نتائج البحث عن (علاقة) 28 نتيجة

(العلاقة) الصداقة وَالْحب اللَّازِم للقلب وَمَا تتبلغ بِهِ الْبَهَائِم من الشّجر وَمَا يكْتَفى بِهِ من الْعَيْش وَمَا تعلق بِهِ الْإِنْسَان من صناعَة وَغَيرهَا و (فِي علم الْبَيَان) الْمُنَاسبَة بَين الْمَعْنى الْأَصْلِيّ وَالْمعْنَى المُرَاد فِي الْمجَاز وَالْكِنَايَة (ج) علائق

(العلاقة) مَا يعلق بِهِ السَّيْف وَنَحْوه
العلاقة: شيء يستصحب الأول الثاني كالعلية والتضايف.
العلاقة: بكسر العين، يستعمل في المحسوسات، وبالفتح، في المعاني، وفي الصحاح: العلاقة، بالكسر: علاقة القوس والسوط، ونحوهما، وبالفتح، علاقة الخصومة والمحبة، ونحوهما.
العلاقة:[في الانكليزية] Relation ،relationship ،link [ في الفرنسية] Relation ،rapport ،lien بالفتح رابطة بازبستن معنى بمعنى- ربط معنى بمعنى آخر- وبالكسر رابطة بازبستن جسم بجسم- ربط جسم بجسم آخر- كما في كنز اللغات، فهي بالفتح تستعمل في المعاني وبالكسر في الأمور المحسوسة كما قيل في بعض رسائل الاستعارة. قال المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية: العلاقة بالفتح في اصطلاح المنطقيين شيء بسببه يستصحب شيء شيئا، استصحبه دعاه إلى الصحبة كما في القاموس. فالمعنى أنّ العلاقة شيء بسببه يطلب الشيء الأول أن يكون الشيء الثاني مصاحبا له وهي قد تكون موجبة ومقتضية لذلك الاستصحاب كما في القضايا الشرطية المتّصلة اللزومية وقد لا تكون كما في الشرطيات المتّصلة الاتفاقية، فالعلاقة بين اللزوميات هي ما يقتضي الاتصال بين طرفيها في نفس الأمر كالعلّية والتضايف، فالتضايف كقولنا إن كان زيد أبا عمرو كان عمرو ابنه.وأمّا العلّية فبأن يكون المقدّم علّة موجبة للتّالي، سواء كانت علّة ناقصة أو تامة كقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، أو معلولا له فإنّ وجود المعلول يستلزم وجود العلّة كقولنا إن كان النهار موجودا فالشمس طالعة، أو يكونا معلولي علّة واحدة لا كيف ما اتفق وإلّا لكانت الموجودات بأسرها متلازمة لكونها معلولة للواجب تعالى، بل لا بد مع ذلك من اقتضاء تلك العلة ارتباط أحدهما بالآخر بحيث يمتنع الانفكاك بينهما لئلّا يكون مجرّد مصاحبة كما في معلولي العقل الأول، أي الفلك الأول والعقل الثاني، فإنّه لا تلازم ولا ارتباط بينهما، بل مجرّد مصاحبة. والسّرّ فيه أنّه موجب لكل واحد بجهة غير ما هو جهة إيجاب الآخر، فلا يمتنع الانفكاك بينهما، بخلاف قولنا إن كان النهار موجودا فالعالم مضيء فإنّ وجود النهار وإضاءة العالم معلولان لطلوع الشمس، وطلوع الشمس مقتض لعدم الانفكاك بينهما، والعلاقة بين الاتفاقيات ما به مجرّد المصاحبة، والتوافق بين الطرفين من غير اقتضائه إياها أي تلك المصاحبة. والعلاقة بين الشرطيات المنفصلة العنادية هي ما يقتضي العناد بين طرفيها، وفي المنفصلات الاتفاقية هي ما لا يقتضي العناد والتنافي بل مجرّد أن يتفق في الواقع أن يكون بين طرفيها منافاة، انتهى ما قال المولوي عبد الحكيم. وعلاقة المجاز عندهم وعند الأصوليين.وأهل العربية هي اتصال ما للمعنى المستعمل فيه بالمعنى الموضوع له، أي تعلّق ما للمعنى المجازي بالحقيقي أعمّ من أن يكون اتصالا في المجاورة أو في غيرها. والعمدة في حصر أنواعها الاستقراء، ويرتقي ما ذكره القوم إلى خمسة وعشرين، وضبطه ابن الحاجب في خمسة. الأولى الاشتراك في الشّكل كالإنسان للصورة المنقوشة على الجدار. الثانية الاشتراك في الوصف ويجب أن يكون الصفة ظاهرة لينتقل الذهن إليها، فيفهم الآخر باعتبار ثبوتها له، كإطلاق الأسد على الشجاع بخلاف إطلاق الأسد على الأبخر. والثالثة أنّه كائن عليه مثل العبد للمعتق لأنّه كان عبدا. والرابعة أنّه آئل إليه كالخمر للعصير لأنّه في المآل يصير خمرا.والخامسة المجاورة مثل جري الميزاب والمراد بالمجاورة ما يعمّ كون أحدهما في الآخر بالجزئية أو الحلول وكونهما في محلّ وكونهما متلازمين في الوجود أو العقل أو الخيال أو غير ذلك. وصاحب التوضيح ضبطه في تسعة:الكون والأول والاستعداد والمقابلة والجزئية والحلول والسّببية والشرطية والوصفية، لأنّ المعنى الحقيقي إمّا أن يكون حاصلا بالفعل للمعنى المجازي في بعض الأزمان خاصّة أو لا، فعلى الأول إن تقدّم ذلك الزمان على زمان تعلّق الحكم بالمعنى المجازي فهو الكون عليه، وإن تأخّر فهو الأول إليه إذ لو كان حاصلا في ذلك الزمان أو في جميع الأزمنة لم يكن مجازا بل حقيقة، وعلى الثاني إن كان حاصلا بالقوة فهو الاستعداد، وإلّا فإن لم يكن بينهما لزوم واتصال في العقل بوجههما فلا علاقة، وإن كان فإمّا أن يكون لزوما في مجرّد الذهن وهو المقابلة أو منضمّا إلى الخارج، وحينئذ إن كان أحدهما جزءا للآخر فهو الجزئية والكلّية، وإلّا فإن كان اللازم صفة للملزوم فهو الوصفية له أعني المشابهة، وإلّا فاللزوم إمّا بأن يكون أحدهما حاصلا في الآخر وهو الحالية والمحلّية أو سببا له وهو السّببية والمسبّبية، أو شرطا له وهو الشرطية، كذا في التلويح.
  • العلاقة
العلاقة: بِالْفَتْح تسْتَعْمل فِي المعقولات، وبالكسر فِي المحسوسات وَهِي الْحبّ اللَّازِم للقلب وَسمي علاقَة لتعليق الْقلب بالمحبوب، وَعند المنطقيين شَيْء بِسَبَبِهِ يستصحب أَي يسْتَلْزم أَمر أمرا. وَالْمرَاد بهَا فِي تَعْرِيف الْمُتَّصِلَة اللزومية شَيْء بِسَبَبِهِ يستصحب الْمُقدم التَّالِي كالعلية والتضايف. أما الْعلية فبأن يكون الْمُقدم عِلّة للتالي أَو بِالْعَكْسِ أَو يَكُونَا معلولي عِلّة وَاحِدَة كَقَوْلِنَا إِن كَانَت الشَّمْس طالعة فالنهار مَوْجُود. وَبِالْعَكْسِ وَإِن كَانَ النَّهَار مَوْجُودا فالأرض مضيئة. وَأما التضايف فتفسيره فِي التضايف مثل إِن كَانَ زيد أَبَا عَمْرو فَيكون عَمْرو ابْنه.
العلاقة: شيء بسببه يستصحب الأول الثاني كالعلية والتضايف.
عِلاَقَةالجذر: ع ل ق

مثال: ربطتني بأستاذي عِلاقة مودةالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لأن الكلمة لم ترد بهذا الضبط في المعاجم. المعنى: رابطة ودّ تربط بيننا

الصواب والرتبة: -ربطتني بأستاذي عَلاقة مودة [فصيحة]-ربطتني بأستاذي عِلاقة مودة [صحيحة] التعليق: جاء في لسان العرب: قال اللحياني عن الكسائي: لها في قلبي عَلاقَةُ حُبٍّ وعِلاقَةُ حُبٍّ. قال: ولم يعرف الأصمعي عِلاَقَة حبّ، إنما عرف عَلاقَةَ حبّ بالفتح. وذكرت معاجم أخرى أنه يجوز في كلمة «علاقة» بالمعنى المستعمل هنا فتح العين وكسرها، والفتح أفصح، ففي القاموس: «العَلاقة، ويُكْسَر: الحب اللازم للقلب»، وقد ميَّز الوسيط والأساسي والمنجد بين الكلمتين بالفتح والكسر.
عَلاقَة معالجذر: ع ل ق

مثال: كَانَ على علاقة طيِّبة معهالرأي: مرفوضةالسبب: لاستخدام «مع» بدلاً من حرف الجر «الباء»، وهو ما لم يرد في المعاجم.

الصواب والرتبة: -كان على علاقة طيِّبة به [فصيحة]-كان على علاقة طيِّبة معه [صحيحة] التعليق: التبادل بين بعض الظروف وحروف الجر شائع، وتشترك «مع» و «الباء» في إفادة معنى المعية والمصاحبة والاشتراك في الحكم؛ ومن ثمَّ يكون التبادل بينهما سائغًا خاصة وأن مجمع اللغة المصري أجاز استعمال «مع» بدلاً من الباء فيما جاء من الأفعال على وزن «افتعل». وبعض الأفعال المرفوضة ليس في اللغة ما يحظر استخدام «مع» معها فضلاً عن إمكانية تعدد المتعلقات في الجملة أو حمله على التعدد الأسلوبي، وقد جاء الاستعمال المرفوض في بعض المعاجم الحديثة.
عَلاَّقَةالجذر: ع ل ق

مثال: وضع المعطف على العلاّقةالرأي: مرفوضةالسبب: لأنها لم تسمع عن العرب.

الصواب والرتبة: -وَضَعَ المعطف على العَلاّقة [صحيحة]-وَضَعَ المعطف على العِلاقة [فصيحة مهملة] التعليق: جاء في التاج: العِلاقة، بالكسر، في السوط ونحوه، ولكن مجمع اللغة المصري أجاز قياسية «فَعَّالة» في صوغ اسم الآلة، ومن ثمَّ يصح استعمال «علاَّقة»، وقد ذكرتها بعض المعاجم الحديثة كالأساسي.
العِلاقة: شيء بسببه يستصحب الأول الثاني كالعلية والتضايف وهي بكسر العين يستعمل في المحسومات وبالفتح في المعاني أيضاً العلاقة المهر.
3757- علاقة بن صحار
علاقة بْن صحار تقدم القول فِيهِ فِي العلاء بْن صحار.

ز العلاء وقيل علاقة

الإصابة في تمييز الصحابة

وقيل علاثة» .
قيل: هو عمّ خارجة بن الصلت. وقيل: اسم عمه عبد اللَّه بن حثير، بمهملة ثم مثلثة ساكنة ثم ياء تحتانية مفتوحة. يأتي في المبهمات إن شاء اللَّه تعالى.
5669

ز العلاء وقيل علاقة

الإصابة في تمييز الصحابة

وقيل علاثة» .
قيل: هو عمّ خارجة بن الصلت. وقيل: اسم عمه عبد اللَّه بن حثير، بمهملة ثم مثلثة ساكنة ثم ياء تحتانية مفتوحة. يأتي في المبهمات إن شاء اللَّه تعالى.
5669

زياد بن علاقة

سير أعلام النبلاء

702- زياد بن عِلاقة 1: "ع"
ابن مالك، أبو مالك الثعلبي الكُوْفِيُّ، مِنَ الثِّقَاتِ المُعَمَّرِيْنَ.
يُقَالُ: إِنَّهُ أَدْرَكَ ابْنَ مَسْعُوْدٍ.
وَقَدْ حَدَّثَ عَنْ: عَمِّهِ قُطْبَةَ بنِ مَالِكٍ، وَجَرِيْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ، وَالمُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ, وَأُسَامَةَ بنِ شَرِيْكٍ، وَعَمْرِو بنِ مَيْمُوْنٍ الأَوْدِيِّ, وَجَمَاعَةٍ.
حَدَّثَ عَنْهُ: شُعْبَةُ, وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ, وَشَيْبَانُ النَّحْوِيُّ، وَزَائِدَةُ, وَزُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ، وَإِسْرَائِيْلُ, وَأَبُو عَوَانَةَ, وَأَبُو الأَحْوَصِ، وَسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، وَطَائِفَةٌ. وَهُوَ أَكْبَرُ شَيْخٍ لابْنِ عُيَيْنَةَ.
قَالَ لَيْثُ بنُ أَبِي سُلَيْمٍ: أَدْرَكَ ابْنَ مَسْعُوْدٍ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ: ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ.
قِيْلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَمائَةٍ. وَقِيْلَ: مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيْرٍ. قُلْتُ: أَحْسِبُهُ جَاوَزَ المائَةَ، وَقَعَ لِي حَدِيْثُهُ عَالِياً.
قَرَأْتُ عَلَى عَلِيِّ بنِ عِيْسَى المُعَدَّلِ، أَخْبَرَكُم مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الفَارِسِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ, أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ, أَنْبَأَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بنُ بِشْرَانَ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيْلُ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ, حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زياد بن علاقة، سَمِعَ أُسَامَةَ بنَ شَرِيْكٍ يَقُوْلُ: شَهِدْتُ الأَعْرَابَ يَسْأَلُوْنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ عَلَيْنَا مِنْ جُنَاحٍ فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: "عباد الله وضع الله الحرج إلا امرأ اقْتَرَضَ مِنْ عِرْضِ أَخِيْهِ شَيْئاً فَذَاكَ الَّذِي حَرِجَ". قَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ, مَا خَيْرُ ما أعطي العبد قال: "خلق حسن" 2.
__________
1 ترجمته في طبقات ابن سعد "6/ 316"، التاريخ الكبير "3/ ترجمة 1234"، الكنى للدولابي "2/ 104"، الجرح والتعديل "3/ ترجمة 2437"، تاريخ الإسلام "5/ 72"، العبر "1/ 236"، تهذيب التهذيب "3/ 380"، خلاصة الخزرجي "1/ ترجمة 2215"، شذرات الذهب "1/ 166".
2 صحيح: أخرجه ابن ماجه "3436" من حديث سفيان، عن زياد بن علاقة، به.

‏<br> علاقة بْن صحار السليطي.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


هُوَ ابْن عم خارجة بْن الصلت، رَوَى عنه خارجة بن الصلت.

في ى: سهيل. والمثبت من س، وأسد الغابة.

في ى، وأسد الغابة: بشر. والصواب من س، والتقريب.

بكسر أوله وسكون الكاف.

العلاقة بين الكرم والمروءة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

العلاقة بين الكرم والمروءة.
(فأما الكرم والمروءة فهما قرينان في الفضل ومتشاكلان في العقل والفرق بينهما مع التشاكل من وجهين:.
أحدهما: أن الكرم مراعاة الأحوال أن يكون على أنفعها وأفضلها, والمروءة مراعاة الأحوال أن يكون على أحسنها وأجملها..
والوجه الثاني أن الكرم ما تعدى نفعه إلى غير فاعله والمروءة قد تقف على فاعلها ولا تتعدى إلى غيره.
فإن استعملها في غيره مازجت الكرم ولم ينفرد بالمروءة وصار بالاجتماع أفضل وإن افترقا كان الكرم أفضل لتعدي نفعه وتعدي النفع أفضل..
وليس واحد من الكرم والمروءة خلقا مفردا ولكنه يشتمل على أخلاق يصير مجموعها كرما ومروءة)
(¬1).
¬_________.
(¬1) ((تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك)) (ص28).

‫علاقة النصارى بالمسلمين وأساليب نشر ديانتهم‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية


‫المبحث الأول: علاقة النصارى باليهود وعداؤهم للإسلام:‬
‫أرسل الله سبحانه وتعالى المسيح عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل متمماً رسالة موسى عليه السلام، ومصححاً ما حرفه اليهود فيها، إلا أن اليهود ناصبوه العداء، وكذبوه، وأَغْروا به الحكام, وحاولوا قتله.‬
‫بل ادعوا قتله وصلبه عليه السلام.‬
‫ومنذ ذلك الحين والعداوة بين اليهود والنصارى على أَشُدِّها, وقد بلغ ذلك العداء قمته قديماً عندما اعتنقت الدولة البيزنطية العقيدة النصرانية، فعملت بعد ذلك على قتل اليهود، وتشريدهم، وملاحقتهم. وبالرغم من تلك العداوة والاختلاف، وقيام بعضهم بتكفير بعض، إلا أن ذلك يزول ويختفي أثره، بل يَحُلُّ محلَّه الوئامُ إذا كان عدو الطرفين الإسلام أو المسلمين (¬1).‬
‫وهذا مصداق لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51 وليس في تاريخ العداوات عداوة تماثل شراستها وأبديتها ذلك النوع الذي تواجه به طوائفُ اليهودِ والنصارى الأمةَ الإسلاميةَ (¬2).ولم يكن الرضا عن اليهود متفقاً عليه من قبل جميع النصارى، بل إن هناك من النصارى المتعصبين من يقف ضد اليهود؛ فقد طردوا من إنجلترا عام (1290) م، ومن فرنسا عام (1390) م، ومن النمسا سنة (1420) م، ومن إسبانيا سنة (1692) م وذلك من قبل محاكم التفتيش التي أقيمت ضد المسيحيين واليهود على السواء، ثم أخرجوا من ألمانيا عام (1719) م، ومن روسيا سنة (1727) م، ثم جاء هتلر فقتل منهم من قتل (¬3).‬
‫وإزاء هذه العداوة العنيفة، وهذا الاضطهاد العظيم- خصوصاً وأنهم يزعمون أنهم شعب الله المختار- فكروا جديًّا بالتخلص من تلك العداوة التي تقف أمام كثير من مخططاتهم.‬
‫خصوصاً وأن أوربا كانت تعاني من الخواء الروحي، والطغيان الكنيسي بكافة ألوانه؛ فسلكوا في هذا الموضوع خطوات عديدة منها:‬
‫1 - تظاهرُ كثيرٍ من حاخاماتهم وعلمائهم بالدخول في النصرانية.‬
‫2 - إنشاء المنظمات السرية كالصهيونية، والماسونية وغيرها التي كانت ترفع شعارات الحرية والإخاء والمساواة.‬
‫3 - إحداث الثورات ضد الكنيسة أو استغلالها إذا قام بها غيرهم، ومن ذلك ما قام به مارتن لوثر ضد الكنيسة الغربية الكاثوليكية في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، وكذلك الثورة الفرنسية التي قام بها نابليون عام (1789) م, والتي كانت تنادي بنفس شعارات الماسونية: الحرية والإخاء والمساواة.4 - السعي للسيطرة الاقتصادية على الدول الأوربية (¬4).‬
‫وقد حصل اليهود على نتائج مهمة، واستغلوا الفرصة التي أتاحها لهم نفور الأوربيين من دينهم.‬
‫ومن تلك النتائج التي حقَّقها اليهود من وراء مخططاتهم ما يلي:‬
‫1 - علمنة الحياة في أوربا، حيث أُقصي الدين المسيحي عن الحياة تماماً.‬
‫2 - تمكن اليهود من تَبَوُّء مناصب ومواقع رفيعة في الحكومات الغربية لم يكونوا يحلمون بها في عصور الاضطهاد.‬
‫3 - السيطرة التامة على الاقتصاد الغربي وثرواته، بل وعلى اقتصاد وثروات العالم.‬
‫4 - كسر حدة العداء لليهود عند الأوربيين.5 - تمكن اليهود من إحياء التحالف اليهودي النصراني مرة أخرى ضد الإسلام (¬5).‬
‫¬_________‬
(¬1) ((موقف أصحاب الأهواء والفرق من السنة النبوية ورواتها: جذورهم ووسائلهم وأهدافهم قديماً وحديثاً)) د. محمد بن مطر الزهراني (ص 32).‬
(¬2) ((العلمانية)) د. سفر الحوالي. (ص 528).‬
(¬3) انظر ((موقف أصحاب الأهواء والفرق من السنة النبوية ورواتها)) (ص 33).‬
(¬4) انظر ((موقف أصحاب الأهواء والفرق)) (ص 33).‬
(¬5) انظر ((موقف أصحاب الأهواء والفرق)) (ص 34).‬

‫يقول الشيخ الدكتور سفر الحوالي - حفظه الله -: ومنذ أن أحكمت اليهودية العالمية أنشوصتها على العالم الغربي الذي أوقعته أسيراً في شباكها الأخطبوطية اتخذت العداوة مساراً واحداً تحفزه الروح الصليبية، وتوجهه الأفعى اليهودية؛ فقد تشابكت، وتداخلت مصالح الطرفين. وكان الغرب الصليبي مستعدًّا للتخلي عن كل حقد وعداوة إلا عداوته للإسلام في حين كانت الخطط التلمودية تروم تسخير العالم الصليبي بعد أن شلَّت قواه، وركبت رأسه للقضاء على عدوها الأكبر الإسلام (¬1).‬
‫ويقول الشيخ - حفظه الله -: وتجدر الإشارة إلى أن خطة العمل الموحد المشترك بين الصليبية واليهودية أصبحت لزاماً وواجباً على كلا الطرفين بعد الموقف الصلب الذي واجه به السلطان عبد الحميد هرتزل؛ إذ تعين بعدها أن القضاء على الخلافة الإسلامية ضروري لمصلحة الفريقين: النصارى الذين كانت لهم دولهم الاستعمارية تتحين الفرصة للأخذ بثأر الحروب الصليبية، واليهود الذين أيقنوا أن فشلهم مع السلطان يستوجب التركيز على العالم الصليبي، وتسخيره لمآربهم التلمودية. وبلغت الخطة ذروة التوحد بعد قرار المجمع الماسوني الذي ينص على تبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام، والذي كان يهدف إلى محو كل أثر عدائي مسيحي لليهود، وبالتالي إيجاد كتلة يهودية نصرانية واحدة لمجابهة الإسلام (¬2).‬
‫وهكذا نجد أن اليهود والنصارى متعادون متناحرون لا يجمعهم سوى مصالحهم، وأعظم مصلحة يجتمعون عليها هي عداء الإسلام والمسلمين.‬
‫وما نراه اليوم من تحالف بين أمريكا وإسرائيل, وما وعد بلفور المشؤوم إلا نموذج لذلك التحالف.‬
‫وقد تبنَّى بعض النصارى في أمريكا وأوربا فكرة وجود إسرائيل الحديثة على أنها تحقيق لنبوآت الكتاب المقدس، وعلامةٌ على قرب عودة المسيح إلى الأرض ثانية؛ حيث إنهم يعتقدون أن المسيح سينزل في آخر الزمان، وهم متفقون مع المسلمين في هذه القضية إلا أن اليهود - بخبثهم ومكرهم وبغباء النصارى- حوَّلوا هذه القضية لصالحهم؛ فاليهود يعتقدون بمجيء مُنْتَظر؛ لأنهم يعتقدون أن عيسى عليه السلام كذَّاب دجال.‬
‫أما المنتظر الذي ينتظرونه فهو - ملك السلام - كما يزعمون، وفي الحقيقة هو المسيح الدجال.‬
‫ومن هنا غرَّروا بالنصارى، وقالوا: لابد أن نعمل بما اتفقنا عليه، وهو أن المسيح سينزل, أما من هو المسيح الذي سينزل فسنتركه جانباً؛ فاليهود يعتقدون بأن النصارى سينتهون إذا جاء منتظرهم، والنصارى بعكسهم، حيث يعتقدون بأن المسيح إذا نزل سيقتل كل من لم يدخل في المسيحية.‬
‫ومن المؤتمرات التي عقدت بهذا الصدد المؤتمر المسيحي الصهيوني الدولي الذي عقد في إبريل عام (1988) م, في إسرائيل، وألقى فيه إسحاق شامير رئيس الوزراء بنفسه كلمة الافتتاح.‬
‫وفي كلمته التي اتسمت بالعاطفة والحماسة أكد شامير - وبكل وضوح - استمراره في تثبيت أركان الدولة الصهيونية، ومقاومة الفلسطينيين بكل الوسائل. وفي نهاية كلمته وقف كل المستمعين لتحيته، وذلك حينما دعاهم لأن يدعوا كل مسيحيي العالم لتعضيد دولة إسرائيل (¬3).وفي هذا المؤتمر قال أحد القساوسة المشاركين فيه، وهو (فان درهوفيه) قال: إن الكنيسة التي لا تتبع هذا الطريق - تأييد إسرائيل - سوف تنتهي مثل الدخان (¬4).‬
‫ولعلنا نجد من ثمار ذلك ما تقوم به الدول الغربية من حماية لمصالح اليهود، والحرص على هجرتهم، وتشجيعها، وتسهيل ذلك، أو محاولة تخفيف عداء المسلمين لليهود.‬
‫¬_________‬
(¬1) ((العلمانية)) (ص 532).‬
(¬2) ((العلمانية)) (ص 534).‬
(¬3) انظر ((مجلة المجتمع)) (ص23, العدد 982).‬
(¬4) ((مجلة المجتمع)) (ص 23, العدد 982).‬

‫وبالرغم من هذا التحالف إلا أننا نجد بين الفينة والأخرى من يعارضه من النصارى، ويعده أضحوكة يهودية؛ لكي يستغلوا النصارى في تنفيذ مخططاتهم التلمودية.‬
‫ومن هؤلاء الكتاب الذين كتبوا عن هذا الموضوع قس مصري اسمه إكرام لمعي، وينتمي للكنيسة الإنجيلية، وله كتاب اسمه (الاختراق الصهيوني للمسيحية).حيث بيَّن فيه مدى الاستغلال الصهيوني اليهودي للدين المسيحي؛ لتحقيق الأطماع والأحلام (¬1).‬
‫ومن خلال ما مضى يمكن إجمال علاقة النصارى مع اليهود بما يلي:‬
‫1 - أنهم أهل كتاب كما سمَّاهم الله تعالى وكتابهم الذي يجمعهم هو الكتاب المقدس إلا أن اليهود لا يؤمنون بالأناجيل في آخره.‬
‫2 - أنهم متعادون فيما بينهم عداء شديداً، وأهم ما يجمعهم عداء المسلمين؛ حسداً من عند أنفسهم.‬
‫3 - أنهم متفقون مع اليهود في عقيدة المسيح المنتظر الذي سينزل في آخر الزمان، وأن مكان نزوله في فلسطين.‬
‫ولكنهم يختلفون في ماهية هذا المنتظر؛ فاليهود يزعمون أنه ملك السلام الذي سيحكم الأرض، ويقتل كل من سوى اليهود.‬
‫والنصارى يعتقدون أنه المسيح عليه السلام، وأنه سيدخل جميع الناس في النصرانية ومن رفض قتله.‬
‫والحقيقة أنهم ينتظرون المسيح الدجال، والنصارى ينتظرون مسيحاً وهميًّا لا حقيقة له.‬
‫والمسلمون ينتظرون المسيح عليه السلام؛ ليحكم بشرع محمد ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً‬
‫وقد حققوا من جراء هذا التحالف الشيء الكثير، كالإطاحة بالخلافة الإسلامية، وباحتلال اليهود لفلسطين.‬
‫¤رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد ص157 - 162‬
‫¬_________‬
(¬1) انظر ((مجلة المجتمع)) (ص 23, عدد 982).‬

‫الاستشراق - العلاقة بين الاستشراق والتنصير وحكومات الدول النصرانية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫العلاقة بين الاستشراق والتنصير علاقة وثيقة، وفي غاية المتانة، ذلك أن الاستشراق هو الرافد الآخر للتنصير، وكلاهما ينبعثان من الكنيسة، فهم قساوسة جميعا، ويخدمون الكنيسة على حد سواء، وتتركز مهمة الجميع في هدم الإسلام، أو تشكيك أهله فيه، وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية ونبيها العظيم، وجعل العالم الإسلامي مناطق نفوذ للغرب، ولهذا يلقى المستشرقون بسخاء من كافة الدول الكبرى التي تتطلع إلى العودة لاستعمار الدول الإسلامية من جديد، وقد أقيمت لهم مختلف الجامعات لدراسة كيفية التنصير والاستشراق؛ للتغلغل إلى ديار المسلمين وإلى قلوبهم وإلى استعمار بلدانهم، وإيجاد المبررات لذلك، ومن هنا فإنه يجب التنبيه لمغالطتهم في زعمهم أن الاستشراق هو غير التنصير، وأن الاستشراق يخدم الثقافة بعيدا عن التأثير بأي معتقد، وقد عرفت أن الغرض الحقيقي لدعاة التنصير هو الرغبة في إدخال الناس النصرانية، فلا ريب أن من صدق هذا فقد جانب الحقيقة.‬
‫نعم قد تختلف الوسائل بين المنصرين والمستشرقين، ولكنها في النهاية تصبُّ في مكان واحد، وعن الفرق بين المستشرقين والمنصرين في الوسائل كان القسيس (إبراهيم خليل أحمد) ممن هداه الله إلى الإسلام، وكتب بعد ذلك في بيان مكر المستشرقين في كتابه (المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي) حيث بيَّن فيه أهداف المستشرقين وما يبيتونه للعالم الإسلامي من ويلات لإخراجهم عن دينهم الحنيف إلى مناطق نفوذ للنصرانية الوثنية، ولا شك أن شهادته لها وزنها بحكم خبرته السابقة عن هؤلاء؛ لأنه كان واحدا منهم - كما - بيَّن في ذلك الكتاب:‬
‫1ـ أن التبشير والاستشراق دعامتان من دعائم قيام الاستعمار في البلاد التي يغزونها ويمهدونها لاستقبال المستعمرين.‬
‫2ـ الاستشراق والتبشير والاستعمار كلهم يسيرون حسب خطة مرسومة، الاستشراق مهمته اجتذاب الناس عن طريق العلم والتعليم، والتبشير مهمته اجتذاب الناس عن طريق الدعوة المباشرة، وتحبيب النصرانية إلى القلوب بكل وسيلة يستطيعونها.‬
‫3ـ استطاع المبشرون الأمريكيون بحكم امتيازاتهم أن يتغلغلوا إلى كل مكان يريدونه في آسيا وأفريقيا.‬
‫4ـ استخدم المبشرون عملاءهم في كل دولة؛ للقيام بمهمتهم دون أن يثيروا أي مشكلة بحكم انتماء أولئك العملاء الوطني.5ـ استعان التبشير بالقوى العسكرية الاستعمارية لحمايته؛ كي يعملوا على هدوء واستقرار (¬1)
‫إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: 37‬
‫¬_________‬
(¬1) ((أجنحة المكر الثلاثة)) (ص 157 - 162) نقلا عن كتاب ((المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي)) تأليف: إبراهيم خليل أحمد.‬


اليهودية المفاهيم والفرق - اليهودية بعض الإشكاليات - إشكالية علاقة الغنوصية باليهودية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الغنوصية: تعريف
‏Gnosticism: Definition
«الغنوصية» من الكلمة اليونانية «غنوصيص» ، ومعناها «علم» أو «معرفة» أو «حكمة» أو «عرفان» . وفي التراث العربي الإسلامي، تُستخدَم كلمة «عرفان» عند المتصوفين لتدل على نوع أسمى من المعرفة يُلقَى في القلب في صورة «كشف» أو «إلهام» . و «العرفان» ، حسب تعريف المؤرخين له، هو العلم بأسرار الحقائق الدينية والخصائص الإلهية، وبكل ما هو سري وخفي (كالسحر والتنجيم والكيمياء) ، وهو (من وجهة نظر صاحب العرفان) أرقى من العلم الذي يحصل لعامة المؤمنين البسطاء أو لأهل الظاهر من العلم الديني الذين يعتمدون النظر العقلي، و «العرفاني» هو الذي لا يقنع بظاهر الحقيقة الدينية بل يغوص في باطنها لمعرفة أسرارها. وهي معرفة تقوم على تعميق الحياة الروحية واعتماد الحكمة في السلوك وهو ما يمنح القدرة على استعمال القوى التي هي من ميدان الإرادة (ومن ثم تصبح الإرادة بديلاً للعقل) . فالمعرفة هنا لا تعني العلم، أي اكتساب معارف، بل بذل مجهود متواصل بقصد التطهير والتخلص من الأدران والتوصل للصيغة الغنوصية اللازمة لرحلة العودة للاندماج من جديد في العالم الإلهي الذي جاء منه الإنسان. والغنوصية ترى أن ثمة جوهراً واحداً يجمع بين كل الديانات ولذا لا تقدم نفسها كديانة جديدة، بل كباطن للشريعة القائمة، ومهمة الغنوص الكشف عن المغزى العميق للعقيدة (ولكل العقائد) التي ينتمي إليها الغنوصي بواسطة معرفة باطنية وكاملة لأمور الدين. ويتم التمييز بين الغنوصية كموقف من العالم (غنوص عملي) والغنوصية كنظرية لتفسير الكون (غنوص نظري) ولكنهما بطبيعة الحال مرتبطان تمام الارتباط، وخصوصاً أن الغنوص النظري نفسه ذو توجُّه عملي، فالعرفان يتم التوصل إليه من خلال طقوس وشعائر محددة.....

والغنوصية حركة فلسفية وتعاليم دينية متنافرة تأخذ شكل أنساق أسطورية جميلة في غاية التنوع وعدم التجانس، انتشرت في الشرق الأدنى القديم في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد. ورغم أن أساطيرها وتعاليمها وأفكارها غير متجانسة، بل تنافرها، يمكن القول بأن ثمة بنية كامنة واحدة أو نموذج معرفي واحد، ذلك أن المنظومات الغنوصية كافة منظومات كمونية حلولية واحدية تبحث عن مبدأ واحد مطلق يحكم الكون بأسره، كما تبحث عن قانون شامل من غير ثغرات يعبِّر عن الواحدية الكونية التي ترد الكون بأسره إلى مبدأ واحد ومن ثم يذوب الكل في الجزء وتصبح الركيزة النهائية كامنة في المادة، ولذا يتحقق النموذج في لحظة التوحد الكامل بين الخالق ومخلوقاته (وباختفاء الإنسان في مقولات أكبر منه) ، أي أنها تنتهي بموت الإله ثم بموت الإنسان) . وهي محاولة لتفسير كيفية خروج النسبي من المطلق، والشر من الخير، وتجيب عليها بإجابات بسيطة بل ساذجة من خلال الأنساق الأسطورية التي تختزل الواقع الإنساني والتاريخي المركب. وتستخدم الغنوصية مفردات الحلولية الكمونية الواحدية وصورها المجازية (الجسد ـ الجنس ـ الرحم ـ الأرض) لإدراك العالم.

تبدأ المنظومة الغنوصية من نقطة فردوسية لا تحتوي إلا على النور والقداسة، حالة تماسك واحدية عضوية لا يوجد فيها كل منفصل عن الأجزاء، ولا توجد فيها ثغرات (حالة البليروما) . ويوجد الإله الخفي (باللاتينية: ديوس أبسكوندتيوس deus absconditus) وراء البليروما، وهو إله متعال لا يقبل الوصف متجاوز تماماً للدنيا حتى حد التعطيل، غير مكترث بها أو معاد لها، والطبيعة لا تعبِّر عنه أو عن مقاصده. هذا الإله الواحد لم يخلق العالم دفعة واحدة من العدم وإنما من خلال عملية تدريجية من خلال الفيض والصدور ففاضت مخلوقات تُسمَّى الأيونات وهي القوى الروحية الأولية وهي بمثابة تشخُّصات للإله. وأهم الأيونات هي الإنسان نفسه الإنسان الأول وآدم قدمون أو أنثرويوس الذي هو نفسه الإله أو ديوس. ومن أهم الأيونات الأيون المسمى «صوفيا» أو «الحكمة» .

وتذهب الغنوصية إلى أن الكون شرير ومعاد، وأن العالم سجن والزمان ردئ، وأن الإنسان لا ينتمي إلى هذا العالم وأنه وقع فيه وفي الزمان لا لذنب اقترفه أو لشر متأصل فيه وإنما بسبب خلل كوني أدى إلى تسرُّب بعض الشرارات الإلهية بحيث حُبست داخل المادة. والإنسان هو جزء من هذه الشرارات، فهو ينتمي إلى العالم النوراني، عالم الإله الخفي. ولن يتم الخلاص ولن يبلغ الإنسان الكمال (الذي هو اسم آخر للنجاة والخلاص) إلا من خلال معرفة خفية باطنية (غنوص) تتصل بالحقيقة الكلية الشاملة، وهي معرفة أو عرفان يفضي بالإنسان إلى معرفة بالإله، فالإله هو في نهاية الأمر الإنسان، والإنسان هو الإله، أو على الأقل ينتميان لعالم واحد، وقد صيغ من مادة واحدة أو جوهر واحد، ولذا فإن الخلاص والكمال هو اتحاد الذات الإنسانية مع الألوهية اتحاداً جوهرياً وانتهاء العالم. وقد لخص ثيودوتوس الغنوصية في عبارته الشهيرة، فقال "معرفة من كنا، وماذا أصبحنا، وأين كنا، وفي أي مكان أُلقي بنا، وإلى أي مكان نحث الخطى، وكيف نحصل على الخلاص، وما الميلاد، وما الميلاد الجديد؟ ".

وقد أصبحت كلمة «غنوصية» في اللغات الغربية عَلماً على المذاهب الباطنية وعلى الهرطقات الجوهرية التي تقف على الطرف النقيض من العقائد السماوية التوحيدية. ويمكن القول بأن الغنوصية ليست شكلاً من أشكال التصوف الذي يدور في إطار توحيدي ويدعو إلى كبح جماح الجسد حتى يقترب الإنسان من الإله وهو يعرف أن الاتحاد به مستحيل (فهو إله مفارق متجاوز للطبيعة والتاريخ) . ومثل هذا التصوف يتبدَّى في التاريخ في شكل فعل أخلاقي وسلوك اجتماعي يدل على طاعة الإله. تقف الغنوصية على طرف النقيض من هذا النوع من التصوف (التوحيدي) ، فهي تهدف إلى الالتصاق بالإله والاتحاد معه بهدف الوصول إلى المعرفة الباطنية والصيغة النهائية (الغنوص) التي يمكن عن طريقها التحكم في الواقع وفي البشر بل في الإله، فهي شكل من أشكال التصوف الحلولي الكموني ووحدة الوجود الروحية. وهي، في هذا، تشبه القبَّالاه التي تحاول الوصول إلى المعرفة الباطنية ولا تكترث كثيراً بالتمارين الصوفية، وذلك باعتبارها محاولة للاقتراب من الخالق، فكل همها هو تحقيق الالتصاق بالإله والوحدة معه بهدف المعرفة من أجل التحكم (في الكون بل في القوة الخفية السارية فيه، أي الإله) .
ونحن نطرح نموذجاً توليدياً لدراسة الغنوصية وتفسير سر انتشارها، فنذهب إلى أنها رؤية للكون تستجيب لشيء جوهري في الإنسان، وهو ما نسميه النزعة الرحمية، أي الرغبة في الانسحاب إلى الرحم وفقدان الهوية وتصفية الثنائيات الأخلاقية والمعرفية.
وقد أورد كاتب مدخل «الهرمسية» في موسوعة تاريخ الأفكار ما يسميه «مجموعة أفكار الفوضى» (بالإنجليزية: كيوس سندروم (chaos syndrome وهي محاولة من جانبه لأن يرصد بعض السمات الأساسية للرؤية الكونية الكامنة وراء المنظومات الغنوصية (ومنها الهرمسية) وقد أوردها على النحو التالي:
1 ـ يخلق الإله العالم من مادة قديمة.

2ـ تتم عملية الخلق نتيجة تصادم ضخم أو لقاء جنسي بين عنصرين أساسيين.
3 ـ الخلق يتضمن عناصر من الغريب واللامعقول.
4 ـ التغير والظلام والطمي تنتج الحياة.
5 ـ الثعبان والمخلوقات الهجين هي رمز الطاقة ويتم تأليهها.
6 ـ العالم جسد يجدد نفسه دائماً، ومن هنا العود الأبدي.
7 ـ «كما هو في الأعالي، كذلك في هذا العالم» أي عقيدة التقابل بين السماء والأرض والعرفان الكوني.
8 ـ يمكن أن ينزل الإله إلى هذا العالم ليشارك في الأمور الإنسانية ويصبح عاملاً من عوامل إدخال الحضارة. والإله لا يتجاوز عملية التحول والعذاب التي تُعَد جزءاً من عملية الخلق والميلاد.
9 ـ يستطيع الإنسان أن يرتفع لمنزلة الآلهة.
10 ـ «الهبوط الثمين» هو الهبوط في الظلمات ومواجهة وحوش الأعماق أمر ضروري ومصدر لتجربة حيوية يمر بها البشر والآلهة.
وهو يرى أن هناك بعض المنظومات الدينية الشعبية تتسم بكل أو بعض هذه الصفات. والمنظومات الغنوصية تنتمي إلى هذا النمط في تصوُّرنا.

والغنوصية هي النموذج المتكرر والكامن وراء معظم (إن لم يكن كل) الفلسفات والأنساق الحلولية الكمونية الواحدية (الروحية والمادية) عبر التاريخ، وهي أهم تعبير عن الواحدية الكونية وعن النزعة الطبيعية المادية، وأكثرها تبلوراً، وهي القواعد أو النحو العالمي الكوني للهرطقة، الذي وُلدت منه كل أنواع الهرطقات المادية المعادية للإله والإنسان، علمانية كانت أم «دينية» ، وهي هرطقات ليست معادية للإله المتجاوز وحسب وإنما معادية للإنسان باعتباره كائناً فريداً مركباً حراً متعدد الأبعاد قادر على تجاوز ذاته الطبيعية وعلى تجاوز الطبيعة/المادة وعلى اتخاذ مواقف أخلاقية تنبع من حريته وإحساسه بالمسئولية وبهويته وحدوده، أي أن الإلحاد الغنوصي إلحاد جوهري وجذري وتعبير عن عداء عميق لظاهرة الإنسان نفسها. وانطلاقاً من نموذجنا التوليدي، فإننا نذهب إلى أن الغنوصية قائمة منذ بداية التاريخ. وقد ظهرت الحركة المسماة بالغنوصية في لحظة تاريخية شعرت فيها قطاعات كبيرة من سكان المدن في الإمبراطورية الرومانية بضياعها وعدم انتمائها وغربتها عما حولها. وبعد القضاء على الغنوصية كحركة، ظلت المنظومة الغنوصية منتشرة بين الجماهير (بعد القضاء على قيادتها) ، ذلك على هيئة الممارسات والعقائد الدينية الحلولية الواحدية المختلفة تحت أسماء مختلفة. وقد أحرزت الغنوصية نجاحاً فائق النظير في حالة النسق الديني اليهودي إذ تصاعدت معدلات الحلولية حتى أصبحت اليهودية عقيدة غنوصية من خلال القبَّالاه. وقد أحرزت الغنوصية انتصارها الأكبر مع ظهور العلمانية (الحلولية الواحدية المادية ووحدة الوجود المادية) ، فالفلسفات والأنساق العلمانية، هي بمعنى أو آخر، شكل من أشكال الغنوص. ومن المعروف أن الظروف التي عاش فيها أتباع الحركة الغنوصية لا تختلف كثيراً عن الظروف التي يعيشها الإنسان الحديث في المدينة الحديثة أو في المجتمعات الحديثة التي تم ترشيدها وإخضاعها

لمعايير الكفاءة المستمدة من نماذج طبيعية/مادية يُقال لها «علمية» .
الغنوصية: تاريخ
‏Gnosticism: History
تُلقي الخلفية التاريخية والثقافية للغنوصية الكثير من الضوء على بنيتها. ويبدو أن جذورها تعود إلى القرنين الأخيرين قبل الميلاد، ولنتخيل أن مواطناً في الألف الأخير قبل الميلاد، في الشرق الأدنى القديم، كان يعيش في كنف الإمبراطورية الفارسية، وهي إمبراطورية شرقية قد تكون غريبة عليه، ولكنها مع هذا لها تقاليدها الحضارية الشرقية القريبة من تقاليده، كما أنها كانت إمبراطورية مترامية الأطراف، اعتمدت أسلوباً في الإدارة مبنياً على عدم المركزية وعلى السماح للجماعات المحلية بقدر من الإدارة الذاتية، فكانت تُحصِّل الضرائب من خلال كبار الملاك المحليين، الأمر الذي ترك الريف دون تَدخُّل عنيف من القوة الإمبراطورية الأجنبية، ومن ثم لم يتغير أسلوب الحياة فيه.

وجاءت الإمبراطورية اليونانية بثقافتها الهيلينية، وقد أسس هؤلاء الغزاة مدناً قوامها فرق من المرتزقة والمستوطنين الأجلاف الذين كانوا لا يعرفون من الثقافة الإغريقية غير القشور (مثل السيرك والألعاب) ، ولحقت بهم جماعات من المثقفين. ثم بدأت حركة هجرة داخل الإمبراطورية الهيلينية نحو هذه المدن، وهو ما أدَّى إلى نموها وتضخُّم حجمها، ولذا كانت هذه المدن تختلف عن المدن/الدول اليونانية. فالعلاقات الإنسانية في المدينة/الدولة كانت متعيِّنة متجانسة، لأن المدينة/الدولة كانت وحدة صغيرة تكاد تكون عضوية في تماسكها، إذ كان يشارك الجميع في العملية السياسية والأحداث الثقافية، وكان ينتظم كل هذا إطار العبادة الوثنية الهيلينية. ويُقال إن تجربة الإنسان اليوناني داخل المدينة/الدولة يشكل أساس الأنطولوجيا الغربية الكلاسيكية: الكل يسبق الأجزاء، والكل أحسن من الأجزاء، والكل هو الغاية والأجزاء هي الوسيلة. وكان الفرد هو الجزء في هذه المنظومة، والمدينة/الدولة هي الكل، وكان الفرد يشعر بهذه المقولات بشكل متعيِّن ومباشر من خلال تجربته الحياتية اليومية، هذا على النقيض من المدن اليونانية في الشرق فقد كانت أكبر حجماً وكانت تضم عناصر بشرية غير متجانسة لكلٍّ دينها وشعائرها وتجربتها التاريخية. ولذا، كانت كل جماعة تنكفئ على ذاتها وتنعزل عن المدينة، ولكنها كانت في الوقت نفسه تفقد هويتها لبعدها عن مراكز الحضارة الخاصة بها، وكانت تكتسب الخطاب الحضاري اليوناني أو قشوراً أو شذرات منه عن وعي أو عن غير وعي فيمتزج بخطابها الحضاري ويحل محله في بعض الأحيان. وكانت هذه المدن مدناً دولية تصلها التجارة من كل أنحاء الأرض (الصين وأوربا) وتُقام فيها أسواق ضخمة لها إيقاعها السريع وحجمها الضخم. ومن ثم، لم يكن بوسع الفرد أن يمارس علاقة عضوية مع الآخرين أو مع المدينة.

إلى جانب كل هذا، كان يوجد انقسام حاد بين النخبة الإغريقية الحاكمة في المدينة والنخب الأخرى (المصرية واليهودية والفارسية) التابعة لها من جهة، ومن جهة أخرى الجماهير التي كانت: إما تأغرقت بشكل سطحي أو ظلت شرقية في تراثها وهويتها. وإلى جانب هذا الصراع الثقافي، كان يوجد صراع طبقي إذ أن استقلال الطبقات الحاكمة قد تزايد (وخصوصاً في مصر) بسبب تزايد قبضة البيروقراطية تحت حكم اليونان، وكان المصريون يدفعون الضرائب للتاج وللمدن التي كانت تمارس حقوقها على الأراضي الزراعية التي تملكها، ولأصحاب الأراضي التي يعيشون فيها، ولذا أُفقر الريف وزادت الهجرة إلى المدينة.
ثم سقطت بعد ذلك الإمبراطورية اليونانية. ومع الحكم الروماني، زادت الأمور سوءاً، فمع تزايد الحروب زادت الضرائب واندلعت الثورات (مثل التمردين اليهوديين الأول والثاني في القرنين الأول والثاني الميلاديين) ، كما ازدادت الفجوة الثقافية بين الحاكم والمحكوم. وأدَّى اتساع نطاق الإمبراطورية إلى تزايد اختلاط الديانات المختلفة وإلى عمليات تهجينها، فامتزجت الآلهة الشرقية بالآلهة اليونانية والرومانية. ووجد المواطنون أنفسهم في إمبراطورية مترامية الأطراف، لا تؤمن بأية آلهة، أو تؤمن بآلهة كثيرة. وبذا، أصبح الكل مبعثراً وأصبح الجزء لا معنى له. وقد تماسك الكل لا بسبب أية أيديولوجية وإنما من خلال العنف الذي كانت تمارسه السلطة وبفعل توازن القوى، وهي سلطة كانت لا تكترث كثيراً بالتراث الحضاري للمواطنين فتدع كل فرد يمارس ما يشاء من شعائر طالما أنه يدفع الضرائب التي كانت تضمن تدفقها الطرق الرومانية والجنود الرومان الأجلاف، سادة العالم الذين كانوا لا يؤمنون بدين أو كانوا يؤمنون بدين وثني متخلف يرتكز على عبادة الإمبراطور ومجمع الآلهة (بانثيون) الروماني.

وجد المواطن نفسه في إمبراطورية غريبة عليه، معادية له، حاكمها ظالم يفرض عليه القانون الروماني الغاشم، وجنودها أجلاف. كما وجد أنه ليس بمواطن روماني، ولذا فإنه لا حقوق له مع أن علاقته بوطنه الأصلي قد ضَعُفت، وخصوصاً إذا كان من سكان المدن. وفي هذه التربة، انتشرت الغنوصية بين أعضاء البورجوازية الصغيرة وبين كثير من أعضاء الطبقات غير المستغلة التي فقد أعضاؤها مناصبهم ومكانتهم، أو على الأقل تراجع نفوذهم رغم شعورهم بحقهم في أن يكونوا أحراراً، وكان عندهم الطموح للحراك والصعود إلى أعلى دون أن تكون عندهم الوسيلة لذلك: طبقات فقدت عالمها القديم ولم يستوعبها العالم الروماني الجديد. وأعضاء هذه الطبقات كانوا متعلمين يعرفون الفلسفة اليونانية بدرجات متفاوتة من العمق والسطحية، ولكنهم كانوا مع هذا ملمين بأسرار الديانات الشرقية، ولذا قاموا بالمزج بين العناصر اليونانية والشرقية حينما صاغوا أيديولوجيا جديدة (وهذا المزج هو الذي أعطى الغنوصية مقدرة تعبوية هائلة) .
وقد انتشرت الغنوصية في المدن الكوزموبوليتانية الكبيرة، مثل الإسكندرية وأنطاكية وروما ومدن آسيا الصغرى، وهي مدن تتسم ببعض أو كل الملامح التي أشرنا إليها من قبل؛ مدن تقع على الحدود بين الشرق المتأغرق وروما، ومع هذا، ظل الشرق مركز جاذبيتها الثقافية. وحتى الزعماء الغنوصيون الذين ظهروا في الريف (مثل شمعون الساحر من السامرة) كان نشاطهم في المدن أو تربطهم علاقة وثيقة بها.

هذا الوضع الحضاري والتاريخي يفسر كثيراً من جوانب الغنوصية، فهو يفسر ازدواجية الغنوصية الشرقية/الإغريقية، كما يفسر طبيعة الحل الذي تطرحه وجذريته. فإذا كان الإنسان يشعر بالغربة والاغتراب والهجران إلى هذا الحد، فإن الحل الذي سيطرحه لمشكلته لن يقل جذرية. والغنوصية أعلنت أن هذا العالم فاسد تماماً، فسقطت المدن والإمبراطوريات والعالم الطبقي والقوانين الطبيعية والأخلاقية الغاشمة بضربة معرفية واحدة. أما عالم المدينة الوثني الذي يتطلب الانتماء إليه الانتماء للعبادة الوثنية، فإنه يسقط هو الآخر بإعلان أن طريق الخلاص هو العرفان الداخلي دونما حاجة لكهنة أو معابد (وهذا مناسب جداً في اقتصاد مبني على حركة تجارية مستمرة، فأماكن العبادة الثابتة غير صالحة) . أما اغتراب الإنسان فبوسع الإنسان أن يعقلنه قليلاً بأن يدَّعي أنه يوجد في هذا المكان ولكنه ليس منه. أما وجود الإنسان في موقع متدن من السلم الطبقي، فيستطيع مثل هذا الإنسان أن يُفسِّره لنفسه بأنه في واقع الأمر من الروحانيين في عالم جسماني. أما من هم في قمة السلم فهم في واقع الأمر الجسمانيون أو النفسانيون على أحسن تقدير، وهو سلم سيُقلب رأساً على عقب حين يعود الإنسان العارف لأصله الروحاني ويشغل قمة الهرم، وبذا يحل محل النخبة اليونانية/الرومانية. أما الجسمانيون أو النفسانيون فهم كالقشرة أو المحارة سيُنبذون أو يحتلون مكانهم في أدنى درجات السلم.

وكانت الجماعات اليهودية من أكثر الجماعات تأثراً بهذه التحولات (تماماً كما حدث لها في العالم الغربي بسبب ظهور الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والدولة القومية والرأسمالية الرشيدة والتشكيل الاستعماري الغربي) . وقد كان اليهود من أكثر الجماعات انتشاراً في المدن الإغريقية، ومن المعروف أنه في المائة الأخيرة قبل الميلاد، كان عدد اليهود في الإسكندرية أكثر منهم في القدس، كما كان عدد اليهود خارج فلسطين أكثر منهم في داخلها. وقد اندمج اليهود في الحضارة الهيلينية بشكل سريع، وفقدت أعداد كبيرة منهم هويتها، وأصبحت النخبة الاقتصادية بينهم من كبار ملاك الأراضي ومحصلي الضرائب والكهنة مُستوعَبين في النسق الحضاري الهيليني. وقد تُرجم العهد القديم إلى اليونانية، إذ أن أعضاء الجماعة اليهودية في الإسكندرية نسوا العبرية، وقام مفكرون مثل فيلون بمحاولة المزاوجة بين الهيلينية والتفكير الديني اليهودي. وقد حقَّق اليهود حراكاً اجتماعياً هائلاً، فكان منهم الجنود والشرطة وقادة الجيش وجامعو الضرائب وكبار التجار. ثم جاءت الدولة الرومانية لتحطم الهيكل، مركز العبرانيين الثقافي والديني، وهي تجربة جاءت بعد التهجير إلى بابل بعد هزائم متكررة لحقت بالشعب المختار. وقد حقَّقت قلة من اليهود، وخصوصاً العناصر المتأغرقة، مزيداً من الحراك (مثل تايبيريوس يوليوس ألكسندر، ابن عم الفيلسوف فيلون وأحد القادة العسكريين في حملة تيتوس لتحطيم الهيكل) . وتحوَّل بعضهم من جماعة وظيفية قتالية إلى جماعة وظيفية تجارية. أما غالبية أعضاء الجماعات اليهودية، فوجدوا أنفسهم في عزلة بعد أن فقدوا هويتهم وعلاقتهم بفلسطين، ووجدوا أنفسهم في حالة صراع مع الأرستقراطية اليونانية إذ آثر الرومان التعامل مع اليونانيين على التعامل مع أعضاء الجماعات اليهودية. وقد كان على كثير من يهود الإسكندرية وفلسطين وغيرهما من البلاد التي تدور في الفلك الروماني أن

يتخلوا عن دينهم وأن يقطعوا علاقتهم بالجماعة اليهودية إن أرادوا الحصول على المواطنة لتحقيق الحراك (وهذا ما فعله تايبيريوس) . بل إن هذا البديل أصبح في حدّ ذاته غير ممكن لكثير من اليهود إذ أن الأرستقراطية اليونانية واليهودية المتأغرقة ما كانت لتقبلهم حتى لو تخلوا عن دينهم، ولذا وجد هؤلاء أنفسهم وقد صُنِّفوا يهوداً مع أن هويتهم اليهودية ضعيفة جداً. ومع هذا، كانت هذه الهوية المزعومة الضعيفة الواهية هي التي تجذبهم نحو القاع. وقد حدثت الأزمة في وقت كانت فيه اليهودية نفسها في حالة أزمة وانقسام، وتصاعدت التوقعات المشيحانية كما هو واضح في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، الأمر الذي جعل هؤلاء اليهود يفقدون صبرهم ويودون أن تأتي لحظة الخلاص حيث تتحطم الحدود والسدود والقيود. وقد كان هناك عدد من الفرق اليهودية التي تختلف الواحدة عن الأخرى، من أهمها الجماعات المشيحانية مثل الأسينيين والغيورين وحملة الخناجر. ولكل هذا، فإننا نجد أن الغنوصية (التي تشكل اليهودية رافداً أساسياً فيها) قدمت الحلول الجذرية لأعضاء الجماعات اليهودية من المندمجين في الحضارة اليونانية الرومانية المغتربين عنها. لقد قدمت لهم نسقاً أسطورياً معادياً لليهودية، رافضاً لها، يعدهم بالتحرر منها ومن الرومان في الوقت نفسه. فالغنوصية رفض للمادة من حيث هي قيد، والمادة بالنسبة إليهم هي أولاً عالم التفاوت الاجتماعي والقهر الروماني الذي يحول بينهم وبين الحراك الذي يطمحون إليه. أما الإله الصانع وحكام السماوات والأرض (أركون) ، فهم الحكام الرومان وجنودهم والنخبة اليونانية الحاكمة التي تضع العراقيل في طريقهم. ولكن الإله الصانع هو أيضاً إله يسرائيل الذي خلق المادة أو صاغها في صورتها الكريهة والذي أرسل شريعته ليثقل بها كاهل اليهود ويحول دون دخولهم إلى العالم الروماني. وحسب بعض المنظومات الغنوصية، فإن شريعة موسى هي شريعة العامة (الجسمانيين

والنفسانيين) . ومع هذا، فإنها تحوي داخلها الغنوص اللازم والذي ظهر في العهد الجديد. ولذا، كان هؤلاء يرفضون العهد القديم تماماً أو كانوا يفسرونه تفسيراً يجعل منه تمهيداً للعهد الجديد. وفي الواقع، فإن سقوط النور في الدنيا وتبعثره وأسره، هو تبعثر اليهود وسبيهم ووجودهم في هذه المدن اليونانية المعادية، وما العالم الشرير والزمان الردئ سوى عالم الرومان وزمانهم، ولكنه هو أيضاً عالم يهوه وتاريخه الملئ بالكوارث والتشتت والتهجير والاضطهاد.
والخلفية الثقافية للغنوصية مرتبطة تماماً بالخلفية التاريخية، وهي الأخرى تلقي الضوء الكاشف على بنيتها الأسطورية الفكرية. وكما أسلفنا، سيطرت الإمبراطورية الفارسية على المنطقة ردحاً من الزمان، ونشرت ديانتها الثنوية فيها. ثم جاء غزو الإسكندر للمنطقة، وانتشرت الثقافة الهيلينية، فمزجت الأفكار والعقائد الوثنية وديانات الأسرار المختلفة بالفلسفات والعقائد اليونانية. وبعد ذلك، ظهرت المرحلة الرومانية التي أسقطت الحدود القومية وشجعت التبادل بين الشعوب في الشرق والغرب.

نبعت الغنوصية من هذه التشكيلة الفريدة، فضمت بقايا العبادات والديانات الوثنية القديمة وأديان الأسرار، ووضعتها في إطار واحد، وفرضت عليها مقولات الفكر اليوناني الفلسفي ومصطلحه (ومن هنا نجد أن الفكر الغنوصي يتسم بأنه تفكير أسطوري بدائي مُختلط بفكر فلسفي مجرد) . ومن أهم جذور الغنوصية عبادة بابل التي طرحت فكرة السماوات المختلفة التي يتحكم في كل واحدة منها كوكب، كما طرحت فكرة أن العالم مكوَّن من دوائر مركزها الأرض. ومن مصادر الغنوصية الأخرى، العبادات الفارسية بثنويتها الكاملة المتمثلة في الصراع الدائر بين أورمازد إله الخير والنور، وأهريمان إله الشر والظلام. كما دخلت بعض المفاهيم من العبادات المصرية القديمة، مثل تأليه الإنسان والعنصر الجنسي في عملية الخلق. وامتزج بكل هذا عناصر من الفكر الإغريقي الذي كان ينطوي على الإيمان بأن ثمة حكمة خفية في الأساطير الشرقية. وقد تبنَّى بعض الفلاسفة اليونانيين (الرواقيون مثلاً) أفكاراً من العبادات الشرقية، كما أن عبادات الأسرار (مثل عبادة إيزيس) وجدت طريقها إلى اليونان. وقد قامت الأفلاطونية المحدَثة بالتفرقة وبحدة بين الإله الواحد المتسامي وبين الإله الصانع المادي (ديمي إيرج Demiurge) ، وجعلت معرفة الإله الواحد معرفة باطنية غنوصية. ومن أهم مصادر الغنوصية التراث الديني اليهودي (انظر: «الغنوصية واليهودية» ) .
ويذهب بعض دارسي الغنوصية إلى أن تعددية المصادر وانعدام التجانس هو سمة أساسية فيها، فهي قادرة على استيعاب أي عنصر في الديانات الأخرى إن كان يدعم وجهة نظرها العدمية الشاملة التي تهدم كل الحدود ولا تفرق بين الأنساق التاريخية والدينية والفلسفية المختلفة. ورغم تنوع المنظومات الغنوصية، إلا أن ثمة بنية واحدة كامنة تبرر الحديث عن منظومة غنوصية معرفية وأخلاقية واحدة.

وتتسم الغنوصية، مثل كثير من الحركات الباطنية والحلولية، بأنها سريعة الانقسام وذلك بسبب مركزية الزعيم أو القائد فيها، إذ عادةً ما يتأله ويتحول إلى لوجوس أو مطلق أو تجسُّد للإله في الأرض تدور حوله الجماعة. ولأن المطلق لا يمكن أن يتعايش مع مطلق آخر، لذا يحدث الانقسام.
ومن أهم الشخصيات الغنوصية شمعون ماجوس، أي سيمون الساحر (عاش في القرن الأول الميلادي) ، الذي يُشار إليه دائماً بأنه أول الغنوصيين. كان من السامريين، وعاش في زمن الحشمونيين. وقد عثر سيمون على عاهرة تسمَّى هَيّلانه في إحدى الحانات، فأعلن أنها صوفيا التي جاءت لإنقاذ العالم وتزوجها وأعلن نفسه المخلّص وآمن بمقدرة السحر على التحكم في العالم. ويبدو أن أتباعه كانوا يقومون بطقوس ذات طابع جنسي، ترخيصي (تأليه الكون) . ثم جاء بعده ساتورنيوس من أنطاكية الذي أعاد تفسير قصة المسيح بحيث أعطاها مضموناً رهبانياً ينكر الجنس تماماً (إنكار الكون) .
أما أعظم الغنوصيين فكان فالنتينوس، ورغم اسمه اللاتينيّ إلا أنه كان من أصل يوناني وُلد في دلتا مصر عام 100 ميلادية وتلقى تعليمه في الإسكندرية. ولم ينفصل هو وأتباعه عن الكنيسة في الإسكندرية، بل أسسوا أكاديمية للبحث الحر. وقد تبع هذه الأكاديمية شبكة من الجماعات المحلية داخل إطار المؤسسة الدينية، وكان فالنتينوس مشهوراً ببلاغته وعبقريته. وقد رأى فالنتينوس في المنام ـ حسب ما قال ـ رؤيا مأساوية، إذ رأى الجزء الذي يصدر عن الكل، هذا الجزء هو ما يشكل أساس الوجود ويُسمَّى «الأعماق» ، كما رأى زوجته التي تُسمَّى «الرحمة» أو «السكون» . ومن خلال زواجهما يولد المسيح أو اللوجوس الذي تعتمد عليه كل الأيونات. ومن خلال المسيح، أدرك فالنتينوس الكل (بليروما) وذوبان الذات في الكل.

وكان هناك أيضاً مرقيون، وهو من مُلاَّك السفن الأثرياء من مقاطعة بونتوس على البحر الأسود. لم يفهم مرقيون سوى فكرة واحدة هي أن الإله، أو المسيح، لم يكن يهوه إله العبرانيين، فهذا هو الإله الصانع. وقد كان مرقيون يقتبس دائماً خطاب بطرس إلى أهل غلاطيا ويبيِّن الفرق بين قانون العهد القديم وقانون العهد الجديد. فمسألة حب الإله غير المشروط للإنسان، التي وردت في إنجيل بطرس، مسألة اكتسحت مرقيون تماماً، فأسَّس كنيسة (مسيحية) منافسة للكنيسة القائمة حينذاك. ومن أهم المفكرين الغنوصيين باسيليديس الذي كان قائد مدرسة نشيطاً في الإسكندرية في زمن الإمبراطور هادريان (في بداية القرن الثاني الميلادي) ويبدو أنه كان يهودياً متأغرقاً رفض فكرة الإله الشخصي وتبنَّى فكرة الإله الخفي وذهب إلى أن المسيح أصبح روحانياً عند تعميده في نهر الأردن (لا عند ميلاده) . (وقد ظل باسيليديس عضواً في الكنيسة ولم يُطرَد منها قط، وهذا مما يبين غموض الموقف المسيحي من الغنوصية) .
وأهم دعاة الغنوصية ماني صاحب المذهب المانوي الذي وُلد في فارس (216 ـ 277) ونشأ في مدينة مسيحية يهودية، وتتسم منظومته بالثنائية الحادة، ربما بسبب أصلها الفارسي. وقد كان القديس أوغسطين (354 ـ 430) ، في بداية حياته، من أتباع ماني، وكتب بعض مؤلفاته أثناء هذه المرحلة. وأهم الوثائق الغنوصية هي نصوص نجع حمادي حيث كانت مصر مركزاً للتفكير الغنوصي. وللغنوصيين كتب مقدَّسة، من بينها: أبوكريفون جون (أي كتاب جون الخفي) ، وإنجيل توماس (الذي عُثر عليه في مصر) ، وإنجيل فيليب، وإنجيل مريم المجدلية.

وبعد القضاء على الهرطقة الغنوصية على يد الكنيسة، وبعد موت قيادتها، استمرت الغنوصية على هيئة حركات دينية خارج الديانات التوحيدية وأحياناً داخلها. ويمكن القول بأن منظومة عبد الله بن سبأ هي منظومة غنوصية. ويرى المؤرخون أن التصوف الإسلامي الحلولي المتطرف ذو طابع غنوصي، كما يُصنَّف بعض غلاة الشيعة ضمن الغنوصيين، ويُصنَّف العلويون (النصيريون) باعتبارهم جماعة إسلامية ذات توجُّه غنوصي. ويمكن تصنيف عقيدة الدروز والبهائية ضمن أشكال الغنوص. ولا تزال هناك فرقة دينية في العراق وإيران تُسمَّى المندائيين وهي فرقة غنوصية يبلغ عدد أفرادها خمسة عشر ألفاً، ( «مندائي» هي الكلمة الآرامية لـ «غنوص» فالمندائي هو العارف وهي من كلمة «منداء» أو «منداع» بمعنى «معرفة» ) وتتضمن عقيدتهم التطهر في المياه الجارية وشعائر جنائزية مركبة. فحينما يموت المندائي، يقوم الكاهن بالشعائر اللازمة لإعادة الروح لمسكنها الإلهي حيث ستتلقى جسداً روحياً جديداً، وبهذه الطريقة يتوحد الميت مرة أخرى مع آدم السري (الإنسان الأزلي) ، أو المجد، جسد الإله المقدَّس.

وقد ظهرت جماعات غنوصية داخل المسيحية، مثل جماعات الكاثاري التي ازدهرت بين القرنين الثالث والحادي عشر في أرمينيا وآسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان ومنها انتشرت إلى غرب أوربا وخصوصاً جنوب فرنسا (الهرطقة الألبيجينية وغيرها) . ويُقال إن فرسان الهيكل كانوا أيضاً جماعة غنوصية، وأن المنشدين الذين يُطلَق عليهم لفظ «تروبادور» ، الذين تغنوا (تأثراً بالعرب) بالحب العذري الذي تحوَّل إلى عبادة العذراء، قد تبنوا رؤية غنوصية للواقع. أما في شرق أوربا (في بلغاريا وشبه جزيرة البلقان ويوغسلافيا) ، فقد ظهرت جماعة البوجوميل (أصدقاء الإله) . ويُقال إن مسلمي البوسنة والهرسك كانوا من أصول غنوصية، فكأن الغنوصية هنا كانت الأرضية الفلسفية التي رفضوا على أساسها المسيحية وأصبحوا هامشيين بالنسبة لها، ولذا كان من السهل دخولهم في الإسلام مع وصول العثمانيين.
وقد تغلغلت الغنوصية في اليهودية وهيمنت عليها تماماً في القرن الرابع عشر بظهور القبَّالاه، وخصوصاً اللوريانية، وهي منظومة غنوصية متطرفة (انظر: «الغنوصية والقبَّالاه» ) .

ومن منظور هذه الموسوعة، فإن من أهم الجماعات الغنوصية جماعات المنشقين (بالروسية: راسكول) الذين تركوا الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وكان معظمهم من عناصر فلاحية روسية. وكان الريف الروسي وثنياً إلى حدٍّ كبير (حيث دخلته المسيحية في وقت متأخر نوعاً) . ولذا، ظهرت جماعات منشقة عديدة، كانت غنوصية متطرفة رغم استخدامها المصطلحات المسيحية. كان من بينهم جماعة الخليستي، أي من يضربون أنفسهم بالسياط (كان منهم راسبوتين) ، والجريشنيكي الذين كانوا يؤمنون بالخلاص من خلال ارتكاب الرذائل والموبقات (تأليه الكون) ، والبيزجلوفنسكي الذين كانوا يلزمون الصمت لمدد طويلة. ومن أهم هذه الجماعات الدوخوبور (ومنهم مدام بلافاتسكي التي كان يتردد عليها كثير من رواد حركة الحداثة في الفن والأدب) وهي مؤسسة الجماعة الثيوصوفية في لندن (ماتت 1891) . وكان هناك السكوبتسي، المخصيون، الذين كانوا يعبِّرون عن إيمانهم بالخالق بخصي أنفسهم (إنكار الكون) . وقد تأثرت الحسيدية بهذه الجماعات الغنوصية، وخصوصاً الخليستي.
وقد تمتعت الغنوصية بحركة بعث جديدة حين بدأ الإنسان الغربي مشروعه التحديثي، ونحن نذهب إلى أن ثمة علاقة قوية بين الغنوصية والمشروع التحديثي التنويري العلماني الغربي (انظر: «الغنوصية والتحديث» ) .
الأصول اليهودية للغنوصية
‏Jewish Origins of Gnosticism

تتسم الغنوصية بتعدد المصادر، وتعدُّد المكونات الثقافية وانعدام التجانس. ومن أهم المكونات، ولعله أهمها طراً، التراث الديني اليهودي. ونحن نذهب إلى أن هناك بُعداً حلولياً كمونياً قوياً في اليهودية جعل لها قابلية عالية لإفراز الفكر الغنوصي. ويجب أن نتذكر أن اليهودية التي نتحدث عنها، وهي يهودية ما قبل الهيكل، لم تكن مفاهيمها أو عقائدها الدينية قد تبلورت بعد، بل كانت هذه المفاهيم تحتوي على أفكار ثنوية وتعددية كثيرة. وقد ساهم انتشار اليهود على هيئة جماعات مشتتة داخل تشكيلات حضارية شتَّى، في مدن البحر الأبيض المتوسط وبابل، إلى زيادة عدم تجانس اليهودية بل إلى تنافرها وتحوُّلها إلى عقائد عدة أو ديانة مُهجَّنة. ويظهر هذا في كثير من العقائد اليهودية الثنوية (مثل: عزازيل، وميتاترون، وقوة الملائكة والشياطين، وحدود الإله، والنزعة العدمية في سفر الجامعة، وإنكار البعث في كثير من كتب العهد القديم) . وقد عُثر على أحجار في صحراء النقب عليها نقوش تتحدث عن عشيراه زوجة إله يسرائيل، وكان يهود إلفنتاين يعبدون يهوه وزوجته عنات.

وثمة نصوص عديدة في العهد القديم يمكن تفسيرها تفسيراً غنوصياً بكل بساطة. وقد كان الغنوصيون اليهود يشيرون إلى الإصحاح الأول في سفر التكوين (وخصوصاً الفقرة رقم 27 "فخلق الإله الإنسان على صورته، على صورة الإله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم") ، وإلى حزقيال 1/26 ("وعلى شبْه العرش شبْهٌ كمنظر إنسان عليه من فوق") ، كما أن كتب الرؤى (أبوكاليبس) اليهودية دعَّمت الاتجاهات الغنوصية بتقسيمها الزمان وبكل حدة إلى زمان الفساد الحاضر وزمان الخير المستقبل، وبرؤيتها للتاريخ باعتباره ساحة صراع شرس بين قوى الخير وقوى الشر. كما أن النزعة الحلولية الكمونية القوية في هذه الكتب مهَّدت الجو لظهور الغنوصية. فعلى سبيل المثال، جاء في كتاب حكمة سليمان أن روح الإله (النيوما) توجد في كل الأشياء. وقد انتشرت كتب الرؤى في نهايات الألف الأخير قبل الميلاد، وكثير من عناصرها دخل الفكر الغنوصي.
ويذهب بعض الدارسين إلى وجود غنوصية يهودية قديمة قبل ظهور الغنوصية في العصر المسيحي (واستمر ذلك حتى العصر الحديث بعد أن دخلت التيار الغنوصي الأشمل) . وفي كتابات فيلون السكندري ردود على بعض المهرطقين في عصره يُفهَم منها وجود اتجاهات غنوصية. وثمة نظرية تذهب إلى أن جماعات البحر الميت أو جماعات قمران (مثل الأسينيين) هي جماعات غنوصية مترهبنة.

وتُعَدُّ كتابات فيلون نفسها من مصادر الفكر الغنوصي إذ حاول المزج بين الفكر الديني اليهودي والفكر الإغريقي. ويبدو أن فيلون لم يكن وحيداً في محاولته هذه، فقد نشأ تراث كامل بين يهود الإسكندرية يهدف إلى التوفيق بين الحضارتين. وهذا يظهر في الترجمة السبعينية للعهد القديم التي كانت تترجم المفاهيم اليهودية القومية بمفاهيم يونانية عالمية (وكانت كلمة «نيفش» العبرية، أي «نفس» ، تُترجَم إلى كلمة «نيوما» ، ومعناها «روح» ، التي استُخدمت في الكتابات الغنوصية فيما بعد) . ومن الأمثلة الأخرى، مسرحية حزقيال تراجيكوس، وهو الكاتب المسرحي اليهودي السكندري الذي حاول هو الآخر المزاوجة بين التراثين اليهودي واليوناني وانتهى إلى تَصوُّر غنوصي. ففي مسرحيته المسماة «الخروج» ، يرى موسى الإله في رؤياه جالساً على عرشه وعن يمينه رجل. وحينما يدخل موسى، يدعوه الإله ليجلس عن يساره. وقد كان هذا الرجل هو الآدم قدمون أو الأنثروبوس أو الإنسان الأول.
وقد انتشرت الحركة الغنوصية في المراكز التجارية الكوزموبوليتانية، مثل أنطاكية والإسكندرية ومدن آسيا الصغرى، وهي مدن كانت توجد فيها عبادات هجينة مختلطة وجماعات يهودية تتفاوت في حجمها. وداخل هذه المدن، اختلطت الجماهير اليهودية بالنخبة الإغريقية الخالصة أو النخبة المتأغرقة ذات الأصول الشرقية، واختلط الشرق بالغرب.
الغنوصية والصهيونية
‏Gnosticism and Zionism

الصهيونية، في تَصوُّرنا، تعبير علماني شامل عن المنظومة الغنوصية (الحلولية الكمونية) ، أي أنها غنوصية جديدة. ولنحاول أن نرى نقط التشابه بين الغنوصية والصهيونية، ولنبدأ بالخلفية الاجتماعية والثقافية لكليهما. لقد انتشرت الصهيونية بين جماعة من مثقفي شرق أوربا الذين أدَّى تعثُّر التحديث في بلادهم إلى إغلاق أبواب الحراك الاجتماعي أمامهم، وقد توَّقف حراكهم لأنهم يهود (أو هكذا توهموا إذ أن تعثُّر التحديث في الواقع قد أثَّر في الجميع، الأغلبية وكل الأقليات الأخرى) . وكان هؤلاء المثقفون قد اندمجوا إلى حدٍّ كبير في حضارات بلادهم واستوعبوا الحضارة الغربية الحديثة وآمنوا بمنطلقاتها، أي أن هويتهم اليهودية كانت قد ضَعُفت ولكنها لم تختف تماماً، ولذا نجدهم يتنقلون بين الثقافة الروسية واليديشية والعبرية دون أن ينتموا إلى أي منها مطلقاً. ولا يختلف وضعهم هذا كثيراً عن وضع اليهود في المدن اليونانية في حوض البحر الأبيض المتوسط في القرون الأولى بعد الميلاد. ولذا، فإن الحل الصهيوني الحديث، شأنه شأن الحل الغنوصي القديم، يحوي قدراً من الديباجات اليهودية والأفكار الغربية (ومع هذا تظل الرؤية الحلولية الكمونية الواحدية المادية هي العنصر الغالب) .

والصهيونية، مثلها مثل الغنوصية، ترى أن وجود اليهود في المنفى (بل يهودية المنفى نفسها) يشكلان عبئاً ثقيلاً يحمله اليهودي ويعاني بسببه. كما ترى أن هذه المشكلة لا يمكن حلُّها إلا من خلال الغنوص: وهو حل واحدي جذري بسيط للأمور، لا إبهام فيه ولا جدل، يفسر كل شيء وينطلق من رفض مبدئي للحدود والثنائيات التي تسم حياة الجماعات اليهودية في المنفى. وقد حل الغنوصيون المشكلة بأن صنفوا الإله الصانع على أنه إله العهد القديم، وأنه هو الذي تسبَّب في نفي اليهود من أصلهم النوراني وقذف بهم في هذه الدنيا وأرسل لهم الشريعة ليثقل كاهلهم بها. وقد انطلق الغنوصيون الصهاينة أيضاً من رفض جذري لحالة النفي، وقد أدَّى ذلك إلى رفض تاريخ اليهود في المنفى، أي التجارب التاريخية المتعينة للجماعات اليهودية في كل أنحاء الأرض. وهم يرون هذا التاريخ على أنه تاريخ معاناة ومآس ومذابح، إلى أن وصل هرتزل مكتشف الصيغة الغنوصية التي تتلخص في إنهاء حالة المنفى، وتطبيع الشخصية اليهودية (الجسمانية أو النفسانية) ، أي تغييرها تماماً وربما تصفيتها حتى يظهر العبراني الجديد أو اليهودي الخالص (النوراني) الذي لا يعاني من أي ازدواج في الولاء أو انشطار في الشخصية.

والحل الغنوصي (الحلولي الكموني) لمشكلة اليهود هو أن يعود اليهودي إلى أصله بعد أن يخدع حكام السماوات والأرض (الأركون) ليلتحم بالنور (البليروما) وبالإله ويصبح الخالق والمخلوق كياناً واحداً. وكذلك الحل الصهيوني، فهو حلٌّ عضويّ واحدي مبنيّ على العودة إلى الأصل، فاليهودي عضو في الشعب العضوي المنبوذ المنفي، فهو كالإنسان النوراني في العالم المعادي له، عليه أن يجد الحل الجذري والصيغة الملائمة والغنوص (وهي الأيديولوجيا الصهيونية والقومية اليهودية) . وهو سيحمل عصاه ويُنهي حالة المنفى تماماً. ولكن بدلاً من خداع حكام الأرض (من الأغيار) فهو سيتحالف مع بعضهم (الإمبريالية العالمية) وسيطرد البعض الآخر (العرب) ويعود إلى صهيون ليصبح اليهود كلاًّ عضوياً واحداً (نورانياً) ، فيعيش شعب يسرائيل في أرض يسرائيل مع إله يسرائيل في حالة البليروما الكاملة التي هي بداية التاريخ اليهودي أو استئنافه. إن حل المسألة اليهودية يتم إذن عن طريق إلغائها، بل عن طريق إلغاء الجماعات اليهودية وتصفيتها فيما يُسمَّى «نفي الدياسبورا» .

وقد بيَّن أحد الباحثين أن ثمة توتراً أساسياً في اليهودية بين فكرة إله العالمين وفكرة إله الشعب المختار، وأن الغنوصية التقليدية صفَّت هذه الثنائية لحساب الجانب العالمي إذ رفضت إله العهد القديم القومي (وهذا أيضاً ما أنجزته اليهودية الإصلاحية) . هذا على عكس القبَّالاه اللوريانية التي أكدت العنصر القومي حتى أصبحت ما سماه هذا الباحث «غنوصاً مقلوباً» بحيث أصبح إله يسرائيل هو المركز بدلاً من إله العالمين، الأمر الذي أدَّى إلى تصاعُد الحمى المشيحانية القومية والرغبة العارمة في العودة. ولعل أول انفجار غنوصي مقلوب هو حركة شبتاي تسفي المشيحانية الذي أكد أن إله يسرائيل أهم من إله العالمين. والصهيونية بجعلها الدولة مركز الوجدان اليهودي، الديني واللاديني، قد بلورت الغنوص المقلوب تماماً إذ جعلت الشعب المطلق وجعلت فلسطين الرقعة التي تتحقق فيها حالة البليروما. وبإمكان اليهودي الآن أن يقطع تذكرة طائرة ويلتحم بالبليروما الصهيونية مستفيداً من قانون العودة، وهي الصيغة السحرية التي تُحوِّله إلى إسرائيلي نوراني عبراني فور وصوله. وهذا إطار يجعل المسألة في غاية البساطة. لكن إنقاذ المستوطنين (البقية الصالحة) فيه إنقاذ للشعب اليهودي، وإنقاذ الشعب اليهودي فيه إنقاذ العالم بأسره، فإسرائيل (الروحانية) هي نور للأمم (الجسمانية والنفسانية) ، ولذا فالصهاينة بإنقاذهم أنفسهم هم المخلِّص المخلَّص.
ولعل الجانب الغنوصي في الصهيونية لم يكن واضحاً بقدر كاف ربما بسبب علمانية الديباجات وحداثتها واستنارتها. ولكن هذا العنصر الغنوصي واضح تماماً في كتابات الحاخام إسحق كوك وفي فكر جماعة جوش إيمونيم التي أفرزت ما نسميه «الصهيونية العضوية الحلولية» .

ومع هذا يمكن القول بأن الصهيونية بحديثها عن أنها ستُصفِّي الدياسبورا وأنها ستجعل اليهود شعباً مثل كل الشعوب وبتأكيدها أن الدولة اليهودية ستصبح دولة مثل كل الدول، هي غنوصية من النوع «العالمي» لأنها تهدف إلى تصفية الحالة اليهودية تماماً.
الغنوصية والقبَّالاه
‏Gnosticism and Kabbalah
القبَّالاه منظومة غنوصية سيطرت على اليهودية الحاخامية ابتداءً من القرن الرابع عشر. ومع هذا لا يمكن الحديث عن تعارض كامل بين اليهودية الحاخامية والغنوصية، وكما بيَّنا في موضع آخر (انظر: «الأصول اليهودية للغنوصية» ) ، ثمة بُعْد حلولي قوي في اليهودية، وثمة غنوصية يهودية قديمة يُقال إن تاريخها يعود إلى ما قبل غنوصية القرون الميلادية الأولى. وتوجد عناصر غنوصية في العهد القديم وكتب الرؤى (أبوكاليبس) وكتابات فيلون السكندري.
وقد أخذت المؤسسة الحاخامية موقفاً معادياً من الغنوصية، شأنها في هذا شأن كل الديانات التوحيدية. وجاء في التلمود: "إن وجَّه المرء عقله إلى هذه الأمور الأربعة كان خيراً له لو لم تلده أمه: ما هو أعلى، وما هو أسفل، وما كان قبل الخلق، وما سيحدث في نهاية الدنيا"، أي أن التلمود في هذا النص ينهى عن التفكير الغنوصي والقبَّالي والمشيحاني والأخروي. ولكن مثل هذه الفقرة تشكل في رأينا مجرد طبقة جيولوجية في التركيب الجيولوجي اليهودي ضمن طبقات أخرى أهمها الطبقة الحلولية.

وقد وردت إشارات في التلمود إلى أربع شخصيات مهمة في المؤسسة الحاخامية «دخلوا الجنة» (التعبير المستخدم للإشارة لمن يتبنَّى فكراً غنوصياً) . وتذكر هذه الكتابات الفقهية ابن عزاي وابن زوما واليشا بن أبوياه وبن عقيبا، وقد هلكوا جميعهم إلا آخرهم الذي تمكَّن من العودة وسجل ما رأى، أي أنه عاد بالعرفان، وقد رأي فيما رأى عرشين إلهيين: أحدهما للإله والآخر للإنسان، وتُعَدُّ هذه أول إشارة للآدم قدمون (الإنسان الأول) التي أصبحت صورة أساسية في النصوص القبَّالية. والحاخام ابن عقيبا ظل شخصية مركزية في التراث الحاخامي رغم غنوصيته، الأمر الذي يعني تَقبُّل هذا التراث للفكر الغنوصي. وفي فترة الفقهاء (جاؤنيم) ، ظهر النازلون بالمركبة (بالعبرية: يوردي همركفاه) الذين حاولوا الاتحاد بالإله. وثمة إشارات في سفر هميخالوت الذي نشره أدولف جلنيك (أشهر واعظ يهودي في فيينا في أواخرالقرن التاسع عشر) ذات طابع غنوصي واضح. وقد تبلورت كل هذه الإرهاصات في القبَّالاه، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية التي هي من أهم الأنساق الغنوصية وأكثرها حدة وتفجراً. ومن القبَّالاه اللوريانية انتشرت الغنوصية بين المفكرين اليهود المحدثين.

وقد ظهرت الغنوصية في القرنين الأول والثاني الميلاديين، بينما ظهرت القبَّالاه بعد ذلك بزمن طويل. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ التماثل البنيوي بين المنظومة الغنوصية والقبَّالاه، وأن البنية الغنوصية الأسطورية العامة تتحقق بشكل مذهل في القبَّالاه، وخصوصاً اللوريانية. وكل من الغنوصية والقبَّالاه نسق حلولي واحدي عضوي مغلق، يلغي المسافة بين الإله والإنسان والطبيعة وبين الكل والجزء. وكل هذا يطرح قضية التأثير والتأثر. ومما لا شك فيه أن ثمة علاقة تأثير وتأثر بين الكتابات الغنوصية والقبَّالاه. فاليهودية تُعَد أهم روافد الغنوصية، كما أن كثيراً من أعضاء الحركات الغنوصية كانوا يهوداً. ولكننا، مع هذا، نفضل استخدام نموذج تفسيري توليدي لتفسير تشابه المنظومة الغنوصية والقبَّالاه ومن ثم يصبح عنصر التأثير والتأثر عنصراً واحداً ضمن عناصر عديدة، وهو ليس أهم العناصر.
وفي مجال تفسير التشابه من منظور توليدي يمكننا أن نقول إنهما يعودان إلى رغبة الإنسان الجنينية نفسها في الانسحاب من العالم إلى سكون الرحم وإلى الالتصاق بثدي الأم، وهي رغبة كونية كامنة في عقل الإنسان، وإغراء دائم للإنسان بأن يرفض النضج والحدود والعالم والتدافع ليظل قابعاً في حالة البليروما الجنينية الرحمية المحيطية السائلة. ويمكننا الآن أن ندرج ما نتصوره نقط التماثل بين المنظومة الغنوصية والقبَّالاه:
1 ـ الغنوصية والقبَّالاه منظومتان واحديتان تتداخل فيهما الأسماء والشخصيات والمفاهيم. فالآدم قدمون هو العالم وهو التجليات العشرة النورانية (سفيروت) ومن ثم فهو الإله وهو أيضاً الإنسان. والشخيناه هي التعبير الأنثوي عن الإله، ولكنها في واقع الأمر كنيست يسرائيل، أي الشعب اليهودي.
2 ـ توجد نقط تشابه كبيرة بين الإله الخفي في المنظومة الغنوصية والإين سوف (الجوهر الإلهي اللانهائي والذي لا نظير له) في القبَّالاه:

أ) الإين سوف إله غير شخصي، علاقته بالعالم أنطولوجية، تماماً مثل علاقة الإله الخفي بالعالم في المنظومة الغنوصية، فهو إله لا يكترث بالعالم، ولكنه في الوقت نفسه سبب الوجود.
ب) الإين سوف نشيط دائماً ومفكر دائماً، ومن خلال عملية تفكيره في ذاته يفيض العالم عنه، تماماً كما يحدث في المنظومة الغنوصية.
جـ) تأخذ عملية الفيض شكل درجات تُسمَّى الأيونات في المنظومة الغنوصية والسفيروت أو التجليات النورانية العشرة في القبَّالاه.
د) يبلغ عدد كل من الأيونات والتجليات عشرة (وإن كان عدد الأيونات في بعض المنظومات الغنوصية يبلغ أربعة عشر بل بضع مئات) .
هـ) تحمل كل من التجليات النورانية والأيونات أسماء مجردة للغاية، عادة لعمليات عقلية مثل الفكر والحكمة والجلال.
و) جماع التجليات النورانية يأخذ شكل إنسان، تماماً مثل الأيونات، هذا الإنسان هو العالم الأكبر (الماكروكوزم) والذي يشاكل العالم الأصغر، أي الإنسان الفرد (الميكروكوزم) . وهذا التماثل الكامل بل التطابق بين العالمين تعبير عن البنية والعلاقات الهندسية وعن التماسك العضوي حيث يصبح كل شيء هو الشيء الآخر.
ز) فاضت كل من التجليات والأيونات من الخالق حتى يتم سد الهوة بين الإله الخفي والعالم (من أجل تحقيق عملية الخلاص) . وعملية الفيض هذه لا تعني انفصال التجليات أو الأيونات عن الخالق (فهذا يخلق ثغرة وهو أمر مستحيل في المنظومات الحلولية الواحدية) وإنما هي عملية تمايز وحسب لجوانب مختلفة للمطلق. ولذا، بعد عملية الفيض والتمايز، تشكل الأيونات البليروما وتشكل التجليات هرم الملكوت الملكي.
3 ـ يمكننا هنا أن نتناول قضية مفردات الحلولية (الجنس - الجنين - الجسد ... إلخ) التي تُستخدَم في كلٍّ من الغنوصية والقبَّالاه:
أ) يوجد دائماً أيون أنثوي أساسي في المنظومات الغنوصية هي صوفيا أما في القبَّالاه فهي الشخيناه.

ب) تحمل كل من الأيونات والتجليات أحياناً أسماء جنسية وطبيعية مباشرة فتُسمَّى بأسماء أعضاء الجسم الإنساني (وخصوصاً الأعضاء التناسلية) .
جـ) الأيونات مثل التجليات ثمرة الجماع الجنسي بين الإله الأب والأم وهو تزاوج يعني التلاحق الجسدي الكامل وسد الثغرات.
د) تأخذ عملية الخلق شكل فيض وسلسلة لا تنقطع، وهي صورة مجازية في جوهرها جنسية.
هـ) يأخذ الإله أحياناً في كل من القبَّالاه وفي المنظومة الغنوصية شكل إله خنثى (ذكر وأنثى) وتأخذ عملية الخلق شكل انفصال بين العنصرين.
و) تأخذ عملية الخلاص شكل اقتراب تدريجي من الخالق إلى أن يتحقق التوحد الكامل، وهو توحُّد جنسي في بعض المنظومات. وتُستخدَم كلمة «يحود» لوصف هذا التوحد، وهي كلمة تعني «التوحد مع الخالق» وتعني أيضاً «الجماع الجنسي» .
ز) يمكن أن نتخيل العالم الغنوصي على هيئة مخروط: مجموعة من الدوائر المتداخلة التي تَدق كلما تحركنا من القاعدة إلى القمة، وهي دوائر متداخلة ذات مركز واحد تختلف في الحجم ولا تختلف في البنية. وعضو التذكير هو قمة المخروط أما قاعدته فهي عضو التأنيث، فهو إذن الإله الذكر والأنثى. وهذا أيضاً هو شكل العالم في المفاهيم اليهودية وفي القبَّالاه، فالإين سوف هو رأس المخروط المدبب وهو عضو التذكير، والشخيناه قاعدته، وهي امتداد الإله في الدنيا، والشعب اليهودي بنت صهيون وهي أيضاً عضو التأنيث الذي ستفيض فيه الرحمة الإلهية لتوزع على العالمين.
4 ـ تحاول كل من المنظومة الغنوصية والقبَّالاه حل مشكلة الشر في العالم عن طريق قصص أسطورية جوهرها إسقاط البُعد الأخلاقي للقضية.

أ) فالشر في المنظومة الغنوصية ناجم عن خلل حدث في المنظومة نتيجة حب صوفيا العارم والمفرط للإله (ويأخذ شكل عشق ذاتها وصورتها، فهي من صلب الإله) الأمر الذي يؤدي إلى سقوطها أو سقوط بعض الشرارات النورانية الإلهية واختلاطها بقوى الظلام والمادة. وتُسمَّى هذه الحادثة في المنظومة القبَّالية حادثة تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) وهي ناجمة عن حب الشخيناه العارم والمتطرف للإين سوف. وفي رواية أخرى، ينجم الخلل وتبعثر الشرارات عن أن النور الإلهي يثقل الأوعية فيهشمها، ويُقال إن ما يسبب حادثة التهشم والتبعثر هذه هو تطرُّف تجلِّي الحكمة على حساب تجلِّي العاطفة.
ب) ينجم الشر في إحدى المنظومات الغنوصية عن خديعة الإله الصانع (الأرضي) إذ يسرق الشرارة الإلهية ويحبسها في المادة أو يخلق إنساناً على هيئة الأنثروبوس ويضع فيه الشرارة. وفي المنظومة القبَّالية يُقال إن الشخيناه تلد الشر دون أن تدري، إذ يتقمص أحد الشياطين شكل الإين سوف ويعاشرها جنسياً فتلد الأغيار والشياطين الذين يحوِّلون العالم إلى مكان معاد لليهود.
جـ) وتطرح المنظومة الغنوصية فكرة صوفيا المزدوجة: واحدة سماوية والأخرى أرضية فتحارب صوفيا ضد الشر (وتلحق بعد ذلك بالسماوية) ، وكذا في المنظومة القبَّالية توجد شخيناه سماوية وأخرى أرضية رهيبة ستنتقم من أعداء جماعة يسرائيل ثم تلتحق بقرينتها السماوية (وهذا تعبير آخر عن الثنائية الصلبة الوهمية) .
5 ـ ثمة تشابه عميق بين مفهوم الخلاص والخير والشر والبعث في كل من المنظومة الغنوصية والقبَّالاه.

أ) العالم فاسد والزمان رديء في المنظومة الغنوصية ولا جدوى من فعل الخير أو محاولة التسامي، والخلاص لا علاقة له بالأخلاق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لهذا، لا يوجد بعث فردي ولا حساب وإنما التحام للروح في الكل الإلهي وذوبان فيه. وعالم الأغيار في القبَّالاه عالم فاسد والتاريخ الإنساني رديء، وتبهت فكرة البعث في القبَّالاه وتحل محلها فكرة تناسخ الأرواح التي تنكر المسئولية الخلقية والثواب والعقاب (وتشبه فكرة العود الأزلي عند نيتشه) . والعودة إلى أرض الميعاد فكرة قومية جماعية تلغي أيضاً المسئولية الخلقية والخلود الفردي للروح.
ب) لفهم عملية الخلاص وحدودها، لابد أن ندرك الهرمية الصارمة التي يتسم بها كل من العالم الغنوصي وعالم القبَّالاه. فالبشر الروحانيون (في المنظومة الغنوصية) يوجدون في قمة الهرم والنفسانيون في وسطه والجسمانيون في قاعدته، والاختلافات بينهم ليست اختلافات أخلاقية أو حتى معرفية وإنما اختلافات أنطولوجية. وفكرة الاختلاف الأنطولوجي بين اليهود والأغيار فكرة أساسية في القبَّالاه، فالأغيار مثل الجسمانيين والنفسانيين ليسوا بشراً، ومخطَّط الخلاص لا ينصرف إليهم. وأكدت القبَّالاه المفهوم النخبوي داخل اليهودية بالتركيز على مفهوم البقية الصالحة وهم نخبة الروحانيين أو نخبة النخبة، خير من في الشعب اليهودي.

جـ) في المنظومة الغنوصية، يعيش الإنسان (الروحاني) منفياً في العالم المادي، فقد سقط فيه عن طريق الخطأ أو الخلل الذي حدث. ووجوده في هذا العالم هو مصدر تعاسته، وهو يحلم دائماً بالعودة إلى أصله الرباني النوراني ليلتحم به مرة أخرى ولن تتحق سعادته إلا بهذه العودة حيث يُترَك البشر النفسانيون والجسمانيون في كوكبهم الأرضي المدنَّس، فهم لا قداسة لهم مستبعدون من عملية الخلاص، وتنسحب الشرارات الإلهية تماماً من الكون بانسحاب أصحاب العرفان منه (يصبح العالم مادة محضة وقد يختفي ويذوب) . وكل هذه العناصر توجد في القبَّالاه، فسقوط الإنسان (وصوفيا) يشبه سقوط الشعب اليهودي والشخيناه. وقد كان اليهود جزءاً من الآدم قدمون والإله قبل السقوط فتبعثروا وسقطت الشرارات أو الأرواح في أجساد مادية زائلة، وحُبست الشرارات في المادة وفي عالم الأغيار المعادي. ولذا، فاليهود يعيشون حالة نفي يحلمون بالعودة إلى أصلهم الإلهي أو إلى أرض الميعاد. وحالة النفي حالة نهائية مادامت هناك دنيا ومادام هناك تاريخ، ومن ثم فلا جدوى من البحث عن السعادة والمتعة (في عالم المادة بين الأغيار) إذ ليس بإمكان اليهود (النورانيين) أن يحصلوا على السعادة إلا بالعودة إلى الأصل الإلهي في أرض صهيون والالتحام بها في نهاية التاريخ حين ينتصرون على كل شعوب الأرض من الأغيار، الذين يُستبعَدون تماماً من عملية الخلاص.
د) وخلاص الإنسان في المنظومة الغنوصية هو عودة الإنسان باعتباره شرارة إلهية إلى الواحدية الإلهية (البليروما) ، وعودة كل الشرارات هو كمال للذات الإلهية وخلاص لها، فكأن الإنسان بتخليصه نفسه يخلِّص الإله أيضاً (وهذه هي أيضاً فكرة الخلاص أو التيقون في القبَّالاه، فهي عودة الإنسان إلى بداياته النورانية وعودة الشعب اليهودي إلى أرض الميعاد والتحامه بالخالق، وهي عودة تعني أن الخالق ينهي حالة تبعثره ويعود لوحدته الأصلية) .

هـ) تتسم الغنوصية بميل إلى رفض الشرائع المُرسَلة للبشر، فالغنوصيون نورانيون لا يخضعون لمثل هذه الشرائع، فهم جزء لا يتجزأ من الإله ولذا لا يسري عليهم ما يسري على الآخرين (الأغيار) ولهذا يقدس الغنوصيون الشخصيات الملعونة في العهد القديم والجديد مثل قابيل، وهم يعبدون الشيطان تعبيراً عن رفضهم النواميس البشرية والشرائع الإلهية. ويظهر هذا أيضاً في الحركات الشبتانية اليهودية فأتباع الحركة الفرانكية كانوا يقدسون عيسو وقابيل وكانوا يسمون الأدوميين أي الحمر نسبة إلى أدوم وهو اسم آخر لعيسو. بل إن الثعبان الذي كشف لآدم وحواء سر شجرة المعرفة هو بطل قصة الخلق الحقيقي من وجهة نظر الغنوصية، فهو رمز تحدِّي الخالق، ورفض الحدود والشريعة، ورفض الجهل الذي ضربه الإله الصانع على الإنسان، أي أنه رمز رفض الكون.

و) ولأن الشر في العالم ليست له علاقة بالأخلاق، فإن الخلاص لا يتم من خلال التوبة والغفران وإنما من خلال البحث عن الصيغة السحرية المناسبة. والقبَّالاه ليست تمارين أخلاقية تهدف إلى كبح جماح الجسد أو إلى تهذيب نفس المؤمن وإنما تهدف إلى حل طلاسم الروح والعالم وكلمات التوراة للوصول إلى الخالق والقوة الحيوية في الكون وإلى التوراة الخفية أي الغنوص التي عن طريقها يمكن التحكم في العالم. والإصلاح (تيقون) يتم من خلال اتباع اليهود الأوامر والنواهي التي تحولت إلى شعائر مجردة تشبه التعويذات والصيغ الدقيقة، وما يهم فيها هو طريقة أدائها لا مضمونها الأخلاقي. بل إن المضمون الأخلاقي نفسه قد طُمس تماماً وحل محله مضمون ميتافيزيقي (بغير أخلاق) فهي تهدف إلى تقريب اليهود من الخالق للتعجيل بالخلاص ولتحقيق «يحود» ، وهي كلمة عبرية تعني التوحد مع الخالق (وتعني أيضاً الجماع الجنسي) . والغنوصية والقبَّالاه، في هذا، يشبهان تماماً العلم الحديث بنزعته الفاوستية للتحكم في العالم من خلال الصيغ الدقيقة، وهو يقدم ميتافيزيقا (ضرورة التحكم في العالم) دون أية أعباء أخلاقية.
ز) المخلّص في المنظومة الغنوصية شخصية عجائبية، تتجاوز قوانين الطبيعة، وهو شخصية أزلية أبدية تتجسد من خلال شخصيات تاريخية (زائلة) يأتي هو لها بالعرفان الثابت. والماشيَّح في اليهودية (والقبَّالاه) شخصية عجائبية. وتتسم اليهودية بتعدد المشحاء الدجالين باعتبار أن كل واحد منهم هو تَجسُّد زمني للإله ويحمل العرفان. ويمكن القول بأن تقاليد النبوة المفتوحة في اليهودية تعبير عن النمط نفسه، نمط الحلول والوحي المستمر عبر التاريخ. وشخصية التساديك في المنظومة الحسيدية تعبير متطرف عن هذا النمط من التجسد المستمر للماشيَّح في التاريخ.

ح) والمخلِّص في المنظومة الغنوصية مُرسَل من الإله، ولكن عملية الخلاص هي جمع الشرارات الإلهية الكامنة في الروحانيين، ولذا فإن المخلّص، حينما يُخلّص أصحاب الغنوص، إنما يُخلِّص نفسه. وصوفيا قد تكون هي هدف الخلاص، فقد سقطت مع الشرارات الإلهية، ولكنها هي أيضاً أداته. والماشيَّح في القبَّالاه اللوريانية يأتي لينقذ الشخيناه المشتتة (الشعب اليهودي المشتت) التي هي الشرارات الإلهية فيجمعهم أي بقايا الشخيناه (صوفيا) ، ويعود بها إلى الأصل الإلهي أي يجمع المنفيين من اليهود ويعود بهم إلى صهيون. والشخيناه هي هدف الخلاص وأداته، فالشعب اليهودي (الشخيناه) هو الذي سيُجمَع في أرض الميعاد، ومن خلال خلاصه (وجمعه) يعم السلام في العالم ويأتي الخلاص (مثل عودة النيوما إلى البليروما) .ولكن الشخيناه (الشعب اليهودي) جزء من الإله/الآدم قدمون، وبالتالي فخلاصها هو خلاص الإله. ومن خلال عودة الشخيناه من المنفى والتبعثر، تعود للإله وحدته، فالمخلَّص إذن هو المخلِّص الذي يُخلِّص نفسه ويُخلِّص الآخرين، فهو المخلِّص المخلَّص.
6 ـ المنظومة الغنوصية تتسم بالواحدية، ولذا فهي تتسم أيضاً بالثنائية الصلبة الزائفة، إذ تنحل الثنائية في واحدية سائلة. والقبَّالاه أيضاً نظام ثنائي صلب في ثنائيته، فهناك النور والظلام، والخير والشر، واليمين واليسار، وهي ثنائية واهية لأن الشر غير موجود أساساً، فهو وهم. أو لأنه إن وُجد فهو جزء من الخير وصورة أخرى منه، فإن ما يظهر باعتباره شراً هو في واقع الأمر خير (وقد بعثت القبَّالاه العناصر الثنوية: الاهتمام المفرط بالملائكة والشياطين باعتبارها شريكة للإله عز وجل في الخلق، وميتاترون وليليت، وهي مفاهيم من بقايا الوثنيات الحلولية دخلت اليهودية) .

وتتضح الثنائية في المنظومة «الأخلاقية» الغنوصية والقبَّالية، فسلوك الإنسان قد يأخذ شكل رهبنة كاملة وإنكار متطرف للعالم ورفض له، وقد يأخذ شكل انغماس في الرذيلة هو في جوهره رفض للعالم (فهو مكان شرير وزمان رديء) .
والمخلِّص في القبَّالاه هو الماشيَّح الذي ينزل في عالم الظلمات أيضاً، وقد يكون هو المخلِّص الداعر الذي يرتكب الموبقات حتى ترهق الطبيعة (مثل جيكوب فرانك) ، وهو ما يُسمَّى «الهبوط من أجل الصعود» (بالعبرية: يريداه بشفيل عالياه) . وقد يكون راهباً منسحباً، وقد ينتقل من حالة إلى أخرى مثل شبتاي تسفي الذي كان يتأرجح بين الرهبنة الكاملة والعهر الكامل (وضمنه الشذوذ الجنسي) ، ومثل البعل شيم طوف مؤسس الحركة الحسيدية الذي يُقال إنه امتنع عن معاشرة زوجته جنسياً لمدة أربعة عشر عاماً، ويذهب أتباعه إلى أن زوجته حملت ابنها هرشل «من خلال الكلمة» . ومع هذا كان معروفاً عنه إقباله الشديد على النساء وشغفه بهن، وخصوصاً الجميلات منهن. وكثير من المخلِّصين أسقط الشريعة تماماً. وتحولت نواه مثل «لا تزن» إلى وصايا مثل «فلتزن» .
وتوجد تفاصيل أخرى عديدة تبين مدى التقابل المدهش بين الغنوصية والقبَّالاه، ولكن ما حاولنا حصره هو بعض السمات البنيوية المشتركة وتجلِّيها في بعض التفاصيل.
الهندوكية والقبَّالاه
‏Hinduism and Kabbalah
لاحَظ عالم الأنثروبولوجيا الإسرائيلي روفائيل باتاي أن ثمة تشابهاً عميقاً بين النسق الديني القبَّالي والنسق الديني الهندوكي يتمثل فيما يلي:

1 ـ تبدأ القبَّالاه من اللاشيء الإلهي «الإين سوف» وهو «الخفي» وهو «العدم» ، وكذا الهندوكية، فالإله «شيفا» هو «مُطلق المطلَق» ، أي «الحالة التي لا يحدث فيها شيء» ، وهو حالة سكون كاملة، وهو القصور الذاتي النهائي والخواء الكامل. وحتى اللعب بالألفاظ في القبَّالاه، بين «الإين» و «الآيين» و «الآني» له ما يقابله في الهندوكية، ذلك أن «شيفا» (بغض النظر عن حروف العلة) هو «شافا» ، أي «الجثة» . وهو يصبح «شيفا» حينما يضاف إليه حرف العلة، وتكون صاحبته الإلهية شاكتي (ممثلة الحياة والحركة) ، حينئذ يصبح «شافا/العدم» هو «شيفا/الطاقة» .
2 ـ كما أن مراحل التجلي، التي يُطلَق عليها التجليات النورانية العشرة (سفيروت) في القبَّالاه، لها ما يقابلها في الهندوكية، وهي تُسمَّى «تاتفا» ، أي «الأسس» أو «المقولات الأساسية» أو «الجواهر» . والتاتفا، مثل التجليات النورانية العشرة، تخرج الواحدة من الأخرى. وفي القبَّالاه عشرة تجليات من الكيتير عليون (التاج العلوي) في الأعالي إلى الشخيناه وهي التجلي الأدنى الذي يلي العالم الأرضي، وفي الأعالي ثمة وحدة أبدية بين الحوخمة والبيناه، وهي أبو الأعالي وأم الأعالي. وكذلك في الهندوكية، فكان هناك في القمة الوحدة الأزلية بين شيفا وشاكتي، وتخرج عشرة تجليات هي الحالات المادية العشر.
3 ـ يُلاحَظ أن الإله في القبَّالاه نصفه ذكر ونصفه أنثى. وكذا في الهندوكية، فشيفا وشاكتي يكوِّنان وحدة إلهية هي جوهر الوجود الإلهي.
4 ـ وفي كل من القبَّالاه والهندوكية فكرة الدورات الكونية.
5 ـ وفي كل من القبَّالاه والهندوكية مقولة إدراكية جنسية أساسية تصف علاقة الابن بالابنة، أو الشيفا بشاكتي. وكل من الابن وشيفا لا تكتمل سيادتهما، بل وجودهما، إلا إذا اجتمعا مع الابنة وشاكتي.

6 ـ وهناك أسطورة نفي في الهندوكية تماماً كما في القبَّالاه، إذ يقوم شيطان بغزو الكون، ويخرج الآلهة العظيمة من الجنة إلى المنفى. وحينما تذهب شاكتي إلى المنفى، فهي مثل الشخيناه، تفصل عن شيفا وتصبح عرضة للاغتصاب من قبل عمالقة مخيفين.
7 ـ تُصوَّر الشخيناه، في أحد تجلياتها وحشاً كاسراً منتقماً، وفي الهندوكية تتجلى شاكتي على هيئة كالي، إلهة الانتقام.
8 ـ يُصوَّر الشر في كل من القبَّالاه والهندوكية باعتباره جزءاً من الإله، وهو مجرد الجانب الآخر والشر هو المحارة أو القشرة الخارجية.
9- تقوم كل من القبَّالاه والهندوكية بتجنيس الإله وتأليه الجنس (بمعنى الغريزة الجنسية) .
10 ـ تؤمن القبَّالاه كما تؤمن الهندوكية بالتناسخ.
وهذا التشابه العميق يثير قضية التأثير والتأثر، ويطرح السؤال التالي: هل اطلع القبَّاليون على بعض المصادر الهندوكية أم أن بعض الأفكار الأساسية تسربت إليهم، فقاموا بتطويرها داخل الإطار اليهودي؟ أم مجرد تشابه بنيوي بمعنى أن البنية الحلولية في كل من القبَّالاه والهندوكية قد تطورتا بشكل مستقل ووصلتا إلى نسقين متشابهين بشكل مستقل؟ هذه قضية خلافية لا تزال مطروحة للنقاش.

اليهودية المفاهيم والفرق - اليهودية بعض الإشكاليات - إشكالية علاقة اليهودية بالصهيونية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

علمنة (صهينة) اليهودية (أو هيمنة الحلولية الكمونية)
‏Secularization (Zionization) of Judaism -The Dominance of Immanence
نجحت عدة أيديولوجيات علمانية شاملة في التغلغل في اليهودية والاستيلاء عليها من الداخل، فاليهودية التجديدية هي مُركَّب من عدة مفاهيم علمانية (مثل التقدم في الإطار المادي) وقد تلبست لباساً يهودياً. ولكن أهم هذه الأيديولوجيات العلمانية هي الصهيونية التي نجحت في الاستيلاء على اليهودية تماماً وقامت بعلمنتها من الداخل إلى درجة أن الحركات الدينية الأرثوذكسية التي قامت في الأساس لمحاربة الصهيونية انتهى بها الأمر إلى أن تبنت الصهيونية إطاراً مرجعياً نهائياً. وقد أدَّى هذا إلى ظهور إشكالية حقيقية أمام اليهود الذين يرفضون التحالف مع ملحدين يسمون أنفسهم «يهوداً» . ونحن نذهب إلى أن الصهيونية قد نجحت في الاستيلاء على اليهودية وعلمنتها بسبب الخاصية الجيولوجية التراكمية، إذ وجد الصهاينة سوابق في التراث الديني اليهودي تدعم مقولاتهم العلمانية الشاملة.
ولكن السبب الأساسي الذي أدَّى إلى نجاح الصهيونية في تحقيق أهدافها هو تصاعُد معدلات الحلولية داخل اليهودية. وتدور الرؤية الحلولية الكمونية حول ثلاثة عناصر: الإله والإنسان والطبيعة. وفي إطار الحلولية اليهودية، يتحول الإنسان إلى الشعب اليهودي، وتتحول الطبيعة إلى الأرض اليهودية (إرتس يسرائيل ـ أرض الميعاد) ، أما الإله فيتحوَّل إلى المبدأ الواحد الذي يحل فيهما معاً. ولا تختلف هذه الرؤية الحلولية الكمونية عن الصهيونية إلا في بعض التفاصيل وفي الطريقة التي تُسمَّى بها العناصر التي تكوِّن دائرة الحلول.
ويمكن التعبير عن هذه الرؤية الحلولية الكمونية، اليهودية والصهيونية، على النحو التالي:
الشعب اليهودي المبدأ الواحد الأرض اليهودي
الرباط العضوي بين الشعب والأرض
أو القوة التي تسري فيهما
1-يسميها الصهاينة المتدينون "الإله".
2-يطلق عليها الصهاينة العلمانيون أسماء
كثيرة: "روح الشعب"-"التراث اليهودي"
-"العرْق اليهودي"-"التوراة كتعبير عن روح الشعب"........

وأهم عناصر دائرة الحلول هو الإله الذي يصبح «المبدأ الواحد» والذي قد يُسمَّى «الإله» في الحلولية الكمونية اليهودية أو «روح الشعب» أو حتى «العرْق» في الحلولية الكمونية الصهيونية.
ويُلاحَظ أنه لا يوجد فارق بين الإله والعرْق اليهودي (على سبيل المثال) فكلاهما (حالّ) في الشعب والأرض لا يتجاوزهما، فهو الشيء نفسه رغم اختلاف التسميات.
وقد نجم عن حلول الإله في كلٍّ من الشعب والأرض أن أصبح الشعب مقدَّساً وأصبحت الأرض هي الأخرى مقدَّسة. يختلف الفريقان العلماني والديني في تسمية مصدر القداسة ولكنهما لا يختلفان قط في أن القداسة هناك، تسري في الشعب والأرض. وتسمية مصدر القداسة في المنظومات الحلولية الكمونية ليس أمراً مهماً إذ أن الحلول يجعل المادة المقدَّسة أكثر أهمية من مصدر القداسة. وإذا كان الصهاينة يؤمنون بحلولية بدون إله أو يؤمنون بقداسة دون مصدر غيبي للقداسة، فإن الدينيين يؤمنون بحلولية متطرفة، الإله داخلها جزء لا يتجزأ من الشعب وأرضه، ومن ثم فهو إله لا يختلف في أي وجه من الوجوه عن شعبه ولا ينفصل بأية حال من الأحوال عن أرضه وليس ذا إرادة مستقلة عنه. وسواء كانت الديباجات علمانية (شاملة) متطرفة في علمانيتها، أم دينية متطرفة في تديُّنها، فالجميع يتفق على أن المبدأ الواحد (الإله أو روح الشعب) حالّ في المادة كامن فيها، غير مفارق لها. ومن ثم يستطيع أعضاء الفريقين الصهيونيين، الديني والإلحادي، أن يترجما الثالوث الحلولي إلى شعار سياسي مثل: أرض يسرائيل لشعب يسرائيل حسب توراة يسرائيل، وهي صيغة تفترض وجود علاقة عضوية صارمة بين العناصر الثلاثة تمنح أعضاء هذا الشعب حقوقاً مطلقة (فهم داخل دائرة الوحدة العضوية والقداسة والحلول) وتستبعد الآخرين. وتصبح توراة يسرائيل كتاباً مقدَّساً مرسلاً من الإله بالنسبة للصهاينة الدينيين، أو كتاب فلكلور يعبِّر عن روح الشعب بالنسبة للصهاينة الملحدين. وبينما يؤكد

الحاخام كوك (الأب الروحي والفكري لجماعة جوش إيمونيم) ، على سبيل المثال، أن روح الإله وروح يسرائيل شيء واحد، أي أن الشعب في قداسة الرب، فإن فلاديمير جابوتنسكي يشير إلى الشعب اليهودي بوصفه ربه، ويشير موشيه ديان إلى الأرض باعتبارها ربه. وصياغة كوك الدينية وصياغة جابوتنسكي وديان الإلحادية متشابهتان تماماً في بنيتهما، فكلتاهما تنتهيان إلى شعب مقدَّس له حقوق مطلقة في أرضه المقدَّسة، فهو شعب حل الإله فيه وفي أرضه، حسب صياغة كوك، وهو شعب/إله وأرض/إله في صياغة الملحدين، والفارق بين الصياغتين أمر شكلي.
وقد قال نوفاليس إنه لا يوجد فرق كبير بين أن أقول "أنا جزء من الإله" أو "الإله جزء مني". ولا فرق بين أن أقول "إن الله هو العالم أو أن العالم هو الله". ويمكننا القول بأنه لا يوجد فرق كبير بين أن يقول الصهيوني المتدين الإله هو الشعب وأن يقول الصهيوني الشعب هو الإله فالمسافة بين الكل والجزء تختفي فيصبح الكل هو الجزء، ويصبح الشعب هو الإله.
وعلمنة الحلولية اليهودية على يد الصهيونية، لم يكن أمراً فريداً وإنما كان متسقاً تمام الاتساق مع واحد من أهم إنجازات الغرب الفلسفية في العصر الحديث، أي اكتشاف تَرادُف وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية، بحيث أصبح من الممكن الحديث عن الذات بلغة الموضوع وعن الموضوع بلغة الذات، وعن المقدَّس بلغة الزمني وعن الزمني بلغة المقدَّس، وعن الروحي بلغة المادي وعن المادي بلغة الروحي، وهو الإنجاز الذي وضع أسسه إسبينوزا وعمَّقه هيجل ووصل به إلى ذروته وأشاعه إلى درجة أن الخطاب الفلسفي الغربي أصبح في معظمه خطاباً حلولياً، سواء بين المتدينين أو بين العلمانيين.

وقد وجد الصهاينة أن الإستراتيجية الإسبينوزية الهيجلية التي تفترض ترادف وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية هي أنسب الصيغ للتوجُّه للجماهير اليهودية في شرق أوربا، وهي جماهير كانت لا تزال إما متدينة أو تربطها علاقة وثيقة بالرموز الدينية. وقد أصبحت هذه الحلولية الأرضية المشتركة بين المتدينين والعلمانيين في الحركة الصهيونية.
الحلولية والحرفية والصهيونية: آليات التلاقي بين الصهاينة المتدينين والعلمانيين
‏Immanence, Literalism, and Zionism: The Mechanics of the Convergence between Religious and Secular Zionists
من أهم آليات تضييق الرقعة بين الدينيين والعلمانيين (في إطار الحلولية الكمونية) تبنِّي الدينيين تفسيرات العهد القديم الحرفية والعقائد اليهودية. فالحلولية الكمونية تترجم نفسها في نهاية الأمر لا إلى أصولية تعود إلى الأصول وتحتكم إليها وإنما إلى حرفية في تفسير المفاهيم الدينية (التي عادةً ما تحتوي قدراً من الثنائية والتجاوز يجعل التفسير المجازي أمراً حتمياً) . فالحرفية الحلولية ثمرة تصفية الثنائية والتجاوز، وثمرة اختزال المساحة التي تفصل بين الخالق والمخلوق وبين الدال والمدلول بحيث يُختزَل الواقع إلى مستوى واحد فلا يشير إلى أي عالم آخر أو أية منظومة أخرى وبحيث تصبح رؤية الواقع، في نهاية الأمر، واحدية لا تختلف كثيراً في بنيتها عن التفسيرات المادية التي تنكر الثنائية والتجاوز. وهذا ما حدث مع الأوساط الدينية اليهودية في عملية صهينة اليهودية، فقد أسقطوا التفسيرات المجازية وأحلوا محلها تفسيرات حرفية.

فالأرض في المفهوم الحاخامي التقليدي (المجازي) كانت «صهيون الروحية» التي توجد في القلب، وقد وصفها نيثان برنباوم (بعد أن ترك الصهيونية وأصبح أرثوذكسياً) بأنها ليست وطناً مادياً جديداً بل كياناً دينياً لم يتوقفوا قط عن حبه والحنين إليه وتذكُّره. والشعب ليس شعباً عرْقياً مادياً مثل كل الشعوب وإنما جماعة دينية تدين بالولاء للإله من خلال الميثاق ومن خلال الإيمان بمنظومة قيمية. ولذا، فإن عودة هذا الشعب إلى أرضه لا يمكن أن تتم إلا بأمر الإله في نهاية التاريخ.
بدلاً من هذه العقائد التي تحتوي قدراً من التجاوز، ومن ثم تتطلب تفسيرات مجازية، طرح الصهاينة المتدينون تفسيرات حرفية لا تختلف كثيراً عن التفسيرات العلمانية (التي تنكر التجاوز) رغم احتفاظها بالمصطلح الديني. فصهيون أصبحت الأرض التي يمكنهم متى شاءوا العودة إليها والاستيلاء عليها بقوة السلاح، والشعب أصبح مجموعة من البشر التي لها حقوق مطلقة منفصلة عن المنظومات القيمية الأخلاقية اليهودية، فهم ذوو حقوق مطلقة لا يختلفون كثيراً عن شعوب أوربا في المرحلة الإمبريالية.

واكب هذه الحرفية في التفسير ظهور ديباجات علمانية حلولية، فالشعب في الخطاب الصهيوني أصبح الشعب العضوي (فولك) وهو مفهوم يَصدُر عن الإيمان بأن ثمة وحدة (وجود) عضوية تربط الشعب (العضوي) وأرضه وتراثه، وأن الجميع تسري فيهم روح واحدة هي مصدر الترابط العضوي هذا، الذي لا تنفصم عراه. وهذه الفكرة فكرة حلولية تجعل الذات القومية موضع التقديس وتخلع عليها المطلقية، والنسق الفلسفي الكامن وراءها نسق مغلق، إذ أن هذه الذات تصبح مرجعية نفسها، هي البداية والنهاية، وحتى برامجها السياسية تصبح مقدَّسة. وعادةً ما تصل هذه النماذج إلى لحظة تحقُّقها في لحظة نهاية التاريخ والفردوس الأرضي، حين تتجلى في كل مناحي الحياة، وتتجسد من خلالها. ولذا نجد أن الصور المجازية التي تُستخدَم في إطار هذه الأنساق صور مجازية عضوية تعبِّر عن عالم عضوي مصمت ملتف حول نفسه.
ولأن العلاقة عضوية حتمية، فإن هذا يعني أن الأرض اليهودية (إرتس يسرائيل) ستظل خراباً ومهجورة إن تم فصل الشعب المقدَّس عن أرضه المقدَّسة. وهذا الشعب نفسه سيظل في حالة اغتراب وحزن (بل فساد وانحطاط) إن ظل بعيداً عن الأرض. فالأرض تكتسب الحياة من الشعب، والشعب يكتسب الحياة من خلال الأرض. وهذه الرؤية هي التي تفسر الشعار الصهيوني "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض". فالأرض (اليهودية) ترتبط بشكل عضوي حلولي كموني بالشعب اليهودي، ولذا فإن وُجد شعب آخر على هذه الأرض (الشعب الفلسطيني على سبيل المثال) فليس له وجود في المنظور العضوي الحلولي (ولذا لابد من تهميشه وطرده وإبادته) . وإن وُجد 99% من يهود العالم خارج فلسطين، متشردين في بقاع الأرض، فهم لا يزالون بلا أرض بسبب العلاقة العضوية الحتمية التي تربطهم بالأرض المقدَّسة. والتاريخ اليهودي بأسره تعبير عن رغبة اليهود العارمة في العودة لهذه الأرض لتحقيق تلك الرابطة العضوية.

وبعد أن أسقط المتدينون العنصر المجازي (والإيمان بالتجاوز) وتبنَّى العلمانيون الصيغ الرومانتيكية العضوية الحلولية، أصبح اللقاء بين الفريقين سهلاً، فعدَّل المتدينون متتالية العودة حتى يمكنهم تَقبُّل أطروحات الصهيونية العلمانية وممارساتها (اللاأخلاقية) وإعطاؤها شرعية دينية. فبدلاً من المتتالية التقليدية:
نفي بأمر الإله ـ انتظار الماشيَّح ـ مقدم الماشيَّح بإذن الإله ـ عودة تحت قيادته.
أصبحت المتتالية كما يلي:
نفي ـ عودة مجموعة من اليهود (عودة مادية فعلية) للإعداد لمقدم الماشيَّح (دون انتظار مشيئة الإله) ـ مقدم الماشيح ـ عودة تحت قيادته.
والعودة المقدَّسة، المادية الفعلية الحرفية، تتطلب بطبيعة الحال استخدام العنف والقتل ومساندة الإمبريالية العالمية وطرد الشعب الفلسطيني، وهذا ما فعله الصهاينة المتدينون وقاموا بتبريره بديباجات دينية تخلع على ذاتهم وأفعالهم قداسة ومطلقية (كما هو الحال دائماً مع المنظومات الحلولية الكمونية) . وفي نهاية الأمر، تَبنَّى المتدينون الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد أن قاموا بتهويدها، فبدلاً من: مادة بشرية تُنقَل إلى خارج أوربا لتوظيفها لصالح القوى الاستعمارية التي ستقوم بنقلها ودعمها، أصبحت: عودة الشعب المقدَّس (المستوطنين الصهاينة) إلى أرضه المقدَّسة (فلسطين) تنفيذاً للوعد الإلهي (على أن تكون العودة دون انتظار لمشيئته ودون تفرقة بين الوعد الإلهي ووعد بلفور) . ورغم اختلاف الأسماء، فإن المسمى واحد ويؤدي إلى النتيجة نفسها (ويصل هذا الاتجاه إلى قمته في الصهيونية الحلولية العضوية وجماعة جوش إيمونيم) . وقد توارت الصهيونية العلمانية الصريحة، صهيونية اليهود غير اليهود أو اليهود الملحدين، وانقسمت الصهيونية (من منظور الوعي اليهودي) إلى صهيونية إثنية علمانية وصهيونية إثنية دينية، وهما يتفقان تماماً في كل شيء باستثناء بعض الديباجات والزخارف اللفظية.

وتتجلى الحلولية العضوية في موقف كلٍّ من الدينيين والملحدين من الجيش الإسرائيلي. فقد ذهب الحاخام تسفي كوك، حفيد الحاخام إسحق كوك، إلى أن الجيش الإسرائيلي هو القداسة الكاملة، وهو الذي يمثل حكم شعب الإله فوق أرضه. ولا يختلف الملحدون الحلوليون عنه في موقفهم من الجيش، فهم، عند احتفالهم بعيد الاستقلال على سبيل المثال، يُغيِّرون منطوق المزمور 118/24 الذي يقول: «هذا هو اليوم الذي صنعه الرب» بحيث يصبح: "هذا هو اليوم الذي صنعه تسهال"، أي الجيش الإسرائيلي (مصدر التماسك والوحدة العضوية) . وقد أسس الصهاينة دولتهم الصهيونية، بحيث تكون الإطار الشعائري (الحلولي الروحي أو المادي) الذي يعزل اليهودي عن العالم، فهي الدولة الجيتو التي تحيط المواطن برموز وشعارات يهودية، وهي الأداة التي يتحقق من خلالها الثالوث الحلولي المقدَّس.

هذا لا يعني أنه لا يوجد اختلاف بين الحلوليين الملحدين والحلوليين الدينيين. فحلولية الملحدين، حلولية بدون إله، على عكس حلولية الدينيين. ولذا، نجد أن الدولة بالنسبة للدينيين هي أهم تجلٍّ للإله. أما بالنسبة للملحدين، فهي ليست تجلياً، وإنما هي نفسها موضع التقديس. وعادةً ما يُسوَّى هذا الخلاف بالطرق اللفظية السلمية. فعلى سبيل المثال، حين نوقش إعلان دولة إسرائيل، أصر المتدينون على ذكر عبارة "عناية الإله"، فرفضها اللادينيون، وتم حل المشكلة باستخدام عبارة "تسور يسرائيل"، أي "صخرة إسرائيل"، وهي عبارة تعني "الإله الذي يحل في الشعب ويجعله مطلقاً" بالنسبة للدينيين، وتعني "الذات القومية ومصدر المطلقية وموضع القداسة" بالنسبة لغير الدينيين. وقد استمر هذا الاتجاه بعد إنشاء الدولة، بل أخذ أشكالاً متطرفة من بعض النواحي، وأشكالاً صبيانية من بعض النواحي الأخرى. ففي احتفال عيد التدشين (حانوخاه) ، يقول الدينيون: "من يتكلم بجبروت الرب" (مزامير 106/2) ، ويقول العلمانيون (الماديون) : "من يتكلم بجبروت إسرائيل"، أي شعب وأرض يسرائيل. وفي الاحتفالات الدينية، وخصوصاً بعد قراءة التوراة في يوم الغفران، وفي عيد بهجة التوراة في آخر أيام عيد الفصح، وفي عيد الأسابيع، يقول الدينيون: "يزكور إلوهيم"، أي "اذكروا الرب". أما اللادينيون فيقولون: "يزكور عام يسرائيل"، أي "اذكروا شعب إسرائيل". وقد جاء في سفر زكريا (4/6) عبارة "لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي قال رب الجنود"، واللادينيون يُسقطون عبارة "رب الجنود"، وبدلاً من كلمة "بروحي" يقولون "بالروح". وتوجد رقصة للأطفال في إسرائيل تصاحبها أغنية تَرد فيها عبارة من سفر القضاة (أنشودة دبوراـ 5/31) "وهكذا يبيد جميع أعدائك يارب"، فتصبح: "وهكذا يُبيد جميع أعدائك يا إسرائيل".

كما يظهر الصراع بشكل حقيقي، وبحدة على مستوى الحياة اليومية في إسرائيل. فالأصوليون اليهود (أي الحرفيون أو الحلوليون المتدينون) يطالبون بأداء الشعائر التي لا يكترث بها كثيراً الحلوليون العلمانيون. فيطالب الأصوليون بمنع بيع لحم الخنزير، وإغلاق بعض الطرق يوم السبت، وفرض القيود على عمليات الإجهاض، وإغلاق صالونات الجنس، ومنع نشر إعلانات عن الخدمات الجنسية في الجرائد، ومنع القيام بحفريات أثرية في أماكن الدفن. كما يطالبون بتطبيق قوانين الطعام وتعديل قانون العودة لمنع هجرة غير اليهود، ويرفضون محاولة إصلاح قوانين الطلاق، ويرفضون الاعتراف بالزواج المدني. ويطالب الأصوليون كذلك بإلغاء صلاحيات الحاخامات الإصلاحيين التي تعطيهم الحق في القيام بمراسم اليهود وبمنع اليهود الإصلاحيين من الحصول على عضوية المجالس الدينية المحلية.
ويجب أن نؤكد مرة أخرى أن الإله الذي يتحدث عنه الدينيون الحلوليون، ليس إلهاً مفارقاً للشعب متعالياً عليه متجاوزاً له، وإنما هو حالٌّ وكامن فيه. ومن ثم، فهو يؤدي إلى قداسة هذا الشعب. ولذا، فإن الاختلاف بين الدينيين والملحدين سيظل سطحياً أو على مستوى الإجراءات العملية ومناطق النفوذ والشعائر. فالإله في النسق الحلولي ليس سوى اسم، أما المسمى فهو العالم المادي الذي يكمن فيه هذا الإله ولا يتجاوزه.
وقد اكتسحت الصهيونية يهود العالم حتى أصبح من الصعب على الدارسين أو على كل من يتعامل مع اليهودية والصهيونية (وضمن ذلك اليهود أنفسهم) أن يُفرِّقوا بين العقيدة الدينية والعقيدة السياسية. وعلى أية حال، فإن وسائل الإعلام الغربية تساهم في تدعيم هذه الرؤية.

وبعد عام 1967، وبعد احتلال الصهاينة ما تبقى من فلسطين، طرأ تحول على الأحزاب الدينية الصهيونية (مثل المفدال) وغير الصهيونية (أجودات إسرائيل) . ففي البداية اعتبروا أن هذه الحرب معجزة وإشارة ربانية ثم تحول موقفهم وأصبح الاستيلاء على الأراضي العربية هو بداية الخلاص. وأصبحت العناصر الأرثوذكسية التي كانت علاقتها بالصهيونية تتراوح بين الشك والعداء من أشرس العناصر الصهيونية ومن أكثرها تطرفاً وتمسكاً بكل الأراضي المحتلة وبضرورة الاستيطان بها، أي أن الحلولية تزايدت معدلاتها وأصبحت الأرض مقدَّسة في قداسة الشعب.

ورغم وجود هذه العلاقة القوية بين الحلولية الكمونية اليهودية والصهيونية لا نستطيع القول بأن الحلولية اليهودية هي التي "أدَّت" إلى ظهور الصهيونية. فكل ما نريد تأكيده، في هذا السياق هو أن ثمة ارتباطاً اختيارياً قوياً بين التيار الحلولي الكموني والأفكار العلمانية. وهذه مقولة تنطبق على كل البشر وعلى كل العقائد ومنها العقيدة اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية. فالحلولية الكمونية ولَّدت عند معظم اليهود في شرق أوربا (ابتداءً من القرن الثامن عشر) استعداداً كامناً (كامناً وحسب) للتأثر بالرؤى المعرفية الحلولية العلمانية التي يختلط فيها المطلق بالنسبي والمقدَّس بالزمني، وهي رؤى تشجع على العزلة وعلى جعل الذات موضع القداسة وموضع الحلول والكمون. ولقد فجرت اللحظة التاريخية والجغرافية التي وُجدت فيها اليهودية في أوربا الإمبريالية (في نهاية القرن التاسع عشر) الإمكانات الحلولية وغلَّبتها على غيرها من الإمكانات وهيأت لها سُبُل التحقق، فلولا أن الإمبريالية الغربية كانت في حاجة إلى دولة استيطانية في فلسطين، لما قامت للصهيونية قائمة ولما استولت الحلولية الكمونية على اليهودية ولربما ظلت تياراً هامشياً ليس له أيُّ ثقل أو وزن، ولربما أخذ الدين اليهودي نفسه مساراً تاريخياً آخر. ولكن ظهور الصهيونية بمساندة الإمبريالية وتأييدها، أعاق هذا التطور وساعد التيار الحلولي الكموني على السيطرة. ولكننا، على أية حال، نتوقع أن ينحسر المد الصهيوني الحلولي تحت تأثير الضغط العربي وظهور الفلسطينيين مرة أخرى على مسرح الأحداث، وتزايد أزمة الصهيونية. ولربما انتشرت الرؤية التوحيدية مرة أخرى، كما يتضح في لاهوت التحرير اليهودي. وإن كان هذا أمراً صعباً للغاية باعتبار أن الفكر الديني اليهودي يتحرك الآن في تربة غربية حلولية علمانية. وما يحدث عادةً أن الحلولية يتغيَّر نطاقها، وبدلاً من أن تكون ثنائية صلبة فإنها تصبح شاملة

سائلة.
وقد وضع كثير من أعداء الصهيونية من اليهود وغير اليهود أيديهم على هذه الخاصية في الصهيونية باعتبارها حلولية واحدية روحية (أي باعتبارها شكلاً من أشكال الوثنية) تم تحويلها إلى حلولية مادية. وقد أشار بعض الحاخامات إلى دولة إسرائيل باعتبارها العجل الذهبي الجديد الذي يعبده اليهود. كما احتج الحاخام جرسون كوهين بقوله: "إن كثيراً من يهود العالم يتصورون أن إسرائيل هي معبدهم الأساسي، وأن رئيس وزرائها حاخامهم الأكبر".
وقد ظهرت في ألمانيا، في الثلاثينيات، جماعة من المفكرين الدينيين اللوثريين الذين أدركوا الطبيعة العدمية للرؤية الحلولية الكمونية وأدركوا تَورُّط الصهاينة فيها. وقد حذر هاينريش فريك اليهود من فكرة الشعب العضوي (أي الشعب الذي تكمن فيه قداسة دون مرجعية إلهية متجاوزة له) التي يدافع عنها النازيون والصهاينة. وعرَّف كلاًّ من النازية والصهيونية بأنهما حركتان حولتا الأرضية (الارتباط بالأرض) والدنيوية (الارتباط بالدنيا) ـ وهي أمور مادية ـ إلى كيانات ميتافيزيقية، أي إلى دين. كما أشار فيلي ستارك إلى أنهما ضرب من ضروب المشيحانية السياسية التي تُحوِّل الدنيوي (المدنَّس) إلى مقدَّس، ولذا فهما يُحوِّلان الدم والتربة إلى قيمة مطلقة تحيطها القداسة الدينية، قيمة تضرب بجذورها في المشاعر الأسطورية الكونية، وفي ممالك الأرض بدلاً من مملكة السماء، ومن ثم توصَّل إلى أنه لا يوجد مجال للتفاهم بين المسيحية وعبادة الشعب العضوي اليهودية أو النازية.
الخلاص
‏Redemption; Geulah
«الخلاص» ترجمة للكلمة العبرية «جيئُّولاه» ، وهي اصطلاح ديني يشير إلى الاختلاف العميق والجوهري بين ما هو كائن وما سيكون وإلى انتهاء آلام الإنسان. وفي العهد القديم معنيان لكلمة «خلاص» :

1 ـ تخليص الأرض عن طريق شرائها (سفر اللاويين 25/25، حيث يتحدث السفر عن فك الأرض) : "إذا افتقر أخوك فباع من ملكه يأتي وليه الأقرب إليه ويفك مبيع أخيه".
2 ـ ثم أصبحت الكلمة تعني تخليص الأرض من عذابها بعد أن وقعت في يد غير اليهود، وبالتالي تحوَّل معنى الكلمة وأصبحت تشير إلى الخلاص بالمعنى المجازي.
ومفهوم «الخلاص» غير متجانس وغير مستقر في اليهودية شأنه شأن كثير من الأفكار الدينية الأخروية الأخرى. فالخلاص في أسفار موسى الخمسة، خلاص قومي جماعي للشعب لا للأفراد، وهو خلاص قد يتم داخل الزمان لا خارجه، والآن وهنا لا في آخر الأيام، كما هو الحال في واقعة الخروج حيث يضرب الإله أعداء اليهود ويخرج بهم من مصر ثم يساعدهم على غزو كنعان، وهكذا دون أي ذكر لخلاص نهائي (في آخر الأيام خارج التاريخ أو حتى داخله) . وأخذ المفهوم يكتسب أبعاداً إنسانية وأخلاقية فردية واضحة في كتب الأنبياء، إلا أنه مع هذا لم يفقد كثيراً من الأبعاد القومية، فالإله لا تزال تربطه علاقة خاصة مع الشعب، والخلاص يتم الآن وهنا كواقعة مادية تاريخية. ولكن مع التهجير البابلي، ومع الإحباطات المتكررة في هذا العالم، أصبح الخلاص مسألة ستتم في العالم الآتي (المستقبل) في آخر الأيام، ولكن داخل الزمان وبشكل فجائي. وهذه أساساً هي رؤية كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، على خلاف كتب الأنبياء حيث تتم عملية الخلاص من خلال جهد بطيء داخل التاريخ في معظم الأحيان. ثم ظهرت في القرنين الأخيرين قبل الميلاد فكرة الخلاص بعد البعث خارج الزمان في كتاب دانيال وغيره من الكتب، إلى أن أصبح الإيمان بذلك الشكل من الخلاص أحد الأصول الأساسية لليهودية عند موسى بن ميمون.

ورغم كل التطورات التي دخلت على مفهوم الخلاص واتساع أبعاده، فإن البعد القومي الجماعي ظل واضحاً. فالعصر المشيحاني، أي عصر الخلاص بالدرجة الأولى، هو عصر عودة جماعة يسرائيل واسترجاع سيادته على الأرض وربما على العالم. وقد يشارك البشر كافة في عملية الخلاص هذه وقد لا يشاركون فيها. ولكن جماعة يسرائيل تظل، مع هذا، حجر الزاوية. وهناك رأي يذهب إلى أن الخلاص يتم على مرحلتين: الأولى وهي العصر المشيحاني حيث تعود جماعة يسرائيل إلى صهيون ويُبعث أتقياء اليهود للحياة الأزلية، ثم المرحلة الثانية حيث يُبعث الموتى جميعهم أتقياؤهم وأشرارهم للحساب النهائي، وهذه هي الآخرة.
والرؤية التلمودية للخلاص قومية في جوهرها إذ تظل جماعة يسرائيل محط اهتمام الخالق ومحور التاريخ. فحياة المنفى هي العقاب الذي قدَّره الإله على أعضاء هذه الجماعة بسبب بُعدهم عن عبادته الحقيقية وبسبب ما يقترفون من آثام. ولذا، فإن اليهود يُكفِّرون في المنفى عن ذنوبهم وسيخلصهم الإله في نهاية الأمر. لكن معصية جماعة يسرائيل هي السبب في تأخير عملية الخلاص النهائية، أي أن عملية الخلاص مرتبطة بسلوكهم، والمصير النهائي للعالم يتوقف على مصيرهم.
وأصبحت إعادة بناء الهيكل واستعادة العبادة القربانية صوراً أساسية مرتبطة بعملية الخلاص يهتم بها التلمود أيما اهتمام، كما سجل الحاخامات تفاصيلها حتى يمكن القيام بها في آخر الأيام في لحظة الخلاص. وسابعة الثماني عشرة بركة التي تُتلَى في صلاة العميدا تُدعى «بركة الخلاص» لأنها دعوة للإله مخلص يسرائيل، وهذه الرؤية مختلفة عن الرؤية المسيحية التي ترى أن الإنسان كائن ساقط يعاني من الخطيئة الأولى وأن أفعاله أياً ما بلغت من خير لا يمكنها أن تأتيه بالخلاص.

ويُلاحَظ في القبَّالاه أن مركزية يسرائيل تتزايد، وأن مفاهيم مثل «السقوط» و «الخطيئة» الأولى تدخل النسق الديني اليهودي إذ يصبح السقوط مسألة ميتافيزيقية كونية كامنة في الحالة الإنسانية بل الإلهية أيضاً. فحادث تَهشُّم الأوعية أدَّى إلى تَبعثُّر الشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) واختلاط الخير بالشر وانفصال الأمير (التجلي السادس) عن الأميرة (التجلي العاشر) . ولكن سقوط الإله وتبعثره يقابله سقوط آدم وسقوط أرواح كل البشر معه. ولابد من جَمْع الشرارات الإلهية التي تبعثرت حتى يستعيد الإله وجوده المتكامل ووحدته وخلاصه ويعود اسمه (فالاسم في التراث القبَّالي هو الإله في حالة تكامل عضوي) ويلتحم الأمير بالأميرة في الزواج المقدَّس. ولكن هذه العملية لا يمكن أن تتم دون جماعة يسرائيل، فهي أيضاً الشخيناه، أي التعبير الأنثوي عن الإله، تلك التي نُفيت مع تَبعثر الذات الإلهية. فكأن اليهود جزء من الإله، يوجد بين البشر ويشهد عليهم. والشعب اليهودي هو وحده القادر على أن يأتي بالخلاص عن طريق تنفيذ الأوامر والنواهي (متسفوت) فمن خلال هذه العملية ستتم استعادة الشرارات الإلهية واستعادة الإله نفسه، فيعود إلى الكون اتزانه، أي أن عملية الخلاص الكونية تتوقف على شعب يسرائيل. ويأخذ الخلاص شكل عودة الشخيناه من المنفى إلى أرض يسرائيل، فالعصر المشيحاني هنا أصبح جزءاً من دراما كونية تضم الإله وكل المخلوقات. وعودة اليهود إلى صهيون هي إلغاء حالة نفي البشر وتَبعثر الإله. وهنا يُلاحَظ أن نفي الشخيناه والشعب يشبه حادثة الصلب في المسيحية، فكأن الإله يتعذب بسبب سقوط الإنسان وتبعثر الشرارات، وسقوط آدم، والعودة تقابل البعث في اليوم الثالث، والتحام الأمير بالأميرة يشبه حادثة التجسد المسيحية، وهذا تعبير عن تنصر اليهودية تدريجياً.

وفي بعض التفسيرات القبَّالية تشمل عملية الخلاص البشر جميعاً، ولكنها في بعض التفسيرات الأخرى لا تشمل سوى اليهود إذ أن البشر خُلقوا من طينة أخرى غير الطينة التي خُلق منها اليهود (وهذا يتنافى مع الرؤية التوراتية للخلق) . ولذا، فالأغيار ساقطون تماماً، مذنبون تماماً، ولا سبيل إلى إنقاذهم أو خلاصهم.
ومن أهم المفاهيم القبَّالية المرتبطة بالخلاص مفهوم الخلاص بالجسد (عفوداه بجاشميوت) . وجوهر هذه الفكرة أنه مع تبعثر الشرارات الإلهية، يتداخل الخير الشر ولا يمكن الوصول إلى الخير إلا من خلال الشر. ولذا، فلا يمكن أن يتم الخلاص إلا بالغوص في الرذيلة، ولا يمكن الصعود إلا من خلال الهبوط. وقد استفاد المشحاء الدجالون من هذا المفهوم في انغماسهم في الملذات، بل في ارتدادهم عن اليهودية، إذ فُسِّرت رذائلهم بأنها الطريق إلى الفضيلة.
وفي القرن السابع عشر، ظهرت في صفوف البروتستانت العقيدة الاسترجاعية التي جعلت اليهود مركزاً لرؤية الخلاص إذ لا يمكن أن يتم الخلاص إلا بعد عودة اليهود إلى صهيون (فلسطين) وتنصيرهم، أي استيعابهم في الأمم.
الرؤية الصهيونية للخلاص
‏Zionist View of Redemption
استوعبت الصهيونية كثيراً من الأفكار اليهودية الخاصة بالخلاص، ذات التركيب الجيولوجي، بعد علمنتها:
1 ـ فكرة «خلاص الشعب» بالمعنى العرْقي (وليس بالمعنى الديني) فكرة محورية في التصور الصهيوني للتاريخ.
2 ـ يتم الخلاص كحادثة في التاريخ (مثل الخروج أو الهجرة من مصر) وليس كحادثة مشيحانية في آخر الأيام أو بعد البعث. ولذا، رفض الصهاينة فكرة انتظار مشيئة الإله وأخذوا زمام الأمور في أيديهم.
3 ـ يرى الصهاينة أن الحياة في المنفى شكل مرضي من الحياة، وهذه علمنة للفكرة الحاخامية القائلة بأن المنفى عقاب للتكفير عن الذنوب.

4 ـ يتمثل الخلاص (على الطريقة الصهيونية) في تطبيع الشخصية اليهودية الهامشية عن طريق تخليص الأرض والاستيطان فيها، وبإنشاء دولة طبيعية مثل الدول كافة، وبذا ينتهي الصراع القائم بين اليهود والعالم! (والخلاص هنا يعني التكيف مع مكونات العصر الحديث وحقائقه الصلبة) . وهذه علمنة لفكرة عودة الشعب آخر الأيام، وأن يعم السلام العالمين، كما أنها علمنة لفكرة تنصير الشعب اليهودي.
5 ـ يرى آرثر هرتزبرج أن الخلاص الذي كان يأخذ في الماضي شكل مواجهة بين الشعب والإله، يأخذ الآن شكل مواجهة بين الشعب وشعوب العالم الأخرى، وهذه علمنة أعمق لفكرة الخلاص.
6 ـ ولكن الصهاينة لم يُسقطوا عنصر الاختيار والتفوق، شأنهم شأن الفكر الديني الحلولي التقليدي، فالدولة الصهيونية لها حقوق يهودية مطلقة تجب الحقوق الأخرى كافة، وهي تشير إلى نفسها بأنها نور الأمم، وواحة الديموقراطية الغربية، ورائد العالم الثالث.
7 ـ وقد قامت الدولة الصهيونية أيضاً بعلمنة فكرة تخليص الأرض أو فكها عن طريق شرائها، فقامت بتأسيس الصندوق القومي اليهودي ليضطلع بهذه المهمة. كما أن الدولة الصهيونية تشارك في عملية الخلاص هذه بطرد العرب، واستصدار قوانين مختلفة تيسِّر عملية الاستيلاء على الأراضي وتجعلها أمراً شرعياً.
ويمزج مفهوم العمل العبري الصهيوني بين كل الاتجاهات السابقة، فيهودي المنفى يخلِّص نفسه، ويخلِّص الأرض في آن واحد، بأن يعود إليها ويفلحها بنفسه، فيُطهِّر نفسه من أدران المنفى (الخلاص بالجسد) التي علقت به، ويطهرها هي من سكانها الأصليين. وهكذا يتم خلاص اليهودي وأرضه عن طريق التخلص من أصحابها الأصليين.

عرَّف الصهاينة الخلاص بشكل عام دون تحديد الدوافع أو الوسائل التي يتم بها، فالخلاص، في نهاية الأمر، خلاص الأرض والشعب. ولكن ذلك يتم لدوافع اشتراكية وبوسائل اشتراكية عند الصهاينة العماليين، أو يتم بدوافع رأسمالية وبوسائل رأسمالية عند الصهاينة الرأسماليين، كما يمكن أن يتم لأسباب دينية أو إلحادية، وبوسائل دينية عند المتدينيين وبوسائل إلحادية عند الملحدين. ويُلاحَظ أن ما يتغيَّر هنا ليس مضمون الخلاص أو حتى طريقته (فالجميع يلجأ إلى العنف والإرهاب) وإنما ديباجته وما يُعلَن للناس من أهداف.
اليهودية: تاريخ
‏Judaism: History

من الشائع أن يقرن الدارسون تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية من جهة بتاريخ العقيدة (أو العقائد) اليهودية من جهة أخرى، وكذلك أن يوحدوا بينهما وكأنهما شيء واحد. وهو اتجاه ساعد عليه ما يمكن تسميته «التاريخ المقدَّس» أو «التاريخ التوراتي» ، أي القصص التي وردت في التوراة على هيئة تاريخ. ونحن نرى ضرورة فصل تواريخ الجماعات اليهودية في العالم عن تاريخ العقيدة أو العقائد اليهودية، وذلك لاعتبارات منهجية وموضوعية، إذ أن الخلط بينها هو خلط بين مجالين مختلفين يؤدي إلى كثير من التشوش وعدم الفهم. وقد اعتاد الكثيرون النظر إلى اليهودية كما لو أنها عقيدة متكاملة وبناء ديني متكامل اتضحت معالمه الأساسية منذ ظهوره، وكما لو أن هذا البناء ظل محتفظاً بهذه السمات حتى الوقت الحاضر (كما هو الحال إلى حدٍّ كبير مع الإسلام والمسيحية على سبيل المثال) . وهذا مناف للواقع، فتاريخ اليهودية طويل إلى أقصى حد. وقد مرت اليهودية كعقيدة بعدة تطورات عميقة غيَّرت طبيعتها وتوجهاتها شكلاً ومضموناً. هذا على الرغم من وجود أطروحات أساسية متواترة، مثل العهد والشعب المختار، تخلع عليها نوعاً من الوحدة. بل إن ثمة ظاهرة تنفرد بها اليهودية وهي ما يمكن تسميتها «الخاصية الجيولوجية التراكمية» ، أي أن اليهودية تشبه التركيب الجيولوجي المكوَّن من طبقات مختلفة غير متجانسة تراكمت الواحدة فوق الأخرى عبر الزمان دون أن تمتزج. فاليهودية استوعبت عناصر مختلفة عديدة، ولكنها لم تمزجها ولم تفرض عليها حداً أدنى من الاتساق الداخلي. ولذا فإننا نجد أن هناك أفكاراً توحيدية متطرفة عند الأنبياء، وأفكاراً حلولية متطرفة عند القبَّاليين وصفها الحاخامات بأنها شكل من أشكال الشرك. ونجد رؤى متناقضة تماماً للإله فيما يتصل بمفاهيم مثل البعث والثواب والعقاب. كما دخل اليهودية كثير من المعتقدات الشعبية التي هي أقرب إلى الفلكلور. وربما كانت هذه السمة

الجيولوجية هي التي أدَّت، في نهاية الأمر، إلى تعريف اليهودي في الشريعة اليهودية بأنه من وُلد لأم يهودية، وهو تعريف يضم الملحدين الذين لا يؤمنون بالإله، كما يضم (من الناحية النظرية على الأقل) اليهود الذين تنصروا أو أسلموا.
ويمكن تقسيم تاريخ اليهودية، باعتبارها نسقاً دينياً وعقيدة، بعيداً عن تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية، إلى عدة مراحل أساسية، وتقسيم كل مرحلة إلى فترات. وفي محاولتنا توصيف اليهودية، سنبين تتابُع ظهور كتب اليهود المقدَّسة، كما سنشير إلى المواجهات الخمس الكبرى بين اليهودية والحضارات الوثنية والتوحيدية المختلفة.
والمراحل الثلاث الأساسية في تاريخ اليهودية هي:
أولاً: يهودية ما قبل التهجير إلى بابل (حتى عام 587 ق. م) ، أو العبادة اليسرائيلية والعبادة القربانية المركزية، تمييزاً لها عن اليهودية نفسها: وهي تقريباً المرحلة نفسها التي أطلقنا على اليهود فيها مصطلح «العبرانيون» ، باعتبارهم جماعة عرْقية إثنية، و «اليسرائيليون» أو «جماعة يسرائيل» باعتبارهم جماعة دينية. وهذه المرحلة الكبرى تقسَّم بدورها إلى عدة فترات، وهي مرحلة يختلط فيها التاريخ بالأسطورة، وتُسقَط مفاهيم فترات لاحقة على فترات سابقة.
ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى الفترات التالية:
1 ـ فترة الآباء: (2100 ق. م ـ 1250 ق. م) :
وتمتد ابتداءً من إبراهيم حتى يوسف. وحسبما جاء في التوراة، وقد قطع الإله على نفسه عهداً لإبراهيم بأن يكون الشعب الذي سينحدر من صلبه شعباً عظيماً، وأن تكون أرض كنعان من نصيبه. وحسب ما ورد في التوراة يمكن القول بأن عبادة الآباء تأثرت بالتراث الديني السامي القديم بتقديسها القوى الطبيعية والإيمان بالروح والشياطين والتحريمات (التابو) ، وتمييزها بين الطاهر والنجس. ويُلاحَظ وجود عناصر وثنية كما هو الحال في قضية الترافيم (الأصنام) .
2 ـ فترة موسى والخروج من مصر (فترة سيناء) (1275 ق. م ـ 1250 ق. م) :

تلقَّى موسى، في سيناء، الوحي الإلهي من يهوه، والأمر بألا يُعبَد إلاّه باعتباره الإله الواحد، وبعدم تجسيده أو تشبيهه بشيء واحد من خلقه، أي أن الخالق يُصبح خالق التاريخ والطبيعة منزَّهاً عنهما. وقد صاحبت هذا الوحي مجموعة من الطقوس والقوانين الاجتماعية تحكم القبائل العبرانية في محيطها الصحراوي، أي نزل قانون ديني دائم ينظم المجتمع وعلاقات أعضائه. وفي هذه الفترة تَجدَّد العهد الإلهي المُعطَى للآباء. ويُعَدُّ الخروج نفسه تحقيقاً لهذا الوعد، وتُعَدُّ حادثة الخروج اللحظة التي وُلدت فيها جماعة يسرائيل، أي العبرانيون باعتبارهم جماعة دينية متميِّزة.
3 ـ المواجهة الأولى مع حضارة كنعان، والصراع بين يهوه وبعل (1200 ق. م ـ 587 ق. م) :

حينما تغلغل العبرانيون في كنعان وجدوا عبادة بعل، وهي عبادة حلولية من عبادات الطبيعة كانت سائدة هناك (في ذلك المجتمع الزراعي) . وقد حملوا معهم من المجتمع الصحراوي عبادة يهوه، وهي عبادة توحيدية أو شبه توحيدية. وحينما امتزجوا وتزاوجوا مع السكان الأصليين وتبنوا لسانهم حدث الامتزاج بين العقيدتين. وقد أصبح التناقض بين عبادة يهوه (رب التاريخ والشعب) وعبادة بعل (رب الطبيعة والحياة اليومية) التوتر الأساسي الذي تَحكَّم في حياة العبرانيين الدينية، وذلك حتى سقوط الدولتين الشمالية والجنوبية. وشهدت هذه الفترة ظهور الأنبياء المدافعين عن عبادة يهوه. والإصلاح التثنوي (621 ق. م) تعبير عن التوتر بين الحلولية والتوحيد الذي كانت له أبعاده السياسية. وحسب التصور الديني اكتمل الوعد الإلهي بالأرض والخلاص في مرحلة الملوك، كما تم تشييد الهيكل في تلك المرحلة (مرحلة الهيكل الأول) وتحوَّل إلى محور العبادة القربانية المركزية التي كان يشرف عليها الكهنة. ورغم تأكيد وحدانية الإله، فقد ظهرت مفاهيم أخرى ذات طابع حلولي، مثل الاختيار بتضميناته العرْقية والتركيز على الأرض، وهي مفاهيم تحد من عالمية الإله وتجعله مقصوراً على شعبه وأرضه، الأمر الذي ينتقص وحدانيته. وقد ظل هذا توتراً أساسياً في النسق الديني اليهودي. فإله العالمين لا يحتاج إلى أرض أو شعب، أما الإله القومي فيحتاج إلى شعب وأرض. وهو توتر بين النزعة الدينية الأخلاقية التي تبحث عن الخلاص في الزمان، والنزعة الوثنية القومية التي تبحث عنه في المكان، وهي ما يمكن تسميته «نزعة صهيونية» بالمعنى العام والبنيوي. وقد أصبح داود الملك النموذجي الذي يحكم باعتباره حاكماً دينياً يساعده الكهنة، وارتبط اسمه بالماشيَّح المخلص الذي يأتي من نسله (إلا أن عقيدة الماشيَّح نفسها لم تكن قد ظهرت بعد في هذه الفترة) . وقد ظهرت في هذه المرحلة بعض القوانين الأخلاقية والشعائر، مثل: الختان،

وشعائر الطعام والزراعة والسبت، وعيد الفصح، وعيد الأسابيع، وعيد المظال. وتتميَّز تلك المرحلة بأن الدين كان مرتبطاً بالجماعة الإثنية أو العرْقية ارتباطاً كاملاً، كما هو الحال في الشرق الأدنى القديم، وبأن اليهود تحوَّلوا تدريجياً، من خلال الاندماج مع السكان الأصليين، إلى جماعة زراعية بعد أن كانوا يشكلون جماعة صحراوية متنقلة. ويُلاحَظ وجود شعائر كثيرة مرتبطة بالزراعة. وتنتهي المرحلة بهدم الهيكل والتهجير إلى بابل (الذي يُطلَق عليه «السبي البابلي» في المصطلح الديني) .
ثانياً: مرحلة ما بعد التهجير (بعد 587 ق. م) :
وهي المرحلة التي اكتسبت خلالها العبادة القربانية المركزية، وهي المرحلة الثانية من عبادة يسرائيل، الملامح التي حولتها إلى العقيدة اليهودية في نهاية الأمر. وحينما نذكر اليهودية، فنحن عادةً ما نشير إلى يهودية ما بعد التهجير. وقد شهدت هذه المرحلة التعديل التدريجي للشريعة بحيث تحولت من كونها شريعة تشمل كل جوانب الحياة إلى شريعة تغطي بعض جوانبها وحسب، إذ تم تَقبُّل قوانين الدولة الحاكمة في عدة مجالات باعتبار أن «شريعة الدولة هي الشريعة» وهو ما أدَّى إلى تقلُّص مجال الشريعة اليهودية واقتصاره على الجوانب الدينية فقط وعلى الجوانب الخاصة بالعلاقات الداخلية لأعضاء الجماعات اليهودية.
ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى الفترات التالية:
1 ـ الفترة البابلية (والمواجهة الثانية مع الحضارة البابلية) والفارسية والهيلينية (والمواجهة الثالثة مع الحضارة الهيلينية) والرومانية (578 ق. م ـ 175 ق. م) :

شهدت هذه المرحلة تفتُّت وحدة اليهود الجغرافية وانفتاحهم على الأفكار الدينية البابلية التي تعرفوا إليها أثناء فترة التهجير (أو السبي) ، وهو ما ترك أثراً عميقاً في بنية العقيدة بحيث أخذت العبادة اليسرائيلية تتحول بالتدريج إلى اليهودية. وقد سمح قورش لليهود بالعودة إلى مقاطعة يهودا وأمر بإعادة تشييد الهيكل، وهذه بداية مرحلة الهيكل الثاني في المصطلح الديني. ومع قيام الإسكندر بغزو الشرق الأدنى القديم، دخلت اليهودية مرحلة جديدة إذ تأثر المفكرون اليهود تأثراً عميقاً بالأفكار الدينية والفلسفة الهيلينية. ويُلاحَظ أن عمق تأثر اليهود بالحضارة الهيلينية مرتبط باختفاء السلطة الدينية المركزية. وقد ساعد تسَامُح الحضارة الهيلينية، ثم السلطة الرومانية، تجاه اليهود على تَزايُد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية ومن ثم على تأثرهم بالمنظومات الدينية والمعرفية والفلسفية السائدة في المجتمعات التي يعيشون فيها. ولم تتعاون السلطة الحاكمة (البطلمية أو السلوقية أو الرومانية) مع القيادات الحاخامية للهيمنة على أعضاء الجماعات كما فعلت السلطة الفارسية وإنما أتاحت لهم مجال الاندماج، فانتشرت أنماط التفكير الهيليني بسرعة، ونسي اليهود الآرامية وتعلموا اليونانية التي تُرجم إليها العهد القديم. وقد حل الكاهن الأعظم محل الملك في الرئاسة الدينية، وأُعيد تشييد الهيكل بحيث أصبح الهيكل مركز العبادة مرة أخرى. وشهدت هذه الفترة إصلاحات عزرا ونحميا، وبداية تدوين العهد القديم. ويمكن القول بأن الفترة السابقة يمكن تقسيمها إلى ما قبل ما بعد الرؤى (أبوكاليبس) ، والكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا) في نهاية العصر الهيليني، وبدايات الشريعة الشفوية وتَرسُّخ عقيدة الماشيَّح، وظهور عقائد مثل: خلود الروح والبعث. وشهدت هذه الفترة أيضاً الانقسام السامري، وظل الدين في هذه الفترة مرتبطاً بالجماعة الإثنية رغم انتشار الجماعات اليهودية خارج

فلسطين.
2 ـ فترة ما قبل ظهور اليهودية الحاخامية (أو المعيارية أو الكلاسيكية) حتى القرن السادس، ظهور الفريسيين وهدم الهيكل وظهور الأكاديميات (يشيفا) والمعبد اليهودي:
يُعَدُّ ظهور الفريسيين قمة التطور الذي بدأ مع التهجيرالبابلي والذي أخذ شكل انفتاح مستمر على العناصر العالمية، وهي النقطة التي تحولت فيها العبادة اليسرائيلية والعبادة القربانية المركزية اليهودية بشكل نهائي. وجوهر الفريسية هو هجومها على طبقة الكهنة المرتبطة بالهيكل، والعبادة القربانية المركزية مُمثَّلة أساساً في الصدوقيين وطرحها تصوراً لليهودية منفصلاً عن المكان، وعن الدولة، وعن الأرض، وإن لم يكن منفصلاً عن الجماعة الإثنية. وقد طوَّر الفريسيون مفهوم الشريعة الشفوية لتوسيع مجال التفسير، وحتى يمكن تحرير اليهود من قبضة العبادة القربانية. وشهدت هذه المرحلة ظهور المعبد اليهودي (سيناجوج) . وواكب كل هذا انتشار الحضارة الهيلينية وقيمها بين اليهود الذين لم يعودوا يعرفون العبرية، كما كان عدد اليهود خارج فلسطين أكثر من عددهم داخلها. ولذا، أدَّى هدم الهيكل، على يد تيتوس، إلى تكريس اتجاه موجود بالفعل.
وقد ظهرت المسيحية في هذه الفترة فمثلت تحقيقاً لعملية فصل الدين عن مؤسسات الدولة ثم عن الجماعة الإثنية، بحيث صار باب الخلاص مفتوحاً لجماعة المؤمنين بأسرها، وليس للمنتمين إلى جماعة إثنية محددة. وقد أدَّى انتشار المسيحية إلى ضمور اليهودية.

وفي القرن السادس، تم تدوين التلمود الذي يتسم بزيادة الاتجاه نحو الحلولية والنزعة القومية، والذي ينسب إلى الإله صفات بشرية عديدة. ولم تَعُد القدس مركزاً دينياً وحيداً، بل أصبحت هناك مراكز عديدة منفصلة يقودها الحاخامات. ويُعدُّ هذا تاريخ ظهور اليهودية الحاخامية، وهي اليهودية التي انتشرت بين أعضاء الجماعات اليهودية حتى نهاية القرن التاسع عشر. ومن المشاكل الأساسية التي واجهتها اليهودية بدءاً من هذه الفترة أنها كانت ديانة توحيدية أو شبه توحيدية في تربة وثنية تكتسب هويتها من وحدانيتها وتحارب ضد الأسطورة والحلولية، ولكنها وجدت نفسها في تربة توحيدية، إسلامية أو مسيحية، ولذا عدَّلت إستراتيجيتها، وأخذت تتجه نحو الأسطورة والتعددية. ووصل هذا الاتجاه إلى قمته في القبَّالاه.
3 ـ اليهودية الحاخامية، من القرن السابع الميلادي (بعد تدوين التلمود) حتى منتصف القرن السابع عشر (هيمنة القبَّالاه) (المواجهة الرابعة مع الديانات التوحيدية: المسيحية والإسلام) .
في هذه الفترة، تحوَّل اليهود إلى جماعات متفرقة لا تعمل بالزراعة، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في التركيب الطبقي والوظيفي لليهود إذ أصبحوا جماعات وظيفية وسيطة، خصوصاً في العالم الغربي. وقد تدعَّم مركز الحاخامات، الذين حلوا محل الكهنة، واكتملت المعالم الأساسية للتفسيرات الحاخامية التي تُسمَّى «الشريعة الشفوية» . وأخذ الفكر الديني اليهودي في الضمور في الغرب خلال العصور الوسطى في الغرب، بينما نجده ينفتح ويتطور نتيجة احتكاكه بالفكر الإسلامي التوحيدي، العقلاني والصوفي، وهذه هي المواجهة الرابعة مع الحضارة الإسلامية. وبلغ الانفتاح والتطور ذروته في كتابات موسى بن ميمون الذي قدَّم أول تحديد لأصول الدين اليهودي. وقد ظهر، تحت تأثير الفكر الإسلامي، الاحتجاج القرّائي (العقلاني) ورفض الشريعة الشفوية.

ويُلاحَظ في هذه الفترة أن اليهودية لم تَعُد مرتبطة بالمكان، وذلك رغم أنها ظلت ديانة جماعة إثنية محددة. وأصبحت العودة مفهوماً دينياً وعملاً من أعمال التقوى، وأصبحت صهيون صورة مجازية دينية وكان على المؤمن ألا يحاول العودة إلى صهيون (فلسطين) ، وأن ينتظر حتى يشاء الإله عودة الشعب. ونظراً لوجود اليهودية الغربية في حالة العزلة داخل الجيتو باعتبارها عقيدة جماعة وظيفية وسيطة، فقد أصابها الجمود وأصبحت عاجزة عن الوفاء بحاجات اليهود الدينية. وأخذت الأزمة تتفاقم مع القرن السادس عشر، مع بدايات الثورة العلمانية الكبرى، ومع هجمات شميلنكي عام 1648. وأخذ الاحتجاج على اليهودية الحاخامية (ويُقال لها أيضاً «التلمودية» أو «الربانية» ) شكل ثورات المشحاء الدجالين، مثل شبتاي تسفي، الذين يطالبون بإسقاط الشريعة والتلمود، وبالعودة الفعلية والفورية إلى فلسطين.
وقد أخذت الثورة ضد اليهودية الحاخامية شكلاً آخر، وهو ظهور تراث القبَّالاه الصوفي المفرط في الحلولية مثل كتاب الزوهار وكتابات إسحق لوريا المتأثر بشكل مشوَّه ببعض المفاهيم المسيحية مثل التثليث والصلب. ويرى جرشوم شوليم أن القبَّالاه اللوريانية حققت هيمنتها الكاملة في منتصف القرن السابع عشر. كما ظهرت الحركات الشبتانية والحركة الحسيدية. ولم ترفض المؤسسة الحاخامية القبَّالاه تماماً، بل استوعبتها بعد حين، وجعلت الإيمان بها واحداً من أركان العقيدة اليهودية. لكن التوتر ظل قائماً بين المؤسسة الحاخامية التلمودية والمؤسسة القبَّالية الحسيدية، وتَمثَّل هذا في الصراع بين المتنجديم والحسيديين، وإن كانوا قد وحدوا صفوفهم في مواجهة الحركات التجديدية والإصلاحية الحديثة.
ثالثاً: العصر الحديث (مع منتصف القرن السابع عشر تقريباً) : وهي مرحلة المواجهة الخامسة مع الحضارة العلمانية في الغرب:

بينما كانت اليهودية متخندقة في الجيتو، كان المجتمع الأوربي آخذاً في التطور السريع، وهو تطوُّر لم يشارك فيه أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب (رغم أنه ترك فيهم أعمق الأثر) . ومع ظهور الدولة القومية التي طالبت بفصل الولاء القومي عن الانتماء الديني، ومع تَصاعُد معدلات العلمنة، وجد أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم في العصر الحديث، غير مهيئين على الإطلاق لإنجاز هذه العملية. ولقد بدأت المرحلة الحديثة في هولندا في القرن السابع عشر، في أمستردام، ثم فرنسا وألمانيا في القرن الثامن عشر، ومعظم بلاد أوربا في منتصف القرن التاسع عشر، والعالم العربي والعالم الإسلامي في القرن العشرين. وتسبَّب هذا الوضع في ظهور أزمة هوية عميقة، وأخذت ردود الفعل أشكالاً كثيرة مثل:
1 ـ حركة التنوير اليهودية وظهور اليهودية الإصلاحية، أواخر القرن الثامن عشر: تُعَدُّ حركة التنوير واليهودية الإصلاحية إحدى الاستجابات اليهودية للعصر الحديث، وهي استجابة تتقبل معطيات هذا العصر وعقلانيته المادية وتنطلق منه، وتحاول فصل الدين لا عن الدولة الحاكمة وحسب، وإنما عن الجماعة الإثنية تماماً بحيث يصبح «اليهودي يهودياً في منزله مواطناً في مدينته» (على حد قول يهودا جوردون) .
2 ـ الحركات الأرثوذكسية والمحافظة، أوائل القرن التاسع عشر: لم تكن كل قطاعات اليهود راغبة في ـ أو قادرة على ـ دخول العصر الحديث، وتَقبُّل قيمه. ولذا، انخرطت أعداد كبيرة منها في حركات دينية هي في جوهرها رد فعل للعصر الحديث يأخذ شكل الإمساك بتلابيب الصيغة الدينية القومية التقليدية، مثل: الحسيدية (التي بعثت التراث الصوفي) واليهودية الأرثوذكسية والمحافظة والتجديدية. ولا تزال الفرق اليهودية كلها مختلفة حول أمور شعائرية وعقائدية عديدة، وتبلورت الخلافات في موقفها من الشريعة، أهي ملزمة لليهودي في العصر الحديث أم يمكنه إعادة تفسيرها على طريقته، أو حتى التخلي عنها؟

3 ـ الحركة الصهيونية بين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر: رغم أن الصهيونية في جوهرها حركة علمانية لا دينية، فإن ظهورها أثر تأثيراً عميقاً في اليهودية والفكر الديني اليهودي إلى درجة أن اليهودية الأرثوذكسية التي بدأت بمعاداة الصهيونية، أصبحت العمود الفقري للاستيطان الصهيوني. واستفادت الصهيونية من الاتجاه القومي داخل اليهودية وحوَّلت كثيراً من المفاهيم الدينية الروحية إلى مفاهيم فيزيقية بحيث تحولت العودة في نهاية الأيام إلى الاستيطان الصهيوني هذه الأيام. كما تمت علمنة المفاهيم الدينية بحيث أصبح هناك ما يشبه التماثل البنيوي بين اليهودية الحاخامية والصهيونية. فهناك كثير من علماء الدين اليهودي يتحدثون عن دولة إسرائيل كما لو كان لها معنى أخروي ميتافيزيقي، وأنها علامة على تَدخُّل الإله في التاريخ لينقذ شعبه ويأتي له بالخلاص تماماً كما فعل في واقعة الخروج. وقد قرن أحد المفكرين الدينيين اليهود بين الإله والدولة إلى درجة أنه صرح عام 1967 بأن الإله نفسه مُهدَّد في هذه الحرب! وقد ظهر إلى جانب الصهيونية ما يُسمَّى «اليهودية الإثنية» التي أعادت تعريف اليهودية بحيث أفرغتها من محتواها الديني والأخلاقي أو جعلته في المرتبة الثانية وأكدت محتواها الإثني، فأصبح بإمكان اليهودي الذي لا يؤمن بالإله ولا يمارس التحريمات الخاصة بالطعام أن يصر على تسمية نفسه يهودياً. ورغم انتصار الصهيونية الكاسح، فلا تزال توجد جيوب مقاومة بين اليهود الأرثوذكس والإصلاحيين.

4 ـ اليهودية في الولايات المتحدة: انتقل مركز اليهودية إلى الولايات المتحدة، وهو ما كان يعني انتقال اليهودية إلى تربة علمانية كاملة. فعمَّت الاتجاهات الإصلاحية والمحافظة، وضَعُفت اليهودية الكلاسيكية أو المعيارية (الأرثوذكسية) . كما ضَعُف دور الحاخام تماماً بحيث أصبح اليهود العاديون يسيطرون على الجماعة، وأصبح المعبد اليهودي جزءاً من النشاط الاجتماعي لأعضائها، كما هيمنت الصهيونية، في مستوى من المستويات، على الجماعة اليهودية وعلى فكرها الديني.
5 ـ لاهوت موت الإله: ظهر بعد الحرب العالمية الثانية تيار كاسح بين المفسرين الدينيين اليهود يَصدُر عن تقديس الشعب اليهودي وتاريخ هذا الشعب باعتباره سجلاً لما يقع له من أحداث وما يقوم به من أفعال. فكأن اليهودية سقطت مرة أخرى وبحدة في الحلولية الوثنية القديمة حيث يترادف الديني والقومي وحيث يستحيل تجاوز سطح المادة، فهي وثنية دون إله تحل فيها الذات القومية محل الذات الإلهية.

وأهم أحداث التاريخ اليهودي (المقدَّس) من منظور هؤلاء المفكرين هو الإبادة النازية، فهي دليل على فشل اليهودية الحاخامية تماماً، إذ جعلت اليهود شعباً مختاراً يقف شاهداً على الشعوب الأخرى لا يشارك في السلطة السياسية ولا سيادة له. والإبادة دليل أيضاً على اختفاء أو موت الإله، فحضور معسكرات الاعتقال دليل على غياب الإله. ويُلاحَظ أن الخطاب المستخدم هو خطاب ما بعد الحداثة، الذي يركز دائماً على عدم وجود مطلقات تتجاوز الواقع وغياب المركز، ومن ثم غياب علاقة الدال بالمدلول. ولكن اختفاء الإله كمطلق لا يعني اختفاء كل المطلقات إذ يظهر الشعب اليهودي باعتباره المطلق، ويصبح بقاؤه بأي ثمن القيمة الأخلاقية الكبرى، كما تصبح دولة إسرائيل التعبير الأمثل عن إرادة هذا الشعب وعن تَخلُّصه من عجزه وتأكيده سيادته. وشعائر هذا اللاهوت هي تَذكُّر الإبادة، وكتبه المقدَّسة هي الكتب اليهودية التي تُذكِّر اليهود والعالم بهذه الحادثة والمؤسسات الصهيونية (الكنيست الإسرائيلي ـ مؤسسات الجباية) هي مؤسسات العقيدة الجديدة. والأوامر والنواهي لم تَعُد لها أهمية، فأهم واجب ديني يهودي هو الدفاع عن بقاء الشعب اليهودي والدولة الصهيونية (مهما ارتكبت من آثام) والدفاع عن إسرائيل (ومن هنا يُسمَّى لاهوت موت الإله «لاهوت البقاء» ، و «لاهوت ما بعد أوشفيتس» ) . وبطبيعة الحال، نجد أن الأخلاقيات الناجمة عن الإيمان بهذه الرؤية أخلاقيات براجماتية لا علاقة لها بالقيم المطلقة. وإذا كان هدف اليهود البقاء والإبقاء على دولتهم بأي ثمن، فإن البقاء يُعَدُّ قيمة طبيعية أو داروينية وليس قيمة أخلاقية أو إنسانية. ولاهوت موت الإله تعبير عن الهيمنة الصهيونية الكاملة أو إنسانية، وعلمنة النسق الديني اليهودي، إذ صفِّي النسق الحلولي تماماً من كل شائبة (وحتى من كلمة الإله) ، وأصبح نسقاً خالياً من أي شيء سوى الذات القومية، وهو يشكل بالتالي عودة شبه كاملة

للعبادة القربانية المركزية، ولكنها كما قلنا عبادة دون إله، الأمر الذي يعني تأليهاً متطرفاً للذات القومية.
6 ـ إعادة تأكيد الانتماء الديني مقابل الانتماء الإثني: في السبعينيات، بدأت تظهر مؤخراً حركات بين اليهود لا ترفض الصهيونية علناً، ولكنها تحاول التملص منها، وتؤكد ضرورة الاحتفاظ بالانتماء الديني مستقلاً عن الانتماء الإثني أو القومي أو السياسي. وأعضاء هذه الحركات يخشون اقتران اليهودية بالصهيونية اقتراناً كاملاً قد يقضي عليها. ولذلك، فهم يصرون على مركزية الدياسبورا (الجماعات) مقابل المفهوم الصهيوني الخاص بمركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا، ومن أهم دعاة هذا الاتجاه الحاخام جيكوب نيوزنر أكبر علماء التلمود المعاصرين. كما ظهر ما يُسمَّى «لاهوت التحرير» الذي يُطوِّر كثيراً من هذه المفاهيم، فدعاة لاهوت التحرير يرفضون تقديس التاريخ اليهودي والمزاوجة بين القومي والمقدَّس، وهم من ثم يرفضون اعتبار العقائد أو الدولة الصهيونية مطلقات. بل إنهم يطالبون اليهود بألا يتذكروا ضحايا الإبادة من اليهود وحسب وإنما أن يتذكروا أيضاً الضحايا من غير اليهود. أما الدولة الصهيونية، بالنسبة لهم، فهي قد حلت بالفعل مشكلة العجز بسبب غياب السيادة ولكنها استخدمت سلطاتها في حرق البشر وفي كسر عظام الأطفال، وأصبح بقاؤها مرهوناً بموت الأطفال الفلسطينيين، ولذا يتعيَّن على اليهود أن يتذكروا ضحايا الصهيونية، وإذا كانوا يساندون هذه الدولة فيتعيَّن عليهم أيضاً التمسك بالقيم الأخلاقية المطلقة ومحاكمة هذه الدولة من خلال هذه القيم.
ويُلاحَظ أن التناقض بين لاهوت موت الإله ولاهوت التحرر هو نفسه التوتر القديم بين الكهنة والأنبياء وبين دعاة الانغلاق الوثني والانفتاح الأخلاقي العالمي، فكأن اليهودية لا تزال في حالة التوتر الأولى، وهذا يعود ولا شك إلى تركيبتها الجيولوجية التراكمية.

في الفرنسية/ Rapport
في الانكليزية/ relation, Ratio
العلاقة بالفتح الارتباط، وبالكسر ما يعلق به السيف ونحوه، فالمفتوحة تستعمل في المعاني، والمكسورة في المحسوسات.
وتطلق العلاقة في اصطلاح المنطقيين على ما بسببه يستصحب شيء شيئا آخر. كعلاقة المقدم بالتالي في القضايا الشرطية المتصلة، مثل قولنا في اللزوميات: اذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود.
وللعلاقة في الفلسفة الحديثة معنيان، أحدهما عام، والآخر خاص.
فالعلاقة بالمعنى العام تطلق على كل ارتباط بين موضوعين أو اكثر من موضوعات الفكر، بحيث يدرك العقل علاقة احدهما بالآخر بفعل واحد لا ينقسم كعلاقة التشابه، أو التباين، أو المعية، أو التعاقب، أو العلية، أو الغائية، أو التضايف.
والعلاقة بالمعنى الخاص هي التناسب بين كميتين أو اكثر.
مثال ذلك ان العلاقة (ب: ج) أو ب/ ج هي قياس كمية (ب) بنسبتها إلىكمية (ج) أو هي خارج قسمة (ب) على (ج).
ولذلك قيل ان العلاقة هي التناسب بين الأشياء أو المقياس المشترك بينها.
والعلاقة في علم البيان هي المناسبة بين المعنى الأصلي والمعنى المراد في المجاز والكناية.
والعلائق ما يتعلق به الإنسان من أسباب الدنيا. قال الغزالي:
و كان قد ظهر عندي انه لا مطمح في سعادة الآخرة الا بالتقوى وكفّ النفس عن الهوى، وان رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور، والانابة إلىدار الخلود، والاقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى، وان ذلك لا يتم الّا بالاعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل والعلائق، ثم لاحظت نفسي فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد احدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي، واحسنها التدريس، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمّة ولا نافعة في طريقة الآخرة (المنقذ من الضلال، ص 103 من طبعتنا، الطبعة السابعة، بيروت 1967). وقد تكون علاقة الإنسان بالإنسان علاقة صداقة، أو عداوة، أو علاقة اشتراك في مسكن، أو مهنة، أو طائفة، أو ديانة، أو وطن، الخ. وأعلى هذه العلائق كلها علاقة العدالة.
(راجع: التضايف، النسبة).

ظهور التلمود مطبوعا في وارسو ببولندا وعلاقة ذلك بخطر الصهيونية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ظهور التلمود مطبوعا في وارسو ببولندا وعلاقة ذلك بخطر الصهيونية.
1280 - 1863 م
ينقسم التلمود إلى جزئين هامين: 1 - المشناه Mishnah ، وهو الأصل (المتن) 2 - جمارا Gamara ، وهو شرح المشناه. ومشناه أول لائحة قانونية وضعها اليهود لأنفسهم، بعد التوراة، جمعها يهوذا هاناسي Judah Hanasi فيما بين 190 و200 م، أي بعد قرن تقريباً من تدمير تيطس الروماني الهيكل. أما جمارا فإثنان: جمارا أورشليم (فلسطين).وجمارا بابل. جمارا أورشليم (أو فلسطين) هو سجل للمناقشات التي أجراها حاخامات فلسطين (أو بالأخص علماء مدارس طبرية) لشرح المشناه. ومن الطبعات للمنشاه طبعة Romm التي نشرت في فيلنه نشرت سنة 1927م في مجلدين من فرانكفورت، وترجم هربرت داوبي H.Dauby المشناه إلى الإنجليزية مع الحواشي ونشره في أكسفورد سنة 1933م. وقد طبع تلمود أورشليم لأول مرة، في البندقية (فينيسيا) في سنتي 1522 – 1523م وظهرت الطبعة الثانية في كراكوو Cracom فيما بين 1602 – 1605م، مع بعض الحواشي والشروح، بسبب الاهتمام المتزايد بالتلمود في بولندا ,أعيد طبع كراكوو في كروتوتشين krotoschin سنة 1886 م، ثم ظهرت طبعة زيتومير Zhitomir . في 1860 – 1867م، ثم طبعتا Piotrkew _ سنة 1899 – 1900م) وروم Romm في فيلنا سنة 1922م. وقد طبعت هذه الأخيرة مع بعض الحواشي سنة 1929 باسم تشلوم يروشلمي Tashlum Yerushalmi وظهرت طبعة مصورة لنسخة البندقية (1523) في ليبزيج سنة 1925، تبعته طبعة برلين سنة 1929م. وقد طبعت بعض فصول تلمود بابل سنة 1484، إلا أن الطبعة الكاملة نشرت في البندقية فيما بين 1520 و1523م، أما نسخة بازل Basel فقد خضعت للرقابة الكنيسة التي حذفت منها أشياء كثيرة. وطبعة أمستردام 1644 – 1648م Romm المنشورة في فيلنا Vina سنة 1886م في عشرين مجلداً، وهناك طبعة لتلمود بابل نشرها ستراك Strack سنة 1912م عن نسخة أعدت في ميونيخ في أواسط القرن الرابع عشر. وأول ترجمة كاملة لتلمود بابل نشرتّها مطبعة سونكينو Soncino بلندن، وقد ترجم أبراهام كوهين كتاب براخوت Berachoth إلى الإنجليزية سنة 1921م، وظهرت عدة كتب تتناول ملخص تلمود بابل باللغات الأخرى.

36 - ت ق: سعيد بن علاقة، هو أبو فاختة،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

36 - ت ق: سَعِيدُ بْنُ عِلاقَةَ، هُوَ أَبُو فَاخِتَةَ، [الوفاة: 81 - 90 ه]
مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَوَالِدُ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ
وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ،
وَرَوَى عَنْ: عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُمِّ هَانِئٍ -[938]-، وَعَائِشَةَ، وَالأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ.
وَعَنْهُ: ابنه، وعمرو بن دينار، ويزيد بن أبي زياد، وإسحاق بن سويد العدوي.
وثقه العجلي.

108 - ع: زياد بن علاقة بن مالك الثعلبي، أبو مالك الكوفي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

108 - ع: زِيَادُ بْنُ عِلاقَةَ بْنِ مَالِكٍ الثَّعْلَبِيُّ، أَبُو مَالِكٍ الْكُوفِيُّ. [الوفاة: 121 - 130 ه]
أَحَدُ الثِّقَاتِ الْمُعَمَّرِينَ.
رَوَى عَنْ: عَمِّهِ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، وَأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، وَعَمْرِو بن ميمون الأَوْدِيِّ، وَجَمَاعَةٍ.
وَعَنْهُ: سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ، وَشَيْبَانُ، وَزَائِدَةُ، وَزُهَيْرٌ، وَإِسْرَائِيلُ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَأَبُو الأَحْوَصِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ: أَدْرَكَ ابْنَ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ.
قِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ أَوْ بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ وَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوقٌ.

37 - ت: ثوير بن أبي فاختة أبو الجهم بن سعيد بن علاقة،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

37 - ت: ثُوَيْرُ بْنُ أَبِي فَاخِتَةَ أَبُو الْجَهْمِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عِلاقَةَ، [الوفاة: 131 - 140 ه]
مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ.
كُوفِيٌّ ضَعِيفٌ.
لَهُ عَنْ: ابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَجَمَاعَةٍ.
وَعَنْهُ: سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ، وَإِسْرَائِيلُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العرزمي، وعبيدة، وعلي بن عَاصِمٍ، وَآخَرُونَ.
رَمَاهُ الثَّوْرِيُّ بِالْكَذِبِ. -[626]-
وقال يونس بن أبي إسحاق: كان رافضاً.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ضَعِيفٌ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ: مَتْرُوكٌ.
العلق في اللغة: التشبث بالشيء، يقال: «لفلان في هذه الدار علقة وعلاقة»، أي: بقية نصيب، وما لفلان علاقة، أي: ما يتعلق به في معيشته من حرفة أو صنعة.
وتأتي العلاقة في اللغة وعلى لسان الفقهاء بمعنى: المهر، حيث تقع به العلقة بين الزوجين، والجمع: العلائق. وقد روى الدارقطني، والبيهقي، وسعيد بن منصور عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «أدّوا العلاقة، قيل: يا رسول الله،
وما العلائق؟ قال: ما تراضى به الأهلون»
[النهاية 3/ 289].
«القاموس المحيط (علق) 1176، والمفردات ص 580، ومعجم المصطلحات الاقتصادية ص 249».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت