نتائج البحث عن (قُسَامَة) 28 نتيجة

(الْقسَامَة) الْحسن وَالْجمال والهدنة وَالْجَمَاعَة يقسمون على حَقهم ويأخذونه وَالْيَمِين وَهِي أَن يقسم خَمْسُونَ من أَوْلِيَاء الدَّم على استحقاقهم دم صَاحبهمْ إِذا وجدوه قَتِيلا بَين قوم وَلم يعرف قَاتله فَإِن لم يَكُونُوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يَمِينا وَلَا يكون فيهم صبي وَلَا امْرَأَة وَلَا مَجْنُون وَلَا عبد أَو يقسم بهَا المتهمون على نفي الْقَتْل عَنْهُم فَإِن حلف المدعون استحقوا الدِّيَة وَإِن حلف المتهمون لم تلزمهم الدِّيَة وَيُقَال حكم القَاضِي بالقسامة بِالْيَمِينِ

(الْقسَامَة) مَا يعزله الْقَاسِم لنَفسِهِ من رَأس المَال ليَكُون أجرا لَهُ

(الْقسَامَة) صَنْعَة القسام
القسامة: هي أيمان تقسم على المتهمين في الدم.
القسامة:[في الانكليزية] Oath [ في الفرنسية] Serment بالفتح اسم من الأقسام بكسرة الهمزة بمعنى الحلف ثم قيل لإيمان يقسم على أهل المحلة كما في الكفاية وغيره. وقيل للذين يقسمون كما في الكرماني وغيره. وقال إنّها في الأصل اسم أيمان يقسم على أولياء المقتول ثم يقال ذلك لكلّ يمين كذا في جامع الرموز.
قَسَّامَة
من (ق س م) التي تقسم الأشياء بين الناس، ومفصلة الثوب تفصيلا يبرز مقاسم لابسه والتاء لتأكيد المبالغة.
قُسَامَة
من (ق س م) ما يعزله القاسم لنفسه من رأس المال ليكون أجرا له، والصدقة.
الْقسَامَة: بِالْفَتْح على وزن الغرابة اسْم بِمَعْنى الْأَقْسَام ثمَّ قيل لأيمان تقسم على أهل الْمحلة إِذا وجد قَتِيل فِيهَا. فِي كنز الدقائق قَتِيل وجد فِي محلّة لم يدر قَاتله حلف خَمْسُونَ رجلا مِنْهُم أَي من أهل تِلْكَ الْمحلة وَتلك الرِّجَال هم الَّذين يتخيرهم ولي الْمَقْتُول فَيقسم كل وَاحِد مِنْهُم بِأَن يَقُول مَا قتلته وَمَا علمت لَهُ قَاتلا فَإِن حلفوا فعلى أهل الْمحلة الدِّيَة وَلَا يحلف الْوَلِيّ وَحبس الآبي حَتَّى يحلف وَإِن لم يتم الْعدَد كرر الْحلف عَلَيْهِم ليتم خَمْسُونَ وَلَا قسَامَة على صبي وَمَجْنُون وَامْرَأَة وَعبد وَسَائِر الْأَحْكَام فِيهِ وَفِي سَائِر كتب الْفِقْه.
القسامة: أيمان يقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم.
القَسامة: بالفتح هي أيْمان تقسم على أهل المحلة الذين وُجد المقتول فيهم قال السيّد: "هي أيمان تُقسم على المتَّهمين في الدم. وبالضم مالُ الصدقة وما يُفرده القَسَّام لنفسه".
القَسَامَة: حلف من يسْتَحق دم الْمَقْتُول.البَغْيُ: مُخَالفَة فرقة ذِي شَوْكَة يُمكنهُم المقاومة بمطاع الإِمَام الْعَادِل بِتَأْوِيل بَاطِل ظنا.
1285- حنظلة بن قسامة
حنظلة بْن قسامة بْن قيس بْن عبيد بْن طريف الطائي قدم عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو وابنته زينب زوج أسامة بْن زيد ذكره أَبُو عمر في ترجمة ابنته زينب.
4300- قسامة بن حنظلة
د ع: قسامة بْن حنظلة الطائي قدم عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ذكر فِي حديث طلحة بْن عُبَيْد اللَّه.
أَخْرَجَهُ ابْن منده، وَأَبُو نعيم مختصرًا.
4301- قسامة بن زهير
س: قسامة بْن زُهَيْر أورده ابْن شاهين فِي الصحابة.
رَوَى يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَيَّارٍ، عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَبَى اللَّهُ عَلَيَّ قَاتِلَ الْمُؤْمِنِ ".
أَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى، وقَالَ: لعل هَذَا مرسل، لأن قسامة يروي عَنْ أَبِي مُوسَى، ونحوه.

6804- الجرباء بنت قسامة

أسد الغابة في معرفة الصحابة

6804- الجرباء بنت قسامة
الجرباء بنت قسامة بن قيس بن عبيد بن طريف بن مالك أخت حنظلة بن قسامة وعمة زينب بنت حنظلة.
ذكرها أبو عمر في زينب، ولم يذكرها ههنا، وذكرها الزبير بن أبي بكر، وقالت: قدمت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتزوجها طلحة بن عبد الله، فولدت له أم إسحاق بنت طلحة.
: بن قيس بن عبيد بن طريف الطائي. ذكره أبو عمر في ترجمة بنته زينب بنت حنظلة زوج أسامة بن زيد، وأنه وفد معها.
وسيأتي ذلك في ترجمة زينب من كتاب النسب للزّبير بن بكار مجوّدا إن شاء اللَّه تعالى.
: بن قيس بن عبيد بن طريف الطائي. ذكره أبو عمر في ترجمة بنته زينب بنت حنظلة زوج أسامة بن زيد، وأنه وفد معها.
وسيأتي ذلك في ترجمة زينب من كتاب النسب للزّبير بن بكار مجوّدا إن شاء اللَّه تعالى.
الطائي.
له وفادة، وقال ابن مندة: له ذكر في حديث طلحة.
قلت: وأظنه والد الجرباء «2» بنت قسامة التي تزوّجها طلحة بن عبيد اللَّه أحد العشرة، فولدت له إسحاق، وكانت في غاية الجمال، فكانت لا تقف معها امرأة إلا استقبحت، فكنّ يتجنبن الوقوف معها، فسمّيت الجرباء «3» لذلك، ويقال اسم أبيه رومان.
القاف بعدها الشين
بن أسامة الكناني.
له إدراك، ذكره ابن عساكر، عن أبي حذيفة إسحاق بن بشير- أنه ذكره في كتاب الفتوح فيمن شهد اليرموك.

قسامة بن زهير المازني

الإصابة في تمييز الصحابة

له إدراك، ذكر عمر بن شبّة في أخبار البصرة أنه كان ممن افتتح الأبلة مع عتبة بن غزوان، وكان رأسا في تلك الحروب، وله حديث مرسل ذكره ابن شاهين في الصحابة وهو
من طريق يزيد الرقاشيّ، عن موسى بن يسار، عن قسامة بن زهير، قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلم: «أبى اللَّه عليّ في قاتل المؤمن» .
وروايته عن أبي موسى الأشعري وأبي هريرة عند أبي داود والنسائي والترمذي. روى عنه قتادة وعمران بن حدير، وهشام بن حسان، وغيرهم. وذكره العجليّ وابن حبّان في ثقات التابعين.
وذكره الهيثم وخليفة في تابعي أهل البصرة، وقالا: مات بعد الثمانين.

ز قسامة بن زيد الليثي

الإصابة في تمييز الصحابة

تقدم ذكره في ترجمة أخيه فرات بن زيد، وأنّ عمر روى عنه شعرا قاله.
القاف بعدها الطاء

الجرباء بنت قسامة

الإصابة في تمييز الصحابة

بن قيس بن عبيد بن طريف بن مالك «1» ، أخت حنظلة.
قال الزّبير بن بكّار: قدمت على النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم، فتزوّجت طلحة بن عبيد اللَّه، فهي والدة أم إسحاق بنت طلحة، وسيأتي لها ذكر في ترجمة أختها زينب.

‏<br> جرباء بنت قسامة بْن قيس بْن عبيد بْن طريف بْن مالك.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


أخت حنظلة بْن قسامة، وعمة زينب بنت حنظلة. ذكرها أَبُو عمر مدرجًا ذكرها وذكر أخيها حنظلة فِي باب زينب بنت حنظلة فِي حرف الحاء من كتاب النساء من هَذَا الديوان، ولم يذكر الجرباء هذه فِي حرف الجيم وحنظلة فِي حرف الحاء، فاستدركنا الجرباء ها هنا واستدرك ابْن فتحون حنظلة في بابه.

في التهذيب: ويقال بالموحدة بدل الفاء.

جدامة- كثمامة (القاموس) . والتراجم،: ، ، ، ، ، ، ليست في كل النسخ. قال في هامش د: لم توجد هذه التراجم إلا في نسخة واحدة من الاستيعاب، والظاهر أنها من الملحقات على الاستيعاب.

د: جذامة: والمثبت في القاموس والإصابة والتهذيب.

أ: وهاجرت.

في أ، وأسد الغابة: الجرباء.

أ: مدرجا في ذكر أخيها حنظلة

من أ.



قَالَ أَبُو عُمَرَ: فِي باب زينب، وكانت زينب بنت حنظلة قدمت وأبوها وعمتها الجرباء بنت قسامة عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ.

‏<br> زينب بنت حنظلة بْن قسامة بْن قيس بْن عبيد بْن طريف بْن مالك بْن جدعان بْن ذهل بْن رومان

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


من طي، ولطريف بن مالك يقول امرؤ القيس :

لعمري لنعم المرء يعشو لضوئه ... طريف بْن مال ليلة الريح والخصر

كانت زينب بنت حنظلة تحت أسامة بْن زيد بْن حارثة، فطلقها، فلما حلت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: من يتزوج زينب بنت حنظلة وأنا أمهره ،

الديوان: .

ى: نعشو. وفي الديوان:

لنعم الغنى تعشو إلى ضوء ناره.

أ: صهره. فنزوجها.



فزوجها نعيم بْن عَبْد اللَّهِ النحام. وكانت زينب بنت حنظلة قدمت هي وأبوها وعمتها الجرباء بنت قسامة عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم.
التَّعْرِيفُ:
1 - مِنْ مَعَانِي الْقَسَامَةِ فِي اللُّغَةِ: الأَْيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيل إِذَا ادَّعَوُا الدَّمَ.
وَمِنْ مَعَانِيهَا الْهُدْنَةُ: تَكُونُ بَيْنَ الْعَدُوِّ وَالْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْ مَعَانِيهَا: الْحُسْنُ (1) .
وَالْقَسَامَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هِيَ أَنْ يَقُول خَمْسُونَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِيهَا: بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلاَ عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلاً (2) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ - كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ - إِنَّ الْقَسَامَةَ هِيَ حَلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ جُزْءًا مِنْهَا عَلَى إِثْبَاتِ الدَّمِ (3) .
وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: اسْمٌ لِلأَْيْمَانِ الَّتِي تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الدَّمِ (4) .
__________
(1) المصباح المنير، وترتيب القاموس المحيط.
(2) بدائع الصنائع 7 / 286، وتكملة فتح القدير 8 / 384.
(3) مواهب الجليل شرح مختصر خليل 6 / 273، والقوانين الفقهية ص 228.
(4) مغني المحتاج 4 / 109.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: هِيَ الأَْيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتِيل (1) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْيَمِينُ:
2 - مِنْ مَعَانِي الْيَمِينِ لُغَةً: الْقُوَّةُ، وَالْقَسَمُ، وَالْبَرَكَةُ (2) .
وَاصْطِلاَحًا: تَوْكِيدُ حُكْمٍ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (3) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْيَمِينِ وَبَيْنَ الْقَسَامَةِ: أَنَّ الْيَمِينَ أَعَمُّ.

ب - اللَّوْثُ:
3 - اللَّوْثُ قَرِينَةٌ تُثِيرُ الظَّنَّ وَتُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ الْمُدَّعِي (4) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ اللَّوْثِ وَبَيْنَ الْقَسَامَةِ أَنَّ اللَّوْثَ شَرْطٌ فِي الْقَسَامَةِ.

حُكْمُ الْقَسَامَةِ:
4 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْقَسَامَةِ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ مَشْرُوعَةٌ وَأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ إِذَا لَمْ تَقْتَرِنِ الدَّعْوَى بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، وَوُجِدَ اللَّوْثُ.
__________
(1) المغني والشرح الكبير 10 / 2، والفروع لابن مفلح 6 / 46.
(2) القاموس المحيط.
(3) مطالب أولي النهى 6 / 357، 358.
(4) روضة الطالبين 10 / 10.

وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا: " مَا رُوِيَ عَنْ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِل وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَال: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَل حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ أَقْبَل هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ - يُرِيدُ السِّنّ - َ فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لاَ، قَال: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودٌ؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، فَقَال سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ (1) .
__________
(1) حديث: سهل بن أبي حثمة. أخرجه البخاري (فتح الباري 12 / 229) ومسلم (3 / 1291 - 1292) واللفظ لمسلم.

وَبِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الأَْنْصَارِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَقَضَى بِهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الأَْنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ (1) .
وَذَهَبَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو قِلاَبَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، إِلَى عَدَمِ الأَْخْذِ بِالْقَسَامَةِ، وَعَدَمِ وُجُوبِ الْعَمَل بِهَا؛ لأَِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لأُِصُول الشَّرْعِ الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَّتِهَا.
وَمِنْ هَذِهِ الأُْصُول: أَنْ لاَ يَحْلِفَ أَحَدٌ إِلاَّ عَلَى مَا عَلِمَ قَطْعًا أَوْ شَاهَدَ حِسًّا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْسِمُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وَهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا الْقَاتِل، بَل قَدْ يَكُونُونَ فِي بَلَدٍ وَالْقَاتِل فِي بَلَدٍ آخَرَ (2) ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (3) .
__________
(1) حديث: " رجل من الأنصار. . . " أخرجه مسلم (3 / 1295) .
(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري 12 / 235.
(3) حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو يعطى الناس بدعواهم. . . " أخرجه مسلم (3 / 1336) من حديث ابن عباس.

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْقَسَامَةِ:
5 - شُرِعَتِ الْقَسَامَةُ لِصِيَانَةِ الدِّمَاءِ وَعَدَمِ إِهْدَارِهَا، حَتَّى لاَ يُهْدَرَ دَمٌ فِي الإِْسْلاَمِ أَوْ يُطَل، وَكَيْ لاَ يَفْلِتَ مُجْرِمٌ مِنَ الْعِقَابِ، قَال عَلِيٌّ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيمَنْ مَاتَ مِنْ زِحَامٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ فِي الطَّوَافِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ يُطَل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِنْ عَلِمْتَ قَاتِلَهُ، وَإِلاَّ فَأَعْطِهِ دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال (1) .
فَالشَّرِيعَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ تَحْرِصُ أَشَدَّ الْحِرْصِ عَلَى حِفْظِ الدِّمَاءِ وَصِيَانَتِهَا وَعَدَمِ إِهْدَارِهَا، وَلَمَّا كَانَ الْقَتْل يَكْثُرُ بَيْنَمَا تَقِل الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْقَاتِل يَتَحَرَّى بِالْقَتْل مَوَاضِعَ الْخَلَوَاتِ، جُعِلَتِ الْقَسَامَةُ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ (2) .

شُرُوطُ الْقَسَامَةِ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ لَوْثٌ:
6 - سَبَقَ تَعْرِيفُ اللَّوْثِ فِي الأَْلْفَاظِ ذَاتِ الصِّلَةِ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (3) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (لَوْث) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُكَلَّفًا:
7 - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ بِالْقَتْل مُكَلَّفًا حَتَّى تَصِحَّ الدَّعْوَى بِالْقَسَامَةِ حَيْثُ
__________
(1) المغني والشرح الكبير 10 / 9.
(2) بداية المجتهد 2 / 428.
(3) مغني المحتاج 4 / 111، وروضة الطالبين 10 / 10، والمغني والشرح الكبير 10 / 7، 8، وشرح الخرشي 8 / 51، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج 7 / 370.

لاَ قَسَامَةَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (1) .
أَمَّا غَيْرُهُمْ فَعَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَأَنَّ الْمُكَلَّفَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي الْقَسَامَةِ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُكَلَّفًا:
8 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُكَلَّفًا، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَى صَبِيٍّ وَلاَ مَجْنُونٍ، بَل يَدَّعِي لَهُمَا الْوَلِيُّ أَوْ يُوقَفُ إِلَى كَمَالِهِمَا، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا وَقْتَ الْقَتْل كَامِلاً مُكَلَّفًا عِنْدَ الدَّعْوَى سُمِعَتْ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ الْحَال بِالتَّسَامُعِ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ إِذَا عَرَفَ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِ الْجَانِي، أَوْ بِسَمَاعٍ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ (2) .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُعَيَّنًا:
9 - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَلَى أَهْل مَدِينَةٍ أَوْ مَحَلَّةٍ أَوْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا لاَ تَجِبُ الْقَسَامَةُ (3) ، فَإِنِ ادَّعَى الْقَتْل عَلَى شَخْصٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، فَهِيَ مَسْمُوعَةٌ، إِذَا ذَكَرَهُمْ لِلْقَاضِي وَطَلَبَ إِحْضَارَهُمْ أَجَابَهُ إِلَى طَلَبِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ جَمَاعَةً لاَ يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى
__________
(1) منتهى الإرادات 3 / 333، ومطالب أولي النهى 6 / 148، والوجيز في الفقه للغزالي 2 / 159، وروضة الطالبين 10 / 4.
(2) الوجيز في الفقه للغزالي 2 / 159، ومغني المحتاج 4 / 110.
(3) المغني والشرح الكبير 10 / 4، 5، وشرح الخرشي 8 / 55.

الْقَتْل لاَ يُبَالِي بِقَوْلِهِ، فَإِنَّهُ دَعْوَى مُحَالٍ. وَلَوْ قَال: قَتَل أَبِي أَحَدُ هَذَيْنِ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلاَءِ الْعَشَرَةِ، وَطَلَبَ مِنَ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُمْ، وَيُحَلِّفَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَهَل يُجِيبُهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لاَ، وَلَوْ قَال فِي دَعْوَاهُ عَلَى حَاضِرِينَ قَتَلَهُ أَحَدُهُمْ، أَوْ قَتَلَهُ هَذَا أَوْ هَذَا، وَطَلَبَ تَحْلِيفَهُمْ لَمْ يُحَلِّفْهُمُ الْقَاضِي عَلَى الأَْصَحِّ، لإِِبْهَامِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلاَ تُسْمَعُ هَذِهِ الدَّعْوَى (1) ، وَذَلِكَ مِثْل لَوِ ادَّعَى وَدِيعَةً، أَوْ دَيْنًا عَلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الرِّجَال، لَمْ يُسْمَعْ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ تَعْيِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لاَ يُشْرَطُ لِلْقَسَامَةِ، بَل إِنَّهُ إِذَا عَيَّنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: لاَ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ؛ لأَِنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ ابْتِدَاءً عَلَى أَهْل الْمَحَلَّةِ، فَتَعْيِينُهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لاَ يُنَافِي مَا شَرَعَهُ الشَّارِعُ، فَتَثْبُتُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْل الْمَحَلَّةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الأُْصُول: أَنَّ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الْبَاقِينَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ، وَيُكَلَّفُ الْوَلِيُّ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِلاَّ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدًا (2) .
__________
(1) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 7 / 368، والوجيز في الفقه للغزالي 2 / 158.
(2) ابن عابدين 5 / 403، وتكملة فتح القدير 8 / 388.

الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَلاَّ تَتَنَاقَضَ دَعْوَى الْمُدَّعِي:
10 - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقَسَامَةِ أَلاَّ تَتَنَاقَضَ دَعْوَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ قَال الْقَتِيل قَبْل مَوْتِهِ: قَتَلَنِي فُلاَنٌ عَمْدًا، وَقَالُوا: بَل قَتَلَهُ خَطَأً أَوِ الْعَكْسَ، فَإِنَّهُ لاَ قَسَامَةَ لَهُمْ وَبَطَل حَقُّهُمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى قَوْل الْمَيِّتِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلاَ يُجَابُونَ لِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُمْ كَذَّبُوا أَنْفُسَهُمْ (1) .
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ انْفِرَادَهُ بِالْقَتْل، ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ شَرِيكُهُ، أَوْ أَنَّهُ الْقَاتِل مُنْفَرِدًا لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى الثَّانِيَةُ لِمُنَاقَضَتِهَا الدَّعْوَى الأُْولَى وَتَكْذِيبِهَا، وَلَوِ ادَّعَى عَمْدًا وَوَصَفَهُ بِغَيْرِهِ مِنْ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ أَوْ عَكْسُهُ بَطَل الْوَصْفُ، وَلَمْ يَبْطُل أَصْل دَعْوَى الْقَتْل فِي الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُظَنُّ مَا لَيْسَ بِعَمْدٍ عَمْدًا، أَوْ عَكْسُهُ فَيَعْتَمِدُ تَفْسِيرَهُ (2) .

الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيل ذُكُورًا مُكَلَّفِينَ:
11 - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى بِالْقَتْل
__________
(1) شرح الخرشي 8 / 51، والأنوار لأعمال الأبرار 2 / 58، والمغني والشرح الكبير 10 / 4، وكشاف القناع 6 / 73.
(2) مغني المحتاج 4 / 110 - 111، والوجيز في الفقه للغزالي 2 / 159.

عَمْدًا، فَيُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَحْلِفُ الأَْيْمَانَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا مُكَلَّفًا، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلاَ يَحْلِفْنَ فِي الْعَمْدِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى بِالْقَتْل خَطَأً، فَإِنَّ الَّذِي يَحْلِفُ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ هُوَ مَنْ يَرِثُ الْمَقْتُول ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا (1) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَوْ كَانَ لِلْقَتِيل وَرَثَةٌ وُزِّعَتِ الأَْيْمَانُ بِحَسَبِ الإِْرْثِ، وَجُبِرَ الْمُنْكَسِرُ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ (2) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيل ذُكُورًا مُكَلَّفِينَ، وَلاَ يَقْدَحُ غَيْبَةُ بَعْضِهِمْ أَوْ نُكُولُهُ، فَلِلذَّكَرِ الْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْلِفَ بِقِسْطِهِ وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ لِمَنْ قَدِمَ مِنَ الْخَارِجِ، أَوْ كُلِّفَ أَنْ يَحْلِفَ بِقِسْطِ نَصِيبِهِ وَيَأْخُذَ قَدْرَ نَصِيبِهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَدَلِيلُهُمْ فِي هَذَا قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلاً مِنْكُمْ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ (3) ؛ وَلأَِنَّهَا حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا قَتْل الْعَمْدِ، فَلاَ تُسْمَعُ مِنَ النِّسَاءِ كَالشَّهَادَةِ؛ وَلأَِنَّ الْجِنَايَةَ الْمُدَّعَاةَ الَّتِي تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهَا هِيَ الْقَتْل، وَلاَ مَدْخَل لِلنِّسَاءِ فِي إِثْبَاتِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمَال ضِمْنًا، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى
__________
(1) حاشية الدسوقي 4 / 293 - 295.
(2) مغني المحتاج 4 / 115 - 116.
(3) حديث: " يقسم خمسون رجلاً منكم وتستحقون. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 12 / 231) من حديث أنس بمعناه.

رَجُلٍ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا لِيَرِثَهَا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ لاَ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَلاَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهَا الْمَال (1) .

الشَّرْطُ السَّابِعُ: وَصْفُ الْقَتْل فِي دَعْوَى الْقَسَامَةِ:
12 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ دَعْوَى الْقَسَامَةِ مُفَصَّلَةً (2) .

الشَّرْطُ الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ بِالْقَتِيل أَثَرُ قَتْلٍ:
13 - اشْتَرَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَتِيل أَثَرُ قَتْلٍ مِنْ جِرَاحَةٍ أَوْ أَثَرِ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ قَسَامَةَ فِيهِ وَلاَ دِيَةَ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرُ الْقَتْل فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَلاَ يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: فَإِذَا وُجِدَ وَالدَّمُ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ لاَ شَيْءَ فِيهِ؛ لأَِنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَادَةً بِدُونِ الضَّرْبِ، وَإِنَّمَا بِسَبَبِ الْقَيْءِ أَوِ الرُّعَافِ وَنَحْوِهِمَا، فَلاَ يُعْرَفُ كَوْنُهُ قَتِيلاً.
__________
(1) المغني لابن قدامة 10 / 24، كشاف القناع 6 / 72 - 79.
(2) شرح الخرشي 8 / 51، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل 6 / 270، ونهاية المحتاج 7 / 369 - 370، والأنوار لأعمال الأبرار 2 / 456، وحاشية البجيرمي 4 / 137، وحاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 103، والمغني مع الشرح الكبير 10 / 35.

وَإِنْ كَانَ الدَّمُ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنِهِ، أَوْ أُذُنِهِ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ؛ لأَِنَّ الدَّمَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَادَةً فَكَانَ خُرُوجُهُ بِسَبَبِ الْقَتْل، وَعَلَى هَذَا لاَ يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ اللَّوْثَ، وَإِنَّمَا يَكْفِي أَنْ تُوجَدَ الْجُثَّةُ فِي مَحَلَّةٍ وَبِهَا أَثَرُ الْقَتْل، وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ وُجُودَ أَثَرِ الْقَتْل سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ اللَّوْثِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْقَسَامَةِ ظُهُورُ دَمٍ وَلاَ جُرْحٍ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَل الأَْنْصَارَ هَل بِقَتِيلِهِمْ أَثَرٌ أَمْ لاَ؟ وَلأَِنَّ الْقَتْل يَحْصُل بِالْخَنْقِ وَعَصْرِ الْبَيْضَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا ظَهَرَ أَثَرُهُ قَامَ مَقَامَ الدَّمِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ أَثَرٌ أَصْلاً فَلاَ قَسَامَةَ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَإِنْ قَال فِي الْمُهِمَّاتِ: إِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصَ وَقَوْل الْجُمْهُورِ بِثُبُوتِ الْقَسَامَةِ (1) .

الشَّرْطُ التَّاسِعُ: أَنْ يُوجَدَ الْقَتِيل فِي مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لأَِحَدٍ أَوْ فِي يَدِ أَحَدٍ:
14 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَسَامَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيل مِلْكًا لأَِحَدٍ أَوْ فِي يَدِ أَحَدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لأَِحَدٍ وَلاَ فِي يَدِ أَحَدٍ أَصْلاً فَلاَ قَسَامَةَ
__________
(1) بدائع الصنائع 10 / 4739، وبداية المجتهد 2 / 431، ومغني المحتاج 4 / 111، والفواكه الدواني 2 / 249، والمغني والشرح الكبير 10 / 20، وكشاف القناع 6 / 70.

فِيهِ وَلاَ دِيَةَ، وَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ فِي الْمَكَانِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لاَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلاَ لِجَمَاعَةٍ يُحْصَوْنَ لاَ تَجِبُ الْقَسَامَةُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَسَامَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ اللاَّزِمِ (1) .
وَعَلَى ذَلِكَ لَوْ وُجِدَ الْقَتِيل فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَْرْضِ لَيْسَ بِمِلْكٍ لأَِحَدٍ فَإِنَّهُ لاَ قَسَامَةَ فِيهِ وَلاَ دِيَةَ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ لاَ يُسْمَعُ الصَّوْتُ مِنَ الأَْمْصَارِ وَلاَ مِنْ قَرْيَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُسْمَعُ تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إِلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ وُجُودَ الْمَقْتُول فِي قَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ إِذَا كَانَ يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا لاَ يُعْتَبَرُ لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ يَدْخُل قَرْيَتَهُمْ سِوَاهُمْ، وَوُجِدَ قَتِيلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فِيهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ، كَمَا فِي قَضِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَل فِيهِ الْقَسَامَةَ لاِبْنَيْ عَمِّهِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لأَِنَّ خَيْبَرَ مَا كَانَ يُخَالِطُ الْيَهُودَ فِيهَا غَيْرُهُمْ (2) .
وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ مَعَ الْعَدَاوَةِ أَلاَّ يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 289.
(2) حاشية الدسوقي 4 / 292، والفواكه الدواني 2 / 250، وروضة الطالبين 10 / 10.

الْقَتِيل غَيْرُ الْعَدُوِّ. لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَل الأَْنْصَارَ هَل كَانَ فِي خَيْبَرَ غَيْرُ الْيَهُودِ أَمْ لاَ؟ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ فِيهَا (1) .

الشَّرْطُ الْعَاشِرُ: إِنْكَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ:
15 - ذَهَبَ إِلَى هَذَا الشَّرْطِ الْحَنَفِيَّةُ؛ لأَِنَّ الْيَمِينَ وَظِيفَةُ الْمُنْكِرِ، قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (2) فَجَعَل جِنْسَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ، فَيَنْفِي وُجُوبَهَا عَلَى غَيْرِ الْمُنْكِرِ (3) .

الشَّرْطُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الإِْسْلاَمُ:
16 - وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَقْتُول (4) فَلاَ تَصِحُّ الْقَسَامَةُ إِذَا كَانَ ذِمِّيًّا، فَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْقَسَامَةِ فِي الْقَتِيل الْكَافِرِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَتَلَهُ بِشَاهِدَيْنِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ دِيَتَهُ فِي الْعَمْدِ مِنْ مَالِهِ، وَمَعَ الْعَاقِلَةِ فِي الْقَتْل الْخَطَأِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ شَاهِدٌ، فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَأْخُذُ دِيَتَهُ، وَيُضْرَبُ الْجَانِي مِائَةً فِي الْعَمْدِ وَيُحْبَسُ سَنَةً.
أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ
__________
(1) المغني مع الشرح الكبير 10 / 8.
(2) حديث: " واليمين على من أنكر ". أخرجه البيهقي (10 / 252) ، من حديث ابن عباس وذكره ابن حجر في التلخيص (4 / 39) وأعله بالإرسال وتضعيف أحد رواته.
(3) بدائع الصنائع 7 / 288.
(4) القوانين الفقهية ص 378، وشرح الخرشي 8 / 59، وحاشية الدسوقي 4 / 298، والفواكه الدواني 2 / 254.

وَالْحَنَابِلَةِ، فَقَدْ أَثْبَتُوا الْقَسَامَةَ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ إِذَا كَانَ ذِمِّيًّا؛ لأَِنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ مَا نُصَّ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ؛ وَلأَِنَّ دَمَ الذِّمِّيِّ مَصُونٌ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ لِذِمَّتِهِ (1) ، وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (2) .

كَيْفِيَّةُ الْقَسَامَةِ:
17 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَرَبِيعَةُ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو الزِّنَادِ فَقَالُوا: إِنَّ الأَْيْمَانَ فِي الْقَسَامَةِ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَيُكَلَّفُونَ حَلِفَهَا لِيَثْبُتَ مُدَّعَاهُمْ وَيُحْكَمَ لَهُمْ بِهِ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأَْيْمَانُ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيل خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَظْهِرَ الْحَالِفُ أَلْفَاظَ الْيَمِينِ حَتَّى تَكُونَ الْيَمِينُ مُؤَكَّدَةً فَيَقُول: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَْعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. . .
__________
(1) بدائع الصنائع 10 / 4742، والقليوبي وعميرة 4 / 63، والأم للشافعي 6 / 98، والمغني والشرح الكبير 10 / 31 - 32.
(2) حديث: " من آذى ذميًا فأنا خصمه. . . " أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (8 / 380) من حديث عبد الله ابن مسعود واستنكره.

وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ بَاتَّةً قَاطِعَةً فِي ارْتِكَابِ الْمُتَّهَمِ الْجَرِيمَةَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالاِشْتِرَاكِ مَعَ غَيْرِهِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ مَا إِذَا كَانَ الْجَانِي قَدْ تَعَمَّدَ الْقَتْل أَمْ لاَ فَيَقُول: وَاللَّهِ إِنَّ فُلاَنًا ابْنَ فُلاَنٍ قَتَل فُلاَنًا مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ مَا شَرِكَهُ غَيْرُهُ.
وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ (1) أَنْ تَكُونَ الأَْيْمَانُ مُتَوَالِيَةً، فَلاَ تُفَرَّقُ عَلَى أَيَّامٍ أَوْ أَوْقَاتٍ؛ لأَِنَّ لِلْمُوَالاَةِ أَثَرًا فِي الزَّجْرِ وَالرَّدْعِ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةِ مُوَالاَتُهَا؛ لأَِنَّ الأَْيْمَانَ مِنْ جِنْسِ الْحُجَجِ، وَالْحُجَجُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ مُتَفَرِّقِينَ، فَإِنْ حَلَفُوا ثَبَتَ مُدَّعَاهُمْ، وَحُكِمَ لَهُمْ إِمَّا بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ عَلَى الْخِلاَفِ فِي مُوجِبِ الْقَسَامَةِ، فَإِذَا لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُونَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ، فَيَقُول: وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ وَلاَ شَارَكْتُ فِي قَتْلِهِ وَلاَ تَسَبَّبْتُ فِي مَوْتِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُونَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَرِئَ الْمُتَّهَمُونَ، وَكَانَتْ دِيَةُ الْقَتِيل فِي بَيْتِ الْمَال عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (2) ، وَإِنْ نَكَل الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتِ الأَْيْمَانُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ
__________
(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 293.
(2) بداية المجتهد 2 / 430، وحاشية الدسوقي 4 / 289، ومغني المحتاج 4 / 116، والمغني والشرح الكبير 10 / 30.

عَلَى الْمُدَّعِينَ (1) ، فَإِنْ حَلَفُوا عُوقِبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا لاَ شَيْءَ لَهُمْ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (2) مَنْ نَكَل مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَمُوتَ فِي السِّجْنِ، وَقِيل: يُجْلَدُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا، وَلاَ يُحْبَسُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَسَائِرِ الأَْيْمَانِ.
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ لِمَذْهَبِهِمْ هَذَا بِمَا رَوَى سَهْل بْنُ أَبِي حَثْمَةَ " أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِل وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَال: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَل حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَل هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ - وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ أَخُو الْمَقْتُول فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ يَتَكَلَّمُ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ - فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَيِّصَةَ كَبِّرْ كَبِّرْ، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ فَكَتَبَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ:
__________
(1) مغني المحتاج 4 / 116.
(2) القوانين الفقهية لابن جزي ص 229، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 296، والمغني والشرح الكبير 10 / 22.

أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا لاَ، قَال: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودٌ، قَالُوا لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمِائَةِ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ قَال سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ (1) .
فَقَدْ وَجَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَمِينَ أَوَّلاً إِلَى الْمُدَّعِينَ حِينَمَا سَأَلَهُمْ قَائِلاً: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ مَشْرُوعَةً فِي حَقِّهِمُ ابْتِدَاءً مَا وَجَّهَهَا الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، فَقَدْ قَالُوا بِتَوْجِيهِ تِلْكَ الأَْيْمَانِ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمُ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْل الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ " عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَْنْصَارِ يُقَال لَهُ سَهْل بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قَالُوا مَا قَتَلْنَا وَلاَ عَلِمْنَا قَاتِلاً، فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ
__________
(1) حديث سهل بن أبي حثمة. تقدم تخريجه ف / 4.

فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلاً، فَقَال: الْكُبْرَ الْكُبْرَ، فَقَال لَهُمْ تَأْتُونِي بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا مَا لَنَا بَيِّنَةٌ، قَال: فَيَحْلِفُونَ، قَالُوا لاَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ، فَكَرِهَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطَل دَمُهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ (1) .
دَل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَوَّل مَا يُطْلَبُ فِي دَعْوَى الْقَسَامَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الدَّعَاوَى هُوَ الْبَيِّنَةُ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ بَيِّنَةٌ لِلْمُدَّعِي وُجِّهَتِ الأَْيْمَانُ الْخَمْسُونَ الْخَاصَّةُ بِدَعْوَى الْقَسَامَةِ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، كَمَا نَصَّ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئُوا وَانْتَهَتِ الْخُصُومَةُ، وَلَكِنَّ الأَْنْصَارَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ لَمْ يَقْبَلُوا أَنْ يَحْلِفَ لَهُمُ الْيَهُودُ لِكُفْرِهِمْ وَجُرْأَتِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَأَعْطَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَتَهُ لأَِهْلِهِ مِنْ عِنْدِهِ كَيْ لاَ يُهْدَرَ دَمُ مُسْلِمٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا نَكَل مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ حُبِسَ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ، وَكَذَا إِنْ نَكَل جَمِيعُ الْمُحَلَّفِينَ؛ لأَِنَّ الْيَمِينَ فِي الْقَسَامَةِ مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا، وَلَيْسَتْ وَسِيلَةً لِتَحْصِيل غَيْرِهَا، بِمَعْنَى أَنَّ الْيَمِينَ فِي الْقَسَامَةِ يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدِّيَةِ، فَإِذَا حَلَفَ الْمُحَلَّفُونَ لَمْ تَسْقُطِ الدِّيَةُ عَنْهُمْ، بِخِلاَفِ الْيَمِينِ فِي دَعْوَى الأَْمْوَال، فَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْمَال بَرِئَ وَسَقَطَ الْمَال الَّذِي
__________
(1) حديث سهل بن أبي حثمة. أخرجه البخاري (فتح الباري 12 / 229 ط. السلفية) .

أَرَادَهُ الْمُدَّعِي، لِهَذَا فَإِنَّ مَنْ نَكَل حُبِسَ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ.
وَالْحَبْسُ عِنْدَ النُّكُول إِنَّمَا يَكُونُ فِي دَعْوَى الْقَتْل الْعَمْدِ، أَمَّا فِي الْخَطَأِ فَيُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ وَلاَ يُحْبَسُونَ؛ لأَِنَّ مُوجِبَ الْقَتْل الْخَطَأِ الْمَال فَيُقْضَى بِهِ عِنْدَ النُّكُول.
وَدَلِيلُهُمْ فِي هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الأَْزْمَعِ أَنَّهُ قَال لِسَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَبْذُل أَيْمَانَنَا وَأَمْوَالَنَا؟ فَقَال نَعَمْ (1) .

مَنْ تُوَجَّهُ إِلَيْهِمُ الْقَسَامَةُ:
18 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ تُوَجَّهُ إِلَى الرِّجَال الأَْحْرَارِ الْبَالِغِينَ الْعُقَلاَءِ مِنْ عَشِيرَةِ الْمَقْتُول الْوَارِثِينَ لَهُ، كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي عَدَمِ تَوَجُّهِهَا إِلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي تَوْجِيهِهَا إِلَى النِّسَاءِ أَوْ غَيْرِ الْوَارِثِينَ مِنَ الْعَصَبَةِ.
وَقَدْ فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ كَوْنِ الْقَتْل عَمْدًا، وَبَيْنَ كَوْنِهِ خَطَأً، وَاشْتَرَطُوا فِي الْقَتْل الْعَمْدِ الذُّكُورَةَ وَالْعُصُوبَةَ وَالْعَدَدَ (2) .
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَحْلِفَ وَرَثَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبُوا الْقِصَاصَ أَوِ الدِّيَةَ، وَتُوَزَّعُ الأَْيْمَانُ
__________
(1) المبسوط للسرخسي. . / 111، وحاشية ابن عابدين 5 / 403.
(2) شرح الخرشي 8 / 56 - 57.

عَلَى الْعَصَبَةِ، وَلاَ يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَل مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لأَِنَّ النِّسَاءَ لاَ يَحْلِفْنَ فِي الْعَمْدِ لِعَدَمِ شَهَادَتِهِنَّ فِيهِ فَإِنِ انْفَرَدْنَ عَنْ رَجُلَيْنِ صَارَ الْمَقْتُول كَمَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ، فَتُرَدُّ الأَْيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَيَحْلِفُ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَال إِذَا كَانَ الْقَتْل خَطَأً بِخِلاَفِ الْعَمْدِ، لاِنْفِرَادِ الرِّجَال بِهِ، وَتُوَزَّعُ الأَْيْمَانُ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْخَطَأِ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهَا تُحَلَّفُ الأَْيْمَانَ كُلَّهَا وَتَأْخُذُ حَظَّهَا مِنَ الدِّيَةِ، وَيَسْقُطُ مَا عَلَى الْجَانِي مِنَ الدِّيَةِ لِتَعَذُّرِ الْحَلِفِ مِنْ جِهَةِ بَيْتِ الْمَال.
وَإِذَا كُسِرَتِ الْيَمِينُ يُكْمَل عَلَى ذِي الأَْكْثَرِ مِنَ الْكُسُورِ وَلَوْ أَقَلَّهُمْ نَصِيبًا مِنْ غَيْرِهِ، كَابْنٍ وَبِنْتٍ عَلَى الاِبْنِ ثَلاَثَةٌ وَثَلاَثُونَ يَمِينًا وَثُلُثٌ وَعَلَى الْبِنْتِ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ فَيُجْبَرُ كَسْرُ الْيَمِينِ عَلَى الْبِنْتِ لأَِنَّ كَسْرَ يَمِينِهَا أَكْثَرُ مِنْ كَسْرِ يَمِينِ الاِبْنِ، وَإِنْ كَانَتِ الْبِنْتُ أَقَل نَصِيبًا فَتَحْلِفُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا فَإِنْ تَسَاوَتِ الْكُسُورُ جَبَرَ كُل وَاحِدٍ كَسْرَهُ، كَثَلاَثَةِ بَنِينَ فَعَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ فَتَكْمُل عَلَى كُلٍّ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا.
جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قُلْتُ: وَإِنَّمَا يَحْلِفُ وُلاَةُ الدَّمِ فِي الْخَطَأِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنَ الْمَيِّتِ فِي قَوْل مَالِكٍ، قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: فَهَل يُقْسِمُ

النِّسَاءُ فِي قَتْل الْعَمْدِ فِي قَوْل مَالِكٍ؟ قَال: لاَ، قُلْتُ: فَهَل يُقْسِمُ النِّسَاءُ فِي الْقَتْل الْخَطَأِ فِي قَوْل مَالِكٍ؟ قَال: نَعَمْ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَحْلِفُ كُل وَارِثٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ، رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً فِي دَعْوَى الْقَسَامَةِ بِالْقَتْل، عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ؛ لأَِنَّ الْقَسَامَةَ عِنْدَهُمْ يَمِينٌ فِي الدَّعْوَى، فَتُشْرَعُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى.
قَال الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا كَانَ لِلْقَتِيل وَارِثَانِ فَامْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْقَسَامَةِ لَمْ يُمْنَعْ ذَلِكَ الآْخَرُ مِنْ أَنْ يُقْسِمَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ (2) ، وَتُوَزَّعُ الأَْيْمَانُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِقَدْرِ حِصَصِهِمْ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِذَا كَانَ الْمَقْتُول بِلاَ وَارِثٍ سَقَطَتِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ، إِلاَّ إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ الْقَتْل عَلَى مُعَيَّنٍ، فَإِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَنْصِبَهُ لِلْحَلِفِ فِي الْقَسَامَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَسْتَحِقَّ بَيْتُ الْمَال الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَل فَقَدِ اخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَجْهٌ يُسْقِطُ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ، وَالْوَجْهُ الآْخَرُ يُوجِبُ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ (3) .
__________
(1) المدونة الكبرى 6 / 418، والشرح الصغير 4 / 418.
(2) الأحكام السلطانية للماوردي ص 282، والأم للشافعي 6 / 101.
(3) مغني المحتاج 4 / 118، وحاشية البجيرمي 4 / 137.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ فِي الأَْوْلِيَاءِ نِسَاءٌ وَرِجَالٌ أَقْسَمَ الرِّجَال وَسَقَطَ حُكْمُ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صِبْيَانٌ وَرِجَالٌ بَالِغُونَ، أَوْ كَانَ فِيهِمْ حَاضِرُونَ وَغَائِبُونَ لاَ تَثْبُتُ الْقَسَامَةُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ، وَكَذَا لاَ تَثْبُتُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ كَامِلَةٍ، وَالْبَيِّنَةُ أَيْمَانُ الأَْوْلِيَاءِ كُلِّهِمْ، وَالأَْيْمَانُ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ (1) .
وَذَهَبَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَتْل إِذَا كَانَ عَمْدًا لاَ يَحْلِفُ الْكَبِيرُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ، وَلاَ الْحَاضِرُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ بِالْعَمْدِ هُوَ الْقِصَاصُ، وَمِنْ شَرْطِهِ عِنْدَهُمْ مُطَالَبَةُ جَمِيعِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُول بِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَتْل غَيْرَ عَمْدٍ، فَأَجَازَ قَسَامَةَ الْكَبِيرِ الْحَاضِرِ دُونَ اشْتِرَاطِ بُلُوغِ الصَّغِيرِ، وَحُضُورِ الْغَائِبِ؛ لأَِنَّ مَا يَجِبُ بِقَسَامَتِهِمْ هُوَ الدِّيَةُ، فَيَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنْهُمْ قِسْطَهُ مِنْهَا.
وَعَلَى ذَلِكَ يَحْلِفُ أَوْلِيَاءُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ - وَهُمْ وَرَثَتُهُ - وَتُوَزَّعُ الأَْيْمَانُ كَسِهَامِ التَّرِكَةِ، وَيُبْدَأُ بِالذُّكُورِ، وَتُرَدُّ الْقَسَامَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُول إِلاَّ النِّسَاءُ، وَكَذَا إِذَا نَكَل الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُونَ وَلَمْ يَرْضَوْا بِأَيْمَانِ الْمُدَّعَى
__________
(1) المغني والشرح الكبير 10 / 25.

عَلَيْهِمْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَال، قِيَاسًا عَلَى مَنْ قُتِل فِي زِحَامٍ وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ كَقَتِيلٍ فِي الطَّوَافِ أَوْ فِي جُمُعَةٍ (1) .
وَالْحَنَفِيَّةُ يُوجِبُونَ الْقَسَامَةَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ الْمُدَّعِي، وَبِنَاءً عَلَيْهِ يَخْتَارُ الْوَلِيُّ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنَ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيل وَيُحَلِّفُهُمْ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ الصَّالِحِينَ أَوِ الْفَسَقَةَ، كَمَا يَحِقُّ لَهُ اخْتِيَارُ الشُّبَّانِ وَالشُّيُوخِ، وَيَكُونُ الاِخْتِيَارُ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيل، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، أَيْ عَوَاقِل كُل مَنْ فِي الْمَحَلَّةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ خَصَّ الْوَلِيُّ قَاتِلاً مُعَيَّنًا مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ (2) .
الْقَوْل الأَْوَّل: يُوجِبُ الْقَسَامَةَ عَلَى خَمْسِينَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ؛ لأَِنَّ الْقَسَامَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُمْ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْوَلِيِّ بَيِّنَةٌ تُدِينُ الْقَاتِل الْمُخَصَّصَ، قَال السَّرَخْسِيُّ: وَإِنِ ادَّعَى أَهْل الْقَتِيل عَلَى بَعْضِ أَهْل الْمَحَلَّةِ الَّذِينَ وُجِدَ الْقَتِيل بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَقَالُوا: قَتَلَهُ فُلاَنٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، لَمْ يُبْطِل هَذَا حَقَّهُ، وَفِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ؛ لأَِنَّهُمْ ذَكَرُوا مَا كَانَ مَعْلُومًا لَنَا بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاتِل وَاحِدٌ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ، وَلَكِنَّا لاَ نَعْلَمُ ذَلِكَ حَقِيقَةً (3) .
__________
(1) منتهى الإرادات 3 / 335.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2 / 227 - 228.
(3) المبسوط 26 / 114، وحاشية ابن عابدين 6 / 634.

الْقَوْل الثَّانِي: رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ أَسْقَطَ الْقَسَامَةَ عَنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ، لأَِنَّ دَعْوَى الْوَلِيِّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، يَكُونُ إِبْرَاءً لأَِهْل الْمَحَلَّةِ عَنِ الْقَسَامَةِ فِي الْقَتِيل الَّذِي لاَ يُعْرَفُ قَاتِلُهُ، فَإِذَا زَعَمَ الْوَلِيُّ أَنَّهُ يُعْرَفُ الْقَاتِل مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، صَارَ مُبْرِئًا لَهُمْ عَنِ الْقَسَامَةِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ، فَإِنْ أَقَامَ الْوَلِيُّ شَاهِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَهْل الْمَحَلَّةِ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُل، فَقَدْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ الْقَتْل بِالْحُجَّةِ، فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِمُوجِبِهِ، وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمَا؛ لأَِنَّ أَهْل الْمَحَلَّةِ خُصُومٌ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ مَا بَقِيَتِ الْقَسَامَةُ (1) .
وَتَسْقُطُ الْقَسَامَةُ عَنِ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيل إِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْل عَلَى رَجُلٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيل، وَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى إِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْوَلِيِّ بَيِّنَةٌ، لِلتَّنَاقُضِ بَيْنَ الإِْبْرَاءِ وَالاِتِّهَامِ، وَإِذَا اتَّهَمَتِ الْمَحَلَّةُ قَاتِلاً مُعَيَّنًا فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا كُلِّفَتْ بِإِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ أَحْضَرَتِ الْبَيِّنَةَ وَوَافَقَ الْوَلِيُّ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، قَال الْكَاسَانِيُّ: وَلَوِ ادَّعَى أَهْل تِلْكَ الْمَحَلَّةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ تَصِحُّ دَعْوَاهُمْ، فَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ
__________
(1) المبسوط 26 / 114 - 115، وبدائع الصنائع 10 / 4757، والاختيار 5 / 56.

الرَّجُل يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ إِنْ وَافَقَهُمُ الأَْوْلِيَاءُ فِي الدَّعْوَى عَلَى ذَلِكَ الرَّجُل، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقُوهُمْ فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لأَِنَّ الأَْوْلِيَاءَ قَدْ أَبْرَءُوهُ حَيْثُ أَنْكَرُوا وُجُودَ الْقَتْل مِنْهُ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى أَهْل الْمَحَلَّةِ أَيْضًا شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْقَتْل عَلَى غَيْرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ لَهُمُ الْبَيِّنَةُ وَحَلَفَ ذَلِكَ الرَّجُل، تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْل الْمَحَلَّةِ (1) .
وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ وَكَانَ أَهْلُهَا مُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ ذِمِّيٌّ، فَلاَ تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِ لأَِنَّ تَدْبِيرَ الْمِلْكِ وَالْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَل الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يُزَاحِمُهُمُ الذِّمِّيُّ، لأَِنَّهُ تَابِعٌ، فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النِّسَاءِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَتْل فِي قَرْيَةٍ لأَِهْل الذِّمَّةِ، فَقَدْ وَجَبَتِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ، لأَِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ تَدْبِيرِ مِلْكِهِمْ.
أَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا الْحَادِثُ فِي زَمَانِنَا هَذَا فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُوجِبُونَ الْقَسَامَةَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي الْمَحَلَّةِ الَّتِي اشْتَرَكَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَالذِّمِّيُّونَ، فَتَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ بِالتَّسَاوِي، إِلاَّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ تَتَحَمَّل عَوَاقِلُهُمُ الدِّيَةَ، وَالذِّمِّيَّ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ.
__________
(1) بدائع الصنائع 10 / 4758.

وَقَدْ اسْتَدَل السَّرَخْسِيُّ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ بِقِصَّةِ الرَّجُل الْمَقْتُول مِنْ قِبَل الْيَهُودِ فِي خَيْبَرَ، إِذْ إِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ عَلَيْهِمْ، قَال السَّرَخْسِيُّ: إِذَا وُجِدَ الْقَتِيل فِي قَرْيَةٍ أَصْلُهَا لِقَوْمٍ شَتَّى، فِيهِمُ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، فَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْل الْقَرْيَةِ الْمُسْلِمُ مِنْهُمْ وَالْكَافِرُ فِيهِ سَوَاءٌ؛ لأَِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ عَلَى أَهْل الْقَرْيَةِ (خَيْبَرَ) وَكَانُوا مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ، فَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ، وَمَا أَصَابَ أَهْل الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ مَعَاقِل فَعَلَيْهِمْ وَإِلاَّ فَفِي أَمْوَالِهِمْ (1) ، وَتَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى الأَْحْرَارِ الْبَالِغِينَ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل النُّصْرَةِ، أَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلاَ قَسَامَةَ عَلَيْهِمَا؛ لأَِنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْل النُّصْرَةِ، وَقَوْل الْمَجْنُونِ لَيْسَ صَحِيحًا، فَلاَ قَسَامَةَ عَلَيْهِمَا، كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لاَ تَشْتَرِكُ فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ إِذَا كَانَ الْقَتِيل فِي غَيْرِ مِلْكِهَا، وَعَلَيْهَا الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا إِذَا كَانَ الْقَتْل فِي مِلْكِهَا، وَهَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأَِنَّهَا مَسْئُولَةٌ عَنْ تَدْبِيرِ مِلْكِهَا، لأَِنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْمَالِكِ هُوَ الْمِلْكُ مَعَ أَهْلِيَّةِ الْقَسَامَةِ، وَقَدْ وُجِدَا فِي حَقِّهَا، أَمَّا الْمِلْكُ فَثَابِتٌ لَهَا، وَأَمَّا الأَْهْلِيَّةُ فَلأَِنَّ الْقَسَامَةَ يَمِينٌ
__________
(1) المبسوط للسرخسي 26 / 111.

وَأَنَّهَا مِنْ أَهْل الْيَمِينِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهَا تُسْتَحْلَفُ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَمَعْنَى النُّصْرَةِ يُرَاعَى وُجُودُهُ فِي الْجُمْلَةِ لاَ فِي كُل فَرْدٍ كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ (1) .
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ: فَإِنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ الَّذِي يَرَى أَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَى الْحَاضِرِ فَقَطْ دُونَ الْغَائِبِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَسْئُولاً عَنْ تَدْبِيرِ الْمَحَلَّةِ أَثْنَاءَ غِيَابِهِ (2) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْقَسَامَةِ:
19 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُجِّيَّةِ الْقَسَامَةِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى عَوَاقِل الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِذَا كَانَ الْقَتْل خَطَأً، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَجِبُ بِهَا إِذَا كَانَ الْقَتْل الْمُدَّعَى بِهِ عَمْدًا
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ، وَبِهِ قَال الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ (3) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ وُجُوبَ الدِّيَةِ وَعَدَمَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ صَحَابَةِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَبِي بَكْرٍ
__________
(1) بدائع الصنائع 10 / 4756.
(2) المبسوط للسرخسي 26 / 111.
(3) المدونة الكبرى 6 / 416، وشرح الخرشي 8 / 98، ونهاية المحتاج 7 / 376.

وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ (1) .
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ عَلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ وَذَكَرُوا الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لاَ (2) .
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْقَسَامَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَسَامَةُ الدَّمِ، فَأَقَرَّهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أُنَاسٍ مِنَ الأَْنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ (3) ، فَإِضَافَةُ قَسَامَةِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الدَّمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحْكَمُ بِهَا بِالْقِصَاصِ.
وَأَمَّا أَدِلَّةُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ، فَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: " أَنَّهُ أَخْبَرَهُ
__________
(1) نهاية المحتاج 7 / 376، والأم للشافعي 6 / 97، والمبسوط 26 / 111 وما بعدها.
(2) حديث عبد الله بن سهل. تقدم ف 4.
(3) حديث: " أن القسامة كانت في الجاهلية ". أخرجه البيهقي (8 / 122) بهذا اللفظ وهو في صحيح مسلم (3 / 1295) دون قوله " قسامة الدم ".

عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِل وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَال: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ فَأَقْبَل حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَل هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ - يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ فَكَتَبَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَكَتَبُوا إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لاَ، قَال: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودٌ؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ فَقَال سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ (1) .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا
__________
(1) حديث: " أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر ". تقدم تخريجه ف 4.

لِلنَّاسِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا، فَقَال: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟ قَالُوا: نَقُول الْقَسَامَةُ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ، وَقَدْ أَقَادَ بِهَا الْخُلَفَاءُ (1) ، قَال لِي: مَا تَقُول يَا أَبَا قِلاَبَةَ، وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ رُءُوسُ الأَْجْنَادِ وَأَشْرَافُ الْعَرَبِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَدْ زَنَى وَلَمْ يَرَوْهُ أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَال: لاَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِحِمْصٍ أَنَّهُ سَرَقَ أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ وَلَمْ يَرَوْهُ؟ قَال: لاَ، قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا قَتَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: رَجُلٍ قَتَل بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ فَقُتِل، أَوْ رَجُلٍ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ رَجُلٍ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَارْتَدَّ عَنِ الإِْسْلاَمِ. . . إِلَخْ. الْحَدِيثَ (2) .
وَقَال الْكَاسَانِيُّ: وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي وَجَدْتُ أَخِي قَتِيلاً فِي بَنِي فُلاَنٍ، فَقَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اجْمَعْ مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلُوهُ وَلاَ عَلِمُوا لَهُ قَاتِلاً، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ لَيْسَ لِي مِنْ أَخِي إِلاَّ هَذَا؟ فَقَال: بَل لَكَ مِائَةٌ
__________
(1) المراد بالخلفاء معاوية، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري 2 / 240.
(2) المبسوط للسرخسي 26 / 109 وحديث " أبي قلابة " أخرجه البخاري (فتح الباري 12 / 230) .

مِنَ الإِْبِل (1) ، فَدَل عَلَى وُجُوبِ الْقَسَامَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ - وَهُمْ أَهْل الْمَحَلَّةِ - مَعَ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَاصَ فِي الْحَدِيثِ، بَل قَصَرَهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دَفْعِ مِائَةٍ مِنَ الإِْبِل.
وَلأَِنَّ الشَّرْعَ أَلْحَقَ أَهْل الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ الْقَتِيل بِهَا بِالْقَتَلَةِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ، لأَِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ حِفْظُ مَحَلَّتِهِمْ وَصِيَانَتُهَا مِنَ النَّوَائِبِ وَالْقَتْل، فَكَانَ وُقُوعُ الْقَتْل بِمَحَلَّتِهِمْ تَقْصِيرًا مِنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الصِّيَانَةِ وَحِفْظِهَا (2) .

مُبْطِلاَتُ الْقَسَامَةِ:
20 - تَبْطُل الْقَسَامَةُ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - بِالإِْبْرَاءِ صَرَاحَةً أَوْ دَلاَلَةً.
أَمَّا الإِْبْرَاءُ الصَّرِيحُ: فَهُوَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ كَقَوْلِهِ: أَبْرَأْتُ، أَوْ أَسْقَطْتُ، أَوْ عَفَوْتُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. لأَِنَّ رُكْنَ الإِْبْرَاءِ صَدَرَ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْل الإِْبْرَاءِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ لِلْبَرَاءَةِ، فَيَصِحُّ.
وَأَمَّا الإِْبْرَاءُ الضِّمْنِيُّ " دَلاَلَةً " فَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ وَلِيُّ الْقَتِيل عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْل الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ
__________
(1) حديث زياد بن أبي مريم: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. . . " ذكره الكاساني في بدائع الصنائع 10 / 4736 - 4737، ولم نهتد إليه في المراجع الموجودة بين أيدينا، وأخرج البزار (كشف الأستار 2 / 209) حديثًا بهذا المعنى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه. وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (6 / 290) .
(2) بدائع الصنائع 10 / 4736 - 3737.

قَتَل الْقَتِيل، فَيَبْرَأُ أَهْل الْمَحَلَّةِ مِنَ الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ؛ لأَِنَّ ظُهُورَ الْقَتِيل فِي الْمَحَلَّةِ لَمْ يَدُل عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَاتِلٌ، فَإِقْدَامُ الْوَلِيِّ عَلَى الدَّعْوَى عَلَيْهِ يَكُونُ نَفْيًا لِلْقَتْل عَنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ فَيَتَضَمَّنُ بَرَاءَتَهُمْ عَنِ الْقَسَامَةِ (1) .
كَمَا تَبْطُل الْقَسَامَةُ بِإِقْرَارِ رَجُلٍ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ الْقَاتِل، فَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَال: مَا قَتَلَهُ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بَل أَنَا قَتَلْتُهُ، فَكَذَّبَهُ الْوَلِيُّ، لَمْ تَبْطُل دَعْوَاهُ، وَلَهُ الْقَسَامَةُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ رَدُّ الدِّيَةِ إِنْ كَانَ قَبَضَهَا، وَلاَ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ شَيْءٌ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ أَوْ طَالَبَهُ بِمُوجِبِ الْقَتْل لَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، وَبَطَلَتْ دَعْوَاهُ عَلَى الأَْوَّل، وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ مُطَالَبَةُ الْمُقِرِّ قَوْلاَنِ.
وَكَذَلِكَ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ الْقَاتِل غَيْرُ هَذَا، كَأَنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْل فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَقْتُول لاَ يُمْكِنُ مَجِيئُهُ مِنْهُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ تَبْطُل دَعْوَى الْقَسَامَةِ، وَإِنْ قَالَتِ الْبَيِّنَةُ: نَشْهَدُ أَنَّ فُلاَنًا لَمْ يَقْتُلْهُ لَمْ تُقْبَل الشَّهَادَةُ؛ لأَِنَّهَا نَفْيٌ مُجَرَّدٌ، وَإِنْ قَالاَ: مَا قَتَلَهُ فُلاَنٌ، بَل فُلاَنٌ، سُمِعَتْ؛ لأَِنَّهَا شَهَادَةُ إِثْبَاتٍ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ (2) .
__________
(1) بدائع الصنائع 10 / 4756، والمبسوط 26 / 115، وبداية المجتهد 2 / 431 الطبعة السادسة.
(2) المغني والشرح الكبير 10 / 30، وكشاف القناع 6 / 72.

وَإِذَا بَطَلَتِ الْقَسَامَةُ لأَِحَدِ الأُْمُورِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَجَبَ عَلَى الْمُدَّعِي أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنَ الدِّيَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لَهُ فِيمَا أَخَذَهُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ.

* شروط القسامة:
وجود العداوة، أو كون المتهم من المعروفين بالقتل، أو السبب البيِّن، كالتفرق عن قتل، واللطخ: وهو التكلم في عرضه، وأن يتفق الأولياء في الدعوى.
* صفة القسامة:
إذا توفرت شروطها يُبدأ بالمدعين فيحلف خمسون رجلاً خمسين يميناً، توزع عليهم (أن فلاناً هو الذي قتله) فيثبت به القصاص، فإن امتنعوا عن الحلف أو لم يكملوا الخمسين، حلف المدعى عليهم خمسين يميناً إن رضوا، فإذا حلفوا برئ، وإن امتنع الورثة عن الأيمان ولم يرضوا بأيمان المدعى عليهم، فدى الإمام القتيل بالدية من بيت المال؛ لئلا يضيع دم المعصوم هدراً.
* ويحرم أن يقتل الإنسان نفسه بأي وسيلة، ومن قتل نفسه متعمداً فعقوبته الخلود في النار.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تردى من جبل فَقَتَلَ نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سُماً فقتل نفسه، فسُمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأُ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)). متفق عليه (¬1).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (5778)، واللفظ له، ومسلم برقم (109).

178 - د ت ن: قسامة بن زهير المازني البصري

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

178 - د ت ن: قَسَامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ الْمَازِنِيُّ الْبَصْرِيُّ [الوفاة: 91 - 100 ه]
حَدَّثَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
رَوَى عَنْهُ: قَتَادَةُ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، وَعَوْفٌ الأَعْرَابِيُّ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَتُوُفِّيَ فِي إِمْرَةِ الْحَجَّاجِ.
قُلْتُ: وَقَعَ حَدِيثُهُ عَالِيًا فِي الْقَطِيعِيَّاتِ.
لغة، بمعنى: القسم، وهو اليمين مطلقا أقيم مقام المصدر من قولهم: «أقسم أقساما وقسامة».
قال الشاعر:
وحليفكم بالله رب الناس مجتهد القسامة... اذهب بها اذهب بها طوق الحمامةوقيل: سمى القسم قسما لأنها تقسم على أولياء الدم.
ويقال: «أقسم الرجل» : إذا حلف.
وقيل: إنها الجماعة، ثمَّ أطلقت على الأيمان.
واصطلاحا:
- جاء في «كنز الدقائق» : تقال للإيمان تقسم على أهل المحلة إذا وجد قتيل فيها لم يدر قاتله حلف خمسون رجلا منهم، أي من أهل تلك المحلة وهؤلاء الرجال هم الذين يتخيّرهم ولى المقتول، فيقسم كل واحد منهم بأن يقول:
ما قتلته وما علمت له قاتلا، فإن حلفوا فعلى أهل المحلة الدّية، ولا يحلف الولي وحبس الآبي حتى يحلف وإن لم يتم العدد كرر الحلف عليهم ليتم العدد خمسين ولا قسامة على صبي ومجنون وامرأة وعبد.
- وقال الميداني: إنها اليمين بعدد مخصوص، وسبب مخصوص على وجه مخصوص.
- وقال ابن عرفة: القسامة: حلف خمسين يمينا أو جزئها على إثبات الدم.
- وجاء في «الإقناع» : أنها اسم للأيمان التي تقسم على أولياء الدم.
- وجاء في «التوقيف» : أنها أيمان يقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم.
- وجاء في «معجم المغني» : أنها الأيمان المكررة في دعوى القتل.
- وجاء في «الروض المربع» : أنها أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
- وقال الشوكانى: هو عند الفقهاء: اسم للإيمان.
«دستور العلماء 3/ 68، وغرر المقالة ص 234، واللباب شرح الكتاب 3/ 171، وشرح حدود ابن عرفة ص 626، والإقناع 3/ 183، والتوقيف ص 581، ومعجم المغني 2/ 773، والروض المربع ص 486، والمطلع ص 368، 369، ونيل الأوطار 7/ 35، والموسوعة الفقهية 7/ 249، 250».

أَيْمانٌ مُكَرَّرَةٌ يَحْلِفُها أَوْلِياءُ المَقْتُولِ على إِثْباتِ القَتْلِ.
Collective oath: Repeated oaths sworn by the kin of a slain person to confirm the accusation of murder.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت