين. وكان الهدف هو إصلاح اليهود، وزيادة عدد النافعين بينهم، وطرد الضارين منهم أو منع زيادة عددهم. وارتبطت هذه العملية بعملية إعتاق اليهود، فلم يكن يُعتَق منهم سوى النافعين. ومن السمات المشتركة الأخرى لهذه البلاد ظهور القوميات العضوية فيها جميعاً التي تدور حول مفهوم الشعب العضوي (فولك) ، وهي قوميات تنبذ الأقليات ولا تفتح أمامها فرصة الاندماج، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وغرب أوربا بشكل عام. فالقوميات العضوية تنكر إمكانية تحول الإنسان واندماجه إذ أن الشخصية والهوية، حسب تصورها، ليست مكتسبة وإنما موروثة، وتكاد تكون بيولوجية. وتتميَّز الدول الثلاث بأن الدولة المركزية فيها كانت مطلقة ومستنيرة على عكس البيروقراطيات التابعة لها، التي كانت متخلفة وغير مستنيرة بالمرة ومليئة بالأحقاد ضد الأقليات، وخصوصاً في ظروف التحول الاجتماعي. ولذا، فحينما حاولت الدولة إصلاح اليهود بإصدار قرارات كانت البيروقراطية تعوق تنفيذ هذه القرارات. ولقد تلقَّى يهود اليديشية هذه الضربات من الخارج، في مرحلة كانت اليهودية تمر فيها بأخطر أزماتها الداخلية ابتداءً من القرن الثامن عشر. فقد رجَّت المناظرة الشبتانية الكبرى أرجاء العالم اليهودي، وظهرت الحركة الفرانكية والحسيدية التي تحدت سلطة مؤسسات اليهودية الحاخامية. ونشب صراع حاد بين الحسيديين والمتنجديم، كما كانت التوترات الاجتماعية على أشدها داخل الجماعة. ومما أدَّى إلى تفاقم الأوضاع السيئة، الانفجار السكاني الذي حدث بين يهود العالم الغربي، وخصوصاً يهود اليديشية، إذ زاد عدد يهود العالم، في الفترة 1850 ـ 1935 ستة أضعاف. وحيث لم يكن يهود الغرب يتزايدون، بل كانوا آخذين في التناقص، فإن نسبة الزيادة بين يهود اليديشية كانت في واقع الأمر أكثر من ستة أضعاف. ولكل ما تقدَّم، بدأت وحدة يهود اليديشية وخصوصيتهم في التداعي ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. واستغرقت هذه العملية مرحلة زمنية طويلة (امتدت حتى منتصف القرن العشرين) وانتهت باختفاء اللغة والثقافة اليديشية ودمج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم حضارياً واقتصادياً وتَحوُّلهم من جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الروسي والبولندي إلى أعضاء في الطبقات الوسطى وغيرها من الطبقات في المجتمعات التي ينتمون إليها، وهذه المرحلة الزمنية هي في واقع الأمر مرحلة المسألة اليهودية التي كانت مسألة يهود شرق أوربا بالدرجة الأولى. هاجرت أعداد كبيرة من يهود اليديشية، وخصوصاً في الفترة 1881 ـ 1914، فبلغت نحو 2.750.000؛ ذهب منهم 350 ألفاً إلى أوربا، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا، و200 ألف إلى إنجلترا، و115 ألفا إلى الأرجنتين، و100 ألف إلى كندا و40 ألفاً إلى جنوب أفريقيا، ومليونان (أي حوالي 85%) إلى الولايات المتحدة. وهم بذلك يكّونون الأغلبية الساحقة من يهود تلك البلاد التي كانت تضم جماعات يهودية صغيرة جداً قبل وفود يهود اليديشية. وأدَّى وفودهم إلى زيادة معدلات معاداة اليهود نظراً لتخلفهم وتميزهم الوظيفي والإثني. ومن هنا كان رد الفعل العنصري في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، الأمر الذي أدَّى إلى طرح الفكرة الصهيونية في إنجلترا في بداية الأمر، ثم بقية دول غرب أوربا ومنها إلى وسطها فشرقها. قام هرتزل بزيارته الأولى إلى إنجلترا لمناقشة موضوع يهود اليديشية وكيفية التخلص منهم أو حل مسألتهم، وفي هذا المناخ وُلد وعد بلفور. أما في الولايات المتحدة التي هاجر إليها الملايين، فكانت تُوجَد أمام المهاجرين من يهود اليديشية مجالات للعمل، ولذلك لم تحدث توترات اجتماعية. وقد تزايد عددهم حتى أصبحوا العنصر الغالب بين أعضاء الجماعة اليهودية هناك. وكان يهود اليديشية العنصر اليهودي الغالب في الإمبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا. وغني عن القول أن يهود اليديشية كانوا هم أيضاً العنصر الغالب في الاتحاد السوفيتي حيث كانت تُوجَد جماعات يهودية أخرى مثل يهود جورجيا ويهود الجبال. اختفت اليديشية تقريباً مع نهاية الثلاثينيات من هذا القرن، واختفى يهود اليديشية واختفت المسألة اليهودية معهم. أما أبناؤهم وأحفادهم فتم دمجهم في مجتمعاتهم. ومن هنا يُشار الآن إلى المهاجرين اليهود السوفييت إلى إسرائيل والولايات المتحدة بأنهم «الروس» لأن معظمهم يتحدث الروسية، كما أنهم روس من الناحية الثقافية. ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أن جميع الحركات الإصلاحية في العقيدة اليهودية، أو بين أعضاء الجماعات اليهودية، كان مصدرها دائماً وسط أوربا داخل صفوف اليهود الذين يتحدثون الألمانية في ألمانيا والنمسا. فحركة التنوير كان زعيمها مندلسون الألماني. وظهرت اليهودية الإصلاحية وكذا علم اليهودية في ألمانيا، كما أن الصهيونية نفسها، في أطروحاتها الأولى التي طرحها كل من موسى هس وماكس نوردو وتيودور هرتزل حمل لواءها ألمان. وكانت اللغة الرسمية للمؤتمرات الصهيونية هي الألمانية. ونظراً لأن الكثافة البشرية اليهودية كانت متركزة في شرق أوربا، فإن هذه الأفكار والحركات الفكرية كانت تظل مجرد أطروحات فكرية إلى أن تصل ليهود اليديشية الذين كانوا يحولونها إلى حركات سياسية وثقافية حقيقية. ويظهر هذا في تاريخ كل من حركتي التنوير والصهيونية. فالقيادات والزعامات كانت في البداية من أصل ألماني، لكن المفكرين والزعماء من يهود اليديشية بدأوا يستولون عليهما بالتدريج، وظهرت حركة تنوير يديشية وأدب يديشي وقومية يديشية (إن صح التعبير) دعا إليها دبنوف منطلقاً من مفهوم اصطلاح «قومية الدياسبورا» . وفكرة القومية اليديشية تَصدُر عن تجربة يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر، حين أصبح لهم ما يشبه الهوية القومية المستقلة التي استمدوها من وجودهم في وضع معيَّن داخل الحضارتين الروسية والبولندية إبان مرحلة الانتقال من وضعهم المتميِّز كجماعة وسيطة إلى أن تم دمجهم وصهرهم، وهي مرحلة اتسمت بتَعثُّر عملية التحديث في شرق أوربا. وهي تجربة تكاد تكون فريدة في تواريخ الجماعات اليهودية، ويتمثل تفردها في وجود كتلة بشرية يهودية بهذه الضخامة داخل رقعة أرض متصلة (منطقة الاستيطان) تتحدث لغة مختلفة عن لغة البلد الذي تعيش فيه. وظهر حزب البوند ليعبِّر عن هذا الوضع الطبقي وشبه القومي المتميز. وحينما أسس الاتحاد السوفيتي منطقة بيروبيجان، فإنه كان يتحرك في إطار القومية اليديشية، ولم تنجح التجربة بسبب اختفاء اليديشية وثقافتها، واختفاء أية معالم للخصوصية اليديشية. أما فيما يتصل بالصهيونية، فقد تولت العناصر اليديشية قيادتها ابتداءً من المؤتمر الحادي عشر عام 1913. وظل هذا العنصر هو المهيمن حتى إعلان الدولة الصهيونية، وتكوَّن منه عصب النخبة الحاكمة فيها. كما أنه يشكل ما يُسمَّى «الحرس القديم» ، ومن صلبه جاء جيل الصابرا. ويبلغ تعداد يهود شرق أوربا في الوقت الحالي (ما عدا كومنولث الدول المستقلة، أي الاتحاد السوفيتي سابقاً) 88.600. ولأول مرة في التاريخ الحديث يزيد عدد يهود غرب أوربا (دعاة الصهيونية التوطينية) عن يهود شرقها (المادة البشرية الاستيطانية) فيهود غرب أوربا يبلغ عددهم 1.036.300 أما يهود شرق أوربا (وضمن ذلك كومنولث الدول المستقلة) فهو 868.400. يهود شرق أوربا East European Jews انظر: «يهود اليديشية» . بولندا حتى القرن السادس عشر Poland, to the Sixteenth Century كانت حدود بولندا عبر تاريخها غير مستقرة لعدة أسباب من بينها موقعها الجغرافي بين القبائل الألمانية والقبائل الليتوانية والسلاف. ثم إنها واقعة على الحدود بين ثلاث دول عظمى (ألمانيا والنمسا وروسيا) ، بل على حدود الدولة العثمانية في نهاية القرن السابع عشر. كما أن غياب أية عوائق طبيعية تحيط بها، وكونها أساساً أرضاً مستوية يجعلها عرضة للغزوات المستمرة. ولم يكن العنصر السكاني في بولندا متجانساً، فالعناصر غير البولندية كانت تشكل نسبة مئوية كبيرة تصل أحياناً إلى أكثر من الثلث. وبولندا، بذلك، فريدة بين دول العالم الغربي التي تتسم بتجانسها السكاني الشديد. ويُلاحَظ أن تاريخ بولندا السياسي العاصف وكذلك موقعها كمعبر وساحة للصراع بين القوى يجعلانها تشبه فلسطين قبل الفتح الإسلامي من بعض الوجوه. ولا يمكن دراسة تاريخ الجماعة اليهودية في بولندا إلا بأخذ كل هذه العناصر في الاعتبار. وإذا كانت حدود بولندا غير مستقرة، فإن مصطلح يهود بولندا نفسه غير واضح، فهو مصطلح فضفاض للغاية له معنيان أساسيان: 1 ـ المعنى الضيق: اليهود الذين يقطنون بولندا الكبرى (بوزنان) والصغرى (كراكوف) ، وهي الأجزاء الأساسية في بولندا. 2 ـ المعنى الواسع: اليهود الذين كانوا يعيشون في المنطقة الشاسعة التي كانت تضمها مملكة بولندا وليتوانيا المتحدة. وبالتالي، فإن هذا المعنى الأخير يشير إلى اليهود الذين وقعوا تحت الحكم البروسي والروسي والنمسوي بعد تقسيم بولندا، وهذا هو التعريف الذي سنأخذ به. وهو، بهذا المعنى، مرادف تقريباً لمصطلح «يهود اليديشية» . ولم يكن يهود بولندا عنصراً واحداً متجانساً بل كان يُشار إلى أقسام ثلاثة أساسية منهم باليديشية «البولاك» ، وهم: يهود بولندا، و «الليتفاك» وهم يهود ليتوانيا الذين كانت معظم القيادات الصهيونية منهم، و «الجاليسيانر» . وهم يهود جاليشيا. ويعود تاريخ بولندا إلى القرن العاشر حين قامت أسرة بياست بتوحيدها. ويُعَدُّ عام 966 عام تأسيس بولندا إذ اعتنق مايسكو الأول (963 ـ 992) فيه المسيحية. وخضعت بولندا لنفوذ الكنيسة الكاثوليكية في روما عام 990 حتى لا تخضع للكنيسة الألمانية. وأدَّى الغزو التتري لبولندا في 1241 ـ 1242 إلى تدميرها تماماً، كما قام الليتوانيون الوثنيون بالغارات عليها. وفقدت بولندا كثيراً من أراضيها، ولكنها استعادت وحدتها، مع بداية القرن الثالث عشر، وبدأت حركة لإعادة بناء الاقتصاد وتشييد المدن. ففي حكم كاسيمير الثالث ـ الأعظم (1333 ـ 1370) ، تم بناء سبع وأربعين مدينة جديدة. وأقيمت في المدن مبان حجرية على النمط القوطي، كما شيدت قلاع حجرية للدفاع عن المدن. ولذا، يشار إلى كاسيمير في التاريخ البولندي بأنه «وجد بولندا خشباً وتركها حجراً» . وقد عُيِّن كاسيمير حاكماً ملكياً لكل مقاطعة يُسمَّى باللاتينية «ستاروستا كابيتانيوس Starosta Capitanus» ، ويُسمَّى بالبولندية «فويفود» ، وظل هذا أهم المناصب الإدارية مدة 470 عاماً. وجمع كاسيمير القوانين وصنفها في القانون البولندي (إيوس بولونيكم Ius Polonicum) والقانون التيوتوني (إيوس تيوتونيكم Ius Teutonicum) . وكان الأول يطبق على النبلاء والثاني على سكان المدن. ووسع كاسيمير أطراف مملكته، وأصبحت إمبراطورية تعددية تضم بولنديين كاثوليك وألمان وروثينيان (سكان أوكرانيا، أو روثينيا، الأصليون) ، كما ضمت الأرثوذكس والفلمنك واليهود والأرمن والتتر المسلمين واليهود القرّائين ممن كانوا من أصل خزري ويتحدثون التركية، أي أن السكان كانوا يتبعون عدداً كبيراً من الديانات وكانوا يتحدثون اثنتى عشرة لغة. وتأسست أسرة ياجيلون (1386 ـ 1572) حينما تُوِّجت يادفيجا «ملكاً» لبولندا عام 1384 وتزوجت من دوق ليتوانيا الوثني الذي اعتنق المسيحية بعد موتها. وقد ظلت الوحدة أساساً وحدة بين أسرتين مالكتين ولكنها مع ذلك أدَّت إلى تحويل بولندا إلى دولة كبيرة بلغت أربعة أضعاف حجمها الأصلي. وتُعَدُّ إمبراطورية ياجيلون أكثر تعددية من سابقتها إذ ضمت عناصر سكانية جديدة. وأدَّى الاتحاد إلى حماية بولندا من هجمات التتار، ولكنه كان يعني أيضاً الاشتباك مع فرسان التيوتون الذين كانوا يهددون ليتوانيا. وقد ضمت بولندا روسيا الحمراء (جاليشيا) وبودوليا، وأكدت سيادتها على دوقية مولدافيا، وامتدت حدودها من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، أو «من البحر إلى البحر» . ومع سقوط القسطنطينية في يد القوات العثمانية عام 1453، أصبحت بولندا معبراً أساسياً للتجارة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وخصوصاً أنها كانت تضم كثيراً من الأنهار التي تربط بين أراضيها وموانيها على البلطيق وتسهل انتقال السلع. وبذلك سيطرت بولندا على تجارة أوربا الدولية. عاش اليهود في بولندا منذ القرن التاسع. لكن مصدرهم غير معروف على وجه الدقة، هل جاءوا من ألمانيا وبوهيميا أم من الإمبراطورية البيزنطية وكيف؟ والأرجح أن بعض يهود الخزر انضموا إليهم، بل ويذهب آرثر كوستلر إلى أن معظم يهود بولندا، في واقع الأمر، من أصل خزري. وكان المستوطنون الأوائل من التجار. وتدل النقوش العبرية التي ظهرت على بعض العملات على مدى أهميتهم في عالم المال. ويبدأ الوجود اليهودي الحقيقي في بولندا بعد الغزو التتري الذي أفرغ بعض المناطق من سكانها. وفي محاولتهم إعادة تعمير بلدهم قام ملوك بولندا، بتشجيع تجار ألمانيا على الهجرة لتأسيس مدن تتبع قانون ماجدبرج الألماني (الأمر الذي كان يعني استقلالها النسبي) وأُصدرت لهم المواثيق حسب هذا القانون. وكان من بين المهاجرين الألمان تجار يهود هاجروا ومعهم لغتهم الألمانية (التي أصبحت اليديشية فيما بعد) والتلمود والطقوس الإشكنازية في العبادة. ومما شجع اليهود على الهجرة إلى بولندا، تدنِّي وضعهم في أوربا الغربية إبّان حروب الفرنجة، وفقدانهم وظيفتهم كتجار، وتَحوُّلهم إلى مرابين وتجار صغار. كما أن بولندا كانت البلد الوحيد تقريباً في أوربا الذي لا يتوقف فيه حق المواطنة على الانتماء إلى الكنيسة، كما كان الحال في بقية أوربا. وقد أصدر بوليسلاف التقي ميثاقاً عام 1264 يعرف باسم «ميثاق كاليسكي» لتنظيم الأحوال القانونية لأعضاء الجماعة اليهودية وتحديد إطار التعامل الاقتصادي والثقافي بينهم وبين المسيحيين، وكذلك حمايتهم وحماية أملاكهم. وكان هذا الميثاق نفسه ميثاقاً مهاجراً مثل الجماعة اليهودية، إذ كان على نمط ميثاق فريدريك الثاني دوق النمسا والمواثيق المماثلة التي مُنحت لأعضاء الجماعة في وسط أوربا في بوهيميا والمجر. وضمن لهم الميثاق حرية الإقامة في أي مكان والحرية الدينية وحرية الاتجار وحرية التقاضي، كما حرَّم اتهام اليهود بتهمة الدم دون سند قوي. ثم قام كاسيمير الثالث بتوسيع نطاق هذا الميثاق عام 1334 بحيث أصبح يتمتع به يهود روسيا البيضاء وبولندا الصغرى ثم يهود ليتوانيا (1388) وسائر يهود المملكة. وأُعفي اليهود من الخدمة العسكرية، ولم يكن عليهم تزويد الجنود بالمؤن في زمن الحرب، ولكن كان يتعين عليهم دفع ضريبة إضافية نظير ذلك، وهو الوضع الذي استمر حتى تقسيم بولندا. وفي حالة التقاضي، لم يكن للبلديات أو الكنيسة سلطة قضائية عليهم، إذ كانوا خاضعين للملك مباشرة من خلال وكيله أي الحاكم الملكي (فويفود) . وكان الحاكم الملكي يضطلع بنفسه بوظيفة قاضي اليهود، أو يُعيِّن أحد النبلاء للقيام بهذه المهمة. وكل هذه القوانين تفترض أن اليهود جماعة متماسكة، وطبقة اجتماعية منفصلة عن كل الطبقات الأخرى تتمتع بوصاية التاج مباشرة وتقوم أساساً بالعمليات المالية، وخصوصاً جمع الضرائب والإقراض. ومعنى هذا أن أعضاء الجماعة اليهودية أصبحوا أقناناً للبلاط الملكي برغم أن هذا المصطلح نفسه لم يكن مستخدماً. ولعب أعضاء الجماعة اليهودية نتيجةً لذلك دوراً مهماً في اقتصاد بولندا. وتُوجَد إشارات إلى أنهم كانوا يشتغلون بالزراعة وأنهم امتلكوا الضياع وأداروها. ولكن دورهم الأساسي كان في تطوير الاقتصاد النقدي والتجاري، فكانت معظم التجارة الداخلية والدولية في يدهم، وكانوا يُصدِّرون المحاصيل الزراعية المحلية مثل: الماشية والحبوب والجلود والأخشاب وخيوط القنب، وكانوا يستوردون السلع المصنوعة من الغرب وسلعاً أخرى مثل: التوابل والأصباغ والحرير والمنسوجات القطنية من الشرق. كما احتفظوا بعلاقات تجارية نشيطة مع ألمانيا والدولة العثمانية ومدن شبه جزيرة القرم وجنوا والبندقية. وكانوا إما منافسين للنبلاء في التجارة الدولية أو وكلاء لهم، وأصبحوا ملتزمين بجمع الضرائب، كما استأجروا مناجم الملح. وكان الإقراض بالربا من أهم وظائفهم. ومع هذا، لم تكن هذه الوظيفة حكراً عليهم. كما كان يوجد بين اليهود جزارون وخياطون. وقد بلغ ازدهار اليهود في بولندا درجة أن أحد الحاخامات فسَّر اسمها (من قبيل اللعب بالألفاظ) فقال: إن بولندا بالعبرية هي «بوه لين» ، أي «هنا ستستريح» . أدَّى استقلال أعضاء الجماعة اليهودية، وتمتعهم بحماية التاج، وتنظيمهم كجماعة تجارية، إلى تَحوُّلهم إلى طبقة ثالثة لها نشاطها وحيويتها ووجودها الملحوظ في كل المجالات التجارية والمالية. ووجد التجار البولنديون أن من الصعب التنافس مع التجار من أعضاء الجماعة اليهودية، وخصوصاً أنهم كثيراً ما كانوا يجدون ثغرات في القانون يتسللون منها، كما كانت لهم شبكة اتصالات بتجار آخرين خارج بولندا، الأمر الذي يَسَّر لهم عملية التصدير والاستيراد. كما كان التجار اليهود يتسمون بالجسارة التي تقترب من الوقاحة في عملية التسويق، فكانوا لا يتورعون عن الذهاب إلى منازل الزبائن، وكان هذا يُعدُّ أمراً مشيناً حينذاك لا يليق بتاجر يحترم نفسه. كما كانوا يحتكرون بعض المواد الخام التي يحتاج إليها الحرفيون، ويستوردون من الخارج سلعاً أرخص من السلع المنتجة محلياً. وأدَّى هذا الوضع إلى ظهور التوترات بينهم وبين معظم الطبقات الأخرى في المجتمع. فحاول التجار الألمان والبولنديون الحد من نطاق التجارة اليهودية، كما أن البلديات كانت تقف ضد توسيع حدود الجيتو، كما حدَّت من عدد البيوت التي يمكنهم تَملُّكها. كما أن الكنيسة الكاثوليكية كانت تطالب بعزلهم عن المجتمع المسيحي. وانعكس ذلك الصراع في شكل توجيه اتهامات الدم وتدنيس خبز القربان إلى اليهود. وفي عام 1454، تعرَّض التجار في بعض المدن لبعض الهجمات، وخصوصاً في الأماكن التي كانوا يمثلون فيها منافسة اقتصادية للتجار المحليين، ثم طُردوا من وارسو عام 1483 ومن كراكوف بعد ذلك بفترة وجيزة. ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت ظهور طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) التي قُدِّرت لها السيطرة في مراحل لاحقة على الحياة السياسية في بولندا وارتبط بها أعضاء الجماعة اليهودية ارتباطاً كاملاً. ولكن السلطة المركزية الملكية نجحت في هذه المرحلة في تأكيد نفسها والسيطرة على بولندا والمجتمع البولندي. ولأن اليهود، كجماعة وظيفية وسيطة، يرتبطون دائماً بالطبقة الحاكمة، فإننا نجد أنهم كانوا تابعين للتاج في هذه الفترة وأن علاقتهم بالنبلاء كانت أحياناً كثيرة تتسم بالعداء. بولندا من القرن السادس عشر حتى انتفاضة القوزاق Poland, from the Sixteenth Century to the Uprising of the Cossacks كان يوجد في بولندا وليتوانيا في نهاية القرن الخامس عشر نحو ستين جماعة يهودية. وبلغ عدد اليهود الإجمالى فيها 16 ألفاً، منهم 13 ألفاً في المدن و3 آلاف في القرى. وقد تحسَّن وضعهم حينما اعتلى الملك ألكسندر (1501 ـ 1506) العرش، فبعث ميثاق بوليسلاف الثاني لليهود وجعله جزءاً من قوانين بولندا عام 1506. وفي العام الذي سبقه، فرض النبلاء البولنديون (شلاختا) على الملك أن يقبل أن يكون البرلمان (سييم) مصدراً وحيداً للتشريع. وتحت حكم سيجسموند الأول (1506 ـ 1548) ملك بولندا ودوق ليتوانيا، انتشرت البروتستانتية في بولندا الأمر الذي أدَّى إلى خلق جو من التعددية والتسامح. واستمر سيجسموند في سياسة تشجيع التجارة، فأصدر مراسيم تؤكد المزايا التي حصل عليها أعضاء الجماعة اليهودية. وأكد سيجسموند الثاني (1548 - 1572) حقوق أعضاء الجماعة اليهودية، وزادت أهمية الدور الذي كانوا يلعبونه في الأعمال المالية كملتزمي ضرائب وصيارفة يعملون في الأمور المالية، وكان منهم عدد كبير من الأطباء. وكان أعضاء الجماعة اليهودية حتى ذلك التاريخ يعتمدون اعتماداً كاملاً على الملك، فكانوا يحصلون منه على المزايا والامتيازات ويتبعونه بشكل مباشر، وكان هو يزودهم بالحماية من بطش الطبقات المعادية لهم. وكانت مجالس القهال الإطار التنظيمي الذي مارس اليهود من خلاله الإدارة الذاتية. وازدادت قوة القهال الاقتصادية وتم تنظيمها في إطار مجالس البلاد الأربعة، وهو ما أدَّى إلى زيادة مقدرتها على التنافس مع المدن البولندية. وأدَّى وضع أعضاء الجماعة اليهودية المتميِّز، بقربهم من الملك، إلى زيادة التوتر بينهم وبين الكنيسة وطبقات المجتمع الأخرى سواء طبقة النبلاء (شلاختا) أو سكان المدن أو الكنيسة. وفي منتصف القرن السادس عشر، بعد موت سيجسموند الثاني، تحوَّلت بولندا إلى «جمهورية ملكية» يُنتَخب فيها الملك من قبل برلمان يضم كل النبلاء ولا يرث أبناؤه العرش. وكانت معظم القرارات تُتَخذ داخل البرلمان، وانتقلت السلطة الفعلية إلى أيدي كبار النبلاء. وتزامن هذا التطور مع ظهور الملكيات المطلقة في أوربا التي أسَّست حكومات مركزية قوية تُعَدُّ نواة الدولة القومية الحديثة. وهذه الحكومات اهتمت بالتجارة المحلية والدولية وشجعتها فيما يُعدُّ تعبيراً عن الثورة التجارية التي خرجت من رحمها حركات الاكتشاف والاستعمار من إسبانيا والبرتغال ثم إنجلترا وهولندا وفرنسا، الأمر الذي حوَّل طريق التجارة وجعل الدول الأطلسية مراكز للتجارة العالمية. وقد أدَّى ذلك إلى اضمحلال المدن البولندية في بادئ الأمر ثم إلى اضمحلال بولندا نفسها. وازدادت الدول المحيطة ببولندا قوة في تلك الحقبة أيضاً، كما كان هناك السويد والإمبراطورية النمساوية التي كان لها أطماع في الأراضي البولندية. ولكن بزوغ نجم بروسيا من ناحية، وتَعاظُم القوة الروسية من ناحية أخرى، كانا العنصر الحاسم في مسار التاريخ البولندي إذ أن التفكك الذي أصاب بولندا كان يقابله تَزايُد في تماسك الكتل السياسية المحيطة وتَعاظُم قوتها. لذا، لم يكن من الغريب أن يتم تقسيم بولندا في أواخر القرن الثامن عشر وأن تختفي تماماً ككيان سياسي مستقل خلال القرن التاسع عشر كله. وقد انتُخب الدوق ستيفن باثوري (1576 - 1586) ملكاً لبولندا، فكان ثاني الملوك المنتخبين. ورغم أنه كان متعصباً دينياً وصديقاً لليسوعيين، فإنه تَبَنَّى سياسة التسامح تجاه اليهود وأكد كل المواثيق الممنوحة لهم، وأصدر عام 1576 قرارات تُحرِّم تهمة الدم. ورغم استمرار سياسة التسامح هذه، استمر تدهور وضع أعضاء الجماعة اليهودية، وزادت محاولات الحد من نشاطهم التجاري والحرفي، وبدأت المدن تعطي نفسها السلطة القضائية على اليهود فأصدرت قرارات للحد من حرية إقامتهم فيها. وفي عام 1633 أُسِّس أول جيتو. ونتيجة ضعف نفوذ الملك، وتَصاعُد نفوذ النبلاء (شلاختا) ، أصبح هؤلاء حماة الجماعة اليهودية واقترنت مصالح الأرستقراطية الاقتصادية بأعضاء الجماعة. وأدَّى هذا التقارب بين النبلاء واليهود إلى تغيير وضع يهود بولندا بشكل جوهري، وهو الوضع الذي وسمهم بميسمه. ولا يمكن فهم التطورات اللاحقة التي أدَّت إلى ظهور الصهيونية إلا بفهم طبيعة هذا التحول. كان النبلاء في بولندا، برغم سطوتهم وقوة نفوذهم، يتبعون قوانين جامدة، فكانوا يتمتعون بمكانتهم (إذا كانوا من صلب إحدى الأسر النبيلة) ماداموا لا يعملون بالتجارة، وكان اشتغالهم بالتجارة يعني فقدانهم مكانتهم ووضعهم. ولذا، كان يوجد نبلاء فقراء (النبلاء الحفاة) معدمون يفضلون الجوع والفاقة على العمل بالتجارة. وأدَّى ذلك إلى التحالف بين قطاعات منهم وبين اليهود كعنصر تجاري نشيط يمتلك الخبرات والأموال المطلوبة للأعمال التجارية. وبلغت أهمية أعضاء الجماعة اليهودية درجة كبيرة حتى أنه حينما فكرت أعداد منهم في الهجرة إلى الدولة العثمانية في القرن السادس عشر، منعهم ملك بولندا بالإقناع والقوة. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أية خطورة على النبلاء لأنهم لم يكن بوسعهم، كعنصر غريب أجنبي، المطالبة بنصيب في السلطة السياسية يتناسب مع وزنهم الاقتصادي، وذلك على عكس العناصر البورجوازية المحلية التي عادةً ما تطالب بمزيد من الحقوق كلما تزايدت قوتها الاقتصادية. وشهدت الفترة 1539ـ 1549 قيام النبلاء الإقطاعيين بتوزيع السلطة القانونية على أعداد كبيرة من اليهود الذين لم يعودوا تحت الحماية الملكية. وبلغ عدد اليهود الذين يعيشون على أراض يملكها النبلاء الإقطاعيون ما يزيد على نصف أعضاء الجماعة الذين أصبحوا منقسمين إلى نصفين: يهود النبلاء ويهود الملك. وكان لكليهما إطاره القانوني. ولكن عدد يهود النبلاء أخذ في الزيادة، ومع منتصف القرن الثامن عشر، بلغ عددهم ثلاثة أرباع يهود بولندا. فكان إذا طردت إحدى المدن الملكية اليهود منها انتقلوا إلى مدن النبلاء أو إلى جيوب شبه حضرية داخل ضياع النبلاء. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية يستقرون في مدن صغيرة أسسها النبلاء، فكانوا يمنحونهم حق السكنى فيها نظير الدفاع عنها، وهي المدن التي عُرفت باسم «الشتتل» . وكان سكان هذه المدن من اليهود أساساً. والواقع أن التطور الأساسي الذي ربط مصير أعضاء الجماعة اليهودية بالنبلاء البولنديين هو إبرام اتحاد برست ليتوفسك (ويُسمَّى أيضاً اتحاد لوبلين) عام 1569 بين ليتوانيا وبولندا. وهو الاتفاق الذي حوَّل الوحدة الإسمية (وحدة الأسرتين المالكتين) بين البلدين إلى وحدة حقيقية. وقامت بولندا بضم أوكرانيا نتيجة هذه الوحدة. وكانت أوكرانيا، حتى ذلك الوقت، تُسمَّى «روثينيا» . أما كلمة «أوكرانيا» فتعني «منطقة الحدود» ، وتمتد من جاليشيا إلى نهر الدون حتى البحر الأسود، وتقع بين روسيا وبولندا والدولة التترية في القرم. وكانت أوكرانيا النقطة التي التقت فيها عناصر عديدة غير متجانسة أهمها النبلاء البولنديون الإقطاعيون الكاثوليك والفلاحون الأوكرانيون الأرثوذكس والتجار اليهود غير المنتمين لهذا أو ذاك، إلى جانب الغجر والتتار وبعض الأرمن. ثم بدأت عملية استيطان بولندية في أوكرانيا، وكانت تتطلب خبرات ورؤوس أموال كبيرة لاستصلاح الأراضي وتأمين الطرق، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور ما نسميه «نظام الإقطاع الاستيطاني» . وكانت حاجة النبلاء الإقطاعيين إلى المال تزداد يوماً بعد يوم، فكانوا يقترضون من اليهود. وأدَّى هذا كله إلى ظهور نظام الأرندا (الاستئجار) كشكل أساسي من أشكال الإقطاع الاستيطاني. فكان النبيل الإقطاعي يستدين من المرابي اليهودي مبالغ طائلة للوفاء باحتياجاته بضمان ضيعته وغلتها وعوائدها. وبالتدريج، اضطلع أعضاء الجماعة اليهودية بعملية استئجار المزرعة وإدارتها نيابةً عن النبيل الإقطاعي الغائب في وارسو، والذي كان يترك زمام الأمور في يد الوكيل. وكانت مدة عقود الإيجار تصل أحياناً إلى عدة سنوات. وأدَّى هذا إلى تَحوُّل الأرندا إلى نظام استثمار تجاري استغلالي لا تخفف من حدته الروابط الإقطاعية بما تحمل من مسئولية أخلاقية مباشرة من النبيل الإقطاعي تجاه فلاحيه وأقنانه وتراث ثقافي وديني مشترك، فهو إقطاعي في علاقاته الاقتصادية الأساسية بين النبيل والأقنان، ولكنه إقطاع بلا علاقات اجتماعية أو ثقافية إقطاعية، إذ أن الطبيعة الاستيطانية للنظام ووجود عنصر سكاني غريب يكون بمنزلة همزة الوصل بين الإقطاعي وفلاحيه قضيا على احتمال قيام مثل هذه العلاقات المباشرة وقضيا على الرقعة الثقافية والدينية المشتركة. ولا شك في أن النبلاء البولنديين كانوا ينظرون إلى أعضاء الجماعة كعنصر ريادي استيطاني كفء ونافع يساهم في تعمير المناطق غير المأهولة بالسكان وكأداة تُستخدَم لتنشيط الاقتصاد الزراعي الخامل وإدخال بعض النشاطات التجارية فيه حتى يزيد ريع الأراضي الزراعية. لكل ما تقدَّم، أصبحت السلطة المباشرة شبه المطلقة في يد اليهودي الذي كان يدير الضيعة، فهو الذي يُطبِّق القانون ويقرر العقوبات والغرامات وينفذها بمساعدة الجنود البولنديين. وكان الملتزم أو الأرنداتور اليهودي يحصل على كل الامتيازات الممكنة مثل إدارة الحانات وطواحين الغلال ومعامل الألبان ومعامل التقطير وصناعة الكحول ومناجم الملح وقطع الأخشاب وصنع الغراء ودبغ الجلود وصنع الصابون. كما كانوا يجمعون ضرائب المرور على الكباري والبوابات. بل لم تكن إقامة الصلوات الأرثوذكسية ممكنة إلا بعد العودة للوكيل اليهودي إذ لم يكن بمقدور القساوسة الحصول على مفتاح الكنيسة أو استعارة ردائهم الكهنوتي لإقامة شعائر الصلاة إلا بعد دفع ضريبة. وكان اليهود يشترون أيضاً المحصولات من الفلاحين. ولأنهم كانوا يمتلكون وسائل النقل النهري، فقد كانوا هم أيضاً الذين يقومون بنقلها. وكان أعضاء الجماعة اليهودية هم أيضاً تجار القرية الذين يبيعون الفلاحين ما يريدونه من السلع الضرورية مثل الملح والسلع التَرَفية. وأصبح بعض يهود بولندا وروسيا من كبار تجار الأخشاب والحبوب في أوربا. ونشأت علاقة قوية بين يهود البلاط في دول أوربا الوسطى، ويهود الأرندا إبّان حرب الثلاثين عاماً، حيث كان يهود البلاط يستوردون الحبوب من بولندا. وكان يهود الأرندا يقومون بتدبير الغلال المطلوبة التي كانت تتزايد حاجة أوربا إليها. وهذا يبين كيف كانت العلاقات بين الجماعات اليهودية تسهل اتصالاتهم وتجعلهم شبكة قوية ووحيدة للتجارة الدولية. وساهم الوضع الاقتصادي العام في أوربا آنذاك في تحسين وضع بولندا، إذ كان سكان أوربا الغربية آخذين في الزيادة وهو ما اضطر دول هذه المنطقة إلى استيراد كميات كبيرة من الحبوب. واستفادت بولندا من هذا الوضع، فأصبحت في الفترة من 1577 إلى 1654 بمنزلة المصدر الأساسي للقمح في أوربا. فكان يتم تصدير القمح البولندي إلى فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، وأحياناً إلى العالم الإسلامي من خلال أمستردام حيث كانت هناك أهم بورصة لبيع الحبوب. وأصبحت جدانسك أهم مدينة تجارية في أوربا بعد أمستردام إذ كانت تُصدِّر مواد عديدة مثل الحبوب والأخشاب والكتان والقنب والبوتاس والماشية. واحتكر النبلاء البولنديون هذه السلع وطوروا ضياعهم لإنتاجها فشددوا قبضتهم على الأقنان وحولوهم إلى عبيد تقريباً. فكان كبار النبلاء الإقطاعيين يمتلكون الأرض في أوكرانيا ويؤجرونها، والألمان يديرون الموانئ على بحر البلطيق، والهولنديون يمتلكون السفن البحرية لنقل السلع. أما أعضاء الجماعة اليهودية، فقاموا ببقية العملية ومن بينها نقل المحاصيل بوسائل النقل النهري التي كانوا يمتلكونها. وقبل اتحاد ليتوانيا وبولندا عام 1569، كان لا يوجد سوى أربعة وعشرين تجمعاً يهودياً في أوكرانيا لا يزيد عدد أعضائها على أربعة آلاف. ولكن، مع حلول عام 1648، كان عدد التجمعات 115 تجمعاً يبلغ عدد سكانها 51.325، أي أن أعضاء الجماعة اليهودية زاد عددهم 13 مرة خلال ثمانين عاماً. ونظراً لأن أعضاء الجماعة اليهودية لم يكونوا مسلحين، فقد كانت تساندهم فرق مسلحة بولندية حتى يمكنهم الاستمرار في استغلال الفلاحين. وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية بعلاقتهم القوية مع النبلاء والقوى التجارية الدولية محميين من تقلبات المجتمع الإقطاعي ومن غش وخداع البلديات والموظفين الملكيين، ووجدوا المناخ المستقر الذي يحتاج إليه النشاط التجاري والمالي دون ضغوط وتهديد. وتَحسَّن وضعهم ودخلوا دورة اقتصادية جديدة. وربما يُفسِّر سبب بقاء واستمرار الجماعة اليهودية وسبب استمرار أعضائها أهم عنصر في الاقتصاد النقدي رغم عمليات الطرد في أواخر القرن الخامس عشر. وقد ازدهرت الدراسات الدينية بحيث أصبحت بولندا مركز الدراسات التلمودية لا في العالم الغربي فقط وإنما في العالم بأسره. ولكنهم رغم ازدهارهم، بل وبسببه، ظلوا في نهاية الأمر عنصراً تجارياً إدارياً غريباً يعيش في بيئة فلاحية، وتحولوا إلى أداة استغلال كاملة مباشرة في يد الأرستقراطية الإقطاعية الغائبة المستفيدة من هذا الاستغلال، ومَثَّل هذا وضعاً متفجراً يتسم بعدم الاستقرار. تسبَّب نظام الأرندا في عزل أعضاء الجماعة اليهودية داخل الشتتلات وإلى تَزايُد غرورهم تجاه الفلاحين، كما تزايد اعتمادهم على السلطة الحاكمة، وعلى القوة العسكرية البولندية. وكان القانون البولندي، بسبب الوضع المتفجر، يُلزم رب العائلة اليهودية بالاحتفاظ ببنادق بعدد الذكور، وبثلاث خرطوشات وثلاثة أرطال من البارود. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يبنون معابدهم على هيئة حصون تُوجَد بحوائطها كوات تخرج منها فوهات البنادق وتُنصَب فوقها المدافع ضد الأقنان والعبيد. ومع نهاية القرن السادس عشر، كان عدد كبير من يهود بولندا الموجودين في أوكرانيا يقوم بعملية الاستغلال هذه ويشكل جسماً غريباً يتحدث أعضاؤه اليديشية (في وسط سلافي) ويؤمنون باليهودية ويمثلون النبلاء البولنديين الكاثوليك (في وسط أوكراني أرثوذكسي) ويقومون بأعمال تجارية (في وسط زراعي فلاحي) مستغرقين إما في الدراسات التلمودية التي أصبحت شكلية وخالية من المضمون والروح منفصلة عن الحياة وإما في التأملات القبالية التي تمنح اليهود مركزية في الكون لا أساس لها في الواقع. وتواجد أعضاء الجماعة اليهودية بأعداد كبيرة في مدنهم التجارية الصغيرة (الشتتلات) الأمر الذي كرَّس عزلتهم بشكل يكاد يكون كاملاً. ويُلاحَظ مدى تَداخُل الانتماء الإثني والديني والطبقي في أوكرانيا وبولندا. ولعل هذا الوضع يشكل الأساس المادي لمقولة أبراهام ليون الخاصة بالشعب/الطبقة، ولبعض المقولات الصهيونية كقولهم " من الطبقة إلى الأمة "، ولحديث بوروخوف عن الهرم الإنتاجي المقلوب عند اليهود. ولكننا نفضل استخدام مفهوم الجماعة الوظيفية (المالية/الاستيطانية) في هذه الحالة. ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن يهود الشتتل كانوا بمنأى عن الثقافة اليهودية الرفيعة (مقابل الثقافة الشعبية) التي كانت توجد مراكزها في المدن حيث كانت توجد المدارس التلمودية العليا (اليشيفات) . وقد بدأوا يتفاعلون مع محيطهم الثقافي واستوعبوا كثيراً من العادات والمعتقدات الفلاحية الشعبية المسيحية السلافية. وكان لهذا أعمق الأثر في التطور اللاحق لليهودية إذ أن الدراسات التلمودية الجافة لم تَعُد تلائم هذا الجو المشبع بالأساطير والخرافات. وقد أخذ عدد أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا في التزايد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر زيادة كبيرة، فكان عددهم عام 1500 يتراوح بين 25 و30 ألفاً من مجموع خمسة ملايين بولندي. وفي عام 1575، زاد عدد سكان بولندا إلى سبعة ملايين نسمة. ولكن عدد أعضاء الجماعة اليهودية زاد إلى 150 ألفاً. ومع منتصف القرن السابع عشر، بلغ عددهم 350 ألفاً (ويُقال 500 ألف) يشكِّلون 5% من مجموع سكان بولندا. وحتى عام 1550، لم يكن هناك يهود يعيشون بشكل قانوني في إنجلترا أو فرنسا أو هولندا أو إسبانيا أو البرتغال أو الدول الإسكندنافية أو إمارة موسكوفي. وكان يهود أوربا كافة مركزين أساساً في بولندا وبعض أجزاء من ألمانيا أو إيطاليا بحيث كان يوجد، في القرن السابع عشر، مركزان أساسيان في العالم لليهود: أحدهما في الإمبراطورية العثمانية وهو الذي استوعب العديد من اليهود الذين طردوا من أوربا الغربية وشبه جزيرة أيبريا، وثانيهما في بولندا وليتوانيا. واستمر يهود بولندا في الزيادة، حتى أن أغلبية يهود العالم في بداية القرن العشرين كانت من نسل يهود بولندا. النبلاء البولنديون (شلاختا) (Polish Nobility (Szlachta «شلاختا» كلمة بولندية معناها «نبلاء» . والشلاختا تركيب طبقي فريد يستمد تفرده من طبيعة التشكيل السياسي الحضاري البولندي. وظهرت بولندا بوصفها وحدة سياسية بعد أن قام ملوك أسرة بياست (966 ـ 1386) بتوحيد أقاليمها. وحافظت أسرة ياجيلون (1386 ـ 1572) على هذه الوحدة من خلال حكومة ملكية تتمتع بشيء من المركزية، وتفرض سلطتها على كل أطراف المملكة، وتتبع سياسة موحَّدة تجاه تطوير المجتمع وتعمير البلاد في الداخل وعمليات صد الغزاة وتوسيع رقعة البلاد في الخارج. وشهدت هذه الفترة توسيع رقعة بولندا حتى أصبحت أكبر دول أوربا وأقواها، تمتد من البحر إلى البحر، من بحر البلطيق إلى البحر الأسود. وفي محاولة تطوير البلاد، قام ملوك بولندا بتشجيع عناصر أجنبية (الألمان واليهود والأرمن) على الاستيطان وتشييد مدن تُحكَم بالقانون الألماني (قانون ماجدبرج) . واستقرت في هذه المدن أيضاً عناصر بولندية محلية صبغت هذه المدن بالصبغة البولندية. وكانت هذه المدن تتبع الملك مباشرة (ولذا سُمِّيت «مدن التاج» ) وكانت ذات شخصية اعتبارية مستقلة ولمجالسها البلدية صلاحيات كثيرة. وإلى جانب سكان المدن، كان يوجد الفلاحون الذين يعيشون داخل نظام الإقطاع البولندي كأقنان عليهم أن يعملوا في مزارع النبيل الإقطاعي. كما كان يُوجَد عدد كبير من الفلاحين الأحرار الذين يستأجرون الأرض من النبيل الإقطاعي. ولم تكن سلطة النبلاء (على الأقنان أو الفلاحين) مطلقة في بداية الأمر إذ كانت لهم أيضاً مجالسهم المستقلة ومحاكمهم، وكانت بعض القرى قد نجحت في الحصول على الحقوق والمزايا التي منحها القانون الألماني للمدن. بل إن بعض الفلاحين الأحرار كانوا ضمن العناصر الأجنبية التي استقرت خلال محاولة تعمير بولندا. أما أهم الطبقات، من منظور التطور السياسي اللاحق لبولندا، ومن منظور تبلور المسألة اليهودية في شرق أوربا وظهور الصهيونية، فهي طبقة النبلاء. وهي طبقة لم تكن قط تابعة للملك وإن كان قد نجح بعض الوقت في فرض سلطته عليها. وإذا كان التطور اللاحق في معظم أرجاء أوربا هو تَعاظُم سلطة الملك داخل النظام الإقطاعي وتقليم أظافر النبلاء الإقطاعيين وتأسيس الدولة المطلقة تحت حكم الملوك المطلقين، فإن العكس هو الذي حدث في بولندا إذ تعاظم نفوذ النبلاء حتى أصبحوا الحكام الحقيقيين وأصحاب القرار في الدولة البولندية. وظهر أول اتحاد لهم في منتصف القرن الرابع عشر، وكونوا مجلس شورى للملك (1385 ـ 1493) ، ثم نجحوا في الفترة 1422 ـ 1433 في تدعيم امتيازاتهم، كالإعفاء من الضرائب وعدم سجن أي منهم إلا بعد المحاكمة. وتحوَّل مجلس شورى الملك عام 1493 إلى مجلس تشريعي يُسمَّى السييم أو البرلمان. وفي عام 1505، ساد العرف القائل «نيهيل نوفي nihil novi» (وهي عبارة لاتينية تعني «لا تجديد» ) ، الأمر الذي يعني تأكيد حق برلمان النبلاء وحده في إصدار القوانين والتشريعات. ومن خلال البرلمان (سييم) ، تَمكَّن النبلاء من تقويض دعائم النظام الملكي المركزي تماماً حتى تحولت بولندا من مملكة يحكمها ملك إلى مملكة تحكمها طبقة اجتماعية هي طبقة النبلاء. ولعل تَزايُد نفوذ النبلاء يعود إلى سمة فريدة في بولندا بين الدول الغربية، وهي تعددية الإمبراطورية البولندية إثنياً وجغرافياً ودينياً، وهي تعددية زادت بعد توحيد ليتوانيا وبولندا عام 1386 باتحاد الأسرتين الملكيتين في البلدين. وكانت بولندا تضم بولنديين كاثوليك يتحدثون الألمانية، وليتوانيين يتحدثون لغتهم، ويهود يتحدثون اليديشية، وألمان يتحدثون الألمانية، وأرمن مسيحيين يتحدثون الأرمنية، وتتراً مسلمين يتحدثون لغتهم، وغير هؤلاء كثيرون، حيث بلغ عدد اللغات اثنتى عشرة لغة. كما وُجدت في بولندا الديانات التوحيدية الثلاث، وكذلك معظم الشيع المسيحية: الأرثوذكسية والكاثوليكية والأرمنية والبروتستانتية، ومثل هذه التعددية تتطلب إطاراً إدارياً فضفاضاً. وانتهى حكم أسرة ياجيلون بتوقيع اتحاد لوبلين (برست ليتوفسك) عام 1569، والذي حوَّل الوحدة بين بولندا وليتوانيا من وحدة ملكية (من خلال الأسرة المالكة) إلى وحدة حقيقية بين البلدين. ولكن كان يُوجَد في كل من البلدين طبقتان من النبلاء، لكلتيهما مصالحها وظروفها التي لا تنوي التنازل عنها. ولإنجاز الاتحاد، كان لابد أن تتنازل السلطة المركزية الملكية عن كثير من سلطاتها الأمر الذي أدَّى إلى تَزايُد ضعف السلطة المركزية وتَزايُد نفوذ النبلاء. وبعد أن اتحدت مملكة بولندا ودوقية ليتوانيا، احتفظت كل منهما بقوانينها وإدارتها، ولكن أصبح لها حكومة واحدة تحت حكم ملك واحد ينتخبه البرلمان (سييم) . وقد سموا هذا الكيان «ريس بوبلكا res publica» وهي كلمة لاتينية معناها «الجمهورية» ، وأُطلَق عليها «جمهورية بولندا وليتوانيا المتحدة» ، أي أن المملكة الجديدة تحوَّلت من ملكية تتحكم فيها طبقة اجتماعية إلى جمهورية ملكية أي جمهورية يحكمها ملك منتخب، وهو أمر فريد في العالم الغربي وربما في العالم بأسره. وكان الملك يُنتخَب انتخاباً مباشراً من قبَل النبلاء. ولم يكن يتم تتويج الملك إلا بعد أن يُقسم على أنه سيلتزم بميثاق يحوي العديد من البنود، مثل: قبوله بأن يُختار الملك بالانتخاب وأن عليه دعوة البرلمان للاجتماع والموافقة على أن يقوم ستة عشر سناتوراً بالرقابة على السياسة الملكية وأن يحافظ على امتيازات النبلاء وحقهم في الموافقة على فرض الضرائب وإعلان الحروب وتوقيع المعاهدات. ومن ثم كانت السيادة الكاملة للنبلاء، وأصبح الملك مثل المدير الذي يتم التعاقد معه لتنفيذ خطة محددة موضوعة له. وكانت سلطة ملك بولندا أقل كثيراً من سلطة ملك إنجلترا الذي كان يملك ولا يحكم، فهذا كان لا يملك ولا يحكم. ووصل نظام الجمهورية الملكية إلى قمة سخفه في نظام الليبروم فيتو librum veto (وهي عبارة لاتينية تعني «الفيتو الحر» ) وهو نظام يعطي لأي عضو في البرلمان حق الفيتو وهو ما كان يعني ضرورة أن تَصدُر القرارات بالإجماع. وقد أصاب هذا النظام البرلمان بالشلل وزاد تفكك بولندا وتحوُّلها إلى أقسام يحكم كلاًّ منها نبيل أو ربما يتحكم فيه. وتزامنت عملية تقنين سلطة النبلاء مع عدة عمليات تاريخية داخلية وخارجية: 1 ـ شهدت سبعينيات القرن السادس عشر ازدهار بولندا التجاري نتيجة تحوُّلها إلى معبر للتجارة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، فهي بلد يقع في قلب أوربا ويمتد من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، أي من السويد وروسيا وألمانيا وبمحاذاة العديد من بلاد أوربا ووسطها ليصل إلى حدود الدولة العثمانية. وبدأت بولندا في تصدير العديد من السلع الغذائية. واستفاد النبلاء من هذا الوضع إذ احتكروا الاتجار في هذه السلع وراكموا الثروات. 2 ـ شهدت الفترتان من 1496 إلى 1508 ومن 1520 إلى 1532 صدور عدة قوانين شددت قبضة النبلاء على الفلاحين وسلبتهم حريتهم وحولتهم إلى أقنان بحيث أصبحوا ملكية خاصة للنبلاء وأصبحوا مجرد مصدر للعمالة الرخيصة في مزارع البلاد. 3 ـ نجم عن الوحدة بين ليتوانيا وبولندا أن أُتيحت فرصة للاستثمار أمام النبلاء البولنديين في أوكرانيا (1569 ـ 1648) . وانحصر اهتمام النبلاء في ريع ضياعهم في أوكرانيا دون أيِّ إحساس بالمسئولية الإقطاعية تجاه فلاحيهم ودون أية مشاركة في ثقافتهم. وأدَّى هذا إلى تَزايُد استغلال النبلاء للفلاحين في أوكرانيا وخارجها، وتحوَّل نظام الأقنان إلى نظام عبودي إذ لم تكن هناك قوة تقف في وجه النبلاء وتضع حدوداً لاستغلالهم. وقد أصر النبلاء على حقهم المطلق في إقرار الحياة والموت بالنسبة إلى الأقنان. وظل رجال الكنيسة وسكان المدن اليهود (أي الجماعات التي كان يتقرر وضعها بموجب مواثيق ملكية) خارج نطاق تحكُّم النبلاء. واستمر استقلالهم، ولكنهم لم يشتركوا في البرلمان أو في انتخاب الملك باستثناء بعض كبار رجال الكنيسة. وكانت ثقافة الشلاختا تدعو للمساواة التامة بين مختلف النبلاء دون تفرقة على أساس الثروة أو النفوذ. ولم يكن هناك تمييز بين كبار النبلاء والشريحة المتوسطة منهم أو ما كان يُسمَّى «النبلاء الحفاة» أو «سابلة النبلاء» وهو عدد هائل من النبلاء الذين كانوا لا يملكون أرضاً ولا ثروة، ومع هذا كانوا أعضاء في طبقة الشلاختا. ويُلاحَظ أن طبقة النبلاء، في مختلف بلاد أوربا، كانت لا تزيد على 1 ـ 2% من مجموع السكان. أما الشلاختا، فكانت تصل إلى ما بين 8% و12%. ولذا، كانت تُعَدُّ أكبر طبقة لها حق الانتخاب في أوربا في ذلك الوقت. ورغم مجموعة القيم الديمقراطية التي تَمسَّك بها أعضاء الشلاختا، أو ربما بسببها، فإنهم كانوا مسئولين إلى حدٍّ كبير عن ضعف بولندا واختفائها في نهاية الأمر. فقد اهتم النبلاء كل بمصلحته الخاصة وهو أمر لم يكن ليَخفَى على الدول المجاورة (ذات الأطماع في بولندا) التي أخذت تتدخل في السياسات الداخلية لبولندا من خلال النبلاء وتتحكم فيها، وهو ما أدَّى إلى تَزايُد النفوذ الأجنبي. وتزامنت هذه المرحلة مع ظهور الملكيات المطلقة ذات السلطة المركزية في بقية أوربا وظهور ألمانيا وروسيا والنمسا كإمبراطوريتين لهما أطماع في بولندا. وحدث تَطوُّر مُتوقَّع داخل طبقة النبلاء ذاتها إذ أخذت شريحة كبار النبلاء (التي كانت تضم حوالي ثلاثمائة أسرة) في التبلور كأقلية تتحكم في طبقة النبلاء نفسها، وفي الوظائف الأساسية في الدولة ومن ثم في بولندا بأسرها. وكانت ثروات كبار النبلاء أكبر من ثروات الملك، كما كانت ضياعهم دولة داخل دولة فعلاً، ويعيش فيها مئات الألوف من الأقنان/العبيد. وكان حجم بعضها أكبر من حجم بعض الدوقيات الألمانية، كما كانت تتبع كل نبيل قوة مسلحة خاصة به لضمان الأمن الداخلي. وتحوَّل صغار النبلاء إلى موال لهم يمتثلون لأوامرهم. وقد أسس النبلاء مدناً خاصة بهم تتنافس مع المدن الملكية وتفوقها في الثروة والنفوذ، وساهموا في إضعاف الطبقة الوسطى إذ استوعبوا ثروات بولندا وركزوها في أيديهم. ومع اكتشاف أمريكا، وصلت إلى أيديهم كميات كبيرة من الذهب تم استيرادها من العالم الجديد. ولكن الثروات التي راكموها لم يُعَد استثمارها في الاقتصاد، بل بُدِّدت في مظاهر الترف، الأمر الذي أدَّى إلى التضخم وعدم الازدهار الاقتصادي. وقد أدَّى كل هذا إلى استقطاب شديد في المجتمع البولندي بحيث كانت تُوجَد من ناحية طبقة الشلاختا التي على رأسها شريحة كبار النبلاء تتحكم في المجتمع بأسره (دون ضوابط) بمساندة القوى الأجنبية أحياناً، وكانت تُوجَد من ناحية أخرى طبقة عريضة من الفلاحين الذين تحولوا بالتدريج إلى أقنان/عبيد، كما كانت تُوجَد طبقة وسطى هزيلة غير قادرة على النمو بسبب سيطرة كبار النبلاء. ومع تَصاعُد نفوذ النبلاء وضعف نفوذ السلطة المركزية الملكية، تزايد اعتماد اليهود على النبلاء ابتداءً من القرن السابع عشر وانتقل مركز الجاذبية بالنسبة إليهم من غرب ووسط بولندا إلى المناطق الشرقية في أوكرانيا وغيرها. ومن منتصف القرن السابع عشر، أصبحوا الطبقة الثالثة، أو الجماعة الوظيفية الوسيطة بين النبلاء والأقنان. وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية أداة النبلاء في ممارسة سلطتهم الجائرة غير المستنيرة. فقام اليهود بمهمة إدارة مزارع النبلاء الكبيرة في أوكرانيا وغيرها تساندهم القوة العسكرية البولندية فيما عُرف بنظام الأرندا، وذلك داخل إطار الإقطاع الاستيطاني في مدنهم الصغيرة (شتتل) التي بناها لهم النبلاء. وكذلك أصبح أعضاء الجماعة أداة النبلاء في كبح جماح الطبقة الوسطى، أو سكان المدن البولندية. فالنبلاء كانوا يفضلون التجار اليهود على غيرهم لأنهم كانوا يحققون لهم عائداً أكبر من العائد الذي يحققه التجار البولنديون أو الألمان. وحتى في المدن البولندية، التي كان محظوراً على اليهود السكنى أو الاتجار فيها، كانت منازل النبلاء تقع خارج نطاق قوانين المدينة، ولذا كان بوسع اليهود أن يقيموا فيها كي يقوموا بنشاطهم التجاري لصالحهم ولصالح النبلاء أيضاً. ومما دعم العلاقة بين اليهود والنبلاء أن النبيل الإقطاعي كان محرماً عليه الاشتغال بالتجارة، كما كان يفقد مكانته ووضعه الطبقي إن فعل، ولذا كان مضطراً لاستخدام وسيط تجاري ليضطلع بهذه الوظيفة نيابة عنه. وازدهرت الجماعة اليهودية بسبب ارتباطها بالنبلاء الذين كانوا يجدون فيها أداة طيعة لا تمثل أية خطورة عليهم بسبب عزلتها عن السكان ولأنها ليست لها مطالب سياسية على عكس الوسطاء المحليين. ويُقال إن بولندا، في هذه المرحلة، كانت السماء بالنسبة لليهود والجنة بالنسبة للنبلاء، ولكنها كانت تمثل جهنم بالنسبة للأقنان، ويمكن أن نضيف وللتجار البولنديين. ويمكن أن نرى هنا الجذور الحقيقية للمسألة اليهودية إذ أن تحول اليهود إلى أداة استغلال، أو إلى جماعة وظيفية وسيطة، يعني أنهم كانوا يقفون ضد أغلبية طبقات المجتمع لا يرتبط مصيرهم بمصيره، وخصوصاً أن الطبقة التي ارتبطوا بها لم تكن طبقة وطنية بل طبقة مرتبطة بالنفوذ الأجنبي. ولذا، فحينما ظهرت طبقة بورجوازية وطنية في بولندا، لم يكن بإمكان اليهود أن ينخرطوا في سلكها فظلوا خارجها. كما ارتبطوا بطبقة كانت عملياً مسئولة عن ضعف بولندا وتَحوُّلها من دولة عظمى إلى دويلة صغيرة ثم عن اختفائها نهائياً مع بداية القرن التاسع عشر. واختفت طبقة النبلاء مع تقسيم بولندا وتَحوَّل كثير من النبلاء إلى مهنيين. ونحن نرى أن علاقة كبار النبلاء باليهود كجماعة وظيفية وسيطة وعميلة، تُستخدَم أداة لامتصاص خيرات البلد وفائض القيمة من جماهيره داخل إطار الإقطاع الاستيطاني والأطر الأخرى، تشبه علاقة الولايات المتحدة بالمستوطنين الصهيونيين داخل إطار الاستعمار الاستيطاني الإحلالي. بولندا من انتفاضة القوزاق إلى التقسيم Poland, from the Cossack Uprising to the Partition بدأت الفترة التي تُعرَف باسم «الطوفان» في تاريخ بولندا في منتصف القرن السابع عشر، وهي فترة استمرت نحو ثلاثين عاماً. وشهدت المرحلة السابقة الضعف المتزايد لسلطة الدولة المركزية، وضعف الملكية تحت حكم ملوك الساكسون، وزيادة قوة النبلاء البولنديين (شلاختا) الذين كان يدين بعضهم بالولاء لدول أجنبية. وتزامن ضعف السلطة المركزية مع ظهور دول مجاورة قوية مثل السويد أو روسيا التي بدأت تتحدد معالمها كدولة عظمى. وبدأ الطوفان بثورة القوزاق، وهم جماعة حدودية من الجنود وقطَّاع الطرق كونوا فرقاً شبه عسكرية متجولة، بتشجيع من ملوك بولندا لحماية المنطقة من هجمات التتار. ولكنهم أخذوا يتمردون على الحكم البولندي، واندلعت أول انتفاضة لهم عام 1637. وأعقب ذلك فترة جفاف في أوكرانيا سادت عشرة أعوام، وهو ما زاد بؤس الفلاحين وزاد ضغط اليهود عليهم ليفوا بالالتزامات المالية. ثم هبت العاصفة الحقيقية على شكل انتفاضة بوجدان شميلنكي عام 1648 التي اكتسحت البولنديين وأعوانهم من اليهود. ورغم توقيع معاهدة مع بولندا اعترفت فيها باستقلال دولة القوزاق بزعامة شميلنكي، فإن الصراع في المنطقة استمر دون هوادة. ولم يتمكن أي من الفريقين من إحراز انتصار حاسم. وكان شميلنكي، منذ بداية الثورة، قد عقد تحالفات مع روسيا والدولة العثمانية والتتار، كما وقع معاهدة عام 1654 مع روسيا وُضعت بمقتضاها دولة القوزاق الأوكرانية تحت حماية القيصر، وأصبح القيصر بعدها قيصر روسيا الصغرى (أي أوكرانيا) أيضاً. وهنا دخلت روسيا الحروب مع بولندا التي تحالفت مع التتار. وكانت النتيجة أن أوكرانيا عاشت فترة امتدت 32 عاماً من الغزو الأجنبي والحروب الأهلية والتقلبات الاجتماعية. ودخلت القوات السويدية الحرب عام 1655. وشهدت الفترة أيضاً هجمات الهايدماك وهجمات الفلاحين والأقنان تحت قيادة قوزاق من جماعة الزابروجيان من أتباع شميلنكي (مات عام 1657) ، كما شهدت كذلك تصارعاً بين جماعات القوزاق المختلفة. وانتهى الأمر بتقسيم أوكرانيا بين بولندا وروسيا والدولة العثمانية التي ضمت أجزاء من أوكرانيا، من ضمنها بودوليا، ظلت تحت الحكم العثماني حتى عام 1699. ووقعت معاهدة السلام الأزلي بين روسيا وبولندا عام 1686، ومع هذا اندلعت الحرب مرة أخرى ولم تنته إلا عام 1709 حين انتصرت روسيا على السويد وبولندا. وتحطَّم الاقتصاد البولندي تماماً في هذه المرحلة إذ توقفت تجارة الحبوب من خلال بحر البلطيق وانخفض مستوى المعيشة (كان مستوى معيشة المواطن البولندي عام 1750 أقل منه عام 1550) ، وتدهورت المدن، وفَقَدت ثلاثة أرباع سكانها، وشهدت بولندا أسوأ تَضخُّم في تاريخها. وهبط عدد سكان بولندا إلى أربعة ملايين عام 1668 وهو يعادل 45% من عدد السكان قبل هذا التاريخ، ثم ارتفع العدد إلى أن بلغ 11.420.000عام 1772. وكانت هذه المنطقة من أوربا تضم نصف يهود العالم تقريباً. وترى الدراسات الحديثة أن التصورات القديمة الخاصة بأن ثورة شميلنكي أبادت عشرات الألوف من اليهود واجتثت مئات الجماعات هي تصورات مبالغ فيها إذ أن أعداداً كبيرة من اليهود هربت ثم عادت بعد استقرار الأمور بعض الشيء. ومع هذا، ثمة اتفاق على أن هذه الهجمات، ثم الصراعات العسكرية والاجتماعية التي تلتها، أدَّت إلى ضعضعة الوجود اليهودي في بولندا وخلقت جواً من الذعر وعدم الطمأنينة. ورغم أن أعضاء الجماعة اليهودية قاموا بمحاولة إعادة البناء بمساعدة الملك جون كاسيمير (1648ـ 1668) ، إلا أن نفوذه كان ضعيفاً، كما أن رأس المال اليهودي كان قد تبدَّد إلى حدٍّ كبير. وكذلك كان عدم الاستقرار سائداً. ولذا، لم تنجح التجربة هذه المرة، وازدادت الأعباء المالية الملقاة على كاهلهم وعلى كاهل مجالس القهال، وبدأ نمط الهجرة الحديثة بين أعضاء الجماعات، الهجرة من البلاد المتخلفة في شرق أوربا إلى البلاد المتقدمة في غربها والهجرة الاستيطانية إلى العالم الجديد. وفي منتصف القرن الثامن عشر، كان البناء الطبقي والوظيفي لأعضاء الجماعة اليهودية على النحو التالي: 2ـ3% من كبار التجار. 40% من صغار التجار وضمن ذلك مستأجرو الحانات ويهود الأرندا. 33% من الحرفيين. 10% من الحرف المرتبطة بنشاطات الجماعة اليهودية. 15% من الفقراء والعاطلين والمتسولين. وكان معظم الجماهير اليهودية في تلك المرحلة قد ابتعد عن مراكز الدراسات التلمودية والتقاليد الثقافية الحاخامية التي كانت قد بدأت تفقد صلتها بالواقع، وأصبحت غير قادرة على أن الاستجابة للحاجة الروحية لدى الجماهير اليهودية، الأمر الذي أدَّى إلى انتشار القبَّالاه. ورغم أن اليهود كانوا وسطاء ممثلين للإقطاع البولندي، فإنهم اكتسبوا كثيراً من صفات الفلاحين الأوكرانيين والبولنديين بكل خرافاتهم ونزعاتهم الدينية الغيبية، بل تأثروا بتقاليدهم الدينية المسيحية، وخصوصاً بجماعات المنشقين الدينيين الروس وبالخليستي على وجه التحديد. وتزامن ظهور الحركة مع التدهور التدريجي للاقتصاد البولندي إذ طُرد كثير من يهود الأرندا وأصحاب الحانات من القرى والمدن الصغيرة. وتسبَّب كل ذلك في ازدياد تَغلغُل الرؤى القبَّالية، الأمر الذي جعل أعضاء الجماعة اليهودية تربة خصبة للنزعات المشيحانية. ولذلك، ترك شبتاي تسفي أعمق الأثر في بعض قطاعاتهم، وأصبحت بولندا، وخصوصاً بودوليا، مركزاً للحركات الشبتانية والفرانكية على وجه الخصوص. وفي نهاية الأمر، ظهرت الحسيدية في المناطق الزراعية في بولندا التي ضُمَّت فيما بعد إلى روسيا وهي أوكرانيا وروسيا البيضاء. وكانت القيادة الاجتماعية للحركة الحسيدية هي الطبقة الوسطى الصغيرة من بقايا يهود الأرندا ومستأجري الحانات وأصحاب المحال الصغيرة والباعة المتجولين. والحسيدية حركة دينية حلولية تنادي بالتواصل مع الخالق مباشرة، بل الالتصاق به، متجاوزة بذلك المؤسسات الدينية التقليدية، كما أنها تؤكد أهمية التجربة الصوفية والإحساس بالنشوة بشكل يجعلها معادية للنزوع العقلي أو الذهني المجرد للمؤسسات التلمودية. ولكن هذه النزعات نفسها ساهمت في تخفيف البؤس على الجماهير. وأحلَّت الحسيدية التساديك محل الحاخام، والتساديك شكل من أشكال القيادة الكاريزمية في وقت كانت القيادات الحاخامية قد تخلَّت فيه عن مسئوليتها. والتساديك على عكس الحاخام ملتصق بمريديه، يعرف مشاكلهم وبوسعه أن يُدخل على قلوبهم الطمأنينة. ازداد الصراع بين أعضاء الجماعة والبورجوازية البولندية، فصدرت عام 1720 تشريعات حدَّت من النشاط التجاري لليهود. وهذا الصراع إحدى السمات الأساسية للوجود اليهودي في بولندا، فنتيجةً للتاريخ الاقتصادي المنفصل لأعضاء الجماعة، أي لكونهم جماعة وظيفية وسيطة وأعواناً للأرستقراطية وعملاء لها في إطار الإقطاع الاستيطاني ونظام الأرندا، ونتيجة عزلتهم الحضارية وكونهم عنصراً غريباً مستقلاًّ، كان من الصعب إنشاء تحالف بينهم وبين البورجوازية البولندية، الأمر الذي كان يعني أن يظل اليهود منذ البداية خارج نطاق النضال الثوري. وقد أُلغي مجلس البلاد الأربعة عام 1764. وبلغ عدد يهود بولندا في ذلك العام 749.968 يهودياً (منهم 548.777 في بولندا و201.191 في ليتوانيا) يعيش معظمهم في المدن. وإذا عرفنا أن نصف مليون بولندي فقط كانوا يعيشون في المدن لتبيَّن لنا أن سكان المدن، خصوصاً المدن الصغيرة، كانوا أساساً من اليهود. وقد قُسِّمت بولندا للمرة الأولى عام 1772 ثم قُسِّمت مرة أخرى عام 1793. وحدثت محاولة لإصلاح اليهود كما نُشرت دراسات ومشاريع تهدف إلى تحديث اليهود ودمجهم في الأمة البولندية، وتمت مناقشة المسألة اليهودية في البرلمان البولندي (1788 ـ 1792) ، ولكن قامت معارضة شعبية لعملية الدمج هذه. وشُكِّلت لجنة عام 1790 لبحث المسألة اليهودية قررت وجوب إلغاء ديون القهال أولاً ثم إخضاع أعضاء الجماعة لعملية التنوير. وأدَّى تقسيم بولندا إلى تقسيم أعضاء الجماعة فيها، فتم ضم عدد من يهود بوزنان إلى بروسيا، وأصبحت جاليشيا تابعة للإمبراطورية النمساوية، وتم ضم يهود المقاطعات الشرقية إلى روسيا. وحينما اندلعت ثورة كوشتشوكو القومية، اشترك فيها اليهود إلى جانب البولنديين. وكانت مثل هذه اللحظات النادرة من الكفاح الوطني المشترك بوتقة الصهر التي كان يتم من خلالها وإبّانها دمج الجيوب الإثنية والدينية المختلفة في التشكيلات القومية، ولكن لم يُقدَّر لهذه اللحظات أن تتكرر في حالة يهود بولندا. ولم يُقدَّر للاتجاه الاندماجي الاستمرار لعدة أسباب: 1 ـ كان الاندماجيون بين اليهود شريحة اجتماعية صغيرة للغاية، تَوجُّهها الثقافي بولندي ويتركز معظم أعضائها في وارسو أو في غيرها من كبرىات المدن. أما الجماهير اليهودية العريضة، فكانت جماهير فقيرة تتحدث اليديشية ولم تتأثر بالقيم التحديثية والقومية الجديدة، كما كانت تعيش داخل مدنها الصغيرة (الشتتل) بمعزل عن الحضارة القومية. وكانت أعداد الجماعة اليهودية في بولندا من الضخامة بحيث أن اليهودي كان يُولَد ويَكبُر ويموت دون أن يضطر إلى الاحتكاك بشكل دائم ويومي مع الحضارة الأم. وأصبحت الجماهير اليهودية ذات ثقافة فلاحية طابعها مسيحي. وحينما نقول ثقافة فلاحية في بولندا، فنحن نقصد أنها ثقافة متخلفة إلى حدٍّ ما، ومنعزلة عن الثقافة العالية وضمن ذلك الثقافة التلمودية نفسها. فانتشرت بين اليهود المعتقدات الشعبية والخرافات، وهو ما جعلهم أقل تَقبُّلاً لمحاولات التحديث والتنوير. ومما ساهم في زيادة الوضع سوءاً الانفجار السكاني بين أعضاء الجماعة اليهودية. 2 ـ ومن أهم العناصر التي أفشلت محاولات الاندماج ميراث الجماعة اليهودية التاريخي والاقتصادي الذي جعلها بمعزل عن التطور القومي البولندي، بل وضعها في مجابهته وجعل يهود بولندا أعداءً لكل الطبقات الأخرى باستثناء بعض قطاعات من طبقة النبلاء. ومعنى هذا أنه كان هناك أساس ثقافي واقتصادي قوي للمواجهة بين البورجوازية البولندية وأعضاء الجماعة اليهودية يحتاج إلى فترة طويلة من الكفاح القومي المشترك حتى يتسنى التوصل إلى أساس مشترك للكفاح والاندماج. كان أعضاء الجماعة مركزين في مناطق حدودية تتصارع عليها دول ذات ثقافات مختلفة بل متصارعة، فكان هناك أولاً بولندا نفسها، ثم روسيا التي كانت تشجع الثقافة الروسية وعمليات الترويس. ومن الناحية الأخرى، كان هناك ألمانيا والنمسا ذات الثقافة الألمانية. وكان اليهود أنفسهم يتحدثون اليديشية وهي رطانة ألمانية دخلت عليها كلمات سلافية. وبعد كل تقسيم، كان يتعيَّن على اليهود، كنوع من الدواعي الأمنية، إعادة صياغة أنفسهم بما يتفق مع ثقافة الدولة المهيمنة. وقد نشأ، على سبيل المثال، صراع داخل شريحة المثقفين اليهود في جاليشيا بين كل من دعاة العبرية والألمانية والبولندية واليديشية. ومثل هذا الجو، الذي لا يتسم بالتحدد الثقافي، لا يساعد كثيراً على تحديد شخصية اليهود الثقافية ولا على الولاء أو الانتماء القومي. القوزاق Cossacks «قوزاق» ، من كلمة «كازاك» ، وهي كلمة تركية مشتقة من كلمة «خزر» ، وكلمة «خزر» مترادفة في لغات شرق أوربا مع «تتري» و «تركي» و «مغولي» و «الساراسين» أي المسلم. ولكنها، مع القرن السادس عشر الميلادي، كانت تشير إلى جماعات من الأقنان السلاف المسيحيين الذين فروا من ضياع النبلاء البولنديين في أوكرانيا واستقروا في أراضي الإستبس على ضفاف نهري الدنيبر والونيستر وفي شبه جزيرة القرم. ويبدو أنهم كانوا من أصل روسي تجري في عروقهم دماء مغولية وتترية، وكانوا يؤمنون بالأرثوذكسية التابعة لبابا روما. وينقسم القوزاق إلى قسمين: القوزاق الأوكرانيون أو قوزاق المدن، وهؤلاء كانوا يعيشون إلى جوار المدن كما كانوا أكثر تحضراً، أما القسم الآخر فكان هو القوزاق الزابروجيان. وهؤلاء كانوا مستقلين تماماً ويعيشون خلف نهر الدنيبر (كلمة «زابروج» تعني «عبر النهر» ) ، وكان تنظيمهم الاجتماعي زراعياً عسكرياً، كما كانوا يعيشون في مراكز محصنة تُسمَّى «السيخ» ، وكانت بمنزلة معسكر وسوق ومركز إداري. وكان السيخ مستقراً نسبياً ويقام في جزر في نهر الدنيبر. وقد كان كل من قوزاق المدن وقوزاق الزابروجيان على علاقة وطيدة. ومن الإشكاليات الأساسية، التي كانت تواجهها ثورات الفلاحين في دول أوربا، عدم وجود أرض عذراء تمكن زراعتها. ولذا، كانت هذه الثورات تبوء بالفشل. ولكن بالنسبة إلى هؤلاء الفلاحين القوزاق المتمردين، فإن مساحات الإستبس الشاسعة كانت تشكل مجالاً حيوياً لهم. ومكَّنهم ذلك من الإفلات من مصير معظم ثورات الفلاحين، ومن ثم فإنهم نجحوا في تأسيس جمهورية حرة (جمهورية القوزاق الزابروجيان) تخضع للتنظيم العسكري حيث كان كل مواطن جندياً وكان يقود الجيش والجماعة قائد يُسمَّى «أتمان» . ولا ندري أيمكن أن يكون هؤلاء الفلاحون قد أطلقوا على أنفسهم اسم «قوزاق» باعتبار أنهم أحرار مثل التتار، ومن أعضاء القطيع الذهبي مثل المغول، أم أن النبلاء البولنديين سموهم بذلك الاسم احتقاراً لهم. وقد تزايدت صفوفهم بانضمام عناصر من سائر الأنواع والأجناس؛ من فقراء ونبلاء وتتر بل ويهود. استفادت بولندا، في بداية الأمر، من جماعة قوزاق المدن في حماية حدودها ضد هجمات التتار والمغول. ولكن القوة الروسية الصاعدة تبنت قضيتهم وشجعتهم باعتبارهم وسيلة لفصل أوكرانيا عن بولندا التي كانت تستغلها عن طريق الإقطاع الاستيطاني ويهود الأرندا. وتحالف قوزاق المدن وقوزاق الزابروجيان تحت قيادة شميلنكي (أهم قادة القوزاق) الذي قاد الانتفاضة ضد الحكم البولندي ونجح في طرد البولنديين والاستقلال بأوكرانيا التي انضمت إلى روسيا القيصرية. واستخدم القياصرة جيوش القوزاق فيما بعد في غزواتهم وفي عمليات القمع الداخلي. وتُعدُّ جماعات الهايدماك أيضاً من جماعات القوزاق. الهايدماك Haidmaks «هايدماك» من الكلمة التركية «هايدا» بمعنى «ينتقل» . والهايدماك جماعات شبه عسكرية من القوزاق والفلاحين قامت بالهجوم على التجار من سكان المدن في أوكرانيا البولندية في القرن الثامن عشر، وهي منطقة كانت تضم تجمعات يهودية كبيرة. وكانت صفوفهم تضم الأقنان الهاربين من نير الإقطاع البولندي إلى مناطق الإستبس، كما كانت تضم فقراء المدن وأبناء النبلاء الفقراء ورجال الدين وبعض أعضاء الفرق الدينية المهرطقة الهاربين من روسيا وبعض التتر المسلمين بل وبعض اليهود أحياناً. والهايدماك نتاج التفاعلات الاجتماعية في أوكرانيا التي بدأت في نهاية القرن السادس عشر ووصلت إلى قمتها مع الانتفاضة الشعبية التي قادها شميلنكي لذي كان الهايدماك يعتبرون أنفسهم ورثته، ومن هنا كان عداؤهم للاستغلال ولأهل المدن واليهود. وابتداءً من عام 1720، لم يمر عام دون أن تظهر جماعة منهم. وفي عامي 1739 و1750، نجح الهايدماك في الاستيلاء على عدة مدن بولندية صغيرة في المنطقة الشرقية، وقتلوا عدداً من اليهود البولنديين. ولكن أسوأ المذابح وقعت عام 1768 في مدينة أومان حين قُتل عشرون ألف بولندي من بينهم بضعة آلاف من اليهود، ولكن لا يمكن التحقق من دقة هذه الأعداد بسبب التهويل الذي يميل إليه الراصدون المعاصرون لتلك الأحداث. وقامت الحكومتان البولندية والروسية بمقاومة الهايدماك حتى نجحتا في إخماد نشاطهم في نهاية الأمر. وأدَّت هجمات الهايدماك إلى تحطيم معنويات أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا وإلى إفقارهم وتجذير الإحساس لديهم بعدم الطمأنينة وغياب الاستقرار. المعبد/ القلعة Fortress Synagogue «المعبد/القلعة» هو معبد يهودي كان يُستخدَم للعبادة والقتال. والمعبد/القلعة ظاهرة فريدة في تاريخ الطرز المعمارية لأماكن العبادة، إذ من المحتمل ألا يكون له أي نظير. وقد ظهر في بولندا، وبخاصة في المناطق الحدودية التي تفصل بينها وبين روسيا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يقومون بالعبادة والدراسة في مثل هذه المعابد، التي كانت مصممة بطريقة يمكن استخدامها كحصون وقلاع عسكرية في آن واحد. ونشأت الحاجة لمثل هذا الطراز من المعابد في إطار الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا. فقد وظَّف النبلاء البولنديون (شلاختا) بعض أعضاء الجماعة اليهودية في عملية اعتصار أكبر قدر ممكن من الأرباح من الفلاحين الأوكرانيين. فأصبحت الجماعة اليهودية جماعة وظيفية من الوكلاء الماليين (أرنداتور) يعيشون في مدن خاصة بهم (شتتلات) منعزلين لغوياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً عن جماهير الفلاحين. وكانت الجماعة اليهودية محل سخط الجماهير وغضبها (كما هو الحال مع أعضاء الجماعات الوظيفية، وخصوصاً العميلة) ولذا كانت القوات العسكرية البولندية تقوم بحمايتها من الجماهير ومن الانتفاضات الشعبية المحتملة. ومع هذا كان أعضاء الجماعة اليهودية يتدربون على السلاح، وكان عليهم الاحتفاظ بأسلحة بعدد الذكور القادرين على حملها، وبكمية معيَّنة من البارود (حسبما كانت تنص العقود المبرمة بين النبلاء البولنديين ووكلائهم اليهود) . وكانت هذه المعابد/القلاع مصممة بطريقة تجعل بالإمكان استخدامها كمكان للعبادة والدراسة وكحصون وقلاع عسكرية. فكانت تُزوَّد بحوائط سميكة للغاية، كما أن المتاريس (حاجز السقف أو الشرفة) مزودة بكوات لتخرج منها المدافع والبنادق، أثناء الاشتباك مع الجماهير. ومن أشهر المعابد/القلاع معبد لتسكLutsk الذي بُني عام 1626 لخدمة الأغراض العسكرية بالدرجة الأولى. وصدر قرار ملكي ببنائه كان ينص على ضرورة أن يلتزم اليهود بتزويد معبدهم هذا بكوات من الجهات الأربع وبالسلاح الكافي (على نفقتهم) ، كما يجب أن يكون المعبد/القلعة مزوداً بعدد من الرجال يكفي لصد الهجمات عليه. وصدر أمر لمعبد ريسيسوف بأن يزود نفسه بالبنادق والرصاص والبارود. وكانت المعابد/القلاع تزود عادةً ببرج مراقبة ضخم (كان يُستخدَم في زمن السلم كسجن يُودَع فيه المجرمون من أعضاء اليهودية) . ونقاط التشابه بين المعبد/القلعة والدولة الصهيونية أمر مثير للغاية، يستحق التأمل لدلالته وطرافته. لكل هذا فنحن نرى أن المعبد/القلعة خير رمز للدولة/القلعة، بل يمكن القول بأن النموذج كان كامناً وحسب في حالة المعبد/القلعة، فأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يحملون أساساً رأسمالهم (الربوي) وخبرتهم الإدارية معهم، وكانت عملية القتال موكلة للقوات العسكرية البولندية، وكان الهدف من حمل السلاح دفاعياً ومؤقتاً لحين وصول هذه القوات. أما في حالة الدولة/القلعة فقد اكتملت الأمور تماماًز وأصبح العنصر البشري العميل يحمل السلاح بالدرجة الأولى (فوظيفته المالية ثانوية بالنسبة لوظيفة الإستراتيجية القتالية) وظهرت الطبيعة العسكرية للدولة المعبد/القلعة. ومع هذا لوحظ أثناء حرب عام 1973 أن القوات الإسرائيلية كانت تشبه تماماً الجماعة اليهودية في أوكرانيا، إذ استمرت في القتال بشكل دفاعي ومؤقت لحين تشغيل الجسر الجوي ووصول الأسلحة المتقدمة من الولايات المتحدة. وفيما يلي نقاط التشابه الأساسية بين المعبد/القلعة والدولة/القلعة: المعبد/القلعة عنصر بشري مشتول قام بغرسه عنصر خارجي (النبلاء البولنديون) في منطقة حدودية (أوكرانيا) لخدمة مصلحته المالية ولقمع السكان الأصليين (الشعب الأوكراني) العنصر المغروس تَحوَّل إلى جماعة وظيفية عميلة تعيش في شتتلات معزولة كان من المتوقع ألا يذعن العنصر البشري المقهور كان من الضروري تسليح أعضاء الجماعة الوظيفية ظهور المعبد/القلعة انتفاضات مستمرة أهمها انتفاضة شميلنكي الدولة/القلعة عنصر بشري مشتول قام بغرسه عنصر خارجي (الإمبريالية الغربية) في منطقة حدودية (فلسطين من وجهة نظر الغرب تقع على الحدود التي تفصل بين الغرب والشرق) لخدمة مصلحته الإستراتيجية والمالية ولقمع السكان ا» لأصليين (الشعب الفلسطيني) العنصر المغروس تَحوَّل إلى دولة وظيفية عميلة معزولة عما حولها كان من المتوقع ألا يذعن العنصر البشري المقهور كان من الضروري تسليح الدولة الوظيفية ظهور الدولة/القلعة انتفاضات مستمرة آخرها الانتفاضة المباركة عام 1987 |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
تقسيم بولندا
Partition of Poland من أهم الأحداث التاريخية التي تقع خارج نطاق ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، والتي أثرت في الجماعة اليهودية في شرق أوربا (يهود اليديشية) تأثيراً عميقاً، تقسيم مملكة بولندا في الفترة 1772 ـ 1795. كان التقسيم الأول عام 1772 والثاني عام 1793 والثالث عام 1795. واستغرقت العملية خمسة وعشرين عاماً ثم مرت خمسة وعشرون عاماً أخرى حتى تم تثبيت الحدود. التقسيم الأول (1772) : ضمت روسيا المنطقة التي تعرف باسم روسيا البيضاء (بيلوروسيا) في شمال شرق بولندا. أما الأجزاء الجنوبية الغربية المعروفة باسم جاليشيا (أو روسيا الحمراء) ، فضُمَّت إلى النمسا. كما ضمت بروسيا أجزاء من غرب بولندا، ففقدت بولندا بذلك ثُلث أراضيها وخُمس سكانها. وكان هذا يعني أن ثُلث يهود بولندا أصبحوا تحت حكم كل من النمسا وروسيا وبروسيا، وكانت أغلبيتهم في جاليشيا (التابعة للنمسا) . التقسيم الثاني (1793) : زادت كل من روسيا وبروسيا ممتلكاتهما، فقسمتا نصف بولندا تقريباً فيما بينهما. التقسيم الثالث (1795) : تم تقسيم البقية الباقية من بولندا بين روسيا وبروسيا والنمسا. وأدَّى التقسيمان الثاني والثالث إلى توزيع 800.000 يهودي بين النمسا وبروسيا وروسيا. التقسيم الرابع (1815) : ظهر نابليون عام 1806 وأسس دوقية وارسو التي اقتطعها من الجزء الذي كان قد ضُمَّ إلى بروسيا عام 1793، ثم ضم إليها أجزاء من المنطقة التي كانت النمسا قد ضمتها. ولكن، في مؤتمر فيينا عام 1815، رُسمت الخريطة السياسية فيما يعتبر التقسيم الرابع، فأبقت النمسا على جاليشيا، وضمت بروسيا ثورن والمناطق المجاورة التي اتحدت مع بقية المناطق البولندية التي ضمتها بروسيا وسميت دوقية بوزنان، وظهرت دولة كراكوف الحرة واستمرت حتى عام 1846 حيث ضمتها النمسا إلى جاليشيا. أما روسيا، فاحتفظت بغنائمها التي حصلت عليها في التقسيمين الأول والثاني وضمت المقاطعات الجنوبية والغربية. أما الجزء الأوسط من بولندا، أي مقاطعة وارسو، فأصبح مملكة بولندا، وهي كيان سياسي شبه مستقل كان يتبع روسيا إلى أن أصبح مقاطعة روسية بعد عام 1831. التقسيم الخامس (1939) : بعد الحرب العالمية الأولى، والحرب الروسية ـ البولندية (1920 ـ 1921) ثم معاهدة ريجا بين روسيا وبولندا (مارس1921) ، تقررت حدود بولندا وأصبحت مضمونة بموجب معاهدة عدم الاعتداء السوفيتية البولندية (1932) التي تم تجديدها سنة 1934 لعشرة أعوام. ويرى بعض المؤرخين أن تقسيم بولندا بين ألمانيا وروسيا هو التقسيم الخامس، وهو التقسيم الذي تقرر بناءً على البنود السرية للاتفاق الألماني السوفيتي المؤرخ في 23 أغسطس 1939. وفي أعقاب هذا الاتفاق، غزت القوات الألمانية الأراضي البولندية في الأول من سبتمبر 1939، وغزت القوات السوفيتية شرق بولندا خارقة بذلك معاهدة عدم الاعتداء المجددة عام 1934. بوزنان Poznan مدينة في بولندا الكبرى، وبوزنان عاصمة مقاطعة تحمل الاسم نفسه. وفي الألمانية، يشار لكل من المقاطعة والمدينة بكلمة «بوزن» . وقد استقر فيها اليهود منذ أواخر القرن الرابع عشر حيث كانت أحد أهم المراكز اليهودية. وقد نشأت صراعات بين أعضاء الجماعة اليهودية (10% من مجموع سكان المدينة) وبقية السكان الذين حاولوا أن يقفوا ضد تجارة القطاعي اليهودية وأن يحددوا عدد منازل اليهود ويطردوا القادمين الجدد منهم. واستمرت هذه المحاولات حتى بداية القرن السابع عشر. ومع هذا، كانت أحوال الجماعة جيدة بشكل عام، فكانوا يقومون بوظيفة مهمة في المجتمع وكانوا موضوعين تحت حماية الملك. ومع القرن السابع عشر، بدأ التدهور الحقيقي؛ إذ زادت الضرائب، وبدأ يتوافد تجار ألمان من سيليزيا ليشكلوا منافسة قوية للتجار اليهود، وغرق القهال في الديون (ولم تُحل هذه المسألة إلا في منتصف القرن الـ 19) ، وواجه التجار اليهود صعوبات غير عادية في الأسواق التجارية في فرانكفورت وبراندنبرج وغيرها. وازداد حال اليهود سوءاً خلال الحرب السويدية (1655ـ 1660) ، إذ أدَّى التدهور الاقتصادي إلى زيادة حدة الصراعات الاجتماعية وتَناقُص عدد السكان، وإهمال التعليم الديني. ولم يختلف الوضع كثيراً في القرن الثامن عشر، فقد ترك اليهود المدينة بأعداد متزايدة، ولم يتمكن من تَبَقَّى منهم أن يفعل أي شيء. وظل هذا الوضع إلى أن ضُمت بوزنان (المدينة والمقاطعة) إلى بروسيا عام 1793. وبذا، كانت بروسيا تضم عام 1807 نحو 200 ألف يهودي. ثم ضمت بوزنان إلى دوقية وارسو التي أسسها نابليون ثم أُعيدت إلى الحكم البروسي عام 1815. وطبَّقت بروسيا، في بداية الأمر، القوانين الصادرة عام 1750 التي كانت تهدف إلى الحد من عدد اليهود والإبقاء على الأثرياء مهنم فقط. ولكن، بعد ذلك، تم التخلي عن هذه السياسة، وتبنت البيروقراطية الألمانية سياسة ممالئة للعنصر اليهودي الذي يتحدث اليديشية باعتباره عنصراً ألمانيا يمكن الاعتماد عليه مقابل العنصر البولندي السلافي. وتسبَّب ذلك في عزل أعضاء الجماعة عن العناصر البولندية. وحينما أُلغي الاستقلال الشكلي لدوقية بوزنان الكبرى وأصبحت مقاطعة بروسية، أصبح سائر اليهود مواطنين بروسيين لعبوا دوراً أكثر نشاطاً في الحرب الدائرة بين الاتجاه الداعي إلى ألمنتها والاتجاه الداعي إلى صبغها بالصبغة البولندية. وبطبيعة الحال، كان أعضاء الجماعة ضمن مؤيدي الاتجاه الأول. لكل هذا، كانت الحركات البولندية تهاجم اليهود باعتبارهم عناصر ألمانية معادية. وعندما ظهرت المحاولات البولندية القومية للاستقلال الاقتصادي التي أخذت شكل تعاونيات ومصارف ومشاريع اقتصادية أخرى، كان لها اتجاه معاد لليهود. ونتج عن ذلك هجرة يهودية من المدن الصغيرة إلى المدن الكبيرة، وصاحب ذلك انتقال من التجارة المحلية إلى العمل في المصارف والصناعة والمهن. ثم اتجهت الهجرة نحو بروسيا، وخصوصاً برلين وبرسلاو، وأخيراً نحو الولايات المتحدة. وقد تناقص عدد سكان بوزنان اليهود من 76.757 (5.7%) عام 1849 إلى 26.512 (1.26%) عام 1910. وكانت نسبة كبيرة من يهود المدن الألمانية الكبرى من يهود بوزنان. وبعد ضم بوزنان إلى بولندا، بعد الحرب العالمية الأولى، هاجرت البقية الباقية إلى ألمانيا ولم يبق سوى بضعة آلاف. وتسبَّب وضع بوزنان الحدودي في مشكلتين: 1 ـ فصل العنصر البولندي اليهودي عن الحركة القومية البولندية، وهو ما جعلها معادية لليهود لتعاونهم مع الألمان. 2 ـ تسببت هجرة يهود بوزنان، إلى المدن الألمانية الأساسية، في إعادة صبغ يهود ألمانيا بصبغة شرق أوربية. فيهود ألمانيا الأصليون كانوا مندمجين في محيطهم الحضاري تماماً، وكانوا لا يتحدثون سوى الألمانية، كما كانوا يدافعون عن القومية العضوية الألمانية ويتبنون أسلوب الحياة الألماني. أما يهود شرق أوربا، فلم يتم صبغهم بالصبغة الألمانية إلا في مرحلة متأخرة، ولذا كانت هويتهم الألمانية سطحية وضعيفة، بل واحتفظوا بكثير من ملامح شخصيتهم الشرق أوربية اليديشية. كما كانت تنتشر بينهم الأفكار الصهيونية. تزايد عدد المهاجرين من يهود بوزنان، ويهود اليديشية بشكل عام، حتى أصبح لهم وزن عددي كبير. وأدَّى ذلك إلى إعادة تعريف كلمة «يهودي» في العقل الألماني بحيث تمت المساواة بين يهود اليديشية الغرباء ويهود ألمانيا المندمجين، وأصبح الجميع يهوداً غرباء. ولكن الأهم من ذلك أنهم لم يكونوا غرباء وحسب وإنما كانوا أيضاً «إيست يودين» ، أي يهوداً شرق أوربيين من أصل سلافي. والشعوب السلافية، بحسب النظرة النازية، كانت تُعتبَر المجال الحيوي لألمانيا، كما كانت هدفاً للعنصرية النازية. فكأن هجرة يهود اليديشية، وضمنهم يهود بوزنان، ساهمت في إعادة تصنيف يهود ألمانيا من «العنصر الغريب الذي لابد من دمجه» إلى «العنصر الغريب الذي لابد من نبذه» ، فهو إذن ليس «الغريب» وحسب وإنما هو، أيضاً «الغريم» . جوزيف بيلسودسكي (1867-1935) Jozef Pilsudski رجل دولة بولندي وابن أحد فقراء طبقة النبلاء (شلاختا) . وُلد في فلنا (ليتوانيا) ودرس الطب. ناضل منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر من أجل استقلال بولندا عن روسيا القيصرية، وقُبض عليه عام 1887 بتهمة محاولة اغتيال قيصر روسيا الإسكندر الثالث. وفر إلى سيبريا، ولكنه عاد منها وقد ازداد إصراراً على تحرير بولندا، فانضم للحزب الاشتراكي البولندي وأصبح قائداً له وحرَّر مجلته السرية. وفي عام 1909، قُبض عليه مرة أخرى وسُجن في قلعة وارسو، فادَّعى الجنون ببراعة فائقة ونُقل إلى مستشفى عسكري في روسيا حيث فر منها. وحينما اندلعت الحرب الروسية اليابانية، اتجه بيلسودسكي إلى اليابان بحثاً عن مساعدة له في التمرد الشعبي الذي كان ينوي تنظيمه ضد روسيا. وكوَّن نواة الجيش البولندي بأموال سرقها من قطار بريد روسي. وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، حاربت قواته مع القوات النمساوية والألمانية ضد روسيا، ولكن الألمان رفضوا الاعتراف باستقلال بولندا وألقوا القبض عليه عام 1917. ولكنه أُفرج عنه بعد هزيمة ألمانيا، وعاد إلى بولندا حيث استُقبل استقبال الأبطال في 10 نوفمبر 1918. وبعد أربعة أيام من وصوله، قَبل منصب رئيس الدولة. وبذلك أصبح أول رئيس لدولة بولندا المستقلة في العصر الحديث، وظل يشغل المنصب في الفترة 1918 ـ 1923. وكان بيلسودسكي يهدف إلى إنشاء دولة فيدرالية تضم ليتوانيا وأوكرانيا وبولندا. وحينما قام الجيش الأحمر عام 1920 بهجوم على بولندا، صده بيلسودسكي محققاً النصر لبولندا. وبعد صدور دستور بولندا الجديد عام 1922، عُقدت انتخابات عامة تخلى بيلسودسكي بعدها عن سلطاته وعمل قائداً للجيش. وحينما وصل الحزب اليميني إلى الحكم، استقال بيلسودسكي من منصبه واعتزل الحياة السياسية (مؤقتاً) عام 1923. وحين وجد أن المناقشات البرلمانية التي لا تنتهي ستودي بالدولة الجديدة، استولى على الحكم بدعم من الأحزاب اليسارية، رافضاً منصب رئيس الدولة واكتفى بمنصب وزير الحرب، ولكنه كان القوة المحركة من وراء الستار. وفي عام 1930، تخلى عنه أصدقاؤه اليساريون لتحالفه مع كبار الملاك وبدأوا حملة لإسقاط الديكتاتور، على حد قولهم، فرد عليهم بيلسودسكي بمنتهى العنف إذ ألقى القبض عليهم وحكم بولندا من خلال أعوانه الجدد. احتك بيلسودسكي بأعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، وخصوصاً العمال منهم، في مقتبل حياته السياسية. وأسس الحزب الاشتراكي البولندي الذي أصدر مجلة باللغة اليديشية، إلا أنه هاجم حزب البوند بشدة باعتباره يمثل الانفصال الديني والتجاري اليهودي ويفضل الترويس ويعارض الاستقلال البولندي. وعندما استولى بيلسودسكي على السلطة عام 1926، زاد تَدخُّل الدولة في الشئون الداخلية للجماعة اليهودية كما فرضت قيوداً متزايدة على نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي. ومما يُذكَر أن وضع الجماعة اليهودية في بولندا كان وضعاً قلقاً نظراً لميراثهم التاريخي المرتبط بطبقة النبلاء (شلاختا) التي استغلت الجماهير البولندية وعملت ضد المصالح القومية للبلاد. وبالتالي، جاء استقلال بولندا ليعمق عزلة الجماعة اليهودية في بولندا ويتجه إلى لفظها. وعزز هذا الاتجاه أيضاً نمو طبقة تجارية بولندية بدأت، ومعها الدولة البولندية، في الاضطلاع بالوظائف الوسيطة التقليدية لأعضاء الجماعة اليهودية. وفي عام 1934. أبرمت حكومة بيلسودسكي معاهدة مع هتلر بعد أن أدرك أن فرنسا غير قادرة على حماية بولندا ضد ألمانيا التي بدأت في إعادة تسليح نفسها. وحاول هتلر إقناع بيلسودسكي بالانضمام إليه في الهجوم على روسيا، ولكن بيلسودسكي رفض، وجدد معاهدة عدم الاعتداء مع روسيا. ومات بيلسودسكي عام 1935 في وارسو. بولندا بعد التقسيم حتى الحرب العالمية الثانية Poland, from the Partition to the Second World War بعد تقسيم بولندا (1772 - 1795) ، تم ضم أغلبية يهود بولندا إلى بلاد أوربية أخرى هي: النمسا وبروسيا وأساساً روسيا. وبحلول عام 1828 كان ثلثا يهود بولندا يعيشون في مدن صغيرة (شتتلات) ويشكلون 50% من سكانها، يعملون تجاراً صغاراً ويمارسون بعض الحرف مثل تقطير الخمور والصناعات المنزلية، وخصوصاً النسيج، دون تَدخُّل كبير من الحكومة المركزية الضعيفة. وبدأت عملية دمج أعضاء الجماعة اليهودية أو تحديثهم مع دخول نابليون بولندا عام 1807 الذي منحهم حقوقهم المدنية وطبق عليهم القرارات نفسها التي طُبقت عليهم في فرنسا وهي أن الحقوق تمنح لليهود بمقدار استعدادهم للاندماج، ولذا حُجبت الحقوق السياسية عنهم لمدة عشرة أعوام تُعَد فترة انتقالية كان عليهم أن يتخلصوا خلالها من سماتهم الخاصة وأن يندمجوا في بيئتهم. ثم عُقد، عام 1815، مؤتمر فيينا الذي حوَّل بولندا إلى مملكة مستقلة تحت حكم القيصر. وكان دستورها يتضمن بنوداً تحمي حقوق اليهود وتزيدها بمقدار اندماجهم في المجتمع. وكتب أحد الأساقفة البولنديين إلى المفكر الألماني اليهودي المستنير ديفيد فرايدلندر يسأله عن أفضل السبل لإصلاح (أي تحديث) يهود بولندا، فاقترح ضرورة تدريب اليهود على الحياة المتحضرة قبل إعطائهم حقوقهم المدنية، أي أنه اقترح عليه عملية التحديث الأوتوقراطي (من أعلى) التي طُبِّقت في روسيا. بعد ذلك، كوَّن بعض اليهود الأثرياء (من التجار المندمجين وأعضاء المهن الحرة) لجنة المؤمنين بالعهد القديم عام 1825 لتطوير التعليم اليهودي، وبالفعل تأسست مدرسة حاخامية حديثة. وعلى مستوى التحديث الاقتصادي، أُلغي القهال عام 1822، كما فُرضت ضريبة على تجار الخمور اليهود (وهذه من بقايا نظام الأرندا) حتى يتركوا هذه الوظيفة التي كانت تسبب سخط الجماهير ضدهم، ولتشجيعهم على الاشتغال بالزراعة. وقد ظهرت طبقة من المثقفين البولنديين اليهود، في وارسو أساساً، انتماؤهم القومي لبولندا أكثر تحدداً ووضوحاً. ومع هذا، لم يحرز أعضاء الجماعة اليهودية نجاحاً كبيراً في مجال محاولة الاندماج بسبب عدم اكتراث البورجوازية البولندية بهم وعدم ثقتها فيهم. كما يُلاحَظ أن اليهود خارج وارسو لم يُظهروا ميلاً كبيراً لعملية الدمج والتحديث. وصدر مرسوم روسي عام 1862 أعطى اليهود حرية بيع وشراء الأرض والمنازل والسكنى أينما شاءوا، وأُبطل القَسَم اليهودي، كما مُنع استخدام العبرية واليديشية لتعميق دمجهم واندماجهم. وحينما اندلع تمرد عام 1863، لم تشترك فيه أعداد كبيرة من اليهود، كما أن يهود ليتوانيا وقفوا ضده. وحينما بدأ الروس في التنكيل بالثوار، لم ينل اليهود منهم أي أذى، الأمر الذي أبعدهم عن الحركة القومية البولندية. وفي عام 1870، بدأت الحركة القومية البولندية تأخذ طابعاً معادياً لليهود (باعتبارهم جماعة وظيفية مالية) ، فطالبت بصبغ التجارة والصناعة بالطابع البولندي، واتهمت رأس المال اليهودي بأنه غريب وبأن الجماهير اليهودية معادية للحضارة الحديثة جاهلة بها. وتم تأسيس أحزاب قومية شعبية بولندية جعلت الحرب ضد دمج اليهود هدفاً أساسياً لها، كما بدأت تظهر بين أعضاء الجماعة اليهودية الاتجاهات الصهيونية. وتجدر الإشارة إلى أنه، رغم تدني أحوال اليهود بشكل عام، كانت تُوجَد طبقة ثرية تشغل مراكز مهمة في التجارة الخارجية وفي تجارة الأخشاب والغلال وفي المهن الحرة. ومع الحرب العالمية الأولى، كان وضع يهود روسيا وبولندا متشابهاً في كثير من النواحي، من أهمها الانفجار السكاني. ويُلاحَظ أنه، مع عام 1772، كان في بولندا 70% من يهود العالم وأكثر من 80% من الإشكناز (وهو القطاع الذي أفرز الصهيونية ومعظم الحركات اليهودية الأخرى) . وإذا وضعنا في الاعتبار أن اليهود الأصليين، في معظم دول أوربا، اندمجوا في السكان وكانوا لا يشكِّلون كثافة سكانية حقيقية، وأن أعدادهم تزايدت بسبب هجرة أعداد من يهود اليديشية، فيمكن القول بأن كل الجماعات اليهودية التي ظهرت في الغرب في القرنين الأخيرين هي من فروع يهود بولندا، وهو ما يجعل قول هتلر والأدبيات النازية حقيقياً حيث أعلن أن الجيب اليهودي في بولندا ومنطقة الاستيطان هو «المستودع البولندي الذي يُصدِّر الفائض البشري اليهودي وأنه يشكل البنية التحتية البيولوجية لليهودية العالمية» . وتذكر الموسوعة اليهودية أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يشكلون 6.8% من مجموع سكان بولندا عام 1816، ثم قفز العدد إلى 13% عام 1897، أي أن كل مائة بولندي كان يُوجَد بينهم ثلاثة عشر يهودياً رغم هجرة أعداد كبيرة منهم إلى خارج بولندا. وتُعدُّ هذه من أعلى النسب التي حققها أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث. ورغم صعوبة تحديد الأعداد بدقة، باعتبار أن بولندا كانت مُقسَّمة، فيمكن بالاعتماد على عدة مصادر أن تُقرَّب إلى: الدولة / سنة 1825 / سنة 1900 روسيا قبل الحرب / 1.600.000 / 5.175.000 بولندا / 400.000 / 1.325.000 أوكرانيا، روسيا الجديدة، بيساربيا / 625.000 / 2.300.000 ليتوانيا وروسيا البيضاء / 350.000 / 1.450.000 جاليشيا /275.000 / 811.000 وقد زاد عدد يهود أوربا ككل في تلك الفترة من 2.730.000 إلى 8.960.500، وبلغ عدد يهود بولندا عام 1939 نحو 3.510.000. ويمكن فهم عزلة يهود بولندا من الإحصاءات التالية: في منتصف القرن التاسع عشر (حوالي عام 1857) ، كانت هناك 181 مدينة بولندية منها 88 (أي نحو نصفها أو 6.48% منها) تضم أغلبية يهودية مطلقة. كما كان هناك 120 مدينة 40% من سكانها يهود، أي أن 66.2% من مدن بولندا كانت ذات طابع يهودي فاقع. وكان 1.5% 9من مجموع يهود بولندا يعيشون في المدن ويشكلون 33% من سكانها مقابل 16.4 % من المواطنين. وكل هذا يعني استقطاباً كاملاً وعزلة تشبه من بعض الوجوه عزلة يهود الأرندا. لكن الصورة لم تتغير كثيراً مع نهاية القرن التاسع عشر. وفي بوزنان، قفز عدد أعضاء الجماعة اليهودية من 2.775 عام 1865 (أي12.2% من مجموع سكان المدينة) إلى 166.628عام 1910 (أي 40.7% من سكانها) . وفي عام 1897، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أكثر من 50% من السكان في 57 مدينة بولندية من واقع 110 مدن. أما المدن التي كان يشكل اليهود أكثر من 40% من سكانها، فكانت 81 مدينة. وحتى عام 1921، كان اليهود يشكلون 40% من عدد السكان في 99 مدينة (من واقع 196 مدينة) . وتزايدت معدلات الهجرة بسبب الضغوط التي مارستها الحكومة على أعضاء الجماعة اليهودية ليتركوا الريف، وبسبب جاذبية المراكز الصناعية. لكن تَركز يهود بولندا في المدن يعني أيضاً تركزهم في التجارة وعالم المال. ففي المدن البولندية، كان اليهود يشكلون 90% وأحياناً 100% من التجار والحرفيين. وفي نهاية القرن التاسع عشر، كان 18 مصرفاً (من 26 مصرفاً أساسياً في وارسو) في أيدي اليهود أو المسيحيين من أصل يهودي. وظهرت طبقة ثرية يهودية تستثمر في الصناعة، ولكن أغلبية يهود بولندا العظمى كانوا من صغار التجار الفقراء. ورغم تَشوُّه البناء الطبقي لدى يهود بولندا فإنه، مع منتصف القرن، كان الاندماج الاقتصادي لأعضاء الجماعة يتزايد كما يتضح في الوظائف والمهن التي كانوا يشغلونها. ففي عام 1857، كان 44.7% من جملة اليهود يعملون بالتجارة، مقابل 25% فقط في الحرف اليدوية والصناعات. واختلفت النسبة قليلاً عام 1897 إذ انخفض عدد العاملين بالتجارة إلى 42.6%. ولكن الأهم من هذا أن عدد العاملين في الحرف والصناعات زاد إلى 34.3%، كما زاد عدد التجار غير اليهود من 27.9% من مجموع التجار عام 1862 إلى 37.9% عام 1897. وظهرت طبقة من المهنيين اليهود، وخصوصاً في وارسو، حققت شيئاً من الحراك الاجتماعي. ولكن، مع تعثُّر التحديث في شرق أوربا، وبعد تطبيق بعض قوانين مايو 1888 الروسية (عام 1891) في بولندا، تم طرد أعضاء الجماعة اليهودية من القرى وحُدِّد النصاب المسموح لهم به. ونتج عن ذلك إغلاق أبواب الحراك الاجتماعي أمام هؤلاء المهنيين اليهود. وقد جاءت من صفوفهم معظم الزعامات الصهيونية واليهودية الأخرى. ويُلاحَظ تَحوُّل أعداد كبيرة من يهود روسيا إلى طبقة عاملة صناعية داخل منطقة الاستيطان، وهي ظاهرة ظل يهود بولندا بمنأى عنها، فقد ظلوا تجاراً صغاراً وكباراً وحرفيين تشكل الطبقة العاملة بينهم نسبة صغيرة إن لم تكن ضئيلة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان أعضاء الجماعة اليهودية محط شك القوات الروسية باعتبارهم متعاطفين مع الألمان. وبالفعل، حينما احتل الألمان بولندا عام 1917، تَحسَّن وضع اليهود قليلاً. واتجه الألمان نحو صبغ يهود بولندا بصبغة ألمانية بسبب زيادة العنصر الألماني في المناطق البولندية التي ضمتها ألمانيا. وصدر مرسوم عام 1916 يتضمن الاعتراف باليهود كطائفة دينية لا كطائفة عرْقية. وعارض الصهاينة هذا المرسوم. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، وجد اليهود أنفسهم في مفترق الطرق بين البولنديين والليتوانيين (في فلنا) ، وبين البولنديين والأوكرانيين (في لفوف) ، ثم بين البولنديين والبولشفيك خلال حرب عام 1920. ولكن، مع استقلال بولندا (1918 ـ 1939) ، تم توحيد العناصر البولندية اليهودية، التي كانت تعيش تحت حكم ألمانيا وروسيا منذ التقسيم، مع بقية بولندا. وبذا، أصبحت بولندا تضم أكبر تَجمُّع يهودي في أوربا، حيث كان 2.845.000 عام 1921 وزاد، نتيجة ضم بعض أراضي بولندا، إلى 3.137.000 (أي 8.9% من السكان عام 1931) ، ثم وصل إلى 3.300.000مع نهاية هذه الفترة. وعشية عام 1921، كانت نسبة تركُّز أعضاء الجماعة اليهودية في القطاعات الاقتصادية واضطلاعهم بمهن ووظائف معيَّنة يختلف بشكل جوهري عن النسبة على المستوى القومي، كما هو موضح في الجدول التالي: المهنة / يهود / غير يهود الزراعة / 9.8% / 80.7% الصناعة والحرف اليدوية / 32.2% /7.7% التجارة والتأمين / 35.1% / 1.5% النقل / 2.7% / 1.7% المهن الحرة / 4.4% / 2.3% ويُلاحَظ أن 67.3% من يهود بولندا تركزوا في التجارة والتأمين والصناعة والحرف اليدوية مقابل 2.9% من البولنديين. وكان عدد التجار اليهود لا يزال 20 ضعفاً مقارناً بعدد التجار غير اليهود. وتَملَّك اليهود 74 ألف محل مقابل 123 ألف محل للبولنديين كافة. وكان 76% من اليهود يعيشون في المدن ويشكلون 30% من جملة سكان وارسو و35.5% من سكان لودز و 31.5% من سكان لفوف. وضمنت معاهدة الأقليات في يونية 1919، التي وقعها الحلفاء المنتصرون ومعهم بولندا، حقوق الأقليات الدينية واللغوية ونصت على مساواتهم ببقية المواطنين، كما أعطت اليهود الحق في إدارة مدارسهم. وتم ضم هذه المعاهدة إلى الدستور البولندي الصادر عام 1921. كما نص دستور عام 1935 على تساوي المواطنين كافة أمام القانون. ولكن الحقوق السياسية تختلف في كثير من الأحيان عن الوضع المتعين، فقد ازداد الوضع الاقتصادي لليهود تدنياً وبدأت الفلسفات الشمولية تسيطر على نظم الحكم في أوربا بأسرها، وخصوصاً في ألمانيا. واستولى جوزيف بيلسودسكي على الحكم في بولندا عام 1926 عن طريق انقلاب. ولم يكن هذا الانقلاب معادياً بالضرورة لليهود، فقد نص دستور عام 1935 على تَساوي المواطنين كافة أمام القانون. ولكن الجو العام، والبنية الثقافية والاقتصادية للمجتمع، كانا يلفظان اليهود، فظهر حزب بولندي متطرف ذو توجهات نازية طالب بمصادرة أموال اليهود وطردهم، وأصبح البرلمان البولندي نفسه منبراً لترديد الدعاية المعادية لليهود كعنصر غريب فائض يجب اجتثاثه من المجتمع البولندي. وزاد النشاط الاقتصادي للطبقة الوسطى البولندية في الثلاثينيات، وحاولت أن تحصل على نصيب متزايد من التجارة والمهن، وقامت بحركات مقاطعة للأعمال التجارية التي يمتلكها يهود بولندا وقفت وراءها الدولة. ولأن عملية التنمية في بولندا كانت تتم من خلال الدولة، أكبر ممول رأسمالي آنذاك، فإن عملية تضييق الخناق على أعضاء الجماعة اليهودية اكتسبت أبعاداً ضخمة، فقامت محاولة لاستبعاد أعضاء الجماعة من سلك الحكومة وبنوك الدولة والاحتكارات التي تمتلكها الدولة، مثل صناعة الطباق، واستبعادهم كذلك من سلك التجارة الخارجية (الذي كان مركزاً في أيديهم) . وقامت حركات مقاطعة أيضاً في المهن الحرة والحرف اليدوية. وبسبب توجهها القومي الواضح، ألقت الكنيسة الكاثوليكية في بولندا بثقلها وراء الحركات الشعبية المناهضة لليهود. وكانت كل هذه الحركات تهدف إلى طرد أعضاء الجماعة اليهودية من قطاعات اقتصادية معيَّنة، وهو أمر ممكن من الناحية النظرية، ولكن لم يقابله اتجاه مماثل نحو خلق فرص اقتصادية جديدة في مجالات أخرى. والواقع أن الهدف كان طرد اليهود ونقلهم لا دمجهم في المجتمع. ومن هنا كان تأييد الحكومة البولندية للحركة الصهيونية ولجهودها الرامية إلى تهجير اليهود إلى فلسطين. وقد بلغ عدد العاطلين عن العمل بين اليهود 300 ألف عام 1938. ولذا، شهدت هذه المرحلة استمرار الهجرة من بولندا، حيث بلغ عدد الذين هاجروا في الفترة 1921 ـ 1937 نحو 395.235 هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى فلسطين. ومع هذا بلغ عدد اليهود 3.200 مليون عام 1939 عشية الغزو النازي. ورغم تردِّي وضع اليهود، فإن العناصر الليبرالية وقفت إلى جانب أعضاء الجماعة، وكان ثمة أحزاب سياسية تنادي بالمساواة أمام القانون انخرطت في سلكها عناصر يهودية. كما يبدو أن معاداة اليهود لم تجد طريقها إلى صفوف الطبقة العاملة البولندية، وخصوصاً العناصر الثورية. ونظم حزب البوند عدة إضرابات من أجل حقوق اليهود أيَّدتها عناصر بولندية مسيحية. ولكن، مع هذا، كان تأييد اليهود الليبراليين والثوريين تأييد أقلية لأقلية. وكما نوهنا من قبل، كان وضع اليهود داخل التشكيل القومي البولندي وضعاً قلقاً يستند إلى تراث تاريخي معاد للجماهير ومصالحها. وقد اتجه المجتمع البولندي، شأنه شأن معظم المجتمعات الأوربية في تلك الفترة، نحو مزيد من التطرف والاستقطاب. ففي مقابل التطرف القومي البولندي، بدأ أعضاء الجماعة اليهودية يتجهون نحو مزيد من الانفصال فكان لهم ما يُسمَّى بالنادي البرلماني اليهودي (وهو جماعة ضغط تضم كل الممثلين اليهود داخل البرلمان البولندي) . وهذه الجماعة كان لها ثقلها ووزنها العددي، ولذا كانت الحكومات البولندية تحاول خطب ودها لضمان تأييدها. وقد سيطر أتباع الصهيونية العامة على هذا النادي، فكانوا يشكلون عام 1922 نحو 50% من جملة النواب اليهود. وازداد الوضع تطرفاً، فمع الثلاثينيات يُلاحَظ أن الصهاينة العماليين والتصحيحيين هم الذين استولوا على القيادة في المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (1933) ، وهم عناصر متطرفة من منظور الاندماج في المجتمع البولندي، رافضون له تماماً ولا يرون حلاًّ للمسألة اليهودية إلا بتهجير اليهود من بولندا بل وإخلاء أوربا من فائضها اليهودي، أي أنهم كانوا يشكلون فرقة تطالب بحل نهائي وجذري للمسألة اليهودية. ويُلاحَظ أن الأحزاب الصهيونية في بولندا كانت أقوى الأحزاب الصهيونية في العالم. وإلى جانب الأحزاب الصهيونية، كان يُوجَد حزب البوند الذي أصبح من أهم الأحزاب اليهودية في بولندا إن لم يكن أهمها على الإطلاق، بل إنه كان أكثر قوة من الصهاينة. ولكن يبدو أنه كان يعبِّر عن قوته السياسية من خلال تحالفات مع الأحزاب السياسية (غير اليهودية) الأخرى. وإلى جانب هاتين القوتين، كانت هناك أحزاب دينية تقليدية تحاول الانسحاب من المجال السياسي أو تكتفي بتأييد الوضع القائم. ولم يكن انعدام التجانس مقصوراً على المجال السياسي، وإنما شمل المجال الثقافي كما يتضح من النظم التعليمية اليهودية المنفردة في منتصف الثلاثينيات. وقد كان للحركة الصهيونية شبكة من المدارس تضم مدرسة زراعية للتدريب على الاستيطان ومدارس حضانة وابتدائية وثانوية. كانت لغة التدريس فيها العبرية كما كان عدد الطلبة فيها 44.780 طالباً. وكانت هناك شبكة أخرى تشرف عليها مؤسسة زيشو (الاختصار البولندي لمصطلح: المنظمة المركزية للمدارس اليديشية) وهي شبكة مشبعة بالروح الاشتراكية والثقافية اليديشية، وكانت لغة الدراسة فيها هي اليديشية، وكان عدد الطلبة في هذه الشبكة 15.486 ألفاً. كما كان يوجد عدد من المدارس التجارية لغة الدراسة فيها هي اليديشية. وكان هناك شبكتان من المدارس الدينية يشرف على الأولى منظمة المزراحي (الدينية الصهيونية) تضمان عدة مدارس دينية ابتدائية وثانوية وكليات دراسات دينية عليا، وكانت لغة التدريس في هذه المدارس العبرية والبولندية. وأخيراً، كانت هناك شبكة دينية تتبع المؤسسة الدينية الأرثوذكسية لغة التدريس فيها اليديشية. وإلى جانب ذلك، كان هناك اليهود الذين التحقوا بالنظام التعليمي الحكومي. وقد تلقَّى هؤلاء الدروس بالبولندية. ففي إحصاء عام 1931، قرَّر 381.300 يهودي أن لغتهم الأصلية البولندية، كما كان هناك أولئك الذين سافروا إلى غرب أوربا للدراسة. بولندا من الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر Poland from the Second World War to the Present انحسرت موجة معاداة اليهود بعد الهجوم النازي على براغ عام 1939، وانخرط اليهود في سلك الجيش البولندي للدفاع عن الوطن، وقامت السلطات البولندية بالقبض على زعماء الجماعات المعادية لليهود. وفي العام نفسه، تم تقسيم بولندا إذ ضم الاتحاد السوفيتي رقعة من بولندا تضم ثلث سكانها وعدداً كبيراً من اليهود يبلغ 1.309.000. أما بقية بولندا، فخضعت للنفوذ الألماني. وضمت ألمانيا الجزء الغربي متضمناً مدينة لودز الصناعية. أما باقي بولندا، فكانت تحكمه حكومة بولندية تابعة لألمانيا تُسمَّى «الحكومة العامة» . وكانت المنطقة الأولى تضم 632.000 يهودي، أما منطقة الحكومة العامة فكانت تضم 1.269.000 زاد إلى 1.700.000 عام 1941 (أي 12.1% من السكان) . وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد اليهود الخاضعين لحكم النازي كان يبلغ 2.042.000. وقد حول النازيون التمييز العنصري إلى عملية منهجية منظمة من خلال مجموعة من القوانين تم إصدارها لهذا الغرض. وكان كثير من هذه القوانين تهدف إلى تسخير قطاعات الشعب البولندي كافة لخدمة النظام النازي، ولكننا سنقتصر هنا على الإشارة إلى تلك القوانين التي تخص أعضاء الجماعة اليهودية. وقد صدر مرسوم عام 1939 فرض أعمال السخرة على اليهود وتم بمقتضاه تكوين فرق عمالة يهودية. وكان على اليهود الذين يزيد عمرهم على عشرة أعوام أن يعلقوا نجمة داود. كما صودرت أموال عديد من اليهود. ولكن أهم أعمال النازيين في هذا المضمار تأسيس جيتو وارسو، وكان مؤسسة من مؤسسات الحكم الذاتي ينطلق من الإيمان الصهيوني بأن اليهود شعب عضوي وأن اليهودي يهودي بالمولد وليس بالعقيدة (تعريف قوانين وورمبرج وقانون العودة) وكانت علاقة الدولة النازية بجيتو (دويلة) وارسو علاقة استغلال استعمارية لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمصر أو علاقة الدولة الصهيونية بالضفة الغربية. وقامت حركة مقاومة بولندية قوية ضد النازيين اشترك فيها أعداد من اليهود، ونظمت انتفاضة جيتو وارسو في أبريل عام 1943. ولكن، يبدو أن الصهاينة لم يشتركوا في هذه الانتفاضة بصورة كافية بدعوى أن حل مشكلة اليهود لا يتم داخل إطار الوطن الأم وإنما عن طريق الهجرة إلى فلسطين. ومع نهاية الحرب، بلغ عدد يهود بولندا 250.000 (وفي إحصاء آخر أنهم كانوا أقل من ذلك بكثر) ، وحلت الأحزاب الصهيونية البولندية والبوند عام 1949، سُمح للصهاينة بالهجرة، وبدأت نقط التجمع السكانية اليهودية في الاختفاء. ورغم إعادة توطين 25 ألف يهودي بولندي من الذين فروا من بولندا إلى الاتحاد السوفيتي إبّان الحرب، إلا أن أبواب الهجرة إلى إسرائيل فُتحت، فهاجر 140 ألفاً بين عامي 1948 و 1958 (ويتضمن هذا الرقم اليهود ممن أُعيد توطينهم في بولندا بعد فرارهم إلى الاتحاد السوفيتي إبان الحرب) . وتمت تصفية الجماعة اليهودية نهائياً بين عامي 1968 و1969 حين هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى إسرائيل والولايات المتحدة، بحيث لم يبق في بولندا سوى ستة آلاف يهودي. ويبلغ عدد يهود إسرائيل من أصل بولندي نحو 470 ألفاً؛ منهم 170 ألفاً هم من هاجروا قبل عام 1948 (ونسلهم) ، والباقون (300 ألف) هم من هاجروا بعد ذلك التاريخ. ومعظم أعضاء النخبة السياسية الحاكمة في إسرائيل من أصل بولندي، أي من يهود اليديشية، فمنهم بن جوريون وبيجين وشامير وبيريس. وإذا أضفنا إلى هؤلاء أعضاء النخبة من أصل روسي، وهم أيضاً من يهود اليديشية، فيمكن القول بأن نخبة من يهود اليديشية تحكم إسرائيل. وقد استفادت البقية الباقية من أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا من جو الانفتاح السياسي والاقتصادي في شرق أوربا، ومن الدعم الغربي لنقابة التضامن. ولكن جو الانفتاح أدَّى أيضاً إلى تَصاعُد القومية البولندية وثيقة الصلة بالكاثوليكية وهو ما أدَّى إلى الصدام مع الجماعة اليهودية داخل وخارج بولندا، وخصوصاً بشأن قضية الإبادة، إذ تحاول المؤسسة الصهيونية احتكار رموز الإبادة وفرض مضمون صهيوني عليها، الأمر الذي يرفضه البولنديون الذين ذاقوا الأمرَّين من النازي، ربما بدرجة تفوق ما لحق بأعضاء الجماعات اليهودية. ومن التنظيمات والمؤسسات التي ينتظم فيها أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا: أ) المجلس المركزي للجمعية الثقافية والاجتماعية ليهود بولندا واختصاره TSKZ. وترسل الجماعة اليهودية مراقبين لاجتماعات المؤتمر اليهودي العالمي. ب) أما المنظمة الدينية الأساسية فهي الجمعية الموسوية الدينية. وهناك أربعة معابد يهودية، ولكن لا يوجد حاخامات محليون، ولذلك يتم إحضار حاخامات من الخارج (في الغالب من المجر) لإجراء الشعائر الدينية في الأعياد الدينية المهمة. |
|
*هولندا تقع فى شمال غرب أوربا.
تحيط بها ألمانيا، وبلجيكا وبحر الشمال. تبلغ مساحتها (40. 922 كم2) (15. 800) ميل مربع، وسكانها يتبعون كنيسة هولندا الإصلاحية، وهناك كاثوليك يخضعون لسلطة البابا. عاصمتها: أمستردام، لكن مقر الحكومة فى لاهاى. أهم المدن: روتردام، ولاهاى، وأولترخت، وايدهوفن، ولغتها: هولندية (نيرلندية). وأهم الثروات المنجمية: الملح، والفحم، والغاز الطبيعى، وأهم المنتجات الزراعية: الورد، والبطاطا، والقمح. وأهم الصناعات: منتجات الحليب وبعض الأدوات الإلكترونية. وأهم الصادرات: منتجات الحليب، والخضراوات وبعض الأجهزة الإلكترونية. وأهم الواردات: النفط، والحديد والفولاذ. نظام الحكم: ملكى دستورى وراثى، والبرلمان هو السلطة التشريعية. وهولندا عضو بالأمم المتحدة، والحلف الأطلسى، والبنولوكس، والسوق الأوربية المشتركة، والمجلس الأوربى. أهم الأحزاب: المسيحيون الديمقراطيون الليبراليون، والحزب الاشتراكى. الوحدة النقدية لهولندا هى: الفلورن. وفى سنة (1568 م) ولدت الجمهورية الهولندية، ثم عقدت المقاطعات الجنوبية سنة (1579 م) صلحًا مع إسبانيا، أما الشمالية فظلت تناضل حتى استقلت عام (1648 م) وبدأ العصر الذهبى لهولندا حيث تكوَّنت إمبراطورية واسعة الأرجاء لجمهورية هولندا الصغيرة، نافست القوة الإسبانية فى القارة الأوربية، وأسسوا عدة مستعمرات كمستعمرة الهند الشرقية الهولندية. وخلال عصرها الذهبى أنجبت عددًا من الأعلام منهم هوغو غروسيوس، الذى ألَّف كتاب قانون الحرب والسلم الذى استحق عليه لقب أبى القانون والأشخاص، واستحقت لاهاى بعده بعدة قرون أن تكون مقر محكمة العدل الدولية، والفيلسوف باروخ سبينوزا. وفى أواخر القرن السابع عشر بدأ عصر هولندا الذهبى فى الأفول، وفى عام (1794 م) ضمها نابليون بونابرت تحت حكمه، وفى عام (1815 م) أصبحت هولندا مملكة تضم بلجيكا حتى عام (1831 |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
(البابا أوجانيوس) الرابع يعلن قيام حرب صليبية جديدة ضد المسلمين، ولقي نداؤه ترحيبا في بولندة والمجر وألمانيا وفرنسا.
847 - 1443 م قام البابا أغانيوس الرابع بالدعوة لحرب صليبية ضد العثمانيين، وخاصة أن مراد هزم أكثر من مرة وخاصة أمام المجريين، ولاقت هذه الدعوة ترحيبا كبيرا في بولندا والمجر والنمسا وألمانيا وفرنسا، وتعاقدوا على جيش يقوده ملك المجر جان هونياد. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قوات (بايزيد) العثمانية تستولي على (البوسنة) وتصد البولنديين لفتح (البغدان).
901 - 1495 م بعد أن كانت العلاقات بين العثمانيين والبولنديين قد توطدت عام 895هـ إلا أنها لم تلبث كثيرا حتى بدأ الخلاف بينهما بسبب الحماية على البغدان فكل من الطرفين يدعي الحماية عليها ولكن أمير البغدان اعترف بالحماية العثمانية، وحارب إلى جانب العثمانيين ضد البولنديين، واستطاعوا أن يصدوا البولنديين ويستولوا على البوسنة، مما أكسب الدولة العثمانية قوة إلى قوتها فبدأ خصومها يتقربون إليها بعقد الحلف معها للإفادة منها في قتال خصومها، وخاصة الإمارات الإيطالية. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
الاستعمار الهولندي على جزر أندونيسيا.
1005 - 1596 م وصل الهولنديون إلى سومطرة وجاوه عام 1005هـ وحدث بينهم وبين السكان معارك وحاول البرتغاليون الوقوف في وجه الهولنديين فتحركوا بسفنهم ضدهم وكان الأندونيسيين قد تحالفوا ضمنا مع الهولنديين ضد البرتغاليين ظنا منهم أنهم سيتخلصون من الحقد البرتغالي الصليبي، فتزحزت البرتغال عن أندونيسيا ولكن هولندا لم تكن بأحسن حالا من سلفها فالصليبيون هم الصليبيون فانقضوا على الجزر الأندونيسية سلبا ونهبا وقتلا، ثم بدأت المعارك بينهم وبين الممالك الإسلامية وخاصة متارم، ولكن أمرها لم يدم طويلا حيث بدأت المنافسة الإنكليزية تظهر عام 1027هـ ولكن بعد أن انتهت الحروب في أوربا وبعد انتهاء الحرب بين إنكلترا وهولندا أيام حروب نابليون عادت الحكومة الهولندية واستعمرت أندونيسيا حيث كانت إنكلترا قد احتلتها بعدها، ثم وقعت معاهدة بين إنكلترا وهولندا تركت إنكلترا بموجبها أندونيسيا لهولندا التي رفعت علمها عليها من جديد عام 1232هـ لكن حدثت عدة حروب منها حروب ديبو نيغورو الأمير المسلم واستمرت حروبه خمسة أعوان، وحروب بدري الجمعية الخيرية وحروب آتشيه شمالي سومطرة واستمرت حروبهم أكثر من ثلاثين سنة، غير الاضطرابات السكانية بين الفينة والأخرى. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
احتلال هولندا لجزر إندونيسيا.
1009 - 1600 م كانت أندونيسيا قد لاقت الكثير من البرتغاليين الذين أساؤوا السيرة فيها وأظهروا أحقادهم النصرانية، ثم وصل الهولنديون إلى جزيرة سومطرة عام 1005هـ وكان همهم الظاهر هو التجارة ولكن السكان الذين عرفوا الوجه الحقيقي للنصرانية قاوموهم أشد المقاومة، غير أن الهولنديين تمكنوا من خديعة بعض السكان إذ أظهروا وداعة الحمل مخفين أنياب الذئاب محاولين إزالة الصورة البشعة التي تركها البرتغاليون فأبدوا أنهم جاؤوا منقذين لهم من البرتغاليين، لذا استطاعوا إمضاء معاهدة في هذا العام في جزيرة أمبويتا الواقعة بين إيريان الغربية وجزيرة سلبيز وتقضي هذه المعاهدة بمنح الهولنديين حق إقامة القلاع للدفاع عن الجزيرة مقابل احتكار تجارة التوابل، فكان هذا أول التمكين لهم في أندونيسيا. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قيام الحرب بين الدولة العثمانية وبولندا وتوقيع معاهدة بين الطرفين ردت خلالها للعثمانيين بعض المدن.
1083 - 1672 م رغب القوزاق في التبعية إلى الدولة العثمانية فأعلنوا ذلك، وكانوا يقيمون في أوكرانيا والمناطق التي تقع إلى الشرق منها وهذا ما أغضب بولونيا فأغارت على أوكرانيا التي طلبت النجدة من العثمانيين وسار الخليفة بنفسه على رأس جيش انتصر على البولونيين الذين طلبوا الصلح فعقد ولم يحصن على الحرب أكثر من شهر واحد وقد اعترفت بولونيا فيه بأن أوكرانيا للقوزاق وأن إقليم بووليا في غرب أوكرانيا للدولة العثمانية، وفوق هذا الاعتراف تدفع بولونيا جزية قدرها مائتين وعشرين ألف بندقي ذهبا، فتضايق الشعب البولوني من هذه المعاهدة التي عرفت باسم بوزاكس فأعلن رفضه لها وسار القائد البولوني سوبيسكي بجيوش جرارة وقاتل العثمانيين واستمرت المعارك سجالا بين الطرفين ثم عادت المفاوضات فعقد الصلح بين الطرفين وتنازل فيه ملك بولونيا إلى العثمانيين عما تنازل له سلفه باستثناء بعض المواقع. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
(بودوليا) في بولندا و (فيينا) في النمسا فتحها الأتراك.
1095 - 1683 م عندما حاول أمير ترانسلفانيا جورج راغوجي عدم الوفاء بالتزاماته المالية عزله العثمانيون وولوا مكانه ميخائيل أبافي فكان هذا سببا في قيام حرب تزعمها المجريون ثم انضم لهم جماعة من الأوربيين في حرب صليبية كان العثمانيون لها بالمرصاد حتى وصلوا إلى حدود النمسا، ثم أحرز العثمانيون النصر عليهم، ثم حصلت حرب بين السويد وبولونيا (بولندا) فاستنجد ملك السويد بالعثمانيين على أن تصبح بولونيا تحت نفوذهم فاتجه العثمانيون إلى بولونيا فقامت معارك ضارية فقد البولنديون فيها قلعة فامنج حتى اضطر ميخائيل ملك بولونيا إلى عقد صلح مع العثمانيين تخلى بموجبه عن بودوليا وأوكرانيا ثم عادت الحروب بينهم سجالا مرة أخرى ولكن الأمر بقي لصالح العثمانيين حيث عاد ملك بولندا للتخلي عن باقي أجزاء أوكرانيا وبودوليا للعثمانيين. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ظهور التلمود مطبوعا في وارسو ببولندا وعلاقة ذلك بخطر الصهيونية.
1280 - 1863 م ينقسم التلمود إلى جزئين هامين: 1 - المشناه Mishnah ، وهو الأصل (المتن) 2 - جمارا Gamara ، وهو شرح المشناه. ومشناه أول لائحة قانونية وضعها اليهود لأنفسهم، بعد التوراة، جمعها يهوذا هاناسي Judah Hanasi فيما بين 190 و200 م، أي بعد قرن تقريباً من تدمير تيطس الروماني الهيكل. أما جمارا فإثنان: جمارا أورشليم (فلسطين).وجمارا بابل. جمارا أورشليم (أو فلسطين) هو سجل للمناقشات التي أجراها حاخامات فلسطين (أو بالأخص علماء مدارس طبرية) لشرح المشناه. ومن الطبعات للمنشاه طبعة Romm التي نشرت في فيلنه نشرت سنة 1927م في مجلدين من فرانكفورت، وترجم هربرت داوبي H.Dauby المشناه إلى الإنجليزية مع الحواشي ونشره في أكسفورد سنة 1933م. وقد طبع تلمود أورشليم لأول مرة، في البندقية (فينيسيا) في سنتي 1522 – 1523م وظهرت الطبعة الثانية في كراكوو Cracom فيما بين 1602 – 1605م، مع بعض الحواشي والشروح، بسبب الاهتمام المتزايد بالتلمود في بولندا ,أعيد طبع كراكوو في كروتوتشين krotoschin سنة 1886 م، ثم ظهرت طبعة زيتومير Zhitomir . في 1860 – 1867م، ثم طبعتا Piotrkew _ سنة 1899 – 1900م) وروم Romm في فيلنا سنة 1922م. وقد طبعت هذه الأخيرة مع بعض الحواشي سنة 1929 باسم تشلوم يروشلمي Tashlum Yerushalmi وظهرت طبعة مصورة لنسخة البندقية (1523) في ليبزيج سنة 1925، تبعته طبعة برلين سنة 1929م. وقد طبعت بعض فصول تلمود بابل سنة 1484، إلا أن الطبعة الكاملة نشرت في البندقية فيما بين 1520 و1523م، أما نسخة بازل Basel فقد خضعت للرقابة الكنيسة التي حذفت منها أشياء كثيرة. وطبعة أمستردام 1644 – 1648م Romm المنشورة في فيلنا Vina سنة 1886م في عشرين مجلداً، وهناك طبعة لتلمود بابل نشرها ستراك Strack سنة 1912م عن نسخة أعدت في ميونيخ في أواسط القرن الرابع عشر. وأول ترجمة كاملة لتلمود بابل نشرتّها مطبعة سونكينو Soncino بلندن، وقد ترجم أبراهام كوهين كتاب براخوت Berachoth إلى الإنجليزية سنة 1921م، وظهرت عدة كتب تتناول ملخص تلمود بابل باللغات الأخرى. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
مقتل المخرج الهولندي لفيلم "الاستسلام" والذي أساء فيه للإسلام.
1426 جمادى الآخرة - 2005 م قتل المخرج الهولندي ثيو فان جوخ مخرج فيلم "الاستسلام" والذي أساء فيه للإسلام حيث قتله المسلم الهولندي المغربي الأصل محمد بويري، وقد تمت إدانته وصدر فيه حكم بالسجن مدى الحياة، وهي أقصى عقوبة في القضاء الهولندي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
73 - أحْمَد بن إبراهيم بن محمد، العلامة أبو حامد البَغُولنيُّ النيسابُوري الحَنَفيُّ الزَّاهد، [المتوفى: 383 هـ]
شيخ أهل الرأي في عصره وزاهدهم. أفتى ودرَّس نحوًا من ستين سنة، وكتب الحديث بنيسابُور والعراق وبَلْخ وتِرْمِذ، وحدّث. -[540]- ترجمه الحاكم، وقال: مات في رمضان واجتمع الخلق الكثير بجنازته. |
|
*هولندا تقع فى شمال غرب أوربا.
تحيط بها ألمانيا، وبلجيكا وبحر الشمال. تبلغ مساحتها (40.922 كم2) (15.800) ميل مربع، وسكانها يتبعون كنيسة هولندا الإصلاحية، وهناك كاثوليك يخضعون لسلطة البابا. عاصمتها: أمستردام، لكن مقر الحكومة فى لاهاى. أهم المدن: روتردام، ولاهاى، وأولترخت، وايدهوفن، ولغتها: هولندية (نيرلندية). وأهم الثروات المنجمية: الملح، والفحم، والغاز الطبيعى، وأهم المنتجات الزراعية: الورد، والبطاطا، والقمح. وأهم الصناعات: منتجات الحليب وبعض الأدوات الإلكترونية. وأهم الصادرات: منتجات الحليب، والخضراوات وبعض الأجهزة الإلكترونية. وأهم الواردات: النفط، والحديد والفولاذ. نظام الحكم: ملكى دستورى وراثى، والبرلمان هو السلطة التشريعية. وهولندا عضو بالأمم المتحدة، والحلف الأطلسى، والبنولوكس، والسوق الأوربية المشتركة، والمجلس الأوربى. أهم الأحزاب: المسيحيون الديمقراطيون الليبراليون، والحزب الاشتراكى. الوحدة النقدية لهولندا هى: الفلورن. وفى سنة (1568 م) ولدت الجمهورية الهولندية، ثم عقدت المقاطعات الجنوبية سنة (1579 م) صلحًا مع إسبانيا، أما الشمالية فظلت تناضل حتى استقلت عام (1648 م) وبدأ العصر الذهبى لهولندا حيث تكوَّنت إمبراطورية واسعة الأرجاء لجمهورية هولندا الصغيرة، نافست القوة الإسبانية فى القارة الأوربية، وأسسوا عدة مستعمرات كمستعمرة الهند الشرقية الهولندية. وخلال عصرها الذهبى أنجبت عددًا من الأعلام منهم هوغو غروسيوس، الذى ألَّف كتاب قانون الحرب والسلم الذى استحق عليه لقب أبى القانون والأشخاص، واستحقت لاهاى بعده بعدة قرون أن تكون مقر محكمة العدل الدولية، والفيلسوف باروخ سبينوزا. وفى أواخر القرن السابع عشر بدأ عصر هولندا الذهبى فى الأفول، وفى عام (1794 م) ضمها نابليون بونابرت تحت حكمه، وفى عام (1815 م) أصبحت هولندا مملكة تضم بلجيكا حتى عام (1831 |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
رسالة في: القولنج
لابن مندوية: أحمد بن عبد الرحمن الطبيب. المتوفى: سنة ... |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
كتاب: القولنج، وأنواعه، ومداواته
مقالتان. لأبي جعفر: أحمد بن محمد الطبيب. المتوفى: سنة 360، ستين وثلاثمائة. ولابن سينا. وأكمله: فخر الدين بن الساعاتي. |