نتائج البحث عن (القيصر) 14 نتيجة

(القيصر) لقب كَانَ يلقب بِهِ ملك الرّوم والروس (مَعَ) (ج) قياصرة
النحوي: سراج بن مسافر بن زكريا بن يحيى بن إسلام بن يوسف القيصري الرومي، ثم المقدسي الحنفي، سراج الدين.
ولد: سنة (790 هـ) تسعين وسبعمائة.
من مشايخه: لزم الفندي، وصحب الزين أبا بكر الخافي.
من تلامدته: الكمال بن أبي شريف وغيره.
كلام العلماء فيه:
* الضوء: "كان متين الديانة عفيفًا عن الوظائف وما في أيدى الناس، ذا ورع زائد وصدق وصحة اعتقاد وترك للتكلف، وكان يبالغ في التحذير من ابن عربي. وكان ينظر فيما كتبه ابن تيمية في الرد على ابن عربي ويثنى على رده. وكان يذكر أنه خالط المشتغلين بكلام ابن عربي في بلاد الروم وغيرهما ووجد كثيرًا منهم زائغًا يتسير بالتأويل ظاهرًا وهو في الباطن غير مؤول بل يعتقد ما هو أقبح من الكفر" أ. هـ.
من مصنفاته: له كتاب رد فيه على ابن عربي، وله نظم متوسط ونثر.
وفاته: سنة (856 هـ). ست وخمسين وثمانمائة.

المفسر: محمود بن محمَّد (وقيل: أحمد) بن علي بن عبد الله القيصري (¬1) العجمي الرومي الحنفي،
¬__________
* الضوء (10/ 146)، البغية (2/ 280)، إيضاح المكنون (1/ 250)، (2/ 539)، هدية العارفين (2/ 409)، معجم المؤلفين (3/ 828).
* إنباء الغمر (3/ 362)، الدرر (5/ 105)، النجوم (12/ 158)، بدائع الزهور (1/ 2 / 486)، وجيز الكلام (1/ 325)، الشذرات (8/ 617).
(¬1) والقيصري: نسبة إلى مدينة قيصرية بهضبة الأناضول وتركيا الآن أ. هـ. من هامش الوجيز.

جمال الدين.
كلام العلماء فيه:
* إنباء الغمر: "درس بالمنصورية التفسير وولي مشيخة الشيخونية وقضاء الحنفية ونظر الجيش ثم ولي ونظر الأوقاف عن الشَّافعية ... قال: "أي تقي الدين الزبيري": وكان بحالة إملاق إلى الغاية ثم وصل إلى ما وصل إليه حتَّى قال: إنَّه سمعه يقول: هذا الذي حصل له غلطة من غلطات الدهر، قال: وكان عنده دهاء وحشمة زائدة وسخاء وذكاء وكان فصيحًا بالعربية والتركية والفارسية وكان كثير التأنق في ملبسه ومأكله انتهى" أ. هـ.
* الدرر: "كان فاضلًا مشاركًا محفوظًا في جميع أموره تمكن من السلطان، وأهل الدولة تمكنًا زائدًا، وكان مستكثرًا من أنواع الترف والملاذ، عفا الله عنه" أ. هـ.
* النجوم: "شيخ شيوخ خانقاه الشيخونية ... وترك بالمدرسة الصرغتمشية مدة يخدم الفقهاء، فرأى في منامه أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول له: أنت شاهنشاه، ففسر المنام على الشِّنشي، وكان من جملة الصوفية بالصرغتمشية وتنقلب به الأحوال إلى أن صار يقرئ المماليك بالأطباق من القلعة" أ. هـ.
* بدائع الزهور: "وكان رئيسًا تولى من الوظائف: قاضي قضاة الحنفية، وناظر الجيش، وشيخ الخانقاه الشيخونية" أ. هـ.
وفاته: سنة (799 هـ) تسع وتسعين وسبعمائة.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - روسيا القيصرية حتى عام 1885

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

روسيا من القرن التاسع حتى التقسيم الأول لبولندا
‏Russia, from the Ninth Century to the First Partition of Poland....
يعود وجود الجماعات اليهودية في روسيا إلى القرن التاسع الميلادي حين توسعت مملكة الخزر اليهودية في وادي الفولجا ومناطق أخرى من روسيا. وقد اشترك يهود الخزر، حسبما ورد في الموروثات الشعبية الروسية، في المناظرة الدينية التي عقدت بين ممثلي الديانات التوحيدية الثلاث عام 986 أمام أمير كييف وقد اعتنق بعدها المسيحية وأصبحت الأرثوذكسية هي الدين الرسمي لروسيا. وبعد أن استقر اليهود في المدينة باعتبارها مركزاً تجارياً يربط بين منطقة البحر الأسود وآسيا وغرب أوربا وأصبح لهم جيتو خاص بهم، قوبلوا بعداوة شديدة من بلد اعتنق المسيحية لتوه ويضم طبقة تجار بدائية للغاية.
وبعد غزو التتار لروسيا في القرن الثالث عشر وتدهور إمارة كييف، زاد النشاط التجاري لأعضاء الجماعة لأن الإمبراطورية التترية جمعت الجماعات اليهودية كافة داخل إطار سياسي واحد سهَّل عملية انتقالهم. كما يبدو أن التتار كانوا يعتبرون اليهود من ذوي القربى باعتبار أن الجميع من أصل تركي.
وفي القرن الخامس عشر، ظهرت فرقة متهودة بين الروس في مدينة نوفجورود. ورغم أنه تم القضاء عليها، فإنها عمقت مخاوف المؤسسة الدينية الأرثوذكسية من اليهود. واستمرت الحركة التجارية لأعضاء الجماعة اليهودية، مع هذا، من وإلى روسيا.

وكان إيفان الرهيب (1533 ـ 1584) أول حاكم روسي يقرر طرد أعضاء الجماعة اليهودية من روسيا، ويعود هذا إلى رغبته في استبعاد أية عناصر تجارية أجنبية. وبعد الفترة التي تُعرف باسم «زمن المتاعب» في التاريخ الروسي (1598 ـ 1613) والتي شهدت اعتلاء أمير بولندي العرش الروسي، ونشوب حرب أهلية، زاد عمق الرفض الروسي لليهود حيث إن مغتصبي العرش من البولنديين أحضروا معهم كثيراً من صنائعهم اليهود. لكل هذا، مُنع أعضاء الجماعات اليهودية من دخول روسيا إلا لأسباب خاصة مثل حضور سوق تجاري أو غيره من الأسباب. وظل هذا الحظر أحد ثوابت السياسة الروسية حتى تقسيم بولندا في أواخر القرن الثامن عشر.

ولعل خوف روسيا القيصرية من أعضاء الجماعات اليهودية هو خوف العناصر الزراعية التقليدية من عنصر غريب له علاقات دولية واسعة في دولة جديدة لم تكن سلطتها قد تدعمت بعد (ولم تتدعم لمدة طويلة نظراً لترامي أطراف البلاد ونظراً لأنه عنصر تجاري له مصالحه المالية الخاصة التي لا تتفق بالضرورة مع مصالح الدولة) . كما أن هناك قوى اجتماعية داخل روسيا لم يكن في صالحها البتة السماح لليهود بالاستقرار، من أهمها التجار الروس الذين كانوا يرزحون تحت عبء الضرائب والذين كان عليهم أن يدخلوا منافسة غير متكافئة مع بعض أعضاء طبقة النبلاء الذين اشتغلوا بالتجارة والذين كانوا يتمتعون بمزايا عديدة وبمساندة البيروقراطية الحكومية. بل كان هؤلاء التجار يجدون أنفسهم (أحياناً) في منافسة مع الفلاحين الذين كانوا يشتغلون بالتجارة والصناعات المنزلية، كل هذا داخل سوق محدودة مكبلة بالقوانين الإقطاعية الاستبدادية التي لا حصر لها. وإذا أضفنا إلى هذا كله أن الحجم المالي للتجار الروس كان صغيراً في معظم الأحوال، لأدركنا سبب وقوف التجار الروس ضد دخول العنصر اليهودي التجاري النشيط الذي لا تكبله القيم المسيحية أو القوانين الطبقية والذي يتحكم في رأسمال سائل لا بأس به. ووجد هذا الموقف صدى في نفس حكومة كانت تكتسب شيئاً من شرعيتها باعتناقها الأرثوذكسية. ورغم أن الفكر المركنتالي وجد طريقه إلى روسيا في مرحلة لاحقة، إلا أن التجار استمروا في معارضة نشاط اليهود التجاري وفي المطالبة بالحد منه حتى اندلاع الثورة البلشفية.
ومن الثوابت الأخرى التي كانت عنصراً قوياً ومحدداً في السياسة الروسية القيصرية أن اليهود كانوا يشكلون عنصراً متحركاً غير مستقر على رقعة أرض مقصورة عليهم، كما هو الحال مع الشعوب والأقوام والأقليات والطوائف الأخرى داخل الإمبراطورية، الأمر الذي خلق لهم وضعاً خاصاً ومشاكل معينة.

وقد ضمت روسيا مقاطعة روسيا البيضاء في أول تقسيم لبولندا عام 1772، وضمت في التقسيم الثاني منطقة منسك في الشمال وفولينيا (في مقاطعة كييف) ومنطقة بودوليا في الجنوب، أي أنها ضمت بذلك أوكرانيا كلها. ثم ضمت في التقسيم الثالث ليتوانيا. وقد ضمت كل هذه المقاطعات (وضمن ذلك كورلاند وبيالستوك التي حصلت عليهما روسيا فيما بعد) إلى روسيا نفسها، بينما أصبحت بولندا المركزية (التي كانت تضم نحو ثلاثة أرباع دوقية وارسو النابليونية) تكوِّن ما يُسمَّى «بولندا المؤتمر» أو «بولندا الروسية» (وكان اسمها الرسمي «مملكة بولندا» حتى عام 1830 كما كان لها دستورها الخاص) . وكانت هذه المقاطعات تضم أغلبية يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) الذين انطلقوا من هذه المناطق بعد ضمها، واستوطنوا المناطق الجنوبية من روسيا وساحل البحر الأسود ومقاطعة بيساربيا، وهي مناطق كانت تابعة للدولة العثمانية، وقامت روسيا بضمها باسم «روسيا الجديدة» (كانت توجد جماعات يهودية أخرى فيها ولكنها كانت جماعات صغيرة للغاية ولم يكن لها مسألة يهودية فقد كانت مندمجة تماماً في محيطها الحضاري) . ولذا فرغم وجود جماعات يهودية إلا أننا نتحدث في معظم الوقت عن «الجماعة اليهودية» وحسب، وتعني «يهود اليديشية» لأنهم كانوا الأغلبية الساحقة وكذلك كانوا أصحاب «المسألة اليهودية» . كما تسللت مجموعات صغيرة من اليهود إلى وسط روسيا نفسها.

وكان وضع أعضاء الجماعة اليهودية في المناطق البولندية متميِّزاً تماماً من الناحية الثقافية والاجتماعية والوظيفية. إذ كانت أعداد كبيرة منهم تعمل بنظام الأرندا (استئجار عوائد القرى وضمنها الضرائب والمطاحن والغابات والحانات من النبلاء البولنديين الغائبين) كما كان بين اليهود تجار وأصحاب حوانيت وباعة جائلون. وكان الباقون حرفيين يعملون للنبيل الإقطاعي والفلاح. وحسب التقديرات، كان التركيب الوظيفي لليهود على النحو التالي: 1% فقط كانوا يعملون في الزراعة، و3% في الأعمال الدينية، و30% يعملون في نظام الأرندا، و30% يعملون في التجارة والرهونات، و15% في الحرف المختلفة.
وكان من أهم الوظائف التي يضطلع بها اليهود، والتي أصبحت جزءاً أساسياً من مشكلتهم، تقطير الخمور وبيعها في الحانات التي استأجروها من النبلاء في إطار نظام الأرندا. كما يُلاحَظ أن التجارة اليهودية كانت تجارة طفيلية، وكان التجار اليهود يشتغلون بتهريب البضائع ويتهربون من الضرائب نظراً لوجودهم في المنطقة الحدودية وبسبب استخدامهم اليديشية وسيلة للتفاهم، الأمر الذي يسَّر لهم عمليات التهريب والتهرب والتلاعب بالأسعار. ومع هذا، ظلت نسبة كبيرة من أعضاء الجماعة تعاني من الفاقة، فكان هناك 21% منهم بدون وظيفة محدَّدة.

ولكن لم يكن التميز وظيفياً أو طبقياً وحسب وإنما كان ثقافياً ولغوياً. وأعضاء الجماعة اليهودية كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة يدين أعضاؤها باليهودية ويتحدثون اليديشية ويمثلون المصالح المالية للنبيل البولندي الذي يتحدث البولندية ويدين بالكاثوليكية بين الفلاحين والأقنان الأوكرانيين الذين يتحدثون الأوكرانية ويدينون بالمسيحية الأرثوذكسية. وأعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية هم عنصر ألماني يعيش في وسط سلافي، ويظهر تميزهم حتى في الطريقة التي كانوا يحلقون بها رؤوسهم (واللحية والسوالف) وفي أزيائهم المتميِّزة (كفتان) وفي أسمائهم. كما تظهر عزلتهم في نظامهم التعليمي المقصور عليهم، وفي الشتتلات التي أسسها لهم النبلاء الإقطاعيون البولنديون (وهي مدن صغيرة تضم التجار والوكلاء والحرفيين اليهود) . وكان اليهود يكوِّنون أغلبية السكان في هذه المدن الصغيرة، وهو ما كان يعني عدم احتكاكهم بالسكان. كما كانت تعيش أعداد كبيرة منهم في بعض القرى. كانت هذه الكتلة البشرية اليديشية اليهودية على وشك الزيادة الهائلة إثر انفجار سكاني لم تعرف الجماعات اليهودية مثيلاً له في التاريخ. وهي برغم عزلتها، لم تكن متماسكة، إذ كانت الصراعات الاجتماعية قد بدأت تترك أثرها في مؤسسة القهال، وهي منازعات أخذت شكل الصراع بين الحسيديين ومعارضيهم من أعضاء المؤسسة الحاخامية الذين أُطلق عليهم المتنجديم. وكانت المنطقة التي ضمتها روسيا تضم أهم مناطق تركز الحسيديين وأهم المدارس التلمودية العليا (يشيفا) الخاصة بالمتنجديم في ليتوانيا. وضمت روسيا، كما تَقدَّم، بودوليا التي كانت مركز الحركة الفرانكية والحسيدية. وحينما دخلتها القوات الروسية، أطلقت سراح فرانك، وكانت اليهودية الحاخامية قد دخلت أزمتها الكبرى. وفجأة، وجدت هذه الكتلة البشرية نفسها تابعة لتشكيل اقتصادي سياسي حضاري جديد (روسيا القيصرية) ، تشكيل كان يرى دائماً ضرورة نبذهم والتخلص

منهم، تسيِّره حكومة استبدادية متخلفة لا تسمح بالتعددية الدينية أو الفكرية أو المهنية، سياستها في جوهرها هي سياسة الملوك المطلقين المستبدين المستنيرين على نحو ما كان في وسط أوربا والنمسا وألمانيا (أي التحديث بالقوة ومن فوق) . ولم تكن لدى هذه الحكومة أية خبرة باليهود أو مشاكلهم، كما أن روسيا نفسها كانت على عتبات انفجارات اجتماعية ضخمة نتيجة عملية التحديث والعلمنة التي كانت تخوضها (وهي انفجارات أدَّت في نهاية الأمر إلى قيام الثورة البلشفية) . وتاريخ المسألة اليهودية في روسيا هو تاريخ الاحتكاك بين الكتلة البشرية اليهودية المنعزلة، بكل تَخلُّفها ومشاكلها وتَميُّزها من جهة، والبيروقراطية القيصرية المتخلفة بكل وحشيتها وتَعصُّبها وانعدام كفاءتها من الجهة الأخرى.
وظلت المشكلة قائمة دون حل. وكلما احتدمت الأزمة، كانت الحكومة الروسية تشكل لجنة لدراسة الموقف لترفع بدورها توصياتها للحكومة. وكانت هذه التوصيات تستند في معظم الأحيان إلى فلسفات شمولية مطلقة، وتنبع من جهل عميق بآليات الظواهر الاجتماعية ويتولى تنفيذها جهاز تنفيذي متعصب جاهل فاسد يتسم بعدم الكفاءة. وظل التناقض الأساسي في سياسة الحكومة القيصرية بين رغبتها في التحديث والتنمية الاقتصادية من جهة والشكل الاستبدادي السياسي الذي يُفشل كل المحاولات التي تستهدف حل المسألة اليهودية من جهة أخرى. وقد تعثر تماماً تحديث اليهود بل تحديث المجتمع ككل، في أواخر القرن التاسع عشر، واحتدم التناقض بين الحقيقة الاجتماعية والشكل المتكلس، الأمر الذي نجمت عنه مجموعة من الاضطرابات والثورات انتهت بالثورة البلشفية التي حلت المسألة اليهودية والمسائل القومية الأخرى بطريقة نوعية مختلفة.
روسيا من تقسيم بولندا حتى عام 1855
‏Russia, from the Partition of Poland to1855

أدَّى تقسيم بولندا إلى ضم أجزاء كبيرة منها إلى روسيا، وبذلك ضمت روسيا أجزاء كبيرة من الكتلة البشرية اليهودية اليديشية. ولأن النبلاء البولنديين كان محرماً عليهم التجارة (حيث تفرغوا لأعمال السياسة والحرب) ، وكان الأقنان ملتصقين بالأرض، كما كانت طبقة التجار ضعيفة للغاية، اضطلع اليهود بوظيفة طبقة التجار والحرفيين وأصبحوا جماعة وظيفية وسيطة. هذا على عكس روسيا إذ لم تكن التجارة هناك مهنة وضيعة، وكانت هناك طبقة من الحرفيين تزداد قوة. كما كانت الحكومة نفسها تقوم بالتجارة ويضطلع بعض النبلاء بالوظيفة نفسها.
وكانت روسيا، من الناحية الاقتصادية، مستعمرة إنجليزية أو منطقة نفوذ للاقتصاد الإنجليزي. وبعد الحصار الذي فرضه نابليون على إنجلترا على نطاق القارة كلها، حدث تَقدم صناعي وتجاري نظراً لاضطرار روسيا إلى الاعتماد على نفسها. وعلى سبيل المثال، كانت روسيا تملك عام 1804 نحو 199 مصنع قطن زاد إلى 423 عام 1814، وزادت واردات القطن من الولايات المتحدة من 204 أطنان عام 1809 إلى 3787 طناً عام 1811.

ومن كل هذه الحقائق، يمكن القول بأن الاقتصاد الروسي لم يكن في حاجة إلى أعضاء الجماعة اليهودية. ومع هذا، تم ضمهم نتيجة توسُّع الدولة القيصرية. ولم تكن المسألة اليهودية المسألة الوحيدة التي جابهتها الحكومة القيصرية، فقد كان هناك مسألة إسلامية ومسألة تترية ومسألة بولندية ومسألة أوكرانية، إذ كانت الإمبراطورية القيصرية مترامية الأطراف تضم مئات الأقليات والتشكيلات الحضارية المختلفة التي كانت تحاول أن تفرض عليها ضرباً من الوحدة حتى تتمكن الحكومة المركزية من التعامل معها. وقسَّمت الحكومة القيصرية هذه الأقليات إلى قسمين أساسيين: الأقليات السلافية (أوكرانيا وبولندا وغيرهما) ، والأقليات غير السلافية. وكان يُطلَق على الأقليات غير السلافية مصطلح «الإينورودتسي inorodtsy» . وهذه كلمة روسية كانت تشير في بادئ الأمر إلى قبائل السكان الأصليين التي تقطن سيبيريا، ثم اتسع نطاق الكلمة الدلالي فأصبحت تشير إلى كل الشعوب غير السلافية. وكانت السياسة العامة تهدف إلى ترويسهم. وغني عن البيان أن إجراءات الترويس، بالنسبة للأقليات غير السلافية، كانت أكثر راديكالية وعنفاً، وخصوصاً إذا كانت تلك الأقليات لا تدين بالمسيحية (ومع هذا ينبغي الإشارة إلى أن اللون أو العرْق بدأ يكتسب دلالة محورية مع تصاعد معدلات العلمنة في الإمبراطورية الروسية وتعمُّق الرؤية العرْقية. وحيث إن يهود اليديشية كانوا من البيض، ومع تَزايُد معدلات ترويسهم، أُعيد تصنيفهم بحيث أصبحوا «روساً» ووُطنوا على هذا الأساس في روسيا الجديدة وفي الخانات التركية التي ضمتها روسيا وذلك باعتبارهم عنصراً روسياً استيطانياً) . ومهما كان الأمر، فإن الإمبراطورية القيصرية كانت «سجناً للشعوب» .

وقد بدأت الحكومة القيصرية علاقتها بأعضاء الجماعات اليهودية بالاعتراف بالقهال وبصلاحياته الدينية والقضائية، كما تم الاعتراف بالجماعة اليهودية (اليديشية) بوصفها جماعة مستقلة في المدن والقرى. وفي عام 1783، صُنِّف اليهود ضمن سكان المدن وأصبحت لهم حقوق غير اليهود نفسها (مثلاً: انتخاب مجالس المدن والبلديات وحق التمثيل فيها) .
واستقر بعض التجار اليهود في موسكو وسمولنسك، فدخلوا في منافسة مع التجار المسيحيين بطرق شرعية وغير شرعية. وحينما اشتكى تجار موسكو من هذا الوضع، صدر فرمان عام 1791 يحظر على اليهود الاتجار خارج روسيا البيضاء. ويُعَدُّ هذا الفرمان الأساس القانوني لمنطقة الاستيطان، وقد سُمح لمجالس القهال بأن تستمر في عملها بكل صلاحياتها.

وشهدت هذه المرحلة قيام روسيا بضم بعض الإمارات الإسلامية التابعة لتركيا على ساحل البحر الأسود، وسُمِّيت هي ومناطق أخرى باسم «روسيا الجديدة» . ولما كان أعضاء الجماعات اليهودية يُنظَر إليهم، في التشكيل الحضاري الغربي، باعتبارهم عنصراً ريادياً حركياً وجماعة وظيفية استيطانية يمكن استخدامها في مثل هذه العملية، كما فعل شارلمان من قبل وكما فعلت القوات المسيحية في إسبانيا والنبلاء البولنديون في أوكرانيا والاستعمار الغربي في فلسطين فيما بعد، قامت الحكومة القيصرية بتشجيعهم على الاستيطان في المناطق الجديدة، باللجوء إلى طريقة الطرد والجذب، فضوعفت الضريبة المفروضة على التجار اليهود في الإمبراطورية، بينما أُعفي المستوطنون في روسيا الجديدة من الضرائب كافة. واستثنى هذا المرسوم اليهود القرّائين، وكان هذا أيضاً أحد ثوابت السياسة القيصرية تجاه اليهود. وفي الوقت نفسه، تفاقمت مشكلة السُكْر بين الفلاحين، وساعدت المجاعة التي وقعت عام 1797 على تعميق المشكلة. ورغم أن اليهود كانوا السبب الواضح والمباشر أمام الجميع (إذ أن أغلبية صانعي الخمر وبائعيها كانوا من اليهود، كما أنهم هم الذين كانوا يديرون معظم الحانات) ، إلا أنهم لم يكونوا في واقع الأمر السبب الحقيقي لإدمان الفلاحين الروسيين المشروبات الكحولية. وشُكِّلت لجنة لبحث المسألة اليهودية في روسيا برئاسة الشاعر الروسي السناتور جافريل ديرجافين (1743 - 1816) الذي رأى أن اليهود يستغلون الفلاحين الروس وأن عزلتهم الطبقية والحضارية هي سبب العداء ضدهم. وبناء على ذلك، طالب ديرجافين بضرورة ترويسهم بالقوة وتغيير بنائهم الاقتصادي والوظيفي حتى يتسنى استيعابهم كيهود نافعين في المجتمع الروسي. ووضع بذلك الإطار الأساسي لجميع المحاولات التي بذلتها الحكومة القيصرية لحل المسألة اليهودية.

وبعد أن اعتلى ألكسندر الأول العرش (1801 ـ 1825) ، شُكِّلت لجنة تدعى مجلس الشئون اليهودية التي أصدرت قراراتها عام 1804، والتي سمىت «قانون اليهود الأساسي» أو «دستور اليهود» . وجاء ضمن هذه القرارات أن اليهود يجب نقلهم خارج المناطق الزراعية بين عامي 1807 و 1808، كما أوصت القرارات بضرورة إبعادهم عن استئجار الحانات أو استئجار الأراضي الزراعية بهدف الربح (حتى يمكن تحويلهم إلى عنصر اقتصادي منتج) . ولتنفيذ هذا المخطط، وُضع تحت تصرفهم بعض أراضي القيصر، وأُعفي المزارعون اليهود من الضرائب لمدة تتراوح بين خمسة وعشرة أعوام، كما أنهم لم يُصنَّفوا كأقنان مرتبطين بالأرض، بل احتفظوا بحقوقهم في حرية الحركة والسكنى. ووعدت الحكومة كذلك بتقديم العون للمصانع التي تقوم باستئجار العمال والحرفيين من أعضاء الجماعة اليهودية. وسُمح للعاملين بالصناعة من أعضاء الجماعة اليهودية أن يستقروا داخل روسيا، وضمن ذلك موسكو وسانت بطرسبرج. كما حدَّ القانون الأساسي من سلطة القهال، وأصبح تنظيم الأمور الدينية والعبادات من اختصاص الحاخامات الذين كان يتم اختيارهم دون الرجوع إلى القهال. ولم تتجاوز صلاحيات القهال، في القانون الأساسي، تحديد الضرائب وجمعها وإحصاء عدد السكان اليهود. وتقرر ألا يوجد سوى قهال واحد في كل مدينة، كما سُمح لكل فرقة دينية بأن يكون لها معبدها اليهودي وحاخامها الخاص (الأمر الذي أدَّى إلى تحسين وضع الحسيديين) وفُتحت أبواب المدارس الحكومية العلمانية أمام أعضاء الجماعة اليهودية. وتقرر أنه ما لم يرسل اليهود أولادهم فإنه سيتم فتح مدارس يهودية علمانية خاصة على حساب أعضاء الجماعة اليهودية. وأصبح من شروط شغل وظيفة حاخام، أو عضوية مجلس إدارة القهال أو البلدية، معرفة الألمانية أو الروسية أو البولندية. كما تقرر أن يكتب أعضاء الجماعة جميع وثائقهم وأوراقهم التجارية بإحدى اللغات الثلاث دون العبرية أو اليديشية. وأكد

القانون حق اشتراك اليهود في الانتخابات الخاصة بالحكومات المحلية ومُنع ارتداء الأزياء اليهودية التقليدية وقص الشعر على الطريقة اليهودية وترك السوالف، وأصبح توجيه تهمة الدم جريمة يعاقب عليها القانون (1818) . وكانت استجابة الجماعات اليهودية سلبية إلى أقصى درجة، وصاموا حداداً على صدور هذه القرارات بل اقترحت بعض القهالات تأجيل الإصلاحات إلى فترة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين عاماً.
ولم تنجح الحكومة القيصرية في تنفيذ توصيات اللجنة بسبب ضعف البيروقراطية وفساد النظام الإداري (فكثيراً ما كان الموظفون يتقاضون الرشاوى ويتغاضون عن تعليمات الحكومة) ، وبسبب عدم الثقة المتبادل بين الحكومة وأعضاء الجماعة اليهودية. كما أن القرارات الخاصة بنقل أعضاء الجماعة اليهودية من القرى لم تكن واقعية إذ أن وجودهم فيها لم يكن أمراً من اختيارهم وإنما كان واقعاً اجتماعياً فرضته عليهم ظروفهم والظروف الاقتصادية المحيطة بهم، فقد كان أعضاء الجماعة يقومون في واقع الأمر بوظيفة مهمة بالنسبة للريف الروسي حتى ولو كانت لهذا جوانب سلبية من الناحية الاجتماعية. وعلى كل حال، لم تُتَخذ خطوات تنفيذية لطرد اليهود من القرى إلا عام 1822، وخصوصاً في مقاطعة بيلوروسيا أي روسيا البيضاء. ولكن كثيراً ما كان يتم طرد اليهود دون تأمين الأرض الزراعية لهم، الأمر الذي كان يعني محاولة تغيير وضع اليهود الوظيفي فشلاً مؤكداً. بل كان يتم أحياناً تأمين الأرض ثم يصل المستوطنون ليكتشفوا أنه لا توجد تسهيلات للسكنى أو الري أو الصرف.

وتوقف كثير من الإصلاحات أثناء الحرب الروسية الفرنسية حين قام نابليون بغزو روسيا. وقد وقف أعضاء الجماعة اليهودية أثناء هذه الحرب، إلى جانب الحكومة الروسية، لأن المؤسسة الحاخامية كانت تعتبر نابليون عدو اليهودية اللدود، بل قام اليهود بالتجسس لحساب الحكومة القيصرية على القوات الفرنسية (وإن كان هذا لم يمنع وجود بعض حالات متفرقة قام فيها اليهود الروس بالتجسس على روسيا لحساب الفرنسيين) .
وفي أواخر حكم ألكسندر الأول، كانت هناك محاولة لتنصير اليهود عن طريق الوعد بإعتاقهم وإعطائهم حقوقهم السياسية. وكان العقل المدبر وراء هذه الفكرة هو لويس واي، رئيس جمعية الكتاب المقدَّس في إنجلترا الذي أسَّس جمعية المسيحيين الإسرائيليين عام 1817 تحت رعاية الإمبراطور. ثم صدر قرار بمنع اليهود من استئجار خدم مسيحيين ومن السكنى في منطقة طولها خمسون فرسخاً (نحو 33 ميلاً) على الحدود، ولم يستثن من ذلك سوى ملاك الأراضي.

وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الجماعة اليهودية باعتلاء نيقولا الثاني العرش (1825 - 1855) ، وهذا بعد إخماد الثورة المعروفة باسم «ثورة الديسمبريين» ، وهم مجموعة من النبلاء المتأثرين بالأفكار الغربية، وكان من بينهم صاحب الأفكار اليعقوبية بول بستل، وهو صاحب مشروع صهيوني لحل المسألة اليهودية. وقد صعَّد نيقولا سياسة الترويس والدمج القسرية، فصدر مرسوم عام 1827 بفرض الخدمة العسكرية على يهود روسيا، وكانوا قبل ذلك يدفعون ما يشبه البدل النقدي، وكانت فترة الخدمة في الجيش الروسي تستمر خمسة وعشرين عاماً، وأوكل للجماعة اليهودية نفسها أن تقوم باختيار الفتيان الذين يتم تجنيدهم، وكانت كل جماعة يهودية تعين خطافين ليمسكوا الفتيان (من أبناء الفقراء في العادة) لتسليمهم إلى الحكومة، وهو ما زاد حدة الصراعات الاجتماعية. ويُلاحَظ أن هذا القانون لم يُطبَّق على يهود بولندا وحسب وإنما كان يُطبَّق على الروس كافة من مسيحيين وغيرهم. وكان الاختلاف الوحيد في عدد المجندين، فبينما كانت النسبة 7 من ألف بين المسيحيين، كانت 10 من ألف بين غير المسيحيين. وأُعفي المثقفون والتجار والحرفيون من الخدمة العسكرية نظير ألف روبل، كما أعفي العاملون في القطاع الزراعي في مرحلة لاحقة. وكان الهدف من الخدمة العسكرية هو مزيد من الدمج والترويس القسريين. ومع هذا، كان نظام التجنيد قاسياً بل غير إنساني، وذلك لصغر سن المجندين على وجه الخصوص. ولكن لم يُجنَّد في نهاية الأمر سوى عدد صغير من أعضاء الجماعة اليهودية يتراوح بين 26 و60 ألفاً في فترة 28 سنة. فإذا أخذنا بالمتوسط وهو 45 ألفاً، فإن هذا يعني أن عدد المجندين لا يزيد على ألف وخمسمائة مجند في السنة من مجموع يهود روسيا البالغ عددهم آنذاك ثلاثة ملايين.

ثم صدر قرار عام 1835 لم يكن مختلفاً في جوهره عن قرار عام 1804، فأُعيد بمقتضاه تحديد منطقة الاستيطان. وحرَّم القانون استئجار الخدم المسيحيين، وحظر على أعضاء الجماعة اليهودية الزواج المبكر، وحدَّد الحد الأدنى لسن الزواج بثماني عشرة سنة للذكور وست عشرة سنة للإناث، كما حظر استخدام اليديشية أو العبرية في الأعمال التجارية وغيرها من النشاطات. وحُدِّدت المهن التي يُسمح لأعضاء الجماعة اليهودية أن يعملوا فيها، كما حُرِّم عليهم (عام 1825) دخول القرى.
وأبقى القانون على القهال ليقوم بجمع الضرائب وتطبيق القوانين الروسية، وليصبح مسئولاً عن الأمور الدينية والخيرية، وصرح ببناء المعابد شريطة أن تكون على مسافة معقولة من الكنائس، واعتُبر الحاخامات موظفين حكوميين لا تقتصر مهمتهم على الجوانب الدينية فأصبح من واجبهم الرقابة على الجوانب الأخلاقية العامة وعلى أداء أعضاء الجماعة اليهودية لواجباتهم المدنية للدولة والمجتمع. وفُتحت أمام أعضاء الجماعة اليهودية أبواب المدارس العامة، وفُرضت الرقابة على كتبهم (عام 1836) .
ويبدو أن الحكومة القيصرية بدأت تشعر في هذه المرحلة بأن ما سمته الروح التلمودية (وليس اليهودية نفسها) هو سبب عزلة اليهود. ولذا، قامت الحكومة باستشارة أثرياء اليهود الروس باعتبارهم خبراء في الشئون اليهودية، كما طلبت العون من المفكرين اليهود دعاة التنوير ومن يهود الغرب الذين تم تحديثهم. وكانت نتيجة المشاورات والمداولات مؤيدة لموقف الحكومة. وكان أهم داعية لهذه السياسة وزير التعليم أوفاروف وكان كثير من دعاة التنوير اليهود يتفقون معه، من بينهم إسحق بير ليفينسون في كتابه التعليم في إسرائيل (عام 1828) . وأُغلق كثير من المطابع العبرية بهدف الحرب ضد الخرافات الحسيدية والتعصب الناجم عن دراسة التلمود. ويُلاحَظ أن موقف الحكومة القيصرية من القرّائين كان متسامحاً للغاية لأنهم لا يؤمنون بالتلمود.

واتجهت الحكومة الروسية أيضاً نحو علمنة التعليم اليهودي، وحاولت تطبيق المشروع الذي طرحه ليفينسون في كتابه. ولتحقيق هذا الهدف، استدعت التربوي الألماني اليهودي ماكس ليلينتال (1815 ـ 1882) حتى يمكنه أن يقرب فكرة التعليم العلماني ليهود روسيا وليؤكد لهم حسن نية الحكومة. وكان ليلينتال يعمل مدرساً في إحدى المدارس التي أسسها دعاة التنوير اليهود في ريجا. فقام برحلة استطلاعية، ولكنه قوبل بعداوة شديدة من الجماهير اليهودية التي سمته «الحليق» ، أي الذي حلق لحيته وسوالفه. وكان كثير من دعاة التنوير اليهود يرون أن تحديث الجماهير اليهودية لا يمكن أن يتم بالطرق الديموقراطية، وأنه لابد من استخدام نوع من القسر والإرهاب، وأيَّدهم في ذلك أعضاء البيروقراطية الروسية. وأوصى ليلينتال بإغلاق المدارس الدينية التقليدية ومنع المدرسين التقليديين من التدريس واستجلاب مدرسين من الخارج. وتم بالفعل تأسيس مدارس علمانية يهودية مُوِّلت من ضريبة الشموع (شموع السبت) ، وقام بالتدريس في هذه المدارس مسيحيون ويهود من دعاة التنوير، وأُسِّست مجموعة من المدارس لتدريب حاخامات ومدرسين يهود، وكانت هذه المدارس الإطار الذي تم فيه تدريب وتعليم أعداد كبيرة من دعاة التنوير المتحدثين بالروسية والذين لعبوا دوراً مهماً في الحركات الاندماجية والثورية والعدمية.

وتبع ذلك إلغاء القهال (عام 1844) مع الإبقاء على إطار تنظيمي إداري عامّ. واستمر المسئولون عن التجنيد وكذلك جامعو الضرائب في أداء عملهم. وابتداءً من عام 1851، بدأت الحكومة الروسية تنهج النهج الألماني في تقسيم أعضاء الجماعات اليهودية إلى يهود نافعين ويهود غير نافعين. وكان الفريق الأول يضم كبار التجار والحرفيين والمزارعين الذين كانوا يتمتعون بمعظم حقوق المواطن الروسي. أما الفريق الثاني الذي كان يضم بقية اليهود من صغار التجار وأعضاء الطبقات الفقيرة، فكان الأمر بالنسبة إليهم مختلفاً إذ كان عليهم أداء الخدمة العسكرية حيث كان بوسعهم أن يتعلموا بعض المهن النافعة، فإن تعلموها صُنفوا ضمن النافعين وأُعفوا من الخدمة العسكرية. ونجحت السياسة بشكل محدد إذ أُقيمت أربع عشرة مستوطنة زراعية في خرسون، وعدد مساو في إيكاترينوسلاف، وخمس وأربعون مستوطنة في كييف، كما أُقيمت عدة مستوطنات في بيساربيا بلغ عدد سكانها خمسة وستين ألف يهودي. وقام سير موسى مونتفيوري بزيارة روسيا في هذه الفترة في إطار محاولة الحكومة القيصرية أن تُوسِّط يهود الغرب المندمجين في إقناع يهود روسيا بتقبُّل عمليات الدمج والتحديث والترويس. ويمكن القول بأن هذه العمليات لم تحقق كثيراً من النجاح.
ألكسندر الأول (1801-1825)
‏Alexander I
أحد قياصرة روسيا. في عهده بدأت الحكومة القيصرية في محاولة إيجاد حل للمسألة اليهودية في روسيا بعد ضم أجزاء من بولندا. فشكلت لجنة لدراسة القضية والتوصية ببعض الحلول. وشهد عهده عدة محاولات لدمج اليهود وترويسهم.
نيقولا الأول (1825-1855)
‏Nicholas I
قيصر روسي حاول دمج اليهود في المجتمع الروسي عن طريق إصلاحات تُفرَض عليهم من الخارج، لكن سياسته لم تُحرز نجاحاً كبيراً.
منطقة الاستيطان اليهودية في روسيا
‏Pale of Settlement

«منطقة الاستيطان» ترجمة للعبارة الروسية «كرتا أوسدلوستي Cherta Osedlosti» حيث تُترجم كلمة «كرتا» إلى «نطاق» أو «حدود» أو ربما «حظيرة» وهي الترجمة الدقيقة. ولأن هذا النطاق كان يتسع ويضيق، فتضم إليه مناطق وتستبعد أخرى، فإننا نفضل استخدام كلمة «منطقة» .
ومنطقة الاستيطان هي منطقة داخل حدود روسيا القيصرية لم يكن يُسمَح لمعظم أعضاء الجماعة اليهودية بالسكنى أو الاستقرار خارج المدن الواقعة فيها. وكانت الحكومة القيصرية تقوم بفرض مثل هذه القيود وهو أمر كان يُعَد جزءاً أساسياً من سياستها العامة ومن موقفها من حرية الأفراد في التنقل، وهي سياسة لم تكن تُطبَّق على أعضاء الجماعة اليهودية وحسب وإنما كانت تُطبَّق على معظم سكان روسيا سواء أكانوا من الأقنان أم كانوا سكان مدن أو تجاراً. فكان على هذه القطاعات، التي تشكل أغلبية السكان، البقاء في مواطن استيطانها لا تغادرها إلا لسبب محدد وبإذن خاص. ويبدو أن هذه القوانين صدرت بسبب طبيعة روسيا كإمبراطورية مترامية الأطراف تُوجَد بها مناطق شاسعة غير مأهولة بالسكان، الأمر الذي جعل بوسع أي مواطن أن يترك محل إقامته ليستوطن إحدى المناطق غير المأهولة بعيداً عن سلطة الحكومة. ولما كانت الحكومة المركزية ضعيفة نظراً لرغبتها في تدعيم أسس الإمبراطورية وضمان شيء من الثبات، ظهرت فكرة ربط المجموعات البشرية بمواطن محددة كما حدث مع الفلاحين حينما تم تحويلهم إلى أقنان، ثم مع أعضاء الجماعة اليهودية حين تم ضم أعداد كبيرة منهم إلى الإمبراطورية بعد تقسيم بولندا.

ولكن، إلى جوار هذه الأسباب العامة المتعلقة بسياسة روسيا القيصرية تجاه رعاياها، هناك أسباب خاصة بيهود روسيا من أهمها الصراع الاجتماعي الناشب بين التجار اليهود الذين كانوا يشتغلون بتقطير الخمور وبيعها وبأعمال الرهونات والالتزام من جهة، والفلاحين السلاف الذين كانوا يتعاطون الخمر بشراهة (ربما بسبب تزايد بؤسهم) وضعف النظام الإقطاعي من جهة أخرى. وكانت البيروقراطية الروسية متخلفة غير مدركة لأبعاد المشكلة الاجتماعية في الريف الروسي أو البولندي. ولذا، أُلقي باللوم على أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم مسئولين عن سُكْر الفلاحين وإفقارهم. كما كان تجار روسيا يجأرون بالشكوى دائماً من العناصر اليهودية التجارية التي تلجأ إلي الغش والتهريب لتحقيق الربح. لكل هذا، حُظر على أعضاء الجماعة اليهودية أن يتحركوا خارج تلك المناطق التي ضُمَّت من بولندا، ولكنهم مُنحوا حق الاستيطان في المناطق التي ضُمَّت من تركيا في أواخر القرن الثامن عشر باعتبارهم عنصراً استيطانياً نافعاً، وهي التي كانت تقع أساساً حول البحر الأسود وسُمِّيت «روسيا الجديدة» . وقد ضمَّت منطقة الاستيطان منطقة كبيرة امتدت من ليتوانيا وبحر البلطيق في الشمال إلى البحر الأسود في الجنوب، ومن بولندا وبيساربيا في الغرب إلى روسيا البيضاء وأوكرانيا في الشرق، وتضم خمساً وعشرين مقاطعة تشكل مساحة قدرها مليون كيلو متر مربع، أي ما يساوي مساحة فرنسا تقريباً. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون نحو 11.6% من سكان منطقة الاستيطان عام 1897، وبلغ عددهم 4.899.427من مجموع يهود روسيا البالغ عددهم 5.054.300، ويُلاحَظ أنه كان يوجد 161.500 فقط من يهود الجبال وجورجيا، وهم ليسوا من يهود اليديشية، أي أن منطقة الاستيطان كانت تضم أغلبية يهود روسيا الذين كان معظمهم يتحدث اليديشية.
وكانت منطقة الاستيطان تتكون من ثلاث مناطق تتميَّز الواحدة عن الأخرى تماماً:

1 ـ ليتوانيا وبيلوروسيا أو روسيا البيضاء: وتضم جرودنو منسك وفلنا وفايتبسك (بوكوتسك سابقاً) وكوفنو وموجيليف.
2 ـ أوكرانيا: وتضم فولينيا وبودوليا ومقاطعة كييف (ماعدا مدينة كييف) وتشرينجوف وبولتافا.
3 ـ روسيا الجديدة: وتضم خرسون (ماعدا مدينة نيقولاييف) وإيكاتيرينوسلاف وتاوريدا (القرم) وبيساربيا التي تضم أوديسا، أهم مدن اليهود في روسيا.
واستقرت حدود المنطقة عام 1835. وكانت منطقة الاستيطان تضم رسمياً كل المناطق التي ضمت من بولندا ما عدا مقاطعات وسط بولندا والتي ظلت رسمياً خارج النطاق وداخله من الناحية الفعلية.

وكانت منطقة الاستيطان تضم أوكرانيين وبولنديين وروسيين وليتوانيين ومولدافيين وألماناً. وكان لكل جماعة قاعدتها الإقليمية أو أرضها المتركزة فيها ما عدا أعضاء الجماعة اليهودية والألمان. ومن هنا ظهرت إحدى السمات الخاصة للمسألة اليهودية في روسيا. وقد قررت الحكومة القيصرية (عام 1843) ، لاعتبارات أمنية، عدم السماح لأعضاء الجماعة اليهودية بالسكنى على مسافة 50 فرسخاً (نحو 33 ميلاً) من الحدود. وحسب القانون الصادر لتنظيم منطقة الاستيطان، لم يُسمَح لليهود بالانتقال خارجها ولم يُسمح لهم بالدخول إلى وسط روسيا إلا مدة ستة أسابيع للقيام بأعمال محدَّدة على أن يرتدوا الأزياء الروسية. وكان متاحاً لتجار الدرجة الأولى أن يمكثوا ستة أشهر، كما كان مسموحاً لتجار الدرجة الثانية أن يمكثوا ثلاثة أشهر. ومع حكم ألكسندر الثاني، بدأت الحكومة القيصرية في تخفيف القيود عن بعض العناصر اليهودية النافعة والمندمجة، وذلك بهدف تحويل اليهود إلى قطاع منتج مندمج في المجتمع. فسُمح لتجار الفئة الأولى (عام 1859) بأن يستوطنوا خارج منطقة الاستيطان، وكذلك لخريجي الجامعات عام 1861 وللحرفيين عام 1865، كما سُمح للمشتغلين بالطب عام 1879 وللجنود المُسرَّحين بهذه الميزة. ولم يزد العدد المسموح لهم بها حسب تعداد 1897 على مائتي ألف يهودي.
وكان من بين الفئات المسموح لها بمغادرة منطقة الاستيطان الفتيات اليهوديات اللائي كن يعملن بالبغاء، فكان بوسع الفتاة أن تنتقل إلى موسكو أو أية مدينة أخرى لتمارس هذه الوظيفة وتحقق قدراً من الحراك الاجتماعي والجغرافي دون أن يكون في إمكان أسرتها اللحاق بها.
وقد حوَّل هذا منطقة الاستيطان إلى أهم مصدر للبغايا في العالم حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى وربما حتى الثلاثينيات من هذا القرن. وتم توسيع منطقة الاستيطان عام 1879 بضم مملكة بولندا إليها رسمياً، وأُبطل العمل على الحدود بقانون الخمسين فرسخاً.

وكان 11.6% من سكان منطقة الاستيطان من أعضاء الجماعة اليهودية موزعين في القرى والمدن. وكان عددهم 4.900.000 (يشكّلون حوالي 94% من كل يهود روسيا) . وبعد عمليات الطرد من القرى، أصبح أعضاء الجماعة اليهودية مركزين أساساً في المدن. فمع بداية القرن التاسع عشر، كان 10 - 15% من سكان المدن داخل منطقة الاستيطان يهوداً، وكان أكبر تجمُّع يهودي يضم عشرة آلاف. ولكن، مع نهاية القرن، كان مليون ونصف مليون يهودي (أي ثلث اليهود في منطقة الاستيطان) من سكان المدن، وكانوا يشكلون 30% من مجموع السكان فيها وكانوا يشكِّلون 50% من مجموع سكان كثير من المدن. وكانت حوالي 41 جماعة يهودية تتكون كل منها من عشرة آلاف نسمة. وفي إحصاء عام 1897، بلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية من ساكني المدن 78% (حوالي 3.800.000) . وأدَّى الانفجار السكاني إلى ازدياد الازدحام داخل منطقة الاستيطان. ومع نهاية القرن التاسع عشر، كان 94% من مجموع يهود روسيا يعيشون في منطقة الاستيطان.

وتختلف نسبة عدد السكان اليهود إلى مجموع السكان، كما تختلف درجة تَركُّزهم في المناطق الحضرية، ومعدلات التصنيع والتحديث، من منطقة إلى أخرى. فكثير من الصناعات داخل منطقة الاستيطان كان يملكها يهود، وكان نصفها تقريباً في صناعة النسيج ثم في صناعة الأخشاب والتبغ والجلود أي في صناعات خفيفة. وكان الصراع الطبقي محتدماً، كما كانت العلاقة بين صاحب العمل والعمال اليهود تحكمها علاقات السوق الرأسمالية وليس التضامن الديني أو الإثني. ولذا، فكثيراً ما كان صاحب العمل اليهودي يفضل عمالاً غير يهود لأنهم عمالة رخيصة ولا يمثلون أية ضغوط اجتماعية عليه ليعاملهم بطريقة خاصة ويعطيهم إجازات في الأعياد اليهودية. ولكن الرأسماليين من يهود روسيا كانوا مضطرين على وجه العموم إلى استئجار عمال يهود بسبب وجودهم بأعداد كبيرة في المدن. وكانت نسبة اليهود العاملين في التجارة هي 38.6% من مجموع اليهود. أما نسبة العاملين في الحرف (أساساً في الخياطة وصناعة الأحذية) فكانت 35.4%، وكان 72.8% من جملة التجار في منطقة الاستيطان من أعضاء الجماعة اليهودية وكذلك 31.4% من الحرفيين.
وكانت الحركة الحسيدية منتشرة في صفوف يهود روسيا، وكذلك الحركات الثورية العدمية، كما ظهرت طبقة وسطى يهودية اكتسبت الثقافة الروسية. وكان نظام التعليم اليهودي التقليدي لا يزال قائماً إلى جانب المدارس العلمانية المختلفة. ومع أن الأغلبية كانت تتحدث اليديشية، فإن تعلَّم اللغة الروسية بشكل جدي بدأ يقطع أشواطاً كبيرة، كما فُتحت مدارس لتعليم العبرية بتأثير الحركة الصهيونية.

وقد صدرت عام 1881 قوانين مايو التي منعت إنشاء أية مستوطنات خارج مدن منطقة الاستيطان، وتقرر أن اليهود الذين يعيشون في بعض قرى منطقة الاستيطان يحق لهم السكنى في هذه القرى دون غيرها. وأُعطي الفلاحون حق طرد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعيشون بين ظهرانيهم. وأحياناً كان يُحظَر على اليهود الإقامة في بعض المدن، مثل روستوف ويالطا، كما طُرد آلاف الحرفيين اليهود من موسكو إلى منطقة الاستيطان. وكانت هذه القرارات تعبيراً عن تَعثُّر التحديث في روسيا. وقد بُدئ في تخفيف حدة هذه القيود ابتداءً من عام 1903 بسبب الضغوط على الحكومة الروسية، فصُرِّح لأعضاء الجماعة اليهودية بالاستيطان في بعض القرى التي اكتسبت شكلاً حضرياً، وصدرت تعليمات عام 1904 تصرِّح لهم بالاستيطان خارج مناطق الاستيطان، وأيضاً بالاستقرار في المناطق الزراعية الواقعة في نطاق هذه المناطق.
وقدَّمت العناصر الديموقراطية في الدوما (البرلمان) الروسي عام 1910 مشروع قرار لإلغاء منطقة الاستيطان، ولكن العناصر الرجعية وقفت ضده، وأُلغيت المنطقة نهائياً بعد الثورة البلشفية.
والواقع أن تاريخ التجمع اليهودي، داخل منطقة الاستيطان، من أهم فصول تجربة يهود شرق أوربا في القرن التاسع عشر، وذلك للأسباب التالية:
1 ـ لاقى التجار والحرفيون اليهود منافسة شديدة من التجار والحرفيين المحليين، كما أن التحولات الاجتماعية التي كان يخوضها المجتمع الروسي أدَّت إلى تحوُّل أعداد كبيرة من اليهود إلى أعضاء في الطبقة العاملة. ولعل هذا التطور كان مهماً للغاية من منظور عملية الدمج والتدريب التي قامت بها الحكومة السوفيتية فيما بعد.
2 ـ كانت الأوضاع الاجتماعية السيئة، التي صاحبت التآكل في القيم التقليدية اليهودية، من العناصر الأساسية التي جعلت أعضاء الجماعة اليهودية مرتعاً خصباً للأفكار الثورية والحركات القومية العلمانية.

3 ـ أدَّى الانفجار السكاني وإغلاق أبواب الحراك الاجتماعي إلى هجرة اليهود بأعداد متزايدة إلى غرب أوربا والولايات المتحدة. وكانت مدينة برودي على حدود منطقة الاستيطان المحطة التي هاجر منها الملايين.
4 ـ أدَّى تَركُّز أعضاء الجماعة اليهودية داخل مناطق بعينها، وبالذات داخل المدن، إلى احتفاظهم بشيء من هويتهم الإثنية اليديشية إذ كان بمقدورهم أن يتحدثوا، فيما بينهم، باليديشية وأن يقرأوا الصحف المكتوبة بتلك اللغة داخل الجيتو الكبير، فنشأ أدب يديشي داخل مناطق الاستيطان، كما ظهرت بدايات الحركة الصهيونية (أحباء صهيون) بين يهود روسيا، وكذلك حركات مثل البوند وفكر قومية الدياسبورا (أو القومية اليديشية) ، وكلها محاولات للتعبير عن هذه الهوية بشكل أو آخر. ويميل بعض المؤرخين اليهود مثل جرايتز ودبنوف إلى أن يصوروا منطقة الاستيطان وكأنها وطن قومي يهودي في المنفى له شخصيته القومية المحددة.
ولكل هذا، مع قيام الثورة البلشفية، وإلغائها منطقة الاستيطان، وفتحها كل روسيا أمام اليهود للاستقرار فيها، وإتاحتها فرص الحراك الاجتماعي والتنوع الوظيفي والاقتصادي، هاجر الألوف من اليهود إلى داخل روسيا. وبالتالي، نجح الاتحاد السوفيتي في القضاء على الأساس السكاني والحضاري للهوية اليهودية اليديشية وهو ما أدَّى إلى اختفاء هذه اللغة بحيث يمكننا أن نقول إنها تكابد الآن سكرات الموت.
أوديسا
‏Odessa

مدينة بناها القياصرة على البحر الأسود مكان مدينة تركية صغيرة كانت تُسمَّى «خاتجيبي» استولت عليها القوات الروسية عام 1789 ولم يكن بها حينذاك سوى ستة من اليهود. وفي محاولة لتطوير المدينة، شجعت الحكومة القيصرية كل العناصر البشرية على الاستيطان فيها، فأصبح الأقنان الذين استقروا فيها مستأجرين أحراراً. وأصبحت أوديسا المركز التجاري الصناعي لجنوب روسيا أو روسيا الجديدة. وكانت أهم السلع التي تصدَّر منها الحبوب. فزاد حجم الصادرات خمس مرات. وأُسِّست فيها جامعة، عام 1865، وعدد من المسارح بل ودار للأوبرا.

واجتذبت أوديسا أعداداً كبيرة من الأجانب حتى أنهم كانوا يشكلون ثلاثة أرباع السكان حتى عام 1819. وفي عام 1850، كان مجموع السكان 90 ألفاً منهم عشرة آلاف أجنبي. وقد تخصَّص كل عنصر بشري في نشاط اقتصادي ما، فكان اليونانيون والإيطاليون والألمان من تجار الجملة، وكان الفرنسيون يشتغلون بتجارة الخمور وتجارة التجزئة، كما كان اليهود القرّاءون يشتغلون في تجارة التبغ والسلع الشرقية، أما اليهود الحاخاميون فاضطلعوا بعدة وظائف تجارية ومالية تتداخل مع الوظائف الاقتصادية للأقليات الأخرى. وكان الجو الأممي (كوزموبوليتاني) في المدينة متطرفاً بمعنى الكلمة حتى أن أسعار تحويل العملات كانت تُكتَب باليونانية وكانت لغة الحديث بين الناس الفرنسية، وكانت علامات الطرق تُكتَب بالإيطالية والروسية، وكانت الفرق المسرحية تُقدِّم المسرحية الواحدة بخمس لغات مختلفة (وهي تشبه إلى حدٍّ ما في هذا الإسكندرية قبل قيام ثورة 1952) . وقد ساد الفكر المركنتالي سيادة تامة في أوديسا حتى بين صفوف البيروقراطية الروسية. فالهدف الذي حددته الحكومة لهم هو تحويل المدينة إلى ميناء تُصدّر منه روسيا صادراتها الزراعية، وخصوصاً القمح. ولذا، حكَّمت البيروقراطية مفاهيم المنفعة وقيمها وهو ما أدَّى إلى تَناقُص تعصبها ضد أعضاء الجماعة اليهودية والأجانب بسبب نفعهم. لكل هذا، كانت أوديسا نقطة جذب لأعداد كبيرة من يهود روسيا من جميع الطبقات الذين كانوا يرفضون الجيتو واليهودية الحاخامية والذين كانوا يشعرون بالرغبة في الهرب من منطقة الاستيطان. بل استقر في أوديسا مهاجرون يهود من جاليشيا وألمانيا، ليتمتعوا بالحريات التي مُنحت لأعضاء الجماعة اليهودية فيها وبالجو الأممي. ولذا، تزايد عدد اليهود من 10% من كل السكان عام 1795 إلى 20% (12 ألف يهودي) عام 1840 ثم إلى 34.4% (165 ألفا) عشية الحرب العالمية الأولى.

وأصبحت أوديسا مركزاً لثاني أكبر تجمُّع يهودي في الإمبراطورية الروسية بعد وارسو عاصمة بولندا التابعة لروسيا آنذاك. وكان أعضاء الجماعة اليهودية جزءاً عضوياً من اقتصاد المدينة الجديدة، فساهموا في نموها الاقتصادي حتى بلغت نسبة أعضاء الجماعات اليهودية 56% من أصحاب الحوانيت الصغيرة و63% ممن يعملون في الحرف اليدوية وتصدير الحبوب والصيرفة والصناعة الخفيفة. وكان يوجد عدد كبير منهم في المهن الحرة. وفي عام 1910، كان 80% من تجارة تصدير الحبوب يمتلكها أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يمتلكون 50% من تجارة الجملة بشكل عام. كما كان يوجد عدد كبير من العمال اليهود (يشكلون ثلث عدد اليهود) انتشرت بينهم الحركات الثورية. وساد الاندماج واكتساب الصبغة الروسية، وظهرت طبقة من المثقفين اليهود الذين تبنوا مُثُل الحضارة الروسية والذين كان بوسعهم تحقيق درجة كبيرة من الحراك الاجتماعي في جو ثقافي منفتح. وتَدعَّم هذا الاتجاه نحو الانفتاح حينما صدرت قوانين ألكسندر الثاني عام 1860 التي حُرِّر بمقتضاها الأقنان وسُمح لأعضاء الجماعة اليهودية بدخول الجامعات.

وتعاظم نفوذ العناصر الليبرالية الداعية إلى التنوير حتى أصبحت أوديسا أول مدينة يتولى قيادة الجماعة اليهودية فيها دعاة التنوير الذين تعاونوا مع السلطات لضرب المؤسسة الدينية اليهودية وللقيام بعمليتي الترويس والدمج. ففُتح العديد من المدارس اليهودية وكانت لغة التدريس فيها الروسية، كما كانت الموضوعات التي تُدرَس فيها موضوعات علمانية عامة، ولم تشغل الموضوعات اليهودية سوى مرتبة ثانوية. ودخل العديد من الأطفال اليهود المدارس الحكومية الروسية. وإلى جانب هذا، أُسِّست في أوديسا أول مدرسة عبرية على النمط الغربي، وهذا يعكس التناقض الأساسي الكامن في حركة التنوير في روسيا التي كانت تدعو إلى الاندماج في المجتمع ولكنها كانت تدافع في الوقت نفسه عن الأشكال اليهودية التقليدية. وقد بلغ عدد الطلبة اليهود في مدارس أوديسا ثلاثة أضعاف النسبة داخل منطقة الاستيطان. وأُسِّست فيها جمعية نشر الثقافة بين يهود روسيا التي كانت تهدف إلى ترويس أعضاء الجماعة.
واشتهرت أوديسا بتراخي أهلها عن إقامة الطقوس والشعائر وتخليهم عن القيم الدينية اليهودية (بل عدم الاكتراث بها في كثير من الأحيان) حتى كان يُضرَب بها المثل: "إن نار جهنم تشتعل حول أوديسا على مسافة عشرة فراسخ".

وكان مصير أوديسا مثل مصير حركة التنوير في روسيا، فمع تعثُّر التحديث حدث هجوم (بوجروم) على اليهود عام 1817 بسبب صراعهم مع جماعة وظيفية أخرى وهي الجماعة اليونانية. ولم يُحسَم التناقض داخل حركة التنوير في روسيا لصالح الاندماج كما حدث في إنجلترا وفرنسا وألمانيا، ولذا نجد أن بعض شرائح دعاة التنوير من مثقفي الطبقة الوسطى يتبنون الحل الصهيوني، فصدرت في أوديسا نداءات ليلينبلوم وبنسكر بعد أن شهدت نشاطاتهم الاندماجية من قبل. وأصبحت المدينة مركزاً لجماعة أحباء صهيون وجمعية بني موسى التي أنشأها آحاد هعام، وارتبطت بأسماء كثير من الزعامات الصهيونية مثل أوسيشكين وديزنجوف وبياليك وجابوتنسكي. كما صدر فيها عدد كبير من المجلات الأدبية العبرية، فأصبحت المدينة مركزاً للثقافة العبرية ولنشرها. وكانت تُنشر فيها مجلة آحاد هعام هاشيلواح.
وبعد الثورة البلشفية، استمر عدد اليهود في الزيادة إذ بلغ 180 ألفاً عام 1931، ولكن نسبتهم إلى عدد السكان أخذت في الانخفاض فأصبحوا يشكلون 29.8%. ولا يزال يوجد بعض أعضاء الجماعة اليهودية في أوديسا، ولكن أعدادهم آخذة في التناقص.
وهذا يتفق، في واقع الأمر، مع النمط العام لتطور الجماعة اليهودية، فمع تَزايُد التصنيع زاد انتشار أعضاء الجماعة وانتقلت أعداد كبيرة منهم من المناطق السكنية القديمة إلى المناطق الصناعية الجديدة.
الترويس
‏Russification

«الترويس» مصطلح نُحت من لفظة «روسيا» ، وهو على صيغة المصدر من الفعل المنحوت «روَّس» . ويشير هذا المصطلح إلى صبغ الأقليات الدينية والعرْقية والإثنية في الإمبراطورية القيصرية بالصبغة الروسية، وهو جزء من عملية التحديث والتوحيد التي قامت بها الإمبراطورية الروسية والتي حاولت من خلالها فرض سلطة الحكومة المركزية على كل جوانب الحياة الخاصة والعامة للمواطنين بحيث يصبح انتماؤهم لها كاملاً وولاؤهم نحوها غير منقوص. وقد كانت الجماعة اليهودية إحدى هذه الأقليات، فحاولت الحكومة القيصرية أن تشجعهم أو ترغمهم على أن يغيِّروا لغتهم اليديشية ويتحدثوا الروسية أو البولندية أو الألمانية، وأن يستبدلوا بأزيائهم أزياء غربية حديثة ويرسلوا أولادهم إلى مدارس روسية علمانية أو مدارس روسية يهودية مختلطة. وعملية الترويس، في جوهرها، عملية تحديث وعلمنة، وهي تتداخل مع عمليات أخرى مثل «التطبيع» و «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» . وقد نشأت جمعيات مثل جمعية نشر الثقافة الروسية بين اليهود الروس في أوديسا لتشجيع هذا الاتجاه. كما أن تجنيد الشباب اليهودي في الجيش الروسي في سن مبكرة كان من أنجع الوسائل.

ومع هذا، فإن كل هذه المحاولات باءت بالفشل إلى حدٍّ كبير لأن عملية الترويس كانت في جوهرها عملية إعلامية سطحية لم تواكبها تحولات بنيوية في المجتمع تفتح السبل أمام أعضاء الجماعة اليهودية ممن يرغبون في اكتساب الهوية الروسية المطروحة أمامهم. ولكن، بعد الثورة البلشفية، حدثت هذه التحولات البنيوية ومن ثم تصاعدت عملية الترويس. ويُلاحَظ أن هذه العملية، التي بدأت كجزء من مخطَّط فُرض بشكل فوقي، أصبحت حركية تلقائية نابعة من داخل الجماهير اليهودية في روسيا وغير مفروضة عليهم. فانصرافهم عن اللغة اليديشية تعبير عن الرغبة الإنسانية العامة في الحراك الاجتماعي حتى لو كان على حساب الهوية. وقد استمرت هذه العملية إلى أن اختفت اليديشية تقريباً وتروَّس يهود اليديشية، ومن ثم يُشار الآن إلى المهاجرين السوفييت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بأنهم «الروس» وحسب. وعملية الترويس، في مراحلها التلقائية (أي حينما لا تحتاج إلى أي قسر خارجي) لا تختلف عن أمركة أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة أو أيٍّ من مختلف عمليات الدمج الحضاري التي يمر بها أعضاء الأقليات الإثنية والدينية المختلفة.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - روسيا القيصرية حتى اندلاع الثورة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

روسيا من عام 1855 حتى عام 1881
‏Russia, from 1855 to 1881....
تغيَّرت الصورة كثيراً مع اعتلاء ألكسندر الثاني (1855 ـ 1881) العرش إذ تميَّز حكمه بأن حركة التحديث في روسيا خطت خطوات واسعة واتخذت شكلاً ليبرالياً بعد هزيمة روسيا في حرب القرم. فعلى سبيل المثال، تم تحديث النظام القضائي عام 1864 ونظام البلديات عام 1870 وكذلك نظام التجنيد، بل بدأ الحديث عن قيام حكومة دستورية. ولعل أهم القرارات قرار إلغاء نظام الأقنان عام 1861 الذي صدر نزولاً على إرادة النبلاء الإقطاعيين الذين ظهرت بينهم تطلعات نحو الانتقال إلى صفوف البورجوازية الكبيرة سواء من خلال إقامة المزارع الحديثة ورسملة الزراعة أو من خلال التوجه للعمل في المجالات التجارية والصناعية.
ويشكل هذا القرار أخطر منعطف في تاريخ المجتمع الروسي حيث شهدت هذه الفترة زيادة معدلات التصنيع والتحديث بشكل كبير، فمُدت السكك الحديدية وفُتحت أبواب الحراك الاجتماعي أمام الكثيرين، ولكن بدأت أيضاً معالم أزمة النظام القيصري في الظهور. لقد حرَّرت الدولة الروسية الأقنان ولكنها لم توفر لهم أرضاً، وبدأت القرى تقذف الملايين إلى المدن ليعيشوا تحت ظروف اقتصادية أشد وأقسى مما كانت عليه في عهد الإقطاع. ولم تكن هناك أية مؤسسات وسيطة (الأسرة أو الكنيسة) لتحميها وتوفر لها شيئاً من الطمأنينة النفسية (الحقيقية أو الوهمية) . كما أن هؤلاء الملايين كانوا يتقاضون أجوراً منخفضة لم تكن تفي بحاجاتهم بقدر ما كانت تؤدي إلى التراكم الرأسمالي السريع الذي كان يؤدي بدوره إلى تَصاعُد عملية التحديث وازدياد إفقار الجماهير وانتشار الحركات الثورية وزيادة الأوتوقراطية من جانب النظام السياسي، وهي الحلقة المفرغة التي أدَّت في نهاية الأمر إلى الثورة البلشفية.

وقد فُتحت أبواب الحراك الاجتماعي والاقتصادي أمام أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم من القطاعات والأقليات في المجتمع. ورُبطت عملية إعتاق اليهود بمدى تحوُّلهم إلى عنصر نافع وعنصر اقتصادي منتج. ولتشجيع أعضاء الجماعة على تَقبُّل التحديث والترويس، قامت الحكومة بتوسيع نطاق حقوق اليهود النافعين، وخصوصاً حق السكنى في روسيا بأكملها، خارج منطقة الاستيطان بالنسبة للتجار الأثرياء الذين يُعتبَرون تجاراً من الدرجة الأولى (عام 1859) ولخريجي الجامعة (عام 1861) والحرفيين (عام 1865) والجنود اليهود المُسرَّحين (عام 1867) . ومن الأشياء المؤسفة أن العاهرات كن يُعتبَرن نافعات وهو ما شجع كثيراً من الفتيات اليهوديات، داخل منطقة الاستيطان، على امتهان البغاء كوسيلة للحراك الاجتماعي والجغرافي. وصُرح ليهود منطقة الاستيطان بالسكنى في بولندا عام 1868. وفي عام 1879، أصبح لكل من يعمل بمهنة الطب حق السكنى في أي مكان. ووُسع نطاق منطقة الاستيطان نفسها فأُبطل العمل بالقانون الذي يحظر على أعضاء الجماعة اليهودية السكنى في المنطقة الممتدة خمسين فرسخاً داخل الحدود.
وفي عام 1856، أُلغيت القوانين الخاصة بتجنيد أعضاء الجماعة اليهودية والعقوبات الخاصة التي كانت تُوقَّع عليهم، وتمت مساواتهم ببقية الشعب الروسي. وفي عام 1874، اعتُمد نظام التجنيد الإجباري العام لمدة أربع سنوات ولم يَعُد مقصوراً على الفقراء، وانضم آلاف الشباب اليهودي إلى الجيش ومُنحوا حقوقاً ومزايا عديدة، كما خُفِّضت مدة خدمة المجندين الذين أنهوا دراستهم من أربع سنوات إلى سنة واحدة.

وفي حقل التعليم، بعد فشل تجربة أوفاروف، أُغلقت المدارس اليهودية الحكومية عام 1873 ماعدا مائة مدرسة، وفُتحت المدارس الحكومية المعادية أمام أعضاء الجماعة اليهودية واعتبرت هذه الطريقة الأسلوب الأمثل لعملية الترويس. وأخذ عدد اليهود الذين التحقوا بهذه المدارس في التزايد. كما فتحت الجامعات أبوابها لهم، فزاد عدد الطلبة اليهود في الجامعات بين عامي 1853 و1872 من 1.25% من مجموع الطلبة إلى 13.2%.
وظهر فكر حركة التنوير الذي كان من أقطابه ليفنسون ومابو ويهودا ليب جوردون. وكانوا في البداية معارضين لليديشية على النمط الألماني، لكن بعضهم تبناها كلغة قومية لا كلغة دينية. وظهر أدب يديشي من أعلامه منديل موخير سفاريم وغيره. وظهرت مطبوعات يهودية بالعبرية واليديشية والروسية. وتركت الثقافة اليهودية الروسية العلمانية الجديدة أعمق الأثر في أعضاء الجماعة اليهودية، حتى وصل ذلك الأثر إلى المدارس الدينية نفسها.

ونشأ إحساس عام لدى يهود روسيا بأن الحكومة تأخذ مسألة الدمج بشكل جدي ومعقول، فاشتركوا في الحياة الروسية العامة، وظهر من بينهم عازفون موسيقيون، كما نشأت طبقة من التجار الأثرياء والمثقفين الداعين إلى الدمج والترويس. وقد أسَّسوا جمعية نشر الثقافة الروسية بين يهود روسيا عام 1863. وقام كبار المموِّلين اليهود ببناء الطرق والقلاع والسكك الحديدية وبتزويد الجيش بالتموين والغذاء، وامتلكوا المناجم وصناعات الطعام والنسيج وتصدير الأخشاب، وساهموا في تأسيس شبكة المصارف الجديدة في روسيا. وكانت هذه الطبقة تتركز في سانت بطرسبرج وموسكو وأوديسا ووارسو. وكان من أقطابها أسرتا جونزبرج وبولياكوف اللتان اعتبرتا نفسيهما قيادة الجماعة اليهودية. وارتبطت هذه الطبقة بالمثقفين اليهود الروس من المشتغلين بالمهن الحرة ومحرري الصحف والعلماء والكتاب. وكانت ثقافة هذه الطبقة والشرائح المحيطة بها روسية تماماً. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من الشباب اليهودي بدأوا في هذه المرحلة يعملون ضباطاً في الجيش الروسي.
وساهمت هذه الجيوب الحديثة في عملية تحديث بقية يهود روسيا، إذ كانوا يرفضون الحديث باليديشية كما كانوا يتعاونون مع الحكومة في عملية التحديث، ويساهمون في نشر الثقافة الروسية بين اليهود. ولكنهم، مع هذا، ونظراً لوضعهم الطبقي المتميِّز، كانوا منعزلين عن بقية الجماهير اليهودية التي كانت تدفع وحدها ثمن التحديث بينما كانوا يجنون هم ثمراته.

ومما ساعد على ازدهار أعضاء الجماعة اليهودية داخل منطقة الاستيطان أن هذه المنطقة لم تشهد أية حروب في الفترة 1812 ـ 1914، كما أن وجود يهود روسيا داخل إمبراطورية واحدة سهَّل الحركة بين الجماعات المختلفة وأكد تَماسُك الجماعة اليهودية. وقد تزايد عدد يهود روسيا بسرعة تفوق معدل زيادة السكان، ففي عام 1825 بلغ عددهم 1.600.000 أي 3% من مجموع سكان الإمبراطورية و12% من سكان المناطق التي تواجدوا فيها. وفي عام 1850، بلغ عددهم 2.350.000. وبلغ عددهم عام 1880 أربعة ملايين، أي أن عددهم زاد بنحو 150% خلال 50 عاماً تقريباً. ومع هذا تعثَّر التحديث في روسيا وبدلاً من دمج أعضاء الجماعة اليهودية تحوَّلت روسيا القيصرية إلى قوة طاردة لهم في الوقت الذي كانت أعدادهم آخذة في التزايد.
وكانت استجابة يهود روسيا لتعثُّر التحديث هي الهجرة التي كانت حتى عام 1870 هجرة داخلية من ليتوانيا وروسيا البيضاء إلى جنوب روسيا (روسيا الجديدة) . فحتى عام 1847، كان 2.5% من يهود روسيا يعيشون في هذه المنطقة. ومع حلول عام 1897، كانت نسبتهم تصل إلى 13.5%. ولكن نمط الهجرة اختلف بعد عام 1880 إذ اتجهت كليةً إلى خارج شرق أوربا. فهاجر 2.750.000 يهودي تركوا شرق أوربا خلال 1881 ـ 1914 (نحو مليونين من روسيا وحدها) بينما كان عدد يهود العالم عشرة ملايين، وهو ما يعني أن ربع يهود العالم كانوا في حالة هجرة. وظهرت حركة حزب البوند الثورية الذي كان يُعَد أكبر تنظيم ثوري اشتراكي في أوربا، كما ظهرت الحركة الصهيونية، وهما تعبيران مختلفان عن تعثُّر التحديث.

ولعل أكبر دليل على تعثُّر محاولات الدمج والتحديث أن الهرم الوظيفي لأعضاء الجماعة، رغم تصاعد معدلات التحديث الاقتصادي، كان لا يزال بلا تغيير كبير إذ كان 38% من أعضاء الجماعة يعملون بالتجارة و35% يعملون بالحرف اليهودية والصناعات المرتبطة بها و3% فقط يعملون بالزراعة. ولذلك، كانت عملية اغتيال القيصر (ألكسندر الثاني) عام 1881 على يد مجموعة من الشباب الروسي الثوري، من بينهم فتاة يهودية ملحدة، تعبيراً عن المشاكل البنيوية العميقة التي يواجهها المجتمع الروسي، وخصوصاً مشكلة التناقض بين البنية الاقتصادية المتطورة والأشكال السياسية والاجتماعية المتكلسة. فشُكِّلت لجنة لإعادة النظر في المسألة اليهودية أعلنت فشل سياسة التسامح، أي فشل عملية التحديث القيصرية، وأصدرت قوانين مايو التي طُرد اليهود بموجبها من موسكو عام 1891 وحُدِّدت نسبتهم في المدارس الثانوية. وأدَّت هذه القوانين إلى طرح المسألة اليهودية على العالم الغربي بأسره إذ بدا أن روسيا بدأت تُصدِّر فائضها اليهودي إلى الجميع.
تعثر التحديث في روسيا القيصرية
‏Setbacks of Modernization in Tsarist Russia
لم يُقدَّر لمحاولات دمج أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا النجاح لأسباب عدة، من أهمها ما يلي:
1 ـ خلق الانفجار السكاني بين أعضاء الجماعات اليهودية فائضاً بشرياً ضخماً لم يكن من الممكن توفير الفرص الكافية للعمل والتعليم له. كما أن الانفجار السكاني كان يخلق تجمعات يهودية مركزة يتعامل من خلالها أعضاء الجماعة مع بعضهم البعض دون حاجة إلى العالم الخارجي، الأمر الذي كان يُبطئ عملية الاندماج ويعوقها.

2 ـ كما يُلاحَظ أن عملية التحديث نفسها كانت لها جوانب سلبية عديدة. فحظر الاتجار في الخمور على أعضاء الجماعة اليهودية كان يهدف إلى تقليل الاحتكاك بين اليهود والفلاحين، ولكن مع هذا حُرم آلاف اليهود من مصادر الدخل الوحيدة المتاحة لهم، فكان منهم مقطرو الخمور وموزعوها وتجارها. كما أن إنشاء السكك الحديدية التي مولها كبار الرأسماليين اليهود كما تَقدَّم، قضى على مصادر الدخل الأساسية لآلاف اليهود الذين كانوا يعملون في صناعة وتجارة العربات التي تجرها الخيول.
3 ـ ومما عقَّد الأمور أن عملية إعتاق أعضاء الجماعة اليهودية تزامنت مع إعتاق الأقنان، الأمر الذي جعل رقعة الأرض المتاحة للزراعة ضيقة جداً، وخصوصاً أن التاجر أو المرابي اليهودي لم يكن من السهل تحويله إلى مزارع. وأدَّى إعتاق الأقنان أيضاً إلى وجود عمالة رخيصة في السوق، الأمر الذي أدَّى بالتالي إلى طرد اليهود من كثير من وظائفهم التقليدية وإلى انحدارهم إلى مستوى الطبقة العاملة وتحوُّلهم إلى عمال، هذا مع ملاحظة أن المستوى المعيشي لغالبية أعضاء الجماعة اليهودية، حتى في أكثر أيامهم فاقة وفقراً، كان أعلى بكثير من مستوى القن الروسي أو القن البولندي.
4 ـ وكلما ازدادت معدلات التحديث، ازدادت صعوبة التكيف مع الاقتصاد الجديد، الأمر الذي كان يزيد عدد ضحايا التقدم، ففي مرحلة ما قبل 1880 خفَّف آلام الانتقال إلى النمط الرأسمالي في الإنتاج أن هذا النمط احتفظ في مراحله الأولى بأشكال إنتاج بسيطة وهو ما أتاح لعدد من أعضاء الجماعة اليهودية أن يجدوا مجالاً رحباً للعمل (في المدن الصناعية) في التجارة الجديدة وللعمل في الحرف.

غير أن النمو الرأسمالي لم يتوقف عند هذه المرحلة، فقد اتسعت رقعة الصناعة لتشمل الصناعة الخفيفة أيضاً، فكان ذلك بمنزلة ضربات قاضية دمرت الاقتصاد الإقطاعي ودمرت معه الفروع الرأسمالية الحرفية حيث كان اليهود يتركزون بنسبة مرتفعة. وهكذا تشابكت عملية تحويل التاجر اليهودي لمرحلة ما قبل الرأسمالية إلى عامل حرفي أو تاجر رأسمالي مع عملية أخرى هي القضاء على عمل اليهودي الحرفي نفسه. وحينما كان اليهودي يتحول إلى عامل، فإنه كان يواجه منافسة الفلاحين الروس المُقتلَعين الذين كانوا يقنعون بأجور منخفضة بسبب أسلوب حياتهم البسيط.

ومما زاد الأمور تشابكاً وتعقداً أن الحرفي اليهودي (كما يبيِّن أبراهام ليون) كان يعمل فيما يمكن تسميته «الحرف اليهودية» التي وُلدت بالشتتل. فالحرفي اليهودي لم يكن يعمل من أجل الفلاحين المنتجين بل كان يعمل من أجل التجار والصيارفة والوسطاء. ولذلك، نجد أن إنتاج السلع الاستهلاكية هو الشاغل الرئيسي للحرفي اليهودي لكون زبائنه يتألفون من رجال متخصصين في تجارة الأموال والبضائع، أي غير المنتجين أساساً. أما الحرفي غير اليهودي، فإن ارتباطه بالاقتصاد الزراعي جعله لا ينتج سلعاً استهلاكية لأن الفلاح كان يكفي نفسه بنفسه. وهكذا، إلى جانب الفلاح، كان هناك الحرفي غير اليهودي (الحداد مثلاً) ، وإلى جانب رجل المال اليهودي كان هناك الحرفي اليهودي (الترزي مثلاً) . وقد ساعد على تطوُّر الحرفي غير اليهودي ارتباطه بالتاجر المسيحي الذي كان يوظف أمواله في حرف متخصصة غير مرتبطة بالنظام الإقطاعي مثل نسج الأصواف، وهي حرف كان الغرض منها الإنتاج للتصدير لا الاستهلاك المباشر، أي أنها حرف تقع خارج نطاق النظام الإقطاعي وتمثل نواة الاقتصاد الجديد، وبالتالي فإنها لم تسقط مع الاقتصاد القديم. وانعكس هذا الوضع على أعضاء الطبقة العاملة من اليهود، فالحرف الأقل قابلية للتطور إلى صناعة كانت محصورة في أيدي الحرفيين اليهود، بينما انحصرت المهن الأكثر قابلية لهذا التطور في أيدي الحرفيين غير اليهود.
5 ـ وقويت شوكة الطبقة الوسطى الروسية، وخصوصاً بعد تَدفُّق رؤوس الأموال الأوربية الغربية على روسيا، بحيث فُتحت آفاق جديدة أمامها وأصبحت قوة اقتصادية لها وزنها يمكنها التفاهم مع البيروقراطية الحكومية (الروسية الأرثوذكسية) التي كانت تحابيها وتعطيها الأولوية والأفضلية. وتسبب كل هذا في إضعاف المموّلين اليهود وأعاق عملية تحوُّل كثير من أعضاء الجماعة اليهودية إلى أعضاء في الطبقة الوسطى الروسية.

6 ـ أدَّى القضاء على ثورة بولندا عام 1863 إلى حرمان آلاف اليهود ممن كانوا يعملون في نظام الأرندا وكلاء للنبلاء البولندين (شلاختا) من وظائفهم.
7 ـ وفي الحالات القليلة التي كان بعض أعضاء الجماعة يحققون فيها مكانة مرموقة أو حراكاً اجتماعياً، كانوا يصبحون محط الحقد الطبقي في وقت كانت الضائقة الاجتماعية آخذة في التزايد. ومن هنا، كان اتهام اليهود بالسيطرة الاقتصادية واستغلال غير اليهود، ومن هنا أيضاً ارتسمت صورة اليهودي كرأسمالي جشع.
8 ـ ومن قبيل المفارقات أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة اليهودية سقط ضحية التقدم وتحولوا إلى أعضاء في الطبقة العاملة الحضرية التي فقدت جذورها الثقافية ونمط حياتها وانتماءها الديني ومصدر حياتها. وقد وصل الفقر إلى درجة أن ثلث يهود روسيا عاشوا على معونات المنظمات اليهودية الغربية. وكل هذا يعني أن الجماهير الفقيرة لم تكن مستفيدة تماماً من عمليات التحديث ولم تكن ترى فيه حلاًّ لمشاكلها الحضارية. ولذا، التفت قطاعات كبيرة منهم، وخصوصاً صغار التجار، حول القيادات الحسيدية التي منحتها شيئاً من الطمأنينة في عالم لم تكن تفهمه البتة.
9 ـ ولكن، بالنسبة للعمال اليهود الروس والمثقفين العلمانيين، أدَّى تردِّي وضعهم إلى انخراطهم بمعدلات كبيرة في صفوف الحركات الثورية، وخصوصاً أن مستواهم الثقافي كان، كما تَقدَّم، أعلى من مستوى الأقنان. ففي عام 1899، كانت نسبة اليهود في الحركات الثورية تبلغ 24.8% في وقت كانت نسبتهم إلى عدد السكان 4.1%.

10 ـ ويمكن أن نضيف بعض العناصر الثقافية التي أدَّت إلى فشل عملية التحديث، من بينها أنها كانت تتم رغم أنف اليهود. وقد بدأت هذه العملية بقضها وقضيضها من داخل المجتمع الروسي لا من داخل الجماعة اليهودية التي ظلت رافضة إياها. ولاقت هذه العملية مقاومة شديدة من جانب الجماهير اليهودية المتخلفة التي رفضت إرسال أطفالها إلى المدارس الروسية العلمانية، وخصوصاً أن عملية التحديث كانت كما تَقدَّم تضيرها اقتصادياً في كثير من الأحوال وتحولها إلى طبقة عاملة حضرية مفتقدة للمعنى الذي كانت تجده في وجودها التقليدي.

11 ـ قامت الدولة الروسية الاستبدادية الملتصقة بالكنيسة الأرثوذكسية المتعصبة بالإشراف على عملية التحديث. وقام بتنفيذ هذه العملية بيروقراطية روسية ضيقة الأفق مرتشية تفتقر إلى خبرة كبيرة باليهود وبأمورهم، ذلك أن إمبراطورية القياصرة كانت تحظر على اليهود دخولها. وكانت عملية التحديث تتم داخل إطار فكرة القومية السلافية الروسية التي كانت تَصدُر عن منطلقات عضوية ضيقة تفترض أن ثمة تفاوتاً بين الناس وأن السلافية (أو الروسية) خاصية لا يكتسبها المرء وإنما يولد بها على نقيض فكرة القومية الليبرالية في بلاد غرب أوربا. وكانت عملية التحديث تتم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي شهد انتكاسة الفكر الليبرالي في أوربا بشكل عام وظهور الفكر السياسي الرجعي بشكله الرومانسي. ونجم عن ذلك تَصاعُد ظاهرة معاداة اليهود الذين أصبحوا بؤرةً تصب فيها أحقاد ضحايا التحديث: الرأسماليين الروس الذين كانوا يخافون منافسة الرأسماليين اليهود، والطبقة العاملة الروسية التي كان يرى أعضاؤها الرأسمالية اليهودية واقفة ضدهم. أما اليهود من أعضاء الطبقة العاملة، فوجدوا أنفسهم في عزلة. وكان أعضاء النخبة الروسية ينقسمون إلى ثوريين روس يرون الانعزالية اليهودية شكلاً من أشكال الرجعية المعادية للثورة، ومثقفين روس (من بينهم دوستويفسكي) يرون اليهودي رمزاً لاقتحام الغرب والأفكار الغربية لأمهم روسيا السلافية. ووجد يهود روسيا أنفسهم في مواجهة كنيسة أرثوذكسية تخشى العلمانية التي كان اليهود أهم دعاتها كما تخشاهم باعتبارهم أعداء المسيح، وفي مواجهة حكومة روسية رجعية وجدت أن الثوريين الروس يضمون، في كل مكان، أعداداً متزايدة من اليهود. وظهرت كتابات معادية لليهود، من أهمها كتاب جيكوب برفمان (وهو يهودي متنصر) اسمه كتاب القهال عام 1869، كما ظهرت فكرة الحكومة اليهودية العالمية التي تتآمر على الجنس البشري ومنشورات أخرى عن التلمود وتهمة

الدم، وهي أفكار ظلت على السطح دون تأثير قوي. ومع هذا، بدأت هذه الأفكار تؤثر في تفكير البيروقراطيين ثم أخذت شكل مذبحة ضد اليهود في أوديسا عام 1871.ووُجهت تهمة دم عام 1878 ولكن المتهم بُرِّئ بعد محاكمته.
ويجب أن نبين أن الجماعة اليهودية لم تكن وحدها المُستهدَفة وإنما كانت عنصراً واحداً في بانوراما اجتماعية اقتصادية، فقد بدأ المناخ العام في روسيا يتغيَّر. ومع تَصاعُد وتيرة التحديث وتعثُّره، زاد ضحايا التقدم وزادت كذلك الهجمات على الغرباء كافة من أعضاء الأقليات سواء من الأرمن أو المسلمين أو اليهود أو حتى من المسيحيين من غير الأرثوذكس أو الأوكرانيين. لكن التحولات الاقتصادية كانت ذات طابع بنيوي عميق ولم يواكبها أي تحديث في الأشكال السياسية للمجتمع. ومن الواضح أن المجتمع الروسي كان قد وصل، مع نهاية السبعينيات، إلى طريق مسدود لم يكن من الممكن تجاوزه، كما لم يكن من الممكن استئناف التحديث إلا عن طريق ثورة اجتماعية.
ألكسندر الثاني (1855-1881)
‏Alexander II
قيصر روسيا بدأ حكمه بمحاولة التوصل إلى طرق ليبرالية لدمج اليهود. وبالفعل، شهد عهده ظهور حركة التنوير بين يهود روسيا وتَزايُد معدلات العلمنة والاندماج بينهم. ولكن، بدأت تتضح في نهاية عصره أزمة النظام القيصري، كما ظهرت الاستجابات اليهودية المختلفة لأزمة اليهودية واليهود، وبدأت أعداد متزايدة من الشباب اليهودي تنخرط في الحركات الثورية. وقامت جماعة إرهابية شعبوية، بينها فتاة يهودية ملحدة، باغتياله.
روسيا من عام 1881 حتى الثورة البلشفية (1917)
‏Russia, from 1881 to the Bolshevik Revolution (1917)

اتسمت عملية التحديث في روسيا القيصرية بالتنافر الشديد بين الأشكال السياسية الاستبدادية السائدة في المجتمع ومعدلات التنمية الاقتصادية السريعة التي كانت تتزايد وتدفع بالملايين من القرى إلى السوق، تاركين أنماط حياتهم التقليدية حيث يتحولون من أقنان وفلاحين وحرفيين صغار إلى عمال أجراء، مع ما يتبع ذلك من آلام وضياع ثم إحساس بالفردية ورغبة في المشاركة في السلطة. ولم تقدم الحكومة القيصرية أية صيغ عقائدية تساهم في تقليل آلام الانتقال أو في توسيع نطاق المشاركة في تسيير دفة الحكم. بل إنه مع اعتلاء ألكسندر الثالث الحكم (1881 ـ 1894) ، ازداد التشدد والأوتوقراطية، وخصوصاً تحت تأثير بُوبيدونستسيف الذي كان يرفض المثل الديموقراطية تماماً. وقد تلقى القيصر نفسه تعليماً دينياً تقليدياً، كما ظهر عديد من المفكرين الرجعيين (مثل كاتكوف وليونتييف) الذين طالبوا بضرورة وضع حدود صارمة على الشعب الروسي وضرورة الحد من حرياته من جديد. فقد نمت روسيا وتطورت ـ في رأيهم ـ مع نمو التفاوت بين الطبقات في المجتمع الروسي، ومع تأسيس نظام الأقنان وتَطوُّر الوظائف التي تُشغَل بالوراثة. وسيطرت تلك الروح الرجعية على جميع مجالات الحياة في روسيا ووصل أثرها إلى حياة الفئات والطبقات والجماعات كافة، فأُعيدت التشريعات التي تحدد التعليم على أساس طبقي، وأصبح من العسير على أبناء الطبقات الفقيرة أن يلتحقوا بالمدارس. وفي منشور صادر من وزارة التربية معروف باسم «منشور أبناء الطباخين» ، جاء أن من الواجب عدم قبول «أبناء قائدي العربات والخدم والطباخين وأصحاب الحوانيت الصغيرة والغسالات ومن شابههم» . كما زيدت مصاريف الجامعات حتى تقلل فرص الالتحاق بها أمام الفقراء. وأُلغي الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية، فعُيِّن في العادة بدلاً من القضاة في الريف رؤساء قرويون من طبقة النبلاء يقومون بإصدار الأحكام وتنفيذها. وتم تقييد حرية الصحافة

تماماً، وطورد أعضاء الجماعات المسيحية التي لا تدين بالأرثوذكسية. وفي كثير من الأحيان، كانوا يُمنعون تماماً من إقامة شعائرهم بل كان يتم خطف أطفالهم منهم. وتجلت السياسة القومية الرجعية أيضاً في القيود الشديدة التي فُرضت على مختلف الجماعات غير الروسية (السلافية وغير السلافية) الموجودة على الحدود، مثل البولنديين، إذ فُرض عليهم برنامج قاس للترويس. وانتهى عصر القيصر ألكسندر الثالث بمجاعة وقعت عام 1891 زادت بؤس الجماهير.

ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية سوى أحد القطاعات البشرية المنكوبة التي وقعت ضحية عملية القمع الرجعية هذه. فقد بدأ عهد ألكسندر الثالث بسلسلة من الهجمات على كثير من مراكز اليهود السكانية استمرت نحو ثلاثة أعوام وتأثر بها نحو 60 ألف يهودي. وقد وقعت الهجمات بعد أن قامت بعض الصحف الروسية الرسمية بشحن الجو ضدهم باعتبارهم مستغلي الفلاحين. وتشكلت لجنة للتحقيق في الحوادث توصلت إلى أن نشاط اليهود الاقتصادي هو السبب في هذه الهجمات (ولكن اللجنة، مع هذا، لاحظت أن سلوك الشرطة والجيش لم يكن فوق الشبهات) . ثم شُكِّلت لجنة أخرى لإعادة النظر في المسألة اليهودية طرحت اقتراحات لا تختلف كثيراً عن اقتراحات وتوصيات اللجان السابقة. وبناء عليه، أصدر وزير الداخلية الكونت إجناتييف قوانين مايو المؤقتة عام 1882 باعتبارها إجراءات استثنائية تنطبق على منطقة الاستيطان وتهدف إلى حماية المواطنين الروس من اليهود باعتبارهم عنصراً أجنبياً غريباً. ولكن، ظهرت صعوبات كثيرة عند تطبيق هذه القوانين، فشُكِّلت لجنة أخرى عام 1883 لمناقشتها واستمرت اللجنة الجديدة في اجتماعاتها خمسة أعوام وأوصت عام 1888 بضرورة رفع القيود عن اليهود وإعتاقهم. ولكن البيروقراطية تجاهلت تلك التوصيات وقامت بطرد اليهود من موسكو عام 1891 وتحديد عددهم في المدارس، وهو ما أدَّى إلى سفر أعداد متزايدة من الشباب اليهودي إلى الخارج حيث تم تسييسهم وتثويرهم. ولم يتغيَّر الوضع كثيراً في حكم نيقولا الثاني (1894 ـ 1918) آخر قياصرة آل رومانوف. وقد شهدت المرحلة تصاعداً في تطور الصناعة الرأسمالية والتصنيع لم يواكبها تحديث في النظام، فشهد عام 1893 تصاعداً في تطور الصناعة الرأسمالية بقدر لم يسبق له نظير، وتضاعف عدد أعضاء الطبقة العاملة. وقد زاد إنتاج الفولاذ والبترول ثلاثة أضعاف، وزاد طول السكك الحديدية من 28 ألفاً إلى 49 ألف فرسخ. ورغم السياسة التي اتبعتها الحكومة

التي تهدف إلى تقليل فرص التعليم أمام الفقراء، زاد عدد الطلبة في المدارس وقلت نسبة الأمية. ففي بلد كانت الأمية فيه كاملة تقريباً في بداية القرن، وصل عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة عام 1897 إلى 27.8%. وزاد حجم الطبقة العاملة، فكانت الألوف تهجر القرى وتنضم إلى الطبقة العاملة الحضرية.
وكرد فعل لهذه التغيرات، زادت النزعات القومية السلافية الروسية وزاد قمع الأقليات والشعوب التابعة، وخصوصاً غير السلافية، فتم قمع الأوكرانيين والبولنديين والمسلمين في الإمارات الإسلامية، وكذلك تم قمع أعضاء الجماعة اليهودية. ومن أشهر الأحداث التي شهدتها الفترة حادث يوم الأحد الأسود في 9 يناير 1905 حين قام مائتا ألف عامل من الرجال والنساء والأطفال يقودهم الأب جابون بالسير إلى قصر الشتاء ليقدموا شكواهم لأبيهم القيصر. وبدلاً من أن يقابلهم القيصر، انهالت عليهم رصاصات الحرس القيصري فحصدت نحو سبعين منهم وجرحت ما يزيد على الألف.
واستمر الفوران، فشهد أكتوبر 1905 إضراباً عاماً شل الحياة تماماً. واضطر القيصر إلى أن يمنح الشعب الحريات البرلمانية بعد هزيمة القوات الروسية أمام اليابان، ولكنه ظل يماطل ويُعدِّل القوانين إلى أن تم تعديلها بشكل جعلها تفقد كثيراً من فعاليتها. وظهرت جماعات إرهابية مثل جماعات المائة السود التي اغتالت زعماء المعارضة وهاجمت تجمعات اليهود.
وبلغ النظام القيصري نهايته مع ظهور راسبوتين (1872 - 1916) وسيطرته على زوجة القيصر ثم على القيصر نفسه بحلول عام 1905. وكان راسبوتين، كما يقول سكرتيره اليهودي آرون سيمانوفيتش، شخصية كاريزمية جاء من صفوف الفلاحين وكان يتلذذ بإذلال أعضاء الطبقة الأرستقراطية، وخصوصاً النساء، ولا يعيِّن منهم إلا من يروقه أو من يدفع له الثمن. وقد اغتيل راسبوتين عام 1916، بعد أن كان قد هزَّ النخبة الحاكمة القيصرية من جذورها وبعد أن كان قد تم تصفية عناصر كثيرة منها.

وقد كان يهود روسيا جزءاً من هذه العملية الانقلابية، فوقعت مذبحة كيشينيف عام 1903 (ويُقال إنها تمت بتحريض من وزير الداخلية فون بليفيه، وهو أمر غير مستبعد تماماً، فقد كانت الحكومة القيصرية تلجأ إلى مثل هذه الأساليب في قمع معارضيها) . وكانت مذبحة كيشينيف هذه جزءاً من سلسلة من الهجمات دُبرت ضد أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم، كما وُجِّهت تهمة الدم الشهيرة إلى بيليس عام 1911، ولكن العناصر الليبرالية دافعت عنه وتمت تبرئته تماماً.
وحينما عُقدت الانتخابات عام 1907، اختير اثنا عشر مندوباً من اليهود في الدوما (البرلمان) ، كما كان هناك عدد كبير من النواب الليبراليين الذين دافعوا عن حقوق اليهود، ولكن التشكيل السياسي نفسه كان محافظاً، وكانت أكبر الكتل السياسية داخل الدوما (اتحاد الشعب الروسي) معادية لليهود. ولذا، فحينما طُرح اقتراح بشأن إلغاء منطقة الاستيطان، أُجِّل بحثه ثم حُلَّ الدوما نفسه في العام نفسه، وعُدِّلت القوانين الانتخابية ذاتها بحيث تم القضاء تماماً على العناصر الليبرالية في الدوما.

وكان التركيب الوظيفي ليهود روسيا في نهاية القرن الماضي (حسب إحصاء 1897) كما يلي: 31.6% يشتغلون بالتجارة، 37.9% يشتغلون بالحرف والصناعات اليدوية نصفهم يعمل بالخياطة، و6.61% يشتغلون كخدم منازل وعمال يومية، و5% في المهن الحرة والإدارة، و3.2% في النقل، الأمر الذي يعني أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية العاملين في التجارة كان لا يزال مرتفعاً. وقد سيطر التجار اليهود على تجارة الحبوب داخل منطقة الاستيطان، كما سيطروا على تجارة السكر والفرو والجلود والماشية ومختلف المنتوجات الزراعية. وارتفع بعض التجار من يهود روسيا إلى مصاف كبار الرأسماليين وأصبحوا من أصحاب المصارف والوكالات العامة. وانخرط بعض هؤلاء التجار في المشاريع الصناعية، غير أن هذه المشاريع اتصفت بالطابع الاستهلاكي، كالنسيج والتبغ ودبغ الجلود والصابون والمطاحن وأعمال التقطير، وكلها من بقايا نظام الأرندا البولندي، وكانت هذه المشاريع الصناعية أصغر بشكل عام من حجم مثيلاتها الروسية حيث كان المموِّل اليهودي يميل إلى توزيع رأسماله بين عدة مشاريع مختلفة بدلاً من حصرها في مشروع واحد. وقد امتلك الرأسماليون من يهود روسيا نحو نصف مجموع المشاريع الصناعية داخل منطقة الاستيطان. وكثيراً ما كان العمال اليهود ينظمون الإضرابات ضدهم كما كانوا في كثير من الأحيان يفضلون العمال غير اليهود بسبب رخصهم وبسبب عدم وجود ضغوط اجتماعية عليهم من قبل الجماعة اليهودية.
ومن الملاحَظ أن تركُّز اليهود في مهن مثل التجارة والصناعة يعني أنهم كانوا متركزين تماماً في المدن. والواقع أن نحو 80% من جملة اليهود كانوا يقطنون المدن، ولم يكن يشتغل منهم سوى 1.07% في الزراعة، وكان هناك نحو 5.49% بدون وظيفة محددة.

واستمر تَزايُد أعضاء الجماعة اليهودية فبلغ عددهم 6.946.000 أي 4.07% من مجموع سكان روسيا، وتزايد في هذه الفترة عدد العمال اليهود حتى أصبح 600 ألف. ولكن لم يكن يعمل منهم في المصانع سوى 70 ألفاً، و300 ألف عامل حرفي يدوي، و100 ألف بائع، أما الباقون فكانوا عمال يومية، ومن هنا تَضارُب الإحصاءات إذ تذكر المصادر الأخرى أن عدد العمال لم يكن يزيد على 300 ألف. ومن الواضح أن هذا الإحصاء الأخير استبعد الباعة وعمال اليومية وكثيراً من الحرفيين.
وقد تركت كل هذه التحولات أعمق الأثر في أعضاء الجماعة اليهودية واستجابوا لها استجابات متباينة بحسب وضعهم الطبقي أو مدى استفادتهم من عملية التحديث أو مدى تركُّزهم في المدن أو خارجها. وكانت الاستجابة الثورية أولى الاستجابات إذ انخرط الشباب اليهودي في صفوف الحركات الثورية بنسبة تفوق كثيراً نسبتهم إلى عدد السكان.
ويُلاحَظ أن الشباب اليهودي في روسيا كان من أكثر العناصر ثورية لأن ثقافته التقليدية (الدينية واليديشية) قُضي عليها إلى حدٍّ كبير. كما أنه اقتُلع من بيئته التقليدية وأُلقي به إلى عالم حديث رموزه القومية مسيحية، الأمر الذي زاد غربته وحداثته، على عكس الشباب الروسي الذي كان يجد شيئاً من الخصوصية ويمارس نوعاً من التجذر من خلال القومية السلافية ذات البعد الأرثوذكسي القوي. ورغم أن الشباب من أعضاء الجماعة اليهودية كان قد فقد جذوره الثقافية، فإنه لم يكن قد استقر بعد في التقاليد الثقافية الروسية. ومما زاد نسبة الثوريين في صفوف اليهود تَزايُد معدلات التحديث الذي حوَّل صغار التجار والحرفيين، الذين كانوا يتمتعون بمستوى ثقافي لا بأس به، إلى بروليتاريا صناعية حضرية تشعر بتدنيها في السلم الاجتماعي وتمارس إحساساً بالاضطهاد الواقع عليها وحولها إلى تربة خصبة للأفكار الثورية.

أما الاستجابة الثانية، فهي الهجرة. وقد شهدت هذه المرحلة هجرةً على نطاق واسع لم يشهد أعضاء الجماعات اليهودية مثلها من قبل في تجاربهم التاريخية المختلفة. وقد ترك روسيا، في الفترة من 1881 إلى 1914، نحو مليوني يهودي (2.750.000 من كل شرق أوربا) . ونتج عن ذلك تَحسن نسبي في مستوى المعيشة، لأن المهاجرين كانوا يرسلون إلى أقاربهم وأسرهم معونات مالية، كما أن ذلك حلَّ مشكلة الانفجار السكاني حلاًّ مؤقتاً. وقامت مؤسسات يهودية خيرية في الغرب بالمساهمة في تسهيل عملية الهجرة. فعرض البارون دي هيرش نقل ثلاثة ملايين يهودي إلى الأرجنتين على أن تقوم بذلك جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) . ومع هذا، فإن تَزايُد عدد يهود روسيا كان يحيِّد الآثار الإيجابية لهذا العنصر. وبلغ عدد اليهود الناطقين باليديشية (وفق إحصاء 1897) نحو 5.054.300، وكان معظم يهود روسيا (4.899.427) مركزاً في منطقة الاستيطان بما يشكل 11.6% من سكانها. ويُلاحَظ كذلك وجود 161.500 من يهود الجبال ويهود جورجيا وغيرهم من يهود القوميات غير الناطقة باليديشية.
أما الاستجابة الثالثة، فهي ظهور الصهيونية بين اليهود بشقيها الشرقي (الاستيطاني) والغربي (التوطيني) . ففي شرق أوربا، أدَّى تَوقُف الحراك الاجتماعي في بعض قطاعات البورجوازية الصغيرة المتعلمة وفي غيرها من القطاعات اليهودية إلى إحساسها بالإحباط وبعبث محاولة تحقيق نفسها إثنياً وطبقياً من داخل التشكيل السياسي الروسي، فبدأت هذ القطاعات في التفكير في أشكال أخرى مثل الهجرة إلى الولايات المتحدة (وهو النمط السائد) أو الاستيطان الصهيوني. وأدَّت الهجرة اليهودية المكثفة إلى غرب أوربا والولايات المتحدة إلى فزع قطاعات كبيرة من يهود الغرب، فتبنوا الحل الصهيوني (التوطيني) كوسيلة لتحويل سُبل الهجرة عن بلادهم.

ومن أهم الاستجابات الأخرى، ظهور اتجاه قومية الدياسبورا (أو قوميات الأقليات اليهودية أو القومية اليديشية) التي كان سيمون دبنوف أهم مفكريها. وقد تبنَّى حزب البوند، الذي ظهر في هذه المرحلة، هذا الاتجاه الذي ينظر إلى أعضاء الجماعة في شرق أوربا باعتبارهم قومية لا بمعنى أنهم يمثلون اليهود في كل مكان وزمان وإنما بمعنى أنهم جماعة قومية شرق أوربية تتحدث اليديشية وتتحدد هويتها على هذا الأساس الإثني وليس على أساس ديني.
ومثل هذه الاستجابات الواعية، ذات الطابع النظري، كان يتم طرحها في وقت تتم فيه العملية اليومية للدمج على قدم وساق على المستوى البنيوي الكامن، وذلك رغم تعثُّرها على مستوى الشكل الظاهر.
ألكسندر الثالث (1881-1894)
‏Alexander III
قيصر روسيا، اعتلى العرش مع تفاقم أزمة النظام القيصري، وتبنَّى سياسة رجعية انعكست في قوانين مايو عام 1882.
نيقولا الثاني (1894-1918)
‏Nicholas II
آخر قياصرة آل رومانوف. وصلت أزمة النظام الروسي القيصري في عهده إلى ذروتها، ثم اندلعت الثورة البلشفية التي أعدمته. وقعت عدة مذابح في عهده ضد أعضاء الجماعات اليهودية. وكان راسبوتين من أهم الشخصيات في بلاطه الملكي.
قوانين مايو
‏May Laws

«قوانين مايو» مجموعة من القوانين المؤقتة أصدرتها الحكومة الروسية في مايو عام 1882، وبمقتضاها أصبح من المحظور على أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا أن يعيشوا أو يمتلكوا أي عقار إلا في المدن الموجودة داخل منطقة الاستيطان اليهودي. ولقد أصدرت الحكومة الروسية هذه القوانين بعد أن قامت، خلال سنين عديدة، بعدة محاولات لدمج الجماعة اليهودية اقتصادياً وحضارياً في المجتمع الروسي. وباءت كل هذه المحاولات بالفشل لأسباب عدة من بينها تخلف يهود روسيا الاقتصادي. ورغم اندماج أعداد لا بأس بها منهم في المجتمع، فإن معدل تَزايُد يهود روسيا كان يفوق كثيراً معدل الهجرة والاندماج. ومما عقَّد الأمور، ظهور الأفكار السلافية القومية الاستبدادية المعروفة بعدائها للغرب (المنحل) ولأفكار الرأسماليين (الماديين) . وكان هناك عنصر مسيحي أرثوذكسي قوي في هذه الدعوة السلافية، وهو ما أقام كثيراً من الصعوبات في طريق أعضاء الجماعة اليهودية نحو الاندماج الحضاري.
ولقد كان من أسباب تفاقم المشكلة أيضاً زيادة معدلات تطور الرأسمالية الروسية، الأمر الذي أدَّى إلى سرعة تحطيم الكثير من مخلفات الإقطاع، مثل الجيتو والشتتل، والكثير من الأشكال الاقتصادية الاجتماعية الأخرى التي كان اليهود مرتبطين بها، شأنهم في ذلك شأن بعض الأقليات القومية والدينية الأخرى، وكذلك سكان المناطق الآسيوية. كما أن الوجود اليهودي الملحوظ في الحركات الثورية الاشتراكية، جعلهم هدفاً لهجمات العنصريين الرجعيين، أي أن فشل يهود روسيا في التأقلم مع الاقتصاد الجديد وتخلُّفهم الحضاري وتكاثرهم، وسرعة معدل تطوُّر الرأسمالية الروسية، واستبدادية القومية السلافية، واشتراك اليهود في الحركات الثورية، هذه العناصر جميعاً أدَّت إلى فشل محاولات تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج، وأدَّت بالتالي إلى اتخاذ الحكومة الروسية إجراءات قانونية اقتصادية لمجابهة هذا الوضع.

وفي 22 أغسطس عام 1881، أصدر القيصر أوامره بالقيام بتحريات عن النشاطات الاقتصادية " الضارة " التي تمارسها الجماعة اليهودية توطئةً للقضاء عليها. وفي أكتوبر 1889، أصدر القيصر أوامره إلى اللجنة المكلفة بإعادة النظر في المسألة اليهودية. وعُرفت هذه اللجنة باسم «لجنة إيجناتييف» ، اشترك فيها ممثلون عن مختلف الطبقات والجماعات وترأسها حاكم المقاطعة لتقرير أنواع النشاط الاقتصادي التي تضر بحياة السكان. وعبَّر الفلاحون وسكان المدن عن شكواهم من اليهود، وحاول ممثلو الجماعة اليهودية الدفاع عن أنفسهم. وفي ربيع عام 1882، قدمت هذه اللجنة تقريرها عن المسألة اليهودية. وجاء في هذا التقرير أن سياسة ألكسندر الثاني «المتسامحة» فشلت، وأن قيام المعارضة الشعبية ضد اليهود في روسيا نفسها برهن على أنه من الواجب اتخاذ إجراءات جديدة ضد اليهود الروس. وفي نهاية التقرير، قدمت اللجنة عدة توصيات لعلاج الموقف. وأخذت الحكومة بهذه التوصيات ووضعها موضع التنفيذ في صورة إجراءات مؤقتة. ونظراً لأن هذه الإجراءات المؤقتة صارت نافذة المفعول في يوم 2 مايو عام 1882، فإنها يُشار إليها دائماً بأنها «قوانين مايو» . وكانت هذه القوانين أو هذه الإجراءات تَصدُر تباعاً، وعلى فترات، كلما رأت الحكومة الروسية خطراً عليها من النشاط السياسي أو الاقتصادي الذي يمارسه اليهود. ويمكن أن نوجز هذه القوانين فيما يلي:
1 ـ لا يُسمَح لليهود بالسكنى خارج المدن أو في المدن الصغيرة في أية منطقة ريفية في روسيا (حتى لو كانت داخل منطقة الاستيطان نفسها) .
2 ـ من حق السكان الروس في القرى طرد اليهود من قراهم، وذلك بقرار خاص يصدره رئيس القرية.
3 ـ أي يهودي يغادر قريته لا يُسمح له بالعودة إليها مرة ثانية.
4 ـ لا تُحدَّد عقود الإيجار المبرمة مع اليهود.
5 ـ لا يُسمح بتشغيل أي يهودي في المناطق الريفية.

6 ـ لا يُسمح لليهود المقيمين في المناطق الريفية باستجلاب أي قريب لهم إلى هذه المناطق، وإذا حدث ذلك يُطرَد اليهودي من قريته.
7 ـ عدد الطلاب اليهود في المدارس الإعدادية والثانوية أو في الجامعات يكون بنسب معيَّنة يحددها المجلس التعليمي في روسيا. وحُدِّد النصاب المسموح لليهود عام 1886 بنحو 10% داخل منطقة الاستيطان و3% خارجها.
8 ـ خُفِّضت نسبة عضوية الأعضاء اليهود في سلك القضاء الروسي من 22% إلى 9% (مُنع اليهود منعاً باتاً من الانضمام إلى سلك القضاء عام 1889) .
9 ـ أي يهودي يعيش خارج منطقة الاستيطان ويقوم بتوسيع مجال نشاطه الاقتصادي يُعاد فوراً إلى منطقة الاستيطان.
10 ـ أي يهودي يغيِّر وضعه من مهني إلى تاجر، يسقط حقه في الإقامة في روسيا ويُعاد إلى منطقة الاستيطان.
11 ـ تحريم إقامة اليهود في موسكو (صدر هذا القرار عام 1891) .
12ـ إغلاق معبد موسكو وتحريم استخدامه. كما تم حرمان اليهود من حق الاشتراك في الحكومة المحلية.
قلَّصت قوانين مايو نطاق منطقة الاستيطان، كما قضت على فرص اندماج بعض القطاعات اليهودية في المجتمع الروسي، وهو ما زاد معدلات هجرتهم إلى الولايات المتحدة، كما خلقت مناخاً اقتصادياً فكرياً قضى على الحركات التنويرية الاندماجية وشجع الأفكار الصهيونية، وخصوصاً أن صدور قوانين مايو صاحبه وقوع بعض الحوادث الدامية ضد الأقليات الدينية والقومية في روسيا.
ووجهت اللجان الروسية القيصرية نقدها إلى هذه القوانين وطالبت بإلغائها. بل إن وزير داخلية روسيا، مثل فون بليفيه، وجد أن القوانين مجحفة وتخل بالأمن، ولكن الحكومة استمرت مع ذلك في وضعها موضع التنفيذ. ومع هذا، فقد خُفِّفت ابتداءً من عام 1903 حينما صُرح لأعضاء الجماعة اليهودية بالاستيطان في القرى التي أصبحت مدناً صغيرة وكان عددها يبلغ ثلاثمائة قرية.

وتؤرخ الكتابات الصهيونية لظهور الحركة الصهيونية بوقوع حوادث عام 1881 الدامية، متجاهلة أن السبب الأساسي الذي أدَّى إلى وقوع المذابح وصدور قوانين مايو هو وضع اليهود كأقلية مثل سائر الأقليات الأخرى داخل بناء اقتصادي حضاري ينتقل من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى، ومتجاهلة أيضاً أن الاضطهاد الموجه ضد اليهود ليس سبباً لهجرة اليهود إلى الولايات المتحدة ولا لانتشار الأفكار الصهيونية بين اليهود وإنما تعبير جزئي عن بناء كامل متكامل. وإذا أردنا استخدام الواقعة التاريخية الجزئية (الجزء) للإشارة إلى الحركة التاريخية الكاملة المتكاملة (الكل) ، فإننا نجد أن «قوانين مايو» أشد دلالة من المذابح الدامية، ذلك أن المذابح الدامية مسألة متكررة في حياة الأقليات كافة في روسيا وضمن ذلك اليهود. وقد كانت مذابح شميلنكي، ومن قبلها مذابح الصليبيين، أكثر عنفاً وضراوة من أية حوادث وقعت عام 1881. ومع هذا، فإن هذه المذابح لم تؤد إلى ظهور الصهيونية أو أية نزعات مماثلة. أما قوانين مايو، فإنها تصلح كمؤشر على ظهور الحركة الصهيونية بين اليهود لأنها تعبير متكامل عن حركة التاريخ الروسي في أواخر القرن التاسع عشر وعن تعثُّر التحديث في المجتمع الروسي وأزمته العامة.
وقد ظلت قوانين مايو أو الإجراءات المؤقتة نافذة المفعول حتى عام 1915 حيث أُلغي العمل بها. ثم أُلغيت رسمياً عام 1917 بقيام الثورة البلشفية حيث حُلَّت المسألة اليهودية (أو أخذت شكلاً جديداً) ضمن عملية حل أزمة المجتمع الروسي ككل.

روسيا القيصرية تسيطر على بحر قزوين التابع لبلاد فارس الإسلامية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

روسيا القيصرية تسيطر على بحر قزوين التابع لبلاد فارس الإسلامية.
1138 - 1725 م
قام بطرس الأكبر قيصر روسيا لما رأى أن الدولة الصفوية بدات تضعف قام باحتلال بلاد داغستان وسواحل بحر الخزر (قزوين) الغربية وقام الصفويون بالرد وكادت الحرب أن تستمر لولا تواسط فرنسا بناء على طلب روسيا فتم الصلح بين الدولتين ولكن على أن يبقى مع كل طرف ما أخذه.

توقيع معاهدة برلين بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية ..

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

توقيع معاهدة برلين بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية ..
1295 صفر - 1878 م
وقعت الدولة العثمانية ودولة روسيا القيصرية معاهدة برلين، وذلك بعد هزيمة العثمانيين أمام الروس. وتم بمقتضى هذه المعاهدة اقتطاع بعض أراضي الدولة العثمانية، وفُرضت عليها غرامات باهظة، وهُجّر مليون مسلم بلغاري إلى استانبول.

إعلان القيصر النمساوي فرانتس جوزيف الأول ضم بلاد البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة إلى بلاده.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إعلان القيصر النمساوي فرانتس جوزيف الأول ضم بلاد البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة إلى بلاده.
1326 رمضان - 1908 م
أعلن القيصر النمساوي فرانتس جوزيف الأول 1830 - 1916م ضم بلاد البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة إلى بلاده بعد 30 عامًا من احتلالها واغتصابها من الدولة العثمانية، وذلك في إطار خطة تقسيم أملاك الدولة العثمانية.

480 - لؤلؤ القيصري مولى المقتدر بالله. [أبو محمد]

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

480 - لؤلؤ القَيْصريُّ مولى المقتدر بالله. [أبو محمد] [الوفاة: 371 - 380 هـ]
سَمِعَ بدمشق وغيرها: هشام بن أحمد، والحسن بن حبيب، وقاسم بن أحمد المَلَطي، وأحمد بن إبراهيم بن غالب البلدي، وجماعة.
وَعَنْهُ: أبو بكر البَرْقَانِيّ، ومحمد بن عمر بن بُكَيْر، وأبو العلاء محمد بن علي الواسطي.
كنيته أبو محمد.
فرائض: محسن القيصري
المسمى: (بجامع الدرر) .
المتوفى: سنة 755، خمس وخمسين وسبعمائة.
عدد أبياتها: 176 (166) . (2/ 1252)
وتاريخ النظم: 736.
نظم فيها: (السراجية) .
وهي: أرجوزة لطيفة.
على البحر الخفيف.
أولها:
بسم من منّ لطفه منا * ... الخ.
قال في (الشقائق) :
نظم في الفرائض نظما حسنا بليغا، جامعا للمسائل.
ثم شرحها شرحا.
بين فيه: وقائعه، وأسراره. انتهى.
ذكر فيه: أن سبب نظمه لها:
هو أن الأديب: أبا نصر الفراهي:
نظم كتاب: (الطل، والوبل) .
نظما بديع الأسلوب.
موجزا غاية الإيجاز.
ولما رآه مشحونا، بأنواع السحر الحلال، أراد نظم الفرائض على ذلك المنوال.
وشرحها:
محمد بن محمد بن محمود، المدعو بالشيخ، البخاري.
فرغ في: دمشق الشام، في رابع عشر شوال، سنة 867، سبع وستين وثمانمائة.
ألفه: في شهر واحد.
وتم تبييضه: في جمادى الآخرة، سنة 869.
وهو: شرح مطول، ممزوج.
أوله: (نحمدك يا من استأثر هو وصفاته بالقدم.. الخ) .
شرحها:
طاشكبري زاده.
ويحيى أفندي.
ونظمها أيضا:
بالتركي.
عبد الله بن طورسون، الشهير: بفيضي.
المتوفى: سنة 1019.
ثم شرحها.
Kaiser القيصر العاهل

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت