المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
الرّحمة:[في الانكليزية] Mercy ،clemency [ في الفرنسية] Misericorde clemence بالفتح وسكون الحاء المهملة لغة رقّة القلب وانعطاف يقتضي التّفضّل والإحسان، وهي من الكيفيات التابعة للمزاج، والله سبحانه منزّه عنها، فإطلاقه عليه مجاز عمّا يترتّب عليه من إنعامه على عباده، كالغضب فإنّه لغة ثوران النفس وهيجانها عند إرادة الانتقام، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد به المنتهى والغاية. ولذا قيل أسماء الله تعالى إنّما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي تكون انفعالات.وذكر بعض المحققين أنّ الرحمة من صفات الذات وهي إرادة إيصال الخير ودفع الشّر.فالباري سبحانه رحمن ورحيم لأنّ إرادته أزلية، ومعنى ذلك أنّه تعالى أراد في الأزل أن ينعم على عبيده المؤمنين فيما لا يزال. وقال آخرون هي من صفات الفعل وهي إيصال الخير ودفع الشرّ، ونسبتها إليه سبحانه عبارة عن عطاء الله تعالى العبد ما لا يستحقّه من المثوبة ودفع ما يستوجبه من العقوبة. وقيل هي ترك عقوبة من يستحقّ العقوبة. وذكر الإمام الرازي في مفاتيح الغيب أنّ الرحمة لا تكون إلّا لله تعالى لأنّ الجود هو إفادة ما ينبغي لا لغرض، وكل أحد غير الله إنّما يعطي ليأخذ عوضا، إلّا أنّ العوض أقسام. منها جسمانية كمن أعطى دينارا ليأخذ كرباسا. ومنها روحانية وهي أقسام. أحدها إعطاء المال لطلب الخدمة. والثاني إعطاؤه لطلب الثناء الجميل. والثالث إعطاؤه لطلب الإعانة. والرابع إعطاؤه لطلب الثّواب الجزيل.والخامس إعطاؤه لدفع الرّقة الجنسية عن القلب. والسادس إعطاؤه ليزيل حبّ المال عن قلبه، فكلّ من أعطى إنّما يعطي لغرض تحصيل الكمال، فيكون ذلك في الحقيقة معاوضة. وأمّا الحقّ سبحانه فهو كامل في نفسه فيستحيل أن يعطي ليستفيد به كمالا.اعلم أنّ الفرق بين الرحمن والرحيم أنّ الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة، وخصوص اللفظ في الرحمن بمعنى أنّه لا يجوز أن يسمّى به لما سوى الله تعالى.وعموم المعنى من حيث إنّه يشتمل على جميع الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع والدفع. وعموم اللفظ في الرحيم من حيث اشتراك المخلوقين في التسمية به. وخصوص المعنى لأنّه يرجع إلى اللطف والتوفيق المخصوصين بالمؤمنين. وفي الرحمن مبالغة في معنى الرحمة ليست في الرحيم، هي إمّا بحسب شموله للدارين واختصاص الرحيم بالدنيا كما وقع في الأثر (يا رحمن الدنيا والآخرة ويا رحيم الدنيا)، وإمّا بحسب كثرة أفراد المرحومين وقلتها كما ورد (يا رحمن الدنيا ويا رحيم الآخرة)، فإنّ رحمة الدنيا تعم المؤمن والكافر ورحمة الآخرة تخص المؤمن، وإما باعتبار جلالة النّعم ودقتها فيقصد بالرحمن رحمة زائدة بوجه ما. وعلى هذا يحمل في قولهم يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها، فالمراد بالرحمن نوع من الرحمة أبعد من مقدورات العباد وهي ما يتعلّق بالسعادة الأخروية، والرحمن هو العطوف على عباده بالإيجاد أولا والهداية ثانيا والإسعاد في الآخرة ثالثا والإنعام بالنظر إلى وجه الكريم رابعا.والأقوال للمفسرين في الفرق بينهما كثيرة، فإن شئت الاطلاع عليها فارجع إلى أسرار الفاتحة.وقال أبو البقاء الكفوي الحنفي في كلياته:اعلم أنّ جميع أسماء الله تعالى ثلاثة أقسام:أسماء الذات وأسماء الأفعال وأسماء الصفات.والبسملة مشتملة على أفضل الأقسام الثلاثة.فلفظ الله اسم للذات المستجمع لجميع الكمالات. ولفظ الرحمن اسم لفعل الرحمة على العباد في الدنيا والآخرة شيئا فشيئا من حيث حدوث المرحومين وحدوث حاجاتهم، فمتعلّقه أثر منقطع فيشتمل المؤمن والكافر. ولفظ الرحيم اسم لصفة الرحمة الثابتة الدائمة فيختصّ في حقّ المؤمن، فمتعلّقه أثر غير منقطع. فعلى هذا الرحيم أبلغ من الرحمن انتهى.
قال الصوفية: الرحمانية هي الظهور لحقيقة الأسماء والصفات، وهي بين ما يختص به من ذاته كالأسماء الذاتية وبين ما له وجه إلى المخلوقات كالعالم والقادر ونحوهما ممّا له تعلّق إلى الحقائق الوجودية. فالرحمانية اسم جميع المراتب الحقّية دون الخلقية، فهي أخصّ من الألوهية لانفرادها بما يتفرّد الحقّ سبحانه. والألوهية جميع الأحكام الحقيّة والخلقية. فالرحمانية جمع بهذا الاعتبار أعزّ من الألوهية لأنها عبارة عن ظهور الذات في المراتب العليّة وتقدّسها عن المراتب الدنيّة، وليس للذات في مظاهرها مظهر يختصّ بالمراتب العليّة بحكم الجمع إلّا المرتبة الرحمانية، فنسبتها إلى الألوهية نسبة النبات إلى القصب، فالنبات على مرتبة توجد في القصب، والقصب توجد فيه النبات وغيره. فإن قلت بأفضلية النبات بهذا الاعتبار فالرحمانية أفضل.وإن قلت بأفضلية القصب لعمومه وجمعه له ولغيره فالألوهية أفضل. والاسم الظاهر في المرتبة الرحمانية هو الرحمن، وهو اسم يرجع إلى الأسماء الذاتية والأوصاف النفسية وهي سبعة: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر. والأسماء الذاتية كالأحدية والواحدية والصّمدية ونحوها. واختصاص هذه المرتبة بهذا الاسم للرحمة الشاملة لكلّ المراتب الحقّية والخلقية فإنّه لظهورها في المراتب الحقّية ظهرت المراتب الخلقية، فصارت الرحمة عامة في جميع الموجودات فإن شئت الزيادة فارجع إلى الإنسان الكامل. وفي الاصطلاحات الصوفية لكمال الدين:الرحمن اسم للحقّ باعتبار الجمعية الأسمائية التي في الحضرة الإلهية الفائض منها الوجود وما يتبعه من الكمالات على جميع الممكنات.والرحيم اسم له باعتبار فيضان الكمالات المعنوية على أهل الإيمان كالمعرفة والتوحيد.والرحمة الامتنانية هي الرحمانية المقتضية للنّعم السابقة على العمل، وهي التي وسعت كلّ شيء في قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والرحمة الوجوبية هي الرحمة الموعودة للمتّقين والمحسنين في قوله تعالى فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وفي قوله تعالى إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ انتهى. |
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
|
رَحْمَة
من (ر ح م) الخير والنعمة، والعطف والشفقة. |
|
برحمة
عن الفارسية بيرحم من بي النافية ورحم العربية فيكون المعنى غليظ القلب والقاسي. |
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
الرَّحْمَةُ، ويُحَرَّكُ: الرِقَّةُ، والمَغْفِرَةُ، والتَّعَطُّفُ،كالمَرْحَمَةِ والرُّحْمِ، بالضم وبضمَّتَيْنِ، والفِعْلُ كعَلِمَ.ورَحَّمَ عليه تَرْحِيماً،وتَرَحَّمَ، والأولى الفُصْحَى،والاسمُ الرُّحْمَى: قال له رَحِمَهُ اللهُ.ورَهَبوتٌ خيرٌ لَكَ من رَحَمُوتٍ، لم يُسْتَعْمَلْ إلاَّ مُزْدَوِجاً، أي: أن تُرْهَبَ خيرٌ لكَ من أن تُرْحَمَ.و {{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ}} ، أي: بنُبُوَّتِهِ.والرِّحْمُ، بالكسر وككتِفٍ: بيتُ مَنْبِتِ الوَلَدِ، ووِعاؤُه،والقَرَابَةُ، أو أصْلُهَا وأسبابُهاج: أرْحَامٌ.وأُمٌّ رُحْمٍ، بالضم،وأُمُّ الرُّحْمِ: مكةُ.والمَرْحُومَةُ: المدينَةُ، شَرَّفَهما اللهُ تعالى.والرَّحومُ والرَّحْماءُ: التي تَشْتَكِي رَحِمَها بعدَ الوِلاَدَةِ، فَتَموتُ منهُ،وقد رَحُمَتْ، ككرُمَ وفَرِحَ وعُنِيَ، رَحَامَةً ورحْماً ويُحَرَّكُ، أو هو داءٌ يأخُذُ في رَحِمِها، فلاَ تَقْبَلُ اللِّقاحَ، أو أن تَلِدَ فلا يَسْقُطَ سَلاها.وشاةٌ راحِمٌ: وارِمَةُ الرَّحِمِ.ومحمدُ بنُ رَحْمَوَيْهِ، كَعَمْرَوَيْهِ،ورُحَيْمٌ، كزُبَيْرٍ، ابنُ مالِكٍ الخَزْرَجِيُّ، وابنُ حَسَنٍ الدِّهْقانُ،ومَرْحومٌ العَطَّارُ: محدِّثُونَ.ورَحْمةُ: من أسمائِهِنَّ.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الرَّحْمَة: إفَاضَة الْخَيْر وَإِرَادَة إيصاله وترسم تاؤها فِي الْقُرْآن الْمجِيد مُطَوَّلَة فِي الْبَقَرَة نَحْو {{أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله}} . وَفِي الْأَعْرَاف نَحْو {{إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ}} . أَي إحسانه فَلَا إِشْكَال - وَفِي (هود) نَحْو {{رَحْمَة الله وَبَرَكَاته}} - وَفِي (مَرْيَم) و {{ذكر رَحْمَة رَبك}} - وَفِي (الرّوم) نَحْو {{فَانْظُر إِلَى آثَار رَحْمَة الله}} - وَفِي (الزخرف) فِي موضِعين نَحْو {{أهم يقسمون رَحْمَة رَبك. وَرَحْمَة رَبك خير مِمَّا يجمعُونَ}} .
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الرَّحمة: بالكسر وبفتح الراء وكسرِ الحاء منبت الولد ورعاؤه في البطن، ثم سمِّي القرابة والوصلة من جهة الولاد.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تسهيل المنافع في الطب والحكمة، المشتمل على: شفاه الأجسام وكتاب الرحمة
للشيخ: إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق. أوله: (الحمد لله المتعالي عن الأنداد... الخ). ذكر فيه: أنه جمع فيه بين هذين الكتابين. وزاد عليهما: من: (اللقط) لابن الجوزي، و(برء الساعة)، و(تذكرة السويدي)، و... غيره. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الرَّحْمَةُ: إِرَادَة الْخَيْر من الله لأَهْلهَا.
|
المخصص
|
أَبُو عُبَيْد: الرّحْم والرَّحْمة، وَأنْشد: وَمن ضَريبته التّقوى ويعصمه من سيئ العَثَراتِ اللهُ والرُّحُمُ وَكَانَ أَبُو عَمْرو يقْرَأ وَأقرب رُحُما.
ابْن دُرَيْد: الرّحْم والرُّحُم وَاحِد، رَحِمَه رَحْمَةً ورُحْماً ومَرْحَمَةً. أَبُو عُبَيْد: وَهِي الرّحْمى، والرَّحْموت. |
معجم الصحابة للبغوي
|
أبو ثابت سعد بن عبادة الأنصاري رحمة الله عليه
حدثني ابن الأموي نا أبي //224// عن ابن إسحاق فيمن شهد العقبة: سعد بن عبادة بن دليم بن [حارثة] بن أبي [خزيمة بن ثعلبة بن طريف] بن الخزرج بن ساعدة وكان نقيبا. حدثنا ابن زنجويه نا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن حرام بن عثمان عن ابني جابر عن جابر قال: سعد بن عبادة من النقباء من الأنصار. حدثني أحمد بن زهير قال: سمعت سعد بن عبد الحميد يقول: سعد بن عبادة من الخزرج عقبي نقيب. قال ابن زهير: وأنا [ابن] المدائني |
معجم الصحابة للبغوي
|
أبو محمد عبد الرحمن بن عوف
كان يسكن المدينة ومات بها رحمة الله. حدثني إبراهيم بن هانىء نا أحمد بن حنبل نا إبراهيم بن خالد نا رباح عن معمر ح. وحدثني هارون بن موسى الفروي نا [ابن فليح] عن موسى بن عقبة عن الزهري فيمن شهد بدرا: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
112- مزيد النّفع بما رجح فيه الوقف على الرفع.
|
|
المفسر، المقرئ: محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة، علم الدين ابن القاضي شمس الدين السَّعدي، المصري الإخنائي الشافعي.
ولد: سنة (664 هـ) أربع وستين وستمائة. من مشايخه: الأبرقوهي، وابن دقيق العيد وغيرهما. من تلامذته: الذهبي وغيره. كلام العلماء فيه: * معجم شيوخ الذهبي: "قاضي القضاة ... من نبلاء العلماء، وقضاة السداد ... قد برع في تفسير القرآن وشرح جملة من صحيح البخاري، وكان أحد الأذكياء ولي قضاء الشام ... وكان يبالغ في الاحتجاب عن الحاجات، فتعطلت أمور كثيرة، ودائرة علمه ضيقة ولكنه وقور، قليل الشر" أ. هـ. * المعجم المختص: "كان حسن المذاكرة، يقظًا صدرًا معظمًا شديد الأحكام كبير القدر .. إلا أنه كان محتجبًا عن حوائج المسلمين .. " أ. هـ. * طبقات الشافعية للسبكي: "كان رجلًا حسنًا دينًا محبًا للعلم ... " أ. هـ. * ذيول العبر: "كان دينًا عادلًا، وحدث بالكثير، وكان من شهود الخزانة" أ. هـ. ¬__________ (¬1) لم نجده في البداية والنهاية ولعله ذكره في غيره. * طبقات المفسرين للداودي (2/ 100)، البداية والنهاية (14/ 168)، الدرر الكامنة (4/ 27)، ذيول العبر (175)، طبقات الشافعية للسبكي (9/ 309)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 373)، الوافي (2/ 269)، المعجم المختص (180)، الشذرات (8/ 180)، معجم شيوخ الذهبي (601)، المقفى (5/ 443). * البداية والنهاية: "كان عفيفًا نزهًا ذكيًا سار العبارة، محبًا للفضائل، معظمًا لأهلها كثيرًا لإسماع الحديث في العادلية الكبيرة" أ. هـ. وفاته: سنة (732 هـ) اثنتين وثلاثين وسبعمائة. |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
معنى الرحمة لغة واصطلاحاً.
معنى الرحمة لغة:. قال الجوهري: الرحمة: الرقة والتعطف (¬1).. وقال ابن منظور: والرَّحْمَةُ في بني آدم عند العرب رِقَّةُ القلب وعطفه (¬2).. ومنها الرَّحِم: وهي عَلاقة القرابة، ثم سمِّيت رَحِمُ الأنثى رَحِماً من هذا، لأنّ منها ما يكون ما يُرْحَمُ وَيُرَقّ له مِن ولد (¬3).. وقد تطلق الرحمة ويراد بها ما تقع به الرحمة كإطلاق الرحمة على الرزق والغيث (¬4). معنى الرحمة اصطلاحاً:. (الرَّحْمَةُ رقّة تقتضي الإحسان إلى الْمَرْحُومِ، وقد تستعمل تارة في الرّقّة المجرّدة، وتارة في الإحسان المجرّد عن الرّقّة) (¬5). وقيل: (هي رقة في النفس تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه) (¬6). وقال عبد الرحمن الميداني: (الرحمة رقة في القلب يلامسها الألم حينما تدرك الحواس أو يتصور الفكر وجود الألم عند شخص آخر أو يلامسها السرور حينما تدرك الحواس أو يتصور الفكر وجود المسرة عند شخص آخر) (¬7). ¬_________. (¬1) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (5/ 1929) و ((معجم مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/ 498).. (¬2) ((لسان العرب)) لابن منظور (12/ 230).. (¬3) ((معجم مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/ 498).. (¬4) ((لسان العرب)) (12/ 230).. (¬5) ((مفردات القرآن)) للراغب (1/ 347).. (¬6) ((التحرير والتنوير)) لابن عاشور (26/ 21).. (¬7) ((الأخلاق الإسلامية وأسسها)) (2/ 3). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
مقتضى الرحمة.
ومقتضى الرحمة هو إيصال الخير إلى الغير, حتى وإن كان هذا الخير مكروهاً إليه مبغضاً من قبله, وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله:. (الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها فهذه هي الرحمة الحقيقية فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك. فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره ويمنعه شهواته التي تعود بضرره ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل) (¬1).. فأساسها قائم على ود وجزع, حب وخوف .. ود وحب للمرحوم يدفع الراحم إلى إرادة الخير له والسعي في إيصاله إليه, وجزع وخوف على المرحوم من أن يقع في مكروه أو يصيبه أذى.. قال الجاحظ: (الرّحمة خلق مركّب من الودّ والجزع، والرّحمة لا تكون إلّا لمن تظهر منه لراحمه خلّة مكروهة، فالرّحمة هي محبّة للمرحوم مع جزع من الحال الّتي من أجلها رحم) (¬2).. ¬_________. (¬1) ((إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان)) (2/ 174).. (¬2) ((تهذيب الأخلاق للجاحظ)) (ص 24). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
الفرق بين الرحمة والرأفة.
الرحمة والرأفة كلمتان مترادفتان في المعنى إلا أن بينهما فرق لطيف, فبينهما عموم وخصوص مطلق, فالرأفة خاصة في دفع المكروه عن المرحوم بينما الرحمة تشمل هذا المعنى وغيره.. قال ابن عاشور: (والرأفة: رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرؤوف به. يقال: رؤوف رحيم. والرحمة: رقة تقتضي الإحسان للمرحوم، بينهما عموم وخصوص مطلق) (¬1).. وقال القفال: (الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: 2] أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الانفصال والإنعام) (¬2). وقال أبو البقاء الكفوي: (الرحمة هي أن يوصل إليك المسار والرأفة هي أن يدفع عنك المضار ... فالرحمة من باب التزكية والرأفة من باب التخلية والرأفة مبالغة في رحمة مخصوصة هي رفع المكروه وإزالة الضر فذكر الرحمة بعدها في القرآن مطرداً لتكون أعم وأشمل) (¬3). وقيل أن: (الرأفة أشد من الرحمة)، وقيل: (الرحمة أكثر من الرأفة، والرأفة أقوى منها في الكيفية، لأنها عبارة عن إيصال النعم صافية عن الألم) (¬4).. ¬_________. (¬1) ((التحرير والتنوير)) (10/ 239).. (¬2) ((مفاتيح الغيب)) (4/ 93).. (¬3) ((الكليات)) لأبي البقاء الكفوي (1/ 742).. (¬4) ((الفروق اللغوية)) (1/ 246). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
فضل الرحمة.
الرحمة خلق سام, وسجية عظيمة لا بد أن يتخلق بها المؤمن ويتصف بها, فهي من مبادئ الإسلام الأساسية, وأخلاقه الكريمة.. وتتجلى أهميتها في أن الله عز وجل تسمَّى واتصف بها, فمرة باسم الرحمن ومرة باسم الرحيم فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.. قال تعالى: الرحمن الرحيم فجمعهما الله في مكان واحد لتستغرقان جميع معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها (¬1).. وتكمن أهمية هذه الصفة أيضاً في كونها ركيزة من أهم الركائز التي يقوم عليها المجتمع المسلم بجميع أفراده, يستشعرون من خلالها معنى الوحدة والألفة فيصيرون كالجسد الواحد الذي يشتكي إذا اشتكى أحد أعضائه ويئن إذا أنَّ.. ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (¬2).. وتتضح أهميتها أيضاً في أن أهلها مخصوصون برحمة الله تبارك وتعالى دون سواهم, معنيون بها دون غيرهم فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) (¬3).. كما تتضح أهميتها في جوانب أخرى سنعرض لها عند ذكر الآيات والأحاديث الدالة على هذه الصفة العظيمة والسجية الكريمة.. ¬_________. (¬1) ((صحيح مسلم)) (2586).. (¬2) رواه البخاري (6011)،ومسلم (2586) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.. (¬3) رواه أبو داود (4941)، والترمذي (1924)، وأحمد (2/ 160) (6494) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (3522). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
الترغيب والحث على الرحمة في القرآن والسنة.
الترغيب والحث على الرحمة من القرآن الكريم:. ذكر الله هذه الصفة العظيمة في غير آية من كتابه الكريم, إما في معرض تسميه واتصافه بها, أو في معرض الامتنان على العباد بما يسبغه عليهم من آثارها, أو تذكيرهم بسعتها, أو من باب المدح والثناء للمتصفين بها المتحلين بمعانيها, أو غير ذلك من السياقات.. وسنذكر بعض هذه السياقات القرآنية والتي يتضح من خلالها مقدار هذا الخلق العظيم الذي أثنى الله على أصحابه, وحث على التخلق به واكتسابه.. تسميه جل وعلا باسم الرحمن والرحيم واتصافه بصفة الرحمة:. وهذا كثير جداً في القرآن نذكر منه على سبيل المثال لا الحصر:. - قال الله تبارك وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: 2 - 3] فقد سمى الله نفسه بهذين الاسمين المشتملين على صفة الرحمة, قال ابن عباس: (هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة) (¬1).. - ومن ذلك بيان أن من كمال رحمته قبول توبة التائبين, والتجاوز عن المسيئين, قال تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 37]. وقوله تعالى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: 102].. - ومن ذلك أيضاً بيان أن من رحمته عدم مؤاخذة الناس بذنوبهم, أو عقابهم بأخطائهم ومعاصيهم, وأنه لو فعل لعاجلهم بالعذاب, قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف: 58].. - ومن ذلك امتنانه على الخلق بأن رحمته وسعت كل شيء, وأنها رغم سعتها لا يستحقها إلا الذين اتقوه واستجابوا لأمره, قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 156].. - ومن ذلك امتنانه على خلقه بما شرع لهم من أحكام وأن ذلك من كمال رحمته ورأفته بهم. قال تعالى: وكذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة: 143].. - ومن ذلك أن الله جعل هذه الصفة خلق لصفوة خلقه وخيرة عباده وهم الأنبياء والمرسلين, ومن سار على نهجهم من المصلحين, فقد قال الله تعالى ممتناً على رسوله صلى الله عليه وسلم على ما ألقاه في قلبه من فيوض الرحمة جعلته يلين للمؤمنين ويرحمهم ويعفو عنهم, ويتجاوز عن أخطائهم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: 159].. أي فبسبب رحمة من الله أودعها الله في قلبك يا محمد، كنت هينا لين الجانب مع أصحابك، مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك (¬2).. ¬_________. (¬1) ((تفسير البغوي)) (1/ 51).. (¬2) ((صفوة التفاسير)) للصابونى (1/ 154). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
أقسام الرحمة.
أقسامها من حيث المدح والذم:. إن في خلق الرحمة ما هو محمود – وهو الأصل – وما هو مذموم.. أما المحمود فهو ما ذكرناه آنفاً واستدللنا عليه من كتاب الله وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بما يغني عن إعادة ذكره هنا.. - وأما المذموم: فهو ما حصل بسببه تعطيل لشرع الله أو تهاون في تطبيق حدوده وأوامره, كمن يشفق على من ارتكب جرماً يستحق به حداً, فيحاول إقالته والعفو عنه, ويحسب أن ذلك من رحمة الخلق وهو ليس من الرحمة في شيء, بل الرحمة هي إقامة الحد على المذنب, والرأفة هي زجره عن غيِّه وردُّه عن بغيه بتطبيق حكم الله فيه, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (إنَّ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ كُلَّهَا أَدْوِيَةٌ نَافِعَةٌ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهَا مَرَضُ الْقُلُوبِ وَهِيَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ الدَّاخِلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فَمَنْ تَرَكَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ النَّافِعَةَ لِرَأْفَةِ يَجِدُهَا بِالْمَرِيضِ فَهُوَ الَّذِي أَعَانَ عَلَى عَذَابِهِ وَهَلَاكِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ إلَّا الْخَيْرَ إذْ هُوَ فِي ذَلِكَ جَاهِلٌ أَحْمَقُ) (¬1).. لذا نهى الله تعالى المؤمنين أن تأخذهم رأفة أو رحمة في تطبيق حدود الله وإقامة شرعه فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: 2]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إِنَّ دِينَ اللَّهِ هُوَ طَاعَتُهُ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ الْمَبْنِيَّ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا؛ فَإِنَّ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ مَا لَمْ تَكُنْ مُضَيِّعَةً لِدِينِ اللَّهِ) (¬2).. ومن الرحمة المذمومة ما كانت سببا في فساد المرحوم وهلاكه, كما يفعل كثير من الآباء من ترك تربية الأبناء وتأديبهم وعقوبتهم رحمة بهم, وعطفاً عليهم, فيتسببون في فسادهم وهلاكهم وهم لا يشعرون قال شيخ الإسلام: (مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ الْجُهَّالِ بِمَرْضَاهُمْ وَبِمَنْ يُرَبُّونَهُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَغِلْمَانِهِمْ وَغَيْرِهِمْ فِي تَرْكِ تَأْدِيبِهِمْ وَعُقُوبَتِهِمْ عَلَى مَا يَأْتُونَهُ مِنْ الشَّرِّ وَيَتْرُكُونَهُ مِنْ الْخَيْرِ رَأْفَةً بِهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ فَسَادِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ) (¬3).. ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (إن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها فهذه هي الرحمة الحقيقية فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره ويمنعه شهواته التي تعود بضرره ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل كرحمة الأم) (¬4).. أقسامهما من حيث الغريزة والاكتساب:. يقول العلامة السعدي رحمه الله: (والرحمة التي يتصف بها العبد نوعان:. النوع الأول: رحمة غريزية، قد جبل الله بعض العباد عليها، وجعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والحنان على الخلق، ففعلوا بمقتضى هذه الرحمة جميع ما يقدرون عليه من نفعهم، بحسب استطاعتهم. فهم محمودون مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم.. والنوع الثاني: رحمة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة، تجعل قلبه على هذا الوصف، فيعلم العبد أن هذا الوصف من أجل مكارم الأخلاق وأكملها، فيجاهد نفسه على الاتصاف به، ويعلم ما رتب الله عليه من الثواب، وما في فواته من حرمان الثواب; فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك. ويعلم أن الجزاء من جنس العمل. ويعلم أن الأخوة الدينية والمحبة الإيمانية، قد عقدها الله وربطها بين المؤمنين، وأمرهم أن يكونوا إخوانا متحابين، وأن ينبذوا كل ما ينافي ذلك من البغضاء، والعداوات، والتدابر) (¬5).. ¬_________. (¬1) ((مجموع الفتاوى)) (15/ 291).. (¬2) ((مجموع الفتاوى)) (15/ 290).. (¬3) ((مجموع الفتاوى)) (15/ 291).. (¬4) ((إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان)) (2/ 174).. (¬5) ((بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار)) (270). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
فوائد الرحمة وآثارها.
للتحلي بخلق الرحمة فوائد عظيمة وثمار جليلة, فما إن يتحلى المؤمن بهذه الحلية ويتجمل بهذه السجية حتى تظهر آثارها وتؤتي أكلها .. ليس عليه فقط بل عليه وعلى من حوله, وسنعرض لبعض هذه الآثار والفوائد إجمالاً, فمن ذلك:. 1. أنها سبب للتعرض لرحمة الله, فأهلها مخصوصون برحمته جزاء لرحمتهم بخلقه.. 2. ومن أعظم ثمارها أن المتحلي بها يتحلى بخلق تحلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.. 3. أن من ثمارها محبة الله للعبد, ومن ثم محبة الناس له.. 4. أنها ركيزة عظيمة ينبني عليها مجتمع مسلم متماسك يحس بعضه ببعض, ويعطف بعضه على بعض, ويرحم بعضه بعضاً.. 5. أنها تشعر المرء بصدق انتمائه للصف المسلم, إذ أن من لا يرحم لا يستحق أن يكون فرداً في المجتمع أو جزء منه لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)) (¬1).. 6. على قدر حظ الإنسان من الرحمة تكون درجته عند الله تبارك وتعالى, لذا كان الأنبياء هم أشد الناس رحمة, وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أوفرهم حظاً منها.. 7. أنها سبب لمغفرة الله تبارك وتعالى وكريم عفوه, كما أن نقيضها سبب في سخطه وعذابه.. 8. أن في الاتصاف بها دليل على أن الإسلام دين رحمة للبشرية لا كما يقول أعداؤه أنه دين يقوم على العنف وسفك الدماء.. 9. ومن أعظم فوائدها أنها خلق متعدٍ إلى جميع خلق الله من إنسان أو حيوان, بعيد أو قريب, مسلم أو غير مسلم.. 10. أنها سبب للالتفات إلى ضعفة المجتمع من الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام والكبار والعجزة, فمجتمع يخلو من هذا الخلق لا يلتفت فيه إلى هؤلاء ولا يهتم بشأنهم.. وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي يجنيها المجتمع المسلم من هذا الخلق الكريم.. ¬_________. (¬1) رواه الترمذي (1920)، وأحمد (2/ 185) (6733) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وصححه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (7692)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (5444). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
صور الرحمة.
ولعلنا بعد هذا نستعرض بعضاً من مظاهر الرحمة وجانباً من تطبيقاتها على الواقع ومن ذلك:. 1 - شفقة الإمام برعيته, وتجنب ما من شأنه أن يجلب المشقة لهم:. عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: ((أعتم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة، حتّى ذهب عامّة اللّيل، وحتّى نام أهل المسجد ثمّ خرج فصلّى، فقال: إنّه لوقتها لولا أن أشقّ على أمّتي)) (¬1).. عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((إذا صلّى أحدكم للنّاس فليخفّف، فإنّ في النّاس الضّعيف والسّقيم وذا الحاجة)) (¬2).. 2 - الأمر بالتوسط في العبادات وعدم الإشقاق على النفس وإجهادها:. عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه. قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا. وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه)) (¬3).. 3 - البر بالوالدين .. وخفض جناح الذل من الرحمة لهما:. عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: ((سألت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أيّ العمل أحبّ إلى الله عزّ وجلّ؟ قال: الصّلاة على وقتها. قال: ثمّ أيّ؟ قال: برّ الوالدين. قال: ثمّ أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله)) (¬4).. عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: هاجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل من اليمن. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ((هجرت الشّرك ولكنّه الجهاد. هل باليمن أبواك؟. قال: نعم. قال: أذنا لك قال: لا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ارجع إلى أبويك فإن فعلا، وإلّا فبرّهما)) (¬5).. 3 - الحث على الاستيصاء بالمرأة خيراً والإحسان إليها:. ((استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنهن عوانٌ عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)) (¬6).. 4 - الشفقة على الأبناء والعطف عليهم والحزن إذا أصابهم مكروه:. عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: جاء أعرابيّ إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: تقبّلون الصّبيان فما نقبّلهم، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ((أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرّحمة)) (¬7).. وعن أسامة بن زيد- رضي الله عنهما- قال أرسلت ابنة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إليه: إنّ ابنا لي قبض، فأتنا. فأرسل يقرأ السّلام ويقول: ((إنّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلّ عنده بأجل مسمّى. فلتصبر ولتحتسب. فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها. فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الصّبيّ ونفسه تتقعقع, قال حسبته أنّه قال: كأنّها شنّ ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟. فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنّما يرحم الله من عباده الرّحماء)) (¬8).. 5 - الرحمة بمن هم تحت اليد من العبيد والخدم والعمال وغيرهم:. ¬_________. (¬1) رواه مسلم (638).. (¬2) رواه البخاري (703)، ومسلم (467).. (¬3) رواه البخاري (43)، مسلم (785).. (¬4) رواه البخاري (527)، ومسلم (85).. (¬5) رواه أبو داود (2530)، أحمد (3/ 75) (11739)، وابن حبان (2/ 165) (422). وصحح إسناده الحاكم، وحسن إسناده الهيثمي في ((المجمع)) (8/ 138)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (892).. (¬6) رواه مسلم (1218) بلفظ مقارب، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.. (¬7) رواه البخاري (5998) من حديث عائشة رضي الله عنه.. (¬8) رواه البخاري (1284)، ومسلم (923) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه. |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
الأسباب المعينة على التخلق بخلق الرحمة.
يقول العلامة السعدي رحمه الله: (فلا يزال العبد يتعرف الأسباب التي يدرك بها هذا الوصف الجليل، ويجتهد في التحقق به، حتى يمتلئ قلبه من الرحمة، والحنان على الخلق. ويا حبذا هذا الخلق الفاضل، والوصف الجليل الكامل. وهذه الرحمة التي في القلوب، تظهر آثارها على الجوارح واللسان، في السعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم) (¬1).. وهاك أخي الكريم بعض الأسباب المعينة على التخلق بهذا الخلق الكريم والسجية العظيمة:. من أهم الأسباب المعينة على التخلق بهذا الخلق الكريم القراءة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتدبر في معالمها, والتأسي به في مواقف رحمته صلى الله عليه وسلم.. مجالسة الرحماء ومخالطتهم, والابتعاد عن ذوي الغلظة والفضاضة, فالمرء يكتسب من جلسائه طباعهم وأخلاقهم.. تربية الأبناء على هذا الخلق العظيم ومحاولة غرسه في قلوبهم, ومتى نشأ الناشئ على الرحمة ثبتت في قلبه وأصبحت سجية له.. معرفة جزاء الرحماء وثوابهم , وأنهم هم الجديرون برحمة الله دون غيرهم, ومعرفة عقوبة الله لأصحاب القلوب القاسية, فإن هذا مما يدفع للرحمة ويردع عن القسوة.. معرفة الآثار المترتبة عن التحلي بهذا الخلق, والثمار التي يجنيها الرحماء في الدنيا قبل الآخرة.. الاختلاط بالضعفاء والمساكين وذوي الحاجة فإنه مما يرقق القلب ويدعو إلى الرحمة والشفقة بهؤلاء وغيرهم.. 7 - التعرض لرحمة الله والسعي وراء أسبابها, فالله تبارك وتعالى لا يرحم إلا الرحماء.. ¬_________. (¬1) ((بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار)) (ص189). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
نماذج من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم:.
قال تعالى واصفاً نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128].. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالناس وأرأفهم بهم, وعندما نقول (الناس) فإننا لا نعني المؤمنين فقط, ولكننا نعني المؤمنين ومن لم يكن يدين بدين الإسلام أصلاً, بل إن رحمته صلى الله عليه وسلم تعدت ذلك إلى الحيوان والجماد وسنعرض هنا بعض النماذج من رحمته صلى الله عليه وسلم:. رحمته صلى الله عليه وسلم بالكفار:. - (عن عائشة- رضي الله عنها- زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّها قالت للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟. قال: ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت. وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثمّ قال: يا محمّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا)) (¬1).. يقول الإمام ابن حجر رحمه الله: (في هذا الحديث بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على قومه ومزيد صبره وحلمه وهو موافق لقوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: 159] , وقوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: 107]). (¬2). رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان:. عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: ((أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ذات يوم فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدفا أو حائش نخل قال فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه فسكت فقال: من رب هذا الجمل لمن هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه)) (¬3).?. - عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: ((كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمّرة فجعلت تفرّش جاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها ورأى قرية نمل قد حرّقناها، فقال: من حرّق هذه؟. قلنا: نحن، قال: إنّه لا ينبغي أن يعذّب بالنّار إلّا ربّ النّار)) (¬4).. رحمته بالجماد:. - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها)) (¬5).. ¬_________. (¬1) رواه البخاري (3231).. (¬2) ((فتح الباري)) ابن حجر (6/ 316).. (¬3) رواه أبو داود (2549)، وأحمد (1/ 204) (1745). وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) (2269).. (¬4) رواه أبو داود (2675). وصحح إسناده النووي في ((رياض الصالحين)) (455)، وجوَّد إسناده ابن مفلح في ((الآداب الشرعية)) (3/ 357).. (¬5) رواه البخاري (3584). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
قالوا عن الرحمة:.
يقول العلامة السعدي رحمه الله عن علامة وجود الرحمة في قلب العبد: (وعلامة الرحمة الموجودة في قلب العبد، أن يكون محبا لوصول الخير لكافة الخلق عموما، وللمؤمنين خصوصا، كارها حصول الشر والضرر عليهم. فبقدر هذه المحبة والكراهة تكون رحمته) (¬1).. فمتى ما وجدت هذه العلامة في قلب العبد دلت على أن قلبه عامر بالرحمة, مفعم بالرأفة.. وقال الرافعي:. (إن الرحمة الإنسانية التي هي وحدها الحقيقة الكبرى إنما هي هذا الحب، بادئًا من الولد لأبويه، وهو الحب الخاص؛ ثم من المحب لحبيبته، وهو الحب الأخص، ثم من الإنسان للإنسانية، وهو الحب مطلقًا بعمومه وبغير أسبابه الملجئة من الحاجة والغريزة؛ وهي درجات كدرجات الحياة نفسها من طفولتها إلى شبابها إلى الشيخوخة، ومن العاطفة إلى الرغبة إلى العقل) (¬2).. وقال مصطفى لطفي المنفلوطي:. (إن الرحمة كلمة صغيرة .. ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها, والشمس في حقيقتها.. لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا مغبون ولا مهضوم ولأقفرت الجفون من المدامع ولاطمأنت الجنوب في المضاجع. ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.. أيها الإنسان ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها ولم يترك لها غير صبية صغار ودموع غزار ارحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتؤثر الموت على الحياة.. ارحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك ومرآة نفسك وخادمة فراشك لأنها ضعيفة ولأن الله قد وكل أمرها إليك وما كان لك أن تكذب ثقته بك.. ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه فإنك إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين.. ارحم الجاهل لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم ولا تتخذ عقله متجراً تربح فيه ليكون من الخاسرين. ارحم الحيوان لأنه يحس كما تحس ويتألم كما تتألم ويبكي بغير دموع ويتوجع. ارحم الطير لا تحبسها في أقفاصها ودعها تهيم في فضائها حيث تشاء وتقع حيث يطيب لها التغريد والتنقير إن الله وهبها فضاء لا نهاية لها فلا تغتصبها حقها فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها أطلق سبيلها وأطلق سمعك وبصرك وراءها لتسمع تغريدها فوق الأشجار وفي الغابات وعلى شواطئ الأنهار وترى منظرها وهي طائرة في جو السماء فيخيل إليك أنها أجمل من منظر الفلك الدائر والكوكب السيار.. أيها السعداء أحسنوا إلى البائسين والفقراء, وامسحوا دموع الأشقياء وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) (¬3).. ¬_________. (¬1) ((بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار)) (ص189).. (¬2) ((وحي القلم)) للرافعي (3/ 11).. (¬3) ((مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة)) (ص: 88). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
الرحمة في واحة الشعر ...
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر:. بادر إلى الخير يا ذا اللب مغتنما ... ولا تكن من قليل العرف محتشما. واشكر لمولاك ما أولاك من نعمٍ ... فالشكر يستوجب الإفضال والكرما. وارحم بقلبك خلقَ الله وارعَهُم ... فإنَّما يرحم اللهُ منْ رَحِما. وقال الحافظ زين الدين العراقي:. إنْ كنتَ لا ترحم المسكين إن عَدِما ... ولا الفقير إذا يشكو لك العَدما. فكيف ترجو من الرحمن رحمته ... وإنَّما يرحم الرحمنُ من رَحِما. وقال الحافظ أبو الفضل بن حجر:. إنّ منْ يرحمُ أهلَ الأرضِ قد عَدِما ... جاءنا يرحمه من في السَّما. فارحمِ الخلقَ جميعاً إنّما ... يرحمُ الرحمنُ منّا الرُّحما. وقال الحافظ رضوان:. الحبُّ فيكَ مسلسلٌ بالأوّل ... فاحْنِنْ ولا تسمع كلامَ العُذَّلِ. ارحمْ عبادَ الله يا من قد علا ... من يرحمِ السُّفلاء يرحمْه العلي. وقال صاحبنا الشهاب المنصوري:. يا ملوكَ الجمال نحن أُسارى ... في هواكم وقد عدمنا الفداءَ. فارحمونا فإنَّما يرحم اللـ ... ـه تعالى من خلقه الرحماءَ. وقال أيضاً:. أخْلِقْ بمن يظلم أن يُظلما ... وبالذي يرحم أن يُرحما. من لم يكن يرحم بالقلب منْ ... في الأرض لم يرحمه من في السَّما. وقال أيضاً:. إن تُرِدْ أن تكونَ من رحمة اللـ ... ـه قريباً وفي النعيم مقيما. فارحمِ الناسَ رأفةً واعف عنهم ... إنَّما يرحمُ الرحيم الرحيما. وقال أبو الفتح محمد بن أحمد الكندي:. سامحْ أخاك الدَّهر مهما بدَتْ ... منه ذنوبٌ وقعُها يعظُمُ. وارحم لتلقى رحمة في غدٍ ... فربُّنا يرحمُ من يرحمُ (¬1). وقال ابن معصوم المدني:. معصيتي أعظمُ من طاعَتي ... لكن رجائي منهما أعظمُ. وأنت ذو الرحمَة يا سيِّدي ... إن لم تكن ترحمُ من يَرحمُ. وقال السهمي:. خالل خليل أخيك وأخو إخاءه ... واعلم بأن أخا أخيك أخوكا. وبنيك ثم بني بنيك فكن بهم ... براً فإن بني بنيك بنوكا. وارفق بجدك رحمة وتعطفاً ... ترحم فإن أبا أبيك أبوكا (¬2). وقال آخر. يا راحم الضعفاء نظرة رحمة ... لمعذب مضني الفؤاد تشوقا. يرجوك فضلا أن تمن ترحما ... بشفاعة تمحو ذنوبا سبقا (¬3). وقال ابن يعقوب:. إن كنت ترجو من الرحمن رحمته ... فارحم ضعاف الورى يا صاح محترماً. واقصد بذلك وجه الله خالقنا ... سبحانه من إله قد برى النسما. واطلب جزا ذاك من مولاك رحمته ... فإنما يرحم الرحمن من رحما (¬4). وقال ابن الرومي:. أرائمتي رجِّي من اللَّه رحمةً ... مُوكَّلةً بالأمهاتِ الروائمِ. وإنّ الذي تَسترْحِمُ الأمُّ لابنِها ... بها وبه لاشكَّ أرْحَمُ راحم (¬5). وقال ابن الشوائطي:. بادر إلى الخير يا ذا اللب واللسن ... واشكر لربك ما أولى من المنن. وارحم بقلبك خلق الله كلهم ... ينلك رحمته في الموقف الخشن (¬6) .... ¬_________. (¬1) ((الازدهار في ما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار)) (ص: 98).. (¬2) ((البصائر والذخائر)) (3/ 49).. (¬3) ((ذيل نفحة الريحانة)) (ص6).. (¬4) ((الضوء اللامع)) (8/ 137).. (¬5) ((ديوان ابن الرومي)) (3/ 268).. (¬6) ((الضوء اللامع)) (5/ 174). |
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية
|
أقسام اليأس من رحمة الله.
1 - اليأس التام: وهذا يخرج من الإسلام إذا لم يوجد الرجاء معه تماما.. 2 - يأس ناقص: وهو يأس عصاة المسلمين بسب كثرة المعاصي وهذا لا يخرج من الملة ولكنه من كبائر الذنوب (¬1).. ¬_________. (¬1) انظر: ((تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)) للسعدي (1/ 629)، ((شرح العقيدة الطحاوية)) لخالد المصلح (14/ 6)، ((فتح الباري شرح صحيح البخاري)) لابن حجر (13/ 386). |
|
في الفرنسية/ Pitie
في الانكليزية/ Pity في اللاتينية/ Pietas الرحمة في اللغة رقة القلب، وانعطاف يقتضي التفضيل والاحسان. وتطلق على ارادة فعل الخير، أو على العطف على الآخرين للتخفيف من آلامهم. وفرّق بعضهم بين الرحمة والرأفة بقوله ان الرحمة ايصال المسرّة إلىالمرء، والرأفة دفع المضرة عنه، والرحمة هي الايمان، والنعمة، والرزق، والنصر، والفتح، والعافية، والمودة، والسعة والمغفرة، والعصمة، والعفو. ويختلف الشعور بالرحمة باختلاف المثل العليا التي يتصورها الناس، فإذا كانت هذه المثل العليا مبنية على القوى المادية كانت الرحمة متقطعة، وإذا كانت مبنية على القوى الروحية كانت الرحمة اثبت واوسع، ولا تنقلب الرحمة إلىمحبة حقيقية إلّا حينما يعدّ الإنسان نفسه أخا لكل انسان. والرحمة عند بعض النظار من صفات الذات، لأنّ اللَّه سبحانه أراد في الأزل أن يرحم عباده، وهي عند بعضهم الآخر من صفات الفعل، بمعنى ان اللَّه قادر على ان يعطي عبده ما لا يستحقه من المثوبة، ويدفع عنه ما يستوجبه من العقوبة. لذلك قيل ان الرحمة ترك عقوبة من يستحق العقوبة. واللَّه تعالى رحمن ورحيم، فالرحمن هو البالغ في الرحمة غايتها التي يقصر عنها كل من سواه، والعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، لا يزيد في رزق التقي بتقواه، ولا ينقص من رزق الفاجر بفجوره. والرحيم هو الرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في العاجل، ويرحمهم في الآجل. (راجع: المحبة والاحسان Charite). |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
10 - الرحمة
لغة: الرِّقَّة، والتَّعَطُّف، و "الرحمة": المغفرة، يقول الله تعالى {{ .... وهدى ورحمة للمؤمنين}} يونس:57، أى فصلناه هاديا وذا رحمة، يقول تعالى {{ .... ورحمة للذين آمنوا منكم .. }} التوبة:61. رَحِمَةُ رَحمًا، ورُحُمًا، ورَحمَة: رقَّ له، وشفق عليه، وتعطف وغفر له، يقول تعالى {{وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة}} البلد:17، أى أوصى بعضهم بعضا برحمة الضعيف، والتعطف عليه. ويقول تعالى: {{إن رحمت الله قريب من المحسنين}} الأعراف:56، أى عفوه، وعنايته، ورعايته "الرحيم": قد يكون بمعنى "المرحوم"، كما يكون بمعنى "الراحم" يقول الله تعالى {{ ...... وأقرب رحما}} الكهف:81، وقيل: "ترحمت عليه"،قلت: رحمه الله. اصطلاحا: إرادة إيصال الخير وهى: اللطف والإحسان: أى التخلص من كل آفة أو نزعة تدفع الإنسان إلى الشر، مع إيصال الخير إلى الناس، فمساعدة الضعيف رحمة، ومد يد العون للمحتاج رحمة، وتخفيف آلام الناس رحمة، وعدم القسوة على من -وما- تحت يد المرء رحمة، ومعاملة الأرحام -وخاصة الوالدين- بالحسنى رحمة. وقد ذكرت كلمة "رحمة" فى القرآن الكريم 79 مرة توزعت فى سوره، ابتداء من قوله تعالى: {{أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة}} البقرة:157، وحتى قوله تعالى {{وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة}} الحديد:27، وتدور معانيها حول رحمة الله بعباده، وذلك بإنزال النعم عليهم فى الدنيا والآخرة، وفى مقدتها بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم لهم بالهدى والرحمة، يقول تعالى {{فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة}} الأنعام:157، ويقول {{ ... وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}} الإسراء:82، ولبيان أن الرحمة لأصحاب الفضل واجبة، يقول تعالى {{واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ... }} الإسراء:24،أو التبشير بالرحمة لمن تاب وأناب، يقول تعالى {{قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}} الزمر:53، فرحمة الله قريب من المحسنين وهى لعباده المطيعين لأوامره، سواء كانت أمرا أو نهيا، كما بين القرآن الكريم أن الرحمة هى أساس العلاقة بين الزوجين، يقول الله تعالى {{ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}} الروم:21، ومدح الله بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم .... }} الفتح:29. وردت كلمة "رحمة" ومشتقاتها فى أحاديث عديدة، وكلها تدور حول: التواصل بين الناس، ووصف المؤمنين بالتراحم والتعاطف فيما بينهم، مثل: (ترى المؤمنين فى توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ... ) (البخارى: كتاب الأدب)،، و (الراحمون يرحمهم الرحمن) (سنن الترمذى: كتاب البر والصلة). كما تنفرهم من القسوة وعدم الرحمة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب " (مسند أحمد)، وقوله: (لا تنزع الرحمة إلا من شقى، وقوله: نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة، لم تلقه إلا رجيما ملعونا) (سنن ابن ماجة: كتاب الفتن)، وقوله: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) (سنن الترمذى: كتاب البر والصلة)، ولهذا نص عليها فى رد السلام: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)، ليتذكرها الناس دائما فيسود التعاطف والتالف بينهم. أ. د/محمد شامة __________ مراجع الاستزادة: 1 - لسان العرب لابن منظور. 2 - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم محمد فؤاد عبد الباقي. 3 - خلق المسلم محمد الغزالى. 4 - الأخلاق والسير ومداواة النفوس لابن حزم، تحقيق الطاهر مكى دار المعارف. 5 - أدب الدنيا والدين للمواردى |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
184 - ذو النُّون المِصْريُّ الزّاهد، رحمةُ الله عليه. اسمه ثوبان بن إبراهيم، ويقال: الفيض بن أحمد، ويقال: ابن إبراهيم أبو الفَيْض، ويقال: أبو الفيّاض الإِخميميّ. [الوفاة: 241 - 250 ه]
وأبوه نوبي. رَوَى عَنْ: مالك، واللَّيث، وابن لَهِيعة، وفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، وسلم الخواص، وجماعة. وَعَنْهُ: أحمد بن صبيح الفيومي، وربيعة بن محمد الطائي، ورضوان بن محيميد، ومقدام بن داود الرعيني، والحسن بن مصعب النخعي، والجنيد بن محمد، وغيرهم. روى سليمان بن أحمد الملطي - وهو ضعيف -، قال: حدثنا أبو قضاعة ربيعة بن محمد، قال: حدثنا ثوبان بن إبراهيم، قال: حدثنا اللَّيث بْن سعد، فذكر حديثًا. وقال محمد بْن يوسف الكِنْديّ فِي كتاب الموالي من أهل مصر: ومنهم ذو النُّون بْن إبراهيم الإخميميّ مَوْلَى لقُريش. وكان أَبُوهُ نُوبيّا. وقال الدّارَقُطْنيّ: رَوَى عن مالك أحاديث فيها نظر، وكان واعظا. -[1137]- وقال ابن يونس: كان عالمًا فصيحًا حكيمًا، أصله من النُّوبة. تُوَفّي فِي ذي القعدة سنة خمسٍ وأربعين. وقال الُّسَلميّ: حُمِل ذو النُّون إلى المتوكّل على البريد من مصر ليَعِظه سنة أربعٍ وأربعين، وكان إذا ذُكر بين يدي المتوكّل أهل الورع بكى. وقال يوسف بْن أحمد البَغْداديُّ: كان أهلُ ناحيته يسمّونه الزِّنْديق، فلمّا مات أظلّت الطَّيْرُ جنازته، فاحترموا بعد ذلك قبره. وقال أبو القاسم القُشَيْريّ: كان رجلا نحيفًا تعلوه حُمْرة، ليس بأبيض اللّحية. وقيل: كانت تعلوه صُفْرة. وعن أيوب مؤدب ذي النُّون قال: أتى أصحاب المطالب ذا النون، فخرج معهم إلى قفط وهو شابّ، فحفروا قبرًا، فوجدوا فيه لوحًا فِيهِ اسم اللَّه الأعظم، فأخذه ذو النُّون، وسلُّم إليهم ما وجدوا. وقال يوسف بْن الْحُسَيْن الرّازيّ: حضرت مجلس ذي النّون فقيل: يا أَبَا الفَيْض ما كان سبب توبتك؟ قال: أردت الخروج إلى قرى مصر فنمت في الصحراء ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة عَمياء معلّقة بمكان، فسقطت من وَكْرها، فانشقَّت الأرض، فخرج منها سُكُرُّجْتان ذَهَب وفِضّة، فِي إحداهما سمسم، وفي الأخرى ماء، فأكلت وشربت. فقلت: حَسْبي، قد تُبتُ. ولزِمتُ البابَ إلى أن قِبلني. وفي كتاب المِحَن للسُّلَميّ: أن ذا النُّون أول من تكلَّم ببلدته فِي ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية. أنكر عليه عبد الله بْن عَبْد الحَكَم، وكان رئيسَ مصر، وكان يذهب مذهب مالك، ولذلك هجره علماء مصر، حتى شاع خبره أنه أحْدَث عِلْمًا لم يتكلَّم فِيهِ السَّلَف. وهجروه حَتَّى رَمَوْه بالزَّنْدَقة. قال: فدخل عليه أخوه فقال: إن أهل مصر يقولون: إنك زِنْديق. فأنشأ يقول: وما لي سوى الإطراق والصَّمْت حيلةٌ ... ووضْعي كفّي تحت خدّي وتذكاري قال: وقال محمد بن يعقوب بن الفرخي: كنت مع ذي النُّون فِي الزَّورق، فمرّ بنا زورقٌ آخر، فقيل لذي النُّون: إنّ هؤلاء يمرّون إلى السُلطان يشهدون عليك بالكُفْر. فقال: اللّهُمّ إنْ كانوا كاذبين فغرّقهم. فانقلب الزَّورق وغرقوا. فقلت له: احسب أن هؤلاء قد مضوا يكذبون، فما بال الملاح؟ قال: -[1138]- لِمَ حَمَلَهم وهو يعلم قصْدهم. ولأن يقفوا بين يدي اللَّه غَرْقَى خير لهم من أن يَقِفُوا شهود زُور. ثُمَّ انتفض وتغيّر، وقال: وعِزَّتك لا أدعو على خلْقك بعد هذا. ثُمَّ دعاه أمير مصر وساله عن اعتقاده فتكلَّم، فرضيَ أمره، وكتبَ به إلى المتوكل، فأمر بإحضاره، فَحُمِل على البريد. فلمّا سمع كلامه ولع به وأحبه وأكرمه، حتى كان إذا ذكر الصلحاء يقول: إذا ذُكِر الصّالحون فحَيْ هَلا بذي النُّون. وقال عليّ بْن حاتم: سمعت ذا النّون يَقُولُ: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق. وقال يوسف بْن الْحُسَيْن: سمعت ذا النّون يقول: مهما تصوّر فِي وهْمك، فالله بخلاف ذلك. وقال: سمعت ذا النّون يقول: الاستغفار اسمٌ جامع لمَعانٍ كثيرة، أوّلهنّ: الندم على ما مضى، والثّاني: العزْم على تَرْك الرجوع، والثالث: أداء كلّ فرضٍ ضيَّعْته فيما بينك وبين اللَّه، والرابع: ردّ المظالم فِي الأموال والأعراض والمصالحة عليها، والخامس: إذابة كلّ لحم ودم نَبَتَ على الحرام، والسّادس: إذاقة البَدَن ألَمَ الطّاعة كما وجدت حلاوة المعصية. وعن عمرو بن السرح قال: قلت لذي النّون كيف خلصتَ من المتوكّل وقد أمر بقتلك؟ قال: لمّا أوصلني الغلام إلى السّتر رَفعه ثُمَّ قال لي: ادخُل. فنظرت فإذا المتوكّل فِي غُلالةٍ مكشوفَ الرأس، وعبيد الله قائم على رأسه متكئ على السّيف. فعرفتُ فِي وجوه القوم الشّرّ. فَفُتِح لي باب، فقلت فِي نفسي: يا مَن ليس فِي السّموات قطرات ولا فِي البحار قطرات، ولا في ديلج الرياح ديلجات، ولا فِي الأرض خبيئات، ولا فِي قلوب الخلائق خَطَرات إلا وهي عليك دليلات، ولك شاهدات، وبربوبيّتك معترفات، وفي قُدْرَتِك متحّيرات. فبالقُدرة التي تجير بها من في الأرضين والسماوات إلا صلّيت على محمد وآل محمد، وأخذتَ قلبه عني. فقام إلي المتوكل يخطو، حتى اعتنقني، ثم قال: أتْعَبْناك يا أَبَا الفَيْض. إن تشأ تقيم عندنا فأقم، وإن تشأ أن تنصرف فانصرف. فاخترت الانصراف. وقال يوسف بْن الْحُسَيْن: حضرتُ مع ذي النّون مجلسَ المتوكُل، وكان مُولَعًا به يفضله على العباد والزهاد، فقال له يوما: يا أَبَا الفيض صِف لي أولياء اللَّه. قال: يا أمير المؤمنين، هُمْ قوم أَلْبَسهم اللَّه النّورَ السّاطع من محبّته، -[1139]- وجلّلهم بالبهاء من أرْدية كرامته، ووضع على مَفَارقهم تيجان مَسَرَّته، ونشر لهم المحبّة فِي قلوب خليقته، ثُمَّ أخرجهم وقد أودع القلوب ذخائر الغيوب، فهي معلقة بمواصلة المحبوب، فقلوبهم إليه سائرة، وأَعْيُنُهم إلى عظيم جلاله ناظِرة. ثُمَّ أجلسهم بعد أن أحسنَ إليهم على كراسي طلب المعرفة بالدّواء، وعرَّفهم منابت الأدواء، وجعل تلاميذهم أهل الورع والتُّقَى، وضمِن لهم الإجابة عند الدّعاء، وقال: يا أوليائي إن أتاكم عليلٌ من فَرَقي فداووه، أو مريض من إرادتي فعالجوه، أو مجروح بِتَرْكي إياه فلاطِفُوه، أو فارُّ منّي فرغِّبوه، أو خائف منّي فأمِّنوه، أو مستوصف نحوي فأرشدوه، أو مسيء فعاتبوه. أو استغاث بكم مستغيث فأغيثوه. فِي فَصْلٍ طويل. ولذي النون ترجمة طويلة فِي تاريخ دمشق، وأخرى فِي حِلْية الأولياء. وما أحسن قوله: العارف لا يلتزم حالةً واحدة، ولكنْ يلتزم أمرّ ربّه فِي الحالات كلّها. قد تقدَّمت وفاته في سنة خمس. وكذا ورّخه عُبَيْد الله بن سعيد بن عُفَيْر. وأمّا حيّان بن أحمد السَّهْميّ فقال: مات بالجيزة وعُدّيَ به إلى مصر في مركبٍ خوفا من زحمة النّاس على الجسْر لليلتين خَلَتا من ذي القعدة سنة ست وأربعين. وقال آخر: سنة ثمانٍ وأربعين. والأول أصح. وقد قارب التسعين أو جازها. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
232 - سعَيِد بْن رحمة بْن نُعَيْم المصِّيصيّ، أَبُو عثمان. [الوفاة: 251 - 260 ه]
راوي كتاب " الجهاد " عَنِ ابن المبارك. رَوَى عَنْ: ابن المبارك، وأبي إِسْحَاق الفَزَاريّ، ومحمد بْن حِمْيَر الحمصيّ، وغيرهم. وَعَنْهُ: محمد بن سفيان المصيصي الصفار، ومحمد بن المسيب الإسفنجي الأرغياني، وأحمد بن جوصا. قال ابن حبان: يروي ما لم يتابع عليه. لَا يجوز الاحتجاج بِهِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
268 - ق: عَبْد الملك بْن محمد بْن عَبْد الله، أبو قِلابة الرّقاشيّ، الحافظ العابد، رحمة الله عليه. [الوفاة: 271 - 280 ه]
عُني به أَبُوهُ، وأسمعه فِي صِغَره، وأشغله فِي العلم لِما رَأَى من ذكائه، فإنّه وُلد سنة تسعين ومائة. وسَمِعَ: يزيد بن هارون، وعبد الله بن بكر السَّهميّ، وأبا دَاوُد الطَّيالسيّ، ورَوْح بن عُبَادة، وبِشْر بْن عُمَر الزّهْرانيّ، وأبا عامر العَقَديّ، ووهْب بْن جرير، وأبا عاصم النبيل، وخلْقًا سواهم. وَعَنْهُ: ابن ماجه، ومحمد بْن إِسْحَاق الصّاغانيّ، وابن صاعد، وإسماعيل الصفار، وأبو بكر النجاد، وأبو سهل بن زياد، وإبراهيم بن علي الهجيمي -[572]- وأحمد بن كامل، وخلق آخرهم أبو بكر الشافعي. وقع حديثه في السّماء علوّا لأصحاب ابن طبرزد، وهو بصريّ سكن بغداد. قال الدارقطني: صدوق كثير الخطأ لكونه يحدِّث من حفظه. وقَالَ ابنُ كامل القاضي: حُكي أنّه كان يصلي فِي اليوم واللّيلة أربعمائة رَكْعَةٍ. قَالَ: ويقال: إنّه حدَّث من حِفْظه بستّين ألف حديث. قلت: الَّذِي كان يُصلّي أربعمائة ركعة هو والده فيما حكى أَحْمَد العِجْليّ، فلعلّه فعل كأبيه. وقَالَ أَبُو عُبَيْد الآجُرّيّ: سألتُ أَبَا دَاوُد عَنْهُ، فقال: أمين مأمون، كتبتُ عَنْهُ. وقَالَ محمد بْن جرير الطَّبريّ: ما رأيت أحفظ من أبي قلابة. قلت: مات فِي شوّال سنة ستٍّ وسبعين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
579 - رحمة بنت الشيخ محمود بن نصر ابن الشّعّار، أخت المحدّث أَبِي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم، كنْيتها أمّ أَيْمَن. [المتوفى: 600 هـ]
وهي زَوْجَة الصّالح عُمَر بْن يوسف الْمُقْرِئ. وقد رَوَت عن أَبِي الفتح ابن البطّيّ، وماتت فِي شوّال. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
361 - مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن قُدامة بْن مِقْدام بْن نصر، الإِمام القدوة الزّاهد، أَبُو عُمَر المقدسيّ الْجَمّاعيليّ، رحمة الله عَلَيْهِ. [المتوفى: 607 هـ]
قَالَ ابن أُخته الحافظ ضياء الدّين: مولده في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بجمَّاعيل، شاهدته بخطّ والده. سَمِعَ الكثير بدمشق من والده، ومن أَبِي المكارم عَبْد الواحد بن هلال، وأبي تميم سلمان بن علي الرحبي، وأبي الفهم عبد الرحمن ابن أَبِي العجائز الأزْديّ، وأبي نصر عَبْد الرَّحيم بْن عَبْد الخالق اليُوسُفيّ، وخلْق يطول ذِكرهم. وبمصر من عَبْد اللَّه بْن بَرّيّ النَّحْويّ، وإسماعيل بْن قاسم الزّيّات، وغيرهما. قلت: روى عَنْهُ أخوه الشّيخ الموفّقُ، وولداه الشرف عَبْد الله، والشمس عَبْد الرَّحْمَن، والضّياء مُحَمَّد، والزّكيّ عبد العظيم، والشمس ابن خليل، والشهاب القوصي، والزين ابن عَبْد الدّائم، والفخر عليّ، وآخرون. قَالَ الضّياء: بَابُ في اجتهاده: كَانَ لا يكادُ يسمع دعاءً إلّا حفِظه ودَعا بِهِ، ولا يسمع ذِكرَ صلاةٍ إلّا صَلَّاها، ولا يسمع حديثًا إلّا عَمِلَ بِهِ. وكان يُصلّي بالنّاس في نصف شعبان مائة ركعة وهو شيخ كبير، وكان أنشطَ الجماعة، وكان لا يترك قيامَ اللّيل من وقت شُبُوبِيته؛ سافرتُ معه إِلى الغزاة فأراد بعضُنا يسهر، ويحرسنا، فَقَالَ لَهُ الشيخ أَبُو عُمَر: نَم. وقام هُوَ يُصلّي. وكذا حدثني عنه أحمد -[173]- ابن يونس المقدسيّ أَنَّهُ قام في سَفَرٍ يُصلّي ويحرسهم. وسمعتُ آسية بنت مُحَمَّد، وهي الّتي كانت تُلازمه في مرضه، تَقُولُ: إنّه قلَّل الأكل قبلَ موته في مرضه حتّى عاد كالعود. وقالت: مات وهو عاقد عَلَى أصابعه، يعني يُسَبِّح، وسمعتُها تحدّث عَنْ زوجته أمّ عَبْد الرَّحْمَن، قالت: كَانَ يقوم باللّيل فإذا جاءه النّوم عنده قضيب يضرب بِه رِجله، فيذهب عَنْهُ النّوم، وكان كثيرَ الصّيام سَفَرًا وحَضَرًا. وحدّثني ولده عَبْد الله: أَنَّهُ في آخر عمره سَردَ الصّوم، فلامه أهله، فَقَالَ: إنّما أصوم أغتنم أيّامي، لأنّي إنْ ضعفت، عجزت عَنِ الصّوم، وإنْ متَ، انقطع عملي. وكان لا يكاد يَسْمَعُ بجنازة إلّا حضرها قريبة أو بعيدة، ولا مريضاً إلا عاده، لا يكاد يسمع بجهاد إلّا خرج فيه. وكان يقرأ في كلّ ليلة سُبعًا من القرآن مرتّلًا في الصّلاة، ويقرأ في النّهار سُبعًا بين الظُّهر والعصر، وإذا صلّى الفجر وفرغ من الدّعاء والتّسبيح قرأ آياتِ الحرس وياسين والواقعة وتبارك، وكان قد كتب في ذَلِكَ كرّاسة وهي معلّقة في المحراب، ربّما قرأ فيها خوفًا من النُّعاس، ثُمَّ يُقرئ ويلقّن إِلى ارتفاع النّهار، ثُمَّ يُصلّي الضُّحي صلاةً طويلة. وسمعتُ ولدَه أبا مُحَمَّد عَبْد الله يَقُولُ: كَانَ يسجد سجدتين طويلتين: إحداهما في اللّيل والأخرى في النّهار يُطيل فيهما السُّجود، ويُصلّي بعد أذان الظُّهر قبل سُنّتها في كلّ يومٍ ركعتين يقرأ في الأولى أول " المؤمنين "، وفي الثاني آخر " الفُرقان " من عقيْب سجدتها، وكان يُصلّي بين المغرب والعشاء أربع ركعات يقرأ فيهنّ " السجدة " و" ياسين " و" تبارك " و" الدخان "، ويُصلّي كلّ ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التّسبيح ويُطيلها، ويصلّي يوم الجمعة ركعتين بمائة " {{قل هو الله أحد}} ". وحكى ولده عَنْ أهله: أَنَّهُ كَانَ يُصلّي في كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة. ثُمَّ أورد عَنْهُ أورادًا كثيرة من الأذكار. قَالَ الضّياء: وكان يزور المقابرَ كُلَّ جمعة بعد العصر، ولا يكاد يأتي إلّا ومعه شيء من الشّيح في مِئزره أو شيء من نبات الأرض، وكان يقرأ كلّ ليلة -[174]- بعد عشاء الآخرة آيات الحَرسَ لا يكاد يتركُها. وسمعتُ أَنَّهُ كَانَ إذَا دخل منزله قرأ " آية الكرسيّ " وعَوَّذ بكلمات، وأشار بيده إِلى ما حوله من الدُّور والجبل يحوطها بذلك، ولا ينام إلّا عَلَى وضوء، وإنْ أحْدَثَ توضّأ، وإذا أوى إِلى فراشه قرأ " الحمد " و " آية الكرسيّ " و " الواقعة " و " تبارك " و " {{قل يا أيّها الكافرون}} "، وربّما قرأ " ياسين "، ويُسَبّح ثلاثًا وثلاثين، ويُحَمِّد ثلاثًا وثلاثين، ويُكَبِّر أربعًا وثلاثين، ويقول: " «اللّهمّ أسلمت نفسي إليك. . .» " الحديثَ، وغير ذَلِكَ، وكان يَقُولُ بين سُنَّة الفجر والفرض أربعين مرَّة: " يا حيُّ يا قَيومُ لَا إلّه إلَّا أنتَ ". وسمعتُ آسية بنت مُحَمَّد ابنة بنته تَقُولُ: كَانَ سَيّدي لا يترك الغُسْلَ يوم الجمعة ولا يكاد يومئذ يخرج إلّا ومعه شيء يتصدّق بِهِ، رحمه الله تَعَالَى. سَمِعْتُ خالي الإِمام موفّق الدّين يَقُولُ: لمّا قدِمْنا من أرضِ بيت المقدس كُنّا نتردّد مَعَ أخي نسمع درس القاضي ابن عصرون في الخلاف ثُمَّ إننا انقطعنا، فلقي القاضي لأخي يومًا، فَقَالَ: لِمَ انقطعت عَنِ الاشتغال؟ فَقَالَ لَهُ أخي: قَالُوا: إنّك أشعريّ. فَقَالَ: ما أَنَا أشعريّ، ولكن لو اشتغلت عليّ سنة ما كَانَ أحد يكون مثلك، أو قَالَ: كنت تصير إمامًا. قَالَ الضّياء: وكان رحمه الله يحفظ الخِرَقيّ ويكتبه من حفظه. وكان قد جمع الله لَهُ معرفةَ الفقه والفرائض والنّحو، مَعَ الزُّهْد والعمل وقضاء حوائج النّاس. وكان يَحمل هَمَّ الأهل والأصحاب، ومن سافر منهم يتفقد أهاليهم، ويدعو للمسافرين، ويقوم بمصالح النّاس، وكان النّاس يأتون إِلَيْهِ في الخصومات والقضايا، فيُصلح بينهم، ويتفقّد الأشياءَ النّافعة كالنّهر، والمصانع والسّقاية، وكانت لَهُ هيبة في القلوب. وسألت عَنْهُ الإِمام موفّق الدّين، فَقَالَ فيه: أخي وشيخنا ربّانا وعَلَّمنا وحَرَصَ علينا، وكان للجماعة كوالدهم يَحْرَصُ عليهم، ويقوم بمصالحهم، ومن غاب عن أهله قام هُوَ بهم، وهو الّذي هاجر بنا، وهو الّذي سَفّرنا إِلى بغداد، وهو الّذي كَانَ يقوم في بناء الدَّير، وحين رجعنا من بغداد، زوَّجنا، وبنى لنا دُورنا الخارجة عَنِ الدَّير. وكان مُسارعًا إِلى الخروج في الغزوات قلّ ما يتخلّف عَنْ غزاة. سَمِعْتُ ولده أبا مُحَمَّد عَبْد الله يَقُولُ: إنّ الشيخ جاءته امرأة، فشكت إِلَيْهِ أنّ أخاها حُبِس، وأوذي، فسقط مغشِيًّا عَلَيْهِ. ولمّا جرى للحافظ عَبْد الغنيّ مَعَ أهل البِدَع وفعلوا ما فعلوا، جاءه -[175]- الخبر، فخرّ مَغِشِيًّا عَلَيْهِ، فلم يُفِقْ إلّا بعد ساعة، وذلك لرقَّة قلبه وشدَّة اهتمامه بالدّين وأهله. وسمعتُ ولده يَقُولُ: إنّه كَانَ يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم، وكان كثيرًا ما يتصدّق ببعض ثيابه، ويبقى مُعْوزًا ويكون بِجُبَّةٍ في الشّتاء بغير ثوب من تحتها يتصدّق بالتّحتانيّ، وكثيرًا من وقته بلا سراويل. وكانت عمامته قطعة بطانة، فإذا احتاج أحد إِلى خرقة أو مات صغيرٌ قطع منها لَهُ، ويلبس الخشن، وينام عَلَى الحصير، وربّما تَصَدَّق بالشّيء وأهله محتاجون إِلَيْهِ أكثر ممّن أخذه. قَالَ الضّياء: وكان ثوبه إِلى نصف ساقه وكمّه إِلى رُسغه، سَمِعْتُ والدتي تَقُولُ: مكثنا زمانًا لا يأكل أهل الدّير إلّا من بيت أخي؛ تطبخ عمّتك ويأكل الرجال جميعًا والنّساء جميعًا. قَالَ: وكان إذَا جاء شيء إِلى بيته، فرّقوه عَلَى الخاصّ والعامّ، وسمعت محمود بْن همام الفقيه يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا عُمَر يَقُولُ: النّاس يقولون: لا علم إلا ما دخل مع صاحبه الحمّام. وأنا أقول: لا علمَ إلّا ما دخل مع صاحبه القبر. ومن كلامه: إذَا لم تتصدّقوا لم يتصدَّق أحدٌ عنكم، والسائل إن لم تعطوه أنتم أعطاه غيرُكم. وكان يُحبّ اللّبن إذَا صُفّي بخِرْقة، فعُمِل لَهُ مرة فلم يأكله، فقالوا لَهُ في ذَلِكَ، فَقَالَ: لحُبّي إيّاه تركتُه. ولم يذقه بعد ذَلِكَ. سَمِعْتُ أبا العَبَّاس أَحْمَد بْن يونس بْن حسن، قَالَ: كُنّا نزولًا عَلَى بيت المقدس مَعَ الشّيخ أَبِي عُمَر وقتَ حصار المسلمين لها مَعَ صلاح الدّين، وكان لنا خيمة، وكان الشيخ أَبُو عُمَر قد مضى إِلى موضع، وجعل يُصلّي فيها في يومٍ حارّ. فجاء المَلِك العادل فنزل في خيمتنا، وسأل عَنِ الشيخ، فمضينا إِلى الشيخ وعرفناه، فقال: أيش أعمل به؟! ولم يجئ إِلَيْهِ فمضى إِلَيْهِ عُمَر بْن أَبِي بَكْر وألحَّ عَلَيْهِ، فَما جاء، وأطال العادل القعودَ، قَالَ: فرجعت إِلى الشيخ، فَقَالَ: أنْزَل لَهُ شيئًا، قَالَ: فوضعت لَهُ ولأصحابه أقراصًا كانت معنا فأكلوا وقعدوا زمانًا ولم يترك الشيخ صلاته، ولا جاء. سَمِعْتُ أبا إِسْحَاق إِبْرَاهيم بْن مُحَمَّد بْن الأزهر يَقُولُ: ما رأيتُ أحدًا قطّ لَيْسَ عنده تكلُّف غير الشيخ أَبِي عُمَر. سَمِعْتُ شيخنا أبا إِسْحَاق إِبْرَاهيم بْن عَبْد الواحد، قَالَ: سَمِعْتُ أخي -[176]- الحافظ يَقُولُ: نحن إذَا جاء إنسان اشتغلنا بِهِ عَنْ عملنا، وأمّا خالي أَبُو عُمَر فيه للدّنيا وللآخرة يخالط النّاس وهو في أوراده لا يخليها. سَمِعْتُ أبا أَحْمَد عَبْد الهادي بْن يوسف يَقُولُ: كَانَ الشيخ أَبُو عُمَر يقرأ بعضَ اللّيالي فربّما غشي عَلَى بعض النّاس من قراءته. وأمّا خُطَبه، فكان إذا خطب تَرِقُ القلوبُ، ويبكي بعض النّاس بكاءً كثيرًا، وكان ربّما أنشأ الخطبة وخطب بها. وكان يُسَمِّعنا ويقرأ لنا قراءة سريعة من غير لحن. ولا يكاد أحد يقدم من رحلة إلّا قرأ عَلَيْهِ شيئًا من مسموعاته. وكتب الكثيرَ بخطّه المليح من المصاحف والكتب مثل " الحلية " لأبي نعيم، و " الإبانة " لابن بطة، و " تفسير " البغوي، و " المغني " لأخيه. وسمعته يَقُولُ: ربّما كتبت في اليوم كرّاسين بالقطع الكبير. وكان يكتب لأهله المصاحفَ وللنّاسِ " الخِرَقيّ " بغير أجر. وقد سَمِعْتُ أنّ النّاس كانوا يأتون إِلَيْهِ يقولون: اكتُبْ لنا إِلى فلان الأمير. فيقول: لا أعرفه. فيقال: إنّما نريد بركةَ رقعتك. فيكتب لهم فتُقْبَل رقعتُه. وكان يكتب كثيرًا إِلى المعتمد الوالي وإلى غيره، فَقَالَ لَهُ المعتمد: إنّك تكتب إلينا في قومٍ لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهي أن لا نردّ رقعتك. فَقَالَ: أمّا أَنَا، فقد قضيتُ حاجتي، إنّي قضيتُ حاجة مَن قصدني، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا رقعتي وإلّا فلا، فَقَالَ لَهُ: لا نردها، أو كما قَالَ. وكان الناسُ قد احتاجوا إِلى المطر، فطلع إِلى مغارة الدَّم ومعه جماعة من محارمه النّساء، فصلّى بهن، ودعا في المطر حينئذ، وجرت الأدوية شيئًا لم نره من مُدَّة. وسمعت أبا عَبْد الله بْن راجح يَقُولُ: كَانَ لِنور الدّين أخ استعان بالفرنج عَلَى أخيه، ونور الدّين مريض، فجاء الفرنج، فخرجنا مَعَ الشيخ أبي عُمَر إِلى مغارة الدّم وقرأنا عشرة آلاف مرة " {{قل هو الله أحد}} " و " {{إنا أنزلناه في ليلة القدر}} " ودعونا، فجاء مطر عظيم عَلَى الفرنج أشغلهم بنفوسهم ورَدُّوا. سَمِعْتُ عَبْد الله بْن أَبِي عُمَر، حَدَّثَني ابن الصُّوريّ، صديق والدي، قَالَ: جئنا يومًا إِلى والدك ونحن جياع وكنّا ثلاثةً، فأخرج لنا سكرجة فيها لبن، -[177]- وسكرجة فيها عسل وكُسَيْرات، فأكلنا وشبعنا، فنظرت إِلَيْهِ كأنّه لم ينقص. قلتُ لخالي أَبِي عُمَر: أشتهي أن تهبني جزءًا بخطّك من الأجزاء الّتي سمعناها عَلَى أَبِي الفرج الثّقفيّ، فأرسل الأجزاء إليَّ، وقال لي: خذ لك منها جزءًا، واترك الباقي عندك، فأخذت جزءًا ورددتها، فبعدَ موته سألتُ عنها فَما وجدت بقي منها إلا جزء أو جزءان، فندمتُ إذ لم أسمع منه. سَمِعْتُ الإمام مُحَمَّد بْن عُمَر بْن أَبِي بَكْر يَقُولُ: دعاني الشيخ أَبُو عُمَر ليلة، وكنت أخاف من ضرر الأكل، فابتدأني وقال: إذَا قرأ الإنسان قبل الأكل " {{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إله إلا هو}} " و " {{لإيلاف قريش}} " ثُمَّ أكل فإنه لا يَضُرُّه. وسمعت الإمام أبا بَكْر بْن أَحْمَد بْن عُمَر البغداديّ، قَالَ: جاء الشيخ أَبُو عُمَر فَقَالَ: تمضي معي إِلى كفربطْنا، وكنت مشتغلًا بقراءة القرآن فقلت في نفسي: أمشي معه، فأشتغل عَنِ القراءة بالحديث في الطّريق، فلمّا خرجنا من البلد، قال: تعال أنا وأنت نقرأ حتّى لا نشغلك عَنِ القراءة. سَمِعْتُ الإمام أبا بَكْر عَبْد الله بْن الحَسَن بْن الحسن ابن النّحّاس يَقُولُ: كَانَ والدي يحبّ الشيخ أبا عُمَر، فَقَالَ لي يوم جمعة: أَنَا أُصلّي الجمعة خلف الشيخ، ومذهبي أنّ " بسم الله الرَّحْمَن الرحيم " من الفاتحة، ومذهبه أنّها ليست من الفاتحة، وأخاف أن يكون في صلاتي نقص، فقلت لَهُ: اليوم قد ضاق الوقت، قال: فبعد هذا مضينا إِلى المسجد فوجدناه، فسَلّم عَلَى والدي وعانقه ثُمَّ قَالَ: يا أخي صلِّ وأنت طيّبُ القلب فإنّني ما تركت " بسم الله الرَّحْمَن الرحيم " في فريضةٍ ولا نافلةٍ مذ أَمَمْتُ بالنّاس. فالتفت إليَّ والدي، وقال: احفظْ. سمعت أبا غالب مظفر بن أسعد ابن القلانسيّ، قَالَ: كَانَ والدي يُرسل إِلى الشيخ أَبِي عُمَر شيئًا كلّ سنة، فأرسل إليه مرَّة دينارين فردّهما، قَالَ: فضاق صدري، ثُمَّ فكّرتُ، فوجدتها من جهة غير طيبة، قَالَ: فبعث إليه غيرهما من جهة غير طيّبة، فقبلهما أو كما قَالَ. حَدَّثَني أَبُو مُحَمَّد عَبْد الله بْن أَبِي عُمَر، قَالَ: حكت زوجته - يعني أمّ عَبْد الرَّحْمَن آمنه بنت أَبِي موسى - أنّها لم تحمل بولدٍ قطّ إلّا علمت من كلامه وحاله ما حَمْلُها من ذكر أو أنثى، فمرَّةً أتاه رجل بغنيمة هدية، فَقَالَ: هذه -[178]- نتركها حتّى تِلدي ونشتري أخرى ونذبحها عقيقة. قالت: ويجيء لنا ابن؟ فضحك، فولد لَهُ بعد أيام ابنه سُلَيْمَان. وفي مرَّة أخرى حملتُ، فَقَالَ: كَانَ اسم أَبِي أَحْمَد ففي هذه النّوبة أُسمي ابْنَهُ أَحْمَد، فولدتُ لَهُ ابنَهُ أَحْمَد. ومرة أخرى حملتْ ورآها وهي تُخاصم بنتها، فَقَالَ: هذا حالك وهي واحدة، فكيف إذَا صارت اثنتين؟ فولَدَتْ بنتًا. وأمثال ذَلِكَ. وسمعت أَحْمَد بْن عَبْد المَلِك بْن عُثْمَان، قَالَ: جاء أَبُو رضوان وآخر إِلى الشيخ أَبِي عُمَر، فقالا لَهُ: إن قُراجًا قد أخذ فلانًا وحبسه، فادعُ عَلَيْهِ، فباتا عند الشيخ، فلمّا كَانَ الغد، قَالَ: قُضِيَتْ حاجتكم، فلمّا كَانَ بعد ساعة إذَا جنازة قُراجا عابرة. سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد عَبْد الرّزّاق بْن هبة الله بْن كتائب، قَالَ: سَمِعْتُ رجلًا صالحًا يَقُولُ: أقام الشيخ أَبُو عُمَر قطبًا ستّ سنين. ثُمَّ ذكر الضّياء حكايتين في أنّ أبا عُمَر صار القُطبَ في أواخر عمره، وقال: سمعتُ أبا بَكْر بْن أَحْمَد بْن عُمَر المقرئ يَقُولُ: إنه رأى رجلًا من اليمن بمكة، فذكر أنّهم يستسقون بالشيخ أَبِي عُمَر وأنّه من السبعة، أو كما قَالَ. سَمِعْتُ الزاهد أَحْمَد بْن سلامة النجار، قال: حدثنا الفقيه عبد الرزاق ابن أَبِي الفهم: أنّ رجلًا مغربيًّا جاء إِلى دمشق، فسأل عَنْ جبل قاسيون، فدُلّ عَلَيْهِ، فجاء إِلى الشيخ أَبِي عُمَر، فَقَالَ: ما قدمتُ من الغرب إلّا لزيارتك وأنا عائد إِلى الغرب، فقيل لَهُ: أيشٍ السبب؟ فامتنع فألحّوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: كَانَ لي شيخ بالمغرب لا يخرج إلّا لصلاةٍ ثُمَّ يعود إِلى البيت، فسألتُ عَنْهُ بعض اللّيالي فقيل: لَيْسَ هُوَ هنا، فلمّا أصبحتُ، قلت: أين كنت البارحة، قَالَ: إنّ الشيخ محمدًا بجبل قاسيون أُعطي القطابة، فمشينا إِلى تهنئته البارحة. أو ما هذا معناه. ثُمَّ ذكر الضّياء حكايتين أيضاً في أنه قطب، ثُمَّ قَالَ: فحكيتُ لأبي مُحَمَّد عَبْد الله بْن أَبِي عُمَر شيئًا من هذا، فَقَالَ: جاء إِلى والدي جماعة من المشايخ فاستأذنوا عَلَيْهِ، وسلّموا عَلَيْهِ، ثُمَّ خرجوا، ثُمَّ جماعة آخرون، ووصفَ كثرة مَن جاء إِلَيْهِ في ذَلِكَ اليوم، فقلت لَهُ: تعرفهم؟ فَقَالَ: لا، وأنا أتفكرّ إِلى اليوم في كثرتهم، يعني فكأنّه أشار إِلى أَنَّهُ قطب ذَلِكَ الوقت. كَانَ أَبُو عُمَر - رحمه -[179]- الله - لا يكاد يسمع بشيء لا يجوز قد عُمِلَ إلّا اجتهد في تغييره، وإنْ كَانَ بعض الملوك قد فعله، كتب إِلَيْهِ؛ حتّى سمعنا عَنْ بعض ملوك الشام قَالَ: هذا الشيخ شريكي في ملكي، أو كما قال. وكان له هيبة حتّى إنْ كَانَ أحدنا ليشتهي أن يسأله عَنْ شيء فَما يَجسُر أن يسأله، وإذا دخل المسجد، سكتوا وخفضوا أصواتهم، وإذا عَبَر في طريق والصّبيان يلعبون هربوا، وإذا أمَرَ بشيءٍ لا يجسر أحد أن يخالفه. وسمعت خالي موفّق الدّين بعد موته يَقُولُ: كَانَ أخي يكفينا أشياء كثيرة ما نقوي لما يفعل. وكان الله قد وضع للشيخ المحبَّة في قلوب الخَلْق. وكان لَيْسَ بالطّويل ولا بالقصير، أزرق العينين وليس بالكثير، يميل إلى الشقرة، عاليَ الجبهة، حسنَ الثَّغْرِ، صبيحَ الوجه، كثَّ اللّحية، نحيفَ الجسم، أول زوجاته عمّتي فاطمة، وكانت أسنّ منه كَبِرَتْ وأُقعدت وماتت قبله بأعوام، وولدت لَهُ عُمَر، وخديجة، وآمنة، وأولادًا غيرهم ماتوا صغارًا. وتزوَّج عليها طاووس، امرأة من بيت المقدس، وولدت ابنتين، فماتت هي وبناتها في حياته. ثُمَّ تزوج فاطمة الدّمشقيَّة فولدت لَهُ عَبْد الله، وزينب، وماتت قبل أمّ عُمَر. ثُمَّ تزوَّج آمنة بنت أَبِي موسى فولدت لَهُ جماعةً كبر منهم أَحْمَد، وعبد الرَّحْمَن، وعائشة، وحبيبة، وخديجة الصُّغرى. ومن شِعره: ألمْ يَكُ مَنْهَاة عَن الزَّهْوِ أَنَّني ... بَدَا لِي شَيْبُ الرَّأْس والضَّعْفُ والأَلَمْ ألمَّ بي الخَطْبُ الَّذي لَوْ بَكَيْتُه ... حَيَاتِي حَتَّى ينفذ الدَّمعُ لم أُلَمْ وله مَرْثيَّة في ابنه عُمَر. وله هذه الأرجوزة، وهي طويلة فمنها: إنِّي أقُولُ فَاسْمَعُوا بياني ... يا مَعْشَرَ الأصْحَابِ والإِخْوَانِ أُوصِيكُم بالعَدْلِ والإِحْسَانِ ... والبِرِّ والتَّقْوى مَعَ الإِيمَانِ فَاسْتَمْسِكُوا بَطَاعةِ الرِّحْمن ... واجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ سَمِعْتُ آسيةَ بنت مُحَمَّد بْن خَلَف تَقُولُ: لمّا كَانَ اليوم الّذي تُوُفّي فيه سيدي؛ وصانا فيه، واستقبل القبلة وقال: اقرؤوا " ياسين "، وكان يَقُولُ: " {{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنتم مسلمون}} " اللّهم ثبّتكم عَلَى الكتاب والسُّنَّة. وسمعت أهلنا يقولون: إن الماء الذي كَانَ يخرج من تغسيله من السّدْر -[180]- وغيره نَشَّفَهُ النّاس في خِرقهم ومقانعهم. وسمعت أبا إِسْحَاق إِبْرَاهيم بْن مُحَمَّد بْن الأزهر غير مرَّةٍ يَقُولُ: حزرتُ مَن حضر جنازة الشيخ أَبِي عُمَر عشرين ألفًا. وسمعت مُحَمَّد بْن طَرْخان بْن أَبِي الحَسَن الدّمشقيّ ومسعود بْن أَبِي بَكْر المقدسيّ، أنّ عَبْد الوليّ بْن مُحَمَّد حدّثهم: أَنَّهُ كَانَ يقرأ عند قبر الشيخ أبي عمر سورة البقرة، وكان وحده، فبلغ إلى " {{بقرة لا فارض ولا بكر}} " قال: فقلت: " لا ذلول " يعني غلط، قَالَ: فَرَدّ عليَّ الشيخ أَبُو عُمَر من القبر، قَالَ: فخفتُ وفزعتُ وارتعدتُ وقمت. وهذا لفظ حكاية مُحَمَّد بْن طَرخان عن ولده عبد الولي. قَالَ والده: وبقي بعد ذَلِكَ أيامًا ثُمَّ مات. وهذه الحكاية مشتهرة. سَمِعَت عليّ بْن ملاعب العراقي المؤدب، قال: قرأت سورة الكهف عند قبر الشيخ أَبِي عُمَر، فسمعته من القبر يَقُولُ: " لا إله إلا الله ". ثُمَّ ذكر الشيخ الضّياء بابًا في زيارة قبره، فذكر في ذَلِكَ ثلاثة منامات، ثُمَّ ذكر منامات رُئيت لَهُ بعد موته، ثُمَّ ذكر قصيدة ابن سعد يرثيه بها وهي أربعة وثلاثون بيتًا، ثُمَّ أخرى لَهُ اثنا عشر بيتًا، ثُمَّ قصيدة لأبي الفضل أَحْمَد بْن أسعد بْن أَحْمَد المزدقانيّ ستة وثلاثون بيتًا. وقال: تُوُفّي عشيَّة الاثنين من الثّامن والعشرين من ربيع الأول. وقال أبو المظفّر الواعظ: حَدَّثَني الزّاهد أَبُو عُمَر، قَالَ: هاجرنا من بلادنا، ونزلنا بمسجد أَبِي صالح بظاهر باب شرقي، فأقمنا بِهِ مدَّة ثُمَّ انتقلنا إِلى الجبل، فَقَالَ الناس: الصالحية الصالحية! ينسبونا إِلى مسجد أَبِي صالح لا أنّنا صالحون، ولم يكن بالجبل عمارة إلّا دير الحورانيّ وأماكن يسيرة. -[181]- قَالَ أَبُو المظفّر: كَانَ معتدّل القامة، حسنّ الوجه، عَلَيْهِ أنوار العبادة، لا يزال متبسِّمًا، نحيلَ الجسم من كثرة الصّلاة والصيام. صلّيت الجمعة في سنة ستٍّ والشيخ عَبْد الله اليونينيّ إِلى جانبي فلمّا كَانَ في آخر الخطبة والشيخ أَبُو عُمَر يخطب نهض الشيخ عَبْد الله مُسرعًا وصعد إِلى مغارة توبة، وكان نازلًا بها، فظننتُ أَنَّهُ احتاج إِلى وضوء أو آلمه شيء، فصلّيت وطلعت وراءه وقلت لَهُ: خير ما الّذي أصابك؟ فَقَالَ: هذا أَبُو عُمَر ما تحلّ خلفه صلاة؛ يَقُولُ عَلَى المنبر المَلِك العادل وهو ظالم فَما يَصْدُق. قلت: إذَا كانت الصّلاة خلفه لا تصحّ فخلف مَنْ تَصِحّ؟ فبينا نحن في الحديث إذ دخل الشيخ وسَلّم وحل مئزره وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله الصّلاة، ثُمَّ قَالَ ابتداءً: قد روي في الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «وُلِدْتُ في زَمَنِ الملِكِ العادِلِ كِسْرى» ". فنظر إليَّ الشيخ عَبْد الله وتبسّم وأكل وقام الشيخ أَبُو عُمَر فنزل، فقال لي الشيخ عبد الله: ماذا إلّا رَجُل صالح. قَالَ أَبُو المظفّر: وأصابني قولنج فدخل عليّ أَبُو عُمَر وبيده خَرُّوب مدقوق فَقَالَ: استفّ هذا، وعندي جماعة، فقالوا: هذا يزيد القولنج ويضرّه، فَما التفتُّ إِلى قولهم، وأكلته، فبرأت في الحال. وقلت لَهُ يومًا - وما كَانَ يردّ أحدًا في شفاعة - وقد كتب رقعة إِلى المَلِك المُعَظَّم: كيف تكتب هذا والملك المُعَظَّم عَلَى الحقيقة هُوَ الله؟ فتبسم ورمى إليَّ الورقة، وقال: تأمّلها، وإذا قد كتب المعَظِّم وكسر الظّاء، فعجبت من ورعه. قلت: وفي هذا ومثله إنّما يُلحظ العَلَمِيَّة لا الصّفة مثل: عليّ، ورافع، والحكم، مَعَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يرخّص في التّسمية لما قَلَّ استعماله في -[182]- العَلَمِيَّة إذَا لُمح فيه النعتُ مثل: برة، أمّا إذَا شاع استعماله وغلب، فلا يسبق إِلى الذّهن إلّا العَلَمية. وقال الإمام أَبُو شامة: أوّل ما زرتُ قبره - يعني أبا عُمَر - وجدت بتوفيق الله رقَّة عظيمة وبكاء، وكان معي رفيق فوجد مثل ذَلِكَ. قَالَ: وأخبرني بعضُ الثّقات أنه رأى الإِمام الشّافعيّ في المنام فسأله: إِلى أين تمضي؟ قَالَ: أزور أَحْمَد بْن حنبل، قَالَ: فاتّبعتُه أنظر ما يصنع، فدخل دارًا فسألت: لمن هي؟ فقيل: للشيخ أَبِي عُمَر، رحمه الله. قلت: وله آثار حميدة، منها مدرسته بالجبل وهي وقف عَلَى القرآن والفقه، وقد حفظ فيها القرآن أمم لا يحصيهم إلّا الله. ومن أولاده: الخطيب الإِمام شرف الدّين عَبْد الله خطبَ بالجامع المظفّريّ مدَّة طويلة، وهو والد الإمامين؛ العلّامة الزاهد العابد العزّ إِبْرَاهيم بْن عَبْد الله، وفي أولاده علماء وصلحاء، وقاضي القضاة شرف الدّين حسن بْن عَبْد الله. ومن أحفاده: الجمال أبو حمزة أَحْمَد بْن عُمَر ابن الشّيْخ أَبِي عُمَر وهو جدّ شيخنا شيخ الجبل، وقاضي القضاة ومُسند الشّام تقيّ الدّين سُلَيْمَان بْن حمزة. وآخر مَن مات من أولاد الشيخ - رحمه الله - ولده الإِمام العلّامة شيخ الإِسلام شمس الدّين أَبُو الفَرَج، رَضِيَ الله عنهم أجمعين وأثابهم الجنَّة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
187 - نجيب بن بشارة بن مُحْرِز بن رَحْمَة، أَبُو مُحَمَّد السَّعدي الفاضليّ المَصْرِيّ الشَّافِعِيّ المُقْرِئ. [المتوفى: 613 هـ]
علَّم وُلِدَ القاضي الفاضل، ثُمَّ عَلَّم وُلِدَ الصاحب ابن شُكر، وَكَانَ شيخًا حسنًا. سَمِعَ كتاب " العُنوان " من الشريف أَبِي الفتوح الخطيب. رَوَى عَنْهُ الزَّكيّ المُنْذِريّ، وابنُهُ إِبْرَاهِيم بن نجيب، وجماعةٌ، وَتُوُفِّي في مُستهلّ جُمَادَى الْأولى. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
452 - عَبْد اللَّه بن عُثْمَان بن جَعْفَر بن مُحَمَّد اليونِينيّ الزّاهد، أسد الشَّام، رحمة اللَّه عَلَيْهِ. [المتوفى: 617 هـ]
كَانَ شيخًا طُوالاً مَهيباً، حادّ الحال، كأنه نار، كَانَ يقوم نصف الليل إلى الفُقراء، فمن رآه نائمًا ضربه، وَكَانَ لَهُ عصاة اسمها العافية. حكى الشَّيْخ عَبْد اللَّه بن شُكر اليُونينيّ، قال: كان الشيخ - رحمه اللَّه - في شبوبيّته قد انقطع في الجبل؛ وكانت أختُه تأتيه كلّ يوم بقُرص وبيْضَتين، فأتته بذلك مرة؛ وَإِذَا بفقيرٍ قد خرجَ من عنده ومعه قرص وبيضتان، فَقَالَتْ لَهُ: من أَيْنَ لك هَذَا؟ قَالَ: من ذاك القاعد، لَهُ شهر كلّ يوم يعطيني قرصًا وبيضتين. فأتته وسَأَلْتُهُ، فنهرها، وزعق فيها. قُلْتُ: وَكَانَ أمّارًا بالمعروف، نَهّاء عن المُنكر، شُجاعاً، صاحب سلاح ظاهر وباطن، مقبلا على شأنه، مجدا لَا يفتر، حاضرَ القلب، دائمَ الذكر، لا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وَكَانَ من حين اشتدّ يخرج وينطرح في شَعراء يونين، فَإِذَا رآه السَّفّارة حملوه إلى أمّه؛ وكانت امْرَأَة صالحة. فَلَمَّا انتشى كَانَ يتعبّد بجبل لبنان. وَكَانَ كثير الغزو أيام السُّلْطَان صلاح الدِّين. وقد جمع مناقبه خطيب زَمْلَكا أبو محمد عبد الله ابن العزّ عُمَر المَقْدِسِيّ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الشَّيْخ إسرائيل، عن الشَّيْخ عَليّ القصّار، قَالَ: كُنْت إِذَا رَأَيْت الشَّيْخ عَبْد اللَّه أهابه، كَأَنَّهُ أسد، فَإِذَا دنوت منه وددت أنّي أشقّ قلبي وأجعله فيه. -[499]- قَالَ ابن العزّ: وَحَدَّثَنِي الزَّاهد خليل بن عَبْد الغني بن مقلَّد، قَالَ: كُنْت بحلقة الحنابلة إلى جانب الشَّيْخ عَبْد اللَّه، فقام ومعه خادمه توبة إلى الكلّاسة، ليتوضأ، وإذا برجل متختّلٍ يفرّق ذهبًا، فَلَمَّا وصل إليَّ أعطاني خمسة دنانير، وَقَالَ: أين سيّدي الشَّيْخ؟ قُلْتُ: يتوضأ. فجعل تحت سجّادته ذهبًا، وَقَالَ: إِذَا جاء قل لَهُ: مملوكك أَبُو بَكْر التَّكْرِيتيّ يُسلّم عليك، ويشتهي تدعو لَهُ. فجاء الشَّيْخ وَأَنَا ألعب بالذهب في عُبّي، ثُمَّ ذكرتُ لَهُ قول الرجل، فَقَالَ توبة: من ذا يا سيدي؟ قَالَ: صاحب دمشق؛ وَإِذَا بِهِ قد رجع، ووقف قُدّام الشَّيْخ، وَالشَّيْخ يُصلي، فَلَمَّا سلّم أخذ السِّواك ودفع بِهِ الذَّهَب، وَقَالَ: يا أَبَا بَكْر، كيف أدعو لك والخُمور دائرة في دمشق؟ وتغزل امْرَأَة وقيَّةُ تبيعها فيؤخذ منها قرطيس؟ فَلَمَّا راحَ أبطلَ ذَلِكَ، وَكَانَ الملك العادل. قَالَ ابن العزّ: وَأَخْبَرَنِي المعمَّر مُحَمَّد بن أَبِي الفضل، قَالَ: كُنْت عند الشيخ وقد جاء إليه المعظَّم، فَلَمَّا جلس عنده، قَالَ: يا سيدي ادعُ لي. قَالَ: يا عيسى لَا تكن نحس مثل أبيك. فَقَالَ: يا سيدي وَأَبِي كَانَ نحس؟ قَالَ: نعم؛ أظهر الزّغل، وأفسد عَلَى النَّاس المُعاملة، وما كَانَ محتاج. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الغد أخذ الملك المُعَظَّم ثلاثة آلاف دينار، وطلع إلى عند الشَّيْخ بها، وَقَالَ: هذه تشتري بها ضيعة للزاوية. فنظر إِلَيْهِ، وَقَالَ: قم يا ممتحن يا مبتَدع، لَا أدعو اللَّه تنشقّ الْأرض وتبتلعك، ما قعدنا عَلَى السّجاجيد حَتَّى أغنانا؛ تحتي ساقية ذهب وساقية فضة! أَوْ كما قَالَ. وَأَخْبَرَنِي إسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، عن أَبِي طَالِب النَّجَّار، قَالَ: أنْكَر الشَّيْخ عَبْد اللَّه عَلَى صاحب بَعْلَبَكّ، وَكَانَ يسمّيه مُجَيد، فأرسل إليه الْأمجد يَقُولُ: إن كانت بَعْلَبَكّ لك فأشتهي أن تُطلقها لي، فلم يبلِّغه رَسُول الْأمجدِ ذَلِكَ. قَالَ: وأخبرني الإِمَام أبو الحسن الموصلي، قَالَ: حضرتُ مجلس الشَّيْخ الفقيه ببَعْلَبَكّ، وَهُوَ عَلَى المنبر، فسألوه أن يحكي شيئًا من كرامات الشَّيْخ عَبْد اللَّه، فَقَالَ بصوتٍ جهير: كَانَ الشَّيْخ عَبْد اللَّه عظيم، كنتُ عنده؛ وقد ظهر -[500]- من ناحية الجبل سحابة سوداء مظلمة، ظاهر منها العذاب، فَلَمَّا قرُبت قامَ الشَّيْخ وَقَالَ: إلى بلدي؟ ارجعي، فرجعت السّحابة. ولو لم أسمع هذه الحكاية من الفقيه ما صَدّقت. حَدَّثَنِي الشَّيْخ إسرائيل، أَنَّ الشَّيْخ مُحَمَّدًا السَّكاكيني حدّثه، وَكَانَ لَا يكاد يفارق الشَّيْخ، قَالَ: دعاني إِنْسَان والحّ عَليّ فأتيته، وخرجت في الليل من السُّور من عند عمود الراهب، وجئت إلى الزاوية، فَإِذَا الشَّيْخ وَهُوَ يَقُولُ: يا مولاي، ترسل إليّ النَّاس في حوائجهم؟ من هُوَ أَنَا؟ اقضِها أَنْتَ لهم يا مولاي، إبراهيم النصراني من جبة بشرين يا مولاي، ودعا لَهُ، فبهتّ لِذَلِكَ، ونمتُ ثُمَّ قمتُ إلى الفَجْر، وبقيت يومئذ عنده. فَلَمَّا كَانَ الليل وَأَنَا خارج الزَّاوية، إذا بشخصٍ فَقُلْتُ: أيش تعمل هنا؟ وَإِذَا بِهِ إِبْرَاهِيم النَّصْرَانيّ، قُلْتُ: أيش جابك؟ قَالَ: أَيْنَ الشَّيْخ؟ قُلْتُ: يكون في المغارة. قَالَ: رَأَيْت البارحة رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ في النوم، وَهُوَ يَقُولُ: تروح إلى الشَّيْخ عَبْد اللَّه، وتسلّم عَلَى يده فقد ينتفع فيك. فأتينا الشَّيْخ، وإذا بِهِ في المغارة، فقصّ على الشيخ الرؤيا؛ فتغرغرت عينا الشَّيْخ بالدّموع، وَقَالَ: سمّاني رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ شويخ. فأسلم إِبْرَاهِيم، وجاء منه رجل صالح. وَأَخْبَرَنِي العماد أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سعْد، قَالَ: طلعنا جماعة إلى زيارة الشَّيْخ الفقيه مُحَمَّد، فَقُلْتُ: يا سيدي، حَدَّثَنَا عن منام الشيخ عبد الله الثقة، فقال: أخبرني الشَّيْخ عَبْد الله الثقة، قَالَ: كُنْت قد رَأَيْت من ثلاث عشرة سنة كأني في مكانٍ واسع مضيء، وفيه جماعة فيهم رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ، فَجِئْتُ إِلَيْهِ، وَقُلْتُ: يا رَسُول اللَّه خذ عليّ العَهْد، ومددت يدي إليه، فَقَالَ: بعد الشَّيْخ عَبْد اللَّه - أعدتها عَلَيْهِ ثلاثًا - وَهُوَ يَقُولُ: بعد الشَّيْخ عَبْد اللَّه. فَلَمَّا كَانَ البارحة جاء إليَّ شخص، وَقَالَ: رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ في النوم، وَهُوَ يَقُولُ لي: قل لعبد اللَّه الثقة يخرج من المدينة وإلا يُمسَك. قُلْتُ: يا رَسُول اللَّه، ما يُصدّقني؟ قَالَ: قل لَهُ بعلامة ما رآني، وَقَالَ لي: خذ عَليّ العهد، فَقُلْتُ لَهُ: بعد الشَّيْخ عَبْد اللَّه. قَالَ: ولو لم يرَ لي هَذَا المنام، ما أعلمت بمنامي أحدًا. قَالَ: فَقُلْتُ: ما بعد هَذَا شيء، أخرج، قَالَ: فمُسك بعد أيام. أَوْ ما هَذَا معناه. أَخْبَرَنِي الشيخ إسرائيل، حَدَّثَنِي عَبْد الصَّمَد. قَالَ: وَالَّذِي لَا إله إِلَّا هو -[501]- مُذ خدمتُ الشَّيْخ عَبْد اللَّه ما رأيته استند إلى شيء، ولا سَعَلَ، ولا تَنَحْنَحَ، ولا بصق. وَقَالَ الشَّيْخ الفقيه: حضرتُ الشَّيْخ عَبْد اللَّه مرتين، وسأله ابن خاله حُميد بن بَرق، فَقَالَ: زوجتي حامل، إنْ جاءت بولد ما أسمّيه؟ قَالَ: سمِّ الواحد: سُلَيْمَان، والآخر: دَاوُد، فولدت اثنين توأمًا. وَقَالَ لَهُ ابنه مُحَمَّد: امرأتي حامل إن جاءت بولد ما أسمّيه؟ قَالَ: سمِّ الْأَوَّل: عَبْد اللَّه، والثاني: عَبْد الرَّحْمَن. وعن سَعِيد المارديني، قَالَ: جاء رجالٌ من بَعْلَبَكّ إلى الشَّيْخ، فقالوا: جاءت الفرنج، قَالَ: فمسك لحيته وَقَالَ: هَذَا الشَّيْخ النَّحس ما قعوده هاهنا؟ فردت الفرنج. وقال أبو المظفر سِبط ابن الْجَوْزيّ في ترجمة الشَّيْخ عَبْد اللَّه اليونينيّ: كَانَ صاحب رياضات ومُجاهدات وكرامات وإشارات. لم يقم لأحدٍ تعظيمًا لله؛ وَكَانَ يَقُولُ: لَا ينبغي القيام لغير اللَّه. صحِبتُه مُدَّة، وَكَانَ لَا يدَّخر شيئًا، ولا يمسّ دينارًا ولا دِرهماً، وما لبس طول عمره سوى الثّوب الخام، وقَلَنْسُوة من جِلد ماعِز تساوي نصف درهم، وفي الشتاء يبعث لَهُ بعض أصحابه فروة، فيلبسها، ثُمَّ يؤثر بها في البرد. قَالَ لي يومًا ببَعْلَبَكّ: يا سيّد أَنَا أبقى أيامًا في هذه الزاوية ما آكلُ شيئا، فَقُلْتُ: أَنْتَ صاحب القبول كيف تجوع؟ قَالَ: لأنَّ أهل بَعْلَبَكّ يتّكل بعضهم عَلَى بعض، فأجوع أَنَا. فحدثني خادمه عَبْد الصَّمَد قَالَ: كَانَ يأخذ ورق اللّوز يفركه ويَسْتَفّه. وَكَانَ الْأمجد يزوره، فَكَانَ الشَّيْخ يهينه وَيَقُولُ: يا مُجَيد أَنْتَ تظلم وتفعل، وهُوَ يعتذر إِلَيْهِ. وأظهر العادل قراطيس سودًا، فَقَالَ الشَّيْخ: يا مسلمون انظروا إلى هَذَا الفاعل الصّانع يفسد عَلَى النَّاس معاملاتهم. فبلغ العادلَ ذَلِكَ، فأبطلها. سافرتُ إلى العراق سنة أربعٍ وحججت، فصعدت عَلَى عرفات، وَإِذَا بالشيخ عَبْد اللَّه قاعدٌ مستقبل القبلة، فسلّمت عَلَيْهِ، فرحّب بي وسألني عن طريقي، وقعدتُ عنده إلى الغياب، ثُمَّ قُلْتُ: ما نقوم نمضي إلى المُزْدلِفة؟ فَقَالَ: اسبقني؛ فلي رفاق. فأتيت مزدلفة ومِنى، فدخلت مسجد الخِيف فإذا بالشيخ تَوْبة، فسلَّم عَليّ، -[502]- فَقُلْتُ: أَيْنَ نزلَ الشَّيْخ؟ قَالَ: أيُّما شيخ؟ قُلْتُ: عَبْد اللَّه اليُونينيّ. قَالَ: خلَّفته ببَعْلَبَكّ. فقطبتُ وَقُلْتُ: مبارك. ففهم وقبض عَلَى يدي وبكى، وقَالَ: بالله حَدَّثَني، أيش معنى هذا؟ قُلْتُ: رأيته البارحة عَلَى عرفات. ثُمَّ رجعت إلى بَغْدَاد ورجع تَوْبة إلى دمشق، وَحَدَّثَ الشَّيْخ عَبْد اللَّه، ثُمَّ حَدَّثَنِي الشَّيْخ توبة قَالَ: قَالَ لي ما هُوَ صحيح منك، فلان فتى، والفتى لَا يكون غمّازًا. فَلَمَّا عدت إلى الشَّام عتَبَني الشَّيْخ. وَحَدَّثَنِي الجمال يعقوب قاضي البِقاع، قَالَ: كُنْت عند الجسر الْأبيض وَإِذَا بالشيخ عَبْد اللَّه قد جاء ونزل إلى ثورا، وَإِذَا بنصرانيّ عابر، ومعه بَغْل عَلَيْهِ حِمل خَمْر فعثرَ البغل ووقع، فصعد الشَّيْخ وَقَالَ: يا فقيه، تعال. فعاونته حَتَّى حمَّلناه، فَقُلْتُ في نفسي: أيش هَذَا الفعل؟ ثُمَّ مشيت خلف البَغْل إلى العُقيبة فجاء إلى دكان الخَمّار، فحلّ الظرف وقلَبَه، وَإِذَا بِهِ خَلّ، فَقَالَ لَهُ الخَمّار. ويحك هَذَا خل، فبكى، وَقَالَ: واللَّه ما كَانَ إِلَّا خمْرًا من ساعة، وإنّما أَنَا أعرف العِلَّة، ثُمَّ ربط البَغْل في الخان، وردَّ إلى الجبل، وَكَانَ الشَّيْخ قد صلَّى الظُّهر عند الجسر في مسجدٍ، قَالَ: فدخل عَلَيْهِ النَّصْرَانيّ، وأسلم، وصار فقيرًا. قَالَ أَبُو المُظَفَّر: وَكَانَ الشَّيْخ شجاعًا ما يبالي بالرجال قَلُّوا أَوْ كثروا، وَكَانَ قوسه ثمانين رِطلًا، وما فاتته غزاة في الشَّام قطّ، وَكَانَ يتمنى الشهادة ويُلقي نفسه في المهالك. حَدَّثَنِي خادمه عَبْد الصَّمَد قَالَ: لَمَّا دخل العادل إلى بلاد الفرنج إلى صافيتا قَالَ لي الشَّيْخ ببَعْلَبَكّ: انزل إلى عَبْد اللَّه الثقة، فأطلب لي بغلته. قَالَ: فأتيته بها، فركبها، وخرجت معه فبِتنا في يُونين، وقمنا نصف الليل، فجئنا المُحدثَة الفجَر، فَقُلْتُ لَهُ: لَا تتكلم فهذا مكمن الفرنج. فرفع صوته وَقَالَ: اللَّه أكبر، فجاوبته الجبال، فيَبستُ من الفَزَع، ونزل فصلّى الفجْر، وركب، فطلعت الشمس، وإذا قد لاح من ناحية حِصن الْأكراد طلب أبيض، فظنّهم الأسبتار، فقال: الله أكبر، ما أكبرك من يوم، اليوم أمضي إلى صاحبي. وساق إليهم وشهر سيفه، فَقُلْتُ في نفسي: شيخ وتحته بغلة وبيده سيف يسوق إلى طلب فرنج. فَلَمَّا كَانَ بعد لحظةٍ وقربوا، إِذَا هم بمائة حُمَيْر -[503]- وحش، فجئنا إلى حِمص، فجاء الملك المُجاهد أسدُ الدِّين، وقدَّم لَهُ حصانًا، فركبه، ودخل معهم، وفعل عجائب. وَكَانَ الشَّيْخ عَبْد اللَّه يَقُولُ للفقيه مُحَمَّد: فيّ وفيك نزلت: " {{إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ والرُّهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بالباطل}} ". وَقَالَ ابن العديم في " تاريخ حلب ": أَخْبَرَنِي الفقيه محمد اليُونينيّ أَنَّ الشَّيْخ عَبْد اللَّه كَانَ يصلّي بعد العشاء الآخرة وِرداً إلى قريب ثلث الليل، فَكَانَ ليلةً يعاتب ربّه - عَزَّ وَجَلَّ - وَيَقُولُ: يا ربّ النَّاس ما يأتوني إِلَّا لأجلك، وأنا قد سألتك في المرأة الفلانية والرجل الفلانيّ أن تقضي حاجته، وما قضيتَها، فهكذا يكون؟ وَكَانَ يتمثّل بهذه الْأبيات كثيرًا ويبكي: شفيعي إليكُم طُولُ شَوقي إليكم ... وكُلُّ كريمٍ للشفيع قُبول وعُذري إليكم أنني في هواكم ... أسيرٌ ومأسورُ الغرام ذليلُ فإن تقبلوا عُذري فأهلًا ومرحبًا ... وإن لم تُجيبوا فالمُحبُّ حَمُولُ سأصبرُ لَا عنكم ولكن عليكمُ ... عسى لي إلى ذاكَ الجَنابِ وصولُ قَالَ الصّاحب أَبُو الْقَاسِم: وقد صحِبته ووهب لي قميصًا له أزْرَق، وَقَالَ لي يومًا ببيت المَقْدِس: يا أَبَا الْقَاسِم، اعشق تفلح! فاستحييت، وَذَلِكَ في سنة ثلاث وستمائة، ثُمَّ بعد مُدَّة سارَّني بجامع دمشق، وَقَالَ: عَشِقت بعدُ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: شُهْ عليك. واتفق أنّي تزوجت بعد ذاك بسنة، ومِلْتُ إلى الزوجة مَيْلًا عظيمًا، فما كُنْت أصبر عَنْهَا. قَالَ ابن العزّ عُمَر: قرأت في " تاريخ ابن العديم "، بغير خطّه، قَالَ سيّدنا العلّامة أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أَبِي الحُسَيْن اليُونينيّ: كُنْت عند الشَّيْخ يومًا فجاءه رجلان من العرب، فقالا: نطلع إليك؟ قَالَ: لَا، فذهب أحدهما وجلس الآخر، فَقَالَ الشَّيْخ: " فَأَمَّا الزَّبَد فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا مَا ينفع الناس فيمكث في الأرض "، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اطلع. وطلع، فأقام عندنا أيامًا، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: تحبّ أن أريك قبرك؟ قَالَ: نعم، فأتى بِهِ المَقْبرة، فَقَالَ: هَذَا قبرك. فأقام بعد ذَلِكَ اثنى عشر يوماً أو أربعة عشر يومًا، ثُمَّ مات، فدُفن في ذَلِكَ المكان. وَكَانَ لَهُ -[504]- زَوْجَة ولها بنت، فطلبتُ أن يزوجني بها، فتوقّفت أمها، وقالت: هَذَا فقير ما لَهُ شيء. فَقَالَ: واللَّه إنّي أرى دارًا قد بُنيت لَهُ وفيها ماءٌ جارٍ وابنتك عنده في الإيوان، وَلَهُ كفاية عَلَى الدوّام، فَقَالَتْ: ترى هَذَا؟ قَالَ لها: نعم. فزوّجَتنيها، ورأت ذَلِكَ، وأقامت معي سنين، وَذَلِكَ سنة محاصرة الملك العادل سِنجار. وكانت امْرَأَة بعد موتها تطلب زواجي، وتشَفّعت بزوجة الشَّيْخ، فَلَمَّا أكثرت عَليّ، شكوتها إلى الشَّيْخ، فَقَالَ: طوِّل روحك يومين، ثلاثة ما تعود تراها. قَالَ: فقدِم ابنُ عمِّها من مِصْر أميرٌ كبيرٌ بعد أيام، فتزوّج بها، وما عدت رأيتها. وكراماته في هَذَا كثير. كتب الفقيه تحت هَذَا الكلام: " صحيح ذَلِكَ، كتبه مُحَمَّد بن أَبِي الحسين اليونيني ". وقال أبو القاسم ابن العديم: تُوُفِّي في عشْر ذي الحجَّة، وَهُوَ صائم، وقد جاوز الثمانين. فَقَالَ لي الفقيه مُحَمَّد: كُنْت عند الشَّيْخ، فالتفت إلى دَاوُد المؤذن، فَقَالَ: وصيَّتك بي غدًا، فظنَّ المؤذن أَنَّهُ يريد يوم القيامة. وَكَانَ ذَلِكَ يوم الْجُمُعة، وَهُوَ صائم، فَلَمَّا جاء وقت الإفطار قَالَ لجاريته: يا درَّاج أجد عطشًا، فسقته ماء لينوفر، فباتَ تِلْكَ الليلة، وأصبحَ وجلس عَلَى حجَر موضِع قَبر مُستقبل القِبلة، فمات وَهُوَ جالس، ولم يُعلم بموته، حَتَّى حركوه، فوجدوه ميتًا، فجاء ذَلِكَ المؤذن وغَسَّله، رحمه اللَّه. قُلْتُ: وَلَهُ أصحاب كبار منهم: ولده مُحَمَّد، وَالشَّيْخ الفقيه، وَالشَّيْخ عَبْد اللَّه بن عَبْد العزيز، وَالشَّيْخ عيسى بن أَحْمَد، وَالشَّيْخ تَوْبَة، وَمُحَمَّد بن سيف؛ وأقدمهم الشَّيْخ عَبْد الخالق اليُونينيّ، تُوُفِّي بيونين في هذه السنة أَيْضًا؛ وَكَانَ صالحًا زاهدًا، كبير القدر، صاحب كرامات، وَهُوَ عمّ الشَّيْخ عيسى اليُونينيّ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
588 - سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم بن هبة اللَّه بن رَحْمة، الفقيهُ، المُحَدِّثُ، الزاهدُ، أَبُو الربيع، الإسْعِرْدي، [المتوفى: 639 هـ]
خطيبُ بيت لِهْيا. وُلِد بإِسْعرد فِي سنةِ سبع وستين وخمسمائة. وطلبَ الحديثَ بدمشق لمّا قَدِمها، وتخرج بالحافظ عبدِ الغني، وسَمِعَ منه ومن الخُشُوعي، وجماعةٍ. وبمصر من البوصيري، وابن ياسين، وفاطمةَ بنتِ سعد الخير، والأرتاحيّ. وبالإسكندرية من عَبْد الرَّحْمَن بن مُوَقَّى. وكتبَ الكثيرَ بخطِّه وهو طريقةٌ معروفة فيها تكويف. وكانَ صالحًا، ثقةً، خَيِّرًا. أسمعَ بنتَه زينب الكثيرَ، وهي أحدُ مَنْ رَوَى " صحيح الْبُخَارِيّ " بالقاهرة عاليًا. رَوَى عَنْهُ الشهاب القوصي، والمجد ابن الحُلْوانية، والشرفُ أبو الْحُسَيْن اليونيني، والبدرُ حسن ابن الخَلَّال، وأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن حاتم، وأَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بن طيٍّ، وجماعة. وبالإجازة: العمادُ ابن البالِسيّ، ومُحَمَّد بن مُشْرِق، وغيرهما. وماتَ فِي الثاني والعشرين من ربيع الآخر ببيت لِهْيا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
93 - رحمة بْن الخضِر بْن مختار القاضي أَبُو الغيث الأشجعيّ الشّافعيّ. [المتوفى: 642 هـ]
قاضي ذات الكَوْم. تُوُفّي بِهَا، وله نحوٌ من سبعين سنة. وقال: إنّه سَمِعَ من البُوصِيريّ. تُوُفّي فِي ربيع الأول. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
20 - عبد المنعم بن عبد الوهّاب بن محمد بن رحمة، أبو محمد القُضاعيّ، الخَوْلانيّ، المصريّ، المؤذّن، ويُعرف بابن سمعون. [المتوفى: 661 هـ]
روى عن علي بن نصر ابن البنّاء المكّيّ، وتُوُفّي في ربيع الأوّل عن أربعٍ وسبعين سنة، كتب عنه المصريون. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
350 - الشيخ علي البكّاء، رحمة الله عليه. [المتوفى: 670 هـ]
من كبار أولياء الله تعالى، أقام مدّةً ببلد الخليل، وكان مقصودًا بالزّيارة والتَّبرُّك، ورد خبر موته إلى دمشق في يوم عاشر رجب سنة سبعين. ويُقال: إنّه قارب مائة سنة. وقبره ظاهر يُزار. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
63 - عَبْد اللّه بْن غانم بْن عليّ، القُدْوة الزّاهد، أبو مُحَمَّد ابن الشَّيْخ الكبير العارف أبي عَبْد اللّه النّابلسيّ، رحمة اللّه عليهما. [المتوفى: 672 هـ]
تُوُفِّيَ بنابلس فِي سابع عشر شعبان. وبها وُلِدَ فِي سنة ثمانٍ وستّمائة. ولعلّه سمع بها من البهاء عَبْد الرَّحْمَن، فإنّه روى بها الكثير فِي سنة تسع عشرة، -[242]- وقد سمع بدمشق من الحافظ ضياء الدّين المقدسيّ، وكان شيخ الأرض المقدسة فِي وقته زُهْدًا وصلاحًا وشُهْرة وجَلالة، ولمّا تُوُفِّيَ صُلِّيَ عليه صلاة الغائب بجامع دمشق. حدَّث عَنْهُ النجم ابن الخبّاز فِي " مشيخته " وابن جعوان. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تسهيل المنافع في الطب والحكمة، المشتمل على: شفاه الأجسام وكتاب الرحمة
للشيخ: إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق. أوله: (الحمد لله المتعالي عن الأنداد ... الخ) . ذكر فيه: أنه جمع فيه بين هذين الكتابين. وزاد عليهما: من: (اللقط) لابن الجوزي، و (برء الساعة) ، و (تذكرة السويدي) ، و ... غيره. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
حزب الفتح والنور، وتجلي الرحمانية بالرحمة في عالم الظهور
للشيخ، أبي محمد: عبد الحق بن سبعين. المتوفى: سنة 669، تسع وستين وستمائة. أوله: (بسم الله فاتح الوجود 000 الخ) . |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
دفع النقمة، في الصلاة على نبي الرحمة
لابن أبي حجلة: أحمد بن يحيى. المتوفى: سنة 776، ست وسبعين وسبعمائة. رتب على: مقدمتين، وأربعين حديثا، وتتمة، وسبعة أبواب، وخاتمة. كلها في: فضيلة الصلاة عليه - عليه الصلاة والسلام -. أوله: (الحمد لله الذي خص نبيه بأفضل الصلاة والسلام ... الخ) . |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
رحمة الأمة، في اختلاف الأئمة
في الفروع. للشيخ، صدر الدين، أبي عبد الله: محمد بن عبد الرحمن الدمشقي، الشافعي، العثماني. قاضي القضاة بالمملكة الصفدية. المتوفى: سنة.... أوله: (الحمد لله الذي أجزل إحسانه ... الخ) . فرغ منها في ربيع الأول سنة 780، ثمانين وسبعمائة. وقيل لشيخ الإسلام أبي الحسن السعدي. |