|
[توى]التَوُّ: الفردُ. وفي الحديث: " الطوّافُ تَوٌّ، والسعيُ تَوٌّ، والاستجمار تو ".ووجه فلان من خيله بألفٍ تَوٍّ، يعني بألف رجل، أي بألف واحد. وجاء الرجل تَوّاً، إذا جاء وحده. والتَوى مقصورٌ: هلاكُ المال. يقال: تَويَ المال بالكسر يتوى توى، وأتواه غيره. وهذا مال تو على فعل.
|
|
(توى)الْبَعِير تيا وسمه بالتوى فَهُوَ متوي
|
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(توى)- في الحَدِيث فِيمَن يُدْعَى من أَبوابِ الجَنَّة: قال أبو بَكْر: "ذاك الَّذِي لا تَوَى عليه".: أي لا ضَياع ولا خَسَارةَ، من قولهم: تَوَى عليه المَالُ: إذا هَلَك يَتْوِي، وتَوِي حَقُّ فُلانٍ على غَريمِه إذا ذَهَب تَوًى وتَواءً. والقَصْر أَجْود، فهو تَوٍ وتَاوٍ.وقال الجَبَّانُ: قِيلَ: إنه من التَّوِّ بمَعْنَى المُنْفَرد.
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
المُسْتَوَى:
بوزن اسم الفاعل من استوى يستوي: هو موضع. |
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
مُلْتَوَى:
موضع، قال ثعلب في تفسير قول الحطيئة: كأن لم تقم أظعانُ هند بمُلتَوى ... ولم ترع في الحيّ الحلال ثرور |
|
توى1 تَوِىBَ, (T, S, M, Mgh, K,) in the dial. of Teiyi تَوَى, (AAF, M,) aor. ـَ (S, K,) inf. n. تَوًى, (T, S, M, Mgh, K,) It perished; came to an end; (S, Mgh, K;) it passed away (T, M, Mgh) unhoped for: (T, M:) said of property. (T, S, M, Mgh.) Hence the saying, in a trad., لَا تَوَى عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ [There shall be no perishing of the property of a man that is a Muslim]: applied to the case of a man to whom is transferred the responsibility for a debt, and who dies insolvent; meaning that the responsibility shall return to him who transferred it. (Mgh.) 4 اتواهُ He (God, M, K, or another, S) destroyed it, made an end of it, or caused it to perish or come to an end; (S, K;) he made it away; (T, M;) namely, property, (S, M,) or his property. (T.) A2: See also art. تو.
تَوٍ (S M, Mgh, K) and ↓ تَاوٍ (Mgh) Perishing; coming to an end; (S, Mgh, K;) passing away (M, Mgh) unhoped for: (M:) applied to property. (S, M, Mgh.) تَوَآءٌ A perishing of property; its coming to an end; or becoming lost. (TA.) تَوِىٌّ Remaining, staying, dwelling, or abiding: (IAar, M, K:) but ثَوِىٌّ, with ث, is better known in this sense. (M.) تَاوٍ: see تَوٍ. الشُّحُّ مَتْوَاةٌ [Niggardliness, or avarice, is a cause of perishing to property]: a saying of the Arabs, meaning, if thou withhold property from its right disposal, God will make it to pass away in that which is not its right disposal. (M.) |
|
(اجتوى) الطَّعَام كرهه وَلم يُوَافقهُ والبلد كره الْمقَام بِهِ وَفِي حَدِيث عرينة (قدمُوا الْمَدِينَة فاجتووها) وَيُقَال اجتوى الْقَوْم أبْغضهُم
|
القاموس المحيط للفيروزآبادي
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْعدَد الْغَيْر المستوى: هُوَ الْعدَد الْمَكْتُوب من الْقوس إِلَى المركز فِي الرَّابِع الْمُجيب.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْفَتْوَى: فِي السخاء وَالْكَرم. وَعند أَرْبَاب الْحَقَائِق أَن تُؤثر الْحق على نَفسك بالدنيا وَالْآخِرَة. ثمَّ اعْلَم أَن فتيا على وزن دنيا اسْم مَأْخُوذ من فتا بِالْفَتْح مصدر فَتى على وزن علم كَمَا أَن تقيا اسْم مَأْخُوذ من تقى وَالْفَتْوَى بِالْفَتْح لُغَة فِي فتيا كَمَا أَن تقوى لُغَة فِي تقيا وأصل فَتْوَى فتيا الْيَاء مَقْلُوبَة عَن الْوَاو للخفة. وَقَالَ بَعضهم إِن أفتى فرع فَتْوَى وفتوى فرع فتيا وفتيا فرع فتا مصدرا فافتا فرع الْمصدر بوسائط وَهَذَا الْفِعْل فِي الْمَزِيد من الْأَفْعَال المتصرفة يُقَال أفتى يُفْتِي إِفْتَاء واستفتى يستفتي استفتاء وَفِي الْمغرب أَن فَتْوَى مَأْخُوذ من فَتى وَمعنى فتيا حَادِثَة مُبْهمَة والافتاء تَبْيِين ذَلِك الْمُبْهم والاستفتاء السُّؤَال من الافتاء واشتقاقه اشتقاق صَغِير وَرُبمَا يمال فَتْوَى كَمَا يمال تقوى وَدَعوى وَيجْعَل حَرَكَة الْفَاء تَابِعَة لحركة الْوَاو فِي الْفَتْوَى لَا فِي التَّقْوَى وَالدَّعْوَى وَيكْتب الْألف فِي كلهَا على صُورَة الْيَاء لِأَن الْحَرْف الرَّابِع مَقْصُور إِلَّا وَقت الْإِضَافَة إِلَى الْمُضمر فَيُقَال فتواه ودعواه وتقواه بِخِلَاف فَتْوَى الْعلمَاء وَدَعوى الخصماء وتقوى الأتقياء وَجمع الْفَتْوَى فَتَاوَى بِفَتْح الْوَاو والمفتي من يبين الْحَوَادِث المبهمة. وَفِي الشَّرْع هُوَ الْمُجيب فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة. والنوازل الفرعية. أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي الشريفية شرح السِّرَاجِيَّة فِي بَاب مقاسمة الْجد وَمن رسم الْمُفْتِي أَنه إِذا كَانَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي جَانب وصاحباه فِي جَانب كَانَ هُوَ مُخَيّرا فِي أَي الْقَوْلَيْنِ شَاءَ انْتهى.ثمَّ اعْلَم أَن هَا هُنَا إشارات ولطائف: الأولى: إِن أفتا بِاعْتِبَار الثلاثي الْمُجَرّد من الْأَفْعَال الْغَيْر المتصرفة وَبِاعْتِبَار الْمَزِيد فِيهِ من الْأَفْعَال المتصرفة فَيَنْبَغِي للمفتي أَن لَا يتَصَرَّف فِي الْأُصُول والنصوص بِوَجْه من الْوُجُوه بل لَهُ جَوَاز التَّصَرُّف وَالِاخْتِيَار فِي الفرعيات والمستنبطات والمجتهدات. الثَّانِيَة: إِن أفتا مُتَعَدٍّ فَيَنْبَغِي أَن يكون علمه مُتَعَدِّيا إِلَى الْغَيْر. وَالثَّالِثَة: إِن أفتا من بَاب الْأَفْعَال وَهُوَ أول أَبْوَاب الْمَزِيد فَمن وصل إِلَى دَرَجَة الْإِفْتَاء لَهُ رَجَاء فتح أَبْوَاب الْمَزِيد. وَالرَّابِعَة: إِن الْمُفْتِي يَنْبَغِي أَن يكون ذَا فتوة فَإِن بَين الافتا والفتوة أخوة فَلَا يطْمع من المستفتي شَيْئا وَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الملال من كَثْرَة السُّؤَال. وَالْخَامِسَة: إِن أول أفتا وَآخره. ألف يُشِير أَن الْمُفْتِي يَنْبَغِي أَن يكون فِي الِابْتِدَاء والانتهاء متصفا بِوَصْف الاسْتقَامَة والصدق وَالْقِيَام بِأُمُور الدّين وَالْألف الْقطعِي الَّذِي فِي أَوله يُشِير أَن أول مَا وَجب على الْمُفْتِي هُوَ قطع الطمع. وَالسَّادِسَة: إِن عدد حُرُوف افتا وَهُوَ بِحِسَاب الْجمل أَربع مائَة وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ يُشِير أَن عدد كتب الْمُفْتِي فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع لَا يَنْفِي أَن يكون نَاقِصا عَنهُ. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ بعد تفحص كتب ظَاهر الرِّوَايَة أَن عدد كتب الافتاء يصل إِلَى ذَلِك الْعدَد وَتلك الْكتب خَمْسَة صنفها الإِمَام مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وأساميها فِي هَذَا الْبَيْت.(مَبْسُوط وجامعين وزيادات باسير...در ظَاهر الرِّوَايَة ايْنَ بنج رانكر)
وَالْمرَاد بالجامعين: الْجَامِع الصَّغِير وَالْجَامِع الْكَبِير. وَالسَّابِعَة: إِن حُرُوف افتا خَمْسَة تُشِير أَن للمفتي أَن يُلَاحظ أَحْكَام الْكتب الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة ويحفظ الْأَركان الْخَمْسَة الإسلامية. وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن بَاب الْأَفْعَال أول أَبْوَاب الْمَزِيد لِأَن الْمَزِيد نَوْعَانِ مَا فِيهِ همزَة الْوَصْل وَمَا لَيست فِيهِ وَالْأَصْل هُوَ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يسْقط فِيهِ حرف زَائِد من ماضيه لَا فِي الِابْتِدَاء وَلَا فِي الدرج. ثمَّ الأَصْل فِي ذَلِك الأَصْل بَاب الْأَفْعَال لِأَن الزَّائِد فِي أَوله حرف من مبدأ المخارج وَهِي الْهمزَة.ثمَّ اعلموا أَيهَا الناظرون أَن هَا هُنَا فَوَائِد غَرِيبَة نافعة بالعبارة الفارسية فِي كتاب مُخْتَار الِاخْتِيَار كتبتها فِي هَذَا الْمقَام. لينْتَفع بهَا الْخَواص والعوام. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْفَتْوَى: اعْلَم أَن الافتاء فرض كِفَايَة. أما فرض الْكِفَايَة قد يصبح فرض عين فِي وَقت يصبح من المتوجب والمتعين اعطاء على من كَانَ الافتاء عَلَيْهِ فرض كِفَايَة. وَفِي (الْكَشَّاف) أَن لُقْمَان الْحَكِيم كَانَ يُفْتِي قبل بعثة دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام، فَلَمَّا بعث دَاوُد ترك لُقْمَان الافتاء.وَفِي الْكِفَايَة قَالَ إِن الْإِفْتَاء فرض كِفَايَة مثل الْقَضَاء، وَأدنى دَرَجَات فرض الْكِفَايَة هُوَ (الندبة) ، إِذا فالمندوب فِي أَمر الافتاء هُوَ من كَانَ أَهلا لذَلِك، لِأَن فِيهِ خطر عَظِيم لأجل ذَلِك هُوَ بَحر لَا يصل إِلَى شواطئه كل سابح. حَتَّى إِذا كَانَ هُوَ بِذَاتِهِ يُوصل النَّاس إِلَى بر السَّلامَة (ظهر الْمُفْتِي جسر جَهَنَّم) وَهِي إِشَارَة إِلَى أَن أَحْيَانًا هبوب رِيحه يكون شَدِيدا: {{مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله}} فتعصف الرّيح وتتلاطم أمواج الِاشْتِبَاه والأشكال وتتراكم وَلَا ترسو وَلَا تَسْتَقِر عِنْدهَا سفية الراسخين على شاطئ التَّوْفِيق الإلهي وَلَا تتحرك فلك الْمُجْتَهدين من دون انسياب نسيم الْفَيْض اللامتناهي. أما شَرط الافتاء فَهُوَ الْإِسْلَام وَالْعقل. وَالْبَعْض قَالَ. إِن شَرط الْإِفْتَاء هُوَ نَفسه شَرط الْقَضَاء أَي الْإِسْلَام وَالْعقل وَالْبُلُوغ وَالْعَدَالَة. وَهَذَا مَا يكون من أهل الِاجْتِهَاد. وَأما الصَّحِيح فَهُوَ أَن هَذَا شَرط الْكَمَال، وَأول الشَّرْط الصِّحَّة، وأهلية الِاجْتِهَاد شَرط الأولية، وَفِي صَحِيح الْمذَاهب فِي (الْفُصُول) جَاءَ إِجْمَاع الْعلمَاء، أَن من الْوَاجِب أَن يكون الْمُفْتِي من أهل الِاجْتِهَاد من أجل أَنه هُوَ الَّذِي يبين أَحْكَام الشَّرْع هَذَا يكون مُمكنا عِنْدَمَا يكون عَالما بالدلائل الشَّرْعِيَّة.قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى، لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي بقولنَا حَتَّى يعلم من أَيْن قُلْنَاهُ. وَفِي (الغياث) جَاءَ أَن معنى هَذَا الْكَلَام هُوَ أَن لَا يُقَاس على الْمَسْأَلَة من عِنْده مَا دَامَ هُوَ لَا يعلم من أَي وَجه أعْطى الإِمَام جَوَابه على الْمَسْأَلَة الأولى. وَجَاء فِي (الْمُلْتَقط) وَغَيره، وَلِأَن جَوَابه غَالب على خطائه، فَمن الْجَائِز لنا الْأَخْذ إِذا مَا أعْطى هُوَ الْفَتْوَى حَتَّى وَلَو لم يكن الْآخِذ من أهل الإجتهاد، وَلَكِن لَا يحل لَهُ أَن يُفْتِي إِلَّا عَن طَرِيق الرِّوَايَة عَن قَول الْفُقَهَاء.قَالَ فِي (المفاتيح) وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمُفْتِي عَاقِلا بَالغا عَالما باللغة والنحو وَالْأَحَادِيث الْمُتَعَلّقَة بِالْأَحْكَامِ والناسخ والمنسوخ وَالصَّحِيح والسقيم وَأَن يكون فَقِيه النَّفس عَالما بالتواريخ وسير الصَّحَابَة ومذاهب الْأَئِمَّة وأصول الْفِقْه. وَجَاء فِي شرح (الْقَدُورِيّ) أَن الإِمَام أَبُو يُوسُف رَحمَه الله فِي هَذَا الْمَعْنى قد أَخذ الْأَمر بِشدَّة وَقَالَ، لَا يصل أحد إِلَى إِعْطَاء الْفَتْوَى إِذا لم يكن من أهل الْعقل والرأي وَإِذا لَا يعرف أَحْكَام الْكتاب وَالسّنة والناسخ والمنسوخ وأقوال الصَّحَابَة وسيرهم ووجوه الْكَلَام، وَيظْهر من هَذِه الْأَقْوَال جَوَاز الْإِفْتَاء مَعَ الِاجْتِهَاد والتقليد مَعَ أَوْلَوِيَّة الأول.أما الْآدَاب والمستحبات فِي ذَلِك هِيَ أَنه إِذا لم يكن الْمُفْتِي من أهل الِاجْتِهَاد فليجب على الْفُرُوع فَذَلِك أسلم وأحوط، وَكَذَلِكَ أَن لَا يتجرأ على الافتاء استنادا إِلَى علمه وَيَقُول لقد أجازني علمي، لَكِن عَلَيْهِ أَن يلازم الْمُفْتِينَ وَيَأْخُذ الْإِجَازَة عَلَيْهِم حَتَّى يصبح على بَصِيرَة من أمره، قَالُوا وَإِن حفظ جَمِيع كتب أَصْحَابنَا فَلَا بُد أَن يتلمذ للْفَتْوَى حَتَّى يهتدى إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَا تقدم على الْجَواب قبل الْقِرَاءَة والمطالعة الجديدة والتأمل الطَّوِيل واجتنب الْمُبَادرَة والتعجيل فِي إِعْطَاء الْجَواب، حَتَّى إِذا وَقع الْخَطَأ عذرت وَمَسْأَلَة التَّحَرِّي فِي هَذَا الْمقَام هِيَ الدَّلِيل التَّام، ويروى عَن الإِمَام الْأَعْظَم رَحْمَة الله عَلَيْهِ أَنه لم يجب على كثير من الْمسَائِل الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا. وَلَا يجب الِالْتِفَات إِلَى إلحاح المستفتي، ويروى عَن أَبُو نصر رَحْمَة الله عَلَيْهِ أَنه كَانَ يَقُول للَّذي يستفتيه ويلح عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ وَيَقُول لَهُ أرد جَوَاب فقد أتيت من طَرِيق بعيد:(فَلَا نَحن ناديناك من حَيْثُ جئتنا...وَلَا نَحن عمينا عَنْك الذهبا)وَكَذَلِكَ أَن تصبح ملولا من كَثْرَة السُّؤَال وَالْجَوَاب وَأَن لَا تُعْطِي جَوَابا وَأَنت مشتت الذِّهْن، فَإِذا أجبْت فَلَا تَدعِي الْجَواب لنَفسك وَتقول أَنا أَقُول إِن الحكم كَذَا وَأَنا أُفْتِي بِكَذَا وَغير ذَلِك بل قل بالرواية عَن الْعلمَاء هَكَذَا وَفِي الْكتاب الْفُلَانِيّ هَكَذَا.وَكَذَلِكَ إِذا سُئِلَ عَن الْعِبَادَات صِحَّتهَا وفسادها وَوجه فَسَادهَا وصحتها، فاختر وَجه الْفساد، وَإِذا كَانَ السُّؤَال فِي الْمُعَامَلَات فاختر وَجه الصِّحَّة، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي (الْمُحِيط) وَفِي (الذَّخِيرَة) أَنه فِي هَذَا النَّوْع من الْمسَائِل فِي المعتقدات عَلَيْهِ أَن يخْتَار الْإِيمَان وَمهما أمكن أَلا يحكم بالْكفْر. وَأَيْضًا أَن لَا يَأْخُذ أجرا على الْإِفْتَاء نَفسه لِأَنَّهُ (طَاعَة) وَهَذِه الْمَسْأَلَة قد فصلناها فِي بَاب (الْأجر) ، وعَلى كل حَال فَإِن عدم أَخذ الْأجر فِي الْعِبَادَات أولى وَأَحْرَى لقَوْله تَعَالَى: {{قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا}} ، وَأَيْضًا إِذا سَأَلَهُ أحدهم عَن جَوَاب مَسْأَلَة فَلْيقل إِنَّه على قَول الإِمَام الْأَعْظَم جوابها هَكَذَا.وَفِي بَاب السيوم من كتاب النِّكَاح لشيخ الْإِسْلَام خُوَاهَر زَاده جَاءَ إِذا زوجت امْرَأَة بكر بَالِغَة شافعية الْمَذْهَب من رجل شَافِعِيّ أَو حَنَفِيّ ووالدها كَانَ غَائِبا، فَإِن هَذَا النِّكَاح يكون صَحِيحا، على الرغم من أَنه عِنْد الشَّافِعِي غير صَحِيح، لِأَن عِنْده يجب أَن يكون الزَّوْج وَالزَّوْجَة على الْمَذْهَب الشَّافِعِي، وعَلى الرغم من اعتقادنا أَن الشَّافِعِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَانَ على خطأ، إِلَّا أَن الْوَاجِب علينا أَن نعطي الْجَواب بغض النّظر عَمَّا هُوَ اعتقادنا فِي الْمَسْأَلَة. وَإِذا كَانَ السُّؤَال مَا هُوَ جَوَاب الشَّافِعِي على هَذِه الْمَسْأَلَة، فَالْوَاجِب أَن نقُول إِنَّهَا صَحِيحَة وَعند أبي حنيفَة كَذَا رَحمَه الله تَعَالَى، وَالله أعلم. وَإِذا كَانَ السُّؤَال عَن مسَائِل مؤيده (مصدقه) فَإِن على الْمُفْتِي فِيهَا (ديانَة لَا قَضَاء) مَا هُوَ حكم الدّيانَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. فَإِذا كَانَ الْجَواب مَكْتُوبًا فَيكْتب (لَيْسَ مُصدقا، بل قَضَاء) وَإِذا كَانَ الْجَواب شفويا فَيَقُول (مُصدق، وديانة لَيْسَ سليما) .أَن لَا يُبَادر إِلَى الْجَواب فِي حُضُور شخص أعلم مِنْهُ، لَا تقريرا وَلَا تحريرا وَإِذا ورد عَلَيْهِ جَوَاب مفت آخر على مَسْأَلَة مَا وَيظْهر ان ذَلِك الْمُفْتِي قد أَخطَأ فَإِن ذَلِك الْمُفْتِي مَعْذُور فِي ترك الْجَواب ورد الْفَتْوَى إِذا مَا كَانَ مُجْتَهدا. أما إِذا كَانَ مَنْصُوص عَلَيْهِ فَهُوَ لَيْسَ مَعْذُورًا فِي الرَّد بل يحْتَفظ بِهِ أَو أَن يمزقه حَتَّى لَا يعْمل بِهِ.وَقد أورد (كَمَال البياعي) أَنه فِي الْفَتَاوَى لَيْسَ مَعْذُورًا مُطلقًا فِي ردهَا إِذا علم بخطئه وَأدْركَ أَنه سيعمل بهَا.وَإِذا وَردت عَلَيْهِ رقْعَة فِيهَا استفتاء لم يسْتَوْف الْقُيُود الأساسية لَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَن لَا يُجيب عَلَيْهِ بل يُعِيدهُ للمستفتي حَتَّى يكمله، وَإِذا قَيده مَعَ التمَاس المستفتي فَإِنَّهُ غير سليم. وَعَلِيهِ أَن يُرَاعِي فِي الْقُيُود شُرُوط الإيجاز ويبتعد عَن الْأَطْنَاب وَكَذَلِكَ الحشو والتطويل، مِثَال الإيجاز: قَالَ زيد لِزَيْنَب كَذَا، وَمِثَال الْأَطْنَاب زيد الْحر والمكلف قَالَ لِزَيْنَب الْحرَّة والمكلفة كَذَا وَكَذَا. وَمِثَال الحشو زيد رجل ابْن عمر قَالَ لِزَيْنَب الْمَرْأَة وَابْنَة خَالِد كَذَا. وَمِثَال التَّطْوِيل زيد الْكَبِير فِي دَار الْإِسْلَام قَالَ على زَيْنَب الْكَبِيرَة فِي دَار الْإِسْلَام كلَاما نابيا وسبها. وَلَا يجب على الْكَلَام النابي حد الْقَذْف الَّذِي هُوَ عبارَة عَن ثَمَانِينَ جلدَة.وَيجب أَن يحْتَرز من أَن يضر الْقَيْد بالمستفتي، وَأَن لَا يُعْطِيهِ الرقعة من دون اسْتِحْقَاق الْإِجَابَة أَو أَن يكون مشعرا بالحيلة والالتباس. وَإِذا كَانَت الْمَسْأَلَة من الخلافات الَّتِي لَهَا أَكثر من قَول فيعطي الْفَتْوَى على إِحْدَى الْأَقْوَال والطريقة فِي ذَلِك أَن يعلم أَنه فِي هَذِه الْحَادِثَة لَا تُوجد رِوَايَة أُخْرَى تنقض الْفَتْوَى، حَتَّى لَا يطعن بِهِ ويتهم لَدَى الْعَامَّة. وَأَن يجْتَنب مُطلقًا تَعْلِيم الْحِيَل والتلبيس حَتَّى لَا يسْتَحق الْحجر وَالْمَنْع، وَقَالَ الإِمَام الْأَعْظَم رَحمَه الله أَن الْحجر لَا يجوز إِلَّا على ثَلَاثَة وعد الْمُفْتِي الماجن من ضمنهم. وَجَاء فِي (الذَّخِيرَة) وَقد أَمر أَن تستر عَورَة الْمُرْتَد عَن الْإِسْلَام لِأَن زَوجته قد حرمت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أصبح كَافِرًا، نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا.وَجَاء فِي (جَوَاهِر الْفَتَاوَى) وكل مفتي حَنَفِيّ يَأْمر مُطلقَة بِالثَّلَاثَةِ أَن تنقل مذهبها إِلَى الْمَذْهَب الشَّافِعِي وتقر أَن نِكَاحهَا كَانَ بَاطِلا بِسَبَب كَونهَا من دون ولي من الْوَاجِب على سُلْطَان الزَّمَان أَن يزجره ويمنعه. وَقد قَالَ صَاحب (الْجَوَاهِر) لقد أستفتي أَئِمَّة بخارا عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَكَانَت إجاباتهم على هَذَا النَّحْو. أجَاب الإِمَام ظهير الدّين المرغيناني بعد قَول المستفتي كَانَ من الْوَاجِب على سُلْطَان الزَّمَان زَجره وَمنع هَذَا الْمُفْتِي وتعزيزه وَالله أعلم، وَعَن أَئِمَّة السّلف، سُئِلَ عَن مثل هَذِه الْمَسْأَلَة فَأجَاب، أعتقد هَذَا رجل خرج من دنيا الْإِيمَان وَالله العاصم. وَالْقَاضِي الإِمَام فَخر الدّين حُسَيْن بن مَنْصُور الأوزجندي أجَاب بِمثل ذَلِك وَالله أعلم. أما الإِمَام قوام الدّين الصفار فَأجَاب لَا يجب أَن يفعل وَإِن فعل فَذَلِك لَيْسَ حَلَالا. وعَلى سُلْطَان الْوَقْت أَن يزجره وَأَن يحْجر على هَذَا الْمُفْتِي وَألا يفعل مثل ذَلِك. وَلَيْسَ سليما من الْمُفْتِي أَن يقبل الْهَدِيَّة وَلَكِن إِذا قبل الْهَدِيَّة بعد الاستفتاء وَالْجَوَاب عَلَيْهِ هُوَ أقرب للْحلّ وَأبْعد عَن الرِّشْوَة.يَقُول شيخ الْإِسْلَام خُوَاهَر زَاده إِذا جَاءَ المستفتي بهدية إِلَى الْمُفْتِي بعد الاستفتاء وَالْجَوَاب عَلَيْهِ فَلَا عيب فِي قبُولهَا.وَيجب عَلَيْهِ أَن يحْتَاط كثيرا فِي أُمُور الْفرج بِقدر الِاسْتِطَاعَة كَمَا جَاءَ فِي (الْمُحِيط) ، وَأَن يذيل الرِّوَايَة بِلَفْظ (هُوَ الْأَصَح) أَو (هُوَ الأولى) أَو (هُوَ الْأَيْسَر) أَو (افتى بِهِ فلَان) أَو (بِهِ أَخذ فلَان) أَو (عَلَيْهِ فَتْوَى فلَان) أَو (مَا فِي هَذَا الْمَعْنى) وَيجوز للمفتي أَن يُفْتِي اعْتِمَادًا على الرِّوَايَات بِمَا خَالف ذَلِك. أما إِذا كَانَت الرِّوَايَة مذيلة بِلَفْظ (عَلَيْهِ الْفَتْوَى) أَو (هُوَ الصَّحِيح) أَو (هُوَ الْمَأْخُوذ للْفَتْوَى) أَو (بِهِ يُفْتِي) وَمَا شابه ذَلِك، فَلَا يجوز عِنْدهَا للمفتي أَن يُفْتِي بِخِلَاف ذَلِك. وَقد جَاءَ فِي (الْمُضْمرَات) بعض عَلَامَات الْفَتْوَى هِيَ: (عَلَيْهِ الْفَتْوَى) _ بِهِ نَأْخُذ _ بِهِ يعْتَمد _ عَلَيْهِ الِاعْتِمَاد _ عَلَيْهِ عمل النَّاس الْيَوْم _ عَلَيْهِ عمل الِاعْتِمَاد _ هُوَ الصَّحِيح _ هُوَ الظَّاهِر _ هُوَ الْأَظْهر _ هُوَ الْمُخْتَار _ عَلَيْهِ فَتْوَى مَشَايِخنَا _ هُوَ الْأَشْبَه _ هُوَ الْأَوْجه. وَفِي حَاشِيَة (بزدوي) أَن لفظ (الْأَصَح) يَقْتَضِي أَن يكون غير صَحِيحا، أما لفظ (صَحِيح) فَلَا يَقْتَضِي أَن يكون غير صَحِيحا:(انْظُر أَيهَا الْقلب كم هِيَ شُرُوط الافتاء عِنْد الْمُجْتَهدين...)(وَلَكِن فِي عصرنا فَإِن للمفتي حكم العنقاء والكيمياء...)وَمن الحرمان والخسران أنني قضيت مُدَّة من عمري الْعَزِيز فِي طلب هَذِه الطَّائِفَة فَلم أجد إِلَّا الْقَلِيل مِنْهُم الَّذين يتحلون بِهَذِهِ الصِّفَات، ولأنني حرمت من تَحْقِيق مقصودي فقد رَأَيْت كثيرا من الَّذين لَا علم لَهُم وَلَا عمل ويتصدون لهَذَا الْأَمر الْجَلِيل عَن جهل وَعدم الدّين فأنشدت قصيدة من ثَلَاثِينَ بَيْتا:(قيل الْآن كَانَ مفتي كل مَدِينَة...على اطلَاع على الْعُلُوم الدِّينِيَّة)(وَكَانُوا من سالكي طَرِيق الله...وَمن وارثي علم الْمُصْطَفى)(وَكَانَ علمهمْ دستورا قبل حلمهم...عُلَمَاء فِي الْعلم وحلمهم عَامر ومعمور) (تنير الدُّنْيَا من نور علمهمْ ويتضوع...الْعَالم من عطر زهورهم)(طويتهم نور تحرق الظلمَة وَلَكِن...علمهمْ بِنَاء وَدينهمْ ثَابت)(أقلامهم تسطر علم الْغَيْب...ورسم توقيعهم بَرِيء من الْعَيْب)(كل وَاحِد مِنْهُم فِي صفائه كَأَنَّهُ صوفي...وَالثَّانِي أَبُو حنيفَة الْكُوفِي)(سعيت سنوات عدَّة من أجل اكْتِسَاب...الْكَمَال جادا وجاهدا)(فدرست علم النَّحْو وَالصرْف ورأينا...الْمنطق وَالْحكمَة وَالْبَيَان)(وَبعد أَن أنفقت السنوات فِي هَذِه الْعُلُوم...اتجهت إِلَى علم الْأُصُول)(فَأَصْبَحت مَشْهُورا بَين الْخَاصَّة والعامة...فِي علم الْأُصُول والْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْكَلَام)(بعد ذَلِك اتجهت لعلم الْفِقْه...وقضيت السنوات فِي ممارسته)(وَمُدَّة أُخْرَى سرا وجهرا كنت...تركض وَرَاء الأساتذة)(وَلما أَصبَحت فِي الدُّنْيَا صَاحب علم الْعلم...فَجعلت من الْعلم أفضل من الْعَمَل)(وَإِذا لم يبْق من الْمَرْء عَلامَة وَاسم...فَلَا أثر لَهُ فِي هَذِه الدُّنْيَا)(من هُوَ الْمُفْتِي فِي هَذِه الْأَيَّام...أشخص جَاهِل بعيد عَن النّسَب وحسبه عاطل)(لَك كل مَا أردْت من الفضول وَعدم الْمَعْنى...فَهُوَ لَا يعرف من الْجَهْل الْمَوْجُود من عَدمه)(يَقُولُونَ إِن الْحق وبال...وَالدَّم الْحَرَام حَلَال)وَهَكَذَا حَتَّى الآخر.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
مستوى الاسم الأعظم: عند القوم البيت المحرم الذي وسع الحق، أعني قلب الكامل.
|
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
(اسْتَوَى) استقام واعتدل والشيئان تَسَاويا وَفُلَان تمّ شبابه وَالطَّعَام وَنَحْوه نضج وَالْأَرْض صَارَت جدبا وَبِه الأَرْض هلك فِيهَا وعَلى كَذَا أَو فَوْقه علا وَصعد وَاسْتقر وَثَبت وَعَلِيهِ اسْتَوَى وَملك وَيُقَال اسْتَوَى على سَرِير الْملك أَو على الْعَرْش تولى الْملك وَإِلَيْهِ قصد وَتوجه لَا يلوي على شَيْء
|
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
اسْتَوَى
مثال: اسْتَوَى الطعامُالرأي: مرفوضةالسبب: لشيوع الكلمة على ألسنة العامة. المعنى: نضج الصواب والرتبة: -استوى الطعام [فصيحة] التعليق: أثبتت المعاجم اللفظ المرفوض بمعناه المذكور، ففي المصباح: «استوى الطعام أي نضج»، وفي الوسيط: «استوى الطعام ونحوه: نضج». |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
مُسْتَوَى
مثال: مستوى ذكاء الطفلالرأي: مرفوضةالسبب: لأنها لم ترد في المعاجم القديمة بهذا المعنى. المعنى: درجته الصواب والرتبة: -مستوى ذكاء الطفل [صحيحة] التعليق: تشيع كلمة «مستوى» في لغة العصر الحديث بمعنى الدرجة والمكانة، فيقال: «مستوى اجتماعي»، «مستوى الإنتاج»، «مستوى المعيشة» ونص الوسيط في طبعته الثالثة على أن المستوى: الدرجة والمكانة التي استوى عليها الشيء. وبهذا أخذت معظم المعاجم الحديثة. |
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
التَّوى: يقال: "توى المال على الكفيل" بأن مات مفلساً.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الفَتْوى: هو الحكم الشرعي يعني ما أفتى به العالم، وهي اسم من أفتى العالم إذا بيَّن الحكم.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الإحكام، في تمييز الفتوى عن الأحكام، وتصرف القاضي والإمام
لشهاب الدين، أبي العباس: أحمد بن إدريس المالكي، القرافي. المتوفى: سنة 684، أربع وثمانين وستمائة. ذكر فيه: أنه ادعى الفرق بين الفتوى والحكم، فأنكر بعضهم، فألفه: ردا عليه. وهو مجلد. مشتمل على: أربعين مسألة. أوله: (الحمد لله المالك لجميع الأكوان...). |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
آداب الفتوى
للشيخ: محمد بن محمد المقدسي. المتوفى: سنة ثمان وثمانمائة. ولجلال الدين: عبد الرحمن السيوطي. المتوفى: سنة 911. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إقدار الرائض، على الفتوى في الفرائض
لأبي إسحاق: إبراهيم بن عمر السوسي، الشافعي. المتوفى: سنة 858. أوله: (الحمد لله الذي فرض الفرائض... الخ). رتب على: فاتحة، وأحد وستين بابا، وخاتمة. ذكر فيه: مذاهب الصحابة، فمن بعدهم من أئمة المذاهب الباقية. وفرغ: في 28 صفر، سنة سبع وأربعين وثمانمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
التجنيس والمزيد، وهو لأهل الفتوى غير عتيد
في: الفتاوى. للإمام، برهان الدين: علي بن أبي بكر المرغيناني، الحنفي. المتوفى: سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. أوله: (الحمد لله القديم الحليم ... الخ). ذكر فيه: أن الصدر الأجل: حسام الدين، أورد المسائل مهذبة في تصنيف، وذكر لها الدلائل، ورتب الكتب دون المسائل، ولم يتيسر له الختام، فشرع في إتمامه، وتحسين نظامه، وأنزل ذكر ما ذكره من الأبواب، من الأسما إلى حروف مجردة عن الألقاب. فأشار بالنون: إلى (نوازل أبي الليث). وبالعين: إلى (عيون المسائل). وبالواو: إلى (واقعات الناطفي). وبالتاء: إلى (فتاوى: أبي بكر بن الفضل). وبالسين: إلى (فتاوى: أئمة سمرقند). وبالزاي: إلى (الزوائد). وبالجيم: إلى (أجناس الناطفي). وبـ غر: إلى (غريب الرواية)، لأبي شجاع. وبـ نس: إلى (فتاوى: النجم: عمر النسفي). وبـ شر: إلى شرح الكتب المبسوطة. وبـ فت: إلى الفتاوى الصغرى. للصدر، الشهيد. وبالميم: إلى المتفرقات. قال: وهذا الكتاب لبيان ما استنبطه المتأخرون، ولم ينص عليه المتقدمون، إلا ما شذ عنهم في الرواية. انتهى. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
العَكْسُ المُسْتَوى: جعل الْجُزْء الأول من الْقَضِيَّة ثَانِيًا، وَالثَّانِي أَولا، مَعَ بَقَاء الصدْق والكيفية.
|
|
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّوَى وِزَانُ الْحَصَى، مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْهَلاَكُ، يُقَال تَوَى يَتْوَى كَرَضِي يَرْضَى أَيْ هَلَكَ، وَأَتْوَاهُ اللَّهُ فَهُوَ تَوٌّ. قَال فِي اللِّسَانِ: التَّوَى بِالْقَصْرِ. وَقَدْ يُمَدُّ فَيُقَال: تَوَاءُ. وَجَاءَ فِي اللِّسَانِ أَنَّ التَّوَى الْهَلاَكُ، وَذَهَابُ مَالٍ لاَ يُرْجَى مِنْ تَوَى الْمَال يَتْوَى تَوًى (1) . وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي الْمَعْنَى نَفْسِهِ، أَيِ الْهَلاَكِ، وَذَهَابِ الْمَال (2) . وَقَدْ عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَحْثِ الْحَوَالَةِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْوُصُول إلَى الْحَقِّ، وَذَلِكَ بِجُحُودِ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ مَوْتِهِ مُفْلِسًا كَمَا سَيَأْتِي (3) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: بَحَثَ الْفُقَهَاءُ حُكْمَ التَّوَى فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: الْحَوَالَةُ، الْوَدِيعَةُ، وَالرَّهْنُ، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: أَوَّلاً - التَّوَى فِي الْحَوَالَةِ: 2 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا تَوَى حَقُّ الْمُحَال بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ إِفْلاَسِهِ فَهَل لِلْمُحَال حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل أَمْ لاَ؟ فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَال الشَّخْصُ آخَرَ عَلَى ثَالِثٍ بِشُرُوطِ الإِْحَالَةِ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيل، وَلاَ حَقَّ لِلْمُحَال فِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيل بِأَيِّ وَجْهٍ، حَتَّى إِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُ الْمُحَال بِهِ مِنْهُ بِفَلَسٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَجَحْدٍ، أَوْ مَطْلٍ، أَوْ مَوْتٍ؛ لأَِنَّ الْحَوَالَةَ تَنْقُل الدَّيْنَ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ (4) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: بِعَدَمِ رُجُوعِ الْمُحَال وَإِنْ شَرَطَ يَسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ عِنْدَ التَّعَذُّرِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ أَصْلاً (5) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: بِعَدَمِ رُجُوعِ الْمُحَال وَلَوْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ بِرِضَاهُ، إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ يَسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ (6) . وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مَا إِذَا كَانَ يَعْلَمُ الْمُحِيل فَقَطْ (دُونَ الْمُحَال) بِإِفْلاَسِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَرْجِعُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل؛ لأَِنَّهُ غَرَّهُ (7) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ لِلْمُحَال حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل فِي حَالَةِ التَّوَى، حَيْثُ قَالُوا: لاَ يَرْجِعُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل إِلاَّ بِالتَّوَى، بِأَنْ يَجْحَدَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ وَيَحْلِفَ وَلاَ بَيِّنَةَ لِلْمُحِيل وَلاَ لِلْمُحَال، أَوْ أَنْ يَمُوتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ بِأَنْ يُفَلِّسَهُ الْحَاكِمُ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْلِيسَ الْقَاضِي يَصِحُّ عِنْدَهُمَا وَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُ (8) . وَلِلتَّفْصِيل اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حَوَالَةٌ) . ثَانِيًا - التَّوَى فِي الْوَدِيعَةِ: 3 - الأَْصْل فِي الْوَدِيعَةِ أَنْ لاَ يُخْرِجَهَا الْوَدِيعُ عَنْ مَكَانٍ عَيَّنَهُ رَبُّ الْوَدِيعَةِ لِحِفْظِهَا، فَإِذَا حَفِظَهَا الْوَدِيعُ فِي مَكَان عَيَّنَهُ الْمُودِعُ، وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّهُ مُمْتَثِلٌ لأَِمْرِهِ غَيْرُ مُفَرِّطٍ فِي مَالِهِ. وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا سَيْلاً وَتَوًى - أَيْ هَلاَكًا - فَأَخْرَجَهَا مِنْهُ إِلَى حِرْزِهَا فَتَلِفَتْ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا، لأَِنَّ نَقْلَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِحِفْظِهَا، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا. وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فَنَقَلَهَا عَنِ الْحِرْزِ إِلَى مَا دُونَهُ ضَمِنَهَا، لأَِنَّهُ خَالَفَهُ فِي الْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ (9) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: وَدِيعَةٌ) . ثَالِثًا - التَّوَى فِي الرَّهْنِ: 4 - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَضْعُ الرَّهْنِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ وَيَتِمُّ بِقَبْضِهِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا هَلَكَ فَهَل يَهْلِكُ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ أَوِ الرَّاهِنِ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ: (رَهْنٌ) . لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ الْعَدْل الْمُسَلَّطُ عَلَى بَيْعِهِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ رَهْنًا؛ لأَِنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، وَصَارَ ثَمَنُهُ هُوَ الرَّهْنُ؛ لأَِنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَقْبُوضًا أَمْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ حَتَّى لَوْ تَوَى عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَيَهْلِكُ بِالأَْقَل مِنْ قَدْرِ الثَّمَنِ وَمِنَ الدَّيْنِ؛ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ فِي الثَّمَنِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمَبِيعِ الْمَرْهُونِ (10) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (رَهْنٌ) . __________ (1) المصباح المنير ولسان العرب، في المادة، تاج العروس 10 / 54 ط القاهرة. (2) ابن عابدين 4 / 292، والمقنع 2 / 276، والمغني 6 / 387، والمغرب للمطرزي. (3)) ابن عابدين 4 / 292، 293، والعناية بهامش فتح القدير 6 / 352. (4) جواهر الإكليل 2 / 108، والقليوبي 2 / 318، 319، وكشاف القناع 3 / 383. (5) الجمل على شرح المنهج 3 / 375. (6) كشاف القناع 3 / 383، 384. (7) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 328. (8) ابن عابدين 4 / 293. (9) ابن عابدين 4 / 495 وما بعدها، والمهذب 1 / 367، والمغني لابن قدامة 6 / 387، والمقنع 2 / 176. (10) ابن عابدين 5 / 2325، والبناية على الهداية 9 / 108 والبدائع 6 / 149. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْفَتْوَى لُغَةً: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الإِْفْتَاءِ، وَالْجَمْعُ: الْفَتَاوَى وَالْفَتَاوِي، يُقَال: أَفْتَيْتُهُ فَتْوَى وَفُتْيَا إِذَا أَجَبْتَهُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ، وَالْفُتْيَا تَبْيِينُ الْمُشْكِل مِنَ الأَْحْكَامِ، وَتَفَاتَوْا إِلَى فُلاَنٍ: تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَارْتَفَعُوا إِلَيْهِ فِي الْفُتْيَا، وَالتَّفَاتِي: التَّخَاصُمُ، وَيُقَال: أَفْتَيْتُ فُلاَنًا رُؤْيَا رَآهَا: إِذَا عَبَّرْتَهَا لَهُ (1) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا: {يَا أَيُّهَا الْمَلأَُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} . (2) وَالاِسْتِفْتَاءُ لُغَةً: طَلَبُ الْجَوَابِ عَنِ الأَْمْرِ الْمُشْكِل، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} (3) وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى مُجَرَّدِ سُؤَالٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} (4) ، قَال الْمُفَسِّرُونَ: أَيِ اسْأَلْهُمْ. (5) __________ (1) لسان العرب، والقاموس المحيط. (2) سورة يوسف آية / 43. (3) سورة الكهف آية / 22. (4) سورة الصافات آية / 11. (5) تفسير القرطبي 15 / 68 وتفسير ابن كثير 4 / 3 ط عيسى الحلبي. وَالْفَتْوَى فِي الاِصْطِلاَحِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَنْ دَلِيلٍ لِمَنْ سَأَل عَنْهُ (1) وَهَذَا يَشْمَل السُّؤَال فِي الْوَقَائِعِ وَغَيْرِهَا. وَالْمُفْتِي لُغَةً: اسْمُ فَاعِل أَفْتَى، فَمَنْ أَفْتَى مَرَّةً فَهُوَ مُفْتٍ، وَلَكِنَّهُ يُحْمَل فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ بِمَعْنًى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ، قَال الصَّيْرَفِيُّ: هَذَا الاِسْمُ مَوْضُوعٌ لِمَنْ قَامَ لِلنَّاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ، وَعَلِمَ جُمَل عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَكَذَلِكَ السُّنَنُ وَالاِسْتِنْبَاطُ، وَلَمْ يُوضَعْ لِمَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا، فَمَنْ بَلَغَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ سَمَّوْهُ بِهَذَا الاِسْمِ، وَمَنِ اسْتَحَقَّهُ أَفْتَى فِيمَا اسْتُفْتِيَ فِيهِ. (2) وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: الْمُفْتِي مَنْ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْل، وَهَذَا إِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ تَجَزُّؤِ الاِجْتِهَادِ (3) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْقَضَاءُ: 2 - الْقَضَاءُ: هُوَ فَصْل الْقَاضِي بَيْنَ الْخُصُومِ، وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: الْحُكْمُ، وَالْحَاكِمُ: الْقَاضِي. __________ (1) شرح المنتهى 33 / 456، مطبعة أنصار السنة بالقاهرة، وصفة الفتوى والمستفتى لابن حمدان ص4. (2) البحر المحيط 6 / 305. (3) البحر المحيط 6 / 306. وَالْقَضَاءُ شَبِيهٌ بِالْفَتْوَى إِلاَّ أَنَّ بَيْنَهُمَا فُرُوقًا: مِنْهَا: أَنَّ الْفَتْوَى إِخْبَارٌ عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْقَضَاءَ إِنْشَاءٌ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَتْوَى لاَ إِلْزَامَ فِيهَا لِلْمُسْتَفْتِي أَوْ غَيْرِهِ، بَل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهَا إِنْ رَآهَا صَوَابًا وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا وَيَأْخُذَ بِفَتْوَى مُفْتٍ آخَرَ، أَمَّا الْحُكْمُ الْقَضَائِيُّ فَهُوَ مُلْزِمٌ، (1) وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إِذَا دَعَا الآْخَرَ إِلَى فَتَاوَى الْفُقَهَاءِ لَمْ نُجْبِرْهُ، وَإِنْ دَعَاهُ إِلَى قَاضٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الإِْجَابَةُ، وَأُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ الْقَاضِيَ مَنْصُوبٌ لِقَطْعِ الْخُصُومَاتِ وَإِنْهَائِهَا. (2) وَمِنْهَا: مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ أَيْمَانِ الْبَزَّازِيَّةِ: أَنَّ الْمُفْتِيَ يُفْتِي بِالدِّيَانَةِ - أَيْ عَلَى بَاطِنِ الأَْمْرِ، وَيُدَيِّنُ الْمُسْتَفْتِيَ، وَالْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَى الظَّاهِرِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: مِثَالُهُ إِذَا قَال رَجُلٌ لِلْمُفْتِي: قُلْتُ لِزَوْجَتِي: أَنْتِ طَالِقٌ قَاصِدًا الإِْخْبَارَ كَاذِبًا فَإِنَّ الْمُفْتِيَ يُفْتِيهِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ، أَمَّا الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْوُقُوعِ. (3) وَمِنْهَا: مَا قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّ حُكْمَ __________ (1) إعلام الموقعين 11 / 36، 38، 4 / 264، والإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام للقرافي ص20، حلب مكتبة المطبوعات الإسلامية 1387هـ. (2) البحر المحيط للزركشي 6 / 315 الكويت، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية 1990م. (3) رد المحتار على الدر المختار 4 / 306. الْقَاضِي جُزْئِيٌّ خَاصٌّ لاَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَلَهُ، وَفَتْوَى الْمُفْتِي شَرِيعَةٌ عَامَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَفْتِي وَغَيْرِهِ، فَالْقَاضِي يَقْضِي قَضَاءً مُعَيَّنًا عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَالْمُفْتِي يُفْتِي حُكْمًا عَامًّا كُلِّيًّا: أَنَّ مَنْ فَعَل كَذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَذَا، وَمَنْ قَال كَذَا لَزِمَهُ كَذَا. (1) وَمِنْهَا: أَنَّ الْقَضَاءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِلَفْظٍ مَنْطُوقٍ، وَتَكُونُ الْفُتْيَا بِالْكِتَابَةِ وَالْفِعْل وَالإِْشَارَةِ. (2) ب - الاِجْتِهَادُ: 3 - الاِجْتِهَادُ: بَذْل الْفَقِيهِ وُسْعَهُ فِي تَحْصِيل الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الظَّنِّيِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِْفْتَاءِ: أَنَّ الإِْفْتَاءَ: يَكُونُ فِيمَا عُلِمَ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا. أَمَّا الاِجْتِهَادُ فَلاَ يَكُونُ فِي الْقَطْعِيِّ (3) وَأَنَّ الاِجْتِهَادَ يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ تَحْصِيل الْفَقِيهِ الْحُكْمَ فِي نَفْسِهِ، وَلاَ يَتِمُّ الإِْفْتَاءُ إِلاَّ بِتَبْلِيغِ الْحُكْمِ لِلسَّائِل. وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ، أَرَادُوا بَيَانَ أَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ لاَ يَكُونُ مُفْتِيًا حَقِيقَةً، وَأَنَّ الْمُفْتِيَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُجْتَهِدًا، وَلَمْ __________ (1) إعلام الموقعين 1 / 38. (2) الفروق للشيخ أحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي المالكي 4 / 48، 54. (3) مسلم الثبوت في أصول الفقه 2 / 362 بولاق، والإحكام للقرافي ص195. يُرِيدُوا التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الاِجْتِهَادِ وَالإِْفْتَاءِ فِي الْمَفْهُومِ. (1) الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 4 - الْفَتْوَى فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إِذْ لاَ بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُبَيِّنُ لَهُمْ أَحْكَامَ دِينِهِمْ فِيمَا يَقَعُ لَهُمْ، وَلاَ يُحْسِنُ ذَلِكَ كُل أَحَدٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَقُومَ بِهِ مَنْ لَدَيْهِ الْقُدْرَةُ. وَلَمْ تَكُنْ فَرْضَ عَيْنٍ لأَِنَّهَا تَقْتَضِي تَحْصِيل عُلُومٍ جَمَّةٍ، فَلَوْ كُلِّفَهَا كُل وَاحِدٍ لأََفْضَى إِلَى تَعْطِيل أَعْمَال النَّاسِ وَمَصَالِحِهِمْ، لاِنْصِرَافِهِمْ إِلَى تَحْصِيل عُلُومٍ بِخُصُوصِهَا، وَانْصِرَافِهِمْ عَنْ غَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَمِمَّا يَدُل عَلَى فَرْضِيَّتِهَا قَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} (2) وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سُئِل عَنْ عِلْمٍ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ. (3) قَال الْمَحَلِّيُّ: وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ، وَحَل الْمُشْكِلاَتِ فِي __________ (1) الورقات للجويني وشرحها لابن قاسم العبادي بهامش إرشاد الفحول ص247 والشوكاني في إرشاد الفحول ص265، وصفة الفتوى لابن حمدان ص13. (2) سورة آل عمران / 187. (3) حديث: " من سئل عن علم ثم كتمه. . . " أخرجه الترمذي (55 / 29) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن صحيح. الدِّينِ، وَدَفْعُ الشُّبَهِ، وَالْقِيَامُ بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَالإِْفْتَاءِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا. (1) وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبِلاَدِ مُفْتُونَ لِيَعْرِفَهُمُ النَّاسُ، فَيَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِمْ بِسُؤَالِهِمْ يَسْتَفْتِيهِمُ النَّاسُ، وَقَدَّرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ فِي كُل مَسَافَةِ قَصْرٍ وَاحِدٌ. (2) تَعَيُّنُ الْفَتْوَى: 5 - مَنْ سُئِل عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنَ الْمُتَأَهِّلِينَ لِلْفَتْوَى يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ، بِشُرُوطٍ: الأَْوَّل: أَنْ لاَ يُوجَدَ فِي النَّاحِيَةِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِنَ الإِْجَابَةِ، فَإِنْ وُجِدَ عَالِمٌ آخَرُ يُمْكِنُهُ الإِْفْتَاءُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الأَْوَّل، (3) بَل لَهُ أَنْ يُحِيل عَلَى الثَّانِي، قَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الأَْنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَل أَحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَرُدُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا، وَهَذَا إِلَى هَذَا، حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الأَْوَّل: وَقِيل: إِذَا لَمْ يَحْضُرْ الاِسْتِفْتَاءَ غَيْرُهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ. (4) الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُول عَالِمًا بِالْحُكْمِ __________ (1) شرح المنهاج للمحلي 4 / 214. (2) شرح المنهاج 4 / 214. (3) شرح المنتهى 3 / 458، مكتبة المنيرة. (4) المجموع للنووي شرح المهذب للشيرازي 1 / 45 القاهرة، المكتبة المنيرية. بِالْفِعْل، أَوْ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْفِعْل، وَإِلاَّ لَمْ يَلْزَمْ تَكْلِيفُهُ بِالْجَوَابِ، لِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي تَحْصِيلِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَمْنَعَ مِنْ وُجُوبِ الْجَوَابِ مَانِعٌ، كَأَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ عَنْ أَمْرٍ غَيْرِ وَاقِعٍ، أَوْ عَنْ أَمْرٍ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلسَّائِل، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (1) . مَنْزِلَةُ الْفَتْوَى: 6 - تَتَبَيَّنُ مَنْزِلَةُ الْفَتْوَى فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ، مِنْهَا: أ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْتَى عِبَادَهُ، وَقَال {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُل اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} (2) ، وَقَال: {يَسْتَفْتُونَكَ قُل اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} . (3) ب - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَلَّى هَذَا الْمَنْصِبَ فِي حَيَاتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى رِسَالَتِهِ، وَقَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّل إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (4) . فَالْمُفْتِي خَلِيفَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدَاءِ وَظِيفَةِ الْبَيَانِ، وَقَدْ تَوَلَّى هَذِهِ الْخِلاَفَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابُهُ الْكِرَامُ، ثُمَّ أَهْل الْعِلْمِ بَعْدَهُمْ. __________ (1) الموافقات 4 / 313. (2) سورة النساء / 127. (3) سورة النساء / 176. (4) سورة النحل / 44. ج - أَنَّ مَوْضُوعَ الْفَتْوَى هُوَ بَيَانُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَطْبِيقُهَا عَلَى أَفْعَال النَّاسِ، فَهِيَ قَوْلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَنَّهُ يَقُول لِلْمُسْتَفْتِي: حُقَّ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَل، أَوْ حَرَامٌ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَل، وَلِذَا شَبَّهَ الْقَرَافِيُّ الْمُفْتِيَ بِالتُّرْجُمَانِ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَعَلَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ الْمُوَقِّعِ عَنِ الْمَلِكِ قَال: إِذَا كَانَ مَنْصِبُ التَّوْقِيعِ عَنِ الْمُلُوكِ بِالْمَحَل الَّذِي لاَ يُنْكَرُ فَضْلُهُ، وَلاَ يُجْهَل قَدْرُهُ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ السَّنِيَّاتِ، فَكَيْفَ بِمَنْصِبِ التَّوْقِيعِ عَنْ رَبِّ الأَْرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ (1) ، نَقَل النَّوَوِيُّ: الْمُفْتِي مُوَقِّعٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنُقِل عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ قَال: الْعَالِمُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يَدْخُل بَيْنَهُمْ؟ (2) . تَهَيُّبُ الإِْفْتَاءِ وَالْجُرْأَةُ عَلَيْهِ: 7 - وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ: أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ (3) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْل عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى تَرَادُّ الصَّحَابَةِ لِلْجَوَابِ عَنِ الْمَسَائِل. وَقَدْ نَقَل النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِهِ عَنْهُمْ رِوَايَةً فِيهَا زِيَادَةُ: مَا مِنْهُمْ مَنْ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ إِيَّاهُ، وَلاَ __________ (1) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 1 / 10. (2) مقدمة المجموع 1 / 73 تكملة المطيعي وتحقيقه. (3) حديث: " أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار. . . " أخرجه الدارمي (1 / 57) من حديث عبيد الله بن أبي جعفر مرسلاً. يُسْتَفْتَى عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا وَنُقِل عَنْ سُفْيَانَ وَسَحْنُونٍ: أَجْسَرُ النَّاسِ عَلَى الْفُتْيَا أَقَلُّهُمْ عِلْمًا، فَالَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ مُتَهَيِّبًا لِلإِْفْتَاءِ، لاَ يَتَجَرَّأُ عَلَيْهِ إِلاَّ حَيْثُ يَكُونُ الْحُكْمُ جَلِيًّا فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، أَوْ يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا تَعَارَضَتْ فِيهِ الأَْقْوَال وَالْوُجُوهُ وَخَفِيَ حُكْمُهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَيَتَرَيَّثَ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ وَجْهُ الْجَوَابِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَوَقَّفَ. وَفِيمَا نُقِل عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ يُسْأَل عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً فَلاَ يُجِيبُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَكَانَ يَقُول: مَنْ أَجَابَ فَيَنْبَغِي قَبْل الْجَوَابِ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكَيْفَ خَلاَصُهُ، ثُمَّ يُجِيبُ، وَعَنِ الأَْثْرَمِ قَال: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُكْثِرُ أَنْ يَقُول: لاَ أَدْرِي (1) . الْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ: 8 - الإِْفْتَاءُ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ، لأَِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَيَتَضَمَّنُ إِضْلاَل النَّاسِ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِْثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا __________ (1) المجموع شرح المهذب 1 / 40، 41. بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (1) ، فَقَرَنَهُ بِالْفَوَاحِشِ وَالْبَغْيِ وَالشِّرْكِ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا. (2) مِنْ أَجْل ذَلِكَ كَثُرَ النَّقْل عَنِ السَّلَفِ إِذَا سُئِل أَحَدُهُمْ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ أَنْ يَقُول لِلسَّائِل: لاَ أَدْرِي. نُقِل ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ، وَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَسْتَعْمِل ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ وَيُعَوِّدَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنْ فَعَل الْمُسْتَفْتِي بِنَاءً عَلَى الْفَتْوَى أَمْرًا مُحَرَّمًا أَوْ أَدَّى الْعِبَادَةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَى وَجْهٍ فَاسِدٍ، حَمَل الْمُفْتِي بِغَيْرِ عِلْمٍ إِثْمَهُ، إنْ لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَفْتِي قَصَّرَ فِي الْبَحْثِ عَمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْفُتْيَا، وَإِلاَّ فَالإِْثْمُ عَلَيْهِمَا (3) ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ. (4) __________ (1) سورة الأعراف / 33. (2) حديث: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 194) ومسلم (4 / 2058) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص واللفظ للبخاري. (3) إعلام الموقعين 4 / 173، 174، 217، 218. (4) حديث: " من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ". أخرجه الحاكم (1 / 126) من حديث أبي هريرة وصححه ووافقه الذهبي. أَنْوَاعُ مَا يُفْتَى فِيهِ: 9 - يَدْخُل الإِْفْتَاءُ الأَْحْكَامَ الاِعْتِقَادِيَّةَ: مِنَ الإِْيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَسَائِرِ أَرْكَانِ الإِْيمَانِ. وَيَدْخُل الأَْحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ جَمِيعَهَا: مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالأَْنْكِحَةِ، وَيَدْخُل الإِْفْتَاءُ الأَْحْكَامَ التَّكْلِيفِيَّةَ كُلَّهَا، وَهِيَ الْوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ وَالْمَنْدُوبَاتُ وَالْمَكْرُوهَاتُ وَالْمُبَاحَاتُ، وَيَدْخُل الإِْفْتَاءُ فِي الأَْحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ كَالإِْفْتَاءِ بِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ أَوِ التَّصَرُّفِ أَوْ بُطْلاَنِهِمَا. (1) حَقِيقَةُ عَمَل الْمُفْتِي: 10 - لَمَّا كَانَ الإِْفْتَاءُ هُوَ الإِْخْبَارَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَنْ دَلِيلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أُمُورًا: الأَْوَّل: تَحْصِيل الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُجَرَّدِ فِي ذِهْنِ الْمُفْتِي، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ مَشَقَّةَ فِي تَحْصِيلِهِ لَمْ يَكُنْ تَحْصِيلُهُ اجْتِهَادًا، كَمَا لَوْ سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ مَا هِيَ؟ أَوْ عَنْ حُكْمِ الإِْيمَانِ بِالْقُرْآنِ؟ وَإِنْ كَانَ الدَّلِيل خَفِيًّا، كَمَا لَوْ كَانَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرَ وَاضِحَةِ الدَّلاَلَةِ عَلَى الْمُرَادِ، أَوْ حَدِيثًا نَبَوِيًّا وَارِدًا بِطَرِيقِ الآْحَادِ، أَوْ غَيْرَ وَاضِحِ الدَّلاَلَةِ عَلَى الْمُرَادِ، أَوْ كَانَ الْحُكْمُ مِمَّا تَعَارَضَتْ فِيهِ الأَْدِلَّةُ أَوْ لَمْ يَدْخُل تَحْتَ شَيْءٍ __________ (1) الفروق للقرافي 4 / 48، 54. مِنَ النُّصُوصِ أَصْلاً، احْتَاجَ أَخْذُ الْحُكْمِ إِلَى اجْتِهَادٍ فِي صِحَّةِ الدَّلِيل أَوْ ثُبُوتِهِ أَوِ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ مِنْهُ أَوِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ. الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا، بِأَنْ يَذْكُرَهَا الْمُسْتَفْتِي فِي سُؤَالِهِ، وَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُحِيطَ بِهَا إِحَاطَةً تَامَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَابُ، بِأَنْ يَسْتَفْصِل السَّائِل عَنْهَا، وَيَسْأَل غَيْرَهُ إِنْ لَزِمَ، وَيَنْظُرَ فِي الْقَرَائِنِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ انْطِبَاقَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا، بِأَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ وُجُودِ مَنَاطِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي تَحَصَّل فِي الذِّهْنِ فِي الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا لِيَنْطَبِقَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَنُصَّ عَلَى حُكْمِ كُل جُزْئِيَّةٍ بِخُصُوصِهَا، وَإِنَّمَا أَتَتْ بِأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ وَعِبَارَاتٍ مُطْلَقَةٍ، تَتَنَاوَل أَعْدَادًا لاَ تَنْحَصِرُ مِنَ الْوَقَائِعِ، وَلِكُل وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهَا. وَلَيْسَتِ الأَْوْصَافُ الَّتِي فِي الْوَقَائِعِ مُعْتَبَرَةً فِي الْحُكْمِ كُلُّهَا، وَلاَ هِيَ طَرْدِيَّةٌ كُلُّهَا، بَل مِنْهَا مَا يُعْلَمُ اعْتِبَارُهُ، وَمِنْهَا مَا يُعْلَمُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ، وَبَيْنَهُمَا قِسْمٌ ثَالِثٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَلاَ تَبْقَى صُورَةٌ مِنَ الصُّوَرِ الْوُجُودِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ إِلاَّ وَلِلْمُفْتِي فِيهَا نَظَرٌ سَهْلٌ أَوْ صَعْبٌ، حَتَّى يُحَقِّقَ تَحْتَ أَيِّ دَلِيلٍ تَدْخُل؟ وَهَل يُوجَدُ مَنَاطُ الْحُكْمِ فِي الْوَاقِعَةِ أَمْ لاَ؟ فَإِذَا حَقَّقَ وُجُودَهُ فِيهَا أَجْرَاهُ عَلَيْهَا، وَهَذَا اجْتِهَادٌ لاَ بُدَّ مِنْهُ لِكُل قَاضٍ وَمُفْتٍ، وَلَوْ فُرِضَ ارْتِفَاعُ هَذَا الاِجْتِهَادِ لَمْ تَتَنَزَّل الأَْحْكَامُ عَلَى أَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ إِلاَّ فِي الذِّهْنِ، لأَِنَّهَا عُمُومَاتٌ وَمُطْلَقَاتٌ، مُنَزَّلَةٌ عَلَى أَفْعَالٍ مُطْلَقَةٍ كَذَلِكَ، وَالأَْفْعَال الَّتِي تَقَعُ فِي الْوُجُودِ لاَ تَقَعُ مُطْلَقَةً، وَإِنَّمَا تَقَعُ مُعَيَّنَةً مُشَخَّصَةً، فَلاَ يَكُونُ الْحُكْمُ وَاقِعًا عَلَيْهَا إِلاَّ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ يَشْمَلُهُ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ أَوْ ذَلِكَ الْعَامُّ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَهْلاً وَقَدْ لاَ يَكُونُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ اجْتِهَادٌ. وَمِثَال هَذَا: أَنْ يَسْأَلَهُ رَجُلٌ هَل يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبِيهِ؟ فَيَنْظُرَ أَوَّلاً فِي الأَْدِلَّةِ الْوَارِدَةِ، فَيَعْلَمَ أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الاِبْنِ الْغَنِيِّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبِيهِ الْفَقِيرِ، وَيَتَعَرَّفَ ثَانِيًا حَال كُلٍّ مِنَ الأَْبِ وَالاِبْنِ، وَمِقْدَارَ مَا يَمْلِكُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِيَال، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَظُنُّ أَنَّ لَهُ فِي الْحُكْمِ أَثَرًا، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي حَال كُلٍّ مِنْهُمَا لِيُحَقِّقَ وُجُودَ مَنَاطِ الْحُكْمِ - وَهُوَ الْغِنَى وَالْفَقْرُ - فَإِنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ اللَّذَيْنِ عَلَّقَ بِهِمَا الشَّارِعُ الْحُكْمَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ، فَالْغِنَى مَثَلاً لَهُ طَرَفٌ أَعْلَى لاَ إِشْكَال فِي دُخُولِهِ فِي حَدِّ الْغِنَى، وَلَهُ طَرَفٌ أَدْنَى لاَ إِشْكَال فِي خُرُوجِهِ عَنْهُ، وَهُنَاكَ وَاسِطَةٌ يَتَرَدَّدُ النَّاظِرُ فِي دُخُولِهَا أَوْ خُرُوجِهَا، وَكَذَلِكَ الْفَقْرُ لَهُ أَطْرَافٌ ثَلاَثَةٌ - فَيَجْتَهِدُ الْمُفْتِي فِي إِدْخَال الصُّورَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا فِي الْحُكْمِ أَوْ إِخْرَاجِهَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الاِجْتِهَادِ لاَ بُدَّ مِنْهُ فِي كُل وَاقِعَةٍ - وَهُوَ الْمُسَمَّى تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ - لأَِنَّ كُل صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ النَّازِلَةِ نَازِلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فِي نَفْسِهَا، لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا نَظِيرٌ، وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّهُ تَقَدَّمَ مِثْلُهَا فَلاَ بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي تَحْقِيقِ كَوْنِهَا مِثْلَهَا أَوْ لاَ، وَهُوَ نَظَرُ اجْتِهَادٍ. (1) شُرُوطُ الْمُفْتِي: 11 - لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالنُّطْقُ اتِّفَاقًا، فَتَصِحُّ فُتْيَا الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالأَْخْرَسِ وَيُفْتِي بِالْكِتَابَةِ أَوْ بِالإِْشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ، (2) وَأَمَّا السَّمْعُ، فَقَدْ قَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّهُ شَرْطٌ فَلاَ تَصِحُّ فُتْيَا الأَْصَمِّ وَهُوَ مَنْ لاَ يَسْمَعُ أَصْلاً، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ شَكَّ أَنَّهُ إِذَا كُتِبَ لَهُ السُّؤَال وَأَجَابَ عَنْهُ جَازَ الْعَمَل بِفَتْوَاهُ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُنَصَّبَ لِلْفَتْوَى، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ كُل أَحَدٍ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ (3) ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الشَّرْطَ غَيْرُهُمْ، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرُوا فِي الشُّرُوطِ الْبَصَرَ، فَتَصِحُّ فُتْيَا __________ (1) الموافقات للشاطبي 4 / 89، 95. (2) شرح المنتهى 3 / 457، وإعلام الموقعين 4 / 220، وحاشية ابن عابدين 4 / 302، وصفه الفتوى لابن حمدان ص13، والمجموع 1 / 75 تحقيق المطيعي. (3) الدر المختار وحاشية ابن عابدين 4 / 302. الأَْعْمَى، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ. (1) أَمَّا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي فَهُوَ أُمُورٌ: 12 - أ - الإِْسْلاَمُ: فَلاَ تَصِحُّ فُتْيَا الْكَافِرِ. ب - الْعَقْل: فَلاَ تَصِحُّ فُتْيَا الْمَجْنُونِ. ج - الْبُلُوغُ: فَلاَ تَصِحُّ فُتْيَا الصَّغِيرِ. 13 - د: الْعَدَالَةُ: فَلاَ تَصِحُّ فُتْيَا الْفَاسِقِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، لأَِنَّ الإِْفْتَاءَ يَتَضَمَّنُ الإِْخْبَارَ عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَخَبَرُ الْفَاسِقِ لاَ يُقْبَل، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ إِفْتَاءَ الْفَاسِقِ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ صِدْقَ نَفْسِهِ. (2) وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَصْلُحُ مُفْتِيًا، لأَِنَّهُ يَجْتَهِدُ لِئَلاَّ يُنْسَبَ إِلَى الْخَطَأِ. (3) وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: تَصِحُّ فُتْيَا الْفَاسِقِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ وَدَاعِيًا إِلَى بِدْعَتِهِ، وَذَلِكَ إِذَا عَمَّ الْفُسُوقُ وَغَلَبَ، لِئَلاَّ تَتَعَطَّل الأَْحْكَامُ، وَالْوَاجِبُ اعْتِبَارُ الأَْصْلَحِ فَالأَْصْلَحِ. (4) وَأَمَّا الْمُبْتَدِعَةُ، فَإِنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُمْ مُكَفِّرَةً أَوْ مُفَسِّقَةً لَمْ تَصِحَّ فَتَاوَاهُمْ، وَإِلاَّ صَحَّتْ فِيمَا لاَ يَدْعُونَ فِيهِ إِلَى بِدَعِهِمْ، قَال الْخَطِيبُ __________ ( x661 ;) حديث الدسوقي 4 / 130. (2) صفة الفتوى لابن حمدان ص29، والمجموع 1 / 41. (3) مجمع الأنهر 2 / 145. (4) إعلام الموقعين 4 / 220 وشرح المنتهى 3 / 457، وابن عابدين 4 / 301. الْبَغْدَادِيُّ: تَجُوزُ فَتَاوَى أَهْل الأَْهْوَاءِ وَمَنْ لاَ نُكَفِّرُهُ بِبِدْعَتِهِ وَلاَ نُفَسِّقُهُ، وَأَمَّا الشُّرَاةُ وَالرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَشْتُمُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَ السَّلَفَ فَإِنَّ فَتَاوِيَهُمْ مَرْذُولَةٌ وَأَقَاوِيلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ (1) . 14 - هـ - الاِجْتِهَادُ وَهُوَ: بَذْل الْجَهْدِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنَ الأَْدِلَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِْثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (2) ، قَال الشَّافِعِيُّ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ: لاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ، إِلاَّ رَجُلاً عَارِفًا بِكِتَابِ اللَّهِ: بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ، وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيرًا بِحَدِيثِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَعْرِفُ مِنَ الْحَدِيثِ مِثْل مَا عَرَفَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَكُونُ بَصِيرًا بِاللُّغَةِ، بَصِيرًا بِالشِّعْرِ، وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلسُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ وَيَسْتَعْمِل هَذَا مَعَ الإِْنْصَافِ، وَيَكُونُ مُشْرِفًا عَلَى اخْتِلاَفِ أَهْل الأَْمْصَارِ، وَتَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ فِي الْحَلاَل وَالْحَرَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا __________ (1) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ص202 القاهرةهرة، نشر زكريا علي يوسف، والمجموع 1 / 42. (2) سورة الأعراف / 33. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ. اهـ. وَهَذَا مَعْنَى الاِجْتِهَادِ. وَنَقَل ابْنُ الْقَيِّمِ قَرِيبًا مِنْ هَذَا عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (1) . وَمَفْهُومُ هَذَا الشَّرْطِ: أَنَّ فُتْيَا الْعَامِّيِّ وَالْمُقَلِّدِ الَّذِي يُفْتِي بِقَوْل غَيْرِهِ لاَ تَصِحُّ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَفِي فُتْيَا الْمُقَلِّدِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِعِلْمٍ، وَلأَِنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَالْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ، قَال: وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْحَنَابِلَةِ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ، فَأَمَّا أَنْ يَتَقَلَّدَ لِغَيْرِهِ وَيُفْتِيَ بِهِ فَلاَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ، قَال: وَهُوَ أَصَحُّ الأَْقْوَال، وَعَلَيْهِ الْعَمَل (2) . وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ ابْنِ الْهُمَامِ: وَقَدِ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الأُْصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ مِمَّنْ يَحْفَظُ أَقْوَال الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَ بِمُفْتٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إِذَا سُئِل أَنْ يَذْكُرَ قَوْل الْمُجْتَهِدِ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، فَعُرِفَ أَنَّ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا مِنْ فَتْوَى الْمَوْجُودِينَ لَيْسَ بِفَتْوَى، بَل هُوَ نَقْل __________ (1) إعلام الموقعين 1 / 46. (2) إعلام الموقعين 1 / 46. كَلاَمِ الْمُفْتِي لِيَأْخُذَ بِهِ الْمُسْتَفْتِي. اهـ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَهُ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ وَلاَ يَجْعَلُهُ كَأَنَّهُ مِنْ كَلاَمِهِ هُوَ، (1) وَمَقْصُودُهُمْ أَنَّ فُتْيَا الْمُقَلِّدِ لَيْسَتْ بِفُتْيَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، (2) وَتُسَمَّى فُتْيَا مَجَازًا لِلشَّبَهِ، وَيَجُوزُ الأَْخْذُ بِهَا فِي هَذِهِ الأَْزْمَانِ لِقِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوِ انْعِدَامِهِمْ، وَلِذَا قَال صَاحِبُ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ: الاِجْتِهَادُ شَرْطُ الأَْوْلَوِيَّةِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الْمُجْتَهِدُ فَهُوَ الأَْوْلَى بِالتَّوْلِيَةِ. (3) وَقَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَوْقِيفُ الْفُتْيَا عَلَى حُصُول الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إِلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ، أَوِ اسْتِرْسَال الْخَلْقِ فِي أَهْوَائِهِمْ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنِ الأَْئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِذَا كَانَ عَدْلاً مُتَمَكِّنًا مِنْ فَهْمِ كَلاَمِ الإِْمَامِ، ثُمَّ حَكَى لِلْمُقَلِّدِ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُ، قَال: وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْفُتْيَا. قَال الزَّرْكَشِيُّ: أَمَّا مَنْ شَدَا (جَمَعَ) شَيْئًا __________ (1) حاشية ابن عابدين 1 / 47، والمجموع 1 / 45. (2) ابن الصلاح: الفتوى ق10 مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 1889 أصول، والمجموع للنووي 1 / 42. (3) ابن عابدين 44 / 305، وأيضًا 4 / 306 وانظر إعلام الموقعين 1 / 46، وصفة الفتوى لابن حمدان ص24، وإرشاد الفحول ص296. مِنَ الْعِلْمِ فَقَدْ نُقِل الإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُفْتِيَ (1) . 15 - وَلَيْسَ لِمَنْ يُفْتِي بِمَذْهَبِ إِمَامٍ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ إِلاَّ وَقَدْ عَرَفَ دَلِيلَهُ وَوَجْهَ الاِسْتِنْبَاطِ. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ بِمَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيهِ سِوَى أَنَّهُ قَوْل مَنْ قَلَّدَهُ، هَذَا إِجْمَاعُ السَّلَفِ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا. (2) وَقَال الْجُوَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: مَنْ حَفِظَ نُصُوصَ الشَّافِعِيِّ وَأَقْوَال النَّاسِ بِأَسْرِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ حَقَائِقَهَا وَمَعَانِيَهَا لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَقِيسَ، وَلاَ يَكُونُ مِنْ أَهْل الْفَتْوَى، وَلَوْ أَفْتَى بِهِ لاَ يَجُوزُ، (3) وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي الْمَذْهَبِ مِنَ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ التَّرْجِيحِ لاَ يَلْزَمُهُ الأَْخْذُ بِقَوْل الإِْمَامِ عَلَى الإِْطْلاَقِ، بَل عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الدَّلِيل وَتَرْجِيحُ مَا رَجَحَ عِنْدَهُ دَلِيلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ الأَْخْذُ بِأَقْوَال أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ بِتَرْتِيبٍ الْتَزَمُوهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَا شَاءَ (4) وَكَذَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ __________ (1) البحر المحيط للزركشي 6 / 306. (2) إعلام الموقعين 44 / 195، 198 و1 / 45، ومثله في رسم المفتي لابن عابدين ص11. (3) البحر المحيط للزركشي 6 / 307. (4) حاشية ابن عابدين 4 / 302 و1 / 48. لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ، بَل عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَيَّهُمَا أَقْرَبَ إِلَى الأَْدِلَّةِ أَوْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَيَعْمَل بِهِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَنَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ وَسَبَقَهُ إِلَى حِكَايَةِ الإِْجْمَاعِ فِيهِ ابْنُ الصَّلاَحِ وَالْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّوَابَ فِي قَوْل غَيْرِ إِمَامِهِ وَكَانَ لَهُ اجْتِهَادٌ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ. (1) وَلَيْسَ لِلْمُفْتِي الْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ بِالضَّعِيفِ وَالْمَرْجُوحِ مِنَ الأَْقْوَال عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، بَل نَقَل الْحَصْكَفِيُّ أَنَّ الْعَمَل بِالْقَوْل الْمَرْجُوحِ جَهْلٌ وَخَرْقٌ لِلإِْجْمَاعِ (2) وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنْ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْمُقَلِّدِ الإِْفْتَاءُ بِالضَّعِيفِ وَالْمَرْجُوحِ حَتَّى فِي حَقِّ نَفْسِهِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ أَجَازُوا لَهُ الْعَمَل بِالضَّعِيفِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ. (3) 16 - وَحَيْثُ قُلْنَا: إِنَّ لِلْمُقَلِّدِ الإِْفْتَاءَ بِقَوْل الْمُجْتَهِدِ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الْمُقَلِّدُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، قَال الشَّافِعِيُّ: الْمَذَاهِبُ لاَ تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْمَحْصُول، وَادَّعَى الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ __________ (1) شرح المنتهى 22 / 458، وإعلام الموقعين 4 / 237، وعقود رسم المفتي لابن عابدين ص11 والمجموع 1 / 68. (2) الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين 11 / 51، و2 / 602، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 130، و1 / 20، وإعلام الموقعين 4 / 211، 177. (3) ابن عابدين 1 / 51 وحاشية الدسوقي 4 / 130. الْمُجْتَهِدَ الَّذِي يَسْتَنْبِطُ حُكْمًا فَهُوَ عِنْدَهُ حُكْمٌ دَائِمٌ. وَفِي وَجْهٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ لَوْ عَاشَ فَإِنَّهُ كَانَ يُجَدِّدُ النَّظَرَ عِنْدَ النَّازِلَةِ إِمَّا وُجُوبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا، وَلَعَلَّهُ لَوْ جَدَّدَ النَّظَرَ لَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الأَْوَّل. (1) 17 - وَمَا رَجَعَ عَنْهُ الْمُجْتَهِدُ مِنْ أَقْوَالِهِ فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ الإِْفْتَاءُ بِهِ، لأَِنَّهُ بِرُجُوعِهِ عَنْهُ لَمْ يُعَدَّ قَوْلاً لَهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يُرَجِّحْهُ أَهْل التَّرْجِيحِ، وَمِنْ هُنَا تُرِكَ الْقَدِيمُ مِنْ أَقْوَال الشَّافِعِيِّ الَّتِي خَالَفَهَا فِي الْجَدِيدِ، إِلاَّ مَسَائِل مَعْدُودَةً يُعْمَل فِيهَا بِالْقَدِيمِ رَجَّحَهَا أَهْل التَّرْجِيحِ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، قَال الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِي حِلٍّ مَنْ رَوَى عَنِّي الْقَدِيمَ. (2) 18 - و - جَوْدَةُ الْقَرِيحَةِ: وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَثِيرَ الإِْصَابَةِ، صَحِيحَ الاِسْتِنْبَاطِ، فَلاَ تَصْلُحُ فُتْيَا الْغَبِيِّ، وَلاَ مَنْ كَثُرَ غَلَطُهُ، بَل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِطَبْعِهِ شَدِيدَ الْفَهْمِ لِمَقَاصِدِ الْكَلاَمِ وَدَلاَلَةِ الْقَرَائِنِ، صَادِقَ الْحُكْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ: أَنْ تَكُونَ لَهُ قَرِيحَةٌ، قَال النَّوَوِيُّ: شَرْطُ الْمُفْتِي كَوْنُهُ فَقِيهَ النَّفْسِ، سَلِيمَ الذِّهْنِ، رَصِينَ الْفِكْرِ، صَحِيحَ النَّظَرِ وَالاِسْتِنْبَاطِ. اهـ. (3) __________ (1) إعلام الموقعين لابن القيم 2 / 215، 260، والمجموع للنووي 1 / 55. (2) البحر المحيط 6 / 304، والمجموع 1 / 66، 68. (3) المجموع شرح المهذب 1 / 41. وَهَذَا يُصَحِّحُ فُتْيَاهُ مِنْ جِهَتَيْنِ: الأُْولَى: صِحَّةُ أَخْذِهِ لِلْحُكْمِ مِنْ أَدِلَّتِهِ. وَالثَّانِيَةُ: صِحَّةُ تَطْبِيقِهِ لِلْحُكْمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُول عَنْهَا، فَلاَ يَغْفُل عَنْ أَيٍّ مِنَ الأَْوْصَافِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْحُكْمِ، وَلاَ يَعْتَقِدُ تَأْثِيرَ مَا لاَ أَثَرَ لَهُ. 19 - ز - الْفَطَانَةُ وَالتَّيَقُّظُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا (1) ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: شَرَطَ بَعْضُهُمْ تَيَقُّظَ الْمُفْتِي، قَال: وَهَذَا شَرْطٌ فِي زَمَانِنَا، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مُتَيَقِّظًا يَعْلَمُ حِيَل النَّاسِ وَدَسَائِسَهُمْ، فَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ مَهَارَةً فِي الْحِيَل وَالتَّزْوِيرِ وَقَلْبِ الْكَلاَمِ وَتَصْوِيرِ الْبَاطِل فِي صُورَةِ الْحَقِّ، فَغَفْلَةُ الْمُفْتِي يَلْزَمُ مِنْهَا ضَرَرٌ كَبِيرٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ (2) ، وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِمَكْرِ النَّاسِ وَخِدَاعِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ زَاغَ وَأَزَاغَ، فَالْغِرُّ يَرُوجُ عَلَيْهِ زَغَل الْمَسَائِل كَمَا يَرُوجُ عَلَى الْجَاهِل بِالنَّقْدِ زَغَل الدَّرَاهِمِ، وَذُو الْبَصِيرَةِ يُخْرِجُ زَيْفَهَا كَمَا يُخْرِجُ النَّاقِدُ زَغَل النُّقُودِ، وَكَمْ مِنْ بَاطِلٍ يُخْرِجُهُ الرَّجُل بِحُسْنِ لَفْظِهِ وَتَنْمِيقِهِ فِي صُورَةِ حَقٍّ، بَل هَذَا أَغْلَبُ أَحْوَال النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُفْتِي فَقِيهًا فِي مَعْرِفَةِ أَحْوَال النَّاسِ تَصَوَّرَ لَهُ __________ (1) المجموع 1 / 41. (2) حاشية ابن عابدين 4 / 301. الْمَظْلُومُ فِي صُورَةِ الظَّالِمِ وَعَكْسُهُ (1) ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا مَا نَبَّهَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ عَلَى عِلْمٍ بِالأَْعْرَافِ اللَّفْظِيَّةِ لِلْمُسْتَفْتِي، لِئَلاَّ يُفْهَمَ كَلاَمُهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ إِفْتَاؤُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْلْفَاظِ كَالأَْيْمَانِ وَالإِْقْرَارِ وَنَحْوِهَا. (2) 20 - وَالْقَرَابَةُ وَالصَّدَاقَةُ وَالْعَدَاوَةُ لاَ تُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْفَتْوَى كَمَا تُؤَثِّرُ فِي الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ أَبَاهُ أَوِ ابْنَهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَوْ شَرِيكَهُ أَوْ يُفْتِيَ عَلَى عَدُوِّهِ، فَالْفَتْوَى فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الرِّوَايَةِ، لأَِنَّ الْمُفْتِيَ فِي حُكْمِ الْمُخْبِرِ عَنِ الشَّرْعِ بِأَمْرٍ عَامٍّ لاَ اخْتِصَاصَ لَهُ بِشَخْصٍ، وَلأَِنَّ الْفَتْوَى لاَ يَرْتَبِطُ بِهَا إِلْزَامٌ، بِخِلاَفِ حُكْمِ الْقَاضِي. وَيَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ نَفْسَهُ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: لَكِنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَابِيَ نَفْسَهُ أَوْ قَرِيبَهُ فِي الْفُتْيَا، بِأَنْ يُرَخِّصَ لِنَفْسِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَيُشَدِّدَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَل قَدَحَ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ، وَنَقَل أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلاَحِ عَنْ صَاحِبِ الْحَاوِي أَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا نَابَذَ فِي فُتْيَاهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا صَارَ خَصْمًا، فَتُرَدُّ فَتْوَاهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، كَمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ إِذَا وَقَعَتْ. (3) __________ (1) إعلام الموقعين 4 / 229، 205. (2) المجموع 1 / 46. (3) حاشية ابن عابدين 4 / 302، والمجموع للنووي 1 / 41، وشرح المنتهى 3 / 472، 473، وإعلام الموقعين 4 / 210. وَقَدْ نَبَّهَ أَحْمَدُ إِلَى خِصَالٍ مُكَمِّلَةٍ لِلْمُفْتِي حَيْثُ قَال: لاَ يَنْبَغِي لِلرَّجُل أَنْ يَنْصِبَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُورٌ، وَلاَ عَلَى كَلاَمِهِ نُورٌ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ وَحِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَالْكِفَايَةُ وَإِلاَّ مَضَغَهُ النَّاسُ، وَمَعْرِفَةُ النَّاسِ. (1) إِفْتَاءُ الْقَاضِي: 21 - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لاَ مَدْخَل فِيهِ لِلْقَضَاءِ كَالذَّبَائِحِ وَالأَْضَاحِيِّ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِفْتَائِهِ فِي الأُْمُورِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْقَضَاءُ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى أَنَّهُ يُفْتِي فِيهَا أَيْضًا بِلاَ كَرَاهَةٍ. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إِنْ أَفْتَى فِيهَا تَكُونُ فُتْيَاهُ كَالْحُكْمِ عَلَى الْخَصْمِ، وَلاَ يُمْكِنُ نَقْضُهُ وَقْتَ الْمُحَاكَمَةِ، وَلأَِنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ وَقْتَ الْحُكْمِ، أَوْ تَظْهَرُ لَهُ قَرَائِنُ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ عِنْدَ الإِْفْتَاءِ، فَإِنْ حَكَمَ بِخِلاَفِ __________ (1) إعلام الموقعين 4 / 199، 205. مَا أَفْتَى بِهِ جَعَل لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ سَبِيلاً لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَال شُرَيْحٌ: أَنَا أَقْضِي لَكُمْ وَلاَ أُفْتِي، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُكْرَهُ لِلْقَاضِي الإِْفْتَاءُ فِي مَسَائِل الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. (1) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالأَْحْكَامِ وَغَيْرِهَا، مَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَفْتِي خُصُومَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ خُصُومَةٌ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَهُ فِيهَا. (2) وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ، كَالْبَيْعِ وَالشُّفْعَةِ وَالْجِنَايَاتِ. قَال الْبُرْزُلِيُّ: وَهَذَا إِذَا كَانَ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَوْ جَاءَهُ السُّؤَال مِنْ خَارِجِ الْبَلَدِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ فَلاَ كَرَاهَةَ. (3) ثُمَّ إِنْ أَفْتَى الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا، وَيَجُوزُ التَّرَافُعُ إِلَى غَيْرِهِ، فَلَوْ حَكَمَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ فِي النَّازِلَةِ بِعَيْنِهَا بِخِلاَفِهِ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِحُكْمِهِ (4) ، وَإِنْ رَدَّ شَهَادَةَ وَاحِدٍ بِرُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِعَدَالَتِهِ، وَلاَ __________ (1) المجموع للنووي 1 / 42، وإعلام الموقعين 4 / 220، وصفة الفتوى لابن حمدان ص29. (2) حاشية ابن عابدين والدر المختار 4 / 302. (3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 139. (4) إعلام الموقعين 4 / 221، وحاشية الدسوقي 4 / 157، وابن عابدين 4 / 326. يُقَال: إِنَّهُ حَكَمَ بِكَذِبِهِ أَوْ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْهِلاَل، لأَِنَّ الْقَضَاءَ لاَ يَدْخُل الْعِبَادَاتِ. (1) كَمَا تَقَدَّمَ (ف 2، 9) . مَا تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الْفَتْوَى: 22 - الْمُجْتَهِدُ يُفْتِي بِمُقْتَضَى الأَْدِلَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِالتَّرْتِيبِ الْمُعْتَبَرِ، فَيُفْتِي أَوَّلاً بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ بِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بِالإِْجْمَاعِ، وَأَمَّا الأَْدِلَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا كَالاِسْتِحْسَانِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، فَإِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا أَفْتَى بِهِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الأَْدِلَّةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِالرَّاجِحِ مِنْهَا. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي السَّعَةِ بِمَذْهَبِ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ، مَا لَمْ يُؤَدِّهِ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا هُوَ الْمَرْجُوحُ فِي نَظَرِهِ، نَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ قُدَامَةَ وَالْبَاجِيُّ (2) ، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ - حَيْثُ قُلْنَا: يَجُوزُ إِفْتَاؤُهُ - فَإِنَّهُ يُفْتِي بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ أَقْوَال الْمُجْتَهِدِينَ، وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَل عَنْ أَعْلَمِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ لِيَأْخُذَ بِقَوْلِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَرَجِ، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانَ السَّائِل مِنْهُمْ يَسْأَل مَنْ تَيَسَّرَ لَهُ سُؤَالُهُ مِنَ __________ (1) شرح المنتهى 3 / 501. (2) روضة الناظر 2 / 438، والموافقات 4 / 140، وإرشاد الفحول ص267. الْمُفْتِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقِيل: عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الأَْفْضَل لِيَأْخُذَ بِقَوْلِهِ. أَمَّا مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ اجْتِهَادُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْخِيَارِ يَأْخُذُ مَا شَاءَ وَيَتْرُكُ مَا شَاءَ، قَال النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَالْعَامِل فِي مَسْأَلَةِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَعْمَل بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا بِغَيْرِ نَظَرٍ، بَل عَلَيْهِ الْعَمَل بِأَرْجَحِهِمَا (1) ، وَإِنْ بَنَى الْمُفْتِي فُتْيَاهُ عَلَى حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِصِحَّتِهِ: إِمَّا بِتَصْحِيحِهِ هُوَ إِنْ كَانَ أَهْلاً لِذَلِكَ، أَوْ يَعْرِفَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الشَّأْنِ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ. وَإِنْ كَانَ بَنَى فُتْيَاهُ عَلَى قَوْل مُجْتَهِدٍ - حَيْثُ يَجُوزُ ذَلِكَ - فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ مُشَافَهَةً وَجَبَ أَنْ يَتَوَثَّقَ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: طَرِيقَةُ نَقْلِهِ لِذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ إِلَى الْمُجْتَهِدِ، أَوْ يَأْخُذَهُ عَنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ تَنَاقَلَتْهُ الأَْيْدِي، نَحْوِ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهَا مِنَ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَشْهُورِ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ الْعُلَمَاءَ يَنْقُلُونَ عَنِ الْكِتَابِ، وَرَأَى مَا نَقَلُوهُ عَنْهُ مَوْجُودًا فِيهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، كَمَا لَوْ رَأَى عَلَى __________ (1) المجموع شرح المهذب 1 / 68. الْكِتَابِ خَطَّ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. (1) وَلْيَحْذَرْ مِنَ الاِعْتِمَادِ عَلَى كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ غَيْرِ الْمُحَرَّرَةِ. (2) الإِْفْتَاءُ بِالرَّأْيِ: 23 - الرَّأْيُ هُوَ: مَا يَرَاهُ الْقَلْبُ بَعْدَ فِكْرٍ وَتَأَمُّلٍ وَطَلَبٍ لِمَعْرِفَةِ وَجْهِ الصَّوَابِ، مِمَّا تَتَعَارَضُ فِيهِ الأَْمَارَاتُ، وَلاَ يُقَال لِمَا لاَ تَخْتَلِفُ فِيهِ الأَْمَارَاتُ: إِنَّهُ رَأْيٌ (3) وَالرَّأْيُ يَشْمَل الْقِيَاسَ وَالاِسْتِحْسَانَ وَغَيْرَهُمَا (4) . وَلاَ يَجُوزُ الإِْفْتَاءُ بِالرَّأْيِ الْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ، وَلاَ يَجُوزُ الْمَصِيرُ إِلَى الرَّأْيِ قَبْل الْعَمَل عَلَى تَحْصِيل النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ، أَوِ الْقَوْل بِالرَّأْيِ غَيْرِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَل بِمُجَرَّدِ الْخَرْصِ وَالتَّخْمِينِ. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَيْفَ تَقْضِي؟ قَال: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَال: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَال: فَبِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَال: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَال: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَقَال: __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 306، وانظر أيضًا المجموع. للنووي 1 / 47. (2) عقود رسم المفتي لابن عابدين ص13 ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين. (3) إعلام الموقعين 1 / 66. (4) الإحكام للآمدي 4 / 46. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (1) وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال لِشُرَيْحٍ: مَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلاَ تَسْأَل عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَمِنَ السُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فِي السُّنَّةِ فَاجْتَهِدْ رَأْيَكَ (2) . الإِْفْتَاءُ بِمَا سَبَقَ لِلْمُفْتِي أَنْ أَفْتَى بِهِ: 24 - إِذَا اسْتُفْتِيَ فِي مِثْل مَا سَبَقَ لَهُ أَنْ أَفْتَى فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَحْضِرًا لِفُتْيَاهُ وَلِدَلِيلِهَا فَلاَ حَاجَةَ إِلَى إِعَادَةِ النَّظَرِ، لأَِنَّهُ تَحْصِيل حَاصِلٍ، وَلأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ النَّظَرِ أَنْ تَكُونَ فُتْيَاهُ عَنْ عِلْمٍ بِمَا يُفْتِي بِهِ، مَا لَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَ النَّظَرَ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ. وَإِنْ ذَكَرَ الْفَتْوَى الأُْولَى وَلَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَهَا، وَلاَ طَرَأَ مَا يَجِبُ رُجُوعُهُ، فَقِيل: لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِذَلِكَ، وَالأَْصَحُّ: وُجُوبُ تَجْدِيدِ النَّظَرِ. (3) التَّخَيُّرُ فِي الْفَتْوَى عِنْدَ التَّعَارُضِ: 25 - إِذَا تَعَارَضَتِ الأَْدِلَّةُ فِي نَظَرِ الْمُفْتِي الْمُجْتَهِدِ، أَوْ تَعَارَضَتِ الأَْقْوَال الْمُعْتَبَرَةُ فِي نَظَرِ __________ (1) حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: " كيف تقضي. . . " أخرجه الترمذي (3 / 607) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. (2) إعلام الموقعين 1 / 67 وما بعدها و79، 85. (3) المجموع للنووي 1 / 47، وصفة الفتوى لابن حمدان ص39، ومنتهى السول 3 / 71، جمع الجوامع وشرحه 2 / 394، إعلام الموقعين 4 / 232، والبحر المحيط 6 / 302. الْمُقَلِّدِ، فَقَدْ ذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ لَيْسَ مُخَيَّرًا يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ وَيَتْرُكُ مَا شَاءَ، بَل عَلَيْهِ أَنْ يُرَجِّحَ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الأَْدِلَّةِ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي عِلْمِ أُصُول الْفِقْهِ. وَفِي تَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. تَتَبُّعُ الْمُفْتِي لِلرُّخَصِ: 26 - ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَصَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُفْتِي تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ، بِأَنْ يَبْحَثَ عَنِ الأَْسْهَل مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الْوَجْهَيْنِ وَيُفْتِيَ بِهِ، وَخَاصَّةً إِنْ كَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ مَنْ يُحِبُّهُ مِنْ صَدِيقٍ أَوْ قَرِيبٍ، وَيُفْتِي بِغَيْرِ ذَلِكَ مَنْ عَدَاهُمْ، وَقَدْ خَطَّأَ الْعُلَمَاءُ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ، نَقَلَهُ الشَّاطِبِيُّ عَنِ الْبَاجِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ، وَنَصَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى فِسْقِ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ، لأَِنَّ الرَّاجِحَ فِي نَظَرِ الْمُفْتِي هُوَ فِي ظَنِّهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَرْكُهُ وَالأَْخْذُ بِغَيْرِهِ لِمُجَرَّدِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ اسْتِهَانَةٌ بِالدِّينِ، شَبِيهٌ بِالاِنْسِلاَخِ مِنْهُ، وَلأَِنَّهُ شَبِيهٌ بِرَفْعِ التَّكْلِيفِ بِالْكُلِّيَّةِ، إِذِ الأَْصْل أَنَّ فِي التَّكْلِيفِ نَوْعًا مِنَ الْمَشَقَّةِ، فَإِنْ أَخَذَ فِي كُل مَسْأَلَةٍ بِالأَْخَفِّ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أَخَفَّ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يُسْقِطَ تَكْلِيفًا - مِنْ غَيْرِ مَا فِيهِ إِجْمَاعٌ - إِلاَّ أَسْقَطَهُ، فَيُسْقِطُ فِي الزَّكَاةِ مَثَلاً زَكَاةَ مَال الصَّغِيرِ، وَزَكَاةَ مَال التِّجَارَةِ، وَزَكَاةَ الْفُلُوسِ وَمَا شَابَهَهَا، وَزَكَاةَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعَشَّرَاتِ، وَيُسْقِطُ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ، وَيُجِيزُ النَّبِيذَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَال أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً عَمِل بِكُل رُخْصَةٍ: بِقَوْل أَهْل الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ، وَأَهْل الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ، وَأَهْل مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ، كَانَ فَاسِقًا. اهـ وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: مَنْ أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ مِنَ الإِْسْلاَمِ. وَإِنْ أَفْتَى كُل أَحَدٍ بِمَا يَشْتَهِي انْخَرَمَ قَانُونُ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ، الَّذِي يَقُومُ عَلَى الْعَدَالَةِ وَالتَّسْوِيَةِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى الْفَوْضَى وَالْمَظَالِمِ وَتَضْيِيعِ الْحُقُوقِ بَيْنَ النَّاسِ. قَال ابْنُ سُرَيْجٍ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيل الْقَاضِيَ قَال: دَخَلْتُ عَلَى الْمُعْتَضِدِ، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا نَظَرْتُ فِيهِ وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ الرُّخَصَ مِنْ زَلَل الْعُلَمَاءِ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: مُؤَلِّفُ هَذَا الْكِتَابِ زِنْدِيقٌ، فَقَال: لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الأَْحَادِيثُ؟ قُلْتُ: الأَْحَادِيثُ عَلَى مَا رُوِيَتْ، وَلَكِنْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لَمْ يُبِحِ الْمُتْعَةَ، وَمَنْ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبِحِ الْمُسْكِرَ، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إِلاَّ وَلَهُ زَلَّةٌ، وَمَنْ جَمَعَ زَلَل الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَخَذَ بِهَا ذَهَبَ دِينُهُ، فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِإِحْرَاقِ هَذَا الْكِتَابِ. عَلَى أَنَّ الذَّاهِبِينَ إِلَى هَذَا الْقَوْل لَمْ يَمْنَعُوا الإِْفْتَاءَ بِمَا فِيهِ تَرْخِيصٌ إِنْ كَانَ لَهُ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَتَبُّعَ الْمُفْتِي الرُّخَصَ لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ: فَإِنْ حَسُنَ قَصْدُ الْمُفْتِي فِي حِيلَةٍ جَائِزَةٍ لاَ شُبْهَةَ فِيهَا، وَلاَ مَفْسَدَةَ لِتَخْلِيصِ الْمُسْتَفْتِي بِهَا مِنْ حَرَجٍ جَازَ ذَلِكَ، بَل اسْتُحِبَّ، وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْحِنْثِ: بِأَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ ضِغْثًا فَيَضْرِبَ بِهِ الْمَرْأَةَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، قَال: فَأَحْسَنُ الْمَخَارِجِ مَا خَلَّصَ مِنَ الْمَآثِمِ، وَأَقْبَحُهَا مَا أَوْقَعَ فِي الْمَحَارِمِ. (1) إِحَالَةُ الْمُفْتِي عَلَى غَيْرِهِ: 27 - لِلْمُفْتِي أَنْ يُحِيل الْمُسْتَفْتِيَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُفْتِينَ، إِمَّا بِقَصْدِ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ عُهْدَةِ الْفَتْوَى، وَإِمَّا لِكَوْنِ الآْخَرِ أَعْلَمَ، وَإِمَّا لِظَرْفٍ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، وَلاَ تَجُوزُ لَهُ الإِْحَالَةُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَهْلاً لِلْفُتْيَا، سَوَاءٌ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ فِي الرَّأْيِ أَوْ يُخَالِفُهُ، فَإِنْ أَحَال عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلاً فَإِنَّهُ يَكُونُ مُعِينًا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ، قَال أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لأَِحْمَدَ: الرَّجُل يَسْأَل عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَدُلُّهُ عَلَى إِنْسَانٍ؟ قَال: إِذَا كَانَ مُتَّبِعًا وَيُفْتِي بِالسُّنَّةِ، قُلْتُ: إِنَّهُ يُرِيدُ __________ (1) الموافقات 4 / 118، وما بعدها 134،140، 155، 259 والبحر المحيط 6 / 324، 327، وإرشاد الفحول ص272، وإعلام الموقعين 4 / 222، والمجموع للنووي 1 / 55. الاِتِّبَاعَ وَلَيْسَ كُل قَوْلِهِ يُصِيبُ، قَال: وَمَنْ يُصِيبُ فِي كُل شَيْءٍ؟ . لَكِنْ لاَ يَحِل أَنْ يَدُل عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُ فِي الْقَوْل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً، فَيَجُوزُ ذَلِكَ، لأَِنَّ اجْتِهَادَهُ لَيْسَ أَوْلَى مِنَ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ. أَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ صَحِيحٌ أَوْ إِجْمَاعٌ، أَوْ كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مِمَّنْ يَتَسَاهَل فِي الْفَتْوَى فَلاَ تَجُوزُ الإِْحَالَةُ. (1) تَشْدِيدُ الْمُفْتِي وَتَسَاهُلُهُ: 28 - الشَّرِيعَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ شَرِيعَةٌ تَتَمَيَّزُ بِالْوَسَطِيَّةِ وَالْيُسْرِ، وَلِذَا فَالَّذِي يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي - وَهُوَ الْمُخْبِرُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى - أَنْ يَكُونَ كَمَا قَال الشَّاطِبِيُّ: الْمُفْتِي الْبَالِغُ ذُرْوَةَ الدَّرَجَةِ هُوَ الَّذِي يَحْمِل النَّاسَ عَلَى الْوَسَطِ الْمَعْهُودِ فِيمَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ، فَلاَ يَذْهَبُ بِهِمْ مَذْهَبَ الشِّدَّةِ، وَلاَ يَمِيل بِهِمْ إِلَى طَرَفِ الاِنْحِلاَل، وَهَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَلاَ إِفْرَاطَ وَلاَ تَفْرِيطَ، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْوَسَطِ مَذْمُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّبَتُّل (2) وَقَال لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ __________ (1) إعلام الموقعين 4 / 207 وصفة المفتي لابن حمدان ص82. (2) حديث: " رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل " أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 117) ومسلم (2 / 1020) . لَمَّا أَطَال بِالنَّاسِ الصَّلاَةَ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ (1) ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْوِصَال، وَلأَِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ بِالْمُسْتَفْتِي مَذْهَبَ الْعَنَتِ وَالْحَرَجِ بَغَّضَ إِلَيْهِ الدِّينَ، وَإِذَا ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الاِنْحِلاَل كَانَ مَظِنَّةً لِلْمَشْيِ مَعَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ. (2) وَجَاءَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ: يَحْرُمُ تَسَاهُل مُفْتٍ فِي الإِْفْتَاءِ، لِئَلاَّ يَقُول عَلَى اللَّهِ مَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَيَحْرُمُ تَقْلِيدُ مُتَسَاهِلٍ فِي الإِْفْتَاءِ لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِهِ، وَقَال مِثْل ذَلِكَ النَّوَوِيُّ. وَبَيَّنَ السَّمْعَانِيُّ وَالنَّوَوِيُّ أَنَّ التَّسَاهُل نَوْعَانِ: الأَْوَّل: تَتَبُّعُ الرُّخَصِ وَالشُّبَهِ وَالْحِيَل الْمَكْرُوهَةِ وَالْمُحَرَّمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَسَاهَل فِي طَلَبِ الأَْدِلَّةِ وَطُرُقِ الأَْحْكَامِ وَيَأْخُذَ بِمَبَادِئِ النَّظَرِ وَأَوَائِل الْفِكْرِ، فَهَذَا مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ الاِجْتِهَادِ، فَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُفْتِيَ كَذَلِكَ مَا لَمْ تَتَقَدَّمْ مَعْرِفَتُهُ بِالْمَسْئُول عَنْهُ. (3) لَكِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ لِلْمُفْتِي أَنْ يَتَشَدَّدَ فِي __________ (1) حديث: أنه قال لمعاذ: " يا معاذ أفتان أنت ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 200) ومسلم (1 / 339) من حديث جابر بن عبد الله. (2) الموافقات 4 / 258. (3) شرح المنتهى 33 / 457، والمجموع 1 / 46 وصفة المفتي لابن حمدان ص31. الْفَتْوَى عَلَى سَبِيل السِّيَاسَةِ لِمَنْ هُوَ مُقْدِمٌ عَلَى الْمَعَاصِي مُتَسَاهِلٌ فِيهَا، وَأَنْ يَبْحَثَ عَنِ التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيل عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الأَْدِلَّةُ لِمَنْ هُوَ مُشَدِّدٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لِيَكُونَ مَآل الْفَتْوَى أَنْ يَعُودَ الْمُسْتَفْتِي إِلَى الطَّرِيقِ الْوَسَطِ. (1) آدَابُ الْمُفْتِي: 29 - أ - يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُحْسِنَ زِيَّهُ، مَعَ التَّقَيُّدِ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَيُرَاعِيَ الطَّهَارَةَ وَالنَّظَافَةَ، وَاجْتِنَابَ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ شِعَارَاتِ الْكُفَّارِ، وَلَوْ لَبِسَ مِنَ الثِّيَابِ الْعَالِيَةِ لَكَانَ أَدْعَى لِقَبُول قَوْلِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (2) وَلأَِنَّ تَأْثِيرَ الْمَظْهَرِ فِي عَامَّةِ النَّاسِ لاَ يُنْكَرُ، وَهُوَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَالْقَاضِي (3) . ب - وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ سِيرَتَهُ، بِتَحَرِّي مُوَافَقَةِ الشَّرِيعَةِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، لأَِنَّهُ قُدْوَةٌ لِلنَّاسِ فِيمَا يَقُول وَيَفْعَل، فَيَحْصُل بِفِعْلِهِ قَدْرٌ عَظِيمٌ مِنَ الْبَيَانِ، لأَِنَّ الأَْنْظَارَ إِلَيْهِ مَصْرُوفَةٌ، وَالنُّفُوسَ عَلَى __________ (1) المجموع 1 / 50، 46. (2) سورة الأعراف / 32. (3) الإحكام للقرافي ص271، وشرح المنتهى 3 / 468. الاِقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ مَوْقُوفَةٌ (1) . ج - وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصْلِحَ سَرِيرَتَهُ وَيَسْتَحْضِرَ عِنْدَ الإِْفْتَاءِ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ مِنْ قَصْدِ الْخِلاَفَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيَانِ الشَّرْعِ، وَإِحْيَاءِ الْعَمَل بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِصْلاَحِ أَحْوَال النَّاسِ بِذَلِكَ، وَيَسْتَعِينَ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَيَسْأَلَهُ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ، وَعَلَيْهِ مُدَافَعَةُ النِّيَّاتِ الْخَبِيثَةِ مِنْ قَصْدِ الْعُلُوِّ فِي الأَْرْضِ وَالإِْعْجَابِ بِمَا يَقُول، وَخَاصَّةً حَيْثُ يُخْطِئُ غَيْرُهُ وَيُصِيبُ هُوَ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَحْنُونٍ: فِتْنَةُ الْجَوَابِ بِالصَّوَابِ أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَال. (2) د - وَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَامِلاً بِمَا يُفْتِي بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، مُنْتَهِيًا عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، لِيَتَطَابَقَ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ، فَيَكُونُ فِعْلُهُ مُصَدِّقًا لِقَوْلِهِ مُؤَيِّدًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ كَانَ فِعْلُهُ مُكَذِّبًا لِقَوْلِهِ، وَصَادًّا لِلْمُسْتَفْتِي عَنْ قَبُولِهِ وَالاِمْتِثَال لَهُ، لِمَا فِي الطَّبَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ التَّأَثُّرِ بِالأَْفْعَال، وَلاَ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الإِْفْتَاءُ فِي تِلْكَ الْحَال، إِذْ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَلَهُ زَلَّةٌ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مُؤْتَمِرًا مُنْتَهِيًا، وَهَذَا مَا لَمْ __________ (1) تبصرة الحكام لابن فرحون ص21. (2) صفة الفتوى لابن حمدان ص11، وإعلام الموقعين 4 / 172. تَكُنْ مُخَالَفَتُهُ مُسْقِطَةً لِعَدَالَتِهِ، فَلاَ تَصِحُّ فُتْيَاهُ حِينَئِذٍ. (1) هـ - أَنْ لاَ يُفْتِيَ حَال انْشِغَال قَلْبِهِ بِشِدَّةِ غَضَبٍ أَوْ فَرَحٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ إِرْهَاقٍ أَوْ تَغَيُّرِ خُلُقٍ، أَوْ كَانَ فِي حَال نُعَاسٍ، أَوْ مَرَضٍ شَدِيدٍ، أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ، أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ، أَوْ مُدَافَعَةِ الأَْخْبَثَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْحَاجَاتِ الَّتِي تَمْنَعُ صِحَّةَ الْفِكْرِ وَاسْتِقَامَةَ الْحُكْمِ. (2) لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ (3) فَإِنْ حَصَل لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الإِْفْتَاءِ حَتَّى يَزُول مَا بِهِ وَيَرْجِعَ إِلَى حَال الاِعْتِدَال. فَإِنْ أَفْتَى فِي حَال انْشِغَال الْقَلْبِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الصَّوَابِ صَحَّتْ فُتْيَاهُ وَإِنْ كَانَ مُخَاطِرًا (4) لَكِنْ قَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِكَوْنِ ذَلِكَ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ أَصْل الْفِكْرِ. فَإِنْ أَخْرَجَهُ الدَّهَشُ عَنْ أَصْل الْفِكْرِ لَمْ تَصِحَّ فُتْيَاهُ قَطْعًا وَإِنْ وَافَقَتِ الصَّوَابَ. (5) و إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ وَدِينِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، وَلاَ يَسْتَقِل بِالْجَوَابِ تَسَامِيًا __________ (1) الموافقات للشاطبي 4 / 252 - 258. (2) إعلام الموقعين 4 / 227، وصفة الفتوى لابن حمدان ص34. (3) حديث: " لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 136) ومسلم (3 / 1343) من حديث أبي بكرة، واللفظ للبخاري. (4) إعلام الموقعين 4 / 227، وصفة الفتوى لابن حمدان ص34. (5) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 140. بِنَفْسِهِ عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ} (1) وَعَلَى هَذَا كَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَخَاصَّةً عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَالْمَنْقُول مِنْ مُشَاوَرَتِهِ لِسَائِرِ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ، وَيُرْجَى بِالْمُشَاوَرَةِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنِ الْمُشَاوَرَةُ مِنْ قَبِيل إِفْشَاءِ السِّرِّ. (2) ز - الْمُفْتِي كَالطَّبِيبِ يَطَّلِعُ مِنْ أَسْرَارِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ عَلَى مَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَقَدْ يَضُرُّ بِهِمْ إِفْشَاؤُهَا أَوْ يُعَرِّضُهُمْ لِلأَْذَى، فَعَلَيْهِ كِتْمَانُ أَسْرَارِ الْمُسْتَفْتِينَ، وَلِئَلاَّ يَحُول إِفْشَاؤُهُ لَهَا بَيْنَ الْمُسْتَفْتِي وَبَيْنَ الْبَوْحِ بِصُوَرِهِ الْوَاقِعَةِ إِذَا عَرَفَ أَنَّ سِرَّهُ لَيْسَ فِي مَأْمَنٍ. (3) مُرَاعَاةُ حَال الْمُسْتَفْتِي: 30 - يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي مُرَاعَاةُ أَحْوَال الْمُسْتَفْتِي، وَلِذَلِكَ وُجُوهٌ، مِنْهَا: أ - إِذَا كَانَ الْمُسْتَفْتِي بَطِيءَ الْفَهْمِ، فَعَلَى الْمُفْتِي التَّرَفُّقُ بِهِ وَالصَّبْرُ عَلَى تَفَهُّمِ سُؤَالِهِ وَتَفْهِيمِ جَوَابِهِ. (4) ب - إِذَا كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى تَفْهِيمِهِ أُمُورًا شَرْعِيَّةً لَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهَا فِي سُؤَالِهِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي __________ (1) سورة آل عمران / 159. (2) إعلام الموقعين 4 / 256، والمجموع للنووي 1 / 48. (3) بصرة الحكام لابن فرحون 11 / 220 بهامش فتح العلي المالك وإعلام الموقعين 4 / 257. (4) المجموع للنووي 1 / 48. بَيَانُهَا لَهُ زِيَادَةً عَلَى جَوَابِ سُؤَالِهِ، نُصْحًا وَإِرْشَادًا، وَقَدْ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَال: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِل مَيْتَتُهُ (1) وَلِلْمُفْتِي أَنْ يَعْدِل عَنْ جَوَابِ السُّؤَال إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُل مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (2) فَقَدْ سَأَل النَّاسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُنْفَقِ فَأَجَابَهُمْ بِذِكْرِ الْمَصْرِفِ إِذْ هُوَ أَهَمُّ مِمَّا سَأَلُوا عَنْهُ. (3) ج - أَنْ يَسْأَلَهُ الْمُسْتَفْتِي عَمَّا هُوَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ فَيُفْتِيَهِ بِالْمَنْعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَا هُوَ عِوَضٌ مِنْهُ، كَالطَّبِيبِ الْحَاذِقِ إِذَا مَنَعَ الْمَرِيضَ مِنْ أَغْذِيَةٍ تَضُرُّهُ يَدُلُّهُ عَلَى أَغْذِيَةٍ تَنْفَعُهُ. (4) د - أَنْ يُسْأَل عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً، فَيَتْرُكُ الْجَوَابَ إِشْعَارًا لِلْمُسْتَفْتِي بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ السُّؤَال عَمَّا يَعْنِيهِ مِمَّا لَهُ فِيهِ نَفْعٌ وَوَرَاءَهُ عَمَلٌ، لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ __________ (1) حديث: " هو الطهور ماؤه. . . ". أخرجه الترمذي (1 / 101) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن صحيح. (2) سورة البقرة / 215. (3) إعلام الموقعين 4 / 158. (4) إعلام الموقعين 4 / 159. ثَلاَثًا: قِيل وَقَال، وَإِضَاعَةَ الْمَال، وَكَثْرَةَ السُّؤَال (1) وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إِلاَّ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ لِعِكْرِمَةَ: مَنْ سَأَلَكَ عَمَّا لاَ يَعْنِيهِ فَلاَ تُفْتِهِ (2) . هـ - أَنْ يَكُونَ عَقْل السَّائِل لاَ يَحْتَمِل الْجَوَابَ، فَيَتْرُكُ إِجَابَتَهُ وُجُوبًا، لِقَوْل عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: " مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً (3) . و تَرْكُ الْجَوَابِ إِذَا خَافَ الْمُفْتِي غَائِلَةَ الْفُتْيَا (4) أَيْ هَلاَكًا أَوْ فَسَادًا أَوْ فِتْنَةً يُدَبِّرُهَا الْمُسْتَفْتِي أَوْ غَيْرُهُ. وَالأَْصْل وُجُوبُ الْبَيَانِ وَتَحْرِيمُ الْكِتْمَانِ إِنْ كَانَ الْحُكْمُ جَلِيًّا (5) فَلاَ يَتْرُكُ الْمُفْتِي بَيَانَهُ لِرَغْبَةٍ وَلاَ رَهْبَةٍ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا __________ (1) حديث: " إن الله كره لكم ثلاثًا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 68) ومسلم (3 / 1341) من حديث المغيرة بن شعبة واللفظ لمسلم. (2) شرح المنتهى 3 / 457، وإعلام الموقعين 4 / 221، والموافقات 4 / 286 - 290. (3) شرح المنتهى 3 / 457، والموافقات 4 / 313. (4) شرح المنتهى 3 / 458. (5) إعلام الموقعين 4 / 175. بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (1) . لَكِنْ إِنْ خَافَ الْغَائِلَةَ فَلَهُ تَرْكُ الْجَوَابِ وَكَذَا لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْفُتْيَا إِنْ خَافَ أَنْ يَسْتَغِلَّهَا الظَّلَمَةُ أَوْ أَهْل الْفُجُورِ لِمَآرِبِهِمْ (2) . صِيغَةُ الْفَتْوَى: 31 - يَنْبَغِي لِسَلاَمَةِ الْفُتْيَا وَصِدْقِهَا وَصِحَّةِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا أَنْ يُرَاعِيَ الْمُفْتِي أُمُورًا مِنْهَا: أ - تَحْرِيرُ أَلْفَاظِ الْفُتْيَا، لِئَلاَّ تُفْهَمَ عَلَى وَجْهٍ بَاطِلٍ، قَال ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْرُمُ إِطْلاَقُ الْفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ إِجْمَاعًا، فَمَنْ سُئِل: أَيُؤْكَل أَوْ يُشْرَبُ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ؟ لاَ بُدَّ أَنْ يَقُول: الْفَجْرُ الأَْوَّل أَوِ الثَّانِي؟ وَمِثْلُهُ مَنْ سُئِل عَنْ بَيْعِ رِطْل تَمْرٍ بِرِطْل تَمْرٍ هَل يَصِحُّ؟ فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُطْلِقَ الْجَوَابَ بِالإِْجَازَةِ أَوِ الْمَنْعِ، بَل يَقُول: إِنْ تَسَاوَيَا كَيْلاً جَازَ وَإِلاَّ فَلاَ، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُ التَّنْبِيهُ عَلَى احْتِمَالٍ بَعِيدٍ، كَمَنْ سُئِل عَنْ مِيرَاثِ بِنْتٍ وَعَمٍّ؟ فَلَهُ أَنْ يَقُول: لَهَا النِّصْفُ، وَلَهُ الْبَاقِي، وَلاَ يَلْزَمُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ قَاتِلَةً لأَِبِيهَا فَلاَ شَيْءَ لَهَا، وَكَذَا سَائِرُ مَوَانِعِ الإِْرْثِ. (3) عَلَى أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ: أَنْ يَسْتَفْصِل السَّائِل لِيَصِل __________ (1) سورة آل عمران / 187. (2) حاشية ابن عابدين 3 / 264. (3) شرح المنتهى 3 / 458. إِلَى تَحْدِيدِ الْوَاقِعَةِ تَحْدِيدًا تَامًّا، فَيَكُونُ جَوَابُهُ عَنْ أَمْرٍ مُحَدَّدٍ، وَهَذَا أَوْلَى وَأَسْلَمُ، وَإِنْ عَلِمَ أَيَّ الأَْقْسَامِ هُوَ الْوَاقِعُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى جَوَابِ ذَلِكَ الْقِسْمِ، ثُمَّ يَقُول: هَذَا إِنْ كَانَ الأَْمْرُ كَذَا، وَلَهُ أَنْ يُفَصِّل الأَْقْسَامَ فِي جَوَابِهِ وَيَذْكُرَ حُكْمَ كُل قِسْمٍ، وَلَكِنْ لاَ يَحْسُنُ هَذَا إِلاَّ إنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي غَائِبًا وَلَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ صِفَةِ الْوَاقِعِ، فَيَجْتَهِدُ فِي بَيَانِ الأَْقْسَامِ وَحُكْمِ كُل قِسْمٍ؛ لِئَلاَّ يُفْهَمَ جَوَابُهُ عَلَى غَيْرِ مَا يُرِيدُ. (1) ب - أَنْ لاَ تَكُونَ الْفَتْوَى بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ، لِئَلاَّ يَقَعَ السَّائِل فِي حَيْرَةٍ، كَمَنْ سُئِل عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْمَوَارِيثِ فَقَال: تُقْسَمُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل، أَوْ سُئِل عَنْ شِرَاءِ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ فَقَال: يَجُوزُ بِشُرُوطِهِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ لاَ يَدْرِي مَا شُرُوطُهُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ السَّائِل مِنْ أَهْل الْعِلْمِ الَّذِينَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِثْل هَذَا، بَل يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ قَوْل الْمُفْتِي جَازَ ذَلِكَ. (2) ج - يَحْسُنُ ذِكْرُ دَلِيل الْحُكْمِ فِي الْفُتْيَا سَوَاءٌ كَانَ آيَةً أَوْ حَدِيثًا حَيْثُ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَيَذْكُرُ عِلَّتَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ، وَلاَ يُلْقِيهِ إِلَى الْمُسْتَفْتِي مُجَرَّدًا، فَإِنَّ الأَْوَّل أَدْعَى لِلْقَبُول بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ __________ (1) المجموع للنووي 1 / 48، وإعلام الموقعين 4 / 255، 256 و187 - 194. (2) إعلام الموقعين 4 / 177، 179. وَفَهْمٍ لِمَبْنَى الْحُكْمِ، وَذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الطَّاعَةِ وَالاِمْتِثَال، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ فَتَاوَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْحِكَمَ، (1) كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَقَال: إِنَّكُنَّ إِذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ (2) وَقَوْلِهِ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ: أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَال أَخِيهِ؟ (3) وَقَال الصَّيْمَرِيُّ: لاَ يَذْكُرُ الْحُجَّةَ إِنْ أَفْتَى عَامِّيًّا، وَيَذْكُرُهَا إِنْ أَفْتَى فَقِيهًا، وَإِنْ تَعَلَّقَتِ الْفَتْوَى بِقَضَاءِ قَاضٍ فَيُومِئُ فِيهَا إِلَى طَرِيقِ الاِجْتِهَادِ وَيُلَوِّحُ بِالنُّكْتَةِ، وَكَذَا إِنْ أَفْتَى فِيمَا غَلِطَ فِيهِ غَيْرُهُ فَيُبَيِّنُ وَجْهَ الاِسْتِدْلاَل. وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: لاَ يَذْكُرُ الْحُجَّةَ لِئَلاَّ يَخْرُجَ مِنَ الْفَتْوَى إِلَى التَّصْنِيفِ. (4) د - لاَ يَقُول فِي الْفُتْيَا: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلاَّ بِنَصٍّ قَاطِعٍ، أَمَّا الأُْمُورُ الاِجْتِهَادِيَّةُ فَيَتَجَنَّبُ فِيهَا ذَلِكَ لِحَدِيثِ: وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْل حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي __________ (1) إعلام الموقعين 4 / 160، 259. (2) حديث ابن عباس قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تزوج المرأة على العمة والخالة. . . ". أخرجه ابن حبان، (9 / 426 - الإحسان) . (3) حديث: " أرأيت إذا منع الله الثمرة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 398) من حديث أنس ابن مالك. (4) المجموع للنووي 1 / 52. أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ؟ . (1) وَهَذَا عَلَى قَوْل مَنْ يَجْعَل الصَّوَابَ فِي قَوْل أَحَدِ الْمُخْتَلِفِينَ، أَمَّا مَنْ يَقُول: كُل مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُول: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. (2) هـ - يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْفُتْيَا بِكَلاَمٍ مُوجَزٍ وَاضِحٍ مُسْتَوْفٍ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْتَفْتِي مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِسُؤَالِهِ، وَيَتَجَنَّبُ الإِْطْنَابَ فِيمَا لاَ أَثَرَ لَهُ، لأَِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَحْدِيدٍ، لاَ مَقَامُ وَعْظٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ تَصْنِيفٍ. (3) قَال الْقَرَافِيُّ: إِلاَّ فِي نَازِلَةٍ عَظِيمَةٍ تَتَعَلَّقُ بِوُلاَةِ الأُْمُورِ، وَلَهَا صِلَةٌ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَيَحْسُنُ الإِْطْنَابُ بِالْحَثِّ وَالإِْيضَاحِ وَالاِسْتِدْلاَل، وَبَيَانِ الْحِكَمِ وَالْعَوَاقِبِ، لِيَحْصُل الاِمْتِثَال التَّامُّ. (4) وَإِنْ كَانَ لِكَلاَمِهِ قَبُولٌ وَيَحْرِصُ النَّاسُ عَلَى الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ، فَلاَ بَأْسَ بِالإِْطَالَةِ وَاسْتِيفَاءِ جَوَانِبِ الْمَسْأَلَةِ. الإِْفْتَاءُ بِالإِْشَارَةِ: 32 - تَجُوزُ الْفُتْيَا بِالإِْشَارَةِ إِنْ كَانَتْ مُفْهِمَةً لِلْمُرَادِ (5) وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَفْتَى __________ (1) حديث: " إذا حاصرت أهل حصن. . . " أخرجه مسلم (3 / 1358) من حديث بريدة. (2) إعلام الموقعين 4 / 175، 1 / 39، 44. (3) صفة الفتوى لابن حمدان ص60. (4) الإحكام للقرافي ص364، وانظر مجموع النووي 1 / 49. (5) حاشية ابن عابدين 4 / 302، وشرح المحلي على منهاج الطالبين 3 / 327، والموافقات 4 / 247. بِالإِْشَارَةِ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل يَوْمَ النَّحْرِ عَنِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ لاَ حَرَجَ (1) وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ. (2) الإِْفْتَاءُ بِالْكِتَابَةِ: 33 - تَجُوزُ الْفُتْيَا كِتَابَةً، وَلَكِنْ فِيهَا خُطُورَةٌ مِنْ حَيْثُ إِمْكَانُ التَّبْدِيل وَالتَّغْيِيرِ فِيهَا وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى الْمُفْتِي، وَلِذَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَحَرَّزَ فِي كِتَابَتِهَا بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ فِيهَا الإِْضَافَةُ وَالتَّزْوِيرُ. (3) أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَى الْفُتْيَا: 34 - الأَْوْلَى لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا بِعَمَلِهِ وَلاَ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَإِنْ تَفَرَّغَ لِلإِْفْتَاءِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَاشْتَرَطَ الْفَرِيقَانِ لِجَوَازِ ذَلِكَ شَرْطَيْنِ: __________ (1) حديث ابن عباس: " أنه سئل يوم النحر عن التقديم والتأخير. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 181) . (2) حديث: " إن الله لا يعذب بدمع العين. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 175) من حديث ابن عمر. (3) المجموع للنووي 1 / 47، 49، 50، وصفة الفتوى لابن حمدان ص63. الأَْوَّل: أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ كِفَايَةٌ. وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ عَالِمٌ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَوْ كَانَ لَهُ كِفَايَةٌ لَمْ يَجُزْ (1) وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا فَفِيهِ وَجْهَانِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْقِيَاسِ عَلَى عَامِل الزَّكَاةِ أَوْ عَلَى الْعَامِل فِي مَال الْيَتِيمِ. (2) وَأَلْحَقَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ بِذَلِكَ: أَنْ يَحْتَاجَ أَهْل بَلَدٍ إِلَى مَنْ يَتَفَرَّغُ لِفَتَاوِيهِمْ، وَيَجْعَلُوا لَهُ رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَيَحُوزُ، وَلاَ يَصْلُحُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَال، قَال الْخَطِيبُ: وَعَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَفْرِضَ لِمَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْفَتْوَى فِي الأَْحْكَامِ مَا يُغْنِيهِ عَنْ الاِحْتِرَافِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْطَى كُل رَجُلٍ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مِائَةَ دِينَارٍ فِي السَّنَةِ (3) . وَأَمَّا الأُْجْرَةُ، فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ أَعْيَانِ الْمُسْتَفْتِينَ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، قَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّ الْفُتْيَا عَمَلٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْقُرْبَةِ، وَلأَِنَّهُ مَنْصِبُ تَبْلِيغٍ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلاَ تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَال لَهُ: لاَ __________ (1) المجموع للنووي 1 / 46، وشرح المنتهى 3 / 462. (2) إعلام الموقعين 4 / 432. (3) المجموع 1 / 46. أُعَلِّمُكَ الإِْسْلاَمَ أَوِ الْوُضُوءَ أَوِ الصَّلاَةَ إِلاَّ بِأُجْرَةٍ، قَالُوا: فَهَذَا حَرَامٌ قَطْعًا، وَعَلَيْهِ رَدُّ الْعِوَضِ، وَلاَ يَمْلِكُهُ، قَالُوا: وَيَلْزَمُهُ الإِْجَابَةُ مَجَّانًا لِلَّهِ بِلَفْظِهِ أَوْ خَطِّهِ إِنْ طَلَبَ الْمُسْتَفْتِي الْجَوَابَ كِتَابَةً، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُهُ الْوَرَقُ وَالْحِبْرُ. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَخْذَ الْمُفْتِي الأُْجْرَةَ عَلَى الْكِتَابَةِ، لأَِنَّهُ كَالنَّسْخِ (1) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الْفَتْوَى إِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ. (2) أَخْذُ الْمُفْتِي الْهَدِيَّةَ: 35 - الأَْصْل أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَخْذُ الْهَدِيَّةِ مِنَ النَّاسِ بِخِلاَفِ الْقَاضِي، وَالأَْوْلَى لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيُكَافِئَ عَلَيْهَا، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْبَل الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا (3) وَهَذَا إِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ سَبَبِ الْفُتْيَا، لأَِنَّهُ إِنَّمَا يُهْدَى إِلَيْهِ لِعِلْمِهِ، بِخِلاَفِ الْقَاضِي. وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ الْفُتْيَا فَالأَْوْلَى عَدَمُ الْقَبُول، لِيَكُونَ إِفْتَاؤُهُ خَالِصًا لِلَّهِ، وَهَذَا إِنْ كَانَ إِفْتَاؤُهُ لاَ يَخْتَلِفُ بَيْنَ مَنْ يُهْدِيهِ وَمَنْ لاَ يُهْدِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُهْدِيهِ لِتَكُونَ سَبَبًا إِلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا لاَ يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الرُّخَصِ قَال ابْنُ __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 311، وإعلام الموقعين 4 / 232، وشرح المنتهى 3 / 462. (2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 20. (3) حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يقبل الهدية ويثيب عليها. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 260) من حديث عائشة. الْقَيِّمِ: لاَ يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهَا، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنْ كَانَتْ سَبَبًا لِيُرَخِّصَ لَهُ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَأَخْذُهَا مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ بَاطِلٍ فَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ، يُبَدِّل أَحْكَامَ اللَّهِ، وَيَشْتَرِي بِهَا ثَمَنًا قَلِيلاً (1) . وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ لِلْمُفْتِي قَبُول الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لاَ يَرْجُو مِنْهُ جَاهًا وَلاَ عَوْنًا عَلَى خَصْمٍ. (2) الْخَطَأُ فِي الْفُتْيَا: 36 - إِذَا أَخْطَأَ الْمُفْتِي، فَإِنْ كَانَ خَطَؤُهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، أَوْ كَانَ أَهْلاً لَكِنَّهُ لَمْ يَبْذُل جَهْدَهُ بَل تَعَجَّل، يَكُونُ آثِمًا، لِحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا (3) . أَمَّا إِنْ كَانَ أَهْلاً وَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، بَل لَهُ أَجْرُ اجْتِهَادِهِ، قِيَاسًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي خَطَأِ الْقَاضِي، وَهُوَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، __________ (1) حاشية ابن عابدين 4 / 311، وشرح المنتهى 3 / 471، وإعلام الموقعين 4 / 232. (2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 140. (3) حديث: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا. . . " تقدم تخريجه ف8. وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ (1) . رُجُوعُ الْمُفْتِي عَنْ فُتْيَاهُ: 37 - إِذَا تَبَيَّنَ لِلْمُفْتِي أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي الْفُتْيَا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنِ الْخَطَأِ إِذَا أَفْتَى فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى مُمَاثِلَةٍ، لِكِتَابِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " وَلاَ يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَ فِيهِ الْيَوْمَ، فَرَاجَعْتَ فِيهِ رَأْيَكَ، فَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الْحَقَّ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ لاَ يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِل (2) . ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي لَمْ يَعْمَل بِالْفُتْيَا الأُْولَى لَزِمَ الْمُفْتِيَ إِعْلاَمُهُ بِرُجُوعِهِ، لأَِنَّ الْعَامِّيَّ يَعْمَل بِهَا لأَِنَّهَا قَوْل الْمُفْتِي، وَإِذَا رَجَعَ عَنْهَا فَلَيْسَتْ قَوْلاً لَهُ فِي تِلْكَ الْحَال. وَإِنْ كَانَ قَدْ عَمِل بِهَا قَال النَّوَوِيُّ: يَلْزَمُهُ إِعْلاَمُهُ حَيْثُ يَجِبُ النَّقْضُ. (3) أَيْ إِذَا خَالَفَ قَاطِعًا مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، لأَِنَّ مَا رَجَعَ عَنْهُ قَدِ اعْتَقَدَ بُطْلاَنَهُ. 38 - وَإِنْ رَجَعَ الْمُفْتِي عَنْ فُتْيَاهُ، أَوْ تَبَيَّنَ __________ (1) حديث: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 318) ومسلم (3 / 1342) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (2) إعلام الموقعين 1 / 86. (3) المجموع للنووي 1 / 45، والبحر المحيط 6 / 304. خَطَؤُهُ، فَلَيْسَ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَسْتَنِدَ فِي الْمُسْتَقْبَل إِلَيْهَا فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى مُمَاثِلَةٍ. وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ وَمَضَى فَلَهُ أَحْوَالٌ: أ - إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُفْتِيَ خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ لاَ مُعَارِضَ لَهَا أَوْ خَالَفَ الإِْجْمَاعَ، أَوِ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، يُنْقَضُ مَا عَمِل، فَإِنْ كَانَ بَيْعًا فَسَخَاهُ، وَإِنْ كَانَ نِكَاحًا وَجَبَ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا، وَإِنْ كَانَ اسْتَحَل بِهَا مَالاً وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ إِلَى أَرْبَابِهِ. ب - إنْ كَانَتْ فُتْيَاهُ الأُْولَى عَنِ اجْتِهَادٍ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، فَلاَ يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِيَ نَقْضُ مَا عَمِل، لأَِنَّ الاِجْتِهَادَ لاَ يُنْقَضُ بِالاِجْتِهَادِ، وَالْفُتْيَا فِي هَذَا نَظِيرُ الْقَضَاءِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْطَى الإِْخْوَةَ لأُِمٍّ الثُّلُثَ، وَحَرَمَ الإِْخْوَةَ الأَْشِقَّاءَ، ثُمَّ وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ أُخْرَى فَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بِمِثْل ذَلِكَ، فَقَال لَهُ بَعْضُ الأَْشِقَّاءِ: هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا، أَلَيْسَتْ أُمُّنَا وَاحِدَةً؟ فَشَرَكَ بَيْنَهُمْ فِي الثُّلُثِ، فَقِيل لَهُ فِي نَقْضِ الأُْولَى فَقَال: تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا نَقْضِي، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ النِّكَاحَ، فَرَأَوْا أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يُفَارِقَهَا. (1) __________ (1) المجموع للنووي 1 / 45، والبحر المحيط 6 / 304، وشرح المنتهى 3 / 502، والأشباه والنظائر للسيوطي ص101، 102، قاعدة: (الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد) . ضَمَانُ مَا يَتْلَفُ بِنَاءً عَلَى الْخَطَأِ فِي الْفَتْوَى: 39 - إِنْ أَتْلَفَ الْمُسْتَفْتِي بِنَاءً عَلَى الْفُتْيَا شَيْئًا، كَأَنْ قَتَل فِي شَيْءٍ ظَنَّهُ الْمُفْتِي رِدَّةً، أَوْ قَطَعَ فِي سَرِقَةٍ لاَ قَطْعَ فِيهَا، أَوْ جَلَدَ بِشُرْبٍ لاَ يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ - كَمَنْ شَرِبَ مُكْرَهًا - فَمَاتَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِي عَلَى أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: قَوْل الْمَالِكِيَّةِ، عَلَى مَا نَقَلَهُ الدُّسُوقِيُّ عَنِ الْحَطَّابِ: أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ شَيْئًا وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا ضَمِنَ إِنِ انْتَصَبَ وَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ فِعْل مَا أَفْتَى فِيهِ، وَإِلاَّ كَانَتْ فَتْوَاهُ غُرُورًا قَوْلِيًّا لاَ ضَمَانَ فِيهِ، وَيُزْجَرُ. فَأَمَّا إنْ كَانَ جَاهِلاً لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ بِالْعِلْمِ أُدِّبَ. (1) الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَكْسُ هَذَا، قَال النَّوَوِيُّ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الإِْسْفِرَايِينِيِّ: إِنَّ الْمُفْتِيَ يَضْمَنُ إِنْ كَانَ أَهْلاً لِلْفَتْوَى فَبَانَ خَطَؤُهُ وَأَنَّهُ خَالَفَ الْقَاطِعَ، وَلاَ يَضْمَنُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً لأَِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ قَصَّرَ - أَيْ بِسُؤَالِهِ مَنْ لَيْسَ أَهْلاً - كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلاَحِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَاسْتَشْكَلَهُ النَّوَوِيُّ، وَمَال إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى قَوْلَيِ الْغُرُورِ فِي بَابَيِ الْغَصْبِ وَالنِّكَاحِ، أَوْ يُقْطَعُ بِعَدَمِ __________ (1) الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 20. الضَّمَانِ إِذْ لاَ إِلْجَاءَ فِي الْفَتْوَى وَلاَ إِلْزَامَ. وَذَهَبَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى مِثْل قَوْل أَبِي إِسْحَاقَ (1) . الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَهْلاً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِلاَّ ضَمِنَ، وَقَاسَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْمُتَطَبِّبِ الْجَاهِل، وَهُوَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ (2) ، وَلِكَوْنِهِ غَرَّ الْمُسْتَفْتِيَ بِتَصَدُّرِهِ لِلْفَتْوَى وَهُوَ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ. (3) الإِْمَامُ وَشُئُونُ الْفَتْوَى: 40 - عَلَى الإِْمَامِ نَصْبُ الْمُفْتِينَ فِي الْمَنَاطِقِ الْمُتَبَاعِدَةِ إِنْ ظَهَرَتِ الْحَاجَةُ وَلَمْ يُوجَدْ مُتَبَرِّعُونَ بِالْفُتْيَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَلاَ يَنْصِبُ إِلاَّ مَنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلاً وَعَلَيْهِ الْكِفَايَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِمَنْ يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْوَال الْمُفْتِينَ: فَيَمْنَعُ مَنْ يَتَصَدَّرُ لِذَلِكَ وَلَيْسَ بِأَهْلٍ، أَوْ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُسِيءُ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُحْجَرُ عَلَى الْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَالطَّبِيبِ الْجَاهِل وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ، وَمُرَادُهُمْ بِالْمَاجِنِ: مَنْ يُعَلِّمُ الْحِيَل الْبَاطِلَةَ، __________ (1) المجموع 1 / 45، وروضة الطالبين 11 / 107، وإعلام الموقعين 4 / 225. (2) حديث: " من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن ". أخرجه أبو داود (4 / 710) والحاكم (4 / 213) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (3) شرح المنتهى 3 / 502، وإعلام الموقعين 4 / 226. كَمَنْ يُعَلِّمُ الزَّوْجَةَ أَنْ تَرْتَدَّ لِتَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا، أَوْ يُعَلِّمُ مَا تَسْقُطُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَا مَنْ يُفْتِي عَنْ جَهْلٍ (1) . وَقَال الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَال الْمُفْتِينَ، فَمَنْ صَلَحَ لِلْفُتْيَا أَقَرَّهُ، وَمَنْ لاَ يَصْلُحُ مَنَعَهُ وَنَهَاهُ وَتَوَاعَدَهُ بِالْعُقُوبَةِ إِنْ عَادَ، قَال: وَطَرِيقُ الإِْمَامِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْفُتْيَا أَنْ يَسْأَل عَنْهُ عُلَمَاءَ وَقْتِهِ، وَيَعْتَمِدَ إِخْبَارَ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ. (2) وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: مَنْ أَفْتَى وَلَيْسَ بِأَهْلٍ فَهُوَ آثِمٌ عَاصٍ، وَمَنْ أَقَرَّهُمْ مِنْ وُلاَةِ الأُْمُورِ فَهُوَ آثِمٌ أَيْضًا، وَنُقِل عَنِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ قَوْلُهُ: يَلْزَمُ وَلِيَّ الأَْمْرِ مَنْعُهُمْ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَدُل الرَّكْبَ وَلاَ يَعْلَمُ الطَّرِيقَ، وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرْشِدُ النَّاسَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ أَعْمَى، بَل أَسْوَأُ حَالاً، وَإِذَا تَعَيَّنَ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ مَنْعُ مَنْ لَمْ يُحْسِنِ الطِّبَّ مِنْ مُدَاوَاةِ الْمَرْضَى فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ. (3) حُكْمُ الاِسْتِفْتَاءِ: 41 - اسْتِفْتَاءُ الْعَامِّيِّ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ حُكْمَ الْحَادِثَةِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، لِوُجُوبِ الْعَمَل حَسَبَ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَلأَِنَّهُ إِذَا أَقْدَمَ عَلَى الْعَمَل مِنْ __________ (1) ابن عابدين على الدر المختار 5 / 93. (2) المجموع للنووي 1 / 41. (3) إعلام الموقعين 4 / 217. غَيْرِ عِلْمٍ فَقَدْ يَرْتَكِبُ الْحَرَامَ، أَوْ يَتْرُكُ فِي الْعِبَادَةِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ، قَال الْغَزَالِيُّ: الْعَامِّيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ سُؤَال الْعُلَمَاءِ، لأَِنَّ الإِْجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ مُكَلَّفٌ بِالأَْحْكَامِ، وَتَكْلِيفُهُ طَلَبَ رُتْبَةِ الاِجْتِهَادِ مُحَالٌ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى انْقِطَاعِ الْحَرْثِ وَالنَّسْل، وَتَعَطُّل الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ، وَإِذَا اسْتَحَال هَذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ سُؤَال الْعُلَمَاءِ وَوُجُوبُ اتِّبَاعِهِمْ. (1) وَقَال النَّوَوِيُّ: مَنْ نَزَلَتْ بِهِ حَادِثَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ عِلْمُ حُكْمِهَا، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الاِسْتِفْتَاءُ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِبَلَدِهِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّحِيل إِلَى مَنْ يُفْتِيهِ وَإِنْ بَعُدَتْ دَارُهُ، وَقَدْ رَحَل خَلاَئِقُ مِنَ السَّلَفِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ اللَّيَالِيَ وَالأَْيَّامَ. (2) مَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُفْتِيهِ فِي وَاقِعَتِهِ: 42 - إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُكَلَّفُ مَنْ يُفْتِيهِ فِي وَاقِعَتِهِ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِالْعَمَل إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، لاَ مِنَ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ وَلاَ مِنْ تَقْلِيدٍ، لأَِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ بِمَا لاَ يُطَاقُ، وَلأَِنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الْعِلْمُ بِهِ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ إِذَا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الأَْدِلَّةُ وَتَكَافَأَتْ فَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّرْجِيحُ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا قَبْل وُرُودِ الشَّرْعِ، وَكَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ. (3) __________ (1) المستصفى للغزالي 2 / 124 القاهرة، المكتبة التجارية 1356هـ. (2) المجموع للنووي 1 / 54 وانظر الموافقات للشاطبي 4 / 261. (3) الموافقات 4 / 291، والمجموع للنووي 1 / 58. وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُخَرَّجُ حُكْمُهَا عَلَى الْخِلاَفِ فِي مَسْأَلَةِ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ، وَفِيهَا الأَْقْوَال: أَنَّهُ يَأْخُذُ بِالأَْشَدِّ، أَوْ بِالأَْخَفِّ، أَوْ يَتَخَيَّرُ. ثُمَّ قَال: وَالصَّوَابُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى الْحَقَّ بِجَهْدِهِ وَمَعْرِفَةِ مِثْلِهِ وَيَتَّقِيَ اللَّهَ، قَال: وَقَدْ نَصَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْحَقِّ أَمَارَاتٍ كَثِيرَةً، وَلَمْ يُسَوِّ بَيْنَ مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَسْخَطُهُ مِنْ كُل وَجْهٍ، بِحَيْثُ لاَ يَتَمَيَّزُ هَذَا مِنْ هَذَا، وَالْفِطَرُ السَّلِيمَةُ تَمِيل إِلَى الْحَقِّ وَتُؤْثِرُهُ، فَإِنْ قُدِّرَ ارْتِفَاعُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَإِنْ كَانَ مُكَلَّفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهَا. (1) مَعْرِفَةُ الْمُسْتَفْتِي حَال مَنْ يَسْتَفْتِيهِ: 43 - يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي إِنْ وَقَعَتْ لَهُ حَادِثَةٌ أَنْ يَسْأَل مُتَّصِفًا بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْكَمَال بْنِ الْهُمَامِ: الاِتِّفَاقُ عَلَى حِل اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ بِالاِجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ، أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا وَالنَّاسُ يَسْتَفْتُونَهُ مُعَظِّمِينَ لَهُ، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ مِنَ الاِسْتِفْتَاءِ إِنْ ظَنَّ عَدَمَ أَحَدِهِمَا أَيْ عَدَمَ الاِجْتِهَادِ أَوِ الْعَدَالَةِ. (2) وَقَال النَّوَوِيُّ: يَسْأَل الْمُسْتَفْتِي مَنْ عَرَفَ عِلْمَهُ وَعَدَالَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْعِلْمَ بَحَثَ عَنْهُ __________ (1) إعلام الموقعين 4 / 219. (2) رد المحتار 4 / 301. بِسُؤَال النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْعَدَالَةَ فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَأَشْبَهُهُمَا: الاِكْتِفَاءُ، لأَِنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَال الْعُلَمَاءِ الْعَدَالَةُ، بِخِلاَفِ الْبَحْثِ عَنِ الْعِلْمِ فَلَيْسَ الْغَالِبُ مِنَ النَّاسِ الْعِلْمَ. (1) وَقَال النَّوَوِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي قَطْعًا الْبَحْثُ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ أَهْلِيَّةَ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ لِلإِْفْتَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِأَهْلِيَّتِهِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى الْعِلْمِ، وَانْتَصَبَ لِلتَّدْرِيسِ وَالإِْقْرَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنَاصِبِ الْعُلَمَاءِ بِمُجَرَّدِ انْتِسَابِهِ وَانْتِصَابِهِ لِذَلِكَ، وَيَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنِ اسْتَفَاضَ كَوْنُهُ أَهْلاً لِلْفَتْوَى، وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنَّمَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: أَنَا أَهْلٌ لِلْفَتْوَى، لاَ شُهْرَتُهُ بِذَلِكَ، وَلاَ يُكْتَفَى بِالاِسْتِفَاضَةِ وَلاَ بِالتَّوَاتُرِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الأَْوَّل. (2) تَخَيُّرُ الْمُسْتَفْتِي مَنْ يُفْتِيهِ: 44 - إِنْ وَجَدَ الْمُسْتَفْتِي أَكْثَرَ مِنْ عَالِمٍ، وَكُلُّهُمْ عَدْلٌ وَأَهْلٌ لِلْفُتْيَا، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَهُمْ يَسْأَل مِنْهُمْ مَنْ يَشَاءُ وَيَعْمَل بِقَوْلِهِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَعْيَانِهِمْ لِيَعْلَمَ أَفْضَلَهُمْ عِلْمًا فَيَسْأَلَهُ، بَل __________ (1) روضة الطالبين 11 / 103. (2) المجموع 1 / 54. لَهُ أَنْ يَسْأَل الأَْفْضَل إِنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ سَأَل الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الْفَاضِل، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (1) ، وَبِأَنَّ الأَْوَّلِينَ كَانُوا يَسْأَلُونَ الصَّحَابَةَ مَعَ وُجُودِ أَفَاضِلِهِمْ وَأَكَابِرِهِمْ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ سُؤَالِهِمْ. وَقَال الْقَفَّال وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالإْسْفَرايِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ إِلاَّ سُؤَال الأَْعْلَمِ وَالأَْخْذُ بِقَوْلِهِ. (2) مَا يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِيَ إِنِ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَجْوِبَةُ الْمُفْتِينَ: 45 - إِنْ سَأَل الْمُسْتَفْتِي أَكْثَرَ مِنْ مُفْتٍ، فَاتَّفَقَتْ أَجْوِبَتُهُمْ، فَعَلَيْهِ الْعَمَل بِذَلِكَ إِنِ اطْمَأَنَّ إِلَى فَتْوَاهُمْ. وَإِنِ اخْتَلَفُوا، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالسَّمْعَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ لَيْسَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ وَيَتْرُكُ مَا شَاءَ، بَل عَلَيْهِ الْعَمَل بِنَوْعٍ مِنَ التَّرْجِيحِ، ثُمَّ ذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ __________ (1) سورة النحل / 43. (2) روضة الطالبين للنووي 11 / 104، والمجموع 1 / 54، والبحر المحيط 6 / 311، وإعلام الموقعين 4 / 261. التَّرْجِيحَ يَكُونُ بِاعْتِقَادِ الْمُسْتَفْتِي فِي الَّذِينَ أَفْتَوْهُ أَيُّهُمْ أَعْلَمُ، فَيَأْخُذُ بِقَوْلِهِ، وَيَتْرُكُ قَوْل مَنْ عَدَاهُ. قَال الْغَزَالِيُّ: التَّرْجِيحُ بِالأَْعْلَمِيَّةِ وَاجِبٌ، لأَِنَّ الْخَطَأَ مُمْكِنٌ بِالْغَفْلَةِ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، وَبِالْحُكْمِ قَبْل تَمَامِ الاِجْتِهَادِ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ، وَالْغَلَطُ أَبْعَدُ عَنِ الأَْعْلَمِ لاَ مَحَالَةَ، كَالْمَرِيضِ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ طَبِيبَانِ، فَإِنْ خَالَفَ أَفْضَلَهُمَا عُدَّ مُقَصِّرًا، وَيُعْلَمُ أَفْضَل الطَّبِيبَيْنِ أَوِ الْعَالِمَيْنِ بِتَوَاتُرِ الأَْخْبَارِ، وَبِإِذْعَانِ الْمَفْضُول لَهُ، وَبِالتَّسَامُعِ وَالْقَرَائِنِ دُونَ الْبَحْثِ عَنْ نَفْسِ الْعِلْمِ، وَالْعَامِّيُّ أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخَالِفَ الأَْفْضَل بِالتَّشَهِّي. اهـ. وَقَال الشَّاطِبِيُّ: لاَ يَتَخَيَّرُ، لأَِنَّ فِي التَّخْيِيرِ إِسْقَاطَ التَّكْلِيفِ، وَمَتَى خَيَّرْنَا الْمُقَلِّدِينَ فِي اتِّبَاعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَرْجِعٌ إِلاَّ اتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ وَالْهَوَى فِي الاِخْتِيَارِ، وَلأَِنَّ مَبْنَى الشَّرِيعَةِ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الأَْمْرِ اهـ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمُفْتِي: فَإِنَّهُ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَيِّ الرَّأْيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ دُونَ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إِجْمَاعًا كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَال الْغَزَالِيُّ: إِنْ تَسَاوَى الْمُفْتِيَانِ فِي اعْتِقَادِ الْمُسْتَفْتِي، وَعَجَزَ عَنِ التَّرْجِيحِ تَخَيَّرَ، لأَِنَّ هَذَا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ وَصَاحِبُ الْمَحْصُول: عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ بِالأَْمَارَاتِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَالْبَاطِل لاَ يَسْتَوِيَانِ فِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ. وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ يَكُونُ بِالأَْخْذِ بِالأَْشَدِّ احْتِيَاطًا، وَقَال الْكَعْبِيُّ: يَأْخُذُ بِالأَْشَدِّ فِيمَا كَانَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَأْخُذُ بِالأَْيْسَرِ. وَالأَْصَحُّ وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ تَخَيُّرَ الْعَامِّيِّ بَيْنَ الأَْقْوَال الْمُخْتَلِفَةِ لِلْمُفْتِينَ جَائِزٌ، لأَِنَّ فَرْضَ الْعَامِّيِّ التَّقْلِيدُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِتَقْلِيدِهِ لأَِيِّ الْمُفْتِيَيْنِ شَاءَ. (1) أَدَبُ الْمُسْتَفْتِي مَعَ الْمُفْتِي: 46 - يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي حِفْظُ الأَْدَبِ مَعَ الْمُفْتِي، وَأَنْ يُجِلَّهُ وَيُعَظِّمَهُ لِعِلْمِهِ وَلأَِنَّهُ مُرْشِدٌ لَهُ (2) . وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ عِنْدَ هَمٍّ أَوْ ضَجَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَل الْقَلْبَ. (3) وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالْحُجَّةِ وَالدَّلِيل؟ فَقَال ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لَهُ ذَلِكَ لأَِجْل احْتِيَاطِهِ لِنَفْسِهِ، وَيَلْزَمُ الْعَالِمَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الدَّلِيل إِنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، لإِِشْرَافِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ، وَلاَ __________ (1) شرح المنتهى للبهوتي الحنبلي 3 / 458، وابن عابدين 4 / 303، وإعلام الموقعين 4 / 254، 264، والمجموع للنووي 1 / 56، والبحر المحيط للزركشي 6 / 318، 113، والمستصفى للغزالي 2 / 125، والموافقات 4 / 130، 133، 262. (2) شرح المنتهى 3 / 457، والمجموع 1 / 57. (3) شرح المنتهى 3 / 457. يَلْزَمُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِصِحَّتِهِ، لاِفْتِقَارِهِ إِلَى اجْتِهَادٍ يَقْصُرُ عَنْهُ فَهْمُ الْعَامِّيِّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَشَارِحُ الْمُنْتَهَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَنْبَغِي لِلْعَامِّيِّ أَنْ لاَ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالدَّلِيل، قَال الْخَطِيبُ: فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ تَسْكُنَ نَفْسُهُ لِسَمَاعِ الْحُجَّةِ طَلَبَهَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ قَبُول الْفُتْيَا مُجَرَّدَةً. (1) وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ السُّؤَال، وَالسُّؤَال عَمَّا لاَ يَنْفَعُ فِي الدِّينِ، وَالسُّؤَال عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَأَنْ يَسْأَل عَنْ صِعَابِ الْمَسَائِل، وَعَنِ الْحِكْمَةِ فِي الْمَسَائِل التَّعَبُّدِيَّةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْلُغَ بِالسُّؤَال حَدَّ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ، وَأَنْ يَسْأَل عَلَى سَبِيل التَّعَنُّتِ وَالإِْفْحَامِ وَطَلَبِ الْغَلَبَةِ فِي الْخِصَامِ (2) ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَال إِلَى اللَّهِ الأَْلَدُّ الْخَصِمُ. (3) هَل يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِيَ الْعَمَل بِقَوْل الْمُفْتِي؟ 47 - لاَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي الْعَمَل بِقَوْل الْمُفْتِي لِمُجَرَّدِ إِفْتَائِهِ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل، وَلَكِنْ قَدْ يَجِبُ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا: أ - أَنْ لاَ يَجِدَ إِلاَّ مُفْتِيًا وَاحِدًا، فَيَلْزَمُهُ الْعَمَل بِقَوْلِهِ. __________ (1) المجموع 1 / 57، وشرح المنتهى 3 / 457. (2) الموافقات للشاطبي 4 / 319 - 321. (3) حديث: " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 106) ومسلم (4 / 2054) من حديث عائشة. وَكَذَا إِنِ اتَّفَقَ قَوْل مَنْ وَجَدَهُ مِنْهُمْ، أَوْ حَكَمَ بِقَوْل الْمُفْتِي حَاكِمٌ. (1) ب - أَنْ يُفْتِيَهُ بِقَوْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ جَوَازِ مُخَالَفَةِ الإِْجْمَاعِ (2) . ج - أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَفْتَاهُ هُوَ الأَْعْلَمَ الأَْوْثَقَ. (3) د - إِذَا اسْتَفْتَى الْمُتَنَازِعَانِ فِي حَقٍّ فَقِيهًا، وَالْتَزَمَا الْعَمَل بِفُتْيَاهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْعَمَل بِمَا أَفْتَاهُمَا. فَلَوِ ارْتَفَعَا إِلَى قَاضٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ مَا أَفْتَاهُمَا بِهِ الْفَقِيهُ لَزِمَهُمَا فُتْيَا الْفَقِيهِ فِي الْبَاطِنِ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الظَّاهِرِ، قَالَهُ السَّمْعَانِيُّ، وَقِيل: يَلْزَمُهُمَا حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. (4) هـ - إِذَا اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْتَاهُ فَعَمِل بِفَتْوَاهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَلَوِ اسْتَفْتَى آخَرَ فَأَفْتَاهُ بِغَيْرِ فَتْوَى الأَْوَّل لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، نَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ الْهِنْدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ (5) . حُكْمُ الْمُسْتَفْتِي إِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ إِلَى الْفُتْيَا: 48 - قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمُسْتَفْتِي لاَ تُخَلِّصُهُ __________ (1) المجموع 1 / 56، وشرح المنتهى 3 / 458، والبحر المحيط 6 / 316. (2) البحر المحيط 6 / 316. (3) المجموع 1 / 56. (4) البحر المحيط 6 / 315 - 316. (5) شرح المنتهى 3 / 458. فَتْوَى الْمُفْتِي مِنَ اللَّهِ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَْمْرَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلاَفِ مَا أَفْتَاهُ، كَمَا لاَ يَنْفَعُهُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِذَلِكَ، لِحَدِيثِ: مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا، (1) وَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَلاَ يَظُنُّ الْمُسْتَفْتِي أَنَّ مُجَرَّدَ فَتْوَى الْفَقِيهِ تُبِيحُ لَهُ مَا سَأَل عَنْهُ، سَوَاءٌ تَرَدَّدَ أَوْ حَاكَ فِي صَدْرِهِ، لِعِلْمِهِ بِالْحَال فِي الْبَاطِنِ، أَوْ لِشَكِّهِ فِيهِ، أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِجَهْل الْمُفْتِي، أَوْ بِمُحَابَاتِهِ لَهُ فِي فَتْوَاهُ، أَوْ لأَِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْفَتْوَى بِالْحِيَل وَالرُّخَصِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنَ الثِّقَةِ بِفَتْوَاهُ وَسُكُونِ النَّفْسِ إِلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ عَدَمُ الثِّقَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، لأَِجْل الْمُفْتِي يَسْأَل ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى تَحْصُل لَهُ الطُّمَأْنِينَةُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا، وَالْوَاجِبُ تَقْوَى اللَّهِ بِحَسَبِ الاِسْتِطَاعَةِ (2) . اهـ. __________ (1) حديث: " من قضيت له بحق أخيه شيئًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 288) من حديث أم سلمة. (2) إعلام الموقعين 4 / 254. 2 |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
5 - الفتوى
لغة: الفتوى هى الجواب عما يُشكل من المساك الشرعية أو القانونية، والجمع: فتاوٍ وفتاوى ويقال أفتى فى المسألة: أبان الحكم فيها، فالإفتاء هو إبانة الأحكام فى المسائل الشرعية أو القانونية أو غيرها مما يتعلق بسؤال السائل، والمفتى: هو من يتصدر للإفتاء والفتوى بين الناس، وهو فقيه تعينه الدولة ليجيب عما يُشكل من المسائل الشرعية والجمع مفتون، ودار الفتوى: هى مكان المفتى، والفتيا هى الفتوى فى المسألة المشكلة (1). شرعا: لايختلف المعنى الشرعى للفتوى والإفتاء عن هذه المعانى اللغوية، فالفتوى: هى بيان الحكم الشرعى فى مسألة من المسائل مؤيدا بالدليل من القرآن الكريم أو السنة النبوية أو الاجتهاد. وهى ضرورية للناس لأنهم لايمكن أن يكونوا جميعا علماء بالأحكام، ولو انقطعوا لتحصيل ذلك حتى يبلغوا مرتبة الاجتهاد، لتعطل العمل وتوقفت الحياة فكان من رحمة الله تعالى بالأمة أن جعل منها علماء ومقالدين وأوجب على العامة من المقلدين أن يستفتوا العلماء فيما يجهلونه فقال: {{فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}} الأنبياء:7. وأوجب على العلماء أن يفتوهم ويجيبوهم ويبينوا لهم الأحكام فقال صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) (أخرجة أبو داود والترمذى وابن ماجه) (2). ويجب على العامى أن يتوجه بالسؤال إلى من يثق بعلمه وعدالته فإذا جهل حاله كفاه أن يراه مشهورا بين الناس بذلك، ومع هذا الا تبرأ ذمته بالعمل بفتواه إلا إذا أطمأن قلبه إليها، فإذا كان يعلم أن الأمر فى الواقع على خلاف الفتوى لم يبرأ من الإثم، وإن كان المفتى أعلم العلماء. وعن مكانة المفتى ومسئوليته يقول الشاطبى، رحمه الله (ت 790هـ): "المفتى قائم فى الأمة مقام النبى صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك أمور: أحدها: النقل الشرعى فى الحديث: (إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولادرهما وإنما ورثوا العلم) (أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه) (3). الثانى: أنه نائب عنه فى تبليغ الأحكام، بقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) (4) وقوله: (بلغوا عنى ولو آية) (5). الثالث: أن المفتى شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول من صاحبها وإما مستنبط من المنقول: فالأول: يكون فيه مبلغا، والثانى: يكون فيه قائما مقامه فى إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع. وعلى الجملة، فالمفتى مخبر عن الله كالنبى وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبى، ونافذ أمره فى الأمة بمنشور الخلافة كالنبى، ولذلك سموا أولى الأمر، وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله فى قوله تعالى {{ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم}} النساء:59، والأدلة على هذا المعنى كثيرة (6). وتحصل الفتوى من المفتى من جهة القول كأن يسأل فيجيب، ومن جهة الفعل كأن يفعل ويقتدى به، ومن جهة الإقرار كأن يرى عملا من شخص فيقره عليه، ولاتصح الفتيا إذا خالفت مقتضى العلم سواء كانت قولا أم فعلا أم تقريرا. والمفقى البالغ ذروة الدرجة هو الذى يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال (7). صفات المفتى: ينبغى أن يتصف المفتى بخمس صفات نقلها ابن القيم عن الإمام أحمد فقال: "لا ينبغى للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها أن تكون له نية فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويا على ماهو فيه وعلى معرفته، الرابعة: الكفايه وإلا مضغه الناس، الخامسة: معرفة الناس" (8). فإن هذه الخمسة هى دعائم الفتوى وأى شىء انقضى منها ظهر الخلل فى المفتى بحسبه. واجبات المفتى: يجب على المفتى أمور منها ما أشار إليه ابن القيم فى كتابه "إعلام الموقعين" قال: "ليس للمفتى الفتوى فى حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو هم مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغل مسئول عليه، أو حال مدافعة الأخبثين، بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى (9). ومنها أن يتحرى الحكم بما يرضى ربه، ويجعل نصب عينيه قوله سبحانه: {{وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}} المائدة:49. فلا يصح له أن يعتمد فى فتواه على مجرد وجود الحكم بين أقوال الفقهاء، بل يجب عليه أن يتحرى ماهو أرجح منها تبعا لقوة الدليل (10). ويجوز لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يفتى بما حفظه من مذاهب الفقهاء المعروفين إذا فهم أصولهم وأحسن التصرف فى تطبيقها، وتتفق الفتوى مع القضاء فى أنه لابد لكل من القاضى والمفتى من أمرين أولهما: فقه الحادثه التى يريد الإفتاء أوالقضاء بها. ثانيهما: فقه الحكم الشرعى لهذه الحادثة. ويفترقان فى أمور: 1 - أن الإفتاء أوسع مجالا من القضاء، فيصح الإفتاء من الحر والعبد والرجل والمرأة والبعيد والقريب والأجنبى والصديق، بخلاف القضاء ففيه خلاف فى: 2 - أن القضاء ملزم للخصوم، ونافذ فيهم بخلاف الإفتاء. 3 - أن القضاء بما يخالف فتوى المفتى نافذ ولا يعد نقضا لقضاء سابق بخلاف القضاء بما يخالف قضاء سابقا فلا ينفذ. 4 - المفتى لا يقضى إلا إذا ولى القضاء، ولكن القاضى يفتى بل ويجب عليه الإفتاء إذا تعين له. أ. د/محمد نبيل غنايم __________ الهامش: 1 - المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية (2/ 673). 2 - سنن أبى داود حديث 3658، سنن الترمذى حديث 3651، سنن ابن ماجه حديث 261. 3 - سنن الترمذى ح 2683، سنن ابى داود ح 3641، سنن ابن ماجه ح 223. 4 - جزء من خطبة الوداع، متفق عليه. 5 - رواه البخارى: 6/ 361. 6 - الموافقات للشاطبى 4/ 162 - 163. 7 - السابق 4/ 163 - 174. 8 - إعلام الموقعين لابن القيم 4/ 199. 9 - السابق 4/ 227. 10 - انظر أصول التشريع الإسلامى على حسب الله ص112 |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
قانون تنظيم الفتوى في السعودية.
1431 رمضان - 2010 م أصدر الملك عبدالله بن عبدالعزيز أمرًا ملكيًا بقصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء ومن يتم الإذن لهم بالفتوى ممن ترى هيئة كبار العلماء فيهم القدرة على الوفاء بمسئولية الفتوى. واستثنى الملك السعودي من ذلك الفتاوى الفردية الخاصة غير المعلنة في أمور العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، بشرط أن تكون خاصة بين السائل والمسئول، وعلى أن يمنع منعًا باتًا التطرق لشواذ من الآراء، ومفردات أهل العلم المرجوحة، وأقوالهم المهجورة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
الإحكام، في تمييز الفتوى عن الأحكام، وتصرف القاضي والإمام
لشهاب الدين، أبي العباس: أحمد بن إدريس المالكي، القرافي. المتوفى: سنة 684، أربع وثمانين وستمائة. ذكر فيه: أنه ادعى الفرق بين الفتوى والحكم، فأنكر بعضهم، فألفه: ردا عليه. وهو مجلد. مشتمل على: أربعين مسألة. أوله: (الحمد لله المالك لجميع الأكوان ... ) . |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
آداب الفتوى
للشيخ: محمد بن محمد المقدسي. المتوفى: سنة ثمان وثمانمائة. ولجلال الدين: عبد الرحمن السيوطي. المتوفى: سنة 911. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
إقدار الرائض، على الفتوى في الفرائض
لأبي إسحاق: إبراهيم بن عمر السوسي، الشافعي. المتوفى: سنة 858. أوله: (الحمد لله الذي فرض الفرائض ... الخ) . رتب على: فاتحة، وأحد وستين بابا، وخاتمة. ذكر فيه: مذاهب الصحابة، فمن بعدهم من أئمة المذاهب الباقية. وفرغ: في 28 صفر، سنة سبع وأربعين وثمانمائة. |