نتائج البحث عن (الراح) 20 نتيجة

(الرَّاحِلَة) من الْإِبِل الصَّالح للأسفار والأحمال وَفِي الحَدِيث (تَجِدُونَ النَّاس بعدِي كإبل مائَة لَيْسَ فِيهَا رَاحِلَة) (ج) رواحل وَيُقَال (مشت رواحله شَاب وَضعف)
(الراحم) يُقَال شَاة رَاحِم وعنز رَاحِم وارمة الرَّحِم
(الراح) الارتياح وَالْخمر وَمن الْأَيَّام الشَّديد الرّيح وَيُقَال لَيْلَة رَاحَة
(الرَّاحَة) الْكَفّ (ج) رَاح وَيُقَال تركته على أنقى من الرَّاحَة معدما والارتياح وَالزَّوْجَة والساحة
الرّاحَةُ:
موضع في أوائل أرض اليمن أظنّها قرية.
وراحة فروع: موضع في بلاد خزاعة لبني المصطلق منهم كان فيه وقعة لهم مع هذيل، فقال الجموح، رجل من بني سليم:
رأيت الألى يلحون في جنب مالك ... قعودا لدينا يوم راحة فروع
تخوت قلوب القوم من كل جانب ... كما خات طير الماء ورد ملمّع
فإن تزعموا أنّي جبئت فإنّكم ... صدقتم، فهلّا جئتم يوم ندّعي
عجبت لمن يلحاك في جنب مالك ... وأصحابه حين المنيّة تلمع [1]
عَبْدُ الراحَمن
صورة كتابية صوتية من عبد الرحمن بمعنى الكثير الخير والنعمة وهو من أسماء الله الحسنى المقصورة عليه سبحانه.

الْيَأْس إِحْدَى الراحتين

دستور العلماء للأحمد نكري

الْيَأْس إِحْدَى الراحتين: مثل يضْرب بِهِ فِي الْعَرَب لمن يسْعَى ويرجى مرامه من رجل يقبل إيصاله إِلَيْهِ وَلَكِن لَا يُوصل فَتحصل لَهُ من ذَلِك صعوبة وملال. وَاعْلَم أَن الرَّاحَة راحتان: الأولى: الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب. وَالثَّانيَِة: الخيبة واليأس مِنْهُ فَإِن صَاحب السَّعْي عِنْد الْيَأْس يجر رجْلي التَّرَدُّد وَالْمَشَقَّة فِي ذيل الرَّاحَة والاطمئنان.(يادداشت) و (يادكرد) در (هوش دردم) .
الراحلة: المَرْكَب من الإبل ذكراً كان أو أنثى قاله النسفي.

الصَّلاَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ (أَوِ الدَّابَّةِ)

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الصَّلاَةُ يُنْظَرُ تَعْرِيفُهَا فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَة) .
وَالرَّاحِلَةُ مِنَ الإِْبِل: الْبَعِيرُ الْقَوِيُّ عَلَى الأَْسْفَارِ وَالأَْحْمَال، وَهِيَ الَّتِي يَخْتَارُهَا الرَّجُل لِمَرْكَبِهِ وَرَحْلِهِ عَلَى النَّجَابَةِ وَتَمَامِ الْخَلْقِ وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ، وَإِذَا كَانَتْ فِي جَمَاعَةِ الإِْبِل تَبَيَّنَتْ وَعُرِفَتْ.
وَالرَّاحِلَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: كُل بَعِيرٍ نَجِيبٍ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَالْجَمْعُ رَوَاحِل، وَدُخُول الْهَاءِ فِي الرَّاحِلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَةِ، وَقِيل: سُمِّيَتْ رَاحِلَةً؛ لأَِنَّهَا ذَاتُ رَحْلٍ (1) .

وَالدَّابَّةُ: كُل مَا يَدِبُّ عَلَى الأَْرْضِ. وَقَدْ غَلَبَ هَذَا الاِسْمُ عَلَى مَا يُرْكَبُ مِنَ الْحَيَوَانِ مِنْ إِبِلٍ وَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ (2) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
السَّفِينَةُ:
2 - السَّفِينَةُ: الْفُلْكُ، وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ
__________
(1) لسان العرب، مادة (رحل) .
(2) لسان العرب مادة: (دبب) ، وابن عابدين 1 / 469، والشرح الصغير 1 / 109، والمغني لابن قدامة 1 / 434.

الرَّاحِلَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُرْكَبُ، وَكَمَا أَنَّ لِلصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَحْكَامًا خَاصَّةً، فَكَذَلِكَ لِلصَّلاَةِ فِي السَّفِينَةِ أَحْكَامًا خَاصَّةً تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (سَفِينَة) .

الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ:
أ - صَلاَةُ النَّفْل:
3 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ صَلاَةُ النَّفْل عَلَى الرَّاحِلَةِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (1) قَال ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهَهُ (2) وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَل فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ (3) .
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ صَلاَةَ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيل الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاَةُ جَائِزَةٌ.
__________
(1) سورة البقرة / 115.
(2) حديث ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته ". أخرجه البخاري (الفتح2 / 578 - ط السلفية) .
(3) حديث جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 503 - ط السلفية) .

وَأَمَّا السَّفَرُ الْقَصِيرُ، وَهُوَ مَا لاَ يُبَاحُ فِيهِ الْقَصْرُ فَإِنَّ الصَّلاَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْحَسَنِ بْنِ حُيَيٍّ.
وَقَال مَالِكٌ: لاَ يُبَاحُ إِلاَّ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ؛ لأَِنَّهُ رُخْصَةُ سَفَرٍ فَاخْتَصَّ بِالطَّوِيل كَالْقَصْرِ.
وَاسْتَدَل الأَْوَّلُونَ بِالآْيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَوْل ابْنِ عُمَرَ فِيهَا، وَحَدِيثِهِ الَّذِي قَال فِيهِ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ (1) .
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ السَّفَرُ وَإِنَّمَا قَيَّدُوا جَوَازَ النَّفْل. عَلَى الرَّاحِلَةِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي خَارِجَ الْمِصْرِ مَحَل الْقَصْرِ، أَيْ فِي الْمَحَل الَّذِي يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ قَصْرُ الصَّلاَةِ فِيهِ (2) .
وَأَجَازَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ التَّنَفُّل عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْمِصْرِ وَقَال: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ - وَسَمَّاهُ - عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ الْحِمَارَ فِي الْمَدِينَةِ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَانَ يُصَلِّي وَهُوَ رَاكِبٌ (3) .
__________
(1) حديث ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 488 - ط السلفية)
(2) ابن عابدين 1 / 4960، والزيلعي 1 / 177، وفتح القدير 1 / 330، 331، والمغني 1 / 434، 435 ومغني المحتاج 1 / 42 وكشاف القناع 1 / 302.
(3) حديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب الحمار في المدينة يعود سعد ابن عبادة ". ذكرالعيني في البناية (2 / 578 ط دار الفكر) هذا الحديث وأشار إلى شذوذه بعد أن ذكر أن أبا يوسف رواه.

وَأَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَخَافَةَ الْغَلَطِ لِمَا فِي الْمِصْرِ مِنْ كَثْرَةِ اللَّغَطِ (1) .
كَمَا أَجَازَ التَّنَفُّل عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَأَبِي سَعِيدٍ الإِْصْطَخْرِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الإِْصْطَخْرِيُّ مُحْتَسِبَ بَغْدَادَ يَطُوفُ السِّكَكَ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ (2) .
4 - وَالتَّطَوُّعُ الْجَائِزُ عَلَى الرَّاحِلَةِ يَشْمَل النَّوَافِل الْمُطْلَقَةَ وَالسُّنَنَ الرَّوَاتِبَ وَالْمُعَيَّنَةَ وَالْوِتْرَ وَسُجُودَ التِّلاَوَةِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (3))
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ يُسَبِّحُ عَلَى بَعِيرِهِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ (4) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُعْتَبَرُ وَاجِبًا عِنْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ الْفَرَائِضِ كَالْوِتْرِ لاَ يَجُوزُ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِدُونِ عُذْرٍ، وَكَذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ (5) .
__________
(1) فتح القدير 1 / 330 - 331 والزيلعي مع الشلبي 1 / 177.
(2) الشلبي على الزيلعي 1 / 177، والمجموع شرح المهذب 3 / 203 تحقيق المطيعي.
(3) الدسوقي 1 / 255، وأسنى المطالب 1 / 134، والمغني (1 / 437 ط الرياض) .
(4) المغني / 437.
(5) ابن عابدين 1 / 469.

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَنْزِل عَنْ دَابَّتِهِ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لأَِنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ (1) .
وَتَجُوزُ الصَّلاَةُ لِلْمُسَافِرِ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُول اللَّحْمِ، وَلاَ كَرَاهَةَ هُنَا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَلأَِنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارِهِ النَّفَل (2) . غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يُلاَقِي بَدَنَ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ وَثِيَابِهِ مِنَ السَّرْجِ، وَالْمَتَاعِ، وَاللِّجَامِ طَاهِرًا. وَهَذَا كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذُكِرَ فِي الأَْصْل.
وَعَنْ أَبِي حَفْصٍ الْبُخَارِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيَّ: أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ أَوْ فِي مَوْضِعِ الرِّكَابَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لاَ تَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى السَّرْجِ نَجَاسَةٌ فَسَتَرَهَا لَمْ يَضُرَّ (3) .
5 - وَتَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَطَوُّعًا فِي السَّفَرِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، كَسَفَرِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
__________
(1) الزيلعي 1 / 177.
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على حماره النفل ". تقدم تخريجه ف3.
(3) البدائع 1 / 109 والمجموع شرح المهذب 3 / 203 تحقيق المطيعي، وشرح منتهى الإرادات 1 / 160، 161، والشرح الصغير 1 / 109.

وَلاَ يُبَاحُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ: كَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالتِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَالْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ؛ لأَِنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ لِلإِْعَانَةِ عَلَى تَحْصِيل الْمُبَاحِ فَلاَ يُنَاطُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ مُسَافِرٌ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّرَخُّصُ كَالْمُطِيعِ (1) .

ب - صَلاَةُ الْفَرِيضَةِ:
6 - الأَْصْل أَنَّ صَلاَةَ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ لِعُذْرٍ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ نَزَل فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ (2) .
قَال ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
وَلأَِنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُول لاَ يَجُوزُ.
وَلأَِنَّ شَرْطَ الْفَرِيضَةِ الْمَكْتُوبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ مُسْتَقِرًّا فِي جَمِيعِهَا،
__________
(1) المغني 2 / 261 - 263 بتصرف.
(2) حديث جابر بن عبد الله: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته نحو المشرق ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 575 - ط السلفية) .

فَلاَ تَصِحُّ مِنَ الرَّاكِبِ الْمُخِل بِقِيَامٍ أَوِ اسْتِقْبَالٍ (1) .
7 - وَقَدْ عَدَّدَ الْفُقَهَاءُ الأَْعْذَارَ الَّتِي تُبِيحُ الصَّلاَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ أَوِ الْمَال مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ، أَوْ خَوْفِ الاِنْقِطَاعِ عَنِ الرُّفْقَةِ، أَوِ التَّأَذِّي بِالْمَطَرِ وَالْوَحْل؛ فَفِي مِثْل هَذِهِ الأَْحْوَال تَجُوزُ صَلاَةُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِالإِْيمَاءِ مِنْ غَيْرِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ؛ لأَِنَّ عِنْدَ اعْتِرَاضِ هَذِهِ الأَْعْذَارِ عَجْزًا عَنْ تَحْصِيل هَذِهِ الأَْرْكَانِ (2) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، بِحَيْثُ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الصَّلاَةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، أَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ: إِمَّا لِهَرَبٍ مُبَاحٍ مِنْ عَدُوٍّ، أَوْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إِلاَّ بِالْهَرَبِ، أَوِ الْمُسَابَقَةِ، أَوِ الْتِحَامِ الْحَرْبِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْمُطَارَدَةِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ رَاجِلاً وَرَاكِبًا إِلَى الْقِبْلَةِ إِنْ أَمْكَنَ، أَوْ إِلَى غَيْرِهَا إِنْ لَمْ يُمْكِنْ، وَإِذَا عَجَزَ عَنِ
__________
(1) فتح الباري 2 / 575، والبدائع 108، وابن عابدين 1 / 469 - 470، والدسوقي 1 / 339، والحطاب 1 / 509، ومغني المحتاج 1 / 142، والشرح الصغير 1 / 109.
(2) البدائع 1 / 108، والدسوقي 1 / 229 - 230، ونهاية المحتاج 1 / 48 - 409، وشرح منتهى الإرادات 1 / 273.

الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِهِمَا وَيَنْحَنِي إِلَى السُّجُودِ أَكْثَرَ مِنِ الرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ سَقَطَ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ، أَوِ الْقُعُودِ، أَوْ غَيْرِهِمَا سَقَطَ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْكَرِّ وَالْفَرِّ فَعَل ذَلِكَ وَلاَ يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ عَنْ وَقْتِهَا (1) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} (2) .
وَحَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى إِلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَل مِنْهُمْ فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً يَجْعَل السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ (3) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (صَلاَةُ الْخَوْفِ، وَاسْتِقْبَال ف 38) .
8 - وَإِذَا كَانَتْ صَلاَةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ لِعُذْرٍ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الْفَرِيضَةِ الْمَكْتُوبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ مُسْتَقِرًّا فِي جَمِيعِهَا وَمُسْتَوْفِيًا شُرُوطَهَا وَأَرْكَانَهَا، فَإِنَّ مَنْ
__________
(1) المغني (1 / 432 ط الرياض) وانظر شرح منتهى الإرادات 1 / 273.
(2) سورة البقرة / 239.
(3) حديث يعلى بن أمية: " أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق ". أخرجه أحمد (4 / 173 - 174 ط الميمنية) والبيهقي (2 / 7 ط دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي: في إسناده ضعف.

أَمْكَنَهُ صَلاَةُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ مَعَ الإِْتْيَانِ بِكُل شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا، وَلَوْ بِلاَ عُذْرٍ صَحَّتْ صَلاَتُهُ وَذَلِكَ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - قَال الْحَنَابِلَةُ: وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الرَّاحِلَةُ سَائِرَةً أَمْ وَاقِفَةً، لَكِنِ الشَّافِعِيَّةُ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ فِي نَحْوِ هَوْدَجٍ وَهِيَ وَاقِفَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً. أَمَّا لَوْ كَانَتْ سَائِرَةً فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ سَيْرَهَا مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ بِدَلِيل جَوَازِ الطَّوَافِ عَلَيْهَا. وَلَوْ كَانَ لِلدَّابَّةِ مَنْ يَلْزَمُ لِجَامَهَا وَيُسَيِّرُهَا، بِحَيْثُ لاَ تَخْتَلِفُ الْجِهَةُ جَازَ ذَلِكَ، وَقَال سَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُجْزِئُ إِيقَاعُ الصَّلاَةِ عَلَى الدَّابَّةِ قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا لِدُخُولِهِ عَلَى الْغَرَرِ (1) .

قِبْلَةُ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ:
9 - مُصَلِّي النَّافِلَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لاَ يَلْزَمُهُ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، بَل يُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّهَتِ الدَّابَّةُ أَوْ صَوْبَ سَفَرِهِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، وَتَكُونُ هَذِهِ عِوَضًا عَنِ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، أَيْ جِهَةَ مَقْصِدِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَل فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ (2) .
__________
(1) الشرح الصغير 1 / 109، والدسوقي 1 / 225، وشرح منتهى الإرادات 1 / 273، ومغني المحتاج 1 / 144.
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته ". تقدم فقرة 3.

وَالْحِكْمَةُ فِي التَّخْفِيفِ عَلَى الْمُسَافِرِ: أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إِلَى الأَْسْفَارِ. فَلَوْ شُرِطَ فِيهَا الاِسْتِقْبَال لأََدَّى إِلَى تَرْكِ أَوْرَادِهِمْ أَوْ مَصَالِحِ مَعَايِشِهِمْ.
10 - غَيْرَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا أَمْكَنَهُ افْتِتَاحُ الصَّلاَةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ سَهْلَةً غَيْرَ مَقْطُورَةٍ بِأَنْ كَانَتْ وَاقِفَةً أَوْ سَائِرَةً وَزِمَامُهَا بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ عِنْدَ الإِْحْرَامِ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَرَأْيُ ابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَل بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ (1) ؛ وَلأَِنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلاَةِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَالصَّلاَةِ كُلِّهَا.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُشْتَرَطُ الاِسْتِقْبَال فِي السَّلاَمِ - أَيْضًا - لأَِنَّهُ آخِرُ طَرَفَيِ الصَّلاَةِ فَاشْتُرِطَ فِيهِ ذَلِكَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ -: لاَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ يَعْنِي فِي السَّلاَمِ لأَِنَّ الاِفْتِتَاحَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلاَةِ
__________
(1) حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع ". أخرجه أبو داود (2 / 21 تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسن إسناده المنذري في مختصره لأبي داود (2 / 59 نشر دار المعرفة) .

فَأَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهَا؛ وَلأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ فَسَقَطَ شَرْطُ الاِسْتِقْبَال فِي السَّلاَمِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَلاَ يَجِبُ، وَإِنْ لَمْ يَسْهُل اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ بِأَنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ سَائِرَةً وَهِيَ مَقْطُورَةٌ، وَلَمْ يَسْهُل انْحِرَافُهُ عَلَيْهَا أَوْ كَانَتْ جَمُوحًا لاَ يَسْهُل تَحْرِيفُهَا فَلاَ يَجِبُ الاِسْتِقْبَال؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَاخْتِلاَل أَمْرِ السَّيْرِ عَلَيْهِ، فَيُحْرِمُ إِلَى جِهَةِ سَيْرِهِ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ عَلَيْهِ الاِسْتِقْبَال مُطْلَقًا سَوَاءٌ سَهُل عَلَيْهِ ذَلِكَ أَمْ لاَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ (1) .
11 - وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي مَكَان وَاسِعٍ كَمَحْمَلٍ وَاسِعٍ وَهَوْدَجٍ وَيَتَمَكَّنُ مِنَ الصَّلاَةِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَعَلَيْهِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي صَلاَتِهِ وَيَسْجُدُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ، وَقَال أَبُو الْحَسَنِ الآْمِدِيُّ: يُحْتَمَل أَنْ لاَ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ لأَِنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ تَعُمُّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَغَيْرُهُ (2) . هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّطَوُّعِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ الاِسْتِقْبَال لِلْعُذْرِ - فَقَطْ - عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
__________
(1) ابن عابدين 1 / 469، والدسوقي 1 / 225، ومغني المحتاج 1 / 143، وأسنى المطالب 1 / 134، والمغني (1 / 436 ط. الرياض) .
(2) المغني (1 / 435 - 436 ومغني المحتاج 1 / 142، والدسوقي 1 / 22) .

كَيْفِيَّةُ الصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ:
12 - مَنْ جَازَتْ لَهُ الصَّلاَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَإِنَّهُ يُومِئُ فِي صَلاَتِهِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَل سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، قَال جَابِرٌ: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ (1) .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءَ صَلاَةِ اللَّيْل إِلاَّ الْفَرَائِضَ (2) .
قَال ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مَنْ تَنَفَّل فِي مَحْمَلِهِ فَقِيَامُهُ تَرَبُّعٌ، وَيَرْكَعُ كَذَلِكَ وَيَدَاهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهُمَا، وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ وَقَدْ ثَنَى رِجْلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْمَأَ مُتَرَبِّعًا (3) .
وَمَنِ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا، ثُمَّ نَزَل فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَيَبْنِي عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ صَلاَتِهِ وَيُتِمُّهَا بِالأَْرْضِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا،
قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ عَلَى قَوْل مَنْ يُجَوِّزُ الإِْيمَاءَ فِي النَّافِلَةِ لِلصَّحِيحِ غَيْرِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلاَتَهُ
__________
(1) حديث جابر: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة ". أخرجه أبو داود (2 / 22 تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر على راحلته ". أخرجه البخاري (الفتح 2 / 489 - ط السلفية) من حديث ابن عمر.
(3) الزيلعي 1 / 176، والحطاب مع المواق 1 / 509، ومغني المحتاج 1 / 143، وكشاف القناع 1 / 304، والمغني (1 / 435 ط. الرياض) .

عَلَى دَابَّتِهِ بِالإِْيمَاءِ إِذَا دَخَل الْمَدِينَةَ (1) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَسْتَقْبِل صَلاَتَهُ وَلاَ يَبْنِي عَلَى مَا سَبَقَ؛ لأَِنَّ أَوَّل صَلاَتِهِ بِالإِْيمَاءِ وَآخِرَهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ؛ فَلاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ إِذَا نَزَل بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً اسْتَقْبَل؛ لأَِنَّ مَا قَبْل أَدَاءِ الرَّكْعَةِ مُجَرَّدَ تَحْرِيمَةٍ وَهِيَ شَرْطٌ، فَالشَّرْطُ الْمُنْعَقِدُ لِلضَّعِيفِ كَانَ شَرْطًا لِلْقَوِيِّ، وَأَمَّا إِذَا صَلَّى رَكْعَةً فَقَدْ تَأَكَّدَ فِعْل الضَّعِيفِ فَلاَ يُبْنَى عَلَيْهِ الْقَوِيُّ (2) .
13 - وَإِنْ رَكِبَ مَاشٍ وَهُوَ فِي صَلاَةِ نَفْلٍ أَتَمَّهُ رَاكِبًا، كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَبْنِي؛ لأَِنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ (3) . وَمَنِ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ خَارِجَ الْمِصْرِ، ثُمَّ دَخَل الْمِصْرَ، أَوْ نَوَى النُّزُول بِبَلَدٍ دَخَلَهُ نَزَل عَنْ دَابَّتِهِ لاِنْقِطَاعِ سَفَرِهِ وَأَتَمَّ صَلاَتَهُ مُسْتَقْبِلاً الْقِبْلَةَ. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الأَْكْثَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ،
__________
(1) ابن عابدين 1 / 470، والزيلعي 1 / 177 - 178، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 225، والحطاب 1 / 509، ومغني المحتاج 1 / 144، شرح منتهى الإردات 1 / 160.
(2) الزيلعي 1 / 18، وابن عابدين 1 / 470.
(3) ابن عابدين 1 / 470، والزيلعي 1 / 178، وكشاف القناع 1 / 303.

وَقِيل: يُتِمُّ عَلَى الدَّابَّةِ بِإِيمَاءٍ (1) .
وَلَوْ رَكِبَ الْمُسَافِرُ النَّازِل وَهُوَ فِي صَلاَةٍ نَافِلَةٍ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّ حَالَتَهُ إِقَامَةٌ فَيَكُونُ رُكُوبُهُ فِيهَا كَالْعَمَل الْكَثِيرِ مِنَ الْمُقِيمِ، وَقَال مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَبْنِي عَلَى صَلاَتِهِ (2) .
__________
(1) الزيلعي 1 / 178، وابن عابدين 1 / 470، ومغني المحتاج 1 / 144، وكشاف القناع 1 / 303.
(2) كشاف القناع 1 / 303، ومغني المحتاج 1 / 144، والزيلعي 1 / 178.

الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1 - الْمَقْصُودُ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدُّعَاءُ لَهُ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَالتَّعْظِيمُ لأَِمْرِهِ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ مِنَ اللَّهِ:
رَحْمَتُهُ، وَرِضْوَانُهُ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلاَئِكَةِ، وَمِنَ الْمَلاَئِكَةِ: الدُّعَاءُ لَهُ وَالاِسْتِغْفَارُ، وَمِنَ الأُْمَّةِ: الدُّعَاءُ لَهُ، وَالاِسْتِغْفَارُ، وَالتَّعْظِيمُ لأَِمْرِهِ (1) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
2 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِلأَْمْرِ بِهَا، قَال تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (2) قَال ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ (3) : الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الآْيَةِ: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَخْبَرَ عِبَادَهُ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ عِنْدَهُ فِي الْمَلأَِ الأَْعْلَى؛ بِأَنَّهُ يُثْنِي عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنَّ
__________
(1) تفسير القرطبي 14 / 232.
(2) سورة الأحزاب / 56.
(3) تفسير ابن كثير (3 / 506) وجلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام لابن القيم ص 93 وما بعدها.

الْمَلاَئِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْهِ. ثُمَّ أَمَرَ جَل شَأْنُهُ بِالصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ؛ لِيَجْتَمِعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْل الْعَالَمَيْنِ: السُّفْلِيِّ وَالْعُلْوِيِّ جَمِيعًا
، وَجَاءَتِ الأَْحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَْمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ، وَكَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ.
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ: قِيل لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَمَّا السَّلاَمُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (1) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
3 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَاطِنَ، وَاسْتِحْبَابِهَا فِي مَوَاطِنَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوَاطِنِ الْوُجُوبِ.
__________
(1) حديث البخاري: " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟ قال: " قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آ (فتح الباري8 / 5532 ط. السلفية) من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.

4 - فَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَقَالُوا: تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً لِلأَْمْرِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1) وَقَال الطَّحَاوِيُّ: تَجِبُ كُلَّمَا ذُكِرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَعْلِيمِ التَّشَهُّدِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَلْفَاظَ التَّشَهُّدِ: إِذَا قُلْتَ هَذَا، أَوْ فَعَلْتَ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ (2) .
وَقَالُوا: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَأَهْل الْكُوفَةِ، وَجُمْلَةٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ.
أَمَّا الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ عِنْدَهُمْ، وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ (3) فَإِنْ أَتَى بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) سورة الأحزاب / 56.
(2) حديث تعليم التشهد: إذا قلت هذا أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد ". أخرجه أبو داود (سنن أبي داود 1 / 593 ط. تركيا) من حديث القاسم بن مخيمرة بلفظ " أخذ علقمة بيدي، فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول
(3) رد المحتار 1 / 343، فتح القدير 1 / 273، مواهب الجليل 1 / 543، الإنصاف 2 / 76، المغني 1 / 537.

عَامِدًا فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل كُرِهَ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الإِْعَادَةُ. أَوْ سَاهِيًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَتَفْسُدُ صَلاَتُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ تَعَمَّدَ بِإِتْيَانِهَا (1) .
5 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهَا تَجِبُ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ مِنْ كُل صَلاَةٍ، وَبَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَفِي خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَلاَ تَجِبُ خَارِجَ ذَلِكَ. وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الصَّلاَةَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (2) فَلَمْ يَكُنْ فَرْضُ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ أَوْلَى مِنَ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ. وَوَجَدْنَا الدَّلاَلَةَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وَصَفْنَا؛ مِنْ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي الصَّلاَةِ، لاَ فِي خَارِجِهَا. فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ؛ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ يَعْنِي فِي الصَّلاَةِ.
فَقَال: تَقُولُونَ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَآل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ تُسَلِّمُونَ عَلَيَّ (3)
__________
(1) المصادر السابقة.
(2) سورة الأحزاب / 56.
(3) حديث أبي هريرة أنه قال: " يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ " أخرجه الشافعي كما في جلاء الأفهام لابن القيم (ص41 - ط دار ابن كثير) ثم ذكر ابن القيم ما يقتضي تضعيف أحد رواته.

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي الصَّلاَةِ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: فَلَمَّا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهُمُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلاَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ كَيْفَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ، لَمْ يَجُزْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ نَقُول: التَّشَهُّدُ وَاجِبٌ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَالْخَبَرُ فِيهِمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَادَةُ فَرْضِ الْقُرْآنِ.
وَقَال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَعَلَى كُل مُسْلِمٍ - وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفَرَائِضُ - أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّشَهُّدَ، وَالصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَتَشَهَّدْ فِيهَا، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُحْسِنُ التَّشَهُّدَ - فَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا. وَإِنْ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُصَل عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ صَلَّى عَلَيْهِ وَلَمْ
__________
(1) حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: قد علمنا، أو عرفنا، كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محم

يَتَشَهَّدْ، فَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ حَتَّى يَجْمَعَهُمَا جَمِيعًا. وَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُهُمَا عَلَى وَجْهِهِمَا أَتَى بِمَا أَحْسَنُ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُجْزِهِ إِلاَّ بِأَنْ يَأْتِيَ بِاسْمِ تَشَهُّدٍ، وَصَلاَةٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنْ أَحْسَنَهُمَا فَأَغْفَلَهُمَا، أَوْ عَمَدَ بِتَرْكِهِمَا فَسَدَتْ صَلاَتُهُ، وَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا.
وَقَدْ قَال بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
فَمِنَ الصَّحَابَةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُقَاتِل بْنُ حَيَّانَ. وَمِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعِينَ: إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ (1) .
أَمَّا الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل، فِي الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلاَثِيَّةِ، فَهِيَ سُنَّةٌ فِي الْقَوْل الْجَدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَالآْجُرِّيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَلاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِتَرْكِهِ وَلَوْ عَمْدًا، وَيُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ إِنْ تَرَكَهُ (2) .
__________
(1) الأم للشافعي 1 / 117، المجموع للنووي 3 / 465، روضة الطالبين 1 / 263، الإنصاف 2 / 163، المغني 1 / 541.
(2) المصادر السابقة، والإنصاف 2 / 76 - 77.

الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجَ الصَّلاَةِ:
6 - تُسْتَحَبُّ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجَ الصَّلاَةِ فِي كُل الأَْوْقَاتِ، وَتَتَأَكَّدُ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتُهَا، وَعِنْدَ الصَّبَاحِ، وَعِنْدَ الْمَسَاءِ، وَعِنْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَعِنْدَ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَ إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَعِنْدَ الدُّعَاءِ، وَبَعْدَهُ وَعِنْدَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْقَوْمِ، وَتَفَرُّقِهِمْ، وَعِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَعِنْدَ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ، وَعَقِبَ خَتْمِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الْهَمِّ وَالشَّدَائِدِ، وَطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَعِنْدَ تَبْلِيغِ الْعِلْمِ إِلَى النَّاسِ، وَعِنْدَ الْوَعْظِ، وَإِلْقَاءِ الدَّرْسِ، وَعِنْدَ خِطْبَةِ الرَّجُل الْمَرْأَةَ فِي النِّكَاحِ.
وَفِي كُل مَوْطِنٍ يُجْتَمَعُ فِيهِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (1) .

أَلْفَاظُ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
7 - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ - صِيَغٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا. قَال صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ: إِنَّ أَفْضَل صِيَغِ الصَّلاَةِ
__________
(1) جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام ص: 251، وما بعدها، ابن عابدين 1 / 248، تفسير ابن كثير في تفسير آية الأحزاب {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} الأذكار للنووي 108، وما بعدها.

عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ يَقُول الْمُصَلِّي عَلَيْهِ: (اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) .
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا: قَدْ عَلِمْنَا - أَوْ عَرَفْنَا - كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (1) وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (2) .
__________
(1) حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا:. . . إلخ ". سبق تخريجه ف2.
(2) حديث: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 169، ط السلفية) ومسلم (1 / 306 ط الحلبي) من حديث أبي حميد الساعدي، واللفظ لمسلم.

وَهُنَاكَ صِيَغٌ أُخْرَى. وَأَقَل مَا يُجْزِئُ هُوَ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ (1) .

الصَّلاَةُ عَلَى سَائِرِ الأَْنْبِيَاءِ:
8 - أَمَّا سَائِرُ الأَْنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَيُسَلَّمُ. قَال تَعَالَى فِي نُوحٍ: {سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} (2) وَفِي إِبْرَاهِيمَ: {سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (3) وَفِي مُوسَى وَهَارُونَ: {سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} (4) .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي (5) . وَقَدْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ
__________
(1) المجموع 3 / 464، والمصادر السابقة.
(2) سورة الصافات / 79.
(3) سورة الصافات 109 / 110.
(4) سورة الصافات / 120.
(5) حديث: " صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني ". أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي بإسناده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لابن إسحاق القاضي ص 18. وفي إسناده عمر بن هارون هو متروك (تقريب التهذي وأخرجه البيهقي في (كتاب الدعوات الكبير ص 121 تحقيق بدر البدر) ، وفي إسناده موسى بن عبيدة المذكور. وأخرجه الخطيب في تاريخه (7 / 380) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا، وفي إسناده الحسن بن علي الطوابيقي، قال عنه الخطيب: مجهول.

الصَّلاَةَ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ مَشْرُوعَةٌ (1) .

الصَّلاَةُ عَلَى غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ:
9 - أَمَّا الصَّلاَةُ عَلَى غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ؛ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى سَبِيل التَّبَعِيَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي الأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ فَهَذَا جَائِزٌ بِالإِْجْمَاعِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَفْرَدَ غَيْرَ الأَْنْبِيَاءِ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِمْ. فَقَال قَائِلُونَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ} (2) وَقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ} (3) وَقَوْلِهِ: {وَصَل عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (4) .
وَبِخَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَيْهِمْ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل أَبِي أَوْفَى (5) .
__________
(1) جلاء الأفهام لابن القيم 348، تفسير ابن كثير، والفتوحات الإلهية، والقرطبي في تفسير آية الأحزاب - الأذكار للنووي 108.
(2) سورة الأحزاب / 43.
(3) سورة البقرة / 157.
(4) سورة التوبة.
(5) حديث عبد الله بن أوفى " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 169 ط. السلفية) ومسلم (صحيح مسلم 2 / 756 - 757 - ط. الحلبي) واللفظ له.

وَقَال الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لاَ يَجُوزُ إِفْرَادُ غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ بِالصَّلاَةِ؛ لأَِنَّ هَذَا شِعَارٌ لِلأَْنْبِيَاءِ إِذَا ذُكِرُوا، فَلاَ يَلْحَقُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَلاَ يُقَال: قَال أَبُو بَكْرٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَال: عَلِيٌّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا، كَمَا لاَ يُقَال: مُحَمَّدٌ عَزَّ وَجَل، وَإِنْ كَانَ عَزِيزًا جَلِيلاً؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ شِعَارِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل (1) .
أَمَّا السَّلاَمُ، فَقَدْ نَقَل ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ - مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّلاَةِ، فَلاَ يُسْتَعْمَل فِي الْغَائِبِ، وَلاَ يُفْرَدُ بِهِ غَيْرُ الأَْنْبِيَاءِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الأَْحْيَاءُ وَالأَْمْوَاتُ. وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَيُخَاطَبُ بِهِ، فَيُقَال: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، وَسَلاَمٌ عَلَيْكَ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ يُدْعَى لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ بِالْمَغْفِرَةِ (2) .
__________
(1) تفسير ابن كثير في تفسير آية الأحزاب، الأذكار للنووي ص 108.
(2) تفسير ابن كثير في تفسير آية {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} .

صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا:
1 - الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْعِيدَيْنِ: أَنَّ كُل قَوْمٍ لَهُمْ يَوْمٌ يَتَجَمَّلُونَ فِيهِ وَيَخْرُجُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ بِزِينَتِهِمْ (1) . فَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَال: كَانَ لأَِهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ فِي كُل سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَال: كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَْضْحَى (2) .

حُكْمُ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ:
2 - صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَوْل الصَّحِيحِ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - وَالْمُرَادُ مِنَ الْوَاجِبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ - وَدَلِيل ذَلِكَ: مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا مِنْ دُونِ تَرْكِهَا وَلَوْ مَرَّةً، وَأَنَّهُ لاَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ بِجَمَاعَةٍ - مَا خَلاَ قِيَامِ رَمَضَانَ وَكُسُوفِ الشَّمْسِ وَصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ فَإِنَّهَا تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ،
__________
(1) حجة الله البالغة للدهلوي 2 / 23.
(2) حديث: " كان لكم يومان. . . ". أخرجه النسائي (3 / 179 - 180 ط المكتبة التجارية) .

فَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً وَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لاَسْتَثْنَاهَا الشَّارِعُ كَمَا اسْتَثْنَى التَّرَاوِيحَ وَصَلاَةَ الْخُسُوفِ (1) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلأَْعْرَابِيِّ - وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ لَهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَال لَهُ: هَل عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَال لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ (2) .
قَالُوا: وَلأَِنَّهَا صَلاَةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا أَذَانٌ فَلَمْ تَجِبْ بِالشَّرْعِ، كَصَلاَةِ الضُّحَى (3) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَصَل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (4) ، وَلِمُدَاوَمَةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهَا (5) .

شُرُوطُهَا:
شُرُوطُ الْوُجُوبِ:
3 - شُرُوطُ وُجُوبِ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ
__________
(1) انظر بدائع الصنائع 1 / 274، 275، والهداية 1 / 60 وتحفة الفقهاء 1 / 283.
(2) حديث الأعرابي: " هل علي غيرهن. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 287 - ط. السلفية) ومسلم (1 / 41 - ط. مسلم) من حديث طلحة بن عبيد الله.
(3) انظر المجموع للنووي 5 / 3، وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل 1 / 101.
(4) سورة الكوثر 2.
(5) المغني لابن قدامة 2 / 304.

عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هِيَ بِعَيْنِهَا شُرُوطُ وُجُوبِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ. فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا. (1) الإِْمَامُ (2) الْمِصْرُ (3) الْجَمَاعَةُ (4) الْوَقْتُ (5) الذُّكُورَةُ (6) الْحُرِّيَّةُ (7) صِحَّةُ الْبَدَنِ (8) الإِْقَامَةُ.
إِلاَّ الْخُطْبَةَ، فَإِنَّهَا سُنَّةٌ بَعْدَ الصَّلاَةِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ - وَهُوَ يُقَرِّرُ أَدِلَّةَ هَذِهِ الشُّرُوطِ -: أَمَّا الإِْمَامُ فَشَرْطٌ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَا الْمِصْرُ لِمَا روَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَال: لاَ جُمُعَةَ وَلاَ تَشْرِيقَ وَلاَ فِطْرَ وَلاَ أَضْحَى إِلاَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ. وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ نَفْسَ الْفِطْرِ وَنَفْسَ الأَْضْحَى وَنَفْسَ التَّشْرِيقِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوجَدُ فِي كُل مَوْضِعٍ، بَل الْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ؛ وَلأَِنَّهَا مَا ثَبَتَتْ بِالتَّوَارُثِ مِنَ الصَّدْرِ الأَْوَّل إِلاَّ فِي الأَْمْصَارِ. وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ لأَِنَّهَا مَا أُدِّيَتْ إِلاَّ بِجَمَاعَةٍ، وَالْوَقْتُ شَرْطٌ فَإِنَّهَا لاَ تُؤَدَّى إِلاَّ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ وَكَذَا الذُّكُورَةُ وَالْعَقْل وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَصِحَّةُ الْبَدَنِ، وَالإِْقَامَةُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهَا كَمَا هِيَ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَلأَِنَّ تَخَلُّفَ شَرْطٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ يُؤَثِّرُ فِي إِسْقَاطِ الْفَرْضِ فَلأََنْ تُؤَثِّرَ فِي إِسْقَاطِ

الْوَاجِبِ أَوْلَى (1) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ - وَصَلاَةُ الْعِيدَيْنِ عِنْدَهُمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ - فَإِنَّمَا شَرَطُوا لِفَرْضِيَّتِهَا: الاِسْتِيطَانَ، وَالْعَدَدَ الْمُشْتَرَطَ لِلْجُمُعَةِ (2) .
وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُمْ مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ صَلاَةَ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ - شَرَطُوا لِذَلِكَ، أَيْ لِتَأْكِيدِ سُنِّيَّتِهَا: تَكَامُل شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ الْمُصَلِّي مُتَلَبِّسًا بِحَجٍّ. فَإِذَا فُقِدَ أَحَدُ الشُّرُوطِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الْمَفْقُودُ هُوَ عَدَمُ التَّلَبُّسِ بِالْحَجِّ فَصَلاَةُ الْعِيدِ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الطَّلَبِ، وَإِنْ كَانَ الْمَفْقُودُ هُوَ أَحَدُ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ، كَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ، فَهِيَ فِي حَقِّهِمْ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ. قَال الصَّفْتِيُّ: وَهِيَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْجُمُعَةِ وُجُوبًا إِلاَّ الْحَاجَّ فَلاَ تُسَنُّ لَهُ وَلاَ تُنْدَبُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَالْمُسَافِرُ فَتُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِمْ (3) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ كُل مُكَلَّفٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا لِسُنِّيَّتِهَا شَرْطًا آخَرَ غَيْرَ التَّكْلِيفِ.
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 275، المبسوط 2 / 37، وتحفة الفقهاء 1 / 284.
(2) كشاف القناع 1 / 455.
(3) حاشية الصفتي على الجواهر الزكية: 104.

وَقَالُوا بِاشْتِرَاطِ عَدَمِ التَّلَبُّسِ بِالْحَجِّ لأَِدَائِهَا جَمَاعَةً، أَيْ فَالْحَاجُّ تُسَنُّ لَهُ صَلاَةُ الْعِيدِ مُنْفَرِدًا لاَ جَمَاعَةً (1) .

شُرُوطُ الصِّحَّةِ:
4 - كُل مَا يُعْتَبَرُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، فَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ أَيْضًا، مَا عَدَا الْخُطْبَةَ فَهِيَ هُنَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعِيدَيْنِ وَإِنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ.
وَيُسْتَثْنَى - أَيْضًا - شَرْطُ عَدَمِ التَّعَدُّدِ (رَاجِعْ صَلاَةَ الْجُمُعَةِ) فَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِصَلاَةِ الْعِيدِ، قَال الْحَصْكَفِيُّ: وَتُؤَدَّى بِمِصْرٍ وَاحِدٍ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ اتِّفَاقًا، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: مُقَرِّرًا هَذَا الْكَلاَمَ: وَالْخِلاَفُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجُمُعَةِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا: (1) الإِْمَامُ (2) وَالْمِصْرُ (3) وَالْجَمَاعَةُ (4) وَالْوَقْتُ.
وَقَدْ مَرَّ أَنَّهَا شُرُوطٌ لِلْوُجُوبِ أَيْضًا (2) .
هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدِ اشْتَرَطُوا الْوَقْتَ وَالْجَمَاعَةَ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِصِحَّةِ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ إِلاَّ الْوَقْتُ (3) .
أَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي هِيَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِي صِحَّةِ
__________
(1) انظر مغني المحتاج: 1 / 301.
(2) حاشية ابن عابدين 1 / 555.
(3) الدسوقي 1 / 396، وما بعدها، وأسنى المطالب 1 / 279، وما بعدها، وكشاف القناع 1 / 455، 2 / 50.

الصَّلَوَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ طَهَارَةٍ وَاسْتِقْبَال قِبْلَةٍ. . . إِلَخْ فَلَيْسَ فِيهَا مِنْ خِلاَفٍ.
وَلِمَعْرِفَتِهَا (ر: صَلاَة) .

الْمَرْأَةُ وَصَلاَةُ الْعِيدَيْنِ:
5 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ خُرُوجِ الشَّابَّاتِ وَذَوَاتِ الْجَمَال لِصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَلَكِنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا فِي الْمُقَابِل خُرُوجَ غَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ مِنْهُنَّ وَاشْتِرَاكَهُنَّ مَعَ الرِّجَال فِي الصَّلاَةِ.
وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضِ فِي الْعِيدِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَكُنَّ يَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ (1) .
وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجْنَ فِي ثِيَابٍ لاَ تَلْفِتُ النَّظَرَ دُونَ تَطَيُّبٍ وَلاَ تَبَرُّجٍ (2) .
وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي إِبَاحَةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ بَيْنَ كَوْنِ الْمَرْأَةِ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا. أَمَّا الشَّابَّاتُ مِنَ النِّسَاءِ وَذَوَاتُ الْجَمَال مِنْهُنَّ، فَلاَ يُرَخَّصُ لَهُنَّ
__________
(1)) العواتق جمع عاتق، وهي الفتاة التي تجاوزت الحلم، وحديث أم عطية أخرجه البخاري (الفتح 3 / 504 - ط. السلفية) ومسلم (2 / 606 ط. الحلبي) .
(2) المجموع للنووي 5 / 6، 8 والمغني لابن قدامة 2 / 310، 311، وحاشية الصفتي: 104.

فِي الْخُرُوجِ إِلَى صَلاَةِ الْعِيدِ وَلاَ غَيْرِهَا كَصَلاَةِ الْجُمُعَةِ (1) وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ إِجْمَاعَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (2) .
وَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ لِلْعِيدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ
غَيْرَ أَنَّ الأَْفْضَل عَلَى كُل حَالٍ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: هَل تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ لِلصَّلاَةِ أَمْ لِتَكْثِيرِ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ (3) ؟ .

وَقْتُ أَدَائِهَا:
6 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ وَقْتَ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ يَبْتَدِئُ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ بِحَسَبِ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ - وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي تَحِل فِيهِ النَّافِلَةُ - وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا إِلَى ابْتِدَاءِ الزَّوَال (4) .
__________
(1) المبسوط للسرخسي 2 / 41، والبدائع للكاساني 1 / 275.
(2) سورة الأحزاب / 33.
(3) انظر بدائع الصنائع 1 / 275، 276، ولعل المقصود من خروج المرأة لصلاة العيد تحقيق كلا الأمرين، فمن كانت طاهرة تصلي مع الجماعة، ومن كانت حائضا تعتزل جانبا وتسمع الموعظة وتكثر سواد المسلمين، وهكذا كان الأمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(4) تحفة الفقهاء 1 / 284، والهداية 1 / 60، والدر المختار 1 / 583، والدسوقي 1 / 396، وكشاف القناع 2 / 50.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ وَقْتَهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَبْدَأُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أَنَّهَا صَلاَةٌ ذَاتُ سَبَبٍ فَلاَ تُرَاعَى فِيهَا الأَْوْقَاتُ الَّتِي لاَ تَجُوزُ فِيهَا الصَّلاَةُ (1) .
أَمَّا الْوَقْتُ الْمُفَضَّل لَهَا، فَهُوَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ، إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عَدَمُ تَأْخِيرِهَا عَنْ هَذَا الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيدِ الأَْضْحَى، وَذَلِكَ كَيْ يَفْرُغَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهَا لِذَبْحِ أَضَاحِيِّهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا قَلِيلاً عَنْ هَذَا الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيدِ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ انْتِظَارًا لِمَنِ انْشَغَل فِي صُبْحِهِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ.
وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ عِنْدَ سَائِرِ الأَْئِمَّةِ (2) ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ صَلاَتَيِ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ: أَنْ يُقَدِّمَ صَلاَةَ الأَْضْحَى وَيُؤَخِّرَ صَلاَةَ الْفِطْرِ (3) .
__________
(1) انظر نهاية المحتاج للرملي 2 / 276.
(2) راجع الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 583، والدسوقي 1 / 396، والمجموع للنووي 5 / 3، والمغني لابن قدامة 2 / 312.
(3) حديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى بعض أصحابه: أن يقدم صلاة الأضحى ". أخرجه الشافعي في الأم (1 / 232 نشر دار المعرفة) وضعفه ابن حجر في التلخيص (2 / 83 - ط شركة الطباعة الفنية) .

حُكْمُهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا:
لِفَوَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ عَنْ وَقْتِهَا ثَلاَثُ صُوَرٍ:
7 - الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ تُؤَدَّى صَلاَةُ الْعِيدِ جَمَاعَةً فِي وَقْتِهَا مِنَ الْيَوْمِ الأَْوَّل وَلَكِنَّهَا فَاتَتْ بَعْضَ الأَْفْرَادِ، وَحُكْمُهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهَا فَاتَتْ إِلَى غَيْرِ قَضَاءٍ، فَلاَ تُقْضَى مَهْمَا كَانَ الْعُذْرُ؛ لأَِنَّهَا صَلاَةٌ خَاصَّةٌ لَمْ تُشْرَعْ إِلاَّ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَبِقُيُودٍ خَاصَّةٍ، فَلاَ بُدَّ مِنْ تَكَامُلِهَا جَمِيعًا، وَمِنْهَا الْوَقْتُ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (1) .
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَقَدْ أَطْلَقُوا الْقَوْل بِمَشْرُوعِيَّةِ قَضَائِهَا - عَلَى الْقَوْل الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ - فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ وَكَيْفَمَا كَانَ: مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمُ الْمُعْتَمَدِ، وَهُوَ أَنَّ نَوَافِل الصَّلاَةِ كُلَّهَا يُشْرَعُ قَضَاؤُهَا (2) . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَالُوا: لاَ تُقْضَى صَلاَةُ الْعِيدِ، فَإِنْ أَحَبَّ قَضَاءَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ صَلاَّهَا أَرْبَعًا، إِمَّا بِسَلاَمٍ وَاحِدٍ، وَإِمَّا بِسَلاَمَيْنِ (3) .
8 - الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لاَ تَكُونَ صَلاَةُ الْعِيدِ
__________
(1) البدائع 1 / 276، والدسوقي 1 / 396، 400.
(2) المجموع: 5 / 27 و 28.
(3) المغني لابن قدامة 2 / 324.

قَدْ أُدِّيَتْ جَمَاعَةً فِي وَقْتِهَا مِنَ الْيَوْمِ الأَْوَّل، وَذَلِكَ إِمَّا بِسَبَبِ عُذْرٍ: كَأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمُ الْهِلاَل وَشَهِدَ شُهُودٌ عِنْدَ الإِْمَامِ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل بَعْدَ الزَّوَال، وَإِمَّا بِدُونِ عُذْرٍ.
فَفِي حَالَةِ الْعُذْرِ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إِلَى الْيَوْمِ الثَّانِي سَوَاءٌ كَانَ الْعِيدُ عِيدَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى؛ لأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ، فَأَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى مِنَ الْغَدِ (1) .
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَيُشْرَعُ قَضَاءُ صَلاَةِ الْعِيدِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عِنْدَ تَأَخُّرِ الشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَقَدْ أَطْلَقُوا الْقَوْل بِعَدَمِ قَضَائِهَا فِي مِثْل هَذِهِ الْحَال (2) .
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ لاَ يَعْتَبِرُونَ صَلاَتَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَضَاءً إِذَا تَأَخَّرَتِ الشَّهَادَةُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَى مَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. بَل لاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ حِينَئِذٍ وَيُعْتَبَرُ الْيَوْمُ الثَّانِي أَوَّل أَيَّامِ الْعِيدِ، فَتَكُونُ الصَّلاَةُ قَدْ أُدِّيَتْ فِي وَقْتِهَا (3) .
__________
(1) حديث: " أن قوما شهدوا برؤية الهلال في آخر يوم من أيام رمضان ". أخرجه أبو داود (1 / 586 - 587 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، والدارقطني (2 / 170 ط. دار المحاسن) وحسنه الدارقطني.
(2) انظر بداية المجتهد 1 / 212.
(3) انظر المحلى على المنهاج 1 / 309.

9 - الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تُؤَخَّرَ صَلاَةُ الْعِيدِ عَنْ وَقْتِهَا بِدُونِ الْعُذْرِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ. فَيُنْظَرُ حِينَئِذٍ: إِنْ كَانَ الْعِيدُ عِيدَ فِطْرٍ سَقَطَتْ أَصْلاً وَلَمْ تُقْضَ. وَإِنْ كَانَ عِيدَ أَضْحَى جَازَ تَأْخِيرُهَا إِلَى ثَالِثِ أَيَّامِ النَّحْرِ، أَيْ يَصِحُّ قَضَاؤُهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِلاَّ فَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ إِلَى أَوَّل الزَّوَال، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَكِنْ تَلْحَقُهُ الإِْسَاءَةُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ بِذَلِكَ (1) .

مَكَانُ أَدَائِهَا:
10 - كُل مَكَان طَاهِرٍ، يَصْلُحُ أَنْ تُؤَدَّى فِيهِ صَلاَةُ الْعِيدِ، سَوَاءٌ كَانَ مَسْجِدًا أَوْ عَرْصَةً وَسَطَ الْبَلَدِ أَوْ مَفَازَةً خَارِجَهَا. إِلاَّ أَنَّهُ يُسَنُّ الْخُرُوجُ لَهَا إِلَى الصَّحْرَاءِ أَوْ إِلَى مَفَازَةٍ وَاسِعَةٍ خَارِجَ الْبَلَدِ تَأَسِّيًا بِمَا كَانَ يَفْعَلُهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الإِْمَامُ غَيْرَهُ فِي الْبَلْدَةِ لِيُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ بِالضُّعَفَاءِ الَّذِينَ لاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ لَهَا إِلَى الصَّحْرَاءِ (2) .
وَلَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ مِنَ الأَْئِمَّةِ فِي ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا أَفْضَلِيَّةَ الصَّلاَةِ فِي
__________
(1) درر الحكام في شرح غرر الأحكام 1 / 103، 104، ومجمع الأنهر 1 / 169، والبدائع 1 / 276.
(2) انظر الدر المختار 1 / 581، مع حاشية ابن عابدين عليه. وبدائع الصنائع 1 / 275.

الصَّحْرَاءِ بِمَا إِذَا كَانَ مَسْجِدُ الْبَلَدِ ضَيِّقًا.
وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا لاَ يَتَزَاحَمُ فِيهِ النَّاسُ، فَالصَّلاَةُ فِيهِ أَفْضَل؛ لأَِنَّ الأَْئِمَّةَ لَمْ يَزَالُوا يُصَلُّونَ صَلاَةَ الْعِيدِ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ؛ وَلأَِنَّ الْمَسْجِدَ أَشْرَفُ وَأَنْظَفُ. وَنَقَل صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَهُ: إِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا فَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَصَلَّى فِيهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الصَّحْرَاءِ كُرِهَتْ؛ لأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ ضَرَرٌ، وَإِذَا تَرَكَ الصَّحْرَاءَ وَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الضَّيِّقِ تَأَذَّوْا بِالزِّحَامِ، وَرُبَّمَا فَاتَ بَعْضَهُمُ الصَّلاَةُ (1) .

كَيْفِيَّةُ أَدَائِهَا:
أَوَّلاً - الْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ:
11 - صَلاَةُ الْعِيدِ، لَهَا حُكْمُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ الْمَشْرُوعَةِ؛ فَيَجِبُ وَيُفْرَضُ فِيهَا كُل مَا يَجِبُ وَيُفْرَضُ فِي الصَّلَوَاتِ الأُْخْرَى.
وَيَجِبُ فِيهَا - زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ - مَا يَلِي:
أَوَّلاً: - أَنْ تُؤَدَّى فِي جَمَاعَةٍ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
ثَانِيًا: - الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَذَلِكَ لِلنَّقْل الْمُسْتَفِيضِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثَالِثًا: أَنْ يُكَبِّرَ الْمُصَلِّي ثَلاَثَ تَكْبِيرَاتٍ
__________
(1) المهذب لأبي إسحاق الشيرازي مع شرحه المجموع للنووي 5 / 4.

زَوَائِدَ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَالرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، وَأَنْ يُكَبِّرَ مِثْلَهَا - أَيْضًا - بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
وَسِيَّانِ (بِالنِّسْبَةِ لأَِدَاءِ الْوَاجِبِ) أَنْ تُؤَدَّى هَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ قَبْل الْقِرَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا، مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ أَوْ بِدُونِهِمَا، وَمَعَ السُّكُوتِ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ الاِشْتِغَال بِتَسْبِيحٍ وَنَحْوِهِ (1) .
أَمَّا الأَْفْضَل فَسَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ عِنْدَ الْبَحْثِ فِي كَيْفِيَّتِهَا الْمَسْنُونَةِ.
فَمَنْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ: فَإِنْ كَانَ لاَ يَزَال فِي الْقِيَامِ كَبَّرَ الْمُؤْتَمُّ لِنَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ، وَتَابَعَ الإِْمَامَ. أَمَّا إِذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ، وَلْيُكَبِّرْ تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ أَثْنَاءَ رُكُوعِهِ بَدَلٌ مِنْ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ (2) .
وَهَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ الزَّائِدَةُ قَدْ خَالَفَ فِي وُجُوبِهَا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ وَمَكَانِهَا.
فَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: هِيَ سَبْعٌ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَبَدْءِ الْقِرَاءَةِ، وَخَمْسٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ وَبَدْءِ الْقِرَاءَةِ أَيْضًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا سِتُّ
__________
(1) انظر الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 584، 585، والهداية 1 / 60، والبدائع 1 / 277.
(2) الدر المختار 1 / 584، 585.

تَكْبِيرَاتٍ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ عَقِبَ الْقِيَامِ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَيْ قَبْل الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَالْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ. وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ (1) .

ثَانِيًا: الْمَنْدُوبُ مِنْ ذَلِكَ:
12 - يُنْدَبُ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ كُل مَا يُنْدَبُ فِي الصَّلَوَاتِ الأُْخْرَى: فِعْلاً كَانَ، أَوْ قِرَاءَةً، وَتَخْتَصُّ صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ بِمَنْدُوبَاتٍ أُخْرَى نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً - يُسَنُّ أَنْ يَسْكُتَ بَيْنَ كُل تَكْبِيرَتَيْنِ مِنَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ قَدْرَ ثَلاَثِ تَسْبِيحَاتٍ وَلاَ يُسَنُّ أَنْ يَشْتَغِل بَيْنَهُمَا بِذِكْرٍ أَوْ تَسْبِيحٍ.
ثَانِيًا - يُسَنُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، بِخِلاَفِ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ فَلاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَهَا.
ثَالِثًا - يُسَنُّ أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُكَبِّرَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى قَبْل الْقِرَاءَةِ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا، فَتَكُونُ الْقِرَاءَتَانِ مُتَّصِلَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ.
رَابِعًا - يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى سُورَةَ
__________
(1) راجع حاشية الصفتي على الجواهر الزكية: 104، والمغني لابن قدامة 2 / 314، 318.

الأَْعْلَى وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ وَلاَ يَلْتَزِمُهُمَا دَائِمًا كَيْ لاَ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ هَجْرُ بَقِيَّةِ سُوَرِ الْقُرْآنِ.
خَامِسًا - يُسَنُّ أَنْ يَخْطُبَ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ، لاَ يَخْتَلِفُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فِي وَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا عَنْ خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ. إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَتِحَ الأُْولَى مِنْهُمَا بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ مِثْلَهَا (1) .
هَذَا وَلاَ يُشْرَعُ لِصَلاَةِ الْعِيدِ أَذَانٌ وَلاَ إِقَامَةٌ، بَل يُنَادَى لَهَا: الصَّلاَةَ جَامِعَةً.
13 - وَلَهَا - أَيْضًا - سُنَنٌ تَتَّصِل بِهَا وَهِيَ قَبْل الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَهَا نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً: أَنْ يَطْعَمَ شَيْئًا قَبْل غُدُوِّهِ إِلَى الصَّلاَةِ إِذَا كَانَ الْعِيدُ عِيدَ فِطْرٍ، وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْمَطْعُومُ حُلْوًا كَتَمْرٍ وَنَحْوِهِ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُل تَمَرَاتٍ (2) .
ثَانِيًا: يُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِل وَيَتَطَيَّبَ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ.
ثَالِثًا: يُسَنُّ الْخُرُوجُ إِلَى الْمُصَلَّى مَاشِيًا، فَإِذَا عَادَ نُدِبَ لَهُ أَنْ يَسِيرَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى
__________
(1) انظر البدائع 1 / 277، والدر المختار 1 / 285، ومجمع الأنهر 1 / 169، والمبسوط 2 / 39.
(2) حديث: " كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ". أخرجه البخاري (الفتح2 / 446 - ط. السلفية) من حديث أنس.

غَيْرَ الَّتِي أَتَى مِنْهَا. وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَعُودَ رَاكِبًا.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الْعِيدُ فِطْرًا سُنَّ الْخُرُوجُ إِلَى الْمُصَلَّى بِدُونِ جَهْرٍ بِالتَّكْبِيرِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1) .
رَابِعًا: إِنْ كَانَ أَضْحَى فَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهِ.
قَال فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: قِيل: وَفِي الْمُصَلَّى أَيْضًا وَعَلَيْهِ عَمَل النَّاسِ الْيَوْمَ (2) .
وَاتَّفَقَتْ بَقِيَّةُ الأَْئِمَّةِ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فِي اسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى مَاشِيًا وَالْعَوْدِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَأَنْ يَطْعَمَ شَيْئًا يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ قَبْل خُرُوجِهِ إِلَى الصَّلاَةِ، وَأَنْ يَغْتَسِل وَيَتَطَيَّبَ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ.
أَمَّا التَّكْبِيرُ فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْمُصَلَّى فَقَدْ خَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ فِي ذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى وَالْجَهْرُ بِهِ فِي كُلٍّ مِنْ عِيدَيِ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى.
وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فِي الْمُصَلَّى: فَقَدْ ذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ (فِي الأَْصَحِّ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ) إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلنَّاسِ الاِسْتِمْرَارُ فِي التَّكْبِيرِ إِلَى أَنْ يُحْرِمَ الإِْمَامُ بِصَلاَةِ الْعِيدِ (3) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - أَيْضًا - إِلَى ذَلِكَ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 1 / 581.
(2) الدر المختار 1 / 586.
(3) انظر المجموع للنووي 5 / 32

اسْتِحْسَانًا. قَال الْعَلاَّمَةُ الدُّسُوقِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: وَأَمَّا التَّكْبِيرُ جَمَاعَةً وَهُمْ جَالِسُونَ فِي الْمُصَلَّى فَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتُحْسِنَ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا (1) .
وَأَمَّا التَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ فِي الصَّلاَةِ: فَقَدْ خَالَفَ الْحَنَفِيَّةَ فِي اسْتِحْبَابِ مُوَالاَتِهَا، وَعَدَمِ فَصْل أَيِّ ذِكْرٍ بَيْنَهَا كُلٌّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ ذَهَبَ هَؤُلاَءِ جَمِيعًا إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِل بَيْنَهَا بِذِكْرٍ، وَأَفْضَلُهُ أَنْ يَقُول: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. أَوْ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً.
كَمَا خَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل عَدَمُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْهَا. كَمَا خَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ، فِي عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ افْتِتَاحُ الْخُطْبَةِ بِهَا. وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ أَنْ تُفْتَتَحَ الْخُطْبَةُ بِالتَّكْبِيرِ وَلاَ تَحْدِيدَ لِلْعَدَدِ عِنْدَهُمْ (2) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ سُنَّةَ لَهَا قَبْلِيَّةً وَلاَ بَعْدِيَّةً، وَلاَ تُصَلَّى أَيُّ نَافِلَةٍ قَبْلَهَا وَقَبْل الْفَرَاغِ
__________
(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 320، والمغني لابن قدامة 1 / 310.
(2) انظر جواهر الإكليل شرح مختصر الشيخ خليل 1 / 103.

مِنْ خُطْبَتِهَا؛ لأَِنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ كَرَاهَةٍ، فَلاَ يُصَلَّى فِيهِ غَيْرُ الْعِيدِ. أَمَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْخُطْبَةِ فَلاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ (1) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ التَّنَفُّل قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا لِمَا عَدَا الإِْمَامَ، سَوَاءٌ صُلِّيَتْ فِي الْمَسْجِدِ أَوِ الْمُصَلَّى (2) . وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يُكْرَهُ التَّنَفُّل قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إِلَى الزَّوَال، إِنْ أُدِّيَتْ فِي الْمُصَلَّى وَلاَ يُكْرَهُ إِنْ أُدِّيَتْ فِي الْمَسْجِدِ (3) .
وَلِلْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ آخَرُ فَقَدْ قَالُوا: لاَ يَتَنَفَّل قَبْل الصَّلاَةِ وَلاَ بَعْدَهَا كُلٌّ مِنَ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ، فِي الْمَكَانِ الَّذِي صُلِّيَتْ فِيهِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَلاَ بَأْسَ (4) .

مُفْسِدَاتُ صَلاَةِ الْعِيدِ:
14 - لِصَلاَةِ الْعِيدِ مُفْسِدَاتٌ مُشْتَرَكَةٌ وَمُفْسِدَاتٌ خَاصَّةٌ.
أَمَّا مُفْسِدَاتُهَا الْمُشْتَرَكَةُ: فَهِيَ مُفْسِدَاتُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (رَاجِعْ: صَلاَة)
وَأَمَّا مُفْسِدَاتُهَا الْخَاصَّةُ بِهَا، فَتُلَخَّصُ فِي أَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَخْرُجَ وَقْتُهَا أَثْنَاءَ أَدَائِهَا بِأَنْ
__________
(1) تحفة الفقهاء 1 / 294، والمبسوط 2 / 41، والبدائع 1 / 280.
(2) المجموع للنووي 5 / 13.
(3) شرح الدردير على متن خليل 1 / 322.
(4) المغني لابن قدامة 2 / 321، 323.

يَدْخُل وَقْتُ الزَّوَال، فَتَفْسُدَ بِذَلِكَ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَيْ يَفْسُدُ وَصْفُهَا وَتَنْقَلِبُ نَفْلاً، اتِّفَاقًا إِنْ كَانَ الزَّوَال قَبْل الْقُعُودِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، وَعَلَى قَوْل الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَ بَعْدَهُ (1) .
الثَّانِي: انْفِسَاخُ الْجَمَاعَةِ أَثْنَاءَ أَدَائِهَا.
فَذَلِكَ - أَيْضًا - مِنْ مُفْسِدَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ. وَهَل يُشْتَرَطُ لِفَسَادِهَا أَنْ تُفْسَخَ الْجَمَاعَةُ قَبْل أَنْ تُقَيَّدَ الرَّكْعَةُ الأُْولَى بِالسَّجْدَةِ، أَمْ تَفْسُدُ مُطْلَقًا؟ يَرِدُ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلُهُ فِي مُفْسِدَاتِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ (ر: صَلاَةُ الْجُمُعَةِ) . وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لاِنْفِسَاخِ الْجَمَاعَةِ.

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَسَادِهَا:
15 - قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: إنْ فَسَدَتْ صَلاَةُ الْعِيدِ بِمَا تَفْسُدُ بِهِ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ مِنَ الْحَدَثِ الْعَمْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَسْتَقْبِل الصَّلاَةَ عَلَى شَرَائِطِهَا، وَإِنْ فَسَدَتْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، أَوْ فَاتَتْ عَنْ وَقْتِهَا مَعَ الإِْمَامِ سَقَطَتْ وَلاَ يَقْضِيهَا عِنْدَنَا (2) .
وَسَائِرُ الأَْئِمَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ صَلاَةَ الْعِيدِ إِذَا فَسَدَتْ بِمَا تَفْسُدُ بِهِ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ
__________
(1) ابن عابدين على الدر المختار 1 / 583.
(2) بدائع الصنائع 1 / 279.

الأُْخْرَى، تُسْتَأْنَفُ مِنْ جَدِيدٍ.
أَمَّا إِنْ فَسَدَتْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَضَائِهَا أَوْ إِعَادَتِهَا، وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيل الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى وَقْتِ صَلاَةِ الْعِيدِ ف 7 وَمَا بَعْدَهَا.

شَعَائِرُ وَآدَابُ الْعِيدِ:
16 - أَمَّا شَعَائِرُهُ فَأَبْرَزُهَا: التَّكْبِيرُ.
وَصِيغَتُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (1) .
وَخَالَفَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، فَذَهَبُوا إِلَى جَعْل التَّكْبِيرَاتِ الأُْولَى فِي الصِّيغَةِ ثَلاَثًا بَدَل ثِنْتَيْنِ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّكْبِيرَ يُعْتَبَرُ شِعَارًا لِكُلٍّ مِنْ عِيدَيِ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى، أَمَّا مَكَانُ التَّكْبِيرِ وَحُكْمُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ فَقَدْ مَرَّ الْحَدِيثُ عَنْهُ ف / 12.
وَأَمَّا حُكْمُهُ وَمَكَانُهُ فِي عِيدِ الأَْضْحَى، فَيَجِبُ التَّكْبِيرُ مُرَّةً عَقِبَ كُل فَرْضٍ أُدِّيَ جَمَاعَةً، أَوْ قُضِيَ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَتْرُوكًا فِيهَا، مِنْ بَعْدِ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى مَا بَعْدِ عَصْرِ يَوْمٍ الْعِيدِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ بَعْدَ كُل فَرْضٍ مُطْلَقًا،
__________
(1) راجع الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 587

وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا أَوْ مُسَافِرًا أَوِ امْرَأَةً، مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى مَا بَعْدَ عَصْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (1) .
أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ التَّكْبِيرِ: فَسَائِرُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ سُنَّةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَالْمَالِكِيَّةُ يُشْرَعُ التَّكْبِيرُ عِنْدَهُمْ إِثْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ صَلاَةً تَبْدَأُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ (2) .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِنَوْعِ الصَّلاَةِ الَّتِي يُشْرَعُ بَعْدَهَا التَّكْبِيرُ: فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ الْمَذَاهِبُ:
فَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ التَّكْبِيرُ عَقِبَ كُل الصَّلَوَاتِ فَرْضًا كَانَتْ أَمْ نَافِلَةً عَلَى اخْتِلاَفِهَا لأَِنَّ التَّكْبِيرَ شِعَارُ الْوَقْتِ فَلاَ يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الصَّلاَةِ دُونَ آخَرَ (3) .
وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْفُرُوضِ الْمُؤَدَّاةِ جَمَاعَةً مِنْ صَلاَةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلاَ يُشْرَعُ عَقِبَ مَا أُدِّيَ فُرَادَى مِنَ الصَّلَوَاتِ (4) .
وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ عَقِبَ
__________
(1) الدر المختار 1 / 587، 588، ومجمع الأنهر 1 / 170، 171.
(2) انظر شرح الدردير 1 / 322.
(3) انظر المحلى على المنهاج 1 / 309.
(4) المغني لابن قدامة 2 / 328.

الْفَرَائِضِ الَّتِي تُصَلَّى أَدَاءً، فَلاَ يُشْرَعُ عَقِبَ مَا صُلِّيَ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءً مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَتْرُوكَاتِ الْعِيدِ أَمْ لاَ (1) . ر: تَكْبِير ج 13 ف 7، 14، 15. مِنَ الْمَوْسُوعَةِ

17 - وَأَمَّا آدَابُهُ فَمِنْهَا: الاِغْتِسَال وَيَدْخُل وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْل، وَالتَّطَيُّبُ، وَالاِسْتِيَاكُ، وَلُبْسُ أَحْسَنِ الثِّيَابِ. وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْل الصَّلاَةِ، وَأَدَاءُ فِطْرَتِهِ قَبْل الصَّلاَةِ.
وَمِنْ آدَابِ الْعِيدِ: إِظْهَارُ الْبَشَاشَةِ وَالسُّرُورِ فِيهِ أَمَامَ الأَْهْل وَالأَْقَارِبِ وَالأَْصْدِقَاءِ، وَإِكْثَارُ الصَّدَقَاتِ (2) . قَال فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: وَالتَّهْنِئَةُ بِتَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ لاَ تُنْكَرُ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ الْخِلاَفَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ صَحَّحَ الْقَوْل بِأَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ لاَ يُنْكَرُ، وَاسْتَنَدَ فِي تَصْحِيحِهِ هَذَا إِلَى مَا نَقَلَهُ عَنِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ مِنْ قَوْلِهِ: بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَاسَ عَلَى ذَلِكَ مَا اعْتَادَهُ أَهْل الْبِلاَدِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ لِبَعْضٍ: عِيدٌ مُبَارَكٌ (3) .
وَذَكَرَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ - أَيْضًا - أَنَّ هَذِهِ التَّهْنِئَةَ عَلَى اخْتِلاَفِ صِيَغِهَا مَشْرُوعَةٌ،
__________
(1) شرح الدردير على متن خليل 1 / 322.
(2) الدر المختار 1 / 581، والهداية 1 / 60، وتحفة الفقهاء 1 / 295، ومجمع الأنهر 1 / 167.
(3) انظر الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 581.

وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيُّ عَقَدَ لَهُ بَابًا فَقَال: بَابُ مَا رُوِيَ فِي قَوْل النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْعِيدِ: تَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَسَاقَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَخْبَارٍ وَآثَارٍ ضَعِيفَةٍ لَكِنْ مَجْمُوعُهَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ قَال الشِّهَابُ: وَيُحْتَجُّ لِعُمُومِ التَّهْنِئَةِ بِسَبَبِ مَا يَحْدُثُ مِنْ نِعْمَةٍ، أَوْ يَنْدَفِعُ مِنْ نِقْمَةٍ بِمَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ الشُّكْرِ (1) ، وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ لَمَّا تَخَلَّفَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِقَبُول تَوْبَتِهِ مَضَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَهَنَّأَهُ (2) .
كَمَا يُكْرَهُ حَمْل السِّلاَحِ فِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَخَافَةَ عَدُوٍّ مَثَلاً؛ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) .

انتخاب محمود عباس رئيسا للسلطة الفلسطينية ليخلف الرئيس الراحل ياسر عرفات ..

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

انتخاب محمود عباس رئيسا للسلطة الفلسطينية ليخلف الرئيس الراحل ياسر عرفات ..
1425 ذو القعدة - 2005 م
في 25 نوفمبر 2004م، تم ترشيح محمود عباس كمرشح رئاسي للسلطة الفلسطينية من قبل حركة فتح والتي عقدت في 9 يناير 2005م، وفي 14 ديسمبر 2004م، دعا محمود عباس (أبو مازن) الفصائل الفلسطينية "لنبذ العنف لما يسببه العنف من أذى للقضية الفلسطينية" والعودة إلى المقاومة السلمية وقد نجح محمود عباس في الانتخابات الرئاسية وحصل على ما نسبته 62.52% من الأصوات، ليصبح رئيسا للسلطة الفلسطينية خلفا لياسر عرفات.
حماسة الراح
لأبي العلاء: أحمد بن عبد الله المعري.
المتوفى: سنة 449، تسع وأربعين وأربعمائة.
وهو عشر كراريس في ذم الخمر خاصة.
وله شرح بعض الحماسة الرياشية في أربعين كراسة.
سماه: (الرياشي المصطنعي) .

راحة الأرواح في الحشيش والراح

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

راحة الأرواح، في الحشيش والراح
للشيخ: تقي الدين البدري، (البكري) ، الدمشقي.
أوله: (الحمد لله الذي جعل مأوى البِّر والتقى، جنة النعيم ... الخ) .

عروس الأفراح فيما يقال في الراح

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

عروس الأفراح، فيما يقال في الراح
للشيخ، أبي ذر: أحمد بن إبراهيم الحلبي.
المتوفى: سنة 884، أربع وثمانين وثمانمائة.
يقال: إنه أذهبه في آخر عمره.
كتاب: الراح، والارتياح
لعز الملك: محمد بن عبد الله المسبحي، الكاتب، الحراني.
المتوفى: سنة 420، عشرين وأربعمائة.

مفتاح الأرواح في امتداح الراح

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

مفتاح الأرواح، في امتداح الراح
لأمين الدين: عبد المحسن بن محمود الحلي.
المتوفى: سنة 643، ثلاث وأربعين وستمائة.
الخمر، لأن صاحبها يرتاح إذا شربها، أي: يهش للسخاء والكرم.
«المعجم الوسيط (روح) 1/ 394، والإفصاح في فقه اللغة 1/ 465».

الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها، وقيل: «الراحلة» : هي المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى.
«المطلع ص 161».

- بتشديد الراء وفتحها-: الكفّ.
والراحة: زوال المشقة والتعب، وأرحته: أسقطت عنه ما يجد من تعب فاستراح، ويقال: أراح في المطاوعة، «وأرحنا بالصّلاة» [أحمد 5/ 364، 371]، أي: أقمها فيكون فعلها راحة، لأن انتظارها شق على النفس.
«المصباح المنير (روح) ص 93، والمغني لابن باطيش 1/ 118».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت