نتائج البحث عن (تيفا) 25 نتيجة

(التيفاق) يُقَال أَتَيْتُك لتيفاق الْأَمر أَي لتوفاقه وَالْبَيْت الْمَعْمُور تيفاق الْكَعْبَة أَي حذاءها

(التيفاق) يُقَال أَتَيْتُك لتيفاق الْهلَال أَي حِين أهل
الاستيفاء:[في الانكليزية] Exhaustion of the subject [ في الفرنسية] Epuisement du sujet هو عند البلغاء أن يسعى الشاعر أقصى جهده في المدح والوصف حتى يبلغ الغاية التي ليس وراءها غاية. وهذا عين البلاغة. ونظائره مثل نظائر البلاغة. أمّا في الصنائع فقد أورد الاسم للضرورة. كذا في جامع الصنائع.
تِيفَارِينُ:
بكسر أوله، وسكون ثانيه، والفاء، وكسر الراء، وياء ساكنة، ونون: موضع عن العمراني.
تِيفَاشُ:
بالشين معجمة: مدينة أزلية بإفريقية، شامخة البناء وتسمى تيفاش الظالمة، ذات عيون ومزارع [1] سقط هنا ذكر الخامسة.
كثيرة، وهي في سفح جبل.
ستيفاني
عن اليونانية بمعنى متوج أو مكلل. يستخدم للإناث.
شتيفان
عن الألمانية شتيفان؛ والأصل في اليونانية ستيفانوس بمعنى هالة الشهيد. يستخدم للذكور.
تيفاقُ الكعبةِ، بالكسر: بِمعنَى تُجاهِها، مَوْضِعُهُ: وف ق.

اسْتِيفَاء الدّين

دستور العلماء للأحمد نكري

اسْتِيفَاء الدّين: لَا يَنْعَدِم بِهِ الدّين بل يثبت لكل من الدَّائِن والمديون دين على الآخر بعد الِاسْتِيفَاء بِنَاء على أَن الدُّيُون تقضى بأمثالها لَا بِأَعْيَانِهَا لَكِن يسْقط الطّلب بعد الِاسْتِيفَاء بِعَدَمِ الْفَائِدَة فِي الطّلب. تَوْضِيحه أَن زيدا اسْتقْرض مائَة دِرْهَم من عَمْرو وَقَبضهَا فَصَارَ دين عَمْرو على زيد ثمَّ إِذا أدّى زيد مائَة دِرْهَم من عِنْد نَفسه إِلَى عَمْرو صَار دين زيد على عَمْرو لِأَن هَذِه الْمِائَة لَيست على عين مَا استقرضه فَصَارَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا دين على الآخر فَيَنْبَغِي أَن يطْلب كل مِنْهُمَا مائَة دِرْهَم من الآخر لَكِن يسْقط الطّلب بِعَدَمِ الْفَائِدَة من الطّلب. وَمن متفرعات بَقَاء الدّين بعد الِاسْتِيفَاء جَوَاز الْإِبْرَاء عَن الدّين بعد الِاسْتِيفَاء فَيجب رد مَا استوفي على الْمَدْيُون فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك فِي الْهِدَايَة وَشرح الْوِقَايَة فِي آخر كتاب الرَّهْن.

التَّفْضِيل بالواسطة مع استيفاء الشروط

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

التَّفْضِيل بالواسطة مع استيفاء الشروطالأمثلة: 1 - الأب أكثر كرمًا من ابنه 2 - العالم أشد حبًّا للعلم من المال 3 - هو أشد بخلاً من أخيهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال فعل مساعد في التفضيل من فعل مستوفٍ لشروط التفضيل.

الصواب والرتبة:1 - الأب أكثر كرمًا من ابنه [فصيحة]-الأب أكرم من ابنه [فصيحة]2 - العالم أحبّ للعلم من المال [فصيحة]-العالم أشد حُبًّا للعلم من المال [فصيحة]3 - هو أبخل من أخيه [فصيحة]-هو أشدّ بخلاً من أخيه [فصيحة] التعليق: الأصل أن يصاغ أفعل التفضيل مباشرة من الفعل المستوفي للشروط، ولكن استخدام فعل مساعد معه جائز أيضًا، وهو يحقق غرضين، الأول: استخدام أسلوب التمييز الذي يفيد الإيضاح بعد الإبهام، وهو أوقع في النفس. والثاني: المبالغة في الوصف، فكأنه قيل في هذا المثال: اشتد بخل أخيه، وبخله هو أشد، وهذا أدل على فرط البخل وشدته من التفضيل المباشر. وقد ورد نظير ذلك في القرآن الكريم كقوله تعالى: {{فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}} البقرة/74.
إبراء الاسْتيفاء:هو عبارةٌ عن اعتراف أحدٍ بقبضِ حقه الذي هوي في ذمة الآخر واستيفائِه وهو نوعُ إقرار.

استيفاء الحقوق، في المحلف والمسبوق

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

استيفاء الحقوق، في المحلف والمسبوق
للشيخ: محمد بن محمد بن خضر المقدسي.
المتوفى: سنة ثمان وثمانمائة.
الاسْتِيفَاءُ: علم بقوانين يعرف بهَا ضبط مدَاخِل أَمْوَال الدِّيوَان، وإخراجاتها لكيفيات المحاسبات وكمياتها.
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِسْتِيفَاءُ: مَصْدَرُ اسْتَوْفَى، وَهُوَ أَخْذُ صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ كَامِلاً، دُونَ أَنْ يَتْرُكَ مِنْهُ شَيْئًا. (1)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقَبْضُ:
2 - قَبَضَ الدَّيْنَ أَخَذَهُ، وَهُوَ كَمَا يَكُونُ فِي الدُّيُونِ يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الأَْعْيَانِ، فَالْقَبْضُ أَعَمُّ مِنْ الاِسْتِيفَاءِ.

عَلاَقَةُ الاِسْتِيفَاءِ بِالإِْبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ:
3 - مِنْ تَقْسِيمَاتِ الإِْبْرَاءِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ: إِمَّا إِبْرَاءُ إِسْقَاطٍ، أَوْ إِبْرَاءُ اسْتِيفَاءٍ، فَفِي الْكَفَالَةِ لَوْ قَال الدَّائِنُ لِلْكَفِيل: بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الْمَال، كَانَ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ لِكُلٍّ مِنَ الْكَفِيل وَالدَّائِنِ، أَمَّا لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إِبْرَاءَ إِسْقَاطٍ، يُبَرَّأُ بِهِ الْكَفِيل فَقَطْ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إِبْرَاءٌ) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرْجِيحِ حَقِيقَةِ الْحَوَالَةِ، هَل هِيَ بَيْعٌ أَوِ اسْتِيفَاءٌ؟ قَال النَّوَوِيُّ: وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ بِحَسَبِ الْمَسَائِل، لِقُوَّةِ الدَّلِيل وَضَعْفِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: لَوْ خَرَجَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَقَدْ شَرَطَ يَسَارَهُ، فَالأَْصَحُّ لاَ رُجُوعَ
__________
(1) القاموس، ولسان العرب مادة (وفى) .

لِلْمُحَال، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ، وَمُقَابِلُهُ: لَهُ الرُّجُوعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ. (1)
مَنْ لَهُ حَقُّ الاِسْتِيفَاءِ:
4 - يَخْتَلِفُ مَنْ لَهُ حَقُّ الاِسْتِيفَاءِ بِاخْتِلاَفِ الْحَقِّ الْمُرَادِ اسْتِيفَاؤُهُ، إِذْ هُوَ إِمَّا حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَوْ حَقٌّ خَالِصٌ لِلْعَبْدِ، كَالدُّيُونِ، أَوْ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ.
وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُقَسِّمُ هَذَا الْحَقَّ الْمُشْتَرَكَ إِلَى قِسْمَيْنِ: مَا غَلَبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ، وَمَا غَلَبَ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ كَالْقِصَاصِ.
وَالْمُرَادُ بِحَقِّ الْعَبْدِ الْمَحْضِ: مَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهُ لَسَقَطَ، وَإِلاَّ فَمَا مِنْ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إِلاَّ وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَمَرَهُ بِإِيصَال ذَلِكَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَيُوجَدُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ حَقٍّ لِلْعَبْدِ، وَلاَ يُوجَدُ حَقٌّ لِعَبْدٍ إِلاَّ وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى. (2)
اسْتِيفَاءُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى
أَوَّلاً: اسْتِيفَاءُ الْحُدُودِ:
5 - يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ إِنْفَاذُ الْحُدُودِ، وَلاَ يَمْلِكُ وَلِيُّ الأَْمْرِ وَلاَ غَيْرُهُ إِسْقَاطَهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا لَدَيْهِ، وَاَلَّذِي يَتَوَلَّى اسْتِيفَاءَهَا هُوَ وَلِيُّ الأَْمْرِ أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ، فَإِنِ اسْتَوْفَاهَا غَيْرُهُ دُونَ إِذْنِهِ يُعَزَّرُ لاِفْتِيَاتِهِ عَلَيْهِ. (3)
__________
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 151 - 152 ط التجارية.
(2) الفروق 1 / 141 ط دار إحياء الكتب العربية سنة 1344 هـ.
(3) ابن عابدين 3 / 145، 187، والمغني 8 / 326، والفروق للقرافي 4 / 179، وتبصرة الحكام 2 / 260 ط الحلبي، والبجيرمي على ابن قاسم 2 / 37 ط الحلبي 1343 هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 242 ط الحلبي 1938 م، ومغني المحتاج 4 / 61 ط الحلبي 1958 م.

أ - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ حَدِّ الزِّنَا:
6 - حَدُّ الزِّنَا إِمَّا الرَّجْمُ، وَإِمَّا الْجَلْدُ:
وَعَلَى كُلٍّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الزِّنَا قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالإِْقْرَارِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، فَالْحَنَفِيَّةُ يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَحْضُرَ الشُّهُودُ، وَأَنْ يَبْدَءُوا بِالرَّجْمِ، فَإِنْ امْتَنَعُوا سَقَطَ الْحَدُّ.
وَغَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَشْتَرِطُونَ حُضُورَ الشُّهُودِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ يَرَوْنَ حُضُورَهُمْ مُسْتَحَبًّا، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَرَوْنَ حُضُورَهُمْ وَاجِبًا وَلاَ مُسْتَحَبًّا.
وَالْكُل مُجْمِعٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ حَاوَل الْهَرَبَ لاَ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، بَل قَال بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إِنْ خِيفَ هَرَبُهُ يُقَيَّدُ أَوْ يُحْفَرُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً يُحْفَرُ لَهَا، أَوْ تُرْبَطُ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا حَتَّى لاَ تَتَكَشَّفَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ بِالإِْقْرَارِ، فَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ حَاوَل الْهَرَبَ لَمْ يُتَّبَعْ، وَيُوقَفُ التَّنْفِيذُ، جَلْدًا كَانَ أَوْ رَجْمًا، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ رُجُوعًا عَنْ إِقْرَارِهِ.
وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ وَخِلاَفٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَْحْكَامِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ (حَدِّ الزِّنَا) .
وَإِذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا فَالْكُل مُجْمِعٌ عَلَى نَزْعِ مَا يَلْبَسُهُ مِنْ حَشْوٍ أَوْ فَرْوٍ.
فَإِنْ كَانَ رَجُلاً يُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمَحْدُودُ بِالْجَلْدِ مَرِيضًا مَرَضًا يُرْجَى شِفَاؤُهُ أُرْجِئَ التَّنْفِيذُ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً حَامِلاً أُرْجِئَ الْحَدُّ مُطْلَقًا - رَجْمًا أَوْ جَلْدًا -

إِلَى أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، وَيَسْتَغْنِيَ وَلَدُهَا عَنْ الرَّضَاعِ مِنْهَا. (1)

ب - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ حَدِّ الْقَذْفِ وَحَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ:
7 - سَبَقَ مَا يَتَّصِل بِالْجَلْدِ وَحَدِّ الزِّنَا، عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي الْجَلْدِ فِي حَدِّ الزِّنَا أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ مِنْهُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ أَشَدَّ مِنْهُ فِي حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ.
وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى (حَدِّ الْقَذْفِ) (وَحَدِّ الْخَمْرِ) . (2)
هَذَا، وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٌ فِي آلَةِ الاِسْتِيفَاءِ فِي الْجَلْدِ وَمُلاَبَسَاتِهِ، تَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ عَدَمِ تَعْرِيضِ الْمُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَدُّ إِلَى التَّلَفِ جُزْئِيًّا أَوْ كُلِّيًّا، وَتَفْصِيلاَتُ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ. وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ (جَلْد) وَمُصْطَلَحَ (رَجْم) .
هَذَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ مَبْنَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْعَلاَنِيَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (3) وَلِكَيْ يَحْصُل الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ، فَيَأْمُرُ الإِْمَامُ قَوْمًا غَيْرَ مَنْ يُقِيمُونَ الْحَدَّ بِالْحُضُورِ. (4)

ج - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ حَدِّ السَّرِقَةِ:
8 - حَدُّ السَّرِقَةِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ،
__________
(1) رد المحتار 3 / 147، والبدائع 7 / 39، والزرقاني 8 / 84، ونهاية المحتاج 7 / 414، والمغني 9 / 45.
(2) رد المحتار 3 / 162، والمراجع السابقة.
(3) سورة النور / 3.
(4) ابن عابدين 3 / 145.

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الَّذِي يُقِيمُ حَدَّ الْقَذْفِ وَحَدَّ السَّرِقَةِ هُوَ الإِْمَامُ. (1)
وَالتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ ثُبُوتِ الْحُدُودِ، وَحَالاَتِ سُقُوطِهَا يُذْكَرُ فِي أَبْوَابِ الْحُدُودِ. أَمَّا كَيْفِيَّةُ الاِسْتِيفَاءِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، فَالْفُقَهَاءُ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ بِشُرُوطِهِ الْمُبَيَّنَةِ فِي بَابِهِ، فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى بِقَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى مِنْ مِفْصَل الْكَفِّ، بِطَرِيقَةٍ تُؤْمَنُ مَعَهَا السِّرَايَةُ، كَالْحَسْمِ بِالزَّيْتِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْوَسَائِل. لِحَدِيثِ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ (2) .

د - مَكَانُ اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ:
9 - لاَ يُسْتَوْفَى حَدٌّ وَلاَ قِصَاصٌ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى لَوْ وَقَعَتِ الْجِنَايَةُ فِيهِ، لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى تَلْوِيثِهِ، أَمَّا إِذَا وَقَعَتِ الْجِنَايَةُ فِي الْحَرَمِ دُونَ الْمَسْجِدِ فَالإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا وَقَعَتْ فِي الْحِل وَلَجَأَ الْجَانِي إِلَى الْحَرَمِ،
__________
(1) بداية المجتهد 2 / 433 ط المعاهد.
(2) المغني 9 / 120 - 123 وما بعدها ط مكتبة القاهرة، والشرح الكبير 4 / 308 توزيع دار الفكر، ونهاية المحتاج 7 / 445، والبدائع 7 / 85 ط الجمالية. وحديث " اقطعوه ثم احسموه " أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة بلفظ " أن رسول الله أتي بسارق سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله إن هذا سرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به، فقطع فأتي به. . . ". وأخرجه موصولا أيضا الحاكم والبيهقي، وصححه ابن القطان، وأخرجه أبو داود في المراسيل من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان بدون ذكر أبي هريرة، ورجح المرسل ابن خزيمة وابن المديني وغير واحد. (سنن الدارقطني 3 / 102 ط دار المحاسن للطباعة 1386 هـ، ونيل الأوطار 7 / 142 ط مصطفى الحلبي 1380 هـ) .

فَقَدِ اُخْتُلِفَ فِيهِ: فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُخْرَجُ، بَل يُضْطَرُّ لِلْخُرُوجِ بِمَنْعِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَنْهُ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} (1) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يُبَاحُ إِخْرَاجُهُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُؤَخَّرُ بَل يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوِ الْقِصَاصُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. قَال فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ فَارًّا بِدَمٍ (2) .

ثَانِيًا: اسْتِيفَاءُ التَّعْزِيرَاتِ:
10 - التَّعْزِيرَاتُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، فَقَال مَالِكٌ: وَجَبَ التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللَّهِ كَالْحُدُودِ، إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الإِْمَامِ أَنَّ غَيْرَ الضَّرْبِ مَصْلَحَةٌ مِنَ الْمَلاَمَةِ وَالْكَلاَمِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَنْصُوصًا مِنَ الشَّارِعِ عَلَى التَّعْزِيرِ وَجَبَ، وَإِلاَّ فَلِلإِْمَامِ إِقَامَتُهُ أَوِ الْعَفْوُ عَنْهُ، حَسَبَ الْمَصْلَحَةِ وَحُصُول الاِنْزِجَارِ بِهِ أَوْ بِدُونِهِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الإِْمَامِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ
__________
(1) سورة آل عمران / 97.
(2) ابن عابدين 5 / 363 ط الأميرية الثالثة، والدسوقي 4 / 231 - 232، والجمل 5 / 50، ونهاية المحتاج 7 / 288، والمغني 8 / 236. وحديث " إن الحرم لا يعيذ عاصيا. . . " أخرجه البخاري ومسلم من مقولة عمرو بن سعيد. (فتح الباري 4 / 41 ط السلفية، وصحيح مسلم بشرح النووي 9 / 127، 128 ط المطبعة المصرية بالأزهر 1347 هـ) .

تَرَكَهُ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذَا وَأَدِلَّتُهُ فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِير) . (1)
ثَالِثًا: اسْتِيفَاءُ حُقُوقِ اللَّهِ الْمَالِيَّةِ:
أ - اسْتِيفَاءُ الزَّكَوَاتِ:
11 - مَال الزَّكَاةِ نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعُ وَالْمَال الَّذِي يَمُرُّ بِهِ التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِرِ، وَبَاطِنٌ: وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمْوَال التِّجَارَةِ فِي مَوَاضِعِهَا.
وَوِلاَيَةُ أَخْذِ الزَّكَاةِ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ لِلإِْمَامِ فِي مَذَاهِبِ: الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَأَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (2) وَاَلَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْل التَّأْوِيل أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} (3) فَقَدْ جَعَل اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا حَقًّا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلإِْمَامِ أَنْ يُطَالِبَ أَرْبَابَ الأَْمْوَال بِصَدَقَاتِ الأَْنْعَامِ وَالزُّرُوعِ فِي أَمَاكِنِهَا، وَكَانَ أَدَاؤُهَا إِلَى أَرْبَابِ الأَْمْوَال، لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْعَامِلِينَ وَجْهٌ.
وَكَانَ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالأَْئِمَّةُ بَعْدَهُ يَبْعَثُونَ الْمُصَدِّقِينَ إِلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَالْبُلْدَانِ وَالآْفَاقِ، لأَِخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنَ الأَْنْعَامِ وَالْمَوَاشِي فِي
__________
(1) ابن عابدين 3 / 145، 187، والمغني 8 / 326، والفروق للقرافي 4 / 179، وتبصرة الحكام 2 / 260 ط الحلبي، والبيجوري على ابن قاسم 2 / 237 ط الحلبي 1343 هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 242 ط الحلبي 1938 م، ومغني المحتاج 4 / 61 ط الحلبي 1958 م.
(2) سورة التوبة / 103.
(3) سورة التوبة / 60.

أَمَاكِنِهَا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يَلْحَقُ بِالأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ الْمَال الْبَاطِنُ إِذَا مَرَّ بِهِ التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِرِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ فِي الْجُمْلَةِ، لأَِنَّهُ لَمَّا سَافَرَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْعُمْرَانِ صَارَ ظَاهِرًا وَالْتَحَقَ بِالسَّوَائِمِ، وَهَذَا لأَِنَّ الإِْمَامَ إِنَّمَا كَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِزَكَاةِ الْمَوَاشِي فِي أَمَاكِنِهَا لِمَكَانِ الْحِمَايَةِ، لأَِنَّ الْمَوَاشِيَ فِي الْبَرَارِيِّ لاَ تَصِيرُ مَحْفُوظَةً إِلاَّ بِحِفْظِ السُّلْطَانِ وَحِمَايَتِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي مَالٍ يَمُرُّ بِهِ التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِرِ فَكَانَ كَالسَّوَائِمِ. وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. (1)
وَهَذَا الْحُكْمُ (دَفْعُ زَكَاةِ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ إِلَى الأَْئِمَّةِ) إِذَا كَانَ الأَْئِمَّةُ عُدُولاً فِي أَخْذِهَا وَصَرْفِهَا.
وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ عُدُولٍ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، فَإِنْ طَلَبَهَا الإِْمَامُ الْعَدْل فَادَّعَى الْمُزَكِّي إِخْرَاجَهَا لَمْ يُصَدَّقْ، (2) وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ السَّلاَطِينَ الَّذِينَ لاَ يَضَعُونَ الزَّكَاةَ مَوَاضِعَهَا إِذَا أَخَذُوا الزَّكَاةَ أَجْزَأَتْ عَنِ الْمُزَكِّينَ، لأَِنَّ وِلاَيَةَ الأَْخْذِ لَهُمْ، فَلاَ تُعَادُ. وَقَال بَعْضُهُمْ: يَسْقُطُ الْخَرَاجُ وَلاَ تَسْقُطُ الزَّكَوَاتُ. وَمُؤَدَّى هَذَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ غَيْرَ عَادِلٍ فَلِلْمُزَكِّي إِخْرَاجُ زَكَاتِهِ. (3)
وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ. أَنَّهُ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ عَدْلاً فَفِيهَا قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الإِْيجَابِ، وَلَيْسَ لَهُمْ التَّفَرُّدُ بِإِخْرَاجِهَا، وَلاَ تُجْزِئُهُمْ إِنْ أَخْرَجُوهَا. (4)
__________
(1) البدائع 2 / 37 وما بعدها ط شركة المطبوعات، والشرح الكبير 1 / 462 ط دار الفكر، والأحكام السلطانية ص 113.
(2) الشرح الكبير 1 / 462.
(3) البدائع 2 / 36.
(4) الأحكام السلطانية ص 113 ط الحلبي.

وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَخْتَلِفُ عَنِ الْجُمْهُورِ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ، أَمَّا فِي الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ فَقَدْ صَرَّحَ أَبُو يَعْلَى بِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَالِي الصَّدَقَاتِ نَظَرٌ فِي زَكَاتِهَا، وَأَرْبَابُهَا أَحَقُّ مِنْهُ بِإِخْرَاجِهَا إِلاَّ أَنْ يَبْذُل رَبُّ الْمَال زَكَاتَهَا طَوْعًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ لِلإِْمَامِ طَلَبَ زَكَاةِ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ أَيْضًا. (1)
وَإِذَا تَأَكَّدَ الإِْمَامُ أَنَّ أَرْبَابَ الأَْمْوَال لاَ يُؤَدُّونَ زَكَاتَهَا أَجْبَرَهُمْ عَلَى إِيتَائِهَا وَلَوْ بِالْقِتَال، كَمَا فَعَل أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا يَفِي الزَّكَاةَ، وَهَذَا إِنْ كَانَ الإِْمَامُ يَضَعُهَا مَوْضِعَهَا، وَإِلاَّ فَلاَ يُقَاتِلُهُمْ. (2)
ب - اسْتِيفَاءُ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ:
12 - لَيْسَ لِلإِْمَامِ وِلاَيَةُ اسْتِيفَاءِ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّيهَا مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ. (3) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ طَلَبُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْكَفَّارَةِ. (4)
اسْتِيفَاءُ حُقُوقِ الْعِبَادِ:
أَوَّلاً: اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ:
13 - اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ إِذْنِ الإِْمَامِ، فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِدُونِ إِذْنِهِ وَقَعَ مَوْقِعَهُ، وَعُزِّرَ لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى الإِْمَامِ.
__________
(1) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 99، والإنصاف 3 / 192.
(2) كشاف القناع 2 / 257 ط الرياض.
(3) تنبيه: القواعد العامة للشريعة توجب على الإمام جبر الممتنع من أداء الواجب ديانة، وعلى هذا لو امتنع من وجبت عليه كفارة، أو الناذر عن أداء ما وجب عليه، فعلى الإمام إجباره على الأداء.
(4) الإنصاف 3 / 192، والقليوبي 3 / 189.

ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ هُوَ الإِْمَامُ، وَلَيْسَ لِلأَْوْلِيَاءِ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُمْ التَّجَاوُزُ أَوِ التَّعْذِيبُ.
أَمَّا إِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي يَتَوَلاَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قُتِل مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} (1) .
وَلِلْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ الْقَاتِل إِلَى أَخِ الْمَقْتُول وَقَال لَهُ: دُونَكَ صَاحِبُكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (2) وَلَهُ أَنْ يُوَكِّل فِيهِ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَكَّلُوا أَحَدَهُمْ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْصْل تَوَلِّي الإِْمَامِ أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ ذَلِكَ، فَإِنْ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ بِنَفْسِهِ، وَرَآهُ الإِْمَامُ أَهْلاً أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلاَّ لَمْ يُجِبْهُ.
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاص) .
هَذَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِ حُضُورِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، لِيُؤْمَنَ التَّجَاوُزُ أَوِ التَّعْذِيبُ، وَحُضُورُ الْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِالْقِصَاصِ مَسْنُونٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِوُجُوبِ حُضُورِ صَاحِبِ الْحَقِّ رَجَاءَ أَنْ يَعْفُوَ. (3)
أ - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ.
14 - قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ
__________
(1) سورة الإسراء / 33.
(2) صحيح مسلم 2 / 1308 ط استانبول (الكتب الستة) .
(3) البدائع 7 / 242 - 246، والبحر الرائق 8 / 339، والدسوقي 4 / 259، والحطاب 6 / 250، والمواق 6 / 253، والروضة 9 / 221، ونهاية المحتاج 7 / 286، 287.

الْقِصَاصَ لاَ يُسْتَوْفَى إِلاَّ بِالسَّيْفِ، لِقَوْل النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ. (1)
وَالْقَوَدُ هُوَ الْقِصَاصُ، فَكَانَ هَذَا نَفْيُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ بِغَيْرِ السَّيْفِ. (2)
وَإِنْ أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يَقْتُل بِغَيْرِ السَّيْفِ لاَ يُمَكَّنُ لِلْحَدِيثِ، وَلَوْ فَعَل يُعَزَّرُ، لَكِنْ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْقَتْل حَقُّهُ، فَإِذَا قَتَلَهُ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِالاِسْتِيفَاءِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، لِمُجَاوَزَتِهِ حَدَّ الشَّرْعِ. (3)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ - أَنَّ الْقَاتِل يُقْتَل بِمِثْل مَا قَتَل بِهِ، وَدَلِيلُهُ: حَدِيثُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ مُسْلِمَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ كَذَلِكَ. (4) وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ الْقَتْل بِبَيِّنَةٍ أَوِ اعْتِرَافٍ.
__________
(1) حديث " لا قود إلا بالسيف " أخرجه ابن ماجه من حديث أبي بكر، والنعمان بن بشير مرفوعا. وأما حديث أبي بكرة قال أبو حاتم: حديث منكر، وأعله البيهقي بمبارك بن فضالة. وأما حديث النعمان بن بشير فسنده ضعيف أيضا، قال عبد الحق وابن عدي وابن الجوزي: طرقه كلها ضعيفة، قال ابن حجر في التلخيص: رواه ابن ماجه والبزار والطحاوي والطبراني والدارقطني والبيهقي، وألفاظهم مختلفة. وإسناده ضعيف، قال البيهقي: أحاديث هذا الباب كلها ضعيفة (سنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 2 / 89 ط عيسى الحلبي 1373 هـ، وفيض القدير 6 / 436 نشر المكتبة التجارية 1357 هـ، وتلخيص الحبير 4 / 19 ط شركة الطباعة الفنية 1384 هـ، والدراية في تخريج أحاديث الهداية 2 / 265 ط مطبعة الفجالة 1384 هـ) .
(2) المغني 9 / 393 وما بعدها ط المنار 1348 هـ، والبدائع 7 / 245.
(3) البدائع 7 / 245، 246، والمغني 9 / 390 ط المنار.
(4) حديث اليهودي الذي رضَّ رأس مسلمة. أخرجه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ " أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين. قيل: من فعل هذا بك، أفلان؟ أفلان؟ حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فاعترف، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بين حجرين ". (فتح الباري 5 / 71 ط السلفية) .

فَإِنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ قُتِل بِالسَّيْفِ، إِلاَّ أَنْ يَقَعَ الْقَتْل بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ. (1)

ب - تَأْخِيرُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ:
15 - إِذَا كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، وَكَانُوا جَمِيعًا عُقَلاَءَ بَالِغِينَ حَاضِرِينَ، وَطَلَبُوا الاِسْتِيفَاءَ أُجِيبُوا.
أَمَّا إِذَا كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَاحِدًا صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ يُنْتَظَرُ الْبُلُوغُ أَوِ الإِْفَاقَةُ، لاِحْتِمَال الْعَفْوِ آنَئِذٍ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْتَظَرُ، بَل الاِسْتِيفَاءُ لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ، وَالْقَيِّمِ عَلَى الْمَجْنُونِ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الَّذِي يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ فِي هَذِهِ الْحَال هُوَ الْقَاضِي.
وَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بِأَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ عَنِ الصَّغِيرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَصِيِّ.
أَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وَكَانَ فِيهِمْ كِبَارٌ وَصِغَارٌ، فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - إِلَى أَنَّهُ يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصَّغِيرِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ - إِلَى أَنَّهُ يَسْتَوْفِيهِ الْكِبَارُ. (2)
__________
(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 435 ط المكتبة التجارية، ونهاية المحتاج 7 / 291، والمغني 9 / 390 ط المنار.
(2) البدائع 7 / 243 - 244، ومغني المحتاج 4 / 39، والمغني 7 / 739، وبداية المجتهد 2 / 394، والشرح الصغير على أقرب المسالك 4 / 359 ط دار المعارف.

أَمَّا إِنْ كَانَ بَعْضُ الأَْوْلِيَاءِ غَائِبِينَ فَإِنَّ انْتِظَارَهُمْ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يُنْتَظَرُ الْغَائِبُ إِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً دُونَ الْغَائِبِ غَيْبَةً بَعِيدَةً، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ جُنُونًا غَيْرَ مُطْبِقٍ فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ.

ج - وَقْتُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ:
16 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَبْل بُرْءِ الْمَجْرُوحِ، لِحَدِيثِ: لاَ يُسْتَقَادُ مِنَ الْجِرَاحَةِ حَتَّى يَبْرَأَ. (1)
وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: إِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنَ الْجَانِي عَلَى الْفَوْرِ. (2)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ) .
__________
(1) حديث " لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ " أخرجه الطحاوي عن طريق عنبسة من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا. قال في التنقيح: إسناده صحيح، وعنبسة وثقه أحمد وغيره. قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: هو مرسل مقلوب. وأخرجه أحمد والدارقطني بهذا المعنى من حديث عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن جده. قال الحافظ في سبل السلام شرح بلوغ المرام: وأعل بالإرسال، والخلاف في سماع عمرو بن شعيب واتصال إسناده مشهور. وقال: وقد دفع بأنه ثبت لقاء شعيب لجده وفي معناه أحاديث تزيده قوة. (مسند ابن حنبل 2 / 217 نشر المكتب الإسلامي 1398 هـ، وسنن الدارقطني 3 / 88 ط دار المحاسن، ونصب الراية 4 / 378 نشر المكتب الإسلامي 1393 هـ، وسبل السلام 3 / 237، 238 ط مصطفى الحلبي 1379 هـ) .
(2) البدائع 7 / 310، 311، ومغني المحتاج 4 / 45، والبداية 2 / 146، والشرح الكبير 4 / 230، والمغني 7 / 729 ط الرياض.

ثَانِيًا: اسْتِيفَاءُ حُقُوقِ الْعِبَادِ الْمَالِيَّةِ:
أ - اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ مَال الْغَيْرِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ:
17 - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: (1) إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ بَاذِلٌ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ إِلاَّ مَا يُدْلِيهِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ حَقِّهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ عَلَيْهِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلإِْنْسَانِ غَرَضٌ فِي الْعَيْنِ، فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَتْ فَصَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَكَانَ الثَّابِتُ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ تَقَاصَّا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ. وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْمَدِينُ مَانِعًا لأَِدَاءِ الدَّيْنِ لأَِمْرٍ يُبِيحُ الْمَنْعَ كَالتَّأْجِيل وَالإِْعْسَارِ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ عَوَّضَهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا، وَلاَ يَحْصُل التَّقَاصُّ هَاهُنَا، لأَِنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ لاَ يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ فِي الْحَال بِخِلاَفِ مَا ذُكِرَ قَبْل.
وَإِنْ كَانَ مَانِعًا لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدَرَ عَلَى اسْتِخْلاَصِهِ بِالْحَاكِمِ أَوِ السُّلْطَانِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الأَْخْذُ أَيْضًا بِغَيْرِ السُّلْطَانِ أَوِ الْحَاكِمِ، لأَِنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ بِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ وَكِيلِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ جَاحِدًا لَهُ، وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ لاَ يُجِيبُهُ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ وَلاَ يُمْكِنُهُ إِجْبَارُهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ نَحْوُ هَذَا، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ.
__________
(1) المغني لابن قدامة 10 / 288 ط القاهرة.

قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ جَعَل أَصْحَابُنَا الْمُحَدِّثُونَ لِجَوَازِ الأَْخْذِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ، أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ حِينَ قَال لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ. (1)
قَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا جَوَازُ الأَْخْذِ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ تَحَرَّى وَاجْتَهَدَ فِي تَقْوِيمِهِ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ، وَمِنْ قَوْل أَحْمَدَ فِي الْمُرْتَهِنِ " يَرْكَبُ وَيَحْلُبُ بِقَدْرِ مَا يُنْفِقُ ". وَالْمَرْأَةُ تَأْخُذُ مَئُونَتَهَا وَبَائِعُ السِّلْعَةِ يَأْخُذُهَا مِنْ مَال الْمُفْلِسِ بِغَيْرِ رِضًا.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ الأَْخْذَ بِحَدِيثِ هِنْدٍ السَّابِقِ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِخْلاَصِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، إِنْ لَمْ يَخَفِ الْفِتْنَةَ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَقَدَرَ عَلَى اسْتِخْلاَصِ حَقِّهِ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ لَهُ أَخْذَ جِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَا غَيْرُ جِنْسِهِ لِلضَّرُورَةِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: الْمَنْعُ، لأَِنَّهُ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَمَلُّكِهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّرَاضِي.
18 - هَذَا، وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا بِأَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَخْذَ حَقِّهِ اسْتِقْلاَلاً، وَلَوْ كَانَ عَلَى مُقِرٍّ مُمْتَنِعٍ، أَوْ عَلَى مُنْكِرٍ وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، لأَِنَّ فِي الرَّفْعِ إِلَى الْقَضَاءِ مَئُونَةً وَمَشَقَّةً وَتَضْيِيعَ زَمَانٍ. وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَهُمْ: يَجِبُ الرَّفْعُ إِلَى
__________
(1) حديث هند أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. (فتح الباري 9 / 507 ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3 / 1338 ط عيسى الحلبي 1375 هـ) .

الْقَاضِي، لإِِمْكَانِ حُصُولِهِ عَلَى حَقِّهِ مَعَ وُجُودِ الإِْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ. (1)
وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي مَالِهِ إِذَا أَفْلَسَ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ إِنْ كَانَ نَقْدًا أَوْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَال عَرْضًا لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ حَقِّهِ اعْتِيَاضٌ، وَلاَ تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي، لَكِنَّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَوَازُ الأَْخْذِ مِنْ خِلاَفِ الْجِنْسِ. (2)
وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَدِّ الأَْمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ، (3) وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَقَدْ خَانَهُ، فَيَدْخُل فِي عُمُومِ الْخَبَرِ. وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ
__________
(1) المغني لابن قدامة 10 / 288، والقليوبي 4 / 335. واللجنة ترى أن القول بجواز أخذ صاحب الحق مثل حقه من غير رضى ولا حكم حاكم إنما يكون عند أمن الفتنة وإلا لم يجز، لأن درء الفتنة من مقاصد الشريعة المقررة.
(2) المغني 10 / 287 ط القاهرة، ورد المحتار 3 / 200، 4 / 43 ط بولاق 1272، والقليوبي 4 / 335، والفروق 1 / 208.
(3) حديث " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: هذا حديث حسن غريب. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وأخرجه أبو داود من طريق آخر وسكت عنه، وقال المنذري: فيه رواية مجهول (تحفة الأحوذي 4 / 479 - 481 نشر المكتبة السلفية، وعون المعبود 3 / 313 - 314 ط الهند، وجامع الأصول 1 / 323 نشر مكتبة الحلواني) .

مِنْهُ. (1) وَلأَِنَّهُ إِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ، كَانَ مُعَاوَضَةً بِغَيْرِ تَرَاضٍ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، فَلَيْسَ لَهُ تَعْيِينُ الْحَقِّ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ فَإِنَّ التَّعْيِينَ إِلَيْهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُول: اقْضِ حَقِّي مِنْ هَذَا الْكِيسِ دُونَ هَذَا، وَلأَِنَّ كُل مَا لاَ يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَيْنٌ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ إِذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاذِلاً لَهُ.
لَكِنَّ الْمَانِعِينَ اسْتَثْنَوُا النَّفَقَةَ، لأَِنَّهَا تُرَادُ لإِِحْيَاءِ النَّفْسِ وَإِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ، وَهَذَا مِمَّا لاَ يُصْبَرُ عَنْهُ، وَلاَ سَبِيل إِلَى تَرْكِهِ، فَجَازَ أَخْذُ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ، بِخِلاَفِ الدَّيْنِ، وَلِذَلِكَ لَوْ صَارَتِ النَّفَقَةُ مَاضِيَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخْذُهَا، وَلَوْ وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ دَيْنٌ آخَرُ غَيْرُ النَّفَقَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخْذُهُ. (2)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَة) .

ب - اسْتِيفَاءُ الْمُرْتَهِنِ قِيمَةَ الرَّهْنِ مِنَ الْمَرْهُونِ:
19 - حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ أَنْ يُمْسِكَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الرَّاهِنُ مَا عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل
__________
(1) حديث " لا يحل. . . ". أخرجه أحمد والدارقطني من حديث عم أبي حرة الرقاشي مرفوعا، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو متكلم فيه. وله طريق أخرى عند الدارقطني أيضا عن أنس، وفي إسنادها داود بن الزبرقان وهو متروك. وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي حميد الساعدي مرفوعا بلفظ " لا يحل لمسلم أن يأخذ مال وذلك لما حرم الله مال المسلم على المسلم أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس " وفي رواية " لا يحل لمسلم أن يأخذ عصاه ". قال الهيثمي: ورجال الجميع - أحمد والبزار - رجال الصحيح. قال البيهقي: حديث أبي حميد أصح ما في الباب (مسند أحمد بن حنبل 5 / 72 ط الميمنية، وسنن الدارقطني 3 / 26 ط دار المحاسن للطباعة، ومجمع الزوائد 4 / 171 نشر مكتبة القدسي، ونيل الأوطار 6 / 62 ط دار الجيل 1973) .
(2) نفس المراجع.

كَانَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي فَيَبِيعَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ، وَيُنْصِفَهُ مِنْهُ، إِنْ لَمْ يُجِبْهُ الرَّاهِنُ إِلَى الْبَيْعِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ غَائِبًا، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
وَإِنْ وَكَّل الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل جَازَ، وَكَرِهَهُ الإِْمَامُ مَالِكٌ، إِلاَّ أَنْ يَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي.
وَالرَّهْنُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَةِ الْحَقِّ الْمَرْهُونِ فِيهِ وَبِبَعْضِهِ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ الرَّاهِنَ لَوْ أَدَّى بَعْضَ الدَّيْنِ وَبَقِيَ بَعْضُهُ، فَإِنَّ الرَّهْنَ جَمِيعَهُ يَبْقَى بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ كُل حَقِّهِ.
وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: بَل يَبْقَى مِنَ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى مِنَ الْحَقِّ.
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا بِكُل جُزْءٍ مِنْهُ، أَصْلُهُ حَبْسُ التَّرِكَةِ عَنِ الْوَرَثَةِ حَتَّى يُؤَدُّوا الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ.
وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّ جَمِيعَهُ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِهِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَبْعَاضُهُ مَحْبُوسَةً بِأَبْعَاضِهِ، أَصْلُهُ الْكَفَالَةُ. (1)
وَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ مِنْ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، حَيًّا كَانَ الرَّاهِنُ أَوْ مَيِّتًا، فَإِذَا ضَاقَ مَال الرَّاهِنِ عَنْ دُيُونِهِ وَطَالَبَ الْغُرَمَاءُ بِدُيُونِهِمْ، أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلَسِهِ، وَأُرِيدَ قِسْمَةُ مَالِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ رَهْنٌ يَخْتَصُّ بِثَمَنِهِ عَنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، لأَِنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَذِمَّةِ الرَّاهِنِ مَعًا، وَبَاقِي الْغُرَمَاءِ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُمْ بِذِمَّةِ الرَّاهِنِ دُونَ عَيْنِ الرَّهْنِ، فَكَانَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ أَقْوَى، وَهَذَا مِنْ
__________
(1) بداية المجتهد 1 / 298 ط مكتبة الكليات، وشرح الخطيب على أبي شجاع 3 / 65 ط الحلبي، والدر المختار 5 / 322، والمغني 4 / 452.

أَكْثَرِ فَوَائِدِ الرَّهْنِ، وَهُوَ تَقْدِيمُهُ بِحَقِّهِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْغُرَمَاءِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، فَيُبَاعُ الرَّهْنُ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ قَدْرَ الدَّيْنِ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَنْ دَيْنِهِ رَدَّ الْبَاقِيَ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ فَضَل مِنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ أَخَذَ ثَمَنَهُ وَشَارَكَ الْغُرَمَاءَ بِبَقِيَّةِ دَيْنِهِ. (1) وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى بَابِ الرَّهْنِ.

ج - حَبْسُ الْمَبِيعِ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ:
20 - الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهُ ابْنُ قُدَامَةَ - أَنَّهُ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى يَقْضِيَ الثَّمَنَ، وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ قَبْل الاِسْتِيفَاءِ كَالْمُرْتَهِنِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَجَبَ دَفْعُهُ أَوَّلاً لِيَتَعَيَّنَ. وَفِي رَأْيٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِنْ قَال الْبَائِعُ: لاَ أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَقَال الْمُشْتَرِي: لاَ أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ، وَكَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا، جُعِل بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْهُمَا، وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِمَا. مُسْتَدِلِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ قَدْ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الثَّمَنِ، كَمَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِعَيْنِ الْمَبِيعِ فَاسْتَوَيَا، وَقَدْ وَجَبَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآْخَرِ حَقٌّ قَدِ اسْتَحَقَّ قَبْضَهُ، فَأُجْبِرَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِيفَاءِ صَاحِبِهِ حَقَّهُ، وَهَذَا قَوْل الثَّوْرِيِّ.
وَفِي قَوْلٍ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ أَوَّلاً، وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ الْبَائِعُ، لأَِنَّ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِقْرَارُ الْبَيْعِ وَتَمَامُهُ، فَكَانَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا
__________
(1) المغني 4 / 452 ط المنار الثانية، وحاشية ابن عابدين 5 / 239 ط الأميرية.

أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، ثُمَّ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، لأَِنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ، وَحَقَّ الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، وَتَقْدِيمُ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ أَوْلَى لِتَأَكُّدِهِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ. (1)
د - الاِسْتِيفَاءُ فِي الإِْجَارَةِ:
(1) اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ:
21 - الْمَنْفَعَةُ تَخْتَلِفُ فِي كُل عَقْدٍ بِحَسَبِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَاسْتِيفَاؤُهَا يَكُونُ بِتَمْكِينِ الْمُؤَجِّرِ لِلْمُسْتَأْجِرِ مِنْ مَحَل الْعَقْدِ. وَيَكُونُ الاِسْتِيفَاءُ فِي الأَْجِيرِ الْخَاصِّ (وَيُسَمَّى أَجِيرُ الْوَحْدِ) بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ مَعَ اسْتِعْدَادِهِ لِلْعَمَل. وَاسْتِيفَاءُ الإِْجَارَةِ عَلَى عَمَلٍ فِي عَيْنٍ - كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَثَلاً - يَكُونُ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ مَصْنُوعَةً حَسَبَ الاِتِّفَاقِ.

(2) اسْتِيفَاءُ الأُْجْرَةِ:
22 - اسْتِيفَاءُ الأُْجْرَةِ يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ: إِمَّا بِتَعْجِيل الأُْجْرَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَإِمَّا بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فِعْلاً، أَوِ التَّمَكُّنِ مِنْهَا، وَإِمَّا بِاشْتِرَاطِ تَعْجِيلِهَا، أَوِ التَّعَارُفِ عَلَى التَّعْجِيل كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ. (2)
وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِجَارَةٌ) .
__________
(1) الإنصاف 4 / 458، والشرح الكبير على المقنع 4 / 113 ط المنار الثانية، وحاشية ابن عابدين 3 / 43، ومغني المحتاج 2 / 74، والدسوقي 3 / 147.
(2) حاشية ابن عابدين 5 / 6 - 7، والبدائع 4 / 175 ط الجمالية، والبجيرمي على الخطيب 3 / 176، والشرح الصغير للدردير 4 / 13 ط دار المعارف، والمغني 5 / 330 ط مكتبة القاهرة.

هـ - اسْتِيفَاءُ الْمُسْتَعِيرِ مَنْفَعَةَ مَا اسْتَعَارَهُ:
23 - أَوْرَدَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَحْكَامَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فِي الإِْعَارَةِ فَقَال: وَإِنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا فَلَهُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ، لأَِنَّ وَكِيلَهُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَمْلِكِ الْمَنَافِعَ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَهَا، وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لاَ يَمْلِكُ الْعَيْنَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِعْمَال الْمُعَارِ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، أَمَّا إِعَارَتُهُ لِغَيْرِهِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (إِعَارَةٌ) .

و النِّيَابَةُ فِي الاِسْتِيفَاءِ:
(1) اسْتِخْلاَفُ الإِْمَامِ غَيْرَهُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ:
24 - أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ، لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْجَمِيعِ بِنَفْسِهِ، لأَِنَّ أَسْبَابَ وُجُوبِهَا تُوجَدُ فِي أَقْطَارِ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ إِلَيْهَا، وَفِي الإِْحْضَارِ إِلَى مَكَانِ الإِْمَامِ حَرَجٌ عَظِيمٌ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الاِسْتِخْلاَفُ لَتَعَطَّلَتِ الْحُدُودُ وَهَذَا لاَ يَجُوزُ، وَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَجْعَل إِلَى أُمَرَائِهِ تَنْفِيذَ الأَْحْكَامِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ.
وَالاِسْتِخْلاَفُ نَوْعَانِ: تَنْصِيصٌ، وَتَوْلِيَةٌ.
أَمَّا التَّنْصِيصُ: فَهُوَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ، فَيَجُوزُ لِلنَّائِبِ إِقَامَتُهَا بِلاَ شَكٍّ.
وَالتَّوْلِيَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَاصَّةٌ، وَعَامَّةٌ.
فَالْعَامَّةُ: هِيَ أَنْ يُوَلِّيَ الإِْمَامُ رَجُلاً وِلاَيَةً عَامَّةً، مِثْل إِمَارَةِ إِقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ عَظِيمٍ، فَيَمْلِكُ الْمُوَلَّى إِقَامَةَ الْحُدُودِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا، لأَِنَّهُ لَمَّا قَلَّدَهُ إِمَارَةَ ذَلِكَ

الْبَلَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهِمْ، فَيَمْلِكُهَا. (1)
وَالْخَاصَّةُ: هِيَ أَنْ يُوَلِّيَ رَجُلاً وِلاَيَةً خَاصَّةً، مِثْل جِبَايَةِ الْخَرَاجِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلاَ يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ، لأَِنَّ هَذِهِ التَّوْلِيَةَ لَمْ تَتَنَاوَل إِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَلَوِ اسْتَعْمَل أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ الْكَبِيرِ، فَإِنْ كَانَ أَمِيرَ مِصْرٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَغَزَا بِجُنْدِهِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ فِي مُعَسْكَرِهِ، لأَِنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ الإِْقَامَةَ فِي بَلَدِهِ، فَإِذَا خَرَجَ بِأَهْلِهِ أَوْ بِبَعْضِهِمْ مَلَكَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ يَمْلِكُ فِيهِمْ قَبْل الْخُرُوجِ، وَأَمَّا مَنْ أَخْرَجَهُ أَمِيرُ الْبَلَدِ غَازِيًا فَمَنْ كَانَ يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ قَبْل خُرُوجِهِ وَبَعْدَهُ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ الإِْقَامَةَ، فَلاَ يَمْلِكُ الإِْقَامَةَ. (2)

(2) الْوَكَالَةُ بِالاِسْتِيفَاءِ:
25 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ كُل مَا يَمْلِكُ الإِْنْسَانُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فَلَهُ أَنْ يُوَكِّل فِيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْقَوَدُ وَالْحُدُودُ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: كُل مَا يَمْلِكُ الإِْنْسَانُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنَ الْحُقُوقِ بِنَفْسِهِ، يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّل فِيهِ إِلاَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا الْوَكِيل فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّل عَنْ مَجْلِسِ الاِسْتِيفَاءِ، لأَِنَّهَا تَنْدَرِئُ
__________
(1) ومثل هذا لا يختلف فيه، وعند إطلاق التولية ينصرف ما يملكه النائب إلى ما يدل عليه العرف.
(2) البدائع 7 / 58 ط الجمالية الأولى، والمغني 9 / 37 ط مكتبة القاهرة، والأحكام السلطانية للآمدي ص 221 ط الحلبي، وتبصرة الحكام 1 / 149 ط الحلبي 1958.

بِالشُّبُهَاتِ. (1)
وَاسْتَدَل الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الْقَوَدِ وَالْحُدُودِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَال: اُغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. فَاعْتَرَفَتْ فَرُجِمَتْ (2) وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ الإِْمَامَ لاَ يُمْكِنُهُ تَوَلِّي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
وَيَجُوزُ التَّوْكِيل فِي إِثْبَاتِهَا. وَوَافَقَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى مَا قَالُوهُ مِنْ عَدَم جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّل (3) .
__________
(1) ابن عابدين 4 / 418.
(2) حديث " اغد يا أنس ". أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني مرفوعا ضمن قصة (فتح الباري 12 / 185، 186، ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3 / 1324، 1325 ط عيسى الحلبي 1375 هـ) .
(3) بداية المجتهد لابن رشد 2 / 297، والبجيرمي على الخطيب 3 / 112، والمغني 5 / 66 وما بعدها.

اسْتِيلاَء

التَّعْرِيفُ
1 - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِيلاَءِ لُغَةً: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْغَلَبَةُ عَلَيْهِ، وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ. (1)
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الْمَحَل (2) ، أَوْ الاِقْتِدَارُ عَلَى الْمَحَل حَالاً وَمَآلاً (3) ، أَوِ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ وَلَوْ حُكْمًا. (4)
وَأَمَّا الْفِعْل الْمَادِّيُّ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِسْتِيلاَءُ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ تَبَعًا لِلأَْشْيَاءِ وَالأَْشْخَاصِ، أَيْ أَنَّ مَدَارَ الاِسْتِيلاَءِ عَلَى الْعُرْفِ (5) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحِيَازَةُ:
2 - الْحِيَازَةُ وَالْحَوْزُ لُغَةً: الْجَمْعُ وَالضَّمُّ. (6)
وَشَرْعًا: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ، كَمَا قَال الدَّرْدِيرُ (7) .
__________
(1) المصباح والقاموس مادة (ولي) .
(2) البدائع 7 / 121 ط الثانية سنة 1394 هـ.
(3) البحر الرائق 5 / 103.
(4) حاشية القليوبي 3 / 26 ط عيسى الحلبي، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 469 ط دار إحياء التراث.
(5) حاشية الجمل 3 / 469.
(6) المصباح مادة (حوز) وطلبة الطلبة ص 106، والتحرير على التنبيه للنووي ص 141.
(7) الشرح الصغير 4 / 319، والفواكه الدواني 2 / 168.

ب - الْغَصْبُ:
3 - الْغَصْبُ لُغَةً: أَخْذُ الشَّيْءِ قَهْرًا وَظُلْمًا. (1)
وَشَرْعًا: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِلاَ حَقٍّ. (2)
فَالْغَصْبُ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِيلاَءِ، لأَِنَّ الاِسْتِيلاَءَ يَكُونُ بِحَقٍّ وَبِغَيْرِ حَقٍّ.

ج - وَضْعُ الْيَدِ:
4 - يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ وَضْعَ الْيَدِ هُوَ: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْحِيَازَةِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ وَضْعَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ مِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَل بِهِ عَلَى الْمِلْكِ، وَلِذَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ يَدِ أَحَدٍ إِلاَّ بِحَقٍّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ (3) ، وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ.

د - الْغَنِيمَةُ:
5 - الاِغْتِنَامُ: أَخْذُ الْغَنِيمَةِ، وَهِيَ كَمَا قَال أَبُو عُبَيْدٍ: مَا أُخِذَ مِنْ أَهْل الْعَدُوِّ عَنْوَةً فَالاِغْتِنَامُ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِيلاَءِ. (4)

هـ - الإِْحْرَازُ:
6 - الإِْحْرَازُ لُغَةً: جَعْل الشَّيْءِ فِي الْحِرْزِ، وَهُوَ
__________
(1) المصباح المنير مادة (غصب) .
(2) شرح المنهج مع حاشية الجمل 4 / 469، وكشاف القناع 4 / 76، وحاشية الدسوقي 3 / 442، والدر المختار 5 / 113 ط بولاق سنة 1472 هـ، والفواكه الدواني 2 / 216.
(3) المصباح والقاموس، وحاشية ابن عابدين 3 / 257، والمنثور في القواعد للزركشي 3 / 370.
(4) المصباح، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 3 / 248 ط دار المعارف بيروت، وفتح القدير 4 / 203.

الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ. وَفِي الشَّرْعِ: حِفْظُ الْمَال فِيمَا يُحْفَظُ فِيهِ عَادَةً، كَالدَّارِ وَالْخَيْمَةِ، أَوْ بِالشَّخْصِ نَفْسِهِ (1) .
وَبَيْنَ الإِْحْرَازِ وَالاِسْتِيلاَءِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ. وَلِذَا كَانَ الإِْحْرَازُ شَرْطًا لِتَرَتُّبِ الْمِلْكِ عَلَى الاِسْتِيلاَءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَيَنْفَرِدُ الاِسْتِيلاَءُ فِي مِثْل اسْتِيلاَءِ الْكُفَّارِ عَلَى أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إِحْرَازًا.

صِفَةُ الاِسْتِيلاَءِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
7 - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِيلاَءِ بِحَسَبِ الشَّيْءِ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَتَبَعًا لِكَيْفِيَّةِ الاِسْتِيلاَءِ، فَالأَْصْل بِالنِّسْبَةِ لِلْمَال الْمَعْصُومِ الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ أَنَّ الاِسْتِيلاَءَ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى طَرِيقٍ مَشْرُوعٍ.
أَمَّا الْمَال غَيْرُ الْمَعْصُومِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، وَكَذَا الْمَال الْمُبَاحُ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

أَثَرُ الاِسْتِيلاَءِ فِي الْمِلْكِ وَالتَّمَلُّكِ:
8 - الاِسْتِيلاَءُ يُفِيدُ الْمِلْكَ إِذَا وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لأَِحَدٍ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي بَيَانُهُ، أَوْ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ، بِأَنْ كَانَ مَالاً لَلْحَرْبِيِّينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَهَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولاً، أَوْ عَقَارًا، وَلِكُلٍّ حُكْمُهُ الْخَاصُّ.
9 - فَإِنْ كَانَ الْمَال الَّذِي تَمَّ الاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ مِنَ
__________
(1) القاموس والمصباح مادة (حرز) ، وطلبة الطلبة ص 77، والنظم المستعذب 1 / 366 ط م الحلبي، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 3 / 220 ط دار المعارف، وحاشية ابن عابدين 5 / 282 ط أولى بولاق.

الْحَرْبِيِّينَ مَنْقُولاً أُخِذَ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لاَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ إِلاَّ بِالْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَالْمِلْكُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا. (1) وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الاِسْتِيلاَءِ بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِتَال، لِزَوَال مِلْكِ الْكُفَّارِ بِالاِسْتِيلاَءِ، وَوُجُودِ مُقْتَضَى التَّمْلِيكِ، وَهُوَ انْقِضَاءُ الْقِتَال، وَفِي قَوْلٍ أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ سُلِّمَتِ الْغَنِيمَةُ إِلَى الْقِسْمَةِ بَانَ مِلْكُهُمْ عَلَى الشُّيُوعِ. (2)
وَبِالْقِسْمَةِ - وَلَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ - ثَبَتَ الْمِلْكُ، وَيَسْتَقِرُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَبِهَذَا قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو ثَوْرٍ، لِمَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ قَال: قُلْتُ لِلأَْوْزَاعِيِّ: هَل قَسَمَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الْغَنَائِمِ بِالْمَدِينَةِ؟ قَال: لاَ أَعْلَمُهُ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَتَّبِعُونَ غَنَائِمَهُمْ وَيَقْسِمُونَهَا فِي أَرْضِ عَدُوِّهِمْ، وَلَمْ يَقْفُل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غَزَاةٍ قَطُّ، أَصَابَ فِيهَا غَنِيمَةً إِلاَّ خَمَّسَهُ وَقَسَّمَهُ مِنْ قَبْل أَنْ يَقْفُل، وَلأَِنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهَا بِالْقَهْرِ وَالاِسْتِيلاَءِ، فَصَحَّتْ قِسْمَتُهَا كَمَا لَوْ أُحْرِزَتْ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ الاِسْتِيلاَءُ التَّامُّ وَقَدْ وُجِدَ، فَإِنَّنَا أَثْبَتْنَا أَيْدِيَنَا عَلَيْهَا حَقِيقَةً، وَقَهَرْنَاهُمْ وَنَفَيْنَاهُمْ عَنْهَا، وَالاِسْتِيلاَءُ يَدُل عَلَى حَاجَةِ الْمُسْتَوْلِي فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ كَالْمُبَاحَاتِ. (3)
__________
(1) البدائع 7 / 121، والمغني 8 / 446 - 447.
(2) الأحكام السلطانية للماوردي ص 139 ط 1960، ونهاية المحتاج 8 / 73.
(3) حاشية الدسوقي 2 / 194، ومنح الجليل 1 / 745، 750. ونهاية المحتاج 8 / 73، والمغني 8 / 421 - 422.

10 - لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ الْمِلْكَ لاَ يَثْبُتُ لِلْغُزَاةِ بِدَارِ الْحَرْبِ بِالاِسْتِيلاَءِ، وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ سَبَبُ الْمِلْكِ فِيهَا، عَلَى أَنْ يَصِيرَ عِلَّةً عِنْدَ الإِْحْرَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ، وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يَعْتَبِرُوا قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ قِسْمَةَ تَمْلِيكٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قِسْمَةُ حَمْلٍ، لأَِنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ قَائِمٌ، إِذْ الْمِلْكُ لاَ يَتِمُّ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالاِسْتِيلاَءِ التَّامِّ، وَلاَ يَحْصُل إِلاَّ بِإِحْرَازِهَا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَمَا دَامَ الْغُزَاةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَاسْتِرْدَادُ الْكُفَّارِ لَيْسَ بِنَادِرٍ بَل هُوَ مُحْتَمَلٌ (1) .

11 - وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَال الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ أَرْضًا، فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةَ اتِّجَاهَاتٍ: فَالْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ - عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ - صَرَّحُوا بِأَنَّ الإِْمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقْسِمَهَا أَوْ يَتْرُكَهَا فِي يَدِ أَهْلِهَا بِالْخَرَاجِ. (2)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ: إِنَّهَا لاَ تُقْسَمُ، وَيُرْصَدُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، إِلاَّ أَنْ يَرَى الإِْمَامُ فِي وَقْتٍ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي الْقِسْمَةَ، وَالْقَوْل بِأَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِالاِسْتِيلاَءِ، وَيُرْصَدُ خَرَاجُهَا لِصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهَا تُمَلَّكُ لِلْفَاتِحِينَ كَالْمَنْقُول.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَبِهِ قَال ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُقَابِل الْمَشْهُورَ، وَقَالُوا: إِنَّ الاِسْتِيلاَءَ الْحُكْمِيَّ كَالْحَقِيقِيِّ فِي تَرَتُّبِ الْمِلْكِ عَلَى الاِسْتِيلاَءِ. (3)
__________
(1) البدائع 7 / 116، 118 - 121، والمغني 8 / 421.
(2) المغني 2 / 118، والمقنع وحواشيه 1 / 510.
(3) البدائع 7 / 118، وحاشية الدسوقي 2 / 189، ونهاية المحتاج 8 / 73، 119، والأحكام السلطانية للماوردي 137 - 138، والمغني 2 / 717، وكشاف القناع 4 / 128، 133، ومنح الجليل 1 / 585 - 586.

12 - أَمَّا الأَْرْضُ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ جَلاَءِ الْكُفَّارِ عَنْهَا خَوْفًا، فَإِنَّهَا تَصِيرُ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا وَقْفًا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا الأَْرْضُ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ صُلْحًا فَإِنَّهَا تَبْقَى فِي أَيْدِي أَصْحَابِهَا، إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ تَبْقَى فِي مِلْكِيَّتِهِمْ، وَيُوضَعُ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَتَمَلَّكَهَا الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهَا تَكُونُ وَقْفًا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. (1)

13 - وَأَمَّا إِذَا كَانَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَى مَالٍ مَعْصُومٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ التَّمَلُّكِ، فَإِنَّ الاِسْتِيلاَءَ وَحْدَهُ لاَ يُكْسِبُ مِلْكِيَّةً، (2) وَإِنَّمَا حُدُوثُ التَّمَلُّكِ يَكُونُ بِالسَّبَبِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ، وَحَقُّ الاِسْتِيلاَءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ أَثَرًا وَنَتِيجَةً لِلتَّمَلُّكِ وَلَيْسَ سَبَبًا لَهُ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الاِسْتِيلاَءُ عُدْوَانًا، فَإِنَّهُ لاَ يُفِيدُ مِلْكًا. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِ (غَصْب) (وَسَرِقَة) .

14 - وَاسْتِيلاَءُ الْحَاكِمِ عَلَى مَا يَحْتَكِرُهُ التُّجَّارُ لَهُ أَثَرٌ فِي إِزَالَةِ مِلْكِيَّتِهِمْ، إِذْ لِلْحَاكِمِ رَفْعُ يَدِ الْمُحْتَكِرِينَ عَمَّا احْتَكَرُوهُ وَبَيْعُهُ لِلنَّاسِ جَبْرًا، وَالثَّمَنُ لِمَالِكِيهِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مُبَيَّنٍ فِي مُصْطَلَحِ (احْتِكَارٌ) .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالُوهُ مِنِ اسْتِيلاَءِ الْحَاكِمِ عَلَى الْفَائِضِ مِنَ الأَْقْوَاتِ بِالْقِيمَةِ لإِِمْدَادِ جِهَةٍ انْقَطَعَ عَنْهَا الْقُوتُ أَوْ إِمْدَادِ جُنُودِهِ، لأَِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ بِحَقٍّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ
__________
(1) الأحكام السلطانية للماوردي ص 137 - 138، والمغني 2 / 719.
(2) البدائع 7 / 121، 127، والمغني 8 / 430، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4 / 187، ونهاية المحتاج 8 / 73، والمهذب 2 / 243.

حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ (1) ، وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَى عَمَل الصَّانِعِ إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى صِنَاعَةِ طَائِفَةٍ كَالْفِلاَحَةِ وَالنِّسَاجَةِ، (2) وَمَدَارُ الاِسْتِيلاَءِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْعُرْفِ.

اسْتِيلاَءُ الْكُفَّارِ الْحَرْبِيِّينَ عَلَى أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ:
15 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ:
(1) إِنَّ مَا اسْتَرَدَّهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِي الْحَرْبِيِّينَ فَهُوَ لأَِرْبَابِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لاَ يَمْلِكُونَ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا أَصْلاً، وَمِمَّنْ قَال بِهَذَا الشَّافِعِيَّةُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، (3) وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّهُ أُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَْنْصَارِ، وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ، فَانْفَلَتَتْ مَعَ نَعَمِهَا ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ، فَأَتَتِ الإِْبِل، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ. قَال: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ. فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا ثُمَّ زَجَرَتْهَا فَانْطَلَقَتْ، وَنَذَرُوا بِهَا، فَطَلَبُوهَا فَأَعْجَزَتْهُمْ. قَال: وَنَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. فَأَتَوْا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 257.
(2) البدائع 5 / 129، والشرح الصغير 4 / 39، وحاشية الجمل 4 / 469.
(3) المغني 8 / 433 - 434، والمهذب 2 / 242، وبجيرمي على المنهج 4 / 259.

لَهُ فَقَال: سُبْحَانَ اللَّهِ، بِئْسَمَا جَزَتْهَا، نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا لاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حَجَرٍ لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ (1) .
(2) إِنَّ مَا غَنِمَهُ الْكُفَّارُ يَمْلِكُونَهُ بِمُجَرَّدِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ أَوْ لَمْ يُحْرِزُوهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَهْرَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ مَال الْكَافِرِ، فَمَلَكَ بِهِ الْكَافِرُ مَال الْمُسْلِمِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا اسْتَرَدَّ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ كَانَ غَنِيمَةً سَوَاءٌ بَعْدَ الإِْحْرَازِ أَوْ قَبْلَهُ. (2)
(3) إِنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا شَرْطَ إحْرَازِهَا بِدَارِهِمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَدَلِيلُهُ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبَاعٍ (3) وَلأَِنَّ الْعِصْمَةَ تَزُول بِالإِْحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ، إِذِ الْمَالِكُ لاَ يُمْكِنُهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إِلاَّ بَعْدَ الدُّخُول لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَاطَرَةٍ، إِذْ الدَّارُ دَارُهُمْ، فَإِذَا زَال مَعْنَى الْمِلْكِ أَوْ مَا شُرِعَ لَهُ الْمِلْكُ يَزُول الْمِلْكُ ضَرُورَةً، فَبِاسْتِرْدَادِ الْمُسْلِمِينَ لِذَلِكَ يَكُونُ غَنِيمَةً. (4)
__________
(1) حديث عمران بن حصين. أخرجه مسلم وأبو داود مرفوعا واللفظ لمسلم (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3 / 1262، 1263 ط عيسى الحلبي 1375 هـ، وسنن أبي داود 3 / 609 - 612 ط استانبول) .
(2) المغني 8 / 433 - 434.
(3) حديث " وهل ترك لنا. . .، متفق عليه في حديث أسامة بن زيد (اللؤلؤ والمرجان ص 313 نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت 1397 هـ) .
(4) تبيين الحقائق 3 / 260 - 261، والبدائع 7 / 123، 127، 128، وحاشية الدسوقي 2 / 188، والمهذب 2 / 242، والمغني 8 / 430 وما بعدها، وبداية المجتهد 1 / 416، والدر المختار 3 / 244، وحاشية الصاوي 2 / 291.

اسْتِيلاَءُ
الْكُفَّارِ عَلَى بَلَدٍ إِسْلاَمِيٍّ:
16 - إِذَا اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى بَلَدٍ إِسْلاَمِيٍّ فَهَل تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ أَمْ تَبْقَى كَمَا هِيَ دَارَ إِسْلاَمٍ؟
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ دَارَ الإِْسْلاَمِ تَصِيرُ دَارَ كُفْرٍ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ إِظْهَارُ أَحْكَامِ الْكُفْرِ. (1) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (دَارُ الإِْسْلاَمِ وَدَارُ الْحَرْبِ) .

إِسْلاَمُ الْحَرْبِيِّ بَعْدَ اسْتِيلاَئِهِ عَلَى مَال الْمُسْلِمِ:
17 - إِذَا اسْتَوْلَى الْحَرْبِيُّ عَلَى مَال مُسْلِمٍ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَحُكِمَ بِمِلْكِيَّتِهِ لَهُ شَرْعًا، ثُمَّ دَخَل إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ مُسْلِمًا وَهُوَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ لَهُ، لِقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ (2) وَلأَِنَّ إِسْلاَمَهُ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (3) . وَاسْتَثْنَى الْجُمْهُورُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِيلاَءَهُ عَلَى الْحُرِّ
__________
(1) الفتاوى الهندية 2 / 232، وحاشية ابن عابدين 3 / 253.
(2) حديث: " من أسلم على شيء فهو له " أخرجه البيهقي وابن عدي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا، وقال المناوي: في إسناده ياسين بن الزيات متروك. قال البيهقي: وهذا الحديث إنما يروى عن ابن أبي مليكه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وعن عروة عن النبي صل وللحديث طرق أخرى، ولم نجد من حكم على الحديث بمجموع طرقه. (السنن الكبرى للبيهقي 9 / 113 ط الهند، وكتاب السنن لسعيد بن منصور، القسم الأول من المجلد الثالث / 54، 55 ط مطبعة علمي بريس (ماليكاؤن) ، وفيض القدير 6 / 62 ط المكتبة التجارية، وإرواء الغليل 6 / 156 نشر المكتب الإسلامي) .
(3) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعا (فتح الباري 3 / 262 ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 1 / 51، 52 ط عيسى الحلبي 1374 هـ) .

الْمُسْلِمِ فَلاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ. قَال أَبُو يُوسُفَ: كُل مِلْكٍ لاَ يَجُوزُ فِيهِ الْبَيْعُ فَإِنَّ أَهْل الْحَرْبِ لاَ يَمْلِكُونَهُ إِذَا أَصَابُوهُ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهِ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مِثْلَهُ: الْوَقْفُ الْمُحَقَّقُ، وَالْمَسْرُوقُ فِي فَتْرَةِ عَهْدِهِ، وَاللُّقَطَةُ، وَالدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ، الْوَدِيعَةُ، وَمَا اسْتَأْجَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَال كُفْرِهِ فَلاَ يُقَرُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لاَ تَأْبَى ذَلِكَ. (1)
18 - وَإِذَا اسْتَوْلَى الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ عَلَى مَال مُسْلِمٍ بِطَرِيقِ السَّرِقَةِ، أَوْ الاِغْتِصَابِ مِنْ حَرْبِيٍّ آخَرَ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَدَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ وَهُوَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ لَهُ أَيْضًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ حَال كُفْرِهِ فَأَشْبَهَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ بِقَهْرِهِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ صَاحِبَهُ أَحَقُّ بِهِ بِالْقِيمَةِ (2) .

الاِسْتِيلاَءُ عَلَى الْمَال الْمُبَاحِ:
19 - الْمَال الْمُبَاحُ كُل مَا خَلَقَهُ اللَّهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَادٍ، وَلَيْسَ فِي حِيَازَةِ أَحَدٍ مَعَ إِمْكَانِ حِيَازَتِهِ، وَيَكُونُ حَيَوَانًا: بَرِّيًّا أَوْ بَحْرِيًّا، وَيَكُونُ نَبَاتًا: حَشَائِشَ وَأَعْشَابًا وَحَطَبًا، وَيَكُونُ جَمَادًا: أَرْضًا مَوَاتًا وَرِكَازًا، كَمَا يَكُونُ مَاءً وَهَوَاءً، وَمِنْ حَقِّ أَيِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهِ، وَيَتَحَقَّقُ الاِسْتِيلاَءُ وَتَسْتَقِرُّ الْمِلْكِيَّةُ إِذَا كَانَ الاِسْتِيلاَءُ بِفِعْلٍ يُؤَدِّي إِلَى التَّمَكُّنِ مِنْ وَضْعِ الْيَدِ.
رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أُمِّ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) الدسوقي 2 / 188.
(2) المغني 8 / 434، والخراج لأبي يوسف ص 200 ط ثانية 1353 هـ، والسير الكبير 2 / 688، والشرح الصغير 2 / 291 ط دار المعارف، والمنهج مع حاشية البجيرمي 4 / 257 ط 1369 هـ.

قَال: مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ (1) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ (2) وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ (3) وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَقَارِ الْمُبَاحِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَنْقُول مِنَ الْمُبَاحَاتِ أَوْلَى، لِظُهُورِ الاِسْتِئْثَارِ بِهِ ظُهُورًا لاَ يَكُونُ فِي الْعَقَارِ.
وَلاَ يَحُدُّ مِنْ سُلْطَانِ النَّاسِ فِي الاِسْتِيلاَءِ عَلَى الْمَال الْمُبَاحِ إِلاَّ الْقَوَاعِدُ الْعَامَّةُ لِتَنْظِيمِ الاِنْتِفَاعِ وَمَنْعِ الضَّرَرِ.
20 - وَلِكُل نَوْعٍ مِنَ الأَْمْوَال الْمُبَاحَةِ طَرِيقٌ لِلاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهِ، فَالاِسْتِيلاَءُ عَلَى الْمَاءِ الْمُبَاحِ وَالرِّكَازِ يَكُونُ بِالْحَوْزِ وَالْكَشْفِ، وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَى الْكَلأَِ
__________
(1) حديث: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له ". أخرجه أبو داود من حديث أسمر بن مضرس رضي الله عنه مرفوعا. ونقل صاحب عون المعبود عن ابن حجر تجهيل بعض رواته. قال المنذري: غريب. وقال أبو القاسم البغوي: لا أعلم بهذا الإسناد حديثا (عون المعبود 3 / 142 وجامع الأصول 10 / 584 نشر مكتبة الحلواني) .
(2) حديث: " من أحاط حائطا على أرض فهي له " أخرجه أبو داود وأحمد والضياء المقدسي من حديث الحسن عن سمرة بن جندب، رضي الله عنه مرفوعا، قال ابن حجر: في صحة سماع الحسن عن سمرة خلاف، وأشار المنذري أيضا إلى هذا الخلاف. وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: وفيه ضعف، وأخرجه أحمد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بهذا اللفظ، قال البنا الساعاتي في تخريجه: أخرجه الترمذي والنسائي والبيهقي، وقال الترمذي: حديث صحيح (مختصر سنن أبي داود للمنذري 4 / 226 نشر دار المعرفة، ومسند أحمد بن حنبل 5 / 12 ط الميمنية، والفتح الرباني 15 / 130، 131 الطبعة الأولى 1370 هـ، وفيض القدير 6 / 29) .
(3) حديث: " من أحيا أرضا ميتة فهي له ". علقه البخاري من حديث جابر رضي الله عنه، وذكر ابن حجر في شرحه شواهد هذا الحديث، وقال: وفي أسانيدها مقال، ولكن يتقوى بعضها ببعض (فتح الباري 5 / 18 ط السلفية) .

وَالْعُشْبِ يَكُونُ بِالْحَشِّ، وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَيَوَانِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يَكُونُ بِالاِصْطِيَادِ، وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَى الأَْرْضِ الْمَوَاتِ يَكُونُ بِالإِْحْيَاءِ، وَبِإِقْطَاعِ التَّمْلِيكِ. (1)

تَنَوُّعُ الاِسْتِيلاَءِ:
21 - الاِسْتِيلاَءُ يَكُونُ حَقِيقِيًّا بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُبَاحِ فِعْلاً، وَهَذَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ وَقَصْدٍ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، قَال الرَّمْلِيُّ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِضَبْطِهِ بِالْيَدِ، لأَِنَّهُ مُبَاحٌ، فَمُلِكَ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ، سَوَاءٌ أَقَصَدَ بِذَلِكَ مِلْكَهُ أَمْ لاَ، حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ مَلَكَهُ. وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلاَمِ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِالاِسْتِيلاَءِ الْحَقِيقِيِّ الْمِلْكِيَّةُ مُسْتَقِرَّةً، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الاِسْتِيلاَءُ حَقِيقِيًّا إِذَا كَانَ بِآلَةٍ أُعِدَّتْ لِذَلِكَ، وَكَانَ وَاضِعُهَا قَرِيبًا مِنْهَا، بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا لأََمْسَكَ الصَّيْدَ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْهِ. وَمِنْ هَذَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً لِلصَّيْدِ فَوَقَعَ فِيهَا طَائِرٌ وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الطَّيَرَانُ، أَوْ أَغْرَى كَلْبًا مُعَلَّمًا فَاصْطَادَ حَيَوَانًا، فَإِنَّ مَنْ نَصَبَ الشَّبَكَةَ وَمَنْ أَغْرَى الْكَلْبَ يَتَمَلَّكُ الصَّيْدَ، سَوَاءٌ أَكَانَ هُوَ مَالِكُ الشَّبَكَةِ وَالْكَلْبِ أَمْ كَانَ الْمَالِكُ غَيْرَهُ.
22 - وَيَكُونُ الاِسْتِيلاَءُ حُكْمِيًّا، وَهُوَ مَا كَانَ بِوَاسِطَةِ الآْلَةِ وَحْدَهَا الَّتِي تُهَيِّئُ الْمُبَاحَ لِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ وَاضِعُهَا قَرِيبًا مِنْهَا. كَحُفْرَةٍ فِي جَوَرَةِ
__________
(1) البدائع 6 / 193 - 194، والفتاوى الهندية 5 / 390 - 393، 417، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين 5 / 298، والمبسوط 11 / 251، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي 1 / 167، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 110، ومنح الجليل 1 / 585 - 586، ونهاية المحتاج 8 / 117 - 119، والمغني 8 / 562 - 564، وكشاف القناع 4 / 122، 187.

الْمُنْتَفِعِ بِالأَْرْضِ أَوْ مَالِكِهَا تَجَمَّعَ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ، فَلاَ بُدَّ لِتَمَلُّكِ مَا تَجَمَّعَ فِيهَا مِنْ مَاءٍ مِنْ وُجُودِ الْقَصْدِ، أَمَّا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَإِنَّ الْمِلْكِيَّةَ تَثْبُتُ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ، وَلاَ تَسْتَقِرُّ إِلاَّ بِصَيْرُورَةِ الاِسْتِيلاَءِ حَقِيقِيًّا، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ. (1)
23 - وَقَدْ سُئِل الْحَلْوَانِيُّ الْحَنَفِيُّ عَمَّنْ عَلَّقَ كُوزَهُ، أَوْ وَضَعَهُ فِي سَطْحِهِ، فَأَمْطَرَ السَّحَابُ وَامْتَلأََ الْكُوزُ مِنَ الْمَطَرِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ وَأَخَذَ ذَلِكَ الْكُوزَ مَعَ الْمَاءِ، هَل لِصَاحِبِ الْكُوزِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مَعَ الْمَاءِ؟ فَقَال: لاَ إِشْكَال فِي اسْتِرْدَادِ الْكُوزِ، وَأَمَّا الْمَاءُ فَإِنْ كَانَ قَدْ أُعِدَّ الْكُوزُ لِذَلِكَ حُقَّ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُعِدَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ.
وَلَوْ الْتَجَأَ صَيْدٌ إِلَى أَرْضِ رَجُلٍ أَوْ إِلَى دَارِهِ، فَلاَ يُعَدُّ ذَلِكَ اسْتِيلاَءً مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ أَوِ الدَّارِ، لأَِنَّهُمَا لَمْ يُعَدَّا لِلاِصْطِيَادِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ مِنْهُ فِعْل الاِسْتِيلاَءِ، أَمَّا إِذَا رَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الدَّارِ الْبَابَ بِنِيَّةِ أَخْذِهِ مَلَكَهُ، لِتَحَقُّقِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ مَعَ إِمْكَانِ أَخْذِهِ.
وَمَنْ نَصَبَ فُسْطَاطًا فَالْتَجَأَ إِلَيْهِ صَيْدٌ لَمْ يَمْلِكْ، لأَِنَّ الْفُسْطَاطَ لَمْ يَكُنْ آلَةَ صَيْدٍ، وَمَا كَانَ نَصَبَهُ بِقَصْدِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَى الصَّيْدِ، وَكَذَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً لِلتَّجْفِيفِ فَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ وَلَمْ يَكُنْ مَنْ عَلَّقَ الشَّبَكَةَ حَاضِرًا بِالْقُرْبِ مِنْهَا فَإِنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُ، إِذْ الْقَصْدُ مَرْعِيٌّ فِي التَّمَلُّكِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ إِنْ حَضَرَ وَهُوَ مُعَلَّقٌ بِالشَّبَكَةِ.
وَتَفْصِيل كُل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اصْطِيَادٌ) . (2)
__________
(1) المراجع السابقة.
(2) المراجع السابقة.

* شروط استيفاء القصاص:
1 - أن يكون ولي الدم بالغاً عاقلاً، فإن كان صغيراً، أو مجنوناً، أو غائباً، حُبس الجاني حتى يبلغ الصغير، ويعقل المجنون، ويقدم الغائب، ثم إن شاء اقتص، أو أخذ الدية، أو عفا وهو الأفضل.
2 - اتفاق جميع أولياء الدم على استيفائه، فليس لبعضهم استيفاؤه دون بعض، وإذا عفا أحد الأولياء سقط القصاص وتعينت الدية مغلظة.
3 - أن يؤمن في الاستيفاء التعدي إلى غير القاتل، فإذا وجب القصاص على امرأة حامل لم يقتص منها حتى تضع ولدها وتسقيه اللَّبأ، فإن وُجِد من يرضعه وإلا أُمهلت حتى تفطمه.
* إذا تحققت هذه الشروط جاز استيفاء القصاص، فإن لم تتحقق فلا قصاص.
* إذا قتل الصغير أو المجنون فلا قصاص عليهما، وتجب الكفارة في مالهما، والدية على عاقلتهما، ومن أمر صغيراً أو مجنوناً بقتل شخص فَقَتَله وجب القصاص على الآمر وحده؛ لأن المأمور آلة للآمر.
* إذا أمسك إنسان آخر فقتله ثالث عمداً فيقتل القاتل، أما الممسك فإن علم أن الجاني سيقتل الممسوك قُتلا جميعاً، وإن لم يعلم أنه سيقتله فيعاقب الممسك بالسجن بما يراه الحاكم تأديباً له.
* من أكره أحداً على قتل معصوم فقتله فالقصاص عليهما معاً.
قال الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/179).
* كثير من الدول الكافرة جعلت عقوبة القاتل السجن تمدُّناً ورحمة به، ولم ترحم المقتول الذي فقد حياته، ولم ترحم أهله وأولاده الذين فقدوا راعيهم وعمدتهم، ولم ترحم البشرية التي أضحت خائفة على دمائها وأعراضها وأموالها من هؤلاء المجرمين، فزاد الشر، وكثر القتل، وتنوعت الجرائم.
قال الله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة/50)

شروط استيفاء القصاص في الأطراف

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* شروط استيفاء القصاص في الأطراف:
1 - الأمن من الحيف: وذلك بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه.
2 - المماثلة في الاسم والموضع: فتؤخذ العين بالعين مثلاً، ولا تؤخذ يمين بيسار، ولا خنصر ببنصر وهكذا.
3 - الاستواء في الصحة والكمال: فلا تؤخذ يد أو رجل صحيحة بشلاء، ولا عين صحيحة بعين لا تبصر، ويؤخذ عكسه ولا أرش.
* إذا تحققت هذه الشروط جاز استيفاء القصاص، وإن لم تتحقق سقط القصاص وتعينت الدية.
2 - الثاني: في الجروح: فإذا جرحه عمداً فعليه القصاص.
* يشترط لوجوب القصاص في الجروح ما يشترط لوجوب القصاص في النفس، مع إمكان استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة، وذلك بأن يكون الجرح منتهياً إلى عظم كالموضحة: وهي كل جرح ينتهي إلى عظم في سائر البدن كالرأس، والفخذ، والساق ونحوها.
* إذا لم يمكن استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة سقط القصاص وتعينت الدية.
* يستحب العفو عن القصاص في الأطراف والجروح إلى الدية، وأفضل من ذلك العفو مجاناً، ومن عفا وأصلح فأجره على الله، ويستحب طلبه ممن يملكه.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما رُفع إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم شيء فيه القصاص، إلا أمر فيه بالعفو. أخرجه أبو داود وابن ماجه (¬1).
* سراية الجناية مضمونة بقود أو دية في النفس وما دونها، فلو قطع أصبعاً فتآكلت حتى سقطت اليد وجب القود في اليد، وإن سرت الجناية إلى النفس فمات المجني عليه وجب القصاص.
* من مات في حد كالجلد والسرقة ونحوهما، أو في قصاص في الأطراف والجراح فديته من بيت المال.
* لا يقتص من طرف أو عضو أو جرح قبل برئه؛ لاحتمال سراية الجناية في البدن، كما لا يطلب له دية حتى يبرأ؛ لاحتمال السراية إلى غيره.
* من ضرب غيره بيده، أو بعصا، أو سوط، أو لطمه اقتص منه، وفُعل بالجاني عليه كما فُعل به، فلطمة بلطمة، وضربة بضربة في محلها، بالآلة التي لطمه بها أو مثلها إلا أن يعفو.
* من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فلا دية له ولا قصاص.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ((لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح)). متفق عليه (¬2).
* نقل الدم من إنسان إلى آخر يجوز عند الضرورة، وعدم وجود بديل له مباح، إذا قام به طبيب ماهر، وغلب على الظن نفع التغذية به، ورضي المأخوذ منه مع عدم تضرره، فتجوز التغذية به بقدر ما ينقذ المريض من الهلكة.
* يجوز جمع الدم في (بنوك الدم)، تحسُّباً لوجود المضطر، ومفاجأة الأحوال كالحوادث، وحالات الولادة، وغير ذلك من حالات نزيف الدم.
¬_________
(¬1) صحيح / أخرجه أبو داود برقم (4497)، صحيح سنن أبي داود رقم (3774). وأخرجه ابن ماجه برقم (2692)، وهذا لفظه، صحيح سنن ابن ماجه رقم (2180).
(¬2) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6902)، واللفظ له، ومسلم برقم (2158).

معاهدة سان استيفانوس وانسحاب تركيا من أوروبا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

معاهدة سان استيفانوس وانسحاب تركيا من أوروبا.
1295 صفر - 1878 م
بعد الحرب مع روسيا التقى مندوبو الدولة العثمانية ومندوبو روسيا في بلدة قرب إستنبول على بحر مرمرة تسمى سان استيفانوس وذلك بعد محادثات تقدم فيها الروس قليلا عن خط وقف إطلاق النار الذي اتفق عليه ونقل أيضا مركز المحادثات من أدرنة على هذه القرية، وقدم المندوب الروسي شروطا مسبقة وطلب التوقيع عليها مباشرة وإلا تتقدم الجيوش الروسية وتحتل إستنبول ولم يكن للعثمانيين من خيار سوى التوقيع وتنص المعاهدة على: تعيين حدود جديدة للجبل الأسود لإنهاء النزاع وتحصل هذه على الاستقلال وإذا حدثت خلافات جديدة تحلها روسيا والنمسا، تستقل إمارة الصرب وتضاف لها أراض جديدة وتحدد الحدود حسب الخريطة المرفقة وبمساعدة الروس، تأخذ بلغاريا استقلالا إداريا وتدفع مبلغا محددا إلى الدولة العثمانية ويكون موظفو الدولة والجند من النصارى فقط وتعين الحدود بمعرفة العثمانيين والروس وينتخب الأمير من قبل السكان ويخلي العثمانيون جنودهم نهائيا من بلغاريا ويحق للعثمانيين نقل جنودهم إلى ولايات أخرى ضمن الأراضي البلغارية، تحصل دولة رومانيا على استقلالها التام، يتعهد الباب العالي بحماية الأرمن النصارى من الأكراد والشركس، يقوم الباب العالي بإصلاح أوضاع النصارى في جزيرة كريت، تدفع الدولة العثمانية غرامة مالية حربية قدرها 245217391 ليرة ذهبية ويمكن لروسيا أن تتسلم أراضي مقابل المبلغ، تبقى المضائق البوسفور والدردنيل مفتوحة للسفن الروسية في زمن السلم وزمن الحرب، يمكن للمسلمين الذين يعيشون في الأراضي التي اقتطعت من الدولة العثمانية أن يبيعوا أملاكهم ويهاجروا إلى حيث يريدون من أجزاء الدولة العثمانية.

الاستغناء (الاستيفاء) في شرح الوقاية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

استيفاء الحقوق في المحلف والمسبوق

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

استيفاء الحقوق، في المحلف والمسبوق
للشيخ: محمد بن محمد بن خضر المقدسي.
المتوفى: سنة ثمان وثمانمائة.
تقول: وفّيته فتوفّي واستوفى.
- الاستيفاء: مصدر استوفى، وهو أخذ المستحق حقه كاملا، وقد يكون برضى من عليه الحق، وقد يكون بغير رضاه، كما قد يكون بناء على حكم قضائي، وقد يكون من

غير قضاء، فهو أعم من الظفر بالحق، ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى.
انظر: «طلبة الطلبة ص 248، والموسوعة الفقهية 4/ 146، 29/ 156».

من استوفز بمعنى احتفز.
ومعنى ذلك الاستعجال، وهو أن يجلس وهو يريد تعجيل القيام، وبات يتوفز: يتقلب في فراشه.
قال الشاعر يخاطب الموت:
وهذا الخلق منك على وفاز... وأرجلهم جميعا في الركاب
انظر: «أساس البلاغة (وفز) ص 684، وطلبة الطلبة ص 83».

جُلُوْسُ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ مُقْعِيًا بِإِلْصَاقِ الأَلْيَتَيْنِ بِالأَرْضِ وَنَصْبِ السَّاقَيْنِ، وَوَضْعِ اليَدَيْنِ عَلَى الأَرْضِ.
Sitting posture in prayer: When a person sits during prayer with his buttocks stuck to the ground, his legs held upright, and his hands placed on the ground.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت