نتائج البحث عن (عَلَوَ ) 27 نتيجة

علوّ وارتفاع، واسم ملوك جاهليين يمانيين، وأحد رجال الحديث راوٍ للقصص.

موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب

علوّ وارتفاع، واسم ملوك جاهليين يمانيين، وأحد رجال الحديث راوٍ للقصص.
عُلْو الدِّين
مركب من عُلُو والدين.
عُلُوّ الدّين
مركب من عُلُوّ والدين.

أنوار علو الأجرام، في الكشف عن أسرار الأهرام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

أنوار علو الأجرام، في الكشف عن أسرار الأهرام
للشريف، جمال الدين، أبي جعفر: محمد بن عبد العزيز الإدريسي.
مختصر.
أوله: (الحمد لله الذي يعمل ما أبقاه... الخ).
ذكر أنه ألفه: للملك، الكامل: محمد بن خليل، سنة ثلاث وعشرين وستمائة.

تحقيق الرجا، لعلو المقر المحبي ابن أجا

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تحقيق الرجا، لعلو المقر المحبي ابن أجا
لجار الله: محمد بن عبد العزيز بن فهد المكي.
المتوفى: سنة 954، أربع وخمسين وتسعمائة
ألفه: لمحب الدين: محمود بن محمد بن أجا التدمري، الحلبي، الحنفي.
المتوفى: سنة 925، خمس وعشرين وتسعمائة.

تنبيه الأنام، في بيان علو مقام نبينا محمد – عليه الصلاة والسلام –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تنبيه الأنام، في بيان علو مقام نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام -
لعبد الجليل بن محمد بن أحمد بن حطوم المرادي، القيرواني.
مجلد.
أوله: (الحمد لله الذي زين سماء الأذكار... الخ).
جمع فيه: الصلاة على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - المروية، أو المأثورة.
واستوعب وذكر: فضائل الصلوات، ومحبته - صلى الله تعالى عليه وسلم -، وحرمته.
ثم: لخصه.
وسماه: (تذكرة أهل الإسلام، في الصلاة على خير الأنام).
ذكر: أنه استخرج ما فيه من الأحاديث، من زهاء: مائة ألف حديث، محذوفة الأسانيد.
قال: ربما سميتها: (شفاء الأسقام، ومحو الآثام، في الصلاة على خير الأنام).
(عَلَوَ)الْعَيْنُ وَاللَّامُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ يَاءً كَانَ أَوْ وَاوًا أَوْ أَلِفًا، أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى السُّمُوِّ وَالِارْتِفَاعِ، لَا يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ. وَمِنْ ذَلِكَ الْعَلَاءُ وَالْعُلُوُّ. وَيَقُولُونَ: تَعَالَى النَّهَارُ، أَيِ ارْتَفَعَ. وَيُدْعَى لِلْعَاثِرِ: لَعًا لَكَ عَالِيًا! أَيِ ارْتَفِعْ فِي عَلَاءٍ وَثَبَاتٍ. وَعَالَيْتُ الرَّجُلَ فَوْقَ الْبَعِيرِ: عَالَيْتُهُ. قَالَ:

وَإِلَّا تَجَلَّلْهَا يُعَالُوكَ فَوْقَهَا...وَكَيْفَ تَوَقَّى ظَهْرَ مَا أَنْتَ رَاكِبُهْقَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُ هَذَا الْبِنَاءِ الْعُلُوُّ. فَأَمَّا الْعَلَاءُ فَالرِّفْعَةُ. وَأَمَّا الْعُلُوُّ فَالْعَظَمَةُ وَالتَّجَبُّرُ. يَقُولُونَ: عَلَا الْمَلِكُ فِي الْأَرْضِ عُلُوًّا كَبِيرًا. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}} [القصص: 4] ، وَيَقُولُونَ: رَجُلٌ عَالِي الْكَعْبِ، أَيْ شَرِيفٌ. قَالَ:

لَمَّا عَلَا كَعْبُكَ لِي عَلِيتُ

وَيُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ يَعْلُو: عَلَا يَعْلُو. فَإِنْ كَانَ فِي الرِّفْعَةِ وَالشَّرَفِ قِيلَ عَلِيَ يَعْلَى. وَمَنْ قَهَرَ أَمْرًا فَقَدِ اعْتَلَاهُ وَاسْتَعْلَى عَلَيْهِ وَبِهِ، كَقَوْلِكَ اسْتَوْلَى. وَالْفَرَسُ إِذَا جَرَى فِي الرِّهَانِ فَبَلَغَ الْغَايَةَ قِيلَ: اسْتَعْلَى عَلَى الْغَايَةِ وَاسْتَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: إِنَّهُ لَمُعْتَلٍ بِحَمْلِهِ، أَيْ مُضْطَلِعٌ بِهِ. وَقَدِ اعْتَلَى بِهِ. وَأَنْشَدَ:

إِنِّي إِذَا مَا لَمْ تَصِلْنِي خُلَّتِي...وَتَبَاعَدَتْ مِنِّي اعْتَلَيْتُ بِعَادَهَا

يُرِيدُ عَلَوْتُ بِعَادَهَا. وَقَدْ عَلَوْتُ حَاجَتِي أَعْلُوهَا عُلُوًّا، إِذَا كُنْتُ ظَاهِرًا عَلَيْهَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ فِي قَوْلِ أَوْسٍ:

جَلَّ الرُّزْءُ وَالْعَالِي

أَيِ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ الَّذِي يَقْهَرُ الصَّبْرَ وَيَغْلِبُهُ. وَقَالَ أَيْضًا فِي قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:إِلَى اللَّهِ أَشْكُو الَّذِي قَدْ أَرَى...مِنَ النَّائِبَاتِ بِعَافٍ وِعَالِ

أَيْ بِعَفْوِي وَجَهْدِي، مِنْ قَوْلِكَ عَلَاهُ كَذَا، أَيْ غَلَبَهُ. وَالْعَافِي: السَّهْلُ. وَالْعَالِي: الشَّدِيدُ.

قَالَ الْخَلِيلُ: الْمَعْلَاةُ: كَسْبُ الشَّرَفِ، وَالْجَمْعُ الْمَعَالِي. وَفُلَانٌ مِنْ عِلْيَةِ النَّاسِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الشَّرَفِ. وَهَؤُلَاءِ عِلْيَةُ قَوْمِهِمْ، مَكْسُورَةُ الْعَيْنِ عَلَى فِعْلَةٍ مُخَفَّفَةٍ. وَالسِّفْلُ وَالْعِلُوُّ: أَسْفَلُ الشَّيْءِ وَأَعْلَاهُ. وَيَقُولُونَ: عَالِ عَنْ ثَوْبِي، وَاعْلُ عَنْ ثَوْبِي، إِذَا أَرَدْتَ قُمْ عَنْ ثَوْبِي وَارْتَفِعْ عَنْ ثَوْبِي; وَعَالِ عَنْهَا، أَيْ تَنَحَّ; وَاعْلُ عَنِ الْوِسَادَةِ.

قَالَ أَبُو مَهْدِيٍّ: أَعْلِ عَلَيَّ وِعَالِ عَلَيَّ، أَيِ احْمِلْ عَلَيَّ.

وَيَقُولُونَ: فُلَانٌ تَعْلُوهُ الْعَيْنُ وَتَعْلُو عَنْهُ الْعَيْنُ، أَيْ لَا تَقْبَلُهُ تَنْبُو عَنْهُ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَاحِدٌ. وَيُقَالُ عَلَا الْفَرَسَ يَعْلُوهُ عُلُوًّا، إِذَا رَكِبَهُ; وَأَعْلَى عَنْهُ، إِذَا نَزَلَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ بَعِيدًا مِنَ الْقِيَاسِ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى صَحِيحٌ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا نَزَلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ بَايَنَهُ وَعَلَا عَنْهُ فِي الْحَقِيقَةِ، لَكِنَّ الْعَرَبَ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.

قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَلْيَاءُ: رَأَسُ كُلِّ جَبَلٍ أَوْ شَرَفٍ. قَالَ زُهَيْرٌ:

تَبَصَّرْ خَلِيلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِنٍ...تَحَمَّلْنَ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُمِوَيُسَمَّى أَعْلَى الْقَنَاةِ: الْعَالِيَةُ، وَأَسْفَلُهَا: السَّافِلَةُ، وَالْجَمْعُ الْعَوَالِي. قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَالِيَةُ مِنْ مَحَالِّ الْعَرَبِ مِنَ الْحِجَازِ وَمَا يَلِيهَا، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا عَلَى الْأَصْلِ عَالِيٌّ، وَالْمُسْتَعْمَلُ عُلْوِيٌّ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَالَى الرَّجُلُ، إِذَا أَتَى الْعَالِيَةَ. وَزَعَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْعَالِيَةِ عُلُوٌّ: اسْمٌ لَهَا، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: قَدِمَ فُلَانٌ مِنْ عُلُوٍّ. وَزَعَمَ أَنَّ النَّسَبَ إِلَيْهِ عُلْوِيٌّ.

قَالُوا: وَالْعُلِّيَّةُ: غُرْفَةٌ، عَلَى بِنَاءِ حُرِّيَّةٍ. وَهِيَ فِي التَّصْرِيفِ فُعْلِيَّةٌ، وَيُقَالُ فُعْلُولَةٌ.

قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {{إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}} [المطففين: 18] قَالُوا: إِنَّمَا هُوَ ارْتِفَاعٌ بَعْدَ ارْتِفَاعٍ إِلَى مَا لَا حَدَّ لَهُ. وَإِنَّمَا جُمِعَ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا جَمَعَتْ جَمْعًا لَا يَذْهَبُونَ فِيهِ إِلَى أَنَّ لَهُ بِنَاءً مِنْ وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ، قَالُوهُ فِي الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ نَحْوَ عِلِّيِّينَ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ شَيْءٌ، لَا يُقْصَدُ بِهِ وَاحِدٌ وَلَا اثْنَانِ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: " أَطْعِمْنَا مَرَقَةَ مَرَقِينَ ". وَقَالَ:

قُلَيِّصَاتٍ وَأَبَيْكَرِينَا

فَجَمَعَ بِالنُّونِ لَمَّا أَرَادَ الْعَدَدَ الَّذِي لَا يَحُدُّهُ. وَقَالَ آخَرُ فِي هَذَا الْوَزْنِ:فَأَصْبَحَتِ الْمَذَاهِبُ قَدْ أَذَاعَتْ...بِهَا الْإِعْصَارُ بَعْدَ الْوَابِلِينَا

أَرَادَ الْمَطَرَ بَعْدَ الْمَطَرِ، شَيْئًا غَيْرَ مَحْدُودٍ. وَقَالَ أَيْضًا:

يُقَالُ عُلْيَا مُضَرَ وَسُفْلَاهَا،...وَإِذَا قُلْتَ سُفْلٌ قُلْتَ عُلْيٌ

وَالسَّمَاوَاتُ الْعُلَى الْوَاحِدَةُ عُلْيَا.

فَأَمَّا الَّذِي يُحْكَى عَنْ أَبِي زَيْدٍ: جِئْتُ مِنْ عَلَيْكَ، أَيْ مِنْ عِنْدِكَ، وَاحْتِجَاجُهُ بِقَوْلِهِ:

غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظِمْؤُهَا...تَصِلُّ وَعَنْ قَيْضٍ بِزَيْزَاءَ مَجْهَلِ

وَالْمُسْتَعْلِي مِنَ الْحَالِبَيْنِ: الَّذِي فِي يَدِهِ الْإِنَاءُ وَيَحْلُبُ بِالْأُخْرَى. وَيُقَالُ الْمُسْتَعْلِي: الَّذِي يَحْلُبُ النَّاقَةَ مِنْ شِقِّهَا الْأَيْسَرِ. وَالْبَائِنُ: الَّذِي يَحْلِبُهَا مِنْ شِقِّهَا الْأَيْمَنِ. وَأَنْشَدَ:

يُبَشِّرُ مُسْتَعْلِيًا بَائِنٌ...مِنَ الْحَالِبَيْنِ بِأَنْ لَا غِرَارَا

وَيُقَالُ: جِئْتُكَ مِنْ أَعْلَى، وَمِنْ عَلَا، وَمِنْ عَالٍ، وَمِنْ عَلِ. قَالَ أَبُو النَّجْمِ:

أَقَبُّ مِنْ تَحْتُ عَرِيضٌ مِنْ عَلِ

وَقَدْ رَفَعَهُ بَعْضُ الْعَرَبِ عَلَى الْغَايَةِ، قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ:

شَهِدْتُ فَلَمْ أَكْذِبْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا...رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مَنْ عَلُوَقَالَ آخَرُ فِي وَصْفِ فَرَسٍ:

ظَمْأَى النَّسَا مِنْ تَحْتُ رَيَّا مِنْ عَالْ...فَهْيَ تُفَدَّى بِالْأَبْيَنَ وَالْخَالْ

فَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْشَى:

إِنِّي أَتَتْنِي لِسَانٌ لَا أُسَرُّ لَهَا...مِنْ عَلْوَ لَا عَجَبٌ فِيهَا وَلَا سَخَرُ

فَإِنَّهُ يَنْشُدُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: مَضْمُومًا، وَمَفْتُوحًا، وَمَكْسُورًا.

وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ:

فَهِيَ تَنُوشُ الْحَوْضَ نَوْشًا مِنْ عَلَا...نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أَجْوَازَ الْفَلَا

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَتَيْتُهُ مِنْ مُعَالٍ. وَأَنْشَدَ:

فَرَّجَ عَنْهُ حَلَقَ الْأَغْلَالِ...جَذْبُ الْبُرَى وَجِرْيَةُ الْجِبَالِ

وَنَغَضَانُ الرَّحْلِ مِنْ مُعَالِ

وَيُقَالُ: عُولِيَتِ الْفَرَسُ، إِذَا كَانَ خَلْقُهَا مُعَالًى. وَيُقَالُ نَاقَةٌ عِلْيَانٌ، أَيْ طَوِيلَةٌ جَسِيمَةٌ. وَرَجُلٌ عِلْيَانٌ: طَوِيلٌ. وَأَنْشَدَ:

أَنْشَدَ مِنْ خَوَّارَةِ عِلْيَانِ...أَلْقَتْ طَلًّا بِمُلْتَقَى الْحَوْمَانِقَالَ الْفَرَّاءُ: جَمَلٌ عِلْيَانٌ، وَنَاقَةٌ عِلْيَانٌ. وَلَمْ نَجِدِ الْمَكْسُورَ أَوَّلُهُ جَاءَ نَعْتًا فِي الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ غَيْرَهُمَا. وَأَنْشَدَ:

حَمْرَاءُ مِنْ مُعَرِّضَاتِ الْغِرْبَانْ...تَقْدُمُهَا كُلُّ عَلَاةٍ عِلْيَانْ

وَيُقَالُ لِمُعَالِي الصَّوْتِ عِلْيَانٌ أَيْضًا. فَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلذَّكَرِ عِلْيَانٌ، إِنَّمَا يَقُولُونَ جَمَلٌ نَبِيلٌ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: تَعَالَ، فَهُوَ مِنَ الْعُلُوِّ، كَأَنَّهُ قَالَ اصْعَدْ إِلَيَّ; ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى قَالَهُ الَّذِي بِالْحَضِيضِ لِمَنْ هُوَ فِي عُلُوِّهِ. وَيُقَالُ تَعَالَيَا، وَتَعَالَوْا، لَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا إِلَّا فِي الْأَمْرِ خَاصَّةً، وَأُمِيتَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. وَيُقَالُ لِرَأْسِ الرَّجُلِ وَعُنُقِهِ عِلَاوَةٌ. وَالْعِلَاوَةُ: مَا يُحْمَلُ عَلَى الْبَعِيرِ بَعْدَ تَمَامِ الْوِقْرِ. وَقَوْلُهُ:

أَلَا أَيُّهَا الْغَادِي تَحَمَّلْ رِسَالَةً...خَفِيفًا مُعَلَّاهَا جَزِيلًا ثَوَابُهَا

مُعَلَّاهَا: مَحْمِلُهَا. وَيُقَالُ: قَعَدَ فِي عُلَاوَةِ الرِّيحِ وَسُفَالَتِهَا. وَأَنْشَدَ:

تُهْدِي لَنَا كُلَّمَا كَانَتْ عُلَاوَتَنَا...رِيحَ الْخُزَامَى فِيهَا النَّدَى وَالْخَضْلُ

قَالَ: الْخَلِيلُ الْمُعَلَّى: السَّابِعُ مِنَ الْقِدَاحِ، وَهُوَ أَفْضَلُهَا، وَإِذَا فَازَ حَازَ سَبْعَةَ أَنْصِبَاءَ مِنَ الْجَزُورِ، وَفِيهِ سَبْعُ فُرَضٍ: عَلَامَاتٌ. وَالْمُعَلِّي: الَّذِي يَمُدُّ الدَّلْوَ إِذَا مَتَحَ. قَالَ:هَوِيُّ الدَّلْوِ نَزَّاهَا الْمُعَلُّ

وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ نِفَاسِهَا: قَدْ تَعَلَّتْ، وَهِيَ تَتَعَلَّى. وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إِلَّا لِلنُّفَسَاءِ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهَا. قَالَ جَرِيرٌ:

فَلَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْفَرَزْدَقِ حَامِلٌ...وَلَا ذَاتَ حِمْلٍ مِنْ نِفَاسٍ تَعَلَّتِ

قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: عَلِّ رِشَاءَكَ، أَيْ أَلْقِهِ فَوْقَ الْأَرْشِيَةِ كُلِّهَا. وَيُقَالُ إِنَّ الْمُعَلَّى: الَّذِي إِذَا زَاغَ الرِّشَاءُ عَنِ الْبَكَرَةِ عَلَاهُ فَأَعَادَهُ إِلَيْهَا. قَالَ الْعُجَيْرُ:

وَلِي مَائِحٌ لَمْ يُورِدِ الْمَاءَ قَبْلَهُ...مُعَلٍّ وَأَشْطَانُ الطَّوِيِّ كَثِيرُ

وَيَقُولُونَ فِي رَجُلٍ خَاصَمَهُ [آخَرُ] : إِنَّ لَهُ مَنْ يُعَلِّيهِ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا عُلْوَانُ الْكِتَابِ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ غَلَطٌ، إِنَّمَا هُوَ عُنْوَانٌ. وَلَيْسَ ذَلِكَ غَلَطًا، وَاللُّغَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَإِنْ كَانَتَا مُوَلَّدَتَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ أَصْلِ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا عُنْوَانٌ فَمِنْ عَنَّ. وَأَمَّا عُلْوَانٌ فَمِنَ الْعُلُوِّ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْكِتَابِ وَأَعْلَاهُ.

وَمِنَ الْبَابِ الْعَلَاةُ، وَهِيَ السَّنْدَانُ، وَيُشَبِّهُ بِهِ النَّاقَةَ الصُّلْبَةَ. قَالَ:وَمُبْلِدٍ بَيْنَ مَوْمَاةٍ بِمَهْلَكَةٍ...جَاوَزْتُهُ بِعَلَاةِ الْخَلْقِ عِلْيَانِ

قَالَ الْخَلِيلُ: عَلِيٌّ عَلَى فَعِيلٍ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ عَلَوِيٌّ. وَبَنُو عَلِيٍّ: بَطْنٌ مِنْ كِنَانَةَ، يُقَالُ هُوَ عَلِيُّ بْنُ سُودٍ الْغَسَّانِيُّ، تَزَوَّجَ بِأُمِّهِمْ بَعْدَ أَبِيهِمْ وَرَبَّاهُمْ فَنُسِبُوا إِلَيْهِ. قَالَ:

وَقَالَتْ رَبَايَانَا أَلَا يَالَ عَامِرٍ...عَلَى الْمَاءِ رَأْسٌ مِنْ عَلِيٍّ مُلَفَّفُ

وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: يُقَالُ مَا أَنْتَ إِلَّا عَلَى أَعْلَى وَأَرْوَحَ، أَيْ فِي سَعَةٍ وَارْتِفَاعٍ. وَيُقَالُ " أَعْلَى ": السَّمَاوَاتُ. وَأَمَّا " أَرَوْحَ " فَمَهَبُّ الرِّيَاحِ مِنْ آفَاقِ الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ:

غَدَا الْجُودُ يَبْغِي مَنْ يُؤَدِّي حُقُوقَهُ...فَرَاحَ وَأَسْرَى بَيْنَ أَعْلَى وَأَرْوَحَا

أَيْ رَاحَ وَأَسْرَى بَيْنَ أَعْلَى مَالِهِ وَأَدْوَنِهِ، فَاحْتَكَمَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
8 - علو الهمة:.
قال صاحب المنازل:.
(الهمة: ما يملك الانبعاث للمقصود صرفاً، ولا يتمالك صاحبها ولا يلتفت عنها).
والمراد: أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلباً صادقاً خالصاً محضاً، فتلك هي الهمة العالية التي (لا يتمالك صاحبها) أي لا يقدر على المهلة، ولا يتمالك صبره لغلبة سلطانه عليه، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود (ولا يلتفت عنها) إلى ما سوى أحكامها، وصاحب هذه الهمة: سريع وصوله وظفره بمطلوبه، ما لم تعقه العوائق، وتقطعه العلائق، والله أعلم) اهـ (¬1)..
قلت: فعلو الهمة يستلزم الجد، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور..
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق، ويبغض سفسافها)) (¬2)..
وسفسافها: أي حقيرها ورديئها، وشرف النفس أن يصونها عن الدنايا، والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل، حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد..
قال ابن القيم رحمه الله في (الفوائد): (فمن علت همته، وخشعت نفسه؛ اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه؛ اتصف بكل خلق رذيل)..
وقال رحمه الله في (الفوائد): (فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل، والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك)..
فإذا حرص المرء على اكتساب الفضائل، وألزم نفسه على التخلق بالمحاسن، ولم يرض من منقبة إلا بأعلاها، ولم يقف عند فضيلة إلا وطلب الزيادة عليها، نال مكارم الأخلاق..
¬_________.
(¬1) ((مدارج السالكين)) (3/ 5)..
(¬2) رواه الطبراني (6/ 181) (5928)، والحاكم (1/ 112) واللفظ له، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (3/ 255)، والبيهقي (10/ 191) (21300). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (2/ 439)، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (8/ 191): رجاله ثقات، وصححه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (1771)، وصحح إسناده الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (1378).

معنى علو الهمة لغة واصطلاحا

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

معنى علو الهمة لغة واصطلاحاً.
معنى العلو لغة:.
قال ابن منظور: (عُلْو كل شيء وعِلْوه وعَلْوُه وعُلاوَتُه وعالِيه وعالِيَتُه أَرْفَعُه، ... وعلا الشيءُ عُلُوًّا فهو عَليٌّ وعَلِيَ وتَعَلَّى، ... ويقال عَلا فلانٌ الجَبَلَ إذا رَقِيَه يَعْلُوه عُلُوّاً وعَلا فلان فلاناً إذا قَهَرَه والعَليُّ الرَّفيعُ وتَعالَى تَرَفَّع) (¬1)..
معنى الهمة لغة:.
الهَمَّةُ والهِمَّةُ ما هَمَّ به من أَمر ليفعله وتقول إِنه لَعظيمُ الهَمّ وإِنه لَصغيرُ الهِمّة وإِنه لَبَعيدُ الهِمَّةِ والهَمّةِ بالفتح والهُمامُ الملكُ العظيم الهِمّة (¬2)..
وقال ابن القيم في تعريف الهمة: (والهمة فعلة من الهم، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خصوها بنهاية الإرادة، فالهم مبدؤها، والهمة نهايتها) (¬3)..
معنى علو الهمة اصطلاحاً:.
(هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، وطلب المراتب السامية، واستحقار ما يجود به الإنسان عند العطية، والاستخفاف بأوساط الأمور، وطلب الغايات، والتهاون بما يملكه، وبذل ما يمكنه لمن يسأله من غير امتنان ولا اعتداد به) (¬4)..
وقال المناوي: (عظم الهمة عدم المبالاة بسعادة الدنيا وشقاوتها) (¬5)..
وقال الراغب الأصفهاني: (والكبير الهمة على الإطلاق هو من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه فلا يصير عبد رعاية بطنه وفرجه بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة) (¬6)..
¬_________.
(¬1) ((لسان العرب)) لابن منظور (15/ 83)..
(¬2) ((لسان العرب)) لابن منظور (15/ 83)..
(¬3) ((لسان العرب)) لابن منظور (15/ 83)..
(¬4) ((تهذيب الأخلاق)) للجاحظ (ص: 28)..
(¬5) ((التوقيف)) للمناوي (ص: 517)..
(¬6) ((الذريعة إلى مكارم الشريعة)) للراغب الأصفهاني (ص: 291).

الحث على علو الهمة من القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

الحث على علو الهمة من القرآن والسنة.
الحث على علو الهمة من القرآن الكريم.
علو الهمة خلق رفيع وغاية نبيلة، تتعشقه النفوس الكريمة وتهفو إليه الفطر القويمة، وعلو الهمة من الأسس الأخلاقية الفاضلة وإليه يرجع مجموعة من الظواهر الخلقية، كالجد في الأمور، والترفع عن الصغائر والدنايا، وكالطموح إلى المعالي (¬1). والإسلام يحث على هذا الخلق النبيل، وقد وردت آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة النبوية تدل على ذلك، فمن القرآن الكريم:.
- قوله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133]..
ففي هذه الآية (ندب الله عباده إلى المبادرة إلى فعْل الخيرات والمسارعة إلى نَيْل القُرُبات) (¬2) وهو أمر من الله بالهمة العالية..
- وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: 35]..
فهذه الآية فيها ثناء (على أصحاب الهمم العالية، وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل، وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم ... وقد تجلت همتهم العالية في مثابرتهم وجهادهم ودعوتهم إلى الله عز وجل، كما أوضحه الله عز وجل في قصص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) (¬3).
- وقال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب: 23]..
وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين بوصف الرجال الذين هم أصحاب الهمم العالية فصدقوا ما عاهدوا الله (وفوا به، وأتموه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبلوا أنفسهم في طاعته. فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ أي: إرادته ومطلوبه، وما عليه من الحق، فقتل في سبيل الله، أو مات مؤديا لحقه، لم ينقصه شيئا. وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ تكميل ما عليه، فهو شارع في قضاء ما عليه، ووفاء نحبه ولما يكمله، وهو في رجاء تكميله، ساع في ذلك، مجد) (¬4)..
- وقال سبحانه: رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ [النور: 37]..
فهؤلاء الرجال هم أصحاب الهمم العالية (ليسوا ممن يؤثر على ربه دنيا، ذات لذات، ولا تجارة ومكاسب، مشغلة عنه، لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض، فيكون قوله: وَلا بَيْعٌ من باب عطف الخاص على العام، لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره، فهؤلاء الرجال، وإن اتجروا، وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه. لكنه لا تلهيهم تلك، بأن يقدموها ويؤثروها على ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه) (¬5)..
- وقال الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر عدداً من الأنبياء ومواقفهم، ودعوتهم لقومهم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90].
الحث على علو الهمة من السنة النبوية.
¬_________.
(¬1) ((الهمة العالية معوقاتها ومقوماتها)) لمحمد الحمد (ص: 81)..
(¬2) ((تفسر القرآن العظيم)) لابن كثير (2/ 117)..
(¬3) ((علو الهمة)) لمحمد إسماعيل المقدم (ص: 128)..
(¬4) ((علو الهمة)) لمحمد إسماعيل المقدم (ص: 128)..
(¬5) ((تيسير الكريم الرحمن)) للسعدي (ص: 569).

أقوال السلف والعلماء في علو الهمة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

أقوال السلف والعلماء في علو الهمة.
- روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لا تصغرن همتكم فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم) (¬1)..
- وقال الإمام مالك (وعليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتق رذائلها وما سف منها؛ فإن الله تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفسافها) (¬2)..
- وعن دكين الراجز قال: (أتيت عمر بن عبد العزيز بعد ما استخلف أستنجز منه وعدا كان وعدنيه وهو والي المدينة، فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا توّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة) (¬3)..
- وقال ابن الجوزي: (من علامة كمال العقل علو الهمة، والراضي بالدون دني) (¬4)..
- وقال ابن القيم: (فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل) (¬5)..
- وقال أيضا: (الهمة العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر أو إطاعة وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية فإذا تعلقت الهمة بسوى هذه الثلاثة جالت في أودية الوساوس والخطرات من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده فصيرته من خدمها وعبيدها وأذلته ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلت له إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله فمتى يصل إلى مقصده؟) (¬6)..
- وقال أيضاً: (العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة) (¬7)..
- وقال أيضاً: (لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة) (¬8)..
¬_________.
(¬1) ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص319)..
(¬2) ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (2/ 65)..
(¬3) ((عيون الأخبار)) لابن قتيبة (334)..
(¬4) ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (28)..
(¬5) ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 97)..
(¬6) ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 99)..
(¬7) ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (ص: 747)..
(¬8) ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (ص: 750).
درجات علو الهمة.
قسم الهروي درجات علو الهمة على ثلاث:.
1 - (الدرجة الأولى: همة تصون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني، وتحمله على الرغبة في الباقي، وتصفيه من كدر التواني) (¬1)..
يقول ابن القيم: (الفاني الدنيا وما عليها. أي يزهد القلب فيها وفي أهلها. وسمى الرغبة فيها وحشة لأنها وأهلها توحش قلوب الراغبين فيها، وقلوب الزاهدين فيها..
أما الراغبون فيها: فأرواحهم وقلوبهم في وحشة من أجسامهم. إذ فاتها ما خلقت له. فهي في وحشة لفواته..
وأما الزاهدون فيها: فإنهم يرونها موحشة لهم. لأنها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم. ولا شيء أوحش عند القلب مما يحول بينه وبين مطلوبه ومحبوبه. ولذلك كان من نازع الناس أموالهم، وطلبها منهم أوحش شيء إليهم وأبغضه..
وأيضا: فالزاهدون فيها: إنما ينظرون إليها بالبصائر. والراغبون ينظرون إليها بالأبصار فيستوحش الزاهد مما يأنس به الراغب. كما قيل:.
وإذا أفاق القلب واندمل الهوى ... رأت القلوب ولم تر الأبصار.
وكذلك هذه الهمة تحمله على الرغبة في الباقي لذاته. وهو الحق سبحانه. والباقي بإبقائه: هو الدار الآخرة..
وتصفيه من كدر التواني أي تخلصه وتمحصه من أوساخ الفتور والتواني، الذي هو سبب الإضاعة والتفريط. والله أعلم)
(¬2)..
2 - قال الهروي: (الدرجة الثانية: همة تورث أنفة من المبالاة بالعلل، والنزول على العمل والثقة بالأمل) (¬3)..
يقول ابن القيم: (العلل هاهنا: هي علل الأعمال من رؤيتها، أو رؤية ثمراتها وإرادتها. ونحو ذلك. فإنها عندهم علل..
فصاحب هذه الهمة: يأنف على همته، وقلبه من أن يبالي بالعلل. فإن همته فوق ذلك. فمبالاته بها، وفكرته فيها: نزول من الهمة..
وعدم هذه المبالاة: إما لأن العلل لم تحصل له؛ لأن علو همته حال بينه وبينها. فلا يبالي بما لم يحصل له. وإما لأن همته وسعت مطلوبه، وعلوه يأتي على تلك العلل، ويستأصلها. فإنه إذا علق همته بما هو أعلى منها تضمنتها الهمة العالية. فاندرج حكمها في حكم الهمة العالية. وهذا موضع غريب عزيز جدا. وما أدري قصده الشيخ أو لا؟.
وأما أنفته من النزول على العمل: فكلام يحتاج إلى تقييد وتبيين. وهو أن العالي الهمة مطلبه فوق مطلب العمال والعباد. وأعلى منه. فهو يأنف أن ينزل من سماء مطلبه العالي، إلى مجرد العمل والعبادة، دون السفر بالقلب إلى الله، ليحصل له ويفوز به. فإنه طالب لربه تعالى طلبا تاما بكل معنى واعتبار في عمله، وعبادته ومناجاته، ونومه ويقظته، وحركته وسكونه، وعزلته وخلطته، وسائر أحواله. فقد انصبغ قلبه بالتوجه إلى الله تعالى أيما صبغة..
وهذا الأمر إنما يكون لأهل المحبة الصادقة. فهم لا يقنعون بمجرد رسوم الأعمال، ولا بالاقتصار على الطلب حال العمل فقط..
وأما أنفته من الثقة بالأمل: فإن الثقة توجب الفتور والتواني. وصاحب هذه الهمة: ليس من أهل ذلك، كيف؟ وهو طائر لا سائر.)
(¬4)..
3 - قال الهروي: (الدرجة الثالثة: همة تتصاعد عن الأحوال والمعاملات. وتزري بالأعواض والدرجات. وتنحو عن النعوت نحو الذات) (¬5)..
يقول ابن القيم: (أي هذه الهمة أعلى من أن يتعلق صاحبها بالأحوال التي هي آثار الأعمال والواردات، أو يتعلق بالمعاملات. وليس المراد تعطيلها. بل القيام بها مع عدم الالتفات إليها، والتعلق بها..
ووجه صعود هذه المهمة عن هذا: ما ذكره من قوله: تزري بالأعواض والدرجات، وتنحو عن النعوت نحو الذات، أي صاحبها لا يقف عند عوض ولا درجة. فإن ذلك نزول من همته. ومطلبه أعلى من ذلك. فإن صاحب هذه الهمة قد قصر همته على المطلب الأعلى، الذي لا شيء أعلى منه. والأعواض والدرجات دونه. وهو يعلم أنه إذا حصل له فهناك كل عوض ودرجة عالية..
وأما نحوها نحو الذات فيريد به: أن صاحبها لا يقتصر على شهود الأفعال والأسماء والصفات. بل الذات الجامعة لمتفرقات الأسماء والصفات والأفعال.)
(¬6)..
¬_________.
(¬1) ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/ 6)..
(¬2) ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/ 6)..
(¬3) ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/ 7)..
(¬4) ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/ 7)..
(¬5) ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/ 8)..
(¬6) ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/ 8).
صور علو الهمة.
مظاهر وصور علو الهمة كثيرة جداً فالأعمال الجادة كلها تحتاج إلى علو الهمة وسنتحدث عن بعض مظاهر علو الهمة وهي كالتالي:.
1 - علو الهمة في طلب العلم:.
من مظاهر علو الهمة الاهتمام في طلب العلم فبالعلم تعلو الهمة ويُرفع طالبه قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11]..
قال الشوكاني في الحث على علو الهمة في طلب العلم: (فإن الله سبحانه قد قرن العلماء في كتابه بنفسه وملائكته فقال شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18]..
وقصر الخشية له التي هي سبب الفوز لديه عليهم فقال (إنما يخشى الله من عباده العلماء)
[فاطر:28]..
وأخبره عباده بأنه يرفع علماء أمته درجات فقال يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة:11] وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن العلماء ورثة الأنبياء..
وناهيك بهذه المزية الجليلة والمنقبة النبيلة فأكرم بنفس تطلب غاية المطالب في أشرف المكاسب وأحبب برجل أراد من الفضائل ما لا تدانيه فضيلة ولا تساميه منقبة ولا تقاربه مكرمة) (¬1)..
2 - علو الهمة في الدعوة إلى الله:.
من مظاهر علو الهمة الدعوة إلى الله فالمسلم يدعو إلى الله سبحانه وتعالى بما علم قال صلى الله عليه وسلم: ((بلغوا عني ولو آية)) (¬2) والداعية إلى الله سبحانه وتعالى همه هداية الناس ودعوتهم إلى الحق فيقوم ببذل نفسه في سبيل الدعوة إلى الله، قال ابن حزم: (لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل في دعاء إلى حق وفي حماية الحريم وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى وفي نصر مظلوم وباذل نفسه في عرض دنيا كبائع الياقوت بالحصى) ولنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف الأمة القدوة الحسنة، فقد بذلوا كل غال ونفيس في سبيل الدعوة إلى الله..
3 - علو الهمة في الجهاد في سبيل الله:.
من مظاهر علو الهمة الاندفاع إلى الجهاد في سبيل الله بثبات فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغى القتل والموت مظانه ... )) (¬3) والمواقف من الصحابة والسلف كثيرة في اندفاعهم إلى الجهاد في سبيل الله والبذل والعطاء الذي قدموه لهذا الدين..
4 - علو الهمة في العبادة:.
من مظاهر علو الهمة الجد والاجتهاد في عبادة الله سبحانه وتعالى والاستقامة على دينه و (لقد فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم من مطامعها، وارتفعت همتهم على السفاسف، فلا تراهم إلا صوَّامين قوامين، باكين والهين، ولقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشير بعلو همتهم في التوبة والاستقامة، وقوة عزيمتهم في العبادة والإخبات، وهاك طرفاً من عباراتهم ... قال الحسن: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره.
وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل)
(¬4)..
ويقول ابن حزم في علو همة من امتحن بمكروه وعاقه عن هذا الطريق: (ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر إذ رجاؤه في عاقبه ما ينال به عون له على ما يطلب وزايد في الغرض الذي إياه يقصد ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم إذ ليس مؤاخذا بذلك فهو غير مؤثر في ما يطلب ورأيته إن قصد بالأذى سر وإن نكبته نكبة سر وإن تعب فيما سلك فيه سر فهو في سرور متصل أبدا) (¬5)..
¬_________.
(¬1) ((أدب الطلب ومنتهى الأدب)) للشوكاني (ص: 128)..
(¬2) رواه البخاري (3461).
(¬3) رواه مسلم (1889)..
(¬4) ((علو الهمة)) لمحمد إسماعيل المقدم (ص: 209)..
(¬5) ((الأخلاق والسير)) لابن حزم (ص: 15).
موانع اكتساب علو الهمة.
1 - (الذنوب والمعاصي:.
قال ابن القيم – رحمه الله -: (فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب، والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي ستسيره، فإذا زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعاً يبعد تداركه، فالله المستعان)
..
2 - الخوف والهم والحزن:.
آفات قلبية وعوائق نفسية توهن الهمة وتضعف الإرادة، وتقود إلى الخور والفتور؛ ولهذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستعاذة منها فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال)) (¬1)..
3 - فتنة الفقر أو الغنى:.
كلاهما قد يشغل القلب عن غايته والوصول إلى هدفه، وربما يشتت همته، ويفرق جمعيته، ولهذا فقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من شر الفتنة بهما فقال: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر وعذاب القبر، ومن شر فتنة الغنى، ومن شر فتة الفقر)) (¬2)..
قال الإمام النووي: (وأما استعاذته صلى الله عليه وسلم من فتنة الغنى وفتنة الفقر فلأنهما حالتان تخشى الفتنة فيهما بالتسخط وقلة الصبر، والوقوع في حرام أو شبهة للحاجة، ويخاف في الغنى من الأشر والبطر والبخل بحقوق المال، أو إنفاقه في إسراف أو في باطل أو في مفاخر) (¬3)..
4 - اليأس والتشاؤم:.
عندما يرى فريق من الدعاة تفوق الأعداء، وتفرق الأصدقاء، والتضييق على الدعاة، وتشريدهم، والزج بهم في السجون، ونحوها من الابتلاءات، ييأسوا ويتشاءموا ويدب الوهن إلى قلوبهم؛ فتضعف هممهم، ويقعدوا عن العمل، ويفقدوا الأمل .. على الرغم من انتصارات الدعوة والبشائر التي تبدو في الأفق؛ ولكن يأبى بعضهم إلا النظرة المتشائمة..
5 - مجالسة القاعدين:.
مجالس البطالين والقاعدين توهن العزائم وتضعف الهمم بما يعلق في القلب من أقوالهم من الشبه، وما يحصل بمجالستهم من ضياع للوقت، وإشغال بتوافه الأمور .. وكلما أردت العمل ثبطك وقال: (أمامك ليل طويل فارقد)..
6 - الإكثار من الطعام والنوم والكلام:.
لأن الشبع من أسباب موت القلب وصدئه، كما قال أبو سليمان الداراني – رحمه الله -: لكل شيء صدأ، وصدأ القلب شبع البطن..
7 - الانشغال الكثير بالدنيا:.
لابد للمرء من اشتغال بشيء من الدنيا ليكف به نفسه عن سؤال الناس، وقد كان أنبياء الله – صلوات الله وسلامه عليهم – يعملون بأيديهم ويتكسبون؛ ولكن الشين هو الانشغال بها والركض وراءها واللهث الدائم عليها ابتغاء المزيد من متاعها (¬4)..
¬_________.
(¬1) رواه البخاري (2893)..
(¬2) رواه البخاري (6377)..
(¬3) ((شرح مسلم)) للنووي (17/ 28)..
(¬4) ((الرائد .. دروس في التربية والدعوة)) لمازن الفريح (4/ 271).
أسباب علو الهمة.
(إن الارتقاء بالهمة والعلو بها عن السفاسف يحتاج إلى جهد ومجاهدة وصبر ومصابرة، وهناك بعض الأسباب التي لها أثر كبير في كبر الهمة وارتفاعها:.
1 - العلم:.
العلم يعلي الهمة، ويرفع طالبه به، قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11]، فهو يرشد طالبه إلى العمل ويحث عليه، كما يعرفه بمخاطر الطريق وعوائق السبيل، ويحذره من آفات القعود وأمراض الجمود..
فكلما ازداد العلم وخلصت النية علت الهمة وازداد العمل؛ ولهذا كانت همم العلماء الصادقين أكبر من غيرهم عملا ودعوة وجهاداً..
2 - الذكر:.
من أفضل أسباب قوة القلب، وعلو همته ذكر الله ودوام الصلة به بأنواع العبادات، قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – وهو يعدد فوائد الذكر:.
(السادسة عشرة: أنه يورث حياة القلب..
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله تعالى روحه – يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك؛ فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟!.
السابعة عشرة: أنه قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته)
..
3 - الدعاء:.
وهو من خير الأسلحة التي يقاوم بها فتور الهمة وضعف العزيمة..
ولذلك كان يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل ... )) (¬1)..
4 - تذكر اليوم الآخر:.
تذكر الموت وسكراته، والقبر وضمته، والحشر وكربته والصراط وزلته. هذه المواقف تبعث في القلب الهمة .. توقظه عن غفلته، وتبعثه من رقدته وسكرته؛ ولذا كان من أسلوب القرآن للحث على العمل وبعث الهمم التذكير باليوم الآخر وبالجنة والنار. تدبر قوله – عز وجل - وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133]، وكان صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه بالجنة والنار كما روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه عن طلحة الأسدي) (¬2)..
5 - طبيعة الإنسان:.
(فهناك من الناس من جبل على علو الهمة، فلا يرضى بالدون، ولا يقنع بالقليل، ولا يلتفت إلى الصغائر، ولا تغدو بلبه الدنايا ومحقرات الأمور..
ولهذا قيل: ذو الهمة إن حط فنفسه تأبى إلا علواً، كالشعلة في النار يصوبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً (¬3)
..
قال عمر بن عبد العزيز: إن لي نفساً تواقة؛ لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة! (¬4).
6 - أثر الوالدين، ودورهما في التربية الصحيحة:.
فأثر الوالدين في التربية عظيم، ودورهما في إعلاء همم الأولاد خطير وجسيم؛ فإذا كان الوالدان قدوة في الخير، وحرصا على تربية الأولاد، واجتهدا في تنشئتهم على كريم الخلال وحميد الخصال، مع تجنيبهم ما ينافي ذلك من مساوئ الأخلاق ومرذول الأعمال – فإن لذلك أثراً عظيماً في نفوس الأولاد؛ لأن الأولاد سيشبون – بإذن الله – متعشقين للبطولة، محبين لمعالي الأمور، متصفين بمكارم الأخلاق، مبغضين لسفساف الأمور، نافرين عن مساوئ الأخلاق..
7 - النشأة في مجتمع مليء بالقمم:.
فمن بواعث الهمة، ومهيئات النبوع – أن يشب الناشئ الذكي في مجتمع مليء بالقمم الحقيقية من الأبطال المجاهدين، والعلماء العاملين؛ فهذا مما يحرك همته، ويبعث عزمته؛ كي يحذو حذوهم، ويسير على نولهم..
8 - تقديم النوابغ، ورعاية المواهب:.
¬_________.
(¬1) رواه البخاري (6369)..
(¬2) من 1 - 4 من كتاب ((الرائد .. دروس في التربية والدعوة)) (4/ 265) باختصار..
(¬3) ((عيون الأخبار)) (1/ 233)..
(¬4) ((عيون الأخبار)) (1/ 231).
نماذج من علو همة النبي صلى الله عليه وسلم:.
(الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة، والقدوة الرائعة، في علو الهمة والشجاعة والإقدام، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حمي الوطيس في الحرب كان أكثر الناس شجاعة، وأعظمهم إقداماً، وأعلاهم همة، وقد قاد صلوات الله عليه بنفسه خلال عشر سنين سبعاً وعشرين غزاة، وكان يتمنى أن يقوم بنفسه كل البعوث التي بعثها والسرايا التي سيرها، ولكن أقعده عن ذلك أنه كان لا يجد ما يزود به جميع أصحابه للخروج معه في كل بعث، وكان أكثرهم لا تطيب نفسه أن يقعد ورسول الله قد خرج إلى الجهاد..
- روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المسلمين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيى، ثم أقتل ثم أحيى، ثم أقتل ثم أحيى، ثم أقتل)
) (¬1). فأية همة علية أعلى من هذه الهمة النبوية) (¬2)..
- وكان صلى الله عليه وسلم القدوة في الهمة العالية في العبادة فعن عائشة رضي الله عنها قالت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يارسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (¬3)..
- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فأطال القيام، حتى هممت بأمر سوء، قيل وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه (¬4)..
فعلو همته صلى الله عليه وسلم لا تنحصر بالأمثلة فحياته كانت مليئة بالهمم العالية..
¬_________.
(¬1) رواه البخاري (2797)..
(¬2) ((الأخلاق الإسلامية)) لعبد الرحمن الميداني (2/ 480)..
(¬3) رواه البخاري (4837) ومسلم (2819) واللفظ للبخاري..
(¬4) رواه مسلم (773).
علو الهمة في واحة الشعر ...
قال علي رضي الله عنه:.
إذا أظمأتك أكف الرجال ... كفتك القناعة شبعاً وريا.
فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا.
وقال:.
ما اعتاضَ باذلُ وجهٍ بسؤالهِ ... عِوَضاً ولو نالَ المنى بسؤالِ.
وإِذا السؤالُ معَ النوالِ وزنتَه ... وجَحَ السؤالُ وخفَّ كُلُّ نوالِ.
وإِذا ابتُليْتَ ببذلِ وجهِكَ سائلاً ... فابذلْهِ للمتكرمِ المفضالِ.
وقال:.
ومحترسٍ من نفسِه خوفَ ذلةٍ ... تكونُ عليه حجةً هي ماهي.
فقَلِّصَ بُرْدَيهِ وأفضى بقلبهِ ... إِلى البِرِّ والتقوى فنالَ الأمانيا.
وجانب أسبابَ السفاهةِ والخَنا ... عفافاً وتنزيهاً فأصبحَ عاليِا.
وصانَ عن الفحشاءِ نفساً كريمةً ... أبتْ همةً إلا العلى والمعاليا.
تراهُ إِذا ما طاشَ ذو الجهلِ والصَّبا ... حليماً وقوراً ضائنَ النفسِ هاديا.
له حِلْمُ كهلٍ في صرامةِ حازمٍ ... وفي العينِ إِن أبصرتَ أبصرتَ ساهياً.
يروقُ صفاءُ الماءِ منه بوجهِه ... فأصبحَ منه الماءُ في الوجهِ صافياً.
ومن فضلِه يرعى ذِماماً لجارهِ ... ويحفظُ منه العهد إِذا ظلَّ راعيا.
صَبوراً على صَرْفِ اليالي ودرئِها ... كَتوماً لأسرارِ الضميرِ مُداريا.
له هِمَّةُ تعلو على كُلِّ همةٍ ... كما قد علا البَدرُ النجومَ الداريا (¬1).
وقال المتنبي:.
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال.
وله أيضا:.
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام (¬2).
وقال أيضاً:.
ولم أر في عيوب الناس عَيْبًا ... كنقص القادرين على التَّمامِ.
وقال ابن هانئ الأندلسي:.
ولم أجِد الإِنسانَ إِلا ابن سعيِه ... فمن كان أسعى كان بالمجدِ أجدرا.
وبالهمةِ العلياءِ يرقى إِلى العلا ... فمن كان أرقى هِمَّةٍ كان أظهرا.
ولم يتأخرْ من يريد تقدماً ... ولم يتقدمْ من يريدُ تأخراً (¬3) ....
¬_________.
(¬1) ((مجمع الحكم والأمثال)) لأحمد قبش (165)..
(¬2) ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص: 318)..
(¬3) ((مجمع الحكم والأمثال)) لأحمد قبش (217).
العلو أنواع:
فصل:
أول الأنواع وهو أجلها: العلو المطلق ، أو الكلي ، وهو القرب في حديث من الأحاديث من رسول الله ﷺ ، من حيث عدد الرواة.
والمعتبر من هذا العلو والمرغوب فيه منه هو ما كان بإسناد صحيح أو نظيف ، بخلاف ما إذا كان مع ضعف فإنه لا التفات إليه عند علماء السلف ومن جرى على طريقتهم من علماء الحديث وأهله، وإن التفت إليه المتأخرون واعتبروه ؛ فإن اشتد ضعف الحديث العالي بحيث صار متروكاً فنفور الأئمة منه أشدُّ وأبْيَن.
النوع الثاني:
العلو النسبي أي الجزئي ، وهو العلو المقيد براو من مشاهير الحفاظ أو ائمة العلماء ، كالأعمش وهشيم وابن جريج والأوزاعي ومالك وشعبة وابن المبارك وسعيد بن منصور وأبي نعيم الفضل بن دكين ، وغيرهم.
فالقرب من إمام من هؤلاء مع الصحة يعد علوّاً أيضاً ، وإن كثر بعدَه عدد الرواة إلى رسول الله ﷺ.
ويُعرف هذا النوع من العلو - كما تقدمت تسميتُه - بالعلو النسبي ، أو هو أحد أقسام العلو النسبي وأهمها، ولذلك تنصرف إليه العبارة عند الإطلاق ، وفيما يلي بقية أقسامه، أعني أقسام العلو النسبي.
النوع الثالث:
هو القسم الثاني من أقسام العلو النسبي ، أو هو فرعٌ من فروعه ، وهو العلو إلى شيخ أحد الأئمة مصنفي دواوين السنة ، في حديث رواه عنه ذلك المصنف(1).
وصاحب هذا العلو إنما حصل له العلو في هذه الطريق قياساً بالطريق الأخرى ، أعني التي يروي فيها الحديث بإسناده إلى المصنّف المذكور ، عن ذلك الشيخ به.
وهذا النوع من العلو يسمى الموافقةَ.
فالموافقةُ: أن يروي المحدثُ بسنده حديثاً رواه مسلم مثلاً ، لا يرويه من جهة مسلم ، وإنما من جهة من تابع مسلماً متابعة تامة(2) ، ويكون سندُ ذلك المحدثِ في ذلك الحديثِ أقلَّ عدداً منه إذا رواه من طريق مسلم نفسه.
والأصل اللغوي لهذا المصطلح هو موافقةُ صاحب الأصل - كالإمام مسلم - فيما رواه عن شيخه ، ومتابعتُه عليه.
النوع الرابع:
العلو إلى شيخ أحد شيوخ المصنفين المذكورين ، بمثل الطريقة السابقة ، وهذا أيضاً فرع من فروع العلو النسبي كالذي قبله واللذين بعده من الأنواع.
وهذا النوع من العلو يسمونه البدل ؛ وقد يسمى موافقة بالنسبة إلى شيخ شيخ مسلم ؛ فهو موافقة مقيدة.
فالبدلُ: أن يقعَ علوٌّ مثل العلوِّ الموصوف في الموافقة ، ولكن عن شيخِ شيخِ مسلمٍ ، مثلاً ، بدلاً من شيخ مسلم.
ثم إن جمهور المخرّجين لا يطلقون اسم الموافقة أو البدل إلا مع العلو ، وحيث فُقد فلا يلتفتون لذلك ؛ قال ابن الصلاح(3): (هو أيضاً موافقة وبدل ، لكن لا يطلق عليه اسم الموافقة والبدل ، لعدم الالتفات إليه).
ولكن قد أطلقه فيهما مع التساوي في الطريقين بعضُ المتأخرين.
بل وقع من بعضهم أكثر من ذلك ، وهو إطلاقهما مع النزول أيضاً ؛ وقع ذلك في كلام الذهبي وغيره من المتأخرين أيضاً.
ثم إن طريقة هؤلاء الذين يطلقون اسم الموافقة والبدل مع النزول والتساوي: أن يصفوا مثل هذه الأسانيد إذا علت ، عقب إخراجها أو قُبيله بأنها موافقة عالية ، أو بدل عالٍ ؛ فيشيرون إلى العلو الحاصل من هذا النوع بالوصف ، لأن الإطلاق له عندهم - كما تقدم - معنى آخر ، أو هو - في الأقل - لا يدل على العلو ، ولا ينصرف إليه.
وهذا بخلاف الجمهور فإن مجرد اسم الموافقة أو البدل يدل عندهم بذاته على العلو.
هذا ومما ينبغي التنبيه عليه هو أن مقياس الأنواع المتقدمة من العلو والنزول وميزانهما في كل عصر هو الجادة عند محدثي ذلك العصر من أسانيد جمهور أقران صاحب العلو أو النزول ، أعني الأغلب من صحيح الأسانيد المتداولة في ذلك العصر ، لذلك الحديث ، أو إلى ذلك الإمام ، أو إلى ذلك المصنِّفِ في مصنَّفِه.
وهذا بخلاف النوعين التاليين من العلوِّ ، فإنَّ ميزانَهما ومقياسهما هو بعض ما نزل فيه أحد الحفاظ المصنفين.
النوع الخامس:
علو المحدث المتأخر في حديث ساوى فيه - من حيثُ عددُ رجالِه - حديثاً آخر مروي بإسنادٍ نازل في شيء من دواوين الإسلام الشهيرة.
وهذا العلو يعرف بالمساواة.
فالمساواة إذن: استواء عدد رجال الإسناد من المحدث إلى آخر الإسناد ، مع أي إسناد من أسانيد أحد الستة أو غيرهم من مصنفي الكتب المشهورة المهمة؛ ولا شك أن ذلك غير ممكن إلا فيما كان من أسانيد تلك الكتب الأمّات نازلاً جداً.
مثال ذلك أن الترمذي والنسائي رويا حديثاً يقع فيه بينهما وبين النبي ﷺ عشرة رجال ، وروى ابن حجر عشرة أحاديث عشارية أيضاً(4) ، فهو مساو لهما فيها وإن لم يَرْوِياها(5).
قال النسائي في (السنن الكبرى) (6/173) (6): ( أخبرنا محمد بن بشار ، قال: حدثنا عبد الرحمن ، قال: حدثنا زائدة ، عن منصور عن هلال عن ربيع بن خثيم عن عمرو بن ميمون عن ابن أبي ليلى عن امرأة ، عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: ? قل هو الله أحد ? ثلث القرآن ؛ لا أعرف في الحديث الصحيح إسنادا أطول من هذا ).
وهو في (السنن الصغرى) (2/171)(7) (8) ولكن وردت العبارة مختصرة ، بهذا الفظ: (قال أبو عبدالرحمن: ما أعرف إسناداً أطول من هذا) ، ولعل هذا الاختصار ممن اختصر السنن ، على قول من يقول إنه غير النسائي ، وهو أظهر القولين.
وقال الترمذي في (سننه) (5/166) (9): (حدثنا قتيبة ومحمد بن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ----) فذكره.
النوع السادس:
المصافحة ، وهي أن تقع مثل تلك المساواة لشيخ ابن حجر مثلاً ، فتكون لابن حجر مصافحة.
ويصح أن يقال في تعريف المصافحة: أن تقع مساواة ابن حجر مع تلميذ ذلك المصنف.
ومثال هذا النوع من العلو الأحاديث التي رواها ابن حجر وبينه وبين النبي ﷺ فيها أحد عشر رجلاً ، فشيخه فيها مساوٍ للنَّسائي ، أي في بعض أسانيده ، وهو إسناده العشاري المتقدم مثاله.
وأما أصل تسمية المصافحة بهذا الاسمِ ، فقد بينه العلماء ، قال السخاوي في (فتح المغيث) (3/350): (وسميت [يعني المصافحة] بذلك ، لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين المتلاقيَين ، والمخرِّج في هذه الصورة كأنه لاقى أحد أصحاب الستة فكأنه صافحه) اهـ ؛ فابن حجر - مثلاً - لما ساوى تلميذَ النَّسائيِّ في عددِ الرجالِ بينَه وبينَ النبيِّ ﷺ في بعضِ ما يرويهِ مِن المتونِ يكونُ كأنَّهُ تلميذٌ للنسائي ، أي كأنه لقيه فصافحه وسمع منه تلك الأحاديثَ ، أي بمثل ذلك الإسناد الذي نزل فيه النسائي كثيراً.
تنبيه: هذه الأنواع الأربعة الأخيرة (الموافقة والبدل والمساواة والمصافحة) سماها ابن دقيق العيد في (الاقتراح) (ص306) (علوَّ التنزيل) ، ويأتي كلامه في ذلك ، انظر (علو التنزيل).
وقال أبو عمرو في (المقدمة) (ص235) في ختام بيانه لأقسام العلو النسبي: (ثم اعلم أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول ، إذ لولا نزول ذلك الإمام في إسناده لم تعلُ أنت في إسنادك ؛ وكنتُ قد قرأت بمرو على شيخنا المكثر أبي المظفر عبد الرحيم بن الحافظ المصنف أبي سعد السمعاني رحمهما الله، في أربعي أبي البركات الفراوي حديثاً ادعى فيه أنه كأنه سمعه هو أو شيخة من البخاري ، فقال الشيخ أبو المظفر: "ليس لك بعالٍ ، ولكنه للبخاري نازل" ؛ وهذا حسن لطيف يخدش وجه هذا النوع من العلو ، والله أعلم ) ؛ انتهى.
وكل ما تقدم من أنواع العلو الستة فإنه علو قربٍ ناشئ عن قلة الوسائط ، سواء كان علواً كلياً ، أعني يعم السند كله ، أو جزئياً ، أي في جزء من السند ، وسواء كان مقياسُه هو المعروفَ المتداولَ من أسانيد ذلك العصر ، أو كان مقياسُه بعضَ ما نزل من أسانيد بعض كتب الرواية المعتمدة أو الشهيرة.
وبقي صنفٌ آخر من العلو لا شأن له بالقرب وقلة الوسائط ، وإنما أساسه قِدم التحمل عن راوٍ ، أو قدم وفاتِه ؛ وهذا الصنف ثلاثة أنواع ، أذكرها باسم النوع السابع والثامن والتاسع ، لتنتظم مع ما تقدم من الأنواع ، وهي ما يأتي:
النوع السابع:
العلو إلى أحد الحفاظ أو الأئمة ، بتقدم وفاة تلميذه الراوي عنه ، وإن تساوى الإسنادان إلى ذلك الحافظِ في عدد رواتهما.
قال ابن الصلاح في (المقدمة) (ص235-236):
(الرابع من أنواع العلو: العلو المستفاد من تقدم وفاة الراوي.
مثاله ما أرويه عن شيخ أخبرني به عن واحد عن البيهقي الحافظ عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ: أعلى من روايتي لذلك عن شيخ أخبرني به عن واحد عن أبي بكر عبد الله بن خلف عن الحاكم ، وإن تساوى الإسنادان في العدد ، لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن خلف، لأن البيهقي مات سنة ثمان وخمسين وأربعمئة، ومات ابن خلف سنة سبع وثمانين وأربعمئة.
وروينا عن أبي يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي الحافظ رحمه الله قال: قد يكون الإسناد يعلو على غيره بتقدم موت راويه، وإن كانا متساويين في العدد ، ومثَّل ذلك من حديث نفسه بمثل ما ذكرناه.
ثم إن هذا كلام في العلو المبني على تقدم الوفاة المستفاد من نسبة شيخ إلى شيخ وقياس راو براو ؛ وأما العلو المستفاد من مجرد تقدم وفاة شيخك ----)
إلى آخر كلامه الآتي بعد قليل من الكلام.
ولعل سبب تسمية هذا النوع من التحمل علواً وسبب رغبتهم فيه: هو أن قدماء أصحاب الشيخ يكونون في الغالب أتقن من غيرهم ، وكذلك قد يكون الغالب من مرويات هؤلاء الذين تتقدم وفياتهم العزةُ والغرابةُ ، إذ يقل الرواة عنهم ، بل قد يتفرد عنهم راو واحد ، فيغرب بتلك الطرق على أقرانه ومعاصريه ، وهذا النوع من الطرق مرغوب فيه عند المتأخرين.
النوع الثامن:
العلو بقِدم وفاة شيخ المحدث الذي عنه يروي ، أي العلو بمرور زمن طويل على وفاة الشيخ وتلميذُه حي يروي عنه(10).
هذا النوع من العلو ذكره بعض المحدثين ، فأطلقه ولم يشترط فيه أي شرط آخر ، ولم يبين مقدار قِدم الوفاة ، ومنهم من حَّده بمضي خمسين سنة من تأريخ وفاة الشيخ ، ومنهم من حدّه بثلاثين تمضي ؛ قال ابن الصلاح في (المقدمة) (ص236) في تمام كلامه السابق:
(وأما العلو المستفاد من مجرد تقدم وفاة شيخك من غير نظر إلى قياسه براو أخر، فقد حده بعض أهل هذا الشأن بخمسين سنة ؛ وذلك ما رويناه عن أبي علي الحافظ النيسابوري قال: سمعت أحمد بن عمير الدمشقي(11) - وكان من أركان الحديث - يقول: "إسناد خمسين سنة من موت الشيخ إسناد علو" ؛ وفيما نروي عن أبي عبد الله بن منده الحافظ قال: "إذا مر على إسنادٍ ثلاثون سنة فهو عال" ؛ وهذا أوسع من الأول ، والله أعلم ).
النوع التاسع:
العلو بقدم السماع من الشيخ ، فمن سمع منه متقدماً كان أعلى ممن سمع منه بعده.
قال ابن الصلاح (ص236) في تضاعيف ذكرِه أنواع العلو:
(الخامس: العلو المستفاد من تقدم السماع ؛ أنبؤنا(12) عن محمد بن ناصر الحافظ عن محمد بن طاهر الحافظ قال: "من العلو تقدمُ السماع".
قلت: وكثير من هذا يدخل في النوع المذكور قبله ، وفيه ما لا يدخل في ذلك ، بل يمتاز عنه ، مثل أن يسمع شخصان من شيخ واحد ، وسماع أحدهما من ستين سنة مثلاً ، وسماع الآخر من أربعين سنة. فإذا تساوى السند إليهما في العدد: فالإسناد إلى الأول الذي تقدم سماعه أعلى ) ؛ انتهى.
ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه أو خرف ؛ ولكن ربما كان المتأخر أرجح بأن يكون تحديثُهُ الأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط ثم حصل له ذلك بعد.
هذا ما يتعلق بالعلو ، وأما النزول فضد العلو وتعرف أقسامه بمعرفة أضدادها المتقدم ذكرها ؛ ولكن لم يشتهر من أنواعه إلا النزول المطلق.
هذا وليُعلم أن الأئمة كانوا يحرصون على علو الصفة أكثر من حرصهم على علو القرب ، فكانوا يحرصون على سماع الرواية التي هي أعلى في صحتها وفي نظافة إسنادها ، أكثر من حرص المتأخرين على سماع الرواية التي هي أعلى بأقلية عدد رواتها ؛ روى أبو نعيم في (ذكر أخبار أصبهان) (2/220) عن إسحاق بن بشير الرازي قال: قال ابن المبارك: (ليس جودة الحديث في قرب الإسناد ، ولكن جودة الحديث صحة الرجال).
وما أحسن ما قال العلامة المحقق الإمام ابن دقيق العيد في (الاقتراح) (ص301-303) في باب معرفة العالي والنازل ، إذ قال: (وقد عظُمت رغبةُ المتأخرين في طلب العلوِّ ، حتى كان ذلك سبباً لخلل كثير في الصنعة ، وقالوا: العلوُّ قرب من الله تعالى ، وهذا كلام يحتاج إلى تحقيق وبحث.
وقال بعض الزُّهاد: طلب العلوِّ من زينة الدنيا ، وهذا كلام واقع ، وهو الغالب على الطَّالبين لذلك.
ولا أعلم وجهاً جيِّداً لترجيح العلوّ ، إلا أنه أقرب إلى الصحة ، وقلة الخطأ ، فإن الطالبين يتفاوتون في الإتقان. والغالب عدم الإتقان في أبناء الزمان ، فإذا كثُرت الوسائط وقع من كل واسطة تساهلٌ ما كثرَ الخطأ والزَّلل ، وإذا قلت الوسائط قَلَّ.
فإن كان النزول فيه إتقان والعلو بضدِّه ، فلا تردُّدَ في أن النزول أولى.
ومن الناس من رجَّح النزول مطلقاً ، لأنه إذا كثرت الوسائط وجب كثرة البحث عن كل واسطة منها ، وإذا كثر البحث كثرت المشقة فعظُم الأجر ، وهذا ضعيف ، لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها ، ومراعاة المعنى المقصودِ من الرواية - وهو الصحة - أولى.
فقد ظهر أن قلة الوسائط أقربُ إلى الصحة )
.
وقال (ص308): (ومن الناس من يعدُّ العلوَّ ، الإتقانَ والضبطَ ، وإن كان نازلاً في العدد ، وهذا علوٌّ معنويٌّ ، والأول صُوريٌّ ، ورعايةُ الثاني إذا تعارضا أولى ).
وقال ابن الصلاح في (المقدمة) (ص237): (وأما ما رويناه عن الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله من قوله في أبيات له:
بل علو الحديث بيْنَ أُولي الحفـ ــ ـظ والاتقان صحة الاسناد
وما رويناه عن الوزير نظام الملك من قوله: "عندي أن الحديث العالي ما صح عن رسول الله ﷺ ، وإن بلغت رواته مئة" ؛ فهذا ونحوه ليس من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث ، وإنما هو علو من حيث المعنى فحسب ، والله أعلم".
__________
(1)
وليس المراد بدواوين السنة الكتب الستة وحدها ، بل هي والموطأ والمسند وسنن سعيد ين منصور ومصنفا عبدالرزاق وابن أبي شيبة وغير ذلك من أمات كتب الرواية ؛ وانظر (دواوين السنة).
(2) أي أن سند مسلم وسند صاحب الموافقة يلتقيان في شيخ مسلم، فيشتركان فيه وفي سائر من فوقه.
(3) في (المقدمة) (ص233).
(4) كما ذكره هو في (الإصابة) (2/573) في ترجمة (زهير بن صرد) والسخاوي في مواضع من (الجواهر والدرر).
(5) ولكن أكثر هذه الأنواع من العلو التي يحرص عليها المتأخرون ويفرحون بها فيها تظر ؛ ومن العجيب مثلاً قول السيوطي (المتوفى في سنة 911هـ) في (تدريب الراوي) (2/166): (فإنه تقدم أن بيني وبين النبي ﷺ عشرة أنفس في ثلاثة أحاديث ، وقد وقع للنسائي [المتوفى في سنة 303هـ] حديث بينه وبين النبي ﷺ فيه عشرة أنفس ، وذلك مساواة لنا ) ، كيف أطلقَ هذا الوصفَ ، وكيف اعتدَّ بهذا الإسناد الذي هو قطعاً إسناد مهلهل مزلزل أجوف ، وعلو صوري غير حقيقي ، وهل يُفرح بما لا حقيقة له ؟! ولكنْ للمتأخرين شأن غير شأن المتقدمين.
(6) طبعة عبد الفتاح أبو غدة.
(7) هذا النوع علو بقِدم وفاة شيخ المحدث ، والنوع الثامن علو بقدم وفاة بعض من فوق شيخ المحدث ، ويكون في الغالب راوياً عن أحد الحفاظ الأئمة.
(8) هو ابن جوصا.
(9) وفي نسخة خطية (أُنبئنا).
قال ابن دقيق العيد في (الاقتراح) (ص303-308):
(والعلوُّ أنواع:
فصل:
أحدها: العلوُّ بالنسبة إلى قلة الوسائط بيننا وبين الرسول ﷺ----.
وثانيها: العلوُّ إلى إمام من أئمة الحديث ، كمالك ، وسفيان ، واللَّيث ، والأعمش ، وغيرهم.
وأعلى ما وقع لنا إلى مالك ( رحمه الله )
ستة رجال ، وأكثر منه سبعة.
ووقع لنا إلى سفيان ستة في أحاديث كثيرة ، بسبب طول عُمره وتأخرِه بعد مالك رحمهما الله تعالى.
وثالثها: العلوُّ إلى صاحبي الصحيحين ، ومصنفي الكتب المشهورة----.
ورابعها: علوُّ التنزيل ، وهو الذي يُولعون به ، وذلك أن يُنظر إلى عدد الرجال بالنسبة إلى غاية: إما إلى النبي ﷺ ، أو إلى بعض رواة الحديث ، ويُنظر العدد بالنسبة إلى هؤلاءِ الأئمة وتلك الغاية فيتنزَّل بعض الرواة من الطريق التي توصلنا إلى المصنَّفين منزِلة بعض الرواة من الطريق التي ليست من جهتهم ، لو أردنا تخريج الحديث من جهتهم فيحصل بذلك علوّ.
مثاله: أن يكون بيننا وبين النبي ﷺ تسعة أنفس ، ويكون أحد هؤلاء المُصَنِّفين بينه وبين النبي ﷺ سبعة مثلاً ، فيتنزَّل هذا المصنِّف بمنزلة شيخ شيخنا ؛ فإن اتفق أن يتنزَّل منزلة شيخنا - وكأنا سمعنا ذلك الحديث من ذلك المصنف - سمَّوه مُصَافحةً.
وخامسها: العلوّ بقدَم السماع وإن استوى العدد.
كما إذا روى شيخ من شيوخنا حديثاً عن شيخ قديم الوفاة ، كالحافظ أبي الحسن المَقْدِسي ، عن السِّلَفي ، وروينا نحن ذلك الحديث عن من تأخرت وفاته كابن بنت السِّلَفي ، فإنَّ المقدسي توفي سنة إحدى عسرة وستمئة ، وتوفي السِّبط سنة إحدى وخمسين ، فالعدد بالنسبة إلى السِّلَفي واحد ، إلاَّ أن الأول أقدم ؛ فهذا يُعدُّونه علوَّاً ، ويُثبتون له مَزِيَّةً في الرواية ).

ذكر علو همة السلطان سنجر وكرمه

تاريخ دولة آل سلجوق

قال: وكان عاقلا متأتيا، أريبا متهديا. ومن نكته المستحسنة: أن السلطان كان أمره ببناء قبة عالية في مرو يكون فيها ضريحه، وينضد عليه بها صفيحه. فوصل إلى مرو ورآها غير مفروغ منها. فقال: "يا جوهر، متى تتم هذه القبة"؟ فقال: "لا أتمها الله". فأبكى الجماعة بما ذكره. ولطف موقع قوله عند السلطان وعذره.
ذكر علو همة السلطان سنجر وكرمه وإسهام أصحابه وأمرائه من نعمه
قال: كان حليما حييا مليا، بالعرف وفيا، كبير النفس أريحيا. معديا للملهوف، مسديا للمعروف، مفرقا بالأقلام ما جمعه بالسيوف. ذكر عنه أنه اصطبح خمسة أيام متواليات، ذهب بها في الجود كل مذهب، وأتى على معظم ما في الخزائن من عرض وذهب. فبلغ ما أعطاه من العين سبعمائة ألف دينار أحمر، وجاء ما وهبه من الخيل والخلع أكثر. وعوتب على إسرافه فقال: "أما رأيتموني أفتح إقليما يشتمل على أضعاف ما وهبته من المال، وأهبه بكلمة واحدة لمن أراه قبل السؤال. فهذا بالإضافة إلى ذلك الكثير قليل. وما للملام إلى في نهج هذه السبيل سبيل".
ذكر عن ظهير الدين عبد العزيز، صاحب خزانته، أنه قال: أحببت أن يشاهد

أنوار علو الأجرام في الكشف عن أسرار الأهرام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

أنوار علو الأجرام، في الكشف عن أسرار الأهرام
للشريف، جمال الدين، أبي جعفر: محمد بن عبد العزيز الإدريسي.
مختصر.
أوله: (الحمد لله الذي يعمل ما أبقاه ... الخ) .
ذكر أنه ألفه: للملك، الكامل: محمد بن خليل، سنة ثلاث وعشرين وستمائة.

تحقيق الرجا لعلو المقر المحبي ابن أجا

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

تحقيق الرجا، لعلو المقر المحبي ابن أجا
لجار الله: محمد بن عبد العزيز بن فهد المكي.
المتوفى: سنة 954، أربع وخمسين وتسعمائة
ألفه: لمحب الدين: محمود بن محمد بن أجا التدمري، الحلبي، الحنفي.
المتوفى: سنة 925، خمس وعشرين وتسعمائة.

تنبيه الأنام في بيان علو مقام نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

تنبيه الأنام، في بيان علو مقام نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام -
لعبد الجليل بن محمد بن أحمد بن حطوم المرادي، القيرواني.
مجلد.
أوله: (الحمد لله الذي زين سماء الأذكار ... الخ) .
جمع فيه: الصلاة على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - المروية، أو المأثورة.
واستوعب وذكر: فضائل الصلوات، ومحبته - صلى الله تعالى عليه وسلم -، وحرمته.
ثم: لخصه.
وسماه: (تذكرة أهل الإسلام، في الصلاة على خير الأنام) .
ذكر: أنه استخرج ما فيه من الأحاديث، من زهاء: مائة ألف حديث، محذوفة الأسانيد.
قال: ربما سميتها: (شفاء الأسقام، ومحو الآثام، في الصلاة على خير الأنام) .
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت