الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*المقتدر بالله هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، تولى الخلافة بعد أخيه «المكتفى» بعهد منه فى (ذى القعدة سنة 295هـ= أغسطس سنة 908م)، وكان صبيا فى الثالثة عشرة من عمره، ولم يلِ الخلافة قبله أصغر منه.
أثار تولى «المقتدر» الخلافة اعتراض كثير من رجال الدولة بسبب صغر سنه، وعدم قدرته على الاضطلاع بشئون الخلافة مع وجود الأقدر منه على تحمل المسئولية، خاصة «عبد الله بن المعتز» الشاعر المعروف بتمام العقل وجودة الرأى، فاتفق رأى عدد منهم على خلع «المقتدر» وتولية «عبدالله بن المعتز»، وكان عمره نحو تسعة وأربعين عامًا، وعندما عرضوا الأمر على «ابن المعتز» وافق بشرط ألا يسفك دم أو تنشب حرب، فأخبروه أن الأمر يُسلَّم إليه عفوًا، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكُتَّاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وتمت البيعة لابن المعتز فى (19من ربيع الأول سنة 296هـ= نوفمبر سنة 908م)، ولقب بالراضى بالله، ولكن أنصار «المقتدر» - وعلى رأسهم «مؤنس الخادم» - لم يرضوا بهذه البيعة، وتوجهوا نحو «ابن المعتز» وأنصاره وقبضوا عليهم وفتكوا بهم وأعادوا تنصيب «المقتدر» فى اليوم التالى لبيعة «ابن المعتز»، الذى لم يمكث فى الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ولهذا يتجاهله المؤرخون عند ذكرهم قائمة خلفاء «بنى العباس». وقد تدهورت الأوضاع فى عهد «المقتدر»، وانتشرت الفتن وازداد تمزق الدولة، وأصبحت الخلافة نهبًا للطامعين بسبب صغر سنه، وأفلت زمام الأمور من يده، وتحكم النساء والخدم فى شئون البلاد، فكانت «أم المقتدر» وتسمى «شغب» تولِّى من تشاء وتعزل من تشاء، كما كان «مؤنس الخادم» صاحب مكانة متميزة وخطيرة فى عهد «المقتدر». وقد ازداد خطر القرامطة اتساعًا وعنفًا فى عهد «المقتدر»، ووصل مداه سنة (317هـ= 929م)، حينما دخلوا «مكة» بقيادة «أبى طاهر القرمطى» (3) وقتلوا الحجاج فى المسجد الحرام، واستولوا على الحجر الأسود وأخذوه إلى |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المقتدر بالله جعفر بن المعتضد 295 هـ ـ 319 ه
المقتدر بالله : أبو الفضل جعفر بن المعتضد ولد في رمضان سنة اثنتين و ثمانين و مائتين و أمه رومية و قيل : تركية اسمها غريب و قيل : شغب و لما اشتدت علة أخيه المكتفي سأل عنه فصح عنه أنه احتلم فعهد إليه و لم يل الخلافة قبله أصغر منه فإنه وليها و له ثلاثة عشر سنة فاستصباه الوزير العباس بن الحسن فعمل على خلعه و وافقه جماعة على أن يولوا عبد الله بن المعتز فأجاب ابن المعتز بشرط أن لا يكون فيها دم فبلغ المقتدر ذلك فأصلح حال العباس و دفع إليه أموالا أرضته فرجع عن ذلك و أما الباقون فإنهم ركبوا عليه في العشرين من ربيع الأول سنة ست و المقتدر يلعب الأكرة فهرب و دخل و أغلقت الأبواب و قتل الوزير و جماعة و أرسل إلى ابن المعتز فجاء و حضر القواد و القضاة و الأعيان و بايعوه بالخلافة و لقبوه [ الغالب بالله ] فاستوزر محمد بن داود بن الجراح و استقضى أبا المثنى أحمد بن يعقوب و نفذت الكتب بخلافة ابن المعتز قال المعافى بن زكريا الجريري : لما خلع المقتدر و بويع ابن المعتز دخلوا على شيخنا محمد بن جرير الطبري فقال : ما الخبر ؟ قيل : بويع ابن المعتز قال : فمن رشح للوزارة ؟ قيل : محمد بن داود قال : فمن ذكر للقضاة ؟ قيل : أبو المثنى فأطرق ثم قال : هذا الأمر لا يتم قيل له : و كيف ؟ قال : كل واحد ممن سميتم متقدم في معناه عالي الرتبة و الزمان مدبر و الدنيا مولية و ما أرى هذا إلا إلى اضمحلال و ما أرى لمدته طولا و بعث ابن المعتز إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر لكي ينتقل ابن المعتز إلى دار الخلافة فأجاب و لم يكن بقي معه إلا طائفة يسيرة فقالوا : يا قوم نسلم هذا الأمر و لا نجرب نفوسنا في دفع ما نزل بنا فلبسوا السلاح و قصدوا المخرم و به ابن المعتز فلما رآهم من حوله ألقى الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا منهزمين بلا قتال و هرب ابن المعتز و وزيره و قاضيه و وقع النهب و القتل في بغداد و قبض المقتدر على الفقهاء و الأمراء الذين خلعوه و سلموا إلى يونس الخازن فقتلهم إلا أربعة منهم القاضي أبو عمر سلموا من القتل و حبس ابن المعتز ثم أخرج فيما بعد ميتا و استقام الأمر للمقتدر فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات فسار أحسن سير و كشف المظالم و حض المقتدر على العدل ففوض إليه الأمور لصغره و اشتغل باللعب و اللهو و أتلف الخزائن و في هذه السنة أمر المقتدر أن لا يستخدم اليهود و النصارى و أن يركبوا بالأكف و فيها غلب أمر المهدي بالمغرب و سلم عليه بالإمامة و دعي له بالخلافة و بسط في الناس العدل و الإحسان فانحرفوا إليه و تمهدت له المغرب و عظم ملكه و بنى المهدية و هرب أمير إفريقية زيادة الله بن الأغلب إلى مصر ثم أتى العراق و خرجت المغرب عن أمر بني العباس من هذا التاريخ فكانت مدة ملكهم جميع الممالك الإسلامية مائة و بضعا و ستين سنة و من هنا دخل النقص عليهم قال الذهبي : اختل النظام كثيرا في أيام المقتدر لصغره و في سنة ثلاثمائة ساخ جبل بالدينور في الأرض و خرج من تحته ماء كثير أغرق القرى و فيها ولدت بغلة فلوا فسبحان القادر على ما يشاء ! و في سنة إحدى و ثلاثمائة ولي الوزارة علي بن عيسى فسار بعفة و عدل و تقوى و أبطل الخمور و أبطل من المكوس ما ارتفاعه في العام خمسمائة ألف دينار و فيها أعيد القاضي أبو عمر إلى القضاء و ركب المقتدر من داره إلى الشماسية و هي أول ركبة ركبها و ظهر فيها للعامة و فيها أدخل الحسين الحلاج مشهورا على جمل إلى بغداد فصلب حيا و نودي عليه : هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع و أشيع عنه أنه ادعى الإلهية و أنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف و يكتب إلى أصحابه من النور الشعشعاني و نوظر فلم يوجد عنده شيء من القرآن و لا الحديث و لا الفقه و فيها سار المهدي الفاطمي يريد مصر في أربعين ألفا من البربر فحال النيل بينه و بينها فرجع إلى الإسكندرية و أفسد فيها و قتل ثم رجع فسار إلى جيش المقتدر إلى برقة و جرت لهم حروب ثم ملك الفاطمي الإسكندرية و الفيوم من هذا العام و في سنة اثنتين ختن المقتدر خمسة من أولاده فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار و ختن معهم طائفة من الأيتام و أحسن إليهم و فيها صلي العيد في جامع مصر و لم يكن يصلي فيه العيد قبل ذلك فخطب بالناس علي بن أبي شيخة من الكتاب نظرا و كان من غلطه أن قال : اتقوا الله حق تقاته و لا تموين إلا و أنتم مشركون و فيها أسلم الديلم على يد الحسن بن علي العلوي الأطروش و كان مجوسيا و في سنة أربع وقع الخوف ببغداد من حيوان يقال له الزيزب ذكر الناس أنهم يرونه بالليل على الأسطحة و أنه يأكل الأطفال و يقطع ثدي المرأة فكانوا يتحارسون و يضربون بالطاسات ليهرب و اتخذ الناس لأطفالهم مكاب و دام عدة ليال و في سنة خمس قدمت رسل ملك الروم بهدايا و طلبت عقد هدنة فعمل المقتدر موكبا عظيما فأقام العسكر وصفهم بالسلاح ـ و هم مائة و ستون ألفا ـ من باب الشماسية إلى دار الخلافة و بعدهم الخدام و هم سبعة آلاف خادم و يليهم الحجاب و هم سبعمائة حاجب و كانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة ثمانية و ثلاثين ستر من الديباج و البسط اثنين و عشرين ألفا و في الحضرة مائة سبع في السلاسل إلى غير ذلك و في هذه السنة وردت هدايا صاحب عمان و فيها طير أسود يتكلم بالفارسية و الهندية أفصح من الببغا و في سنة ست فتح مارستان أم المقتدر و كان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار و فيها صار الأمر و النهي لحرم الخليفة و لنسائه لركاكته و آل الأمر إلى أن أمرت أم المقتدر بمثل القهرمانة أن تجلس للمظالم و تنظر في رقاع الناس كل جمعة فكانت تجلس و تحضر القضاة و الأعيان و تبرز التواقيع و عليها خطها و فيها عاد القائم محمد بن المهدي الفاطمي إلى مصر فأخذ أكثر الصعيد و في سنة ثمان غلت الأسعار ببغداد و سغبت العامة لكون حامد بن العباس ضمن السواد و جدد المظالم و وقع النهب و ركب الجند فيها و شتتهم العامة و دام القتال أياما و أحرق العامة الحبس و فتحوا السجون و نهبوا الناس و رجموا الوزير و اختلفت أحوال الدولة العباسية جدا و فيها ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفسطاط و اشتد قلق أهل مصر و تأهبوا للحروب و جرت أمور و حروب يطول شرحها و في سنة تسع قتل الحلاج بإفتاء القاضي أبي عمر و الفقهاء و العلماء أنه حلال الدم و له في أحواله السنية أخبار أفردها الناس بالتنصيف و في سنة إحدى عشرة أمر المقتدر برد المورايث إلى ما صيرها المعتضد من توريث ذوي الأرحام و في سنة ثنتي عشرة فتحت فرغانة على يد والي خراسان و في سنة أربع عشرة دخلت الروم ملطية بالسيف و فيها جمدت دجلة بالموصل و عبرت عليها الدواب و هذا لم يعهد و في سنة خمس عشرة دخلت الروم دمياط و أخذوا من فيها و ما فيها و ضربوا الناقوس في جامعها و فيها ظهرت الديلم على الري و الجبال فقتل خلق و ذبحت الأطفال و في سنة ست عشرة بني القرمطي دارا سماها [ دار الهجرة ] و كان في هذه السنين قد كثر فساده و أخذه البلاد و فتكه بالمسلمين و اشتد الخطب به و تمكنت هيبته في القلوب و كثر أتباعه و بث السريا و تزلزل له الخليفة و هزم جيش المقتدر غير مرة و انقطع الحج في هذه السنين خوفا من القرامطة و نزح أهل مكة عنها و قصدت الروم ناحية خلاط و أخرجوا المنبر من جامعها و جعلوا الصليب مكانه و في سنة سبع عشرة خرج مؤنس الخادم الملقب بالمظفر على المقتدر لكونه بلغه أنه يريد أن يولي إمرة الأمراء هارون بن غريب مكان مؤنس و ركب معه سائر الجيش و الأمراء و الجنود و جاؤوا إلى دار الخلافة فهربت خواص المقتدر و أخرج المقتدر بعد العشاء و ذلك في ليلة رابع عشر المحرم من داره و أمه و خالته و حرمه و نهب لأمه ستمائة ألف دينار و أشهد عليه بالخلع و أحضر محمد بن المعتضد و بايعه مؤنس و الأمراء و لقبوه [ القاهر بالله ] و فوضت الوزارة إلى أبي علي بن مقلة و ذلك يوم السبت و جلس القاهر يوم الأحد و كتب الوزير عنه إلى البلاد و عمل الموكب يوم الاثنين فجاء العسكر يطلبون رزق البيعة و رزق السنة و لم يكن مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة فحملوه على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة و أخذ القاهر فجيء به و هو يبكي و يقول : الله الله في نفسي فاستدناه و قبله و قال له : يا أخي أنت و الله لا ذنب لك و الله لا جرى عليك مني سوء أبدا فطب نفسا و سكن الناس و عاد الوزير فكتب إلى الأقاليم بعود الخلافة إلى خلافته و بذل المقتدر الأموال في الجند و في هذه السنة سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا و طرح القتلى في بئر زمزم و ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم اقتلعه و أقام بها أحد عشر يوما ثم رحلوا و بقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة و دفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع و قيل : إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن قال محمد بن الربيع بن سليمان : كنت بمكة سنة القرامطة فصعد رجل لقلع الميزاب و أنا أراه فعيا صبري و قلت : يا رب ما أحلمك فسقط الرجل على دماغه فمات و صعد القرمطي على باب الكعبة و هو يقول : ( أنا بالله و بالله أنا ... يخلق الخلق و أفنيهم أنا ) و لم يفلح أبو طاهر القرمطي بعدها و تقطع جسده بالجدري و في هذه السنة هاجت فتنة كبرى ببغداد بسبب قوله تعالى : {{ عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا }} فقالت الحنابلة : معناها يقعده الله على عرشه و قال غيرهم : بل هي الشفاعة و دام الخصام و اقتتلوا جماعة كثيرة و في سنة تسع عشرة نزل القرمطي الكوفة و خاف أهل بغداد من دخوله إليها فاستغاثوا و رفعوا أصواتهم و المصاحف و سبوا المقتدر و فيها دخلت الديلم الدينور فسبوا و قتلوا و في سنة عشرين ركب مؤنس على المقتدر فكان معظم جند مؤنس البربر فلما التقى الجمعان رمى بربري المقتدر بحربة سقط منها إلى الأرض ثم ذبحه بالسيف و شيل رأسه على رمح و سلب ما عليه و بقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش ثم حفر له بالموضع و دفن و ذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال و قيل : إن وزيره أخذ له ذلك اليوم طالعا فقال له المقتدر : أي وقت هو قال : وقت الزوال فتطير و هم بالرجوع فأشرفت خيل مؤنس و نشبت الحرب و أما البربري الذي قتله فإن الناس صاحوا عليه فسار نحو دار الخلافة ليخرج القاهر فصادفه حمل شوك فزحمه إلى دكان لحام فعلقه كلاب و خرج الفرس من مشواره من تحته فمات فحطه الناس و أحرقوه بالحمل الشوك و كان المقتدر جيد العقل صحيح الرأي لكنه كان مؤثرا للشهوات و الشراب مبذرا و كان النساء غلبن عليه فأخرج عليهن جميع جواهر الخلافة و نفائسها و أعطى بعض حظاياه الدرة اليتيمة و وزنها ثلاثة مثاقيل و أعطى زيدان القهرمان سبحة جوهر لم ير مثلها و أتلف أموالا كثيرة و كان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصقالبة و الروم و السود و خلف اثني عشر ولدا ذكر و ولي الخلافة من أولاده ثلاثة : الراضي و المتقي و المطيع و كذلك اتفق للمتوكل و الرشيد و أما عبد الملك فولي الأمر من أولاده أربعة و لا نظير لذلك إلا في الملوك كذا قال الذهبي قلت : في زماننا ولي الخلافة من أولاد المتوكل خمسة : المستعين العباس و المعتضد داود و المستكفي سليمان و القائم حمزة و المستنجد يوسف و لا نظير لذلك و في لطائف المعارف للثعالبي ـ نادرة : لم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا المتوكل و المقتدر فقتلا جميعا : المتوكل ليلة الأربعاء و المقتدر يوم الأربعاء و من محاسن المقتدر ما حكاه ابن شاهين أن وزيره علي بن عيسى أراد أن يصلح بين ابن صاعد و بين أبي بكر بن أبي داود السجستاني فقال الوزير : يا أبا بكر أبو محمد أكبر منك فلو قمت إليه قال : لا أفعل فقال الوزير : أنت شيخ زيف فقال ابن أبي داود : الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : من ؟ فقال : هذا ثم قام ابن أبي داود و قال : تتوهم أني أذل لك لأجل أن رزقي يصل إلي على يدك و الله لا أخذت من يدك شيئا أبدا فبلغ المقتدر ذلك فصار يزن رزقه بيده و يبعث به في طبق على يد الخادم مات في أيام المقتدر من الأعلام : محمد بن أبي داود الظاهري و يوسف بن يعقوب القاضي و ابن شريح شيخ الشافعية و الجنيد شيخ الصوفية و أبو عثمان الحيري الزاهد و أبو بكر البرديجي و جعفر الفريابي و ابن بسام الشاعر و النسائي صاحب السنن و الجبائي شيخ المعتزلة و ابن المواز النحوي و ابن الجلاء شيخ الصوفية و أبو يعلى الموصلي صاحب المسند و الأشناني المقرئ و أبن سيف من كبار قراء مصر و أبو بكر الروياني صاحب المسند و ابن المنذر الإمام و ابن جريري الطبري و الزجاج النحوي و ابن خزيمة و ابن زكريا الطبيب و الأخفش الصغير و بنان الجمال و أبو بكر بن أبي داود السجستاني و ابن السراج النحوي و أبو عوانة صاحب الصحيح و أبو القاسم البغوي المسند و أبو عبيد بن حربوية و الكعبي شيخ المعتزلة و أبو عمر القاضي و قدامة الكاتب و خلائق آخرون |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة الخليفة العباسي المكتفي بالله وتولي المقتدر بالله الخلافة.
295 ذو القعدة - 908 م هو المكتفي بالله بن المعتضد بن الأمير أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله، وليس من الخلفاء من اسمه علي سواه بعد علي بن أبي طالب، وليس من الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن علي بن أبي طالب وهو، في أيامه فتحت أنطاكية وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله، ثم مات بعد عدة أيام وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما، ثم تولى الخلافة المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد فجددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وإحدى وعشرون يوما، ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
تنازل الخليفة العباسي المقتدر بالله عن الملك لأخيه محمد القاهر ثم عودة المقتدر مرة أخرى للحكم.
317 محرم - 929 م اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم والمقتدر بالله، وتفاقم الحال وآل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر وتولية القاهر محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة وسلموا عليه بها، ولقبوه القاهر بالله، وذلك ليلة السبت النصف من المحرم، وقلد علي بن مقلة وزارته، وولي نازوك الحجوبة مضافا إلى ما بيده من الشرطة، وألزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتابا بالخلع من الخلافة وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الأمراء والأعيان، وسلم الكتاب إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فقال لولده الحسين احتفظ بهذا الكتاب فلا يرينه أحد من خلق الله، ولما أعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين رده إليه، فشكره على ذلك جدا وولاه قضاء القضاة، فلما كان يوم الأحد السادس عشر من المحرم جلس القاهر بالله في منصب الخلافة، وجلس بين يديه الوزير أبو علي بن مقلة، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر بالخلافة عوضا عن المقتدر، فلما كان يوم الاثنين جاء الجند وطلبوا أرزاقهم وشغبوا، وبادروا إلى نازوك فقتلوه، وكان مخمورا، ثم صلبوه، وهرب الوزير ابن مقلة، وهرب الحجاب ونادوا يا مقتدر يا منصور، ولم يكن مؤنس يومئذ حاضرا، وجاء الجند إلى باب مؤنس يطالبونه بالمقتدر، فأغلق بابه دونهم، فلما رأى مؤنس أنه لابد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج، فخاف المقتدر أن يكون حيلة عليه، ثم تجاسر فخرج فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة، فسأل عن أخيه القاهر وأبي الهيجاء بن حمدان ليكتب لهما أمانا، فما كان عن قريب حتى جاءه خادم ومعه رأس أبي الهيجاء قد احترز رأسه وأخرجه من بين كتفيه، ثم استدعى بأخيه القاهر فأجلسه بين يديه واستدعاه إليه، وقبل بين عينيه، وقال: يا أخي أنت لا ذنب لك، وقد علمت أنك مكره مقهور، والقاهر يقول: الله الله! نفسي يا أمير المؤمنين، فقال: وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جرى عليك مني سوء أبدا، وعاد ابن مقلة فكتب إلى الآفاق يعلمهم بعود المقتدر إلى الخلافة، ورجعت الأمور إلى حالها الأول، وكان ابن نفيس من أشد الناس على المقتدر، فلما عاد إلى الخلافة خرج من بغداد متنكرا فدخل الموصل، ثم صار إلى إرمينية، ثم لحق بالقسطنطينية فتنصر بها مع أهلها، وقرر أبا علي بن مقلة على الوزارة، وولى محمد بن يوسف قضاء القضاة، وجعل محمد أخاه - وهو القاهر - عند والدته بصفة محبوس عندها، فكانت تحسن إليه غاية الإحسان، وتشتري له السراري وتكرمه غاية الإكرام. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
اغتيال الخليفة العباسي المقتدر بالله وتولي أخيه محمد القاهر الخلافة.
320 - 932 م لما تزايدت الوحشة بين مؤنس صاحب الجيش والخليفة المقتدر وزاد ذلك انفراد الوزير الحسين بن القاسم بأشياء أغاظت مؤنسا، الذي عزم على المسير إلى الموصل فسار إليها وحارب فيها بني حمدان وهزمهم فاستمال نحوه كثيرا من الجند والأعراب وغيرهم وجمع العساكر وسار إلى المقتدر على أن يجري عليهم الأرزاق وإلا قاتلوه، فسار - وقد بعث بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشماسية ببغداد، وأشير على الخليفة أن يستدين من والدته مالا ينفقه في الأجناد، فقال: لم يبق عندها شيء، وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط، وأن يترك بغداد إلى مؤنس حتى يتراجع أمر الناس ثم يعود إليها، فرده عن ذلك ابن ياقوت وأشار بمواجهته لمؤنس وأصحابه، فإنهم متى رأوا الخليفة هربوا كلهم إليه وتركوا مؤنسا، فركب وهو كاره وبين يديه الفقهاء ومعهم المصاحف المنشورة، وعليه البردة والناس حوله، ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدم فامتنع من التقدم إلى محل المعركة، ثم ألحوا عليه فجاء بعد تمنع شديد، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفروا راجعين، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن بليق، فلما رآه ترجل وكل به قوما من المغاربة البربر، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح، وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض، وذبحه آخر وتركوا جثته، وأخذت المغاربة رأس المقتدر على خشبة قد رفعوها وهم يلعنونه، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم يكن حاضرا الوقعة - فحين نظر إليه لطم رأس نفسه ووجهه وقال: ويلكم، والله لم آمركم بهذا، لعنكم الله، والله لنقتلن كلنا، ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب، وأبناء رايق، إلى المدائن، وكان فعل مؤنس هذا سببا لطمع ملوك الأطراف في الخلفاء، وضعف أمر الخلافة جدا، مع ما كان المقتدر يعتمده في التبذير والتفريط في الأموال، وطاعة النساء، وعزل الوزراء، فكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا وأربعة عشر يوما، فلما قتل المقتدر بالله عزم مؤنس على تولية أبي العباس بن المقتدر بعد أبيه ليطيب قلب أم المقتدر، فعدل عن ذلك جمهور من حضر من الأمراء فقال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي بعد التعب والنكد نبايع لخليفة صبي له أم وخالات يطيعهن ويشاورهن؟ ثم أحضروا محمد بن المعتضد - وهو أخو المقتدر - فبايعه القضاة والأمراء والوزراء، ولقبوه بالقاهر بالله، وذلك في سحر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال منها. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
خلع الخليفة العباسي القاهر بالله وخلافة الراضي بالله بن المقتدر بالله.
322 جمادى الأولى - 934 م كان سبب ذلك أن الوزير علي بن مقلة كان قد هرب حين قبض على مؤنس ومن معه لإرادتهم قتل القاهر بالله وكان قد قبض عليهم وقتلهم إلا ابن مقلة فإنه هرب، فاختفى في داره، وكان يراسل الجند ويكاتبهم ويغريهم بالقاهر، ويخوفهم سطوته وإقدامه، وسرعة بطشه، ويخبرهم بأن القاهر بالله قد أعد لأكابر الأمراء أماكن في دار الخلافة يسجنهم فيها، ومهال، يلقيهم فيها، كما فعل بفلان وفلان فهيجهم ذلك على القبض على القاهر بالله، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه الساعة، فركبوا مع الأمير المعروف بسيما، وقصدوا دار الخلافة فأحاطوا بها، ثم هجموا عليه من سائر أبوابها وهو مخمور، فاختفى في سطح حمام فظهروا عليه فقبضوا عليه وحبسوه في مكان طريف اليشكري، وذلك يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى فيها، ثم أمروا بإحضاره، فلما حضر سملوا عينيه حتى سالتا على خديه، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع مثله في الإسلام، ثم أرسلوه، وكان تارة يحبس وتارة يخلى سبيله، وقد تأخر موته إلى سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، وتمت خلافة الراضي بالله أبي العباس محمد بن المقتدر بالله لما خلعت الجند القاهر أحضروا أبا العباس محمد بن المقتدر بالله فبايعوه بالخلافة ولقبوه الراضي بالله، وقد أشار أبو بكر الصولي بأن يلقب بالمرضي بالله فلم يقبلوا، وذلك يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى منها، وجاؤوا بالقاهر وهو أعمى قد سملت عيناه فأوقف بين يديه فسلم عليه بالخلافة وسلمها إليه، فقام الراضي بأعبائها، وأمر بإحضار أبي علي بن مقلة فولاه الوزارة، وجعل علي بن عيسى ناظرا معه، وأطلق كل من كان في حبس القاهر بالله |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
458 - جعفر أبو الفضل المقتدر باللَّه، أمير المؤمنين ابن المعتضد باللَّه أَبِي العبّاس أحمد بْن أبي أحمد طلحة ابن المتوكّل عَلَى اللَّه العبّاسيّ. [المتوفى: 320 هـ]
بُويع بعد أخيه المكتفي باللَّه عليّ في سنة خمس وتسعين ومائتين، وسِنُّه ثلاث عشرة سنة، ولم يَلِ أمرَ الأَمّة قبله أحدٌ أصغر منه، ولهذا انخرم النظام في أيّامه، وجرت أشياء قد ذكرنا بعضها في الوقائع، وقُتل في شوّال من السنة كما شرحنا. وقد خُلِع في أوائل خلافته، وبويع لعبد اللَّه بْن المعتزّ، فلم يتم الأمر، وقُتِل ابن المعتّز، وأُعيدَ إلى الخلافة، ثمّ خُلِعَ في سنة سبْعٍ عشرة، وكتب خطّه لهم بخلع نفسه، وبايعوا أخاه القاهر باللَّه محمداً، ثمّ بعد ثلاثة أيّام أُعيد المقتدر، وجددت لَهُ البيعة. وكان ربعة جميل الوجه، أبيض، مشربًا حُمْرة، قد عاجَلَه الشَّيْب بعارضيه، وكان لَهُ يوم قُتِل ثمان وثلاثون سنة. قَالَ المحسّن التّنُوخيّ: كَانَ جيّد العقل، صحيح الرّأي، ولكنه كان مُؤْثِرًا للشَّهوات، لقد سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بْن عيسى يَقُولُ: ما هو إلّا أنّ -[369]- يترك هذا الرجل، يعني المقتدر، النبيذ خمسة أيّام، فكان ربّما يكون في أصالة الرأي كالمأمون والمعتضد، وكان قتله في شوّال، رماه بربريُّ بحربةٍ فقتله في موكبه. وقد ولي الخلافة من أولاده ثلاثة: الراضي، والمتقي، والمطيع، وهكذا اتفق للمتوكل؛ قُتِل وولي الخلافة من أولاده ثلاثة: المنتصر، والمعتّز، والمعتمد، وفي أولاد الرشيد ثلاثة وُلّوا الأمرَ: الأمين، والمأمون، والمعتصم، وأمّا عَبْد الملك فولي الأمر من أولاده أربعة، ولا نظير لذلك إلّا في الملوك، فإن الملك العادل ولي السّلطنَة من أولاده بدمشق أربعة وهم: المعظم، والأشرف، والكامل، والصالح إسماعيل. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
458 - محمد، وقيل: أحمد، أبو إسحاق أمير المؤمنين الراضي بالله ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفّق [المتوفى: 329 هـ]
ولي العهد ابن المتوكل. ولد سنة سبع وتسعين ومائتين. وأُمُّهُ أمةٌ روميّة. وكان قصيرًا أسمر نحيفًا، في وجهه طول. بويع بالأمر بعد عمه القاهر لما سملوا القاهر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. قال الخطيب أبو بكر: وللراضي فضائل منها أنه آخر خليفة له شعرٌ مدون، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين منهم. ومن شعره: كل صفوٍ إلى كدر ... كل أمنٍ إلى حذر ومصير الشباب للمو ... ت فيه أو الكبر دَرَّ دَرُّ المشيب من ... واعظٍ يُنذِرُ البشر أيها الآمل الذي ... تاه في لجة الغَرَر -[580]- أين من كان قبلنا ... ذهب الشخص والأثر رب فاغفر لي الخطيـ ... ـئة يا خير من غفر توفي في ربيع الأول، وله اثنتان وثلاثون سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
208 - إبراهيم بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد أحمد بن الموفّق، المتّقي لله أمير المؤمنين أبو إسحاق. [المتوفى: 357 هـ]
توفي في السجن في شعبان، وقد ذكرناه في سنة ثلاثٍ وثلاثين، عامَ خلعوه وسَمَلُوا عينيه، وبقي إلى هذا العام كالميت. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
280 - إسحاق الأمير أبو محمد ابن المقتدر بالله. [المتوفى: 377 هـ]
ولد سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وعاش ستّين سنة. وتُوُفّي في ليلة الجمعة سابع عشر ذي القعدة، وغسّله أبو بكر بن أبي موسى الهاشمي، وصلّى عليه ابنه القادر بالله الذي استُخْلِف بعد الطائع للّه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
480 - لؤلؤ القَيْصريُّ مولى المقتدر بالله. [أبو محمد] [الوفاة: 371 - 380 هـ]
سَمِعَ بدمشق وغيرها: هشام بن أحمد، والحسن بن حبيب، وقاسم بن أحمد المَلَطي، وأحمد بن إبراهيم بن غالب البلدي، وجماعة. وَعَنْهُ: أبو بكر البَرْقَانِيّ، ومحمد بن عمر بن بُكَيْر، وأبو العلاء محمد بن علي الواسطي. كنيته أبو محمد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
52 - أحمد بن إسحاق بن جعفر بن أحمد بن أبي أحمد طلحة ابن المتوكل على الله ابن المعتصم ابن الرشيد، أبو العبّاس، الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين ابن الأمير أبي أحمد ابن المقتدر بالله، الهاشميّ، العباسيّ، البغداديّ. [المتوفى: 422 هـ]
بويع بالخلافة عند القبض على الطّائع لله في حادي عشر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. ومولده في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأمه تمني مولاة عبد الواحد ابن المقتدر، كانت ديّنة خيّرة معمّرة تُوُفِّيت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. وكان أبيض كثّ اللَّحية طويلها، يَخْضِبُ شَيْبَه، وكان من أهل السِّتر والصِّيانة، وإدامة التّهجُّد. تفقّه على العلّامة أبي بِشْر أحمد بن محمد الهَرَويّ الشّافعيّ، وعدَّه ابن الصّلاح في الفُقَهاء الشّافعيّة. قال الخطيب: كان من الدَّيانة وإدامة التهجُّد، وكثرة الصَّدقات على صفةٍ اشتهرت عنه، وصنَّف كتابًا في الأُصُول ذكر فيه فضل الصّحابة وإكفار المعتزلة والقائلين بخلْق القرآن. وكان ذلك الكتاب يُقرأ كلّ جُمُعةٍ في حلْقة أصحاب الحديث بجامع المهديّ، ويحضره النّاسُ مدّة خلافته، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر. تُوُفّي ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجّة، ودُفِن بدار الخلافة فصلّى عليه ولده الخليفة بعده القائم بأمر الله ظاهرًا، والخلْقُ وراءه، وكبَّر عليه أرْبَعًا، فلم يزل مدفونًا في الدّار حتّى نُقِل تابوته في المركب ليلا إلى الرصافة، فدفن بها بعد عشرة أشهر، وعاش سبْعًا وثمانين سنة إلّا شهرًا وثمانية أيّام، رحمه الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
288 - الحسن بن عيسى ابن الخليفة المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد، أبو محمد العبّاسيّ. [المتوفى: 440 هـ]
سمع من مؤدّبه أحمد بن منصور اليَشْكُريّ، وأبي الأزهر عبد الوهّاب الكاتب. قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان ديِّنًا حافظًا لأخبار الخلفاء، عارفًا بأيّام النّاس، فاضلًا. تُوُفّي في شَعبان وله سبْعٌ وتسعون سنة. قلت: وروى عنه جماعة آخرهم أبو القاسم بن الحُصَيْن. قال: وُلِدتُ في أوّل سنة ثلاثٍ وأربعين وثلاثمائة، وغسله أبو الحسين ابن المهتدي بالله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
209 - عَبْد اللَّه أمير المؤمنين القائم بأمر اللَّه، أبو جعفر ابن القادر بالله أبي العباس أحمد ابن ولي العهد إسحاق ابن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ابن المعتضد، الهاشمي العباسي. [المتوفى: 467 هـ]
ولد فِي نصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وبويع بالخلافة بقبة الْإِسْلَام مدينة السلام بغداد يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وأمه أم ولد اسمها بدر الدجي الأرمنية، وقيل: اسمها قطر الندى، كذا سماها الخطيب. أدركت خلافته، وعاشت بعدها ثلاثين سنة. بويع عند موت والده القادر، وكان ولي عهده فِي حياته، وهو الَّذِي لقبه بالقائم بأمر اللَّه. قال ابن الأثير: كان جميلًا، مليح الوجه، أبيض. مشرباً حمرة، حسن الجسم، ورعاً، دينا، زاهدًا، عالمًا، قوي اليقين بالله، كثير الصدقة والصبر، له عناية بالأدب، ومعرفة حسنة بالكتابة. ولم يكن يرضى أكثر ما يكتب من الديوان، وكان يصلح فِيهِ أشياء، وكان مؤثرًا للعدل والإحسان وقضاء الحوائج، وكان لا يرى المنع من شيءٍ يطلب منه. قال: وكان سبب موته أنه أشرى فافتصد ونام، فانفجر فصاده وخرج منه دم كثير، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوته، فأيقن بالموت، وطلب ولي العهد ووصاه، ثُمَّ توفي رحمه اللَّه. وحكى الْحَسَن بْن مُحَمَّد القيلويي فِي " تاريخه " قال: ولما رجع الخليفة إِلَى داره، يعني نوبة البساسيري، لم يتجرد من ثيابه للنوم إِلَى أن مات، ولا نام على فراش غير مصلاه. وكان يصوم، فيما حكي عَنْه، أكثر -[246]- الزمان، ويقوم الليل، وعفا عن كل من عرفه بفساد وأحسن إليه، ومنع من أذية من أذاه. قال السلفي: حَدَّثَنِي عَبْد السلام بْن على القيسراني المعدل بمصر، قال: حَدَّثَنِي شيوخ بغداد أن القائم لم يسترد شيئًا مما نهب من قصره إلا بالثمن، ويقول: هَذِهِ أشياء احتسبناها عند اللَّه. وأنه منذ خرج من مقر عزه ما وضع رأسه على مخدة. وحين نهبوا قصره لم يجدوا فِيهِ شيئًا من آلات الملاهي. قال الخطيب فِي "تاريخه": ولم يزل أمره مستقيمًا إِلَى أن قبض عليه فِي سنة خمسين. وكان السبب فِي ذلك أن أرسلان التركي البساسيري كان قد عظم أمره واستفحل شأنه، لعدم نُظرائه، وانتشر ذِكره، وتهيَّبته أمراء العرب والعجم، ودعي له على المنابر، وجبى الأموال، وخرب القُرى. ولم يكن القائم يقطع أمرًا دونه. ثُمَّ صحَّ عنده سوء عقيدته، وشهد عنده جماعة أن البساسيري عرَّفهم وهو بواسط عزْمه على نْهب دار الخلافة، والقبض على أمير المؤمنين، فكاتب الخليفة أَبَا طَالِب مُحَمَّد بْن ميكال سلطان الغُزّ المعروف بطُغْرُلْبَك، وهو بالرِّيّ، يستنهضه فِي القدوم. ثُمَّ أُحرقت دار البساسيري، وقدِم طُغْرُلْبَك فِي سنة سبعٍ وأربعين، فَذَهب البساسيري إِلَى الرحْبة، وتلاحق به خلْق من الأتراك، وكاتَبَ صاحب مصر، فأمدّه بالأموال، ثُمَّ خرج طُغْرُلْبَك بعد سنتين إِلَى نصيبين، ومعه أخوه ينال فِي سنة خمسين، فخالف عليه أخوه، وسار بجيش عظيم وطلب الرّي، وكان البساسيري قد كاتبه وطمعه بمنصب أَخِيهِ طُغْرُلْبَك، فسار طُغْرُلْبَك فِي أثر أَخِيه، فتفرَّقت عساكره، وتواقَع هُوَ وأخوه بهَمَذان، فظهر عليه ينال وحصَره بهمذان. فعزم الوزير الكُنْدُري والخاتون زَوْجَة طُغْرُلْبَك وابنها على نجدة طُغْرُلْبَك، فاضطرب أمر بغداد، وأرجفوا بمجيء البساسيري، فبطل عزم الوزير، فهمت خاتون بالقبض عليه وعلى ابنها، ففرا إلى الجانب الغربي، وقطعا الجسر، فنهبت دُورهما، ومضَتْ هِيَ بجمهور الجيش نحو هَمَذان، وخرج ابنُها والوزير نحو الأهواز. فلما كان في ذي القعدة وصل البساسيري إِلَى الأنبار، ولم يحضر الخطيب يوم الجمعة، ونزلوا من المئذنة، فأخبروا أنهم رأوا عسكر البساسيري. وصلى -[247]- الناسُ ظُهْرًا. ثُمَّ وَرَدَ من الغد من عسكره مائتا فارس، فَلَمَّا كان يوم الأحد دخل البساسيري بغداد ومعه الرايات المصرية، فضرب مخيمه على دجلة، وأجمع أَهْل الكرْخ والعوام من الجانب الغربي على مُضافَرة البساسيري. وكان قد جمع العيارين وأهل الرساتيق، وأطمعهم فِي نهب دار الخليفة، والناسُ إذ ذاك فِي قَحْط، وبقي القتال كل يومٍ بين الفريقين فِي السُّفن، فَلَمَّا كان يوم الجمعة المقبلة دُعي لصاحب مصر بجامع المنصور، وزِيد في الأذان "حي على خير العمل"، وأصلحوا الجسر، وعَبَرَ الجيش، فنزلوا بالزاهر، وكفوا عن المحاربة أيامًا. وخندّق الخليفة حول داره، وأصلح سُورَها. ثُمَّ حشد البساسيري أَهْل الكرْخ وغيرهم، ونهضَ بهم إِلَى حرب الخليفة، فتحاربوا يومين، وقُتل قتلى كثيرة. وَفِي اليوم الثالث أتى البساسيري وجُموعه نحو دار الخليفة، وأحرقَ الأسواق بنهر مُعَلَّى، ووقع النَّهْب، وأحاطوا بدار الخلافة، وأُخذ منها ما لا يُحصى. ووجَّه الخليفة إِلَى قُرَيْش العُقَيْليّ البدوي، وكان قد جاء ناصرًا للبساسيري، فأذم للخليفة فِي نفسه، ولقيه فقبَّل بين يديه الأرض، وخرج الخليفة معه من الدار راكبًا وبين يديه رايةٌ سوداء، والأتراك بين يديه. ثُمَّ نزل بمخيمٍ ضُرِب له بأمر قريش. وقبض البساسيري على الوزير وعلى القاضي الدامغاني، وجماعة، وقيد الوزير والقاضي. فَلَمَّا كان يوم الجمعة من ذي الحجة، خطب لصاحب مصر فِي كل الجوامع إلا جامع الخليفة. ولما كان يوم عَرَفَة بُعِث الخليفة إِلَى عانة على الفُرات، وحُبِس هناك. وشهِّر الوزير فِي أواخر الشهر على جملٍ وطِيف به. ثُمَّ صلب حياً، وهو أبو القاسم ابن المسلمة. ثُمَّ جعلوا فِي فكَّيْه كلوبين من حديد، فمات ليومه. وأُطْلِق قاضي القضاة. وأما طُغْرُلْبَك فظفر بأخيه وقتله. وكاتب متولي عَانَة فِي رد الخليفة إِلَى داره مُكْرَمًا. وذُكر لنا أن البساسيري عزم على ذلك لما بلغه أن طُغْرُلْبَك متوجه إِلَى العراق. وحصل الخليفة فِي مقر عزّه فِي الخامس والعشرين من ذي القعدة من سنة إحدى وخمسين. ثُمَّ جهز طُغْرُلْبَك جيشًا، فحاربوا البساسيري بِسَقي الفُرات، وظفروا به فقُتل وحمل رأسُه إِلَى بغداد. وقال أبو الحسن عليّ بْن هبة اللَّه بْن عَبْد السّلام الكاتب: سمعتُ الأستاذ -[248]- أَبَا الفضل مُحَمَّد بْن علي بْن عامر قال: دخلنا فِي يومنا هَذَا إِلَى المخزن، فلم يبق أحد لقيني إلا وأعطاني قصَّة، فامتلأ كمي بالرقاع، فلما رَأَيْت كَثْرَتَها قلتُ: لو كان القائم بأمر اللَّه أخي لأَقلَّ المراعاة لي ولضجر مني. وألقيتها فِي بركة. وكان القائم ينظر وأنا لا أعلم، فَلَمَّا وقفت بين يديه أمر بأخذ الرقاع من البركة وبُسِطت فِي الشمس، ثُمَّ حُمِلت إليه، ووقَّع على الجميع. ثُمّ قال: يا عامّي، ما حملك على ما فعلت؟ وهل كان عليك دركٌ فِي إيصالها إلينا؟ فقلتُ: خفت أن تملّ. فقال: ويْحك، ما أطلقنا شيئًا من أموالنا، بل نَحْنُ خزّانهم فيها. واحذر أن تعود إِلَى ما فعلت. قال أبو يعلى حمزة ابن القلانِسيّ فِي " تاريخه ": رُوي أن القائم لمّا اعتُقل نَوْبة البساسيري كتبَ قَصّةً ونفذها إِلَى بيت اللَّه مستعديا إِلَى اللَّه على من ظلمه، فعلقت على الكعبة، وهي: " إِلَى اللَّه العظيم من المسكين عبده. اللَّهُمَّ إنك العالم بالسرائر، والمطلع على الضمائر، اللهُم إنّك غنيٌّ بعلمك واطلاعك على خلقك، عن إعلامي، هَذَا عبدٌ قد كفر نِعَمك ومَا شَكَرها، وألقى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلْمُك حَتَّى تعدّى علينا بغْيا، وأساء إلينا عتواً وعدوانا. اللَّهُمّ قلَّ الناصر، واعتزَّ الظالم، وأنت المطلع العالم، المنصف الحاكم. بك نعتز عليه، وإليك نهربُ من يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك. وقد حاكمناه إليك، وتوكلنا فِي إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا هَذِهِ إِلَى حَرَمَك، ووثقنا فِي كشْفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين ". تُوُفّي القائم بأمر اللَّه ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان، ودُفن فِي داره بالقصر الحسني. وكانت دولته خمسًا وأربعين سنة، وغسّله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي شيخ الحنابلة، وبُويع بعده المقتدي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
41 - أحمد المستظهر بالله، أمير المؤمنين أبو العبّاس ابن المقتدي بالله أمير المؤمنين أبي القاسم عَبْد الله ابن الأمير محمد الذّخيرة ابن القائم بأمر الله أَبِي جعفر عَبْد الله ابن القادر بالله أحمد بن إسحاق ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد الهاشميّ العبّاسيّ. [المتوفى: 512 هـ]
بُويع بالخلافة بعد موت المقتدي في ثامن عشر المحرَّم سنة سبْعٍ وثمانين، وعمره ستّة عشر عامًا وشهران؛ فإنّه وُلِد في شوّال سنة سبعين، وصلّى بالنّاس الظُّهْر، ثمّ صلّى عَلَى والده. وكان ميمون الطَّلْعة، حميدَ الأيّام. وَزَرَ لَهُ أبو منصور بن محمد بن جَهِير، وولي القضاء لَهُ أبو بَكْر بْن المظفَّر الشّاميّ قليلًا. ومات فولي بعده القضاء أبو الحَسَن عليّ بْن محمد بْن عليّ الدّامَغَانيّ. ووَزَرَ لَهُ بعدُ عميد الدّولة أَبِي منصور سديد الدّولة أبو المعالي الأصفهانيّ، ثمّ زعيم الرؤساء أبو القاسم علي ابن عميد الدّولة بْن جَهير، ثمّ مجد الدّين أبو المعالي هبة الله بْن المطَّلب، ثمّ نظام الدّين أبو منصور الحُسَيْن بْن أَبِي شجاع الوزير. قَالَ ابن الأثير: كَانَ ليّن الجانب، كريم الأخلاق، يسارع في أعمال البَرّ، وكانت أيّامه أيّام سرور للرّعيّة، فكأنّها مِن حُسْنها أعياد. وكان حسن الخطَّ، جيّد التّوقيعات، لا يقاربه فيها أحد، تدل عَلَى فضلٍ غزير، وعِلْمٍ واسع. ومات بعِلّة التّراقي، وهي دُمَّل تطلع في الحَلْق، وكان سَمْحًا جوادًا. قَالَ ابن الجوزي: كَانَ حافظًا للقرآن، مُحبًا للعلماء والصّالحين، منكرًا للظُّلم. ومن شِعْره: أذاب حَرُّ الهوى في القلب ما جمدا ... يوما مددت إلى رسْم الوداع يدا وكيف أسْلُكُ نَهجَ الاصطبار وقد ... أرى طرائقَ مَهْوَى الهَوَى قِدَدا إن كنت أنقض عهد الحب فسلني ... مِن بعد حبّي فلا عاتبتكم أبدا -[186]- وكانت خلافته خمسًا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأيّامًا، ولم تَصْفُ لَهُ الخلافة، بل كانت أيامه مضطّربة، كثيرة الحروب. وغسّله شيخ الحنابلة ابن عقيل، وصلّى عَليْهِ ابنه المسترشد بالله الفَضْلُ. وخلّف مِن الأولاد هذا، والمقتفي لأمر الله محمدًا، وعليا، وأبا طَالِب العبّاس، وإبراهيم، وعيسى، وإسماعيل. وتُوُفّيت بعده بقليل جدّته أرْجُوان الأرمنيّة والدة المقتدي، ولا يُعَلم خليفة عاشت بعده جدّته إلّا هُوَ. قَالَ السّلَفيّ: قَالَ لي أبو الخطّاب ابن الجرّاح: صلّيت بالمستظهر بالله في رمضان فقرأت: " إن ابنك سرق " رواية رويناها عَنِ الكِسائيّ. فلمّا سلّمتُ قَالَ: هذه قراءة حَسَنة؛ فيها تنزيهُ أولاد الأنبياء عَنِ الكذب. وللصارم مرجى البطائحي الشاعر: أصبحت بالمستظهر ابن المقتدي ... بالله ابن القائم ابن القادر مستعصمًا أرجو نوافل كفه ... وبأن يكون عَلَى العشيرة ناصري فيقرّ مَعَ كَبِري قراري عنده ... ويفوز مِن مدحي بشِعرٍ سائر فوقع المستظهر: يخير بين الصلة والانحدار، أو المقام والإدراز. فاختار الانحدار. ولمرجى هذا شعر كثير ثائر، أكثره في الهجو. توفي إلى رضوان الله في يوم الأربعاء الثّالث والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
176 - مُحَمَّد المقتفي لأمر اللَّه، أمير المؤمنين أبو عبد الله ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله عبد الله ابن الأمير محمد ابن القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر بالله أحمد بن إسحاق ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد الهاشميّ الْعَبَّاسيّ، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. [المتوفى: 555 هـ]
من سَرَوات الخلفاء، كان عالِمًا، ديَّنًا، شُجاعًا، حليمًا، دمِث الأخلاق، كامل السُّؤدُد، خليقًا للإمامة، قليل المِثْل فِي الأئمَّة عليهم السّلام، لا يجري في دولته أمرٌ وإن صَغُر إلا بتوقيعه. وكتب فِي خلافته ثلاث رَبْعات منها رَبْعةٌ نفذت إلى بلاد فارس. ووَزَرَ له عليّ بْن طِراد الزَّيْنَبيّ، ثُمَّ أبو نصر بْن جَهِير، ثُمَّ أبو القَاسِم عليّ بْن صَدَقة، ثُمَّ أبو المظفَّر يحيى بْن هُبَيْرة. وحَجَبَه أبو المعالي ابن الصّاحب، ثُمَّ كامل بْن مسافر، ثُمَّ أبو غالب ابن المعوّج، ثُمَّ أبو الفتح بْن الصُّيْقل، ثُمَّ أبو القاسم علي ابن الصّاحب. وكان آدَمَ، مجدُور الوجه، مليح الشيبة، له هَيْبة عظيمة، وأمّه حَبَشِيَّة. وُلِدَ سنة تسع وثمانين وأربعمائة فِي الثّاني والعشرين من ربيع الأوّل، وبوُيع بالخلافة في السادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة، وقد جاوز الأربعين. وسمع من مؤدّبه أبي البركات بن أبي الفرج ابن السيبي. قال ابن السَّمْعانيّ: وأظنّ أنّه سمع " جزء ابن عرفة " من أبي القاسم بن بيان، مع أخيه المسترشد بالله، واتَّفق أني كتبتُ قصَّةً إليه، وسألته الإنعام بالأحاديث، والإذن فِي السّماع منه، فأنعم وفتّش على الجزء ونفذه إليَّ على يد شيخنا أبي مَنْصُور ابن الجواليقي، وكان يؤم به الصلوات، فخرجت من بغداد قبل أن أسمعه منه، غير أنّي سمعته من ابن الجواليقيّ، وكان قد قرأه عليه: حَدَّثَنَا أَبُو مَنْصُورٍ، قال: أخبرنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، قال: أخبرنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو محمد الصريفيني، قال: أخبرنا المخلص، قال: أخبرنا إسماعيل الوراق، قال: حدثنا حفص بن عمرو الربالي، قال: حدثنا أبو سحيم، قال: حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ -[99]- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً وَلَا النَّاسُ إِلَّا شُحًّا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا على شرار الناس ". قلت: أخبرناه أبو المعالي الهمذاني، قال: أخبرنا أبو علي ابن الجواليقي، قال: أخبرنا أبو المظفَّر يحيى بْن مُحَمَّد الوزير قال: قرأت على مولانا المقتفي لأمر اللَّه سنة اثنتين وخمسين: حدثكم السيبي، فذكره. وأجازه لنا جماعة سمعوه من الكندي، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الله ابن البيضاوي، قال: أخبرنا أبو محمد بن هزارمرد الصريفيني، فذكره. وقد جدد المقتفي بابًا للكعبة، واتَّخذ من العتيق تابوتًا لدفنه. وكان محمود السّيرة، مشكور الدّولة، يرجع إلى دين، وعقل، وفضل، ورأي، وسياسة؛ جدّد معالم الإمامة، ومهَّد رسوم الخلافة، وباشر الأمور بنفسه، وغزا غير مرَّةٍ فِي جُنُوده، وامتدَّت أيّامه. وذكر أبو طَالِب عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد السميع الهَاشِميّ فِي كتاب " المناقب الْعَبَّاسيَّة " المقتفي، فقال: كانت أيّامه نَضِرة بالعدْل، زَهِرة بفعل الخيرات، وكان على قدمٍ من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه ومعه. وكان فِي أوّل عمره متشاغلًا بالدين، ونسخ العلوم وقراءة القرآن. إلى أنّ قال: ولم يُر مع سماحته ولِين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة فِي شهامته وصرامته وشجاعته، مع ما خُصَّ به من زُهده وورعه وعبادته. ولم تزل جيوشه منصورة حيث يمَّمت. قال ابن الْجَوْزِيّ: مات بالتراقي، وقيل: دمل كان فِي عُنُقه، فتُوُفّي ليلة الأحد ثاني ربيع الأوّل، عن ستٍّ وستِّين سنة إلا ثمانيةٍ وعشرين يَوْمًا. قال: ومن العجائب أنّهُ وافق أَبَاهُ فِي علَّة التّراقي، وماتا جميعًا فِي ربيع الأوّل. وتقدَّم موت شاه مُحَمَّد على موت المقتفي بثلاثة أشهر، وكذلك المستظهر مات قبله السّلطان مُحَمَّد بْن ملكشاه بثلاثة أشهر. ومات المقتفي بعد الغَرَق -[100]- بسنة، وكذلك القائم مات بعد الغرق بسنة. وكان من سلاطين دولته السّلطان سَنْجَر صاحب خُرَاسَان، والسّلطان نور الدِّين صاحب الشَّام. واستوزر عَوْنَ الدِّين يحيى بْن هُبَيْرة. وكان هُوَ الذي أقام حشمة الدّولة العبّاسيَّة، وقطع عَنْهَا أطماع الملوك السَّلْجُوقيَّة وغيرهم من المتغلّبين. ومِن أيّام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء، ولم يبق لهم فيها مُنَازع. وقبل ذلك لعلّ من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلّبين من الملوك، وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة. وكان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كريمًا، جوادًا، محِبًا للحديث وسَمَاعه، معتنيًا بالعِلم، مُكرِمًا لأهله. وبويع بعده ولده أبو المظفر يوسف بن محمد، ولُقِّب بالمستنجد بالله. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*المقتدر بالله هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، تولى الخلافة بعد أخيه «المكتفى» بعهد منه فى (ذى القعدة سنة 295هـ= أغسطس سنة 908م)، وكان صبيا فى الثالثة عشرة من عمره، ولم يلِ الخلافة قبله أصغر منه.
أثار تولى «المقتدر» الخلافة اعتراض كثير من رجال الدولة بسبب صغر سنه، وعدم قدرته على الاضطلاع بشئون الخلافة مع وجود الأقدر منه على تحمل المسئولية، خاصة «عبد الله بن المعتز» الشاعر المعروف بتمام العقل وجودة الرأى، فاتفق رأى عدد منهم على خلع «المقتدر» وتولية «عبدالله بن المعتز»، وكان عمره نحو تسعة وأربعين عامًا، وعندما عرضوا الأمر على «ابن المعتز» وافق بشرط ألا يسفك دم أو تنشب حرب، فأخبروه أن الأمر يُسلَّم إليه عفوًا، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكُتَّاب قد رضوا به فبايعهم على ذلك، وتمت البيعة لابن المعتز فى (19من ربيع الأول سنة 296هـ= نوفمبر سنة 908م)، ولقب بالراضى بالله، ولكن أنصار «المقتدر» - وعلى رأسهم «مؤنس الخادم» - لم يرضوا بهذه البيعة، وتوجهوا نحو «ابن المعتز» وأنصاره وقبضوا عليهم وفتكوا بهم وأعادوا تنصيب «المقتدر» فى اليوم التالى لبيعة «ابن المعتز»، الذى لم يمكث فى الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ولهذا يتجاهله المؤرخون عند ذكرهم قائمة خلفاء «بنى العباس». وقد تدهورت الأوضاع فى عهد «المقتدر»، وانتشرت الفتن وازداد تمزق الدولة، وأصبحت الخلافة نهبًا للطامعين بسبب صغر سنه، وأفلت زمام الأمور من يده، وتحكم النساء والخدم فى شئون البلاد، فكانت «أم المقتدر» وتسمى «شغب» تولِّى من تشاء وتعزل من تشاء، كما كان «مؤنس الخادم» صاحب مكانة متميزة وخطيرة فى عهد «المقتدر». وقد ازداد خطر القرامطة اتساعًا وعنفًا فى عهد «المقتدر»، ووصل مداه سنة (317هـ= 929م)، حينما دخلوا «مكة» بقيادة «أبى طاهر القرمطى» (3) وقتلوا الحجاج فى المسجد الحرام، واستولوا على الحجر الأسود وأخذوه إلى |