نتائج البحث عن (هَوَدَ ) 50 نتيجة

شهود المجمل:[في الانكليزية] Perception of the unity in the multiplicity [ في الفرنسية] Perception de l'unite dans la multiplictie في المفصّل رؤية الأحدية في الكثرة كذا في الاصطلاحات الصوفية.
شهود المفصّل:[في الانكليزية] Perception of the multiplicity in the unity [ في الفرنسية] Perception de la multiplicite dans l'unite ou l'unicite في المجمل رؤية الكثرة في الذات الأحدية.

إظهار تبديل اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل، وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

إظهار تبديل اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل، وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل
للشيخ: أبي محمد بن أحمد الأموي.
المتوفى: سنة ست وخمسين وأربعمائة.

الإعلام، بمصطلح الشهود والحكام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الإعلام، بمصطلح الشهود والحكام
للقاضي، نجم الدين: إبراهيم بن علي الطرسوسي، الحنفي.
المتوفى: سنة ثمان وخمسين وسبعمائة.
أوله: (الحمد لله على ما ألهم حمدا أستزيد من نعمائه... الخ).
وللشيخ: ناصر الدين بن السراج الحنفي، الدمشقي، أيضا.
تاريخ الشهود والحكام ببغداد
لتاج الدين: علي بن أنجب البغدادي.
المتوفى: سنة أربع وسبعين وستمائة.
وهو كبير.
في ثلاث مجلدات.

تحفة الحبيب، فيما يبهجه من رياض الشهود والتقريب

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تحفة الحبيب، فيما يبهجه من رياض الشهود والتقريب
في علم الطريقة.
لمحمد بن علي الحموي، المعروف: بابن عطية.
المتوفى: سنة 954.
أوله: (الحمد لله الذي أعجم حرف الوجود بنقطة الوجود... الخ).
ألفه: سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة.
(هَوَدَ)الْهَاءُ وَالْوَاوُ وَالدَّالُ: أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى إِرْوَادٍ وَسُكُونٍ. يَقُولُونَ: [التَّهْوِيدُ] : الْمَشْيُ الرُّوَيْدُ. وَيَقُولُونَ: هَوَّدَ، إِذَا نَامَ. وَهَوَّدَ الشَّرَابُ نَفْسَ الشَّارِبِ، إِذَا خَثَرَتْ لَهُ نَفْسُهُ. وَالْهَوَادَةُ: الْحَالُ تُرْجَى مَعَهَاالسَّلَامَةُ بَيْنَ الْقَوْمِ. وَالْمُهَاوَدَةُ: الْمُوَادَعَةُ. فَأَمَّا الْيَهُودُ فَمِنْ هَادَ يَهُودُ، إِذَا تَابَ هَوْدًا. وَسُمُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ تَابُوا عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ. وَفِي الْقُرْآنِ: {{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}} [الأعراف: 156] ، وَفِي التَّوْبَةِ هَوَادَةُ حَالٍ وَسَلَامَةٌ.
283- أهود بن عياض
أهود بْن عياض الأزدي هو الذي جاء بنعي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حمير، وله عند ذلك كلام يدل عَلَى أَنَّهُ كان مسلمًا.
ذكره ابن الدباغ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاق.

جهود الخلفاء الرّاشدين في نشر الإسلام

الإصابة في تمييز الصحابة

فإنّ اللَّه حين اختار نبيّه محمدا ﷺ لتبليغ رسالته اختار له أصحابا على شاكلته، عزّروه ونصروه واتّبعوا النّور الّذي أنزل معه، عاشوا تحت راية نبيّهم سعداء، وماتوا صديقين أو شهداء، كان التّوحيد مبدأهم، والحب ديدنهم، والسلام طبيعتهم، والصلاة والصيام والصدقة وصلة الأرحام منهجهم، ورضا اللَّه غايتهم. ملئوا الدنيا نورا، وأشاعوا في الكون بهجة وسرورا، وقادوا الإنسانية إلى ركب الحضارة المستنيرة، وأرسوا قواعد الدين فلم يغيروا ولم يبدّلوا، حبب اللَّه إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من اللَّه ونعمة.
ولما ختار اللَّه نبيه إلى جواره بعد أن ترك الناس على المحجّة البيضاء تألق في سماء الإسلام نجم كان الوزير الأول في حياته ﷺ ثم صار الخليفة بعد مماته، ذلكم هو أبو بكر الصديق الّذي سار على النّهج المحمدي في غير تحريف ولا تبديل.
فقضى على أول فتنة ظهرت بعد وفاة النبي ﷺ في سقيفة بني ساعدة ... تلك التي أثارها وأشعل نارها سعد بن عبادة الخزرجي، بعد أن منّ اللَّه على أبي بكر بقوة الحجّة والبرهان، ومنّ على سعد بن عبادة ومن اتبعه بالطاعة والإذعان، ثم توجّه إلى مانعي الزّكاة فأعادهم بقوة بأسه ورباطة جأشه إلى ما كانوا عليه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وحارب المرتدين فعادوا إلى حظيرة الإسلام صاغرين، وأنفذ جيش أسامة إلى الرّوم، وكان قد جهزه رسول اللَّه ﷺ للخروج إليهم، ولتأديب الغساسنة العرب الذين هجروا الجزيرة العربية، واستقروا في الشام، وواجه أدعياء النّبوة من أمثال مسيلمة الكذّاب والأسود العنسيّ وطليحة الأسديّ وسجاح التميمية وغيرهم فارتدوا خاسرين.
ثم انطلق أبو بكر يرسل كتائب الإيمان خارج الجزيرة العربية في العراق والشام، ليكسر حاجز الخوف الّذي استولى على نفوس العرب من بطش هاتين الدّولتين العظيمتين (الفرس والروم) .
وتم ذلك كله في غضون عامين مدّة خلافة الصّديق رضي اللَّه عنه، ثم ودع الحياة راضيا مرضيا ليحمل الرّاية من بعده الفاروق عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ذلك الّذي وضع منهجا للدولة الإسلامية يحوي التنظيمات الإدارية، فدوّن الدواوين كديوان العطاء، وديوان الجند، وديوان الاستيفاء، كما أوجد مصادر للدخل بما أفاء اللَّه على جيوشه من ثروات الدّولة الفارسية والبيزنطية إلى جانب الزّكاة والخراج والجزية.
ونظم القضاء بصفة خاصّة، ولم يكن هو وصاحبه في سلوكهما هذا على بدع من القول أو الفعل، وإنما كان اقتداء بالنبيّ القدوة، والرّسول الأسوة ﷺ.
وحقق الفاروق قضية الشّورى كما أرادها اللَّه ورسوله في محكم التنزيل.
وازدادت السّياسة الخارجية في عهده رسوخا ووضوحا فتمت الفتوحات التي بدأت في عهد الصديق على يده بعد أن عدل الخطط الحربية، وغير القيادات، وفتحت دمشق، وتم الاستيلاء على بيت المقدس، وكانت الخاتمة الحسنى بفتح مصر في العام الثلاثين من الهجرة، ودخل الأقباط في الإسلام أفواجا بعد أن خلصهم عمرو بن العاص وجنوده من اضطهاد الرومان وتعسّفهم.
ثم كان عثمان بن عفان الخليفة الثالث بعد استشهاد الفاروق عمر بن الخطاب، وانكسر الباب، وخرجت الفتنة تطل برأسها من جحرها، فظنوا حلم عثمان ضعفا، وما كان إلا رجلا حييّا ستّيرا تستحي منه ملائكة الرّحمن.
انظر إليه حين تولّى هذا الأمر، تجده أمام مهام تنوء بعصبة أولي قوة وقد حملها وحده.
فها هو معاوية يتربّع على عرش الشام ويدين له أهلها بالطّاعة العمياء فلم يشأ أن ينقض بناء أرسى قواعده من سبقه، وهذه أساليب الدّهاء والمكر والخداع تحيط به من كل مكان حتى اضطر للاستعانة بأهل الثّقة من أقاربه بعد أن فقدها فيمن حوله.
ومع ذلك فإن الإمبراطورية التي امتدت في عهد أمير المؤمنين عمر من أقصى فارس شرقا، إلى حدود برقة وطرابلس غربا، ومن بحر قزوين شمالا إلى بلاد النوبة جنوبا، لم تتوقف في عهد ذي النّورين عثمان بن عفان حيث اجتازت جيوشه أرض فارس حتى وصلت إلى طبرستان شرقا، وإلى بلاد خراسان، كما تكونت أول قوة بحرية لصد عدوان الأساطيل البيزنطية على سواحل مصر والشام، فانضم جزء آخر من بلاد النوبة في الجنوب وانضمت لها بلاد أرمينيّة، ودخلت البحرية الإسلامية جزيرة «قبرص» وما أمر واقعة «ذات الصّواري»
ببعيد حيث كان النصر فيها إيذانا بتفوّق المسلمين على دول البحر المتوسط.
وانتقل الخليفة عثمان إلى جوار ربه متوّجا بالشهادة وهو يقرأ القرآن على أثر فتنة تبنّاها عبد اللَّه بن سبإ اليهودي، وأشعل نارها في سائر الولايات الإسلامية بما تحمل من شائعات كاذبة وانتقاصات باطلة تقلّل من شأن الخليفة الراحل، وكانت هذه الفتنة اليهودية سببا في الهرج والمرج والقيل والقال مما واجهه الإمام علي بن أبي طالب في بداية خلافته، وإن شئت قلت: في بداية محنته، فقد كان يمسك بزمام الأمور في عهد عثمان الشهيد بعض الولاة غير الأكفاء، ومنهم متطلّع إلى الخلافة نفسها، أو مطالب بدم عثمان بدعوى أنه ولي دمه.
باختصار كان علي بن أبي طالب في موقف لا يحسد عليه، فأراد أن يؤمّن الدولة من الداخل بعزل بعض الولاة، وتولية آخرين ممن يراهم أهلا للمهمّة الخطيرة في المرحلة القادمة، فلم يلق إلا العصيان والتمرد والخروج عليه مما عطل مسيرة الحكم الراشد الّذي أراده لهذه الأمة.
وبينما عليّ يفكر في أمر معاوية إذا بأخبار تصله بخروج طلحة والزبير في صحبة أم المؤمنين السيدة عائشة رضي اللَّه عنها، واستمر اليهودي المتآمر عبد اللَّه بن سبإ ليعلن أن الثّوار قد خرجوا لمهاجمة علي وراع عليّا ما كان من خروج أم المؤمنين في صحبة هؤلاء، ولكن سرعان ما هدأ حين علم أنها جاءت للصلح بين أولادها المتنازعين باعتبارها أمّا للمؤمنين،
وقال علي: لا بأس. إنها أمّنا وزوجة نبينا،
ولكن زعيم الفتنة اليهودي خشي افتضاح أمره وتسليمه ليد العدالة فاجتمع بأتباعه، وقال لهم: يا قوم إن عزكم من خلطة الناس فصانعوهم وتملقوهم، وإذا التقى الطرفان المتنازعان غدا فانشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر والجلوس على مائدة الصلح وبات الجميع على الصلح، وبات ابن سبإ وأنصاره (قتلة عثمان الحقيقيون) بشرّ ليلة حتى إذا أصبح الصباح نشبوا القتال، وظن أصحاب أم المؤمنين أن عليّا قد بدأ القتال
بينما تعجب علي مما رأى من تغيير النية فنادى طلحة قائلا.
- يا طلحة جئت بعرس رسول اللَّه تقاتل بها، وقد خبأت عرسك في بيتك؟
ماذا أنت صانع يوم القيامة حين يقول لك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: لم جئت بزوجتي إلى هذه الأرض؟ فأحس طلحة بعظم ما ارتكب فأدار وجهه وقفل راجعا، ولكن لم يفلت من القتل على يد أحد أرباب الفتنة، وتذكر الزّبير ما كان من أمره مع علي أمام النّبي ﷺ فعاد وهو يقول: العار ولا النّار، وحرص ابن سبإ على قتل أم المؤمنين، فهاجم هو وجنوده الهودج الّذي يحملها على جملها، ولكن عليّا عاجل الجمل بضربة عقرته وأوقعت الهودج قبل أن يتمكن منه دعاة
الفتنة وأعاد أم المؤمنين إلى بيتها في حماية أربعين حارسا أوصلوها سالمة ولم يكن هؤلاء الجنود إلا نساء من فتيات قريش تزيوا بزيّ الرجال مراعاة لحرمة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وكان على رأسهم أخوها محمد بن أبي بكر، فلما اكتشفت أم المؤمنين ذلك أطرقت برأسها قائلة: لقد أبي أبو الحسن إلا أن يكون عليّا.
وبعد شهر من هذه الواقعة بدا يوم صفّين مكشرا عن أنيابه، وكانت نهاية هذه الموقعة أسوأ من بدايتها فقد انتهت بخدعة التحكيم المشهورة، أما الخوارج فقد حكموا على الإمام علي بالكفر وقتله أحدهم وهو عبد الرحمن بن ملجم الّذي ألحقه اللَّه بعاقر ناقة ثمود في النّار بجريمته النكراء وفعلته الشّنعاء.
وتولى الخلافة بعده ابنه الحسن بن علي الّذي ما لبث أن ودعها غير آسف عليها تاركا أعباءها لمعاوية بن أبي سفيان رضي اللَّه عنه الّذي لم تصح له الخلافة إلا بعد تنازل الحسن عنها له، وكان قد أخذ البيعة من أهل الحلّ والعقد كما بويع لأبيه الإمام علي من قبل وَصدقت نبوءة النبي ﷺ فيما
أخبر به عن الحسن حيث قال: «إنّ ابني هذا سيّد وسيصلح اللَّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» [ (1) ] .
وهكذا أصبحت الخلافة ملكا عضوضا على يد معاوية الّذي ورثها لابنه اليزيد، وأجبر الناس على بيعته في حياته حتى لا ينازعه في ملكه منازع من بعده.
ولسنا نقول بأن الخبر الّذي قاله النّبي ﷺ عن الملك العضوض حين يفيد انتقاصا من قدر الملوك فإنه غالبا ما يكون فيهم الحزم والكياسة إلى جانب الشّدة والعنف، وها هو داود وابنه سليمان كانا رسولين ملكين، وكان الملك والجاه والسلطان خير سند لرسالتهما، كما كانت ملكة سبإ من خير ملكات العالم بما أوتيت من الحكمة والرشاد حيث حكمت اليمن وقادت الجيوش الجرّارة حتى إذا دعيت للإسلام قادت شعبها وجيشها إلى الدّخول في طاعة سليمان قائلة: «وأسلمت مع سليمان للَّه ربِّ العالمين» وهذه الأرض يعيش عليها الآن ملوك يقودون شعوبهم متّجهين بهم إلى السّير في ركب الحضارة الإنسانية بما أوتوا من الحنكة والتجربة وعراقة الأصل وسلامة الدّين.
هذا وما زالت آثار الصّحابة والخلفاء قائمة بين دول الإسلام بما خلّفوه من علم وفهم لكتاب اللَّه وسنّة نبيه ﷺ، وستظل باقية حتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
(أبو هريرة) المفترى عليه (رضي اللَّه عنه)
طعن أرباب الأهواء قديما وحديثا في أبي هريرة- رضي اللَّه عنه ليتخلصوا من أحاديثه التي تقف دون أهوائهم، وتردّ كيدهم. في نحورهم، وسندهم في هذه المطاعن إمّا روايات مكذوبة أو ضعيفة، وإما روايات صحيحة لم يفهموها على وجهها، بل تأوّلوها تأويلا باطلا يتفق وأهواءهم، وإنّا لذاكرون لك بعضا من هذه الطّعون، والجواب عنها بإيجاز ليكون ذلك نموذجا يحتذي في الدّفاع عن هذا الصّحابي الجليل، فنقول وباللَّه التوفيق:
(أ) - مما طعن به أهل الأهواء في صدق أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- «حديث الوعاءين» وهو ما رواه البخاريّ من باب «حفظ العلم» من كتاب «العلم» عن أبي هريرة قال:
«حفظت من رسول اللَّه ﷺ وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» [ (2) ] .
قالوا: هذا الحديث لو صح لترتّب عليه أن يكون النّبي ﷺ قد كتم شيئا من الوحي عن جميع الصحابة سوى أبي هريرة، وذلك لا يجوز بإجماع المسلمين.
والجواب: أنه ليس في الحديث ما يفيد أن رسول اللَّه ﷺ قد اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصحابة، وعلى تقدير أنه اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصّحابة، فليس فيه شيء من كتمان الوحي الّذي أمر اللَّه رسوله أن يبلغه النّاس.
قال ابن كثير: «هذا الوعاء الّذي كان لا يتظاهر به هو الحروب والفتن والملاحم، وما وقع بين الناس من الحروب والقتال وما سيقع» . أهـ.
فالإخبار عن بعض الحروب والملاحم الّتي ستقع ليس مما يتوقف عليه شيء من أصول الدّين أو فروعه، فيجوز للنّبيّ ﷺ أن يخص مثل هذا النّوع من الوحي شخصا دون الآخر، أو فريقا دون فريق.
(ب) - وممّا اتّخذ شبهة على صدق أبي هريرة في الحديث
أنه كان يروي عن رسول اللَّه ﷺ «من أدرك الصّبح وهو جنب فلا يصم» ، ويفتي به النّاس فبلغ ذلك عائشة وأمّ سلمة- رضي اللَّه عنهما- فأنكرتا عليه، وذكرتا «أن رسول اللَّه ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم «يغتسل ويصوم» ،
فرجع إلى حديثهما وقال: كذلك حدثني الفضل بن العبّاس
وأسامة بن زيد عنه ﷺ، وأمهات المؤمنين أعلم بمثل ذلك من الرجال.
والجواب: أن أبا هريرة لم يسمع الحديث من رسول اللَّه ﷺ وإنما سمعه من الفضل وأسامة عنه ﷺ وهما من أهل الصّدق والأمانة، ولكن لما ترجّح لديه حديث عائشة وأم سلمة رجع إليه، وترك فتواه اتّباعا للحق، وأمّا حديث الفضل وأسامة، فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة (منها) : أنه معارض بما هو أقوى منه، فيترك العمل به إلى الأرجح.
(ومنها) : أنه كان في مبدإ فرض الصّيام حين كان الأكل والشّرب والجماع محرّما بعد النوم، ثم أباح اللَّه ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة وأم سلمة ناسخ لحديث الفضل وأسامة، ولم يبلغهما ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه.
قال الحافظ ابن جحر: «وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه» [ (3) ] .
(ج) - قالوا:
روى أبو هريرة حديث: (لا عدوى ولا صفر ولا هامة) ، فقال أعرابيّ:
يا رسول اللَّه، فما بال الإبل تكون في الرّمل كأنها الظّباء، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها، قال رسول اللَّه ﷺ: «فمن أعدى الأوّل» [ (4) ] .
وروى أيضا حديث: «لا يوردنّ ممرض على مصحّ» ،
أي: صاحب إبل مريضة على صاحب إبل صحيحة مخافة العدوي.
قالوا: وبين الحديثين تناقض إذ الحديث الأول ينفي العدوي والثاني يثبتها، والنبي ﷺ لا يتكلم بمثل هذا فدار الأمر بين كذب أبي هريرة أو نسيانه في الرواية فإن قلنا بكذبه ارتفعت الثقة بمروياته، وإن قلنا بنسيانه ناقض حديث ضم الرداء وقوله فيه (فو الّذي نفسي بيده ما نسيت منه شيئا بعد) .
والجواب: أنه لا تناقض بين الحديثين، فحديث: «لا عدوى» معناه نفي أن تكون العدوي مؤثرة بذاتها دون إرادته تعالى.
وحديث
«لا يوردنّ ممرض على مصحّ»
المقصود منه ألّا يورد صاحب الإبل المريضة إبله على إبل صحيحة، لئلا تمرض فيتوهم النّاس أن ذلك المرض جاء للإبل الصحيحة من طريق العدوي بدون إذنه تعالى، ولك أن تقول: إنّ المقصود من الحديث الثّاني هو إثبات العدوي من طريق السّببية العادية التي يجوز فيها تخلّف المسبّب عن سببه،
فنهى النّبيّ ﷺ عن تلك المخالطة من باب اتّقاء أسباب الهلاك العادية امتثالا لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ (5) ] .
وإذا لم يكن بين الحديثين تناقض فلا كذب ولا نسيان.
نعم ثبت أنّ أبا هريرة كان يروي الحديثين جميعا في بعض المجالس، وكان يقتصر على رواية أحدهما في بعضها، اقتصر مرّة على رواية الحديث الثّاني فقيل له: إنك رويت الحديث: «لا عدوى» فرطن بالحبشية، وأنكر على من قال ذلك، فظن أبو سلمة «الراويّ للحديثين عنه» أن إعراضه عن رواية حديث «لا عدوى» في ذلك المجلس نسيان منه روايته.
ويجاب عن ذلك بأن إعراضه عن روايته هذا الحديث ليس من قبيل النّسيان كما فهم أبو سلمة، وإنما هو مراعاة حال من يحدثهم، ولذلك يقول القرطبي في «المفهم» : (ويحتمل أن يكون أبو هريرة خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين فسكت عن أحدهما، وكان إذا أمن ذلك حدث بهما جميعا) أ. هـ.
وإن أردت زيادة على ذلك فارجع إلى «فتح الباري» في باب (لا هامة) من كتاب «الطّبّ» .
(د) - قالوا: كان أبو هريرة يدلّس في الحديث، فيروي عن النّبي ﷺ ما لم يسمعه منه كما
في حديث: (من أصبح جنبا فلا صوم له) ،
وقد تقدّم، والتّدليس أخو الكذب.
والجواب عن ذلك: أن أبا هريرة بحكم تأخّر إسلامه إلى سنة سبع من الهجرة قد فاته كثير من أحاديث رسول اللَّه ﷺ فكان عليه ليستكمل علمه بالحديث أن يأخذه من الصّحابة الذين سمعوه من النّبي ﷺ شأنه في ذلك شأن سائر الصّحابة الذين لم يحضروا مجالسه ﷺ إمّا لاشتغالهم ببعض أمور الدّنيا، وإمّا لحداثة سنّهم وإما لتأخّر إسلامهم، أو لغير ذلك، يؤيد ذلك ما ثبت عن حميد قال: كنا مع أنس بن مالك، فقال: «واللَّه ما كلّ ما نحدثكم عن
رسول اللَّه ﷺ سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا»
[ (6) ] . رواه الطّبرانيّ في «الكبير» ، ورجاله رجال الصحيح.
وعن البراء قال: «ما كلّ الحديث سمعناه من رسول اللَّه ﷺ كان يحدّثنا أصحابه عنه، كانت تشغلنا عنه رعية الإبل» [ (7) ] .
رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم أيضا في «المستدرك» بلفظ: «ليس كلّنا سمع حديث رسول اللَّه ﷺ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ، ويحدث الشّاهد الغائب» [ (8) ] .
قال الحاكم: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، وأقرّه الذّهبيّ.
ولا ينبغي أن يعدّ حذف الصّحابي الّذي سمع الحديث، ولقنهم إياه من قبيل التّدليس، إذ الصحابة كلهم عدول بإجماع أهل الحق، وخلاف العلماء في الاحتجاج بالمرسل إنما كان للجهل بحال المحذوف، وذلك لا يتأتّى ها هنا، ولذلك يقول ابن الصّلاح في «مقدّمته» :
«مرسل الصّحابي مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول اللَّه ﷺ ولم يسمعوه منه في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصّحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول» أ. هـ.
وقال السّيوطيّ في «التّدريب» : «أمّا مرسل الصّحابي وإخباره عن شيء فعله النّبي ﷺ أو قاله مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه فمحكوم بصحته على المذهب الصّحيح الّذي قطع به الجمهور أصحابنا وغيرهم، وأطبق المحدثون المشترطون للصّحيح القائلون بضعف المرسل، وفي «الصّحيحين» من ذلك ما لا يحصى، لأن أكثر روايتهم عن الصّحابة، وكلهم عدول رواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذ رووها بيّنوها، بل أكثر ما رواه الصّحابة عن التّابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليّات أو حكايات أو موقوفات» .
ومن ذلك كلّه يتبيّن أنه لا كذب من أبي هريرة، إذ إنه لم يقل في هذا الضّرب من الحديث: «سمعت رسول اللَّه يقول كذا، أو رأيته يفعل كذا» ، بل كان يقول: قال رسول اللَّه ﷺ كذا، أو فعل كذا، وما شابه ذلك، كما أنه لا تدليس منه أيضا، لأن الرّاوي المحذوف من الصّحابة والإجماع قائم على عدالتهم.
(هـ) - قالوا: نهاه عمر عن التحديث، وقال له: «لتتركن الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس» ، وهذا من عمر يدل على كذب أبي هريرة.
والجواب: أنّ أبا هريرة كان يرى لزاما عليه أن يحدّث النّاس بما سمعه من رسول اللَّه ﷺ خروجا من إثم كتمان العلم، وقد ألجأه ذلك إلى أن يكثر من رواية الحديث، فكان في المجلس الواحد يسرد الكثير من أحاديثه ﷺ ولكن عمر- رضي اللَّه عنه كان يرى أن يشتغل النّاس أولا بالقرآن، وأن يقلّوا الرّواية عن رسول اللَّه ﷺ في غير أحاديث العمل، وأن لا يروى للناس أحاديث الرّخص لئلا يتّكلوا عليها، ولا الأحاديث المشكلة التي تعلو على أفهامهم، كما أنه كان يخاف على المكثرين الخطأ في رواية الحديث إلى غير ذلك، ومن أجل ذلك كلّه نهى عمر الصحابة عن الإكثار من الرواية، وأغلظ لأبي هريرة القول وهدده بالنّفي، لأنه كان أكثر الصحابة رواية للأحاديث.
قال الحافظ ابن كثير: «وقد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك في التّحديث فقال مسدّد بسنده عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديثي فأرسل إليّ فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول اللَّه ﷺ في بيت فلان؟ قال: قلت: نعم، وقد علمت لم تسألني عن ذلك؟، قال: ولم سألتك؟ قلت:
إن رسول اللَّه ﷺ قال يومئذ: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوَّأ مقعده من النّار»

[ (9) ] قال: «أمّا إذن فاذهب فحدّث» [ (10) ] ، (و) - قالوا: ولم يكن عند أبي هريرة رصيد من الأحاديث أكثر من غيره، وإنّما الّذي جعله يتفوق على غيره من الصّحابة في كثرة الرّواية أنه استجاز لنفسه أن ينسب إلى رسول اللَّه ﷺ كل كلام حسن، قاله أو لم يقله، مما هو خارج عن دائرة الحلال والحرام.. قالوا:
وسند أبي هريرة في ذلك أحاديث رواها عن النّبي ﷺ منها:

«إذا لم تحلّوا حراما ولم تحرّموا حلالا، وأصبتم المعنى فلا بأس»
[ (1) ] .
2
«إذا حدّثتم عنّي بحديث يوافق الحقّ فخذوا به حدّثت به أو لم أحدّث»
[ (2) ] .
3
«ما بلغكم عنّي من قول حسن لم أقله فأنا قلته» .
والجواب عن ذلك: أن كثرة أحاديث أبي هريرة مع تأخّر إسلامه لا ترجع إلى ما زعموه، وإنّما ترجع إلى انقطاعه عن الدّنيا إلى مجالسه صلّى اللَّه عليه وسلم وملازمته إياه سفرا وحضرا، وإلى دعاء النبي صلّى اللَّه عليه وسلم له ألّا ينسى شيئا من حديثه، وإلى أنه عاش بعد وفاته صلّى اللَّه عليه وسلم نحوا من خمسين عاما يأخذ عن الصحابة ما فاته من الأحاديث ثم يرويها للناس.
وأما زعمهم أنه استجاز لنفسه أن يكذب على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في غير الحلال والحرام فباطل من وجوه:
- أن أبا هريرة من رواة حديث:
«من كذب عليّ متعمّدا فليتبوَّأ مقعده من النّار» ،
وثبت عنه أنه كان يذكره بين يدي ما يريد أن يرويه عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في كثير من مجالسه.
- وأن الصّحابة قد أقرّوه على رواية الأحاديث، ورووها عنه، ومن هؤلاء: عمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزّبير، وزيد بن ثابت، وأبو أيّوب الأنصاري، وابن عباس، وعائشة، وجابر، وعبد اللَّه بن عمر، وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعريّ [ (3) ] ، وهذا إجماع منهم على صدقه وأمانته.
- وأنّ الأحاديث التي رواها أبو هريرة وجد أكثرها عند غيره من الصّحابة.
وأما الأحاديث التي نسبوها إلى أبي هريرة فنجيب عنها بما يلي:
- الحديث الأول في الرّواية بالمعنى لا فيما زعموه من إباحة الكذب عليه صلّى اللَّه عليه وسلم ولم يروه أبو هريرة بل رواه غيره.
روى الحافظ الهيثميّ عن يعقوب بن عبد اللَّه بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن جدّه قال: أتينا النّبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقلنا له: بآبائنا وأمّهاتنا يا رسول اللَّه إنا نسمع منك الحديث، فلا
__________
[ (1) ] أخرجه الطبراني في الكبير 7/ 117. وذكره الهيثمي في الزوائد 1/ 157. والهندي في كنز العمال حديث رقم 29215، 29469.
[ (2) ] ذكره الهيثمي في الزوائد 1/ 155 وقال رواه البزار وفيه أشعث بن براز ولم أر من ذكره.
[ (3) ] راجع في ذلك مستدرك الحاكم 3/ 513 وتاريخ ابن كثير 8/ 108.

نقدر أن نؤدّيه كما سمعنا قال: «إذا لم تحلّوا حراما ولم تحرّموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس» [ (1) ] .
- والحديثان الثّاني والثّالث مكذوبان على أبي هريرة، إذ في سند الأوّل منهما أشعث بن براز كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه قال النسائي: متروك الحديث، قال البخاري:
منكر الحديث.
وفي سند الثاني منهما عبد اللَّه بن سعيد كذّاب مشهور، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال الدار الدّارقطنيّ: ذاهب، وقال الفلّاس: منكر الحديث. قال ابن حزم: «وقد ذكر قوم لا يتّقون اللَّه عز وجلّ أحاديث في بعضها إبطال شرائع الإسلام، وفي بعضها نسبة الكذب إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، وإباحة الكذب عليه ثم سرد تلك الأحاديث، وفيها هذان الحديثان، وأبطلهما ما ذكرناه، ثم قال ردّا على من أباح أن ينسب إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ما لم يقله:
«حسبنا أنهم مقرّون على أنفسهم بأنّهم كاذبون، وقد صحّ
عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أنه قال: «من حدّث عنّي بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»
[ (2) ] [ (3) ] .

دائرة المعارف (الإسلاميّة) ورأيها في أبي هريرة (رضي اللَّه عنه)
كتب أستاذنا العلامة الجليل الشيخ «محمد عرفة» مقالا قيما في الدّفاع عن رواية الإسلام (أبي هريرة) رضي اللَّه عنه يفنّد فيه مزاعم أصحاب دائرة المعارف الإسلامية المترجمة عن الانجليزية، وأنا أنقله حتى يرى القارئ ما عليه أوروبا والغرب من الحقد على الأمة الإسلامية.
قال: للمستشرق «جولدسيهر» رأي في الصّحابي الجليل (أبي هريرة) - رضي اللَّه عنه-. نشره في العدد السابع من المجلّد الأول من دائرة المعارف (الإسلامية) ، هذا الرّأي لا يستند إلى بحث تاريخيّ ولا سند علمي.
طعن «جولدسيهر» في أبي هريرة طعونا عدة، لكنها تدور حول عدم أمانته في نقل الحديث، فقد ذكر أنه مختلق، ومسرف في الاختلاق، وأنه كان يفعل ذلك بداعي الورع،
__________
[ (1) ] رواه الطبراني في الكبير ولم أر من ذكر يعقوب ولا أباه تراه السيوطي في تدريب الرّاوي 161 إلى ابن مندة في معرفة الصحابة والطبراني في الكبير. وانظر مجمع الزوائد 1/ 154.
[ (2) ] الأحكام ابن حزم 2/ 76، 77.
[ (3) ] الحديث والمحدثون محمد محمد أبو زهو من ص 153 إلى 162.

وأن الذين أخذوا عنه مباشرة قد شكوا فيما ينقل، وعبروا عن هذا الشّكّ بأسلوب ساخر، وأنه كان يضمن أحاديثه أتفه الأشياء بأسلوب مؤثر، وذلك يدلّ على روح المزاح التي كانت فيه، والّتي كانت سببا في ظهور كثير من القصص، وصاحب هذه المطاعن يعزو مطاعنه إلى كتب إسلامية، ليلقي عليها ثوبا خلّابا. وليوقع في روع الناس أنّها صحيحة، وهذه طريقة فيها كثير من الخداع واللّبس والتزوير، وسنميط اللثام عمّا فيها وباللَّه التوفيق.
إن أبا هريرة الّذي يجرحونه هذا التّجريح، ويسيئون إليه هذه الإساءة هو من جملة الصّحابة، ومن أوسعهم رواية، بل هو أوسعهم رواية لا مستثنيا أحدا إلا ابن عمرو وتجريح هذا البحر الّذي مليء علما وأدّاه إلى من حملوه عنه وأدوه إلى من بعدهم حتى وصل إلينا تجريح لهذا العلم الغزير، ورفع الثّقة عن كل مروياته، وفيه إفساد كبير، ولو كان لهذا الطّعن وجه من الصحة لاحتمل، ولكن طعن باطل لا حق فيه.
هذا الإمام قد روى عنه ثمانمائة من أهل العلم كما قال البخاريّ، وهذا فيه الدّلالة على ثقتهم به، لأنهم لو لم يثقوا به لما رووا عنه، وهو ثقة ثبت عند الصحابة وأهل الحديث.
قال ابن عمر: أبو هريرة خير مني وأعلم بما يحدث.
وقال طلحة بن عبيد اللَّه أحد العشرة: ولا شك أن أبا هريرة سمع من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ما لم نسمع وروى النّسائي أن رجلا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شيء، فقال زيد عليك أبا هريرة.. الحديث» .
وكان كثير الحفظ شديد الضّبط، شهد له بذلك أهل العلم والثّقات.
قال الشّافعيّ: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.
وحدث الأعمش عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد صلّى اللَّه عليه وسلم وقال أبو الزّعثرعة كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه، وكان اجلسني خلف السّرير أكتب ما يحدث به، حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله، وأمرني أن انظر، فما غيّر حرفا عن حرف.
هذه آراء الثّقات أصحاب هذا الشأن فيه، فمن عدلوه فهو الثبت الّذي لا يجرح، ومن بهرجوه فهو الزّائف الّذي لم يعدّل، ومن حظي بمثل هذا الثّناء من هؤلاء العلماء الأفاضل، فلا يضيره ما يقال بعد ذلك فيه.
إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها
[الطويل]

قال الشّيخ: ولا بدّ لنا أن نعرض لهذه الشّبهة التي أثاروها ونفندها:
- زعموا أنّ علمه الواسع بالأحاديث أثار الشّك في نفوس الذين أخذوا عنه مباشرة فلم يترددوا في التّعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر، وأحالوا القارئ على البخاريّ في كتاب «فضائل الأصحاب» رقم 11 يريدون بذلك حديث أبي هريرة أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم لشبع بطني حتى لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع. الحديث.
والمنصف يرى من هذا الأثر أن بعض النّاس قال: أكثر أبو هريرة تعجّبا من كثرة حفظه وروايته، وقد أظهر لهم السّبب في كثرة روايته وحفظه وهو أنه كان ألزم النّاس لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وأنه ما كان يعنيه الغنى، وإنما كان يعنيه الأخذ عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وكان يلصق بطنه بالحصباء من الجوع، وما كان يشغله عن رسول اللَّه تجارة ولا زراعة، فحفظ ما لم يحفظوا وسمع ما لم يسمعوا، فلما بيّن لهم السبب سكتوا عنه. ولنسلم ما زعموه من أنهم كانوا شاكّين لا متعجّبين، أفما كان ينبغي أن يأخذوا من تركهم إياه يحدّث بعد ذلك مدة عمره- وقد عمّر- بعد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم نحوا من خمسين سنة أنهم اقتنعوا بتعليله، وزال هذا الشّكّ من نفوسهم، إذ لو كانوا يرون في حديثه بأسا لكفوه عن التّحديث، وهم من تعلم في المحافظة على حديث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم والخوف أن يتسع الناس فيه، ويدخله التّدليس والكذب.
2- وأمّا زعمهم أن روايته ضمّنها أتفه الأشياء بأسلوب مؤثر، وذلك يدل على ما امتاز به من روح المزاح، الأمر الّذي كان سببا في ظهور كثير من القصص وعزوهم ذلك إلى ابن قتيبة، فليس شيء أوغل في التّضليل والإيهام من هذا- نحن لا ندري ما هي هذه الأحاديث التي زعموها، وكان يجب عليهم أن يبيّنوها لنا لنناقشهم فيها، وكان يجب عليهم أيضا إذ عزوا لابن قتيبة أن يذكروا اسم ذلك الكتاب فإن لابن قتيبة مؤلفات كثيرة، طبع منها كثير، إنهم لو فعلوا ذلك لكنّا نبين لهم أن ما في ابن قتيبة ليس كما فهموه، إذ لا يعقل أن يثني ابن قتيبة الثناء المستطاب على أبي هريرة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» ، ثم هو ينسب إليه ما ذكره أصحاب الدائرة، عليهم دائرة السّوء وغضب اللَّه عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا عظيما.
3- وأما ما نقلوه من وصف (شيرنجر) لأبي هريرة من أنه المتطرّف في الاختلاق ورعا، فلسنا ممّن يؤمن بقول (شيرنجر) وغير (شيرنجر) من المتطرّفين في الاختلاق على أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم تضليلا للمسلمين وتشويشا على الدّين، وإيذاء للحقيقة، وسترا للواقع.

وبحسبنا أن نقول: هذا طعن لا مبرر له، وتجريح لا يستند على سند: [الخفيف]
والدّعاوى إن لم تقيموا عليها ... بيّنات أبناؤها أدعياء
وقولهم: إنه المتطرّف في الاختلاق ورعا، كلام متهافت، لأنّا لا نعلم الورع إلا مانعا من الاختلاق على النّاس، فضلا عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وكيف يختلق أبو هريرة على رسول اللَّه؟
وهو راوي حديث:
«من كذب عليّ متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النّار» ،
وكان يبدأ به عند ما يرى أن يحدث.
فرجل سمع من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم هذا الحديث، ووعاه وأدّاه، وكان يستذكره ويذكّر به، ويقدّمه أمام تحديثه عن رسول اللَّه، وهو مؤمن ورع تقيّ، يستحيل في العادة أن يكذب على رسول اللَّه، فضلا عن أن يتطرف في الكذب عليه، ويرى أن الاختلاق والكذب عليه دين وورع.
4- وأمّا قولهم إنّ كثيرا من الأحاديث التي عزيت إلى أبي هريرة نحلت عليه في عصر متأخر، فنحن نسلّم أن أحاديث كثيرة وضعت وعزيت زورا إلى أعاظم المحدثين مثل أبي هريرة، ولكن رجال نقد الحديث قد عنوا ببيان الموضوع منها، وبهرجوا الزائف، ولم يخف عليهم بطلانه وأفسدوا على الوضّاعين طريقهم.
وبعد! فإذا كان أصحاب (دائرة المعارف) قد ألّفوها لغرض أن تكون صورة صحيحة للمعارف الإسلامية فما أبعدها عن أن تكون كذلك، وما أبعدهم فيها عن نيل هذا الغرض، وإذا كانوا قد ألّفوها لغرض تقبيح حال المسلمين في نظر الغربيين وتشويش عقائد المسلمين، وفتنة الشباب في دينهم فهي صالحة لهذا الغرض مؤدية له [ (1) ] .
قال الشّيخ محمد محمد أبو زهو في تعليقه على ما سبق «وبعد فقد طفحت كتب المبتدعة والمستشرقين، وأعداء الدّين، ومن تتلمذ لهم من جهلة المسلمين المأجورين قديما وحديثا بالكيد للإسلام في أشخاص أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ولا سيما أبو هريرة راوية الإسلام الأوّل.
وفي هذه الأزمان المتأخّرة، ظهرت شرذمة من أدعياء العلم والخلق التافهين، جمعوا كناسة العصور كلها من الطّعون والإزراء على صحابة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم عامة وأبي هريرة خاصة، يريدون ليهدموا ركنا شامخا من أركان الدين وأصلا وطيدا من أصوله ألا وهو سنّة سيّد المرسلين صلّى اللَّه عليه وسلم فلم يكتفوا بما أوردناه من مزاعمهم الباطلة، ولكنهم ضموا إليها تافها من
__________
[ (1) ] مجلة نور الإسلام (الأزهر حاليا) المجلد الخامس ص 639.

القول وزورا، ولا بأس أن نذكر لك شيئا منها مع الرّدّ عليها بإيجاز فنقول:
1- زعموا أنّ أبا هريرة إنما أسلم حبّا في الدّنيا لا رغبة في الدين، وهذه دعوى يكذبها ما كان عليه أبو هريرة من التقشّف والانقطاع إلى العلم والعبادة والجهاد في سبيل اللَّه، والتّفاني في تبليغ أحاديثه صلّى اللَّه عليه وسلم.
2- وزعموا أنّ أبا هريرة كان خفيف الوزن في العلم والفقه وهذا محض افتراء على التّاريخ والواقع.
قال ابن سعد: كان ابن عبّاس وابن عمر وأبو سعيد الخدريّ وأبو هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وجابر، ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وأبو واقد اللّيثي، وعبد اللَّه بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم من لدن توفي عثمان إلى أن توفّوا.
ومعنى هذا أنّ أبا هريرة مكث يفتي النّاس على ملأ من الصّحابة والتّابعين ثلاثة وعشرين عاما.
وقد ذكر ابن القيّم المفتين من الصحابة، وذكر أنهم كانوا بين مكثر منها ومقلّ ومتوسط، وذكر أبا هريرة في المتوسطين مع أبي بكر الصّديق وعثمان بن عفان وأبي سعيد الخدريّ وأم سلمة وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد اللَّه وغيرهم، فمن زعم أن أبا هريرة غير فقيه فهو العاري عن الفقه [ (1) ] .
3- وزعموا أنّ عمر استعمل أبا هريرة على «البحرين»
، ثم بلغه عنه ما يخل بأمانة الوالي العادل، فعزله وأخذ ما بيده من أموال وضربه حتى أدماه، وهذا كلام من لم يميّز بين الحق والباطل من أقوال المؤرّخين، والرّواية التي يعوّل عليها أن عمر لما استحضر أبا هريرة من «البحرين» قال له: استأثرت بهذه الأموال فمن أين لك؟ قال أبو هريرة: خيل نتجت وأعطية تتابعت، وخراج رقيق لي، فنظر عمر فوجدها كما قال، ثم دعاه عمر ليستعمله أيضا فأبى، فقال له عمر: لقد طلب العمل من كان خيرا منك، قال أبو هريرة: إنه يوسف نبيّ اللَّه ابن نبي اللَّه، وأنا أبو هريرة بن أميمة، ومن ذلك يتبيّن أن عمر حاسبه على ما بيده من مال كما حاسب غيره من العمّال- فوجد الأمر كما قال، فعرض عليه أن يوليه ثانية فأبى، وهذا من عمر يدل على وثوقه بأبي هريرة، وأنه كان لديه أمينا حق أمين.
4- وزعموا أنه كان في الفتنة يصلي خلف عليّ، ويأكل مع معاوية، فإذا حمي
__________
[ (1) ] أعلام الموقعين 1/ 9.

الوطيس لحق بالجبل، فإذا سئل قال: عليّ أعلم ومعاوية أدسم، والجبل أسلم، وهذا من إفكهم وأباطيلهم، والثابت تاريخيا أنّ أبا هريرة- رضي اللَّه عنه- اعتزل الفتنة وأقام بالمدينة ولم يبرحها.
5- وزعموا أنه كان متشيّعا لبني أمية، ويأخذ من معاوية جعلا على وضع الأحاديث في ذمّ عليّ- رضي اللَّه عنه- والتّاريخ الصّحيح يسجّل أن أبا هريرة روى من الأحاديث ما فيه الثّناء المستطاب على عليّ رضي اللَّه عنه وآل البيت.
ذكر أحمد في مسندة طرفا منها، وقصته مع مروان حين أرادوا دفن الحسن مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم شاهد عدل على مبلغ حبه لآل البيت [ (1) ] .
ثم أين هي تلك الأحاديث الّتي وضعها أبو هريرة في ذمّ علي- رضي اللَّه عنه- ومن رواها من الثّقات إنها لا وجود لها إلّا في أدمغتهم وخيالاتهم.
إن الّذي تقرءوه عن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- في الصّحيح عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ليس هو الإزراء على أمير المؤمنين عليّ كرم اللَّه وجهه، وإنما هو الإشارة إلى ما سيكون من بعض حكّام الأمويين من ظلم.
ومن تلك الأحاديث:
«هلاك أمّتي على يدي غلمة من قريش» [ (2) ]
فقال مروان: غلمة قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان» .
«يهلك النّاس هذا الحيّ من قريش» ، قالوا فما تأمرنا؟ قال: «لو أنّ النّاس اعتزلوهم» [ (3) ] .
وفي هذا وذاك تعريض ظاهر ببعض أمراء بني أميّة، وتحريض على اعتزالهم، وممّا كان يدعو به كما في الصحيح: «اللَّهمّ إنّي أعوذ بك من رأس الستّين وإمارة الصّبيان» .
وقد استجاب اللَّه دعاء أبي هريرة فمات سنة ثمان وخمسين، ولم يدرك سنة ستين التي تولى فيها يزيد، وكان منه ما كان.
__________
[ (1) ] ذكر القصة ابن كثير في تاريخه 8/ 108.
[ (2) ] أخرجه البخاري في الصحيح 9/ 85 كتاب الفتن باب قول النبي صلّى اللَّه عليه وسلم هلاك أمتي.. حديث رقم 7058 وأحمد في المسند 2/ 324- والحاكم في المستدرك 4/ 527 والبيهقي في دلائل النبوة 6/ 465 وذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم 30899.
[ (3) ] أخرجه البخاري في الصحيح 5/ 46 كتاب المناقب باب علامات النبوة حديث رقم 3604 ومسلم في الصحيح 4/ 2236 كتاب الفتن وأشراط الساعة (52) باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء (18) حديث رقم (74/ 2917) - وأحمد في المسند 2/ 301 وذكره ابن كثير في البداية والنهاية 6/ 259 والهندي في كنز العمال حديث رقم 30833.
ويقال: هوذة بن أحمر «2» الحارثي.
ذكره أبو موسى في «الذّيل» ، فقال هود بن أحمر «3» ، وفد على النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في بني سدوس، استدركه أبو زكريّا بن مندة على جدّه.
قلت: وذكره الشّيرازيّ في «الألقاب» ، وأورد من طريق نمير بن حاجب بن نوبة بن شهاب بن زهير الذّهليّ، حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه شهاب بن زهير، قال: هاجر إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم خمسة من بكر بن وائل، وأربعة من بني سدوس، وواحد من عجل، فأما السّدوسيون فذكرهم إلى أن قال: وهوذة بن أحمر الحارثي، قال:
وأما العجليّ فهو فرات بن حيان.

تعرفة وبيان

ترتيبها المصحفي: 11 نوعها: مكية آيها: 121 مكي وبصري ومدني أخير، 122 مدني أول وشامي، 123 كوفي ألفاظها: 1946 ترتيب نزولها: 52 بعد يونس جلالاتها: 38 مدغمها الكبير: 27 مدغمها الصغير: 8 ياءات الإضافة: 18 ياءات الزوائد: 3

من فضائلها:- قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد شبت. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت».

النحوي: رَوْح بن أحمد بن يوسف الجُذامي، أبو زرعة القرطبي، المعروف بابن هُود.
من مشايخه: ابن الشرّاط أبي القاسم، وابن بشكوال وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ الإسلام: "كان فاضلًا كبيرًا عدلًا" أ. هـ.
* بغية الوعاة: "كان عارفًا بالفقه، مبرزًا في النحو، ريان في الأدب، فاضلًا هيِّنًا عدلًا تام المروءة" أ. هـ.
وفاته: سنة (620 هـ) عشرون وستمائة عن (65 سنة).

غدر اليهود بالمسلمين:.
إن المتأمل لتاريخ اليهود، والمتتبع للأحداث التاريخية، يجد بأن الغدر من أبرز الصفات التي اتصفت بها الأمة اليهودية، فقد اشتهروا بالغدر والخيانة لكل من يخالفهم، ولا سيما إذا كان المخالف لهم مسلماً، فهم بالغدر أشهر من نار على علم..
والقرآن الكريم قد بيّن لنا حقيقة هذه الأمة، وسرد لنا الأحداث التي تبين تجذر هذه الصفة القبيحة فيهم..
وقد سجل التاريخ طرفاً من غدر اليهود عبر تاريخهم المظلم المليء بالصفحات السوداء، منذ فجر الإسلام، ومن تلك المواقف:.
بعدما أبرمت وثيقة بين الرسول واليهود بعد الهجرة، وتقوت دولة الإسلام وتجذرت، بدأ اليهود يتحينون الفرص للغدر بالمسلمين، فكان أول من غدر منهم بنو قينقاع عندما اعتدوا على حجاب امرأة مسلمة في سوقهم وكشفوا عن عورتها، وعندها حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيش من المسلمين حتى أجلاهم عن المدينة وأبعدهم إلى بلاد الشام جزاء غدرهم وخيانتهم للعهد..
ثم تلاهم في الغدر بنو النضير عندما دبروا مؤامرة لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في دورهم يكلمهم ويتحدث إليهم فدبروا خطة لإلقاء صخرة عليهم من أعلى السطح فكشف الله له أمرهم فحاصرهم بجيش من المسلمين حتى تم إجلاؤهم إلى بلاد الشام كذلك..
وأخيراً كان الغدر الأكبر من بني قريظة يوم الأحزاب، حيث تجمع على المسلمين سائر طوائف الشرك من القبائل العربية، فلما رأى اليهود الضيق والحرج قد استبد بالمسلمين اهتبلوها فرصة وأعلنوا نقض العهد والالتحام مع المشركين، وكشف الله مكرهم، ثم بعد أن انهزم الأحزاب تفرغ لهم رسول الله صلى الله علي وسلم وأدب بهم من خلفهم، وكانت نهايتهم أن قتل مقاتلتهم وسبيت ذراريهم وأموالهم (¬1)..
¬_________.
(¬1) ((حوار الحضارات)) لموسى إبراهيم الإبراهيم، (ص192 - 193) نقلاً عن سيرة ابن هشام. بتصرف.

‫الجماعات اليهودية - اليهود الغربيون Western Jews‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

(اليهود الغربيون) مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى اليهود الذين هاجروا من العالم الغربي إلى إسرائيل.‬
‫ولما كانت أغلبيتهم من الإشكناز، أي من يهود بولندا ذوي الأصول الألمانية، فإن مصطلح (اليهود الغربيون) أصبح مرادفاً لمصطلح (الإشكناز). ولكن مصطلح (اليهود الغربيون) يظل (مقابل اليهود الشرقيون) هو المصطلح الأدق والأشمل لأنه يشير إلى الانتماء العرْقي والحضاري والإثني لهؤلاء اليهود، في حين نجد أن مصطلح (الإشكناز) تداخله أبعاد دينية تطمس معالمه وتجعله أداة غير دقيقة. فيهود هولندا يُشار إليهم بلفظ (إشكناز)، مع أن بعضهم يتبع التقاليد السفاردية في العبادة. وأغلبية اليهود الغربيين من يهود اليديشية (يهود شرق أوربا)، إلا أنهم فقدوا هويتهم اليديشية هذه وأصبحت أغلبيتهم تتحدث الإنجليزية (في الولايات المتحدة وإنجلترا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا) وبقيتهم تتحدث لغات بلادهم. كما أن هناك جماعات من يهود الغرب، مثل: يهود اليونان (الرومانيوت أو الجريجوس)، ويهود إيطاليا، ويهود جورجيا. لكن هؤلاء الغربيين لا ينتمون إلى التشكيل الإشكنازي (إن صح التعبير) من قريب أو بعيد. واليهود الغربيون في إسرائيل هم الأقلية العرْقية والحضارية المسيطرة على الحكومة والجيش والأحزاب والاقتصاد وعلى التوجه الحضاري العام، وهو ما يسبب حالة اغتراب شديدة لليهود الشرقيين، ويعمق الفوارق الاجتماعية. ويُلاحَظ أن مصطلح (اليهود الغربيون) مصطلح حضاري ثقافي، ومن ثم يُشار إلى يهود جنوب أفريقيا بوصفهم غربيين، مع أن أفريقيا جزء من الشرق.‬
‫¤ موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – لعبد الوهاب المسيري - موقع المسيري‬

‫الجماعات اليهودية - اليهود الشرقيون Oriental Jews‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

(اليهود الشرقيون) مصطلح كان يُطلَق على نسل أولئك اليهود الذين اتجهوا، عندما غادروا فلسطين قديماً، إلى العراق وإيران وأفغانستان وشبه الجزيرة العربية ومصر وبلدان شمال أفريقيا، وعلى يهود القوقاز (يهود جورجيا والجبال). ولكنه يشير الآن، في التجمع الاستيطاني الصهيوني، إلى اليهود الذين لا ينحدرون من أصل غربي، وقد أصبح لفظ (سفارد) مرادف للفظ (شرقيين) لأن معظم اليهود الشرقيين، في البلاد العربية على وجه الخصوص، يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة. ولكن مصطلح (سفارد) غير دقيق، فبعض اليهود الغربيين في هولندا وإنجلترا وإيطاليا من السفارد. كما أن الحسيديين يتبعون بعض التقاليد السفاردية في العبادة. لذا، يجب أن نستخدم مصطلح اليهود الشرقيين باعتبار أنه الكل الذي يضم معظم السفارد كجزء، وهذا الكل يضم يهود الفلاشاه ويهود الهند وغيرهم، وباعتبار أن مصطلح اليهود الشرقيين ذو مضمون طبقي عرْقي ثقافي مُتعيِّن، على عكس مصطلح (سفارد) ذي المضمون الديني غير المُحدَّد. كما يُستخدَم مُصطلَح (اليهود الغربيون) للإشارة إلى كل يهود الغرب.‬
‫¤ موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – لعبد الوهاب المسيري - موقع المسيري‬

‫الجماعات اليهودية - اليهود المستعربة Arabized Jews‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫اليهود المستعربة هم يهود البلاد العربية الذين اكتسبوا خصائص الحضارة العربية فأصبحوا عرباً، وهم أغلبية يهود العالم العربي، ولا سيما قبل دخول الاستعمار الغربي الذي فرنج عدداً منهم. وهم يُسمَّون خطأ (السفارد). والواقع أن كثيراً منهم يتبع المنهاج السفاردي في العبادة، ولكن هذا لا يجعلهم من السفارد بالمعنى الإثني، الذي لا ينطبق إلا على اليهود الذين خرجوا من إسبانيا والذين ينتمون إلى أولئك الذين كانوا يتحدثون اللادينو ومنهم المارانو (أو البرتغاليون). واليهود المستعربة جزء ممن نُطلق عليهم الآن مصطلح (يهود الشرق)
‫¤ موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية – لعبد الوهاب المسيري - موقع المسيري‬

‫كتبهم - الأسفار المقدسة عند اليهود - تعريف هذه الأسفار‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫إن الكتب المقدسة عند اليهود تنقسم على وجه الإجمال إلى قسمين هما:‬
‫الأول: التوراة وما يتبعها من أسفار الأنبياء المقدسة عند اليهود، وهذا القسم يسميه اليهود بعدة أسماء، منها:‬
‫1 - أهمها وأشهرها (التناخ) ويكتبونها بالعبرية (ت، ن، ك) وهي حروف اختصار من الألفاظ (توراة)، نبوئيم (الأنبياء)، كتوبيم (الكتب) وهي الأجزاء الثلاثة الكبيرة التي يتألف منها العهد القديم، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.‬
‫2 - (المقرا) ومعناه: النص المقروء؛ لأنهم مطالبون بقراءته في عباداتهم والرجوع إلى الأحكام الشرعية فيها التي تنظم حياتهم.‬
‫3 - (المِسُورَه) أو (المِسُورِتْ) وهو عندهم صفة علمية خاصة، يعنون بذلك النص المقدس المروي عن الأسلاف رواية متواترة - على حد زعمهم - ارتضتها أجيال العلماء ورفضت ما عداها.‬
‫الثاني: التلمود: الذي يعتبره اليهود مصدراً من مصادر التشريع اليهودي ومن أسفارهم المقدسة لديهم، ويتكون من جزئين: أحدهما يسمى المِشْنا أو المشْنَة، والثاني الجمارا أو الجمارة.‬
‫وهناك أسفار أخرى كثيرة عند اليهود لم تدخل ضمن الأسفار القانونية التي يتكوّن منها كتاب اليهود المقدس، وإن كانوا يحيطون تلك الأسفار الغير معترف بها- ويسمونها بـ (الكتب غير القانونية) أو (الأبوكريفا) - بكثير من العناية والاهتمام، ويجعلونها استمراراً لتاريخهم.‬
‫وسوف نبدأ الحديث - إن شاء الله تعالى - بشيء من التفصيل عن القسم الأول عرضاً ونقداً، ثم نتلوه بالقسم الثاني.‬
‫فأما القسم الأول: فإنه يندرج تحت ما يسمّى بـ (الكتاب المقدس) The Bible الذي يبذل النصارى جهوداً جبارة وخبيثة في سبيل ترجمته بمختلف اللغات واللهجات ونشره وتوزيعه في جميع أنحاء العالم.‬
‫وهذا الكتاب المزعوم بأنه مقدس ينقسم إلى قسمين رئيسين هما:‬
‫الأول: يسمى (العهد القديم أو العتيق) Old Testament ويحتوي على الأسفار المنسوبة إلى موسى والأنبياء من بعده الذين كانوا قبل عيسى عليهم الصلاة والسلام.‬
‫الثاني: يسمى (العهد الجديد) New Testament ويحتوي على الأناجيل وما يتبعها من الأسفار المنسوبة إلى الحواريين وتلامذتهم.‬
‫وهذا التقسيم والتسمية من النصارى الذين يقدسون العهد القديم والجديد، ومجموعهما هو الكتاب المقدس عندهم، ويعتقدونه وحياً كُتب بإلهام من الروح القدس لمؤلفيها.‬
‫العهد: هو الميثاق، ومعنى ذلك أن هذه الأسفار تعتبر ميثاقاً أخذه الله على الناس؛ ليؤمنوا ويعملوا به، وأخذ هذا المعنى من (سفر الخروج في التوراة) (24/ 8) وفيه: (وأخذ موسى الدم ورشَّه على الشعب، وقال: هو ذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال).‬
‫أما اليهود فإنهم لا يقدسون إلا العهد القديم فقط، وهو الكتاب المقدس عندهم، ولا يعترفون بالعهد الجديد ويكفرون به لكفرهم بالمسيح عليه الصلاة والسلام وقولهم بأنهم قتلوه وصلبوه، لذلك سوف تتركز دراستنا في هذا البحث على العهد القديم أو ما يسميه اليهود بـ (التناخ، أو المقرا، أو المسورت) ويشتمل على ستة وثلاثين سفراً، يقسمه اليهود باعتبار محتوياته إلى ثلاثة أقسام رئيسة.‬
‫ومما يجدر التنبيه إليه أن اليهود والنصارى قد وضعوا مصطلحات خاصة بكتبهم المقدسة لديهم؛ ليسهل عليهم الوقوف والرجوع إلى نصوصها، ومن تلك المصطلحات:‬
‫السفر: ويعني (الكتاب أو الباب)، وجمعه أسفار، وله عنوان أو مسمى، فيقال مثلاً: سفر التكوين، سفر أرميا ونحوه.‬
‫الإصحاح: ويعني (الفَصْل)، حيث إن السفر يشتمل على عدّة إصحاحات، ولكل إصحاح رقم، فيقال مثلاً: الإصحاح الأول، الإصحاح الثاني، وهكذا. وقد يرمز للإصحاح بالرمز (صح).‬

‫الفقرة: وتعني (العبارة أو النص)، فالإصحاح الواحد يحتوي على عدة فقرات أو نصوص مرقّمة.‬
‫كما تختصر تلك المصطلحات في عدة رموز، مثاله:‬
(تك 7/ 21 - 35)، ومعناه (سفر التكوين)، الإصحاح السابع، الفقرات من الفقرة الحادية والعشرين إلى الفقرة الخامسة والثلاثين.‬
‫تقسيم اليهود لأسفارهم المقدسة (العهد القديم)
‫بحسب محتوياته‬
(1) التوراة‬
‫ويشتمل على خمسة أسفار هي:‬
‫1 - سفر التكوين (50 إصحاحاً)
‫2 - سفر الخروج (40 إصحاحاً)
‫3 - سفر اللاويين (27 إصحاحاً)
‫4 - العدد (36 إصحاحاً)
‫5 - التثنية (34 إصحاحاً)
(2) أسفار الأنبياء‬
‫أسفار الأنبياء الأول (المتقدمين) وهي:‬
‫1 - سفر يشوع (يوشع بن نون) (24 إصحاحاً)
‫2 - سفر القضاة (21 إصحاحاً)
‫3 - سفر صموئيل الأول (31 إصحاحاً)
‫سفر صموئيل الثاني (24 إصحاحاً)
‫4 - سفر الملوك الأول (22 إصحاحاً)
‫سفر الملوك الثاني (25 إصحاحاً)
‫أسفار الأنبياء الأُخر (المتأخرون) وهي:‬
‫1 - سفر أشعيا (66 إصحاحاً)
‫2 - سفر أرميا (52 إصحاحاً)
‫3 - سفر حزقيال (48 إصحاحاً)
‫4 - أسفار الأنبياء الصغار أو الاثني عشر نبياً وهي:‬
‫1/ سفر هوشع (14إصحاحاً)
‫2/سفر يوئيل (3 إصحاحات)
‫3/ سفر عاموس (9إصحاحات)
‫4/ سفر عوبديا (إصحاح واحد)
‫5/ سفر يونان (4 إصحاحات)
‫6/ سفر ميخا (7 إصحاحات)
‫7/ سفر ناحوم (3 إصحاحات)
‫8/ سفر حبقوق (3 إصحاحات)
‫9/ سفر صفنيا (3 إصحاحات)
‫10/ سفر حجاي (إصحاحان)
‫11/سفر زكريا (14 إصحاحاً)
‫12/ سفر ملاخي (4 إصحاحات)
(3) الكتب (كتب الحكمة)
‫وتشتمل على الأسفار الآتية:‬
‫1 - مزامير داود (150 مزموراً)
‫2 - أمثال سليمان (31 إصحاحاً)
‫3 - سفر أيوب (42 إصحاحاً)
‫4 - نشيد الأناشيد (8 إصحاحات)
‫5 - سفر روث (راعوث) (4 إصحاحات)
‫6 - مراثي أرميا (5 إصحاحات)
‫7 - سفر الجامعة (12 إصحاحاً)
‫8 - سفر إستير (10 إصحاحات)
‫9 - سفر دانيال (12 إصحاحاً)
‫10 - سفر عزرا (10 إصحاحات)
‫11 - سفر نحميا (13 إصحاحاً)
‫12 - سفر أخبار الأيام، وينقسم إلى قسمين:‬
‫أخبار الأيام الأول (29 إصحاحاً)، أخبار الأيام الثاني (36 إصحاحاً)

‫كتبهم - الأسفار المقدسة عند اليهود - نقد التوراة المحرفة وما يتبعها من الأسفار‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫لقد ذكرنا فيما سبق بعض آيات القرآن الكريم الصريحة في أن اليهود قد حرَّفوا التوراة وغيرها من كتب الله المنزلة على أنبيائه من بني إسرائيل، ولقد انطلق علماؤنا المسلمون من تلك الآيات وغيرها من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في نقدهم للتوراة وما يتبعها من الأسفار المقدسة عند اليهود، واستخرجوا منها الأدلة والشواهد على تحقيق ما ذكره الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم من وقوع التحريف والتبديل والكذب في كتبهم، ونستطيع أن نقرر بكل ثقة أن الأسبقية في نقد التوراة والأناجيل والكتب الأخرى المحرفة كان لعلمائنا المسلمين بهدي من القرآن الكريم الذي وضع أصول ذلك النقد الهادف إلى إظهار الحق وإزهاق الباطل، وقد تأثر أحبار اليهود والنصارى ومفكريهم بالمسلمين في دراساتهم النقدية للتوراة والأناجيل، ومن ثم تجرؤوا على المشاركة في تلك الدراسات النقدية لكتبهم المقدسة بعد أن تخلصوا من طغيان الكنيسة وسيطرتها، واستطاعوا إعلان نتائج دراساتهم التي سبقهم إلى كثير منها علماؤنا المسلمون بقرون عديدة.‬
‫وفي هذه الدراسة الموجزة جدًّا سنحاول أن نبين الخطوط العريضة والعناوين الرئيسة في نقد أسفار العهد القديم وخاصة التوراة، وستتركز على ناحيتين: الأولى: نقد سند كتبهم المقدسة، وعدم صحة نسبتها إلى أنبيائهم، الثانية: نقد المتن، وبيان ما فيه من مواطن التحريف والتبديل والخطأ.‬
‫الناحية الأولى: نقد السند:‬
‫لقد أرشدنا القرآن الكريم إلى طريقة المجادلة، والرد على دعاوى اليهود والنصارى، وبيان بطلانها، وهي مطالبتهم بالحجة والدليل على مزاعمهم، قال تعالى: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين [البقرة: 111.‬
‫وبما أن اليهود وكذلك النصارى يزعمون أن التوراة الحالية كتبها موسى بيده وأن أسفارهم الأخرى كتبها أنبياؤهم أو أشخاص أوحي إليهم بها، فإنا نطالبهم بالأدلة والبراهين التي تثبت صحة نسبة التوراة المحرفة إلى موسى عليه الصلاة والسلام، وكذلك سائر أسفارهم المنسوبة إلى أنبيائهم قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ! [البقرة:111.‬
‫ومن الأدلة التي نطالبهم بها:‬
‫- النسخة الأصلية للتوراة التي كتبها موسى عليه الصلاة والسلام، أو أملاها على غيره، وكذلك النسخ الأصلية لأسفارهم الأخرى.‬
‫- السند المتصل المتواتر بنقل الثقات العدول الذي يثبت سلامة النص الحالي لأسفارهم من التحريف والتبديل. وتأتي الإجابة لطلبنا من أحبار اليهود والنصارى وباحثيهم بأنهم لا يملكون النسخ الأصلية للتوراة أو غيرها من الأسفار، وأن أقدم مخطوطة لديهم لأسفارهم تعود إلى القرن الرابع الميلادي، علما بأن موسى عليه الصلاة والسلام قد عاش في القرن الرابع عشر قبل الميلاد على الأرجح، وآخر نبي من أنبيائهم في العهد القديم عاش في القرن الرابع قبل الميلاد.‬
‫يقول مؤلفو (قاموس الكتاب المقدس): ولكن لا توجد لدينا الآن هذه المخطوطات الأصلية (للعهد القديم والجديد) التي دوَّنها كتبة الأسفار المقدسة.‬

‫ويعلل اليهود والنصارى فقدان النسخ والسند لكتبهم المقدسة بكثرة حوادث الاضطهاد والنكبات التي نزلت بهم خلال تاريخهم الطويل. ومن تلك الحوادث: الغزو الآشوري عليهم في سنة (722) ق. م، ثم الغزو البابلي الشهير سنة (586) ق. م ونتج عنه تدمير الهيكل وأخذ بني إسرائيل سبياً إلى بابل، ثم الاضطهاد اليوناني ومن بعده الاضطهاد الروماني الذي استمر لعدة قرون، وقد نتج عن هذه الاضطهادات إحراق أسفارهم وإتلافها ومنع قراءتها وقتل أحبارهم وعلمائهم.‬
‫ونضيف سبباً آخر مهمًّا لضياع أسفارهم، وانقطاع أسانيدهم، هو كثرة حوادث الردة والشرك في بني إسرائيل، وكفرهم بالله عزَّ وجلَّ، وإهمالهم للتوراة وغيرها، وهي مذكورة في أسفارهم المقدسة لديهم، ومنها ما ورد في (سفر القضاة) 2/ 11 - 15: (وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم، وتركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر، وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم، وسجدوا لها وأغاظوا الرب، تركوا الرب وعبدوا البعل وعشتاروت، فحمي الرب على إسرائيل فدفعهم بأيدي ناهبين نهبوهم وباعهم بيد أعدائهم، ولم يقدروا بعد على الوقوف أمام أعدائهم، حيثما خرجوا كانت يد الرب عليهم للشر، كما تكلم الرب وكما أقسم الرب لهم).‬
‫وقد تكررت الردة والشرك بالله من بني إسرائيل مرات عديدة في عهد القضاة.‬
‫ثم تكرر ذلك منهم في عهد الملوك، فقد ورد في (سفر الملوك) (12/ 28 - 33): (أن يربعام استشار الملك وعمل عجلي ذهب، وقال لهم: كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم، هو ذا آلهتكم يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر. ووضع واحداً في بيت إيل، وجعل الآخر في دان، وكان هذا الأمر خطية، وكان الشعب يذهبون إلى أمام أحدهما حتى إلى دان ... ).‬
‫وما ذكرناه مما يجعل كل عاقل منصف منهم يرتاب ويشك في صحة نسبة التوراة الحالية إلى موسى وسلامتها من التحريف والتبديل!!!‬
‫وكانت تلك الأسباب وغيرها قد دفعت بالكثيرين من محققي اليهود والنصارى إلى الاعتراف بأن أسفار العهد القديم مشكوك في أمر مؤلفيها، وإليك مختصرا لما يقوله محررو طبعة سنة (1971) م الإنجليزية من كتابهم المقدس لديهم، وهي آخر طبعة معدَّلة من كتابهم وآخر طبعة حتى الآن، يقول المحررون:‬
‫- سفر التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية: مؤلفه موسى على الأغلب.‬
‫- سفر يشوع: معظمه منسوب إلى يشوع.‬
‫وتكرر منهم الشرك والردَّة عن دين الله الحق مرات عديدة في عهد الملوك.‬
‫- انظر: (سفر الملوك الأول)، (الإصحاحات: 19، 22)، و (سفر الملوك الثاني)، (الإصحاحات: 1/ 13، 14، 15، 16، 17، 21، 22، 23، 24).‬
‫بل وصل بهم الكفر إلى حد وصف نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام بالكفر وعبادة غير الله، والعياذ بالله.‬
‫- انظر: (سفر الملوك الأول)، (الإصحاح:11).‬
‫نقلاً من كتاب (التحريف في التوراة)، (ص3) د. محمد الخولي، ووجدت أيضاً تلك الاعترافات بجهالة مؤلفي أسفارهم في مقدمة الكتاب المقدس (المدخل) طبع المطبعة الكاثوليكية سنة (1988) م بلبنان، وفي كتاب (رسالة في اللاهوت والسياسة) - تأليف الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا، وكتاب (السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم)، و (قاموس الكتاب المقدس) في التعليق على تلك الأسفار.‬
‫- سفر القضاة: مؤلفه صموئيل على الاحتمال.‬
‫- سفر راعوث: مؤلفه غير محدد، ولكن ربما يكون صموئيل.‬
‫- سفر صموئيل الأول: المؤلف مجهول.‬
‫- سفر صموئيل الثاني: المؤلف مجهول.‬
‫- سفر الملوك الأول: المؤلف مجهول.‬
‫- سفر الملوك الثاني: المؤلف مجهول‬
‫- سفر أخبار الأيام الأول: المؤلف مجهول، ولكن ربما جمعه وحرره عزرا.‬
‫- سفر أخبار الأيام الثاني، المؤلف مجهول، ولكن ربما جمعه وحرره عزرا.‬

‫- سفر عزرا: من المحتمل أن عزرا كتبه أو حرره.‬
‫- سفر أستير: المؤلف مجهول.‬
‫- سفر المزامير: المؤلف الرئيسي داود، لكن معه آخرون وبعضهم مجهولون.‬
‫- سفر الأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد: المؤلف مجهول، ولكنها عادة تنسب إلى سليمان.‬
‫- سفر إشعياء: ينسب معظمه إلى أشعيا، ولكن من المحتمل أن بعضه قد كتبه آخرون.‬
‫- سفر يونان: المؤلف مجهول.‬
‫- سفر حبقون: لا يعرف شيء عن مكان أو زمان ولادته.‬
‫وبعد هذا الاعتراف منهم فإن الأمر لا يحتاج إلى زيادة تعليق منا.‬
‫ومن الأدلة أيضاً على عدم الوثوق بالتوراة الحالية ما ورد في (سفر الملوك الثاني) (22/ 8 - 13) في عهد الملك يوشيا من ملوك مملكة يهوذا، أن التوراة قد فقدت وضاعت من بني إسرائيل سنوات عديدة، ثم ادعاء العثور عليها على يد الكاهن في الهيكل، ولا نسلم لهم بأن التوراة التي عثر عليها هي توراة موسى؛ إذ إن اتهام الكاهن بالتزوير قائم في مسايرته لرغبة الملك في العودة إلى التوحيد بعد ارتداد وكفر من سبقه من آبائه، إضافة إلى أن هذه النسخة من التوراة قد فقدت أيضاً في الغزو البابلي وحوادث الحروب الأخرى.‬
‫ومن الأدلة القاطعة على عدم صحة نسبة التوراة الحالية إلى موسى عليه الصلاة والسلام نصوص التوراة نفسها، وإليك بعض الشواهد:‬
‫- خاتمة التوراة في (سفر التثنية) (34/ 1 - 12) وفيه: (فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب حسب قول الرب ودفنه في الجواء ... ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم، وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته، فبكى بنو إسرائيل موسى في عربات موآب ثلاثين يوماً، فكملت أيام بكاء مناحة موسى، ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة، إذ وضع موسى عليه يديه فسمع له بنو إسرائيل وعملوا كما أوصى الرب موسى، ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه ... ) وبذلك ينتهي كتاب التوراة.‬
‫ولا أعتقد أن عاقلاً يجرؤ على القول أن كاتب هذا الكلام هو موسى عليه الصلاة والسلام!!!‬
‫- إن بعض نصوص التوراة تتحدث عن موسى بضمير الغائب، وبصيغة لا يمكن التصديق بأن كاتبها هو موسى، ومن تلك النصوص: (تحدث الله مع موسى) (وكان الله مع موسى وجهاً لوجه) (وكان موسى رجلاً حليماً جدًّا أكثر من جميع الناس) (فسخط موسى على وكلاء الجيش) (موسى رجل الله) ونحو ذلك، فلو كان موسى كاتب تلك النصوص لقال مثلاً: كلمني الرب، تحدثت مع الله. ونحوه.‬
‫-إن ملاحظة اللغات والأساليب التي كتبت بها التوراة وما تشتمل عليها من موضوعات وتشريعات وبيئات اجتماعية وسياسية وجغرافية تنعكس فيها، تظهر أنها قد ألفت في عصور لاحقة لعصر موسى، مما يثبت أن هذه الأسفار قد كتبت بأقلام اليهود التي تعكس أفكارهم ونظمهم المتعددة في مختلف أدوار تاريخهم الطويل، مثال ذلك:‬
‫ورد في التوراة في (سفر التكوين) (14/ 14) أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام تتبع أعداءه إلى (دان). وهي اسم مدينة لم تُسَمَّ بهذا الاسم إلا بعد موت يوشع بعد دخول بني إسرائيل فلسطين واستقرارهم بها، فقد ورد في (سفر القضاة) (18/ 29) (وسمّوا المدينة دان) باسم أبيهم الذي ولد لإسرائيل، وكان اسم المدينة قبل ذلك) لاييش) فكيف يذكر موسى - وهو يقص قصة إبراهيم- اسم مدينة لم تسمَّ بهذا الاسم إلا من بعده بزمن طويل جدًّا؟!!‬
‫تلك بعض الملاحظات التي جعلت الفيلسوف اليهودي باروخ سبنوزا (ت1677م) يعلن صراحة قوله: (من هذه الملاحظات كلها يظهر واضحاً وضوح النهار أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة، بل كتبها شخص آخر عاش بعد موسى بقرون عديدة). ا. هـ‬

‫أضف إلى ذلك أيضاً اختلاف فرق اليهود في قبول ورفض بعض أسفار العهد القديم، فطائفة السامرة من اليهود لا تعترف إلا بالتوراة الخمسة الأسفار، وتنكر ما عداها من الأسفار، وتقبل منها سفري يوشع والقضاة باعتبارهما أسفارا تاريخية فقط. ويخالفها جمهور اليهود الذين يقبلون أسفار العهد القديم المذكورة. ويختلف مع اليهود أيضاً طائفة الكاثوليك من النصارى في قبول ورفض بعض أسفار العهد القديم.‬
‫الناحية الثانية: نقد المتن:‬
‫قال الله عز وجل: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: 82.‬
‫وقال تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون [النحل: 90.‬
‫وقال تبارك وتعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: 58.‬
‫في ضوء هذه الآيات الكريمة- التي وضحت بعض خصائص الوحي الإلهي المنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - نبين بعض مواطن الاختلاف والتناقض والباطل الذي يدل على وقوع التحريف والتزوير في أسفار اليهود، وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما تقدم، ويمكننا تلخيص أبرز الانتقادات الموجهة إلى متن الأسفار في العناوين الرئيسة الآتية، وتندرج تحتها عشرات الأمثلة والشواهد، وسنكتفي بذكر بعضها:‬
(1) الاختلاف بين نسخ التوراة المختلفة:‬
‫إن التوراة الحالية ليست نسخة واحدة مجمعاً عليها من اليهود والنصارى، وإنما هي ثلاث نسخ مختلفة: التوراة العبرية، التوراة السامرية، التوراة اليونانية.‬
‫فالتوراة السامرية تؤمن بها فرقة السامرة من اليهود، والتوراة العبرية يعترف بها جمهور اليهود وفرقة البروتستانت من النصارى، والتوراة اليونانية تعترف بها فرقة الكاثوليك من النصارى، وكل فرقة لا تعترف بالنسخة الأخرى.‬
‫وتوجد اختلافات جوهرية وتناقضات صريحة بين النسخ الثلاث مثال ذلك:‬
‫- أن قبلة اليهود ومكان بناء مذبح الرب في التوراة العبرية واليونانية (تثنية 27/ 4 (جبل عيبال بأورشليم (بيت المقدس)، وفي التوراة السامرية (تثنية 27/ 4) أن القبلة جبل جريزيم بمدينة نابلس. - ورد أن مجموع الأعمار (الفترة الزمنية) من عهد آدم إلى إبراهيم عليهما الصلاة والسلام في التوراة العبرية يبلغ (2023) سنة، وفي التوراة السامرية يبلغ مجموع الأعمار (2324) سنة، وفي التوراة اليونانية يبلغ (2200) سنة!!‬
‫وهناك اختلافات أخرى كثيرة من حيث الألفاظ والإملاء والقواعد النحوية وغيرها.‬
(2) الاختلاف بين أسفار التوراة بعضها ببعض وبين الأسفار الأخرى مثال ذلك: - ورد في (سفر التكوين) (6/ 3) أن الله غضب على البشر؛ لطغيانهم في عصر نوح عليه الصلاة والسلام فقضى بأن عمر الإنسان لا يتجاوز (120) عاماً، وهذا النص يختلف مع ما ورد في التوراة أيضا في (سفر التكوين) (11/ 10 - 32) من أن سام بن نوح عاش (600) سنة، وابنه أرفكشاد عاش (438) سنة، وشالح عاش (433) سنة، وعابر عاش (464) سنة وغيرهم كثير ممن تجاوزت أعمارهم (120) سنة!!‬
‫- ورد في (سفر التكوين) (7/ 12) (أن طوفان نوح عليه الصلاة والسلام استمر مدة أربعين يوماً وليلة)، ولكن ينقضه ما ورد في نفس (السفر والإصحاح: 7/ 24) (أن الطوفان استمر مدة مائة وخمسين يوماً!!)

‫- ورد في (سفر التكوين) (8/ 4 - 5) (واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط، وكانت المياه تنقص نقصاً متوالياً إلى الشهر العاشر، وفي الشهر العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال).‬
‫وفي هذا اختلاف واضح؛ لأنه إذا ظهرت رؤوس الجبال في الشهر العاشر فكيف تكون سفينة نوح قد استقرت على جبال أراراط (أرمينيا) في الشهر السابع، أي: قبل شهرين ونصف من ظهور رؤوس الجبال؟!!‬
‫- ورد في (سفر الخروج) (20/ 5) و (سفر التثنية) (5/ 9) (أن الأبناء يؤاخذون بذنب الآباء حتى الجيل الثالث والرابع)، ولكن ورد في (سفر حزقيال) (18/ 20) وفي (سفر أرميا) (31/ 30) (أن الأبناء لا يعاقبون بذنب الآباء). وفي هذا تناقض؛ لأن اليهود لا يقولون بنسخ أحكام التوراة.‬
‫- ورد في (سفر التكوين) (46/ 21) (أن أبناء بنيامين بن يعقوب عددهم عشرة أبناء)، ولكن ورد في (سفر أخبار الأيام الأول) (7/ 6) (أن أبناء بنيامين ثلاثة)، وفي نفس السفر (8/ 1 - 2) (أن أبناء بنيامين خمسة فقط)!!!‬
‫- ورد في (سفر صموئيل الثاني) (24/ 13) (فأتى جاد داود وأخبره وقال له: أتأتي عليك سبع سنين جوعاً في أرضك أم تهرب أمام أعدائك ثلاثة أشهر وهم في أثرك) ويناقضه ما ورد في (سفر أخبار الأيام الأول) (21/ 11) (فأتى جاد داود وقال له: كذا قال الرب تخير إما ثلاث سنين جوعاً، وإما ثلاثة أشهر تهرب فيها أمام أعدائك، وسيف أعدائك يدركك) فهل هي سبع سنوات جوعاً أم ثلاث سنوات؟؟!!!‬
‫-ورد في (سفر صموئيل الثاني) (8/ 4) (فأخذ داود منه ألفاً وسبعمائة فارس وعشرين ألف راجل) ولكن تكرر الخبر في (سفر أخبار الأيام الأول) (18/ 4) كالآتي (فأخذ داود منه ألف مركبة وسبعة آلاف فارس وعشرين ألف راجل).‬
‫- ورد في (سفر الملوك الأول) (4/ 26) (وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل مركباته واثنا عشر ألف فارس (‬
‫ولكن تكرر الخبر في (سفر أخبار الأيام الثاني)
(9/ 25) كالآتي: (وكان لسليمان أربعة آلاف مذود خيل ومركبات واثنا عشر ألف فارس).‬
‫- ورد في (سفر الملوك الثاني) (كان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة حين مَلَكَ، ومَلَكَ سنة واحدة في أورشليم)، وتكرر الخبر في (سفر أخبار الأيام الثاني) (22/ 2) بصورة مختلفة (كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين مَلَكَ، ومَلَكَ سنة واحدة في أورشليم!!)
‫والأعجب من ذلك ما ورد في (أخبار الأيام الثاني) نفسه (21/ 5) (أن يهورام - والد أخزيا- كان ابن اثنين وثلاثين سنة حين مَلَكَ، ومَلَكَ ثمان سنين في أورشليم) فكيف يكون الابن أكبر سنا من أبيه؟!!‬
‫- ورد في (سفر الملوك الثاني) (24/ 8) (كان يهوياكين ابن ثماني عشرة سنة حين ملك، وملك ثلاثة أشهر في أورشليم (، وتكرر الخبر باختلاف في (سفر الأيام الثاني) (36/ 9) (كان يهوياكين ابن ثماني سنين حين ملك، وملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام في أورشليم).‬
(3) الاختلاف مع الحقائق العلمية والتاريخية، مثال ذلك:-‬
‫- ورد في (سفر التكوين) (1/ 6 - 8) (وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصل بين مياه ومياه، فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد، ودعا الله الجلد سماء، وكان مساء وكان صباح اليوم الثاني).‬
‫يقول موريس بوكاي: أسطورة المياه هنا تستمر بانفصالها إلى طبقتين بواسطة الجلد الذي سيجعل الطبقة العليا عند الطوفان تنفذ من خلاله لتنصب على الأرض، إن صورة انقسام المياه هذه إلى كتلتين غير مقبولة علميًّا. ا. هـ.‬

‫- ورد في (سفر التكوين) (15/ 13) أن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر ستكون (400 سنة) ولكن ورد في (الخروج) (12/ 40) أن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر كانت (430) سنة، وكلا التاريخين يختلفان مع الحقيقة التاريخية التي اعترف بها أحبارهم ومفسرو أسفارهم من أن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر لا تزيد عن (215) سنة، بدليل حساب عمر إسرائيل) يعقوب) عليه الصلاة والسلام عند دخوله مع بنيه أرض مصر، ثم أعمار الأجيال إلى زمن خروج بني إسرائيل من مصر مع موسى عليه الصلاة والسلام.‬
(4) وجود الأقوال القبيحة والتهم الشنيعة والأوامر الباطلة والتعاليم الفاسدة والقصص البذيئة - في أسفارهم- التي تستحيل أن تكون وحياً من عند الله عز وجل، مثال ذلك:-‬
‫- ورد في (سفر التكوين) (2/ 1 - 3) أن الله - سبحانه وتعالى- لما خلق الخلق في ستة أيام فإنه تعب واستراح في اليوم السابع.‬
‫- ورد في (سفر التكوين) (9/ 20 - 27) وصف نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام بأنه شرب الخمر حتى سكر وتعرّى في خبائه، وأبصر ابنه الأصغر حام عورته.‬
‫- ورد في (سفر التكوين) (19/ 30 - 39) قذف نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام بالزنا، حيث زعموا - لعنهم الله - أن ابنتيه سقتاه خمراً وضاجعتاه حتى أولد منهما نسلاً -والعياذ بالله- من هذا الكفر.‬
‫- ورد في (سفر التكوين) (27/ 1 - 30) وصف يعقوب عليه الصلاة والسلام بأنه خدع أباه إسحاق عليه السلام واحتال وكذب عليه حتى ينال دعوته وبركته قبل أخيه عيسو.‬
‫- ورد في (سفر الخروج) (الإصحاح:32) وصف هارون عليه الصلاة والسلام بأنه صنع العجل لبني إسرائيل وأمرهم بعبادته.‬
‫- ورد في (سفر يشوع) (6/ 17، 21) أن الله أمر يوشع عليه السلام عند استيلائه على مدينة أريحا أن يقتل في المدينة كل رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف، وقد فعل يشوع ذلك حسب زعمهم، والله عزَّ وجلَّ منزه عن ذلك؛ لأنه تعالى يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي.‬
‫- ورد في (سفر صموئيل) (الإصحاح:2) وصف داود عليه الصلاة والسلام بأنه زنا بزوجة قائده واحتال في قتله؛ لكي يتزوج بزوجته من بعده.‬
‫- ورد في (سفر الملوك الأول) (11/ 1 - 6) وصف سليمان عليه الصلاة والسلام بأنه تزوج نساءً وثنيات، وبأن نساءه أضللنه حتى أشرك بالله، وعبد أصنام نسائه الوثنيات في شيخوخته.‬
‫- ورد في (سفر حزقيال) (الإصحاح:33) قصة زنا أهولة وأهوليبة وفجورهما بأسلوب جنسي فاضح قبيح بذيء.‬
‫- ورد في (سفر نشيد الأناشيد) المنسوب إلى سليمان عليه الصلاة والسلام شعر جنسي وغزل فاحش وكلام بذيء، يستحى من ذكره وتسطيره.‬
‫- ورد في (سفر هوشع) (1/ 2 - 9) أن الله - سبحانه وتعالى- أمر نبيه هوشع أن يأخذ لنفسه امرأة زانية، وينجب منها أولاد زنى. تعالى الله عزَّ وجلَّ عما يقول الكافرون علوًّا كبيراً، وتَنَزَّه الله عزَّ وجلَّ عن هذا الكفر، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.‬
‫ونكتفي بهذا القدر اليسير جدًّا من فضائح كتبهم الكثيرة، فلا عجب أن يكون حال محققيهم ومفكريهم كما وصفهم الله عز وجل بقوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ [هود: 110.‬
‫¤ الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم عرض ونقد لمحمود عبد الرحمن قدح – ص 329 فما بعدها (مجلة الجامعة الإسلامية – عدد 111)

‫كتبهم - الأسفار المقدسة عند اليهود - ما تثبته النصارى بخلاف نص التوراة وتكذيبهم لنصوصها التي بأيدي اليهود‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫وادعاء بعض علماء النصارى أنهم اعتمدوا في ذلك على التوراة التي ترجمها السبعون شيخا لبطليموس، لا على كتب عزراء الوراق، واليهود مؤمنون بكلتا النسختين، والخلاف عند النصارى موجود فيها.‬
‫قال أبو محمد: في توراة اليهود- التي لا اختلاف فيها بين الربانية والعانانية والعيسوية منهم- لما عاش آدم ثلاثين سنة ومائة سنة ولد له ولد كشبهه وجنسه وسماه شيث، وعند النصارى- بلا اختلاف بين أحد منهم ولا من جميع فرقهم- لما أتى على آدم مائتان وثلاثون سنة ولد له شيث. وفي التوراة التي عند اليهود: لما عاش شيث خمس سنين ومائة سنة ولد أنيوش. وعند النصارى كلهم: لما عاش شيث مائتي سنة وخمس سنين ولد أنيوش. وفي التوراة التي عند اليهود: أن أنيوش لما عاش تسعين سنة ولد قينان. وعند النصارى كلهم: أن أنيوش لما عاش تسعين سنة ومائة سنة ولد قينان. وفي التوراة التي عند اليهود كما ذكرنا: أن قينان لما عاش سبعين سنة ولد مهلال. وفي التوراة التي عند اليهود كما ذكرنا: أن مهلال لما بلغ خمسا وستين سنة ولد يارد.‬
‫وعند النصارى كلهم: أن مهلال لما بلغ مائة سنة وخمسا وستين سنة ولد يارد، واتفقت الطائفتان في عمر يارد إذ ولد له خنوخ. وفي التوراة التي عند اليهود: أن خنوخ لما بلغ خمسا وستين سنة ولد متوشالخ، وأن جميع عمر خنوخ كان ثلاثمائة سنة وخمسا وستين سنة. وعند النصارى كلهم: أن خنوخ لما بلغ مائة سنة وخمسا وستين سنة ولد متوشالخ، وأن جميع عمر خنوخ كان خمسمائة سنة وخمسا وستين سنة. ففي هذا الفصل تكاذب بين الطائفتين في موضعين:‬
‫أحدهما: سن خنوخ إذ ولد له متوشالخ.‬
‫والثانية: كمية عمر خنوخ، واتفقت الطائفتان على عمر متوشالخ إذ ولد له لامخ، وعلى عمر لامخ إذ ولد له نوح، وعلى عمر نوح إذ ولد له سام وحام ويافث، وعلى عمر سام إذ ولد له أرفخشاذ.‬
‫وفي التوراة التي عند اليهود: أن أرفخشاذ لما بلغ خمسا وثلاثين سنة ولد له شالخ، وأن عمر أرفخشاذ كان أربعمائة سنة وخمسا وثلاثين سنة، وعند النصارى كلهم: أن أرفخشاذ لما بلغ مائة سنة وخمسا وثلاثين سنة ولد له قينان، وأن عمر أرفخشاذ كان أربعمائة سنة وخمسا وستين سنة، وأن قينان لما بلغ مائة سنة وثلاثين سنة ولد له شالخ، فبين الطائفتين في هذا الفصل وحده اختلاف في ثلاثة مواضع: أحدها: عمر أرفخشاذ جملة. والثاني: سن أرفخشاذ إذ ولد له ولده. والثالث: زيادة النصارى بين أرفخشاذ وشالخ قينان وإسقاط اليهود له. وفي التوراة عند اليهود: أن شالخ لما بلغ ثلاثين سنة ولد له عابر وأن عمر شالخ كان أربعمائة سنة وثلاثين سنة. وعند النصارى كلهم: أن شالخ لما بلغ مائة وثلاثين سنة ولد له عابر، وأن عمر شالخ كله كان أربعمائة سنة وستين سنة.‬
‫ففي هذا الفصل تكاذب بين الطائفتين في موضعين:‬
‫أحدهما: سن شالخ إذ ولد له عابر.‬
‫والثاني: كمية عمر شالخ، وعند اليهود في التوراة: أن فالغ إذ بلغ ثلاثين سنة ولد له راغو، وعند النصارى كلهم: أن فالغ لما بلغ مائة سنة وثلاثين ولد له راغو، وفي توراة اليهود: أن راغو لما بلغ اثنتين وثلاثين سنة ولد له شاروع، وعند النصارى كلهم: أن راغو لما بلغ مائة سنة واثنتين وثلاثون ولد له شاروع.‬
‫وفي التوراة عند اليهود: أن شاروع إذ بلغ ثلاثين سنة ولد له ناحور، وكان عمر شاروع كله مائتي عام وثلاثين عاما، وعند النصارى كلهم: أن شاروع إذ بلغ ثلاثين سنة ومائة سنة ولد له ناحور وأن عمر شاروع كله كان ثلاثمائة وثلاثين سنة.‬
‫ففي هذا الفصل بين الطائفتين تكاذب في موضعين:‬
‫أحدهما: عمر شاروع جملة.‬

‫والثاني: سن شاروع إذ ولد له ناحور، وفي التوراة عند اليهود: أن ناحور لما بلغ تسعا وعشرين سنة ولد له نارخ، وأن عمر ناحور كله كان مائة سنة وثمانيا وأربعين سنة.‬
‫وعند النصارى كلهم: أن ناحور لما بلغ تسعا وسبعين سنة ولد له نارخ، وأن عمر ناحور كله كان مائتي عام وثمانية أعوام.‬
‫ففي هذا الفصل تكاذب بين الطائفتين في موضعين:‬
‫أحدهما: عمر ناحور كله.‬
‫والثاني: سن ناحور إذ ولد له نارخ، وفي التوراة عند اليهود- كما ذكرنا-: أن نارخ كان عمره كله مائتي عام وخمسة أعوام، وعند النصارى كلهم: أن نارخ كان عمره كله مائتي عام وثمانية أعوام.‬
‫قال أبو محمد: فتولد من الاختلاف المذكور بين الطائفتين زيادة عن ألف عام وثلاثمائة عام وخمسين عاما عند النصارى في تاريخ الدنيا على ما هو عند اليهود في تاريخها، وهي تسعة عشر موضعا كما أوردنا، فوضح اختلاف التوراة عندهم، ومثل هذا من التكاذب لا يجوز أن يكون من عند الله عزَّ وجلَّ أصلا، ولا من قول نبي البتة، ولا من قول صادق عالم من عرض الناس، فبطل بهذا بلا شك أن تكون التوراة وتلك الكتب منقولة نقلا يوجب صحة العلم، لكن نقلا فاسدا مدخولا مضطربا، ولا بد للنصارى ضرورة من أحد خمسة أوجه لا مخرج لهم عن أحدها:‬
‫إما أن يصدقوا نقل اليهود للتوراة، وأنها صحيحة عن موسى عن الله عز وجل، ولكتبهم، وهذه طريقتهم في الحجاج والمناظرة، فإن فعلوا فقد أقروا على أنفسهم وعلى أسلافهم الذين نقلوا عنهم دينهم بالكذب؛ إذ خالفوا قول الله تعالى وقول موسى عليه السلام.‬
‫أو يكذبوا موسى عليه السلام فيما نقل عن الله عزَّ وجلَّ، وهم لا يفعلون هذا.‬
‫أو يكذبوا نقل اليهود للتوراة ولكتبهم، فيبطل تعلقهم بما في تلك الكتب مما يقولون إنه إنذار بالمسيح عليه السلام؛ إذ لا يجوز لأحد أن يحتج بما لا يصح نقله.‬
‫أو يقولوا- كما قال بعضهم-: أنهم إنما عوَّلوا فيما عندهم على ترجمة السبعين شيخا الذين ترجموا التوراة وكتب الأنبياء عليهم السلام لبطليموس، فإن قالوا هذا فإنهم لا يخلون ضرورة من أحد وجهين: إما أن يكونوا صادقين في ذلك، أو يكونوا كاذبين في ذلك، فإن كانوا كاذبين في ذلك فقد سقط أمرهم- والحمد لله رب العالمين- إذ لم يرجعوا إلا إلى المجاهرة بالكذب.‬
‫وإن كانوا صادقين في ذلك فقد حصلت توراتان متخالفتان متكاذبتان متعارضتان: توراة السبعين شيخا، وتوراة عزرا، ومن الباطل الممتنع كونهما جميعا حقًّا من عند الله، واليهود والنصارى كلهم مصدق مؤمن بهاتين التوراتين معا، سوى توراة السامرية، ولا بد ضرورة من أن تكون أحدهما حقًّا، والأخرى مكذوبة، فأيهما كانت المكذوبة فقد حصلت الطائفتان على الإيمان بالباطل ضرورة، ولا خير في أمة تؤمن بيقين الباطل، وإن كانت توراة السبعين شيخا هي المكذوبة فلقد كانوا شيوخ سوء كذابين ملعونين؛ إذ حرَّفوا كلام الله تعالى وبدَّلوه، ومن هذه صفته فلا يحلُّ أخذ الدين عنه ولا قبول نقله، وإن كانت توراة عزرا هي المكذوبة فقد كان كذَّابا؛ إذ حرَّف كلام الله تعالى، ولا يحلُّ أخذ شيء من الدين عن كذاب، ولا بد من أحد الأمرين.‬
‫أو يكون كلاهما كذبا، وهذا هو الحق اليقين الذي لا شك فيه؛ لما قدمنا مما فيها من الكذب الفاضح الموجب للقطع بأنها مبدلة محرفة، وسقطت الطائفتان معا، وبطل دينهم الذي إنما مرجعه إلى تلك الكتب المكذوبة، ونعوذ بالله من الخذلان.‬
‫قال أبو محمد: فتأملوا هذا الفصل وحده ففيه كفاية في تيقن بطلان دين الطائفتين، فكيف بسائر ما أوردنا إذا استضاف إليه، وفي التوراة عند اليهود وعند النصارى اختلاف آخر اكتفينا منه بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين على عظيم نعمته علينا بالإسلام، المنقول نقل الكواف إلى رسول الله المعصوم ﷺ، البريء من كل كذب ومن كل محال، الذي تشهد له العقول بالصحة، والحمد لله رب العالمين‬
‫¤ الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم – ص 2/ 21‬

‫كتبهم - وصف اليهود للأنبياء عليهم السلام في التوراة المحرفة‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫تمهيد:‬
‫من يقرأ التوراة والكتب الملحقة بها يجد أن أنبياء الله والموكلين بهداية الناس وتعليمهم الهدى والخير لا يتمتعون بصفات الصالحين والأتقياء، بل يجد أن العهد القديم ينسب إليهم كثيراً من المخازي والقبائح التي يتنزه عنها كثير من الناس العاديين، فكيف يليق أن يُنسب شيء من ذلك إلى الأنبياء الذين قد اصطفاهم الله وخصَّهم بهذه المهمة العظيمة، وهي تبليغ دينه، والذين هم قدوة للصالحين، وأئمة في البرِّ والتُّقَى.‬
‫ومما لاشك فيه أن الأنبياء عليهم السلام أكمل الناس ديناً وورعاً وتقوى، وأن الله اصطفاهم ورعاهم، وكمَّلهم وحفظهم، وعصمهم من القبائح والرذائل، هذه حقيقتهم بلا مراء ولا تردد، وما أضافه اليهود إليهم مما لا يليق نسبته إليهم هو محض افتراء وكذب، ودليل واضح على تحريفهم لكتبهم لأغراض في نفوسهم، غير مراعين حرمة لمقام النبوة، ولا لما جبل الله عليه أولئك الأنبياء عليهم السلام من الكمال البشري في خلْقهم وخُلقهِم.‬
‫وإليك الأمثلة الدالة على تحريف اليهود لكتابهم بطعنهم في أنبياء الله عزَّ وجلَّ، ووصفهم بالصفات التي لا يجوز بحال نسبتها إليهم.‬

‫المبحث الأول: نوح عليه السلام:‬
‫زعم اليهود في كتابهم أن نوحاً عليه السلام، شرب الخمر وتعرَّى داخل خبائه، وفي هذا قالوا في (سفر التكوين) (9/ 20): (وابتدأ نوح يكون فلاحاً، وغرس كرماً وشرب من الخمر وتعرَّى داخل خبائه). هكذا وصفوا نبي الله نوحاً عليه السلام، وهو أول أنبياء الله إلى المشركين، والذي دعا قومه إلى دين الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، كما ذكر الله عزَّ وجلَّ حيث قال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [العنكبوت: 14‬
‫وامتنَّ الله على بني إسرائيل أنهم ذرية ذلك العبد الصالح نوح عليه السلام، فقال جلَّ وعلا: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:2 - 3 فامتنَّ الله على بني إسرائيل بنسبتهم إلى ذلك العبد الصالح، واليهود يصفونه بتلك النقيصة، وما ذلك منهم إلَّا خدمة لأهوائهم وأغراضهم التي تتضح من بقية كلامهم في القصة نفسها، حيث يقولون بعد الكلام السابق في (سفر التكوين) (9/ 22): (فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجاً، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته). فيتضح من هذا النص أن مقصد اليهود منه لعن الكنعانيين الذين كانوا أعداءً لبني إسرائيل، كما أن فيه خطأً ظاهراً من ناحية أن حام هو الذي أبصر عورة أبيه حسب النص السابق، فلماذا يلعن ابنه كنعان، مع أن لحام أبناءً آخرين غير كنعان، فإن اليهود قالوا في (سفر التكوين) (10/ 6): (وبنو حام كوش ومصرايم ونوط وكنعان). فلماذا خص كنعان من بين إخوته؟ ما ذلك إلا لهدف خاص في نفوسهم، وهو لعن الكنعانيين أعدائهم، ولو كان بالافتراء على الله عزَّ وجلَّ وعلى نبيه نوح عليه السلام.‬

‫المبحث الثاني: لوط عليه السلام:‬
‫ومن الأنبياء الذين افترى عليهم اليهود لوط عليه السلام، فقد افتروا عليه فرية عظمى، ورموه بشنيعة كبرى يترفع عنها أعظم الناس فساداً، حيث زعم اليهود أن لوطاً عليه السلام قد زنى بابنتيه الكبرى والصغرى بعد أن أنجاه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث، وأن البنتين أنجبتا من ذلك الزنى، وهذا محض افتراء وبهتان لنبي كريم ولبناته وأهل بيته الصالحين، وقد ذكر الله عز وجل لنا صلاح لوط عليه السلام وأهل بيته وطهارتهم على لسان أعدائه، فقال جلَّ وعلا: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل: 56 ولو بحثنا عن سبب افتراء اليهود لهذه الفرية في كتابهم لوجدنا أنهم إنما قصدوا الطعن في أعدائهم المؤابيين والعمونيين من خلال هذه الفرية؛ لأنهم زعموا أن البنت الكبرى حملت من ذلك الزنى فأنجبت مؤاب، وهو أبو المؤابيين، وأن الصغرى حملت أيضاً من ذلك الزنى وأنجبت بني عمي، وهو أبو بني عمون، فلهذا السبب والهوى كذب اليهود على نبي الله ووصموه بهذه الفعلة الشنيعة، وفي ذلك أوضح دليل على التحريف.‬

‫المبحث الثالث: يعقوب عليه السلام:‬
‫زعموا أن يعقوب عليه السلام احتال لأخذ النبوة والبركة من أبيه إسحاق عليه السلام لنفسه، فذكروا أن إسحاق عليه السلام لما كبر وكف بصره دعا ابنه عيسو، وهو الأكبر، وحسب التقليد لديهم فإن البركة تكون للأكبر، وطلب منه أن يصطاد له جدياً ويطبخه حتى يباركه، فذهب عيسو للصيد كما أمره أبوه، إلا أن أمهما كانت تحب يعقوب- وهو الأصغر- أكثر من أخيه عيسو، وأرادت أن تكون البركة له، فدعته وأمرته أن يحضر جدياً فيطبخه، وأن يلبس ملابس أخيه، ويضع فوق يديه جلد جدي حتى يبدو جسمه بشعر مثل جسم أخيه عيسو، فيظن إسحاق عليه السلام أنه هو فيباركه، ففعل يعقوب عليه السلام ذلك ثم دخل على أبيه، ففي ذلك قالوا: (فدخل إلى أبيه وقال: يا أبي. فقال: ها أنذا، من أنت؟ فقال يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك قد فعلت كما كلمتني، قم اجلس وكلْ من صيدي؛ لكي تباركني نفسك. فقال إسحاق لابنه: ما هذا الذي أسرعت لتجد يا بني؟ فقال: إن الرب إلهك قد يسر لي. فقال إسحاق ليعقوب: تقدم لأجسك يا ابني أأنت هو ابني عيسو أم لا؟ فتقدم يعقوب إلى إسحاق أبيه فجسه، وقال: الصوت صوت يعقوب، ولكن اليدين يدا عيسو. ولم يعرفه؛ لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه، فباركه وقال: هل أنت هو ابني عيسو؟ فقال: أنا هو. فقال: قدِّم لي لآكل من صيد ابني حتى تباركك نفسي. فقدم له فأكل وأحضر له خمراً فشرب، فقال له إسحاق أبوه: تقدَّم وقبِّلني يا ابني. فتقدم وقبله، فشم رائحة ثيابه وباركه، وقال: انظر رائحة ابني كرائحة حقل، قد باركه الرب، فليعطك الله من ندى السماء، ومن دسم الأرض، وكثرة حنطة وخمر، ليستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل، كن سيداً لإخوتك، وليسجد لك بنو أمك، ليكن لاعنوك ملعونين، ومباركوك مباركين) (سفر التكوين) (27/ 18 - 29). وفاز يعقوب بالبركة بهذه الحيلة، وبعد أن جاء أخوه عيسو لم يكن أمامه إلا الصراخ والعويل لفوات البركة. وبهذا الكلام يصمون أباهم يعقوب عليه السلام بالكذب مراراً، وانتحال شخصية أخيه كيداً، وأخذ ما ليس له فيه حق احتيالاً، كما يصمون أباهم إسحاق عليه السلام بالجهل الشديد إلى حد التغفيل والغباء حيث لم يستطع أن يميز بين ولديه، وهو أمر مستبعد جدًّا أن يقع لأقل الناس إدراكاً وأشدهم تغفيلاً، فضلاً عن نبي الله إسحاق عليه السلام.‬
‫وهذا كله مما لا يليق وصف الأنبياء عليهم السلام به، كما أن النبوة ليست بيد إسحاق ولا بيد غيره من الأنبياء، بل هي محض تفضل من الله عز وجل. قال تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ. [الزخرف:32 وقال تعالى: وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: 124.‬
‫ويتجلى في هذه القصة طرف من مكر اليهود وكيدهم، فإذا نظرنا إلى قصة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام نجد أنهم أغفلوا مسألة البكورية في استحقاق البركة، والتي يقصدون بها النبوة، وجعلوا البركة لإسحاق دون إسماعيل عليه السلام؛ لأن إسماعيل عندهم ابن جارية، ولما صار الأمر متعلقاً بعيسو ويعقوب، وعيسو هو الأكبر حسب كلامهم اخترعوا هذه القصة، حتى يبينوا أن يعقوب قد أخذ البركة دون أخيه عيسو.‬
‫وأيضاً تلك البركة التي يزعمون أنها للأكبر لا نراها بَعْدُ في نبي آخر من أنبيائهم، حتى أن يعقوب عليه السلام لما بارك أبناءه عند موته جعل البركة العظمى ليوسف عليه السلام، وهو أصغر أبناء يعقوب، ما عدا شقيقه بنيامين فقد كان أصغر منه، وهكذا أيضاً بارك يعقوب أفرايم ومنسي ابني يوسف عليه السلام، فقد كان منسي هو البكر، فجعل يعقوب عليه السلام البركة الأهم لأفرايم- وهو الصغير- حيث وضع عليه يده اليمنى، فهذه قصة مخترعة مفتراة على نبي الله إسحاق ويعقوب عليهما السلام، لاشك في ذلك.‬

‫المبحث الرابع: هارون عليه السلام:‬
‫زعموا أن هارون عليه السلام هو الذي صنع لهم العجل ودعاهم إلى عبادته فقالوا في (سفر الخروج) (32/ 1): (ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا ... فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها .... فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلاً مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل).‬
‫فهل يعقل أن نبيًّا أرسله الله لدعوة قومه إلى عبادة الله وحده يصنع لقومه عجلاً، ويدعوهم إلى عبادته؟! حاشا أنبياء الله من ذلك. وقد بيَّن الله عزَّ وجلَّ في القرآن أن الذي صنع لهم العجل هو السامري، فقال عزَّ وجلَّ: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طه: 85. أما هارون عليه السلام فقد قام بواجبه من ناحية نهيهم عن عبادة العجل، قال جلَّ وعلا: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه: 90.‬

‫المبحث الخامس: داود عليه السلام:‬
‫زعموا أنه زنى بامرأة أحد جنوده، وحبلت من ذلك الزنى، ثم إنه تسبب في مقتل زوجها حيث أمر أن يُجعل في مقدمة الجيش حتى يعرِّضه للقتل، ثم بعد مقتل زوجها تزوَّجها ومات ذلك المولود الأول، ثم حبلت مرة أخرى، فأنجبت النبي سليمان عليه السلام.‬

‫المبحث السادس: سليمان عليه السلام:‬
‫زعموا أن سليمان عليه السلام تزوَّج بنساء مشركات يعبدن الأصنام، ثم هو عبد الأصنام معهن وبنى للأصنام أيضاً معابد لعبادتها.‬
‫ذلك كله محض افتراء وكذب، وهو من افتراءات اليهود على أنبياء الله تعالى وكذبهم عليهم، وأن هذا من أظهر أدلة تحريف الكتب الإلهية، والعبث فيها وفق أهوائهم ورغباتهم.‬
‫ولسائل أن يسأل لماذا طعن اليهود في أنبيائهم, وقد كان لأنبيائهم الدور الأكبر والفضل العظيم عليهم بعد فضل الله فيما نالوا من خير الدنيا وعزِّها في سابق حياتهم؟‬
‫إن هذا لسؤال محير!! إلا أنَّا إذا تصورنا أن هذه الكتب قد طالتها يد التحريف، ولا نعرف على التحقيق من الذي تولَّى تحريفها، ولا الزمان الذي حرِّفت فيه، إلا أننا نقطع حسب ما أوردوا في كتبهم أن بني إسرائيل انحرفوا عن دينهم انحرافات خطيرة وكثيرة، بل تركوا دينهم وعبدوا الأصنام والأوثان خاصة فيما قبل السبي، ولا نشك أن جزءاً كبيراً من التحريف كان في تلك الفترات، وهي التي لا يتورع أصحابها عن الافتراء على الله عزَّ وجلَّ وعلى أنبيائه عليهم السلام فتمَّت في ذلك الزمان التحريفات الكثيرة، أو كتابة كتب كاملة ونسبتها إلى نبي من الأنبياء، ثم إن المتأخرين منهم لم يكن لديهم الجرأة على تمحيص تلك النصوص، أو أنهم أيضاً اختلَّت موازينهم بسبب ذلك التحريف.‬
‫ولكن السؤال لازال قائماً: لماذا حرَّف أولئك اليهود كلام الله، وطعنوا في أنبيائهم وأصحاب الفضل عليهم بهذه المطاعن؟‬
‫الذي يبدو لي أن أولئك المحرفين أرادوا أن يبرروا ما هم فيه من فساد وانحراف وفسق، فألصقوا أنواعاً من التُّهم بأنبيائهم حتى لو احتجَّ عليهم محتجٌّ بأمر من الأمور المتعلقة بانحرافهم احتجوا له بأن النبي الفلاني فعل كذا وفعل كذا، كذباً وزوراً.‬
‫وأيضاً ليخدموا غرضاً في نفوسهم، كما سبق أن قلنا عن طعنهم في نبي الله نوح ولوط عليهما السلام.‬
‫وهذا كله يكفي في التعبير عنه قول الله عز وجل: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُون [البقرة: 79.‬
‫¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 110‬

‫أهم مواسم اليهود وأعيادهم‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫ـ زيارة بيت المقدس: يتحتم على كل يهودي- ذكر رشيد- زيارة البيت المقدس مرتين كل عام.‬
‫ـ الهلال الجديد: كانوا يحتفلون لميلاد كل هلال جديد حيث كانت تنفخ الأبواق في البيت المقدس، وتشعل النيران ابتهاجاً به.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬
‫1 - يوم السبت: وهو (شباث) في العبرانية، بمعنى راحة؛ لأنه يوم يزعمون أن الله استراح فيه- تعالى الله عن قولهم- وأمر عباده بالاستراحة فيه وباركه. ومدته من غروب شمس يوم الجمعة إلى غروب شمس يوم السبت، وجعلوا أهم شعائره الكف عن أي عمل، بذلك جاء الأمر صريحاً في الوصايا العشر المنسوبة إلى موسى (واليوم السابع سبت للرب إلهك لا تصنع فيه عملاً لك). وتعدي السبت والعمل فيه يعتبر من أعظم الخطايا عندهم.‬
‫2 - عيد الفصح: ويسمَّى عيد الربيع وعيد الفطير، ومدته سبعة أيام تبدأ من الخامس عشر من شهر نيسان، ويقيمه اليهود إحياءً لذكرى نجاة بني إسرائيل من فرعون وخلاصهم من العبودية في مصر. وطقوسه توجب على اليهود أن يأكلوا فيه الخبز من عجين الفطير، ويتلون الأدعية، ويقيمون الصلوات، ويحرقون القرابين، ويجتمعون على مائدة تُقصُّ فيها حكاية الفصح، وهي قصة ما حدث لبني إسرائيل مع موسى إبان خروجهم من مصر.‬
‫3 - يوم التكفير والغفران: وهو اليوم العاشر من شهر تشرين، وهو من أهم أعيادهم، وأقدس أيام السنة عندهم، وهو عندهم ذكرى نزول موسى عليه السلام من جبل سيناء ومعه الشريعة، وأعلن لهم فيه أن الله قد غفر لهم خطيئتهم في عبادتهم للعجل، ويبدأ قبل غروب الشمس من اليوم التاسع من تشرين، ويستمر إلى ما بعد غروب اليوم التالي. ويشرع لهم فيه الصيام ويطلبون فيه المغفرة عن الذنوب التي فعلها اليهود، في صلاة جماعية يؤديها الكهنة.‬
‫وعندهم أعياد أخرى مرتبطة بمناسبات بعض الأحداث التي حدثت لهم، كعيد المظال، وعيد الفوريم ونحوها‬
‫¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 137‬

‫نبذة مختصرة عن عقيدة اليهود المحرفة‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫المبحث الأول: الجذور الفكرية والعقائدية:‬
‫عبادة العجل مأخوذة عن قدماء المصريين حيث كانوا هناك قبل الخروج، والفكر المصري القديم يعد مصدراً رئيسيًّا للأسفار في العهد القديم.‬
‫أهم مصدر اعتمدت عليه أسفار العهد القديم هو تشريع حمورابي الذي يرجع إلى نحو سنة (1900) ق. م، وقد اكتشف هذا التشريع في سنة (1902) م محفوراً على عمود أسود من الصخر، وهو أقدم تشريع سامي معروف حتى الآن.‬
‫- يقول التلمود بالتناسخ، وهي فكرة تسربت لبابل من الهند، فنقلها حاخامات بابل إلى الفكر اليهودي.‬
‫- تأثروا بالفكر النصراني، فتراهم يقولون: (تسبَّب يا أبانا في أن نعود إلى شريعتك، قرِّبنا يا ملكنا إلى عبادتك، وعد بنا إلى التوبة النصوح في حضرتك).‬
‫- في بعض مراحلهم عبدوا آلهة البلعيم والعشتارت وآلهة آرام وآلهة صيدوم، وآلهة مؤاب وآلهة الفلسطينيين (سفر القضاء: 10/ 60).‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫المبحث الثاني: الإله عند اليهود:‬
‫اليهود كتابيون موحدون، وهذا الأصل.‬
‫ـ كانوا يتجهون إلى التعدد والتجسيم والنفعية، مما أدَّى إلى كثرة الأنبياء فيهم؛ لردهم إلى جادة التوحيد كلما أصابهم انحراف في مفهوم الألوهية.‬
‫ـ اتخذوا العجل معبوداً لهم بُعَيْد خروجهم من مصر، ويروي العهد القديم أن موسى قد عمل لهم حية من نحاس، وأن بني إسرائيل قد عبدوها بعد ذلك، كما أن الأفعى مقدس لديهم؛ لأنها تمثل الحكمة والدهاء.‬
‫ـ الإله لديهم سموه يهوه، وهو ليس إلهاً معصوماً، بل يخطئ ويثور، ويقع في الندم، وهو يأمر بالسرقة، وهو قاس، متعصب، مدمر لشعبه، إنه إله بني إسرائيل فقط، وهو بهذا عدو للآخرين، ويزعمون أنه يسير أمام جماعة من بني إسرائيل في عمود من سحاب.‬
‫- عزرا هو الذي أوجد توراة موسى بعد أن ضاعت، فبسبب ذلك وبسبب إعادته بناء الهيكل سُمِّي عزرا ابن الله، وهو الذي أشار إليه القرآن الكريم.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬
‫مظاهر انحراف عقيدتهم:‬
‫1 - الشرك بالله في العبادة، كاتخاذهم العجل ... .‬
‫2 - نسبتهم الابن إلى الله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ [التوبة: 30.‬
‫3 - جرأتهم على الله تعالى، كقولهم: إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء. [آل عمران: 181 وقولهم: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: 64.‬
‫4 - القول على الله بغير علم: وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً [البقرة: 80 , وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 111.‬
‫5 - زعمهم أن الله تعالى تعب من خلق السموات والأرض، فردَّ الله عليهم بقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوب. [ق: 38 وذلك لكمال قوته وقدرته.‬
‫6 - زعمهم أن الله ندم على خلق البشر، ومرض حتى عادته الملائكة، وأنه بكى حتى رمد من كثرة البكاء، لما رأى من معاصي البشر.‬
‫7 - فساد اعتقادهم في وحي الله وكتبه، حيث اعتقدوا أن الله لم ينزل شيئاً وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ ما أنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون [الأنعام: 91.‬
‫8 - فساد اعتقادهم في النبوة والأنبياء، ومن ذلك أنهم يرون أن النبوة لا يستحقها إلا من كان منهم، ويرشحونه للنبوة، لذلك إذا جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون. ومن مظاهر انحراف عقيدتهم في النبوة والأنبياء أنهم نسبوا للأنبياء والمرسلين أعمالاً قبيحة فمن ذلك قولهم كما جاء في كتبهم (¬1):‬
‫أ - إن نبي الله هارون عليه السلام صنع عجلاً وعبده مع بني إسرائيل، (إصحاح 32 عدد 1 من سفر الخروج).‬
‫وقد بيَّن الله ضلالهم في القرآن عندما أخبر أن الذي صنع لهم عجلاً هو السامري.‬
‫ب - إن إبراهيم عليه السلام قدَّم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها. (إصحاح 12 عدد 14 من سفر التكوين).‬
‫¬_________‬
(¬1) انظر ((محمد نبي الإسلام)) (ص145)، و ((الرسل والرسالات)) د. عمر الأشقر (ص104 - 105)، و ((المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم)) د. محمد البار (ص177 - 365).‬

‫ج - ومن ذلك قولهم: إن لوطاً شرب الخمر حتى سكر ثم قام على ابنتيه، فزنى بهما الواحدة تلو الأخرى, ومعاذ الله أن يفعل لوط ذلك، وهو الذي دعا إلى الفضيلة طوال عمره. (سفر التكوين إصحاح 19 عدد 30).‬
‫د - وأن روابين زنى بزوجة أبيه يعقوب، وأن يعقوب عليه السلام علم بهذا الفعل القبيح فسكت. (سفر التكوين إصحاح 31 عدد 17).‬
‫هـ - وأن داود عليه السلام زنى بزوجة رجل من قواد جيشه، ثم دبر حيلة لقتل الرجل، فقتله، وبعدئذ أخذ داود الزوجة وضمَّها إلى نسائه فولدت سليمان. (سفر صموئيل الثاني إصحاح 11 عدد 1).‬
‫ووأن سليمان عليه السلام ارتد في آخر عمره، وعبد الأصنام وبنى لها المعابد. (سفر الملوك إصحاح 11 عدد 5).‬
‫هذه بعض المخازي والقبائح التي نسبتها هذه الأمة الغضبية إلى أنبياء الله الأطهار، وحاشاهم مما وصفوهم به، وقد فعل اليهود ذلك لمرض قلوبهم وخبث نواياهم، وليسهل عليهم تسويغ ذنوبهم ومعايبهم عندما ينكر عليهم منكرٌ، أو يعترض عليهم معترض.‬
‫9 - فساد اعتقادهم في نبوة محمد ﷺ: ومن ذلك إنكارهم وجحودهم لنبوته مع علمهم بذلك حقًّا: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ [الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الأنعام: 20 [.‬
‫10 - فساد اعتقادهم في الملائكة: حيث يزعمون أن جبريل وميكائيل من أعدائهم، وقد بيَّن الله تعالى ذلك وتوعَّدهم، فقال: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِين [البقرة: 98.‬
‫11 - فساد عقيدتهم في اليوم الآخر: فهم يزعمون أنه لن يدخل الجنة إلا من كان من اليهود، وأن العاصي منهم مهما فعل من المعاصي والآثام فلن يدخل النار إلا أياماً معدودات.‬
‫وقد كذَّبهم الله تعالى بقوله: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين [البقرة: 111.‬
‫وقال: وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون [البقرة: 80.‬
‫12 - زعمهم أنهم هم أصحاب الحق: وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين [البقرة: 135.‬
‫13 - تنقصهم لله تعالى وكذبهم عليه: ومن ذلك قولهم:‬
‫أ - النهار اثنتا عشرة ساعة في الثلاثة الأولى منها يجلس الله ويراجع الشريعة، وفي الثلاثة الثانية يحكم، وفي الثلاثة الثالثة يطعم العالم، وفي الثلاثة الأخيرة يجلس ويلعب مع الحوت والأسماك.‬
‫ب - ليس الله معصوماً من الطيش والغضب والكذب.‬
‫ج - أرواح اليهود مصدرها روح الله، وأرواح غير اليهود مصدرها الروح النجسة.‬
‫د - خلق الله الناس باستثناء اليهود من نطفة حصان، وخلق الله الأجنبي على هيئة إنسان؛ ليكون لائقاً لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا لأجلهم.‬
‫هـ - اليهودي معتبر عند الله أكرم من الملائكة.‬
‫ولو لم يخلق الله اليهود لانعدمت البركة في الأرض، ولما خلقت الأمطار والشمس.‬
‫¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص78 - 81‬

‫المبحث الثالث: اليوم الآخر لدى اليهود:‬
‫كانت عقيدة بني إسرائيل- وذلك حين كانت تستمد تشريعها من السماء- هي الإيمان باليوم الآخر، وأنه دار الجزاء، وقد أثبت الله ذلك عنهم في عدة آيات من القرآن الكريم، قال عزَّ وجلَّ في خطابه لموسى عليه السلام: إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه: 15، وقال عزَّ وجلَّ على لسان موسى عليه السلام: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: 156، وقال عزَّ وجلَّ عن صالحي جنود طالوت: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 249، إلا أنَّ اليهود انحرفوا عن هذا الاعتقاد بانحرافهم عن دين الله عزَّ وجلَّ، وقد سجَّل الله عليهم هذه الانحرافات، وعابهم عليها، وكذَّبهم فيها، فقال عزَّ من قائل: وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون [البقرة: 80 وزعموا أن الجنة لهم وحدهم، وكذَّبهم الله بذلك قال عزَّ وجلَّ: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 111 هذا ما حكاه الله عزَّ وجلَّ عن صالحيهم وفاسقيهم من ناحية الإيمان بالبعث والجنة والنار.‬
‫أما كتابهم التوراة: فقد خلا تماماً من ذكر الجنة والنار، والبعث والنشور، وكذلك سائر الكتب الملحقة فيه إلا نزراً يسيراً.‬
‫فمن ذلك صورة غير واضحة وردت في (سفر دانيال) (12/ 2) وهو قولهم: (وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي).‬
‫ويذكر الدكتور (علي وافي): أنه لا يوجد في فرقهم الشهيرة من يؤمن باليوم الآخر، ففرقة الصادوقيين تنكر قيام الأموات، وتعتقد أن عقاب العصاة وإثابة المتقين إنما يحصلان في حياتهم.‬
‫وفرقة الفريسيين تعتقد أن الصالحين من الأموات سينشرون في هذه الأرض؛ ليشتركوا في ملك المسيح الذي يأتي آخر الزمان، فهم ينكرون على هذا البعث يوم القيامة.‬
‫ومن نظر أدنى نظرة في كتاب اليهود التوراة والكتب الملحقة بها يجد أن الوعود الواردة فيه مقابل الأعمال الصالحة والإيمان بالله تدور حول المتعة الدنيوية من انتصار على الأعداء وكثرة الأولاد، ونماء الزرع، إلى غير ذلك، كذلك الوعيد الوارد على المعاصي والكفر، كله يدور حول انتصار الأعداء عليهم وسبي ذراريهم وموت زرعهم وماشيتهم إلى غير ذلك من العقوبات الدنيوية، مما يدل على عدم إيمانهم باليوم الآخر حسب التوراة والكتب الملحقة بها.‬
‫وهذا يختلف عما لديهم في التلمود، حيث صرَّحوا بالنعيم والجحيم، فقد ورد فيه: أن الجنة مأوى الأرواح الزكية لا يدخلها إلا اليهود، والجحيم مأوى الكفار، ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء؛ لما فيه من الظلام والعفونة والطين، وأن الجحيم أوسع من النعيم ستين مرَّة.‬
‫كما ورد في نص الأصول الثلاثة عشر التي وضعها موسى بن ميمون، وجعلها أركان الإيمان اليهودي، قولهم في الركن الثالث عشر: (أنا أؤمن إيماناً كاملاً بقيامة الموتى، في الوقت الذي تنبعث فيه بذلك إرادة الخالق- تبارك اسمه وتعالى ذكره- الآن وإلى أبد الآبدين). وهذا ليس فيه تصريح باليوم الآخر؛ لاحتمال أن يقصد بذلك بعثاً دنيويًّا على نحو عقيدة الفريسيين السابقة، ولكن ذلك يدل على تغير في العقيدة لديهم عما كان عليه كثير من أسلافهم المتقدمين، ولعله من تأثرهم بعقيدة المسلمين؛ لاحتكاكهم بهم؛ لأن موسى بن ميمون كان طبيباً للأيوبيين في مصر.‬
‫¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 119 - 121‬

‫نبذة مختصرة عن عقيدة اليهود المحرفة - من أهم عبادات اليهود‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫المطلب الأول: الصلاة:‬
‫جاء في (سفر دانيال) أن دانيال كان يصلي ويركع ويشكر الله تعالى ثلاث مرات كل يوم (دانيال 6:10)، وأحياناً مرتين كل يوم (مزمور 55:17)، وهي واجبة عندهم. وكانت الصلاة مركبة غالباً من النثر ثم من النظم، وتتلى بالغناء في الابتداء، وبالتدريج صار البعض يستعمل الآلات الموسيقية، كما يتضح من سفر المزامير، وكان يخصص مغنون لهذا القصد (عزرا21:65). وتبدأ الصلاة بغسل اليدين فقط، ثم يوضع شال صغير على الكتفين، وفي الصلوات الجماعية يوضع شال كبير حول العنق، ثم يقرأ القارئ مرتديا ثوباً أسود وقبعة على رأسه؛ لأنه يجب تغطية الرأس عندهم في الصلاة، ويعبرون بذلك عن الاحترام لنصوص التوراة. ويتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس. وكانوا في السابق يركعون ويسجدون في صلاتهم، وبعضهم لا زال يصلي كذلك، إلا أن غالبهم اليوم يصلون جلوساً على الكراسي، كما يفعل النصارى. وهم يحرصون على وضع اليدين على الصدر مع حني الرأس قليلاً، كوقوف الخادم أمام سيده؛ لزيادة الاحترام.‬
‫وثمة اختلافات في طقوس الصلوات بين فرق اليهود كالسفارديم والإشكنازيم، ولكنها قليلة جدًّا، وتنحصر في الأغاني والملحقات، أما أساس الصلاة والبركات فلا اختلاف فيها.‬
‫والصلوات الواجبة على اليهودي ثلاث مرات في كل يوم:‬
‫- صلاة الفجر ويسمونها صلاة السحر (شحاريت).‬
‫- صلاة نصف النهار أو القيلولة (منحة).‬
‫- صلاة المساء ويسمونها صلاة الغروب (عربيت).‬
‫والصلاة عندهم على نوعين فردية وجماعية: أما الفردية: فهي صلوات ارتجالية من الأفراد تتلى حسب الاحتياجات، ولا علاقة لها بالطقوس والمواعيد والمواسم. أما الجماعية فهي تؤدى باجتماع جملة أشخاص علناً في أمكنة مخصوصة ومواعيد معلومة حسب طقوس مقررة من رؤساء الدين والكهنة.‬
‫وقد تقرأ في تلك الصلاة نصوص من التوراة في لفائف محفوظة في أماكن مخصصة لذلك، بعدها تطوى تلك اللفائف، وقد تنتهي الصلاة بهذا، وقد يتلوها خطبة قصيرة ونشيد تقليدي ودعوات، ويختم كل ذلك بالتبريك، وبهذا تنتهي الصلاة ويخلو المعبد. وقد يسبق انفضاض المعبد قداس أو تبريك بتوزيع كأس من الخمر ورغيفين مبركين لكل مصل.‬

‫المطلب الثاني: الصيام:‬
‫الصيام عند اليهود يبتدئ من قبل غروب الشمس إلى بعد غروب الشمس من اليوم اللاحق، ويمتنعون فيه عن الطعام والشراب والجماع، وبعض الأيام يكون صيامهم فيه من شروق الشمس إلى غروبها، ويمتنعون فيه عن الطعام والشراب فقط.‬
‫ولليهود أيام عديدة متفرقة يصومونها لمناسبات عدة، منها:‬
‫- صوم يوم الغفران: وهو أهم صوم عندهم، وهو الصوم الوحيد الذي يعزونه إلى الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى عليه السلام.‬
‫- صوم تموز: وهو صيام يوم واحد، وهو في الثامن عشر من شهر تموز اليهودي، ويعتبرونه حداداً على حوادث مختلفة، أهمها: تحطيم ألواح التوراة، إبطال القربان اليومي صباحاً ومساء، إحراق التوراة في أورشليم على يد القائد (إتسويندوموس)، وكذلك يجعلون هذا الصوم ذكرى بداية مهاجمة تيطس الروماني لأورشليم بقصد إبادة اليهود سنة (70) م.‬
‫- صيام التاسع من آب: وهو ذكرى سقوط أورشليم على يد تيطس، وتخريب الهيكل الثاني زمن أدريانوس‬
‫¤دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 135‬

‫نبذة مختصرة عن عقيدة اليهود المحرفة - المعاملات‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية


‫المطلب الأول: الزواج:‬
‫يعتبر بقاء اليهودي في العزوبة أمراً منافياً للدين، ويحرم الزواج بين اليهود وغيرهم، والزواج بغير اليهودي أو اليهودية يعتبر فجوراً وزناً مستمرين. ويجوز لليهودي الزواج ببنت أخيه أو ابنة أخته، ولكن العكس محرم، فلا يتزوج الرجل من عمته أو خالته. وحرَّم كثير من فقهائهم زواج بنت الأخت.‬
‫وتعدد الزوجات جائز عند اليهود، وليس في الدين حد أقصى لتعدد الزوجات، وإن صدرت فتوى متأخرة ابتداء من القرن الحادي عشر في الغرب بتحريم التعدد، وبعض اليهود لازالوا يمارسون هذا الحق.‬
‫ومن شرائعهم في الزواج أن أرملة اليهودي الذي مات ولم ينجب منها يجب تزويجها لأخيه الأعزب على وجه الإجبار، فإذا أنجب منها فإن المولود يحمل اسم أخيه الميت وينسب إليه، وإذا امتنع الأخ من تزوج أرملة أخيه فإنه يشهر به ويخلع من المجتمع اليهودي، وتسمى المرأة التي تؤول إلى أخي زوجها الميت (يبامه).‬

‫المطلب الثاني: الطلاق:‬
‫الطلاق في التوراة كان حقًّا موضوعاً بيد الرجل، مستخدمين عبارة (طرد الزوجة من البيت)، لكن فيما بعد أفتى الحاخام جرشوم بن يهودا المتوفى سنة (1040) م بتحريم طرد المرأة من بيت الزوجية إلا إذا أفتى القاضي بطلاقها، أو اتفقت مع زوجها بالتراضي على الطلاق. ولا يعتبر الطلاق نافذاً حتى تصدر فيه وثيقة من الحاخام، وبهذه الوثيقة تستطيع المطلقة الزواج، أما إذا لم تحصل عليها فلا يحق لها الزواج، ويعتبر زواجها بغير الوثيقة غير صحيح، وأولادها من ذلك الزواج غير شرعيين.‬

‫المطلب الثالث: المأكل والمشرب:‬
‫من شرائعهم في المطعومات أنه لا يجوز لهم من الحيوانات ذوات الأربع إلا كل ماله ظلف مشقوق، وليس له أنياب، ويأكل العشب ويجتر، فالخيل والبغال والحمير والجمال كلها محرمة، وكذلك الخنزير والسباع والأرانب. ويحرم من الطيور كل ما له منقار معقوف أو مخلب، أو كان من أوابد الطير التي تأكل الجيف والرمم. ويحل أكل الدجاج والأوز والبط والطيور البرية آكلة العشب والحب، أما الأحياء المائية فيحل منها السمك الذي له زعانف وعليه قشور، وما عدا ذلك فكل صيد البحر حرام. ولا يجوز لهم الجمع بين اللحم واللبن والحليب في طعام واحد.‬
‫¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 139‬

‫نبذة مختصرة عن عقيدة اليهود المحرفة - أفكار ومعتقدات أخرى‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫ـ يعتقدون بأن الذبيح من ولد إبراهيم هو إسحاق المولود من سارة. والصحيح أنه إسماعيل.‬
‫ـ لم يرد في دينهم شيء ذو بال عن البعث والخلود والثواب والعقاب إلا إشارات بسيطة، وذلك أن هذه الأمور بعيدة عن تركيبة الفكر اليهودي المادي.‬
‫ـ الثواب والعقاب إنما يتم في الدنيا، فالثواب هو النصر والتأييد، والعقاب هو الخسران والذل والاستعباد.‬
‫ـ التابوت: وهو صندوق كانوا يحفظون فيه أغلى ما يملكون من ثروات ومواثيق وكتب مقدسة.‬
‫ـ المذبح: مكان مخصص لإيقاد البخور يوضع قدام الحجاب الذي أمام التابوت.‬
‫ـ الهيكل: هو البناء الذي أمر به داود وأقامه سليمان، فقد بني بداخله المحراب (أي: قدس الأقداس) وهيَّأ كذلك بداخله مكاناً يوضع فيه تابوت عهد الرب.‬
‫ـ الكهانة: وتختص بأبناء ليفي (أحد أبناء يعقوب)، فهم وحدهم لهم حق تفسير النصوص وتقديم القرابين، وهم معفون من الضرائب، وشخصياتُهُم وسيلة يتقرب بها إلى الله، فأصبحوا بذلك أقوى من الملوك.‬
‫ـ القرابين: كانت تشمل الضحايا البشرية إلى جانب الحيوان والثمار، ثم اكتفى الإله بعد ذلك بجزء من الإنسان، وهو ما يقتطع منه في عملية الختان التي يتمسك بها اليهود إلى يومنا هذا، فضلاً عن الثمار والحيوان إلى جانب ذلك.‬
‫ـ يعتقدون بأنهم شعب الله المختار، وأن أرواح اليهود جزء من الله، وإذا ضرب أممي (جوييم) إسرائيليًّا فكأنما ضرب العزة الإلهية، وأن الفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بمقدار الفرق بين اليهودي وغير اليهودي.‬
‫ـ يجوز غش غير اليهودي وسرقته، وإقراضه بالربا الفاحش، وشهادة الزور ضده، وعدم البر بالقسم أمامه، ذلك أن غير اليهود في عقيدتهم كالكلاب والخنازير والبهائم، بل إن اليهود يتقربون إلى الله بفعل ذلك بغير اليهودي.‬
‫ـ يقول التلمود عن المسيح: إن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين القار والنار، وإن أمه مريم أتت به من العسكري باندارا عن طريق الخطيئة، وإن الكنائس النصرانية هي مقام القاذورات والواعظون فيها أشبه بالكلاب النابحة.‬
‫ـ بسبب ظروف الاضطهاد نشأت لديهم فكرة المسيح المنتظر كنوع من التنفيس والبحث عن أمل ورجاء.‬
‫ـ يقولون بأن يعقوب قد صارع الرب، وأن لوطاً قد شرب الخمر وزنى بابنتيه بعد نجاته إلى جبل صوغر، وأن داود قبيح في عين الرب.‬
‫ـ لقد فقدت توراة موسى بعد تخريب الهيكل أيام بختنصر، فلما كتبت مرة ثانية أيام أرتحشتا ملك فارس جاءت محرفة عن أصلها، يقول الله تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ [المائدة: 13.‬
‫ـ إن ديانتهم خاصة بهم، مقفلة على الشعب اليهودي.‬
‫ـ الولد الأكبر الذي هو أول من يرث، وله حظ اثنين من إخوته، ولا فرق بين المولود بنكاح شرعي أو غير شرعي في الميراث.‬
‫ـ بعد الزواج تعد المرأة مملوكة لزوجها، ومالها ملك له، ولكن لكثرة الخلافات فقد أقر بعد ذلك أن تملك الزوجة رقبة المال والزوج يملك المنفعة.‬
‫ـ من بلغ العشرين ولم يتزوج فقد استحق اللعنة، وتعدد الزوجات جائز شرعاً بدون حد، فقد حدده الربانيون بأربع زوجات بينما أطلقه القراءون.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫من أوصاف اليهود وأخلاقهم‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫لليهود أوصاف قبيحة، وأخلاق ذميمة مرذولة، والكتاب والسنة حافلان في بيان ذلك.‬
‫كما أن شواهد التاريخ والواقع شاهدان على اليهود بالسوء والفساد.‬
‫فمن أخلاقهم وصفاتهم على سبيل الإجمال: الكبر، والحسد، والظلم، وكتمان الحق، وتحريف الكلم عن مواضعه.‬
‫ومنها الخيانة، والغدر، وسوء الأدب، واحتقار الآخرين، والسعي في الفساد، وإثارة الفتن والحروب.‬
‫ومنها الكذب، والجشع، وقسوة القلب، ومحبة إشاعة الفاحشة، وأكل الربا.‬
‫¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص81‬
‫فمن صفاتهم وأخلاقهم:‬
‫أـ كتمان الحق والعلم، حتى وإن كان وحياً منزلا من الله تعالى لهم، فإنهم لا يتورعون عن جحده وكتمانه ما دام لا يخدم أغراضهم وغاياتهم الفاسدة، قال الله تعالى عنهم يعاتبهم على ذلك: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون [عمران: 71.‬
‫ب ـ الخيانة والغدر والمخادعة، فهم بجهلهم وغرورهم يخادعون الله تعالى وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، فقد خانوا موسى عليه السلام، وخانوا الله ورسوله في المدينة حيث نقضوا عهدهم، وحالفوا المشركين، وهموا بقتل الرسول ﷺ حتى أجلاهم من المدينة.‬
‫ج ـ الحسد: فهم يحسدون الناس على كل شيء حتى على الهدى والوحي المنزل من الله رحمة للعالمين، قال الله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير [البقرة: 109.‬
‫وقال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ [النساء: 54.‬
‫د ـ الإفساد وإثارة الفتن والحروب: قال الله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم ما أنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين [المائدة: 64.‬
‫هـ ـ تحريف كلام الله تعالى وشرعه، والكذب على الله بما يتفق مع أهوائهم وأغراضهم الفاسدة، فقد قال تعالى عنهم: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [المائدة: 13.‬
‫ثم هم يبتدعون كلاما وشرعا ويوهمون الناس بكلامهم المزيف أنه منزل من الله، قال تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 78.‬

‫وإذا لم توافق أحكام الشرع أهواءهم تحايلوا في انتهاك حرمات الله، قال ﷺ، فيما رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما): ((قاتل الله اليهود حرَّم الله عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها)). هذا لفظ مسلم (¬1) كما حصل منهم في قصة اعتدائهم في السبت. وـ البذاءة وسوء الأدب: وهذا ناشئ عن احتقارهم لغيرهم من الأمم والشعوب، بل إنهم ليحتقرون أنبياء الله تعالى ويسخرون منهم، فقد كانوا يمرون برسول الله ﷺ فيقولون له: (السام عليك). فقد روى مسلم عن جماعة من الصحابة ((أنه أتى النبي ﷺ من اليهود فقالوا: السام (¬2) عليك يا أبا القاسم. قال: وعليكم)). (¬3)
‫ولذلك صح في السنة أن يردَّ المسلم على الكافر إذا سلَّم عليه بقوله: (وعليك). ليردَّ التحية بمثلها، والمبادر بالسوء أظلم.‬
‫ز ـ احتقار الآخرين: فهم يزعمون أنهم شعب الله المختار، وأنهم أولياء الله وأحباؤه، وأنهم وحدهم أهل الجنة والمستحقون لرضا الله ورحمته، ويسمون غيرهم من النصارى والمسلمين وسواهم (الأمميين) أو الأميين؛ لذلك هم يستبيحون أموال الآخرين ودماءهم وأعراضهم، بل يرون أنهم كالأنعام مسخرة لليهود، وذكر الله عنهم بأنهم يقولون: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ. [آل عمران: 75.‬
‫أي: ليس علينا حرج إذا أخذنا أموالهم واغتصبنا حقوقهم وجعلناهم فريسة لنا. وقد ذكروا ذلك أيضا في مخططاتهم يقولون: (إن الأمميين (غير اليهود) كقطيع من الغنم وإننا الذئاب، فهل تعلمون ما تفعل الغنم حينما تنفذ الذئاب إلى الحظيرة) (¬4)
‫ح ـ قسوة القلوب: وقد جاء ذلك عقوبة من الله تعالى لهم على مخالفتهم لأوامره، وكثرة شغبهم على رسله، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة: 13.‬
‫وقال: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74.‬
‫ط ـ الجشع والطمع والحرص على الحياة الدنيا، قال الله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة: 96.‬
‫ي ـ كراهية المسلمين والكيد الدائم لهم: قال الله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ [المائدة: 82.‬
‫¤ الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة: د. ناصر العقل ود. ناصر القفاري – ص31‬
‫ومن صفاتهم الغباوة:‬
‫...‬
‫¬_________‬
(¬1) رواه مسلم (1583) , والبخاري (2224) , واللفظ لمسلم.‬
(¬2) السام: السم والموت. قاتلهم الله.‬
(¬3) رواه مسلم (2165) , من حديث عائشة رضي الله عنها.‬
(¬4) ((الخطر اليهودي، بروتوكولات حكماء صهيون)) (ص 158).‬

‫فقد حكى الله لك عن جهل أسلافهم وغباوتهم وضلالهم ما يدل على ما وراءه من ظلمات الجهل التي بعضها فوق بعض، ويكفي في ذلك عبادتهم العجل الذي صنعته أيديهم من ذهب، ومن عبادتهم أن جعلوه على صورة أبلد الحيوان وأقله فطانة، الذي يضرب المثل به في قلة الفهم، فانظر إلى هذه الجهالة والغباوة المتجاوزة للحد، كيف عبدوا مع الله إلهاً آخر وقد شاهدوا من أدلة التوحيد وعظمة الرب وجلاله ما لم يشاهده سواهم؟! وإذ قد عزموا على اتخاذ إله دون الله، اتخذوه ونبيهم حي بين أظهرهم لم ينتظروا موته! وإذ قد فعلوا لم يتخذوه من الملائكة المقربين ولا من الأحياء الناطقين، بل اتخذوه من الجمادات! وإذ قد فعلوا لم يتخذوه من الجواهر العلوية كالشمس والقمر والنجوم، بل من الجواهر الأرضية! وإذ قد فعلوا لم يتخذوه من الجواهر التي خلقت فوق الأرض عالية عليها كالجبال ونحوها، بل من جواهر لا تكون إلا تحت الأرض، والصخور والأحجار عالية عليها! وإذ قد فعلوا لم يتخذوه من جوهر يستغني عن الصنعة وإدخال النار وتقليبه وجوهاً مختلفة وضربه بالحديد وسبكه، بل من جوهر يحتاج إلى الأيدي له بضروب مختلفة وإدخاله النار وإحراقه واستخراج خبثه!‬
‫وإذ قد فعلوا لم يصوغوه على تمثال ملك كريم ولا نبي مرسل ولا على تمثال جوهر علوي لا تناله الأيدي بل على تمثال حيوان أرضي.‬
‫وإذ قد فعلوا لم يصوغوه على تمثال أشرف الحيوانات وأقواها وأشدها امتناعاً من الضيم كالأسد والفيل ونحوهما، بل صاغوه على تمثال أبلد الحيوان وأقبله للضيم والذل بحيث يحرث عليه الأرض، ويسقى عليه بالسواقي والدواليب، ولا له قوة يمتنع بها من كبير ولا صغير.‬
‫فأي معرفة لهؤلاء بمعبودهم ونبيهم وحقائق الموجودات؟ وحقيق بمن سأل نبيه أن يجعل له إلهاً فيعبد إلهاً مجعولاً بعد ما شاهد تلك الآيات الباهرات، أن لا يعرف حقيقة الإله ولا أسماءه وصفاته ونعوته ودينه، ولا يعرف حقيقة المخلوق وحاجته وفقره.‬
‫ولو عرف هؤلاء معبودهم ورسولهم لما قالوا لنبيهم: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55.‬
‫ولا قالوا له: فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا [المائدة:24. ولا قتلوا نفساً وطرحوا المقتول على أبواب البرآء من قتله، ونبيهم حي بين أظهرهم، وخبر السماء والوحي يأتيه صباحاً ومساءً، فكأنهم جوزوا أن يخفى هذا على الله كما يخفى على الناس! ولو عرفوا معبودهم لما قالوا في بعض مخاطباتهم له: يا أبانا انتبه من رقدتك، كم تنام؟.‬
‫ولو عرفوه لما سارعوا إلى محاربة أنبيائه وقتلهم وحبسهم ونفيهم، ولما تحيلوا على تحليل محارمه وإسقاط فرائضه بأنواع الحيل.‬
‫ولقد شهدت التوراة بعدم فطانتهم، وأنهم من الأغبياء، ولو عرفوه لما حجروا عليه بعقولهم الفاسدة أن يأمر بالشيء في وقت لمصلحة، ثم يزيل الأمر به في وقت آخر؛ لحصول المصلحة وتبدله بما هو خير منه، وينتهي عنه ثم يبيحه في وقت آخر؛ لاختلاف الأوقات والأحوال في المصالح والمفاسد، كما هو مشاهد في أحكامه القدرية الكونية التي لا يتم نظام العالم ولا مصلحته إلا بتبديلها واختلافها بحسب الأحوال والأوقات والأماكن، فلو اعتمد طبيب أن لا يغير الأدوية والأغذية بحسب اختلاف الزمان والأماكن والأحوال لأهلك الحرث والنسل وعُدَّ من الجهال، فكيف يحجر على طبيب القلوب والأبدان أن تتبدل أحكامه بحسب اختلاف المصالح؟!‬
‫وهل ذلك إلا قدح في حكمته ورحمته وقدرته وملكه التام وتدبيره لخلقه؟‬

‫ومن جهلهم بمعبودهم ورسوله وأمره أنهم أُمروا أن يدخلوا باب المدينة التي فتحها الله عليهم سُجَّداً ويقولوا: حطة. فيدخلوا متواضعين لله سائلين منه أن يحط عنهم خطاياهم, فدخلوا يزحفون على أستاههم بدل السجود لله، ويقولون: هنطا سقمانا. أي: حنطة سمراء، فذلك سجودهم وخشوعهم، وهذا استغفارهم واستقالتهم من ذنوبهم.‬
‫ومن جهلهم وغباوتهم أن الله سبحانه أراهم من آيات قدرته وعظيم سلطانه وصدق رسوله ما لا مزيد عليه، ثم أنزل عليهم بعد ذلك كتابه وعهد إليهم فيه عهده، وأمرهم أن يأخذوه بقوة فيعيدوه بما فيه، كما خلصهم من عبودية فرعون والقبط فأبوا أن يقبلوا ذلك وامتنعوا منه، فتنقل الجبل العظيم فوق رؤوسهم‬
‫على قدرهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوا أطبقته عليكم. فقبلوه من تحت الجبل.‬
‫قال ابن عباس: رفع الله الجبل فوق رؤوسهم، وبعث ناراً من قبل وجوههم، وأتاهم البحر من تحتهم ونودوا: إن لم تقبلوا أرضختكم بهذا وأحرقتكم بهذا وأغرقتكم بهذا. فقبلوه وقالوا: سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعناك. ولمّا أمنوا بعد ذلك قالوا: سمعنا وعصينا.‬
‫ومن جهلهم أنهم شاهدوا الآيات ورأوا العجائب التي يؤمن على بعضها البشر ثم قالوا بعد ذلك: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55.‬
‫وكان الله سبحانه قد أمر موسى أن يختار من خيارهم سبعين رجلاً لميقاته، فاختارهم موسى وذهب بهم إلى الجبل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل، وقال للقوم: ادنوا. ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الحجاب وقعوا سُجَّداً، فسمعوا الرب تعالى وهو يكلم موسى ويأمره وينهاه ويعهد إليه، فلما أنكشف الغمام قالوا: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55.‬
‫ومن جهلهم أن هارون لما مات ودفنه موسى قالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته حسدته على خلقه ولينه ومحبة بني إسرائيل له. قال: فاختاروا سبعين رجلاً فوقفوا على قبر هارون، فقال موسى: يا هارون أقتلت أم مت؟ قال: بل مت وما قتلني أحد.‬
‫فحسبك من جهالة أُمة وجفائهم أنهم اتهموا نبيهم ونسبوه إلى قتل أخيه، فقال موسى: ما قتلته. فلم يصدقوه حتى أسمعهم كلامه وبراءة أخيه مما رموه به.‬
‫ومن جهلهم أن الله سبحانه شبههم في حملهم التوراة وعدم الفقه فيها والعمل بها بالحمار يحمل أسفاراً، وفي هذا التشبيه من النداء على جهالتهم وجوه متعددة:‬
‫منها: أن الحمار من أبلد الحيوانات التي يضرب بها المثل في البلادة.‬
‫ومنها: أنه لو حمل غير الأسفار من طعام أو علف أو ماء لكان له به شعور، بخلاف الأسفار.‬
‫ومنها: أنهم حملوها لا أنهم حملوها طوعاً واختياراً، بل كانوا كالمكلفين لما حملوه لم يرفعوا به رأساً.‬
‫ومنها: أنهم حيث حملوها تكليفاً وقهراً لم يرضوا بها ولم يحملوها رضا واختياراً، وقد علموا أنهم لا بد لهم منها، وأنهم إن حملوها اختياراً كانت لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.‬
‫ومنها: أنها مشتملة على مصالح معاشهم ومعادهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فإعراضهم عن التزام ما فيه سعادتهم وفلاحهم إلى ضده من غاية الجهل والغباوة وعدم الفطانة.‬
‫ومن جهلهم وقلة معرفتهم أنهم طلبوا عوض المن والسلوى- اللذين هما أطيب الأطعمة وأنفعها وأوفقها للغذاء الصالح- البقل والقثاء والثوم والعدس والبصل، ومن رضي باستبدال هذه الأغذية عوضاً عن المن والسلوى، لم ينكر عليه أن يستبدل الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى والغضب بالرضا والعقوبة بالرحمة، وهذه حال من لم يعرف ربه ولا كتابه ولا رسوله ولا نفسه.‬
‫وأما نقضهم ميثاقهم، وتبديلهم أحكام التوراة، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، وأكلهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم الرشا، واعتداؤهم في السبت حتى مُسخوا قردة، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وتكذيبهم عيسى ابن مريم رسول الله، ورميهم له ولأمه بالعظائم، وحرصهم على قتله، وتفردهم دون الأمم بالخبث والبهت، وشدة تكالبهم على الدنيا وحرصهم عليها، وقسوة قلوبهم وحسدهم وكثرة سخطهم، فإليه النهاية.‬
‫وهذا وأضعافه من الجهل وفساد العقل، قليلٌ على من كذَّب رسل الله وجاهر بمعاداته ومعاداة ملائكته وأنبيائه وأهل ولايته، فأي شيء عرف من لم يعرف الله ورسله؟ وأي حقيقة أدرك من فاتته هذه الحقيقة؟ وأي علم أو عمل حصل لمن فاته العلم بالله والعمل بمرضاته ومعرفة الطريق المؤولة إليه ومآله بعد الوصول إليه؟!‬
‫فأهل الأرض كلهم في ظلمات الجهل والغي إلا من أشرق عليه نور النبوة‬
‫¤ هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن قيم الجوزية - ص357 - 364‬

‫اليهودية وما تفرع عنها -موقف اليهود وأهدافهم تجاه المسلمين - مواقف اليهود مع المسلمين قديماً وحديثاً‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫منذ أن بعث الله سبحانه وتعالى محمداً ﷺ بدين الإسلام واليهود يكيدون لهذا الدين ولنبيه، مع أنهم يعرفون أنه رسول الله حقًّا، ولديهم الأدلة على ذلك، كما ذكر الله عنهم أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك كله جحدوا نبوته وأنكروها، وحاولوا النيل من النبي ﷺ، فحاولوا قتله، وسحروه، ووضعوا له السم، وقاموا بإثارة الفتن بين الأوس والخزرج حتى قال الله تعالى فيهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [آل عمران: 100 - 101. وتتبع اليهود رسول الله ﷺ بالأسئلة ليحرجوه، وطلبوا أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، وقد هوَّن الله أمرهم على رسوله، فقال: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا [النساء: 153.‬
‫وعندما فشلوا في إثارة الفتن لَبس بعضهم لباس الإسلام؛ ليطعنوا الإسلام باسم المسلمين: وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران: 72.‬
‫واستمر كيدهم ونشطوا في عهد عثمان، ولبسوا لباس الإسلام بقيادة ابن السوداء عبد الله بن سبأ، وظلوا يؤلبون المسلمين على عثمان بدعوى أنه ليس أحق بالخلافة، وأن انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى يعني انتقال شخصه إلى علي، كما أنتقلت شخصية موسى إلى يوشع، وذهب عثمان ضحية لهذه الفتنة.‬
‫وعندما فتح المسلمون الكثير من الأمصار رحب أكثر أهل الذمة من اليهود والنصارى بهذه الفتوح في بلاد العراق والشام ومصر؛ رغبة في الخلاص من الاضطهاد الروماني، حيث عاشوا في ظل دولة الإسلام عيشة أحسن من التي كانوا يعيشونها في السابق مع بني قومهم، إلا أنهم لم يتخلوا عن مكرهم وكيدهم؛ فكلما سنحت لهم فرصة اهتبلوها، وبادروا إليها.‬
‫وخلاصة القول: أننا لوا استعرضنا التاريخ الإسلامي لوجدنا أن لليهود دوراً في كل فتنة وحدث يضر بالمسلمين، وإن لم يكن الحدث من صنعهم ابتداءً، لكنهم يوقدونه ولو بعد حين.‬
‫وهذا ما جعل بعض الباحثين يذهبون إلى أن اليهود وراء كل الفتن والأحداث.‬
‫ولا يشك أحد بأن اليهود عملوا جهدهم- ولا يزالون- في الدس والتفريق بين المسلمين، ومحاولة إفساد عقيدتهم وأخلاقهم؛ فالمحققون يجزمون بأن اليهود هم الذين أنشؤوا التشيع والرفض ابتداءً، وهم الذين بذروا بذور الفرق الضالة كالمعتزلة والجهمية وسائر الفرق الباطنية كالنصيرية، والإسماعيلية، والدروز، والقرامطة، وهم الذين مهدوا للدولة الفاطمية الشيعية وعن طريقها نشر اليهود البدع القبورية، والطرق الصوفية، والأعياد المبتدعة، كعيد الميلاد، والبدع والخرافات التي سادت في عهد الدولة الفاطمية، ودولة القرامطة وما بعدها.‬
‫ولما ظهرت القاديانية، والبهائية أيدوها ثم احتضنوها.‬

‫وهم الذين ساهموا في سقوط الخلافة العثمانية، ولن ينسى المسلمون ما فعله يهود الدونمة في تركيا حين أظهروا الإسلام، ودخلوا في عمق الخلافة، وكادوا الإسلام؛ فأسسوا الجمعيات السرية للإطاحة بالخلافة، ثم إعلان العلمانية ومكَّنوا لصنيعتهم مصطفى كمال أتاتورك.‬
‫¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص82 - 83‬
‫عرف اليهود أنهم لن يستطيعوا أن ينالوا من شخص رسول الله ﷺ أو أصل دينه ما يريدون علنا، كما فعلوا بدين النصارى، وكما فعلوا بالأنبياء من قبل من التكذيب المعلن والإيذاء والقتل.‬
‫لذلك سلكوا مسلك الكيد الخفي للمسلمين، وصارت لهم اليد الطولى في إثارة الفرقة والخلافات والفتن التي حدثت في التاريخ الإسلامي ولا يزالون.‬
‫ويجب أن لا نبالغ- كما يسلك بعض الكتاب والباحثين- لنقول بأنهم هم وراء كل الأحداث والفتن؛ لأنهم أجبن وأضعف من أن يكونوا كذلك.‬
‫لكن الذي نجزم به أنهم انتهازيون، وكيدهم متواصل للإسلام وأهله، ولذلك فهم يستفيدون من الأحداث والاضطرابات والفتن، فيكونون من جندها ويوقدونها لئلا تنطفئ، كما أنهم يدعمونها بما يملكون من جهد ووقت ومال.‬
‫فإذا استعرضنا التاريخ الإسلامي وجدنا أن لليهود دورا في كل فتنة وحدث يضر بالمسلمين، وإن لم يكن هذا الحدث من صنعهم ابتداء لكونهم يوقدونه ولو بعد حين، وهذا ما جعل بعض الكتاب والباحثين يذهبون إلى أن اليهود هم وراء كل الفتن والأحداث.‬
‫ولا يشك أحد بأن اليهود عملوا جهدهم ـ ولا يزالون ـ في الدس والتفريق بين المسلمين ومحاولة إفساد عقيدتهم وأخلاقهم، فالمحققون يجزمون بأن اليهود هم الذين أنشؤوا التشيع والرفض ابتداء، وهم الذين أسهموا في بذور الفرق التي حادت عن طريق السنة والعقيدة السليمة: كالمعتزلة، والجهمية، وسائر الفرق الباطينة: كالإسماعيلية، والنصيرية والقرامطة والدروز.‬
‫وهم الذين مهدوا للدولة الفاطمية حتى قامت، وحين قامت أيضا عملوا تحت لوائها معززين مكرمين، وصار لهم نفوذ ظاهر وباطن، وعن طريقها تحقق لليهود الكثير من أهدافهم، مثل نشر البدع القبورية والطرق الصوفية، والأعياد المبتدعة ـ كعيد الميلاد ـ والبدع والخلافات التي سادت في عهد الدولة الفاطمية ودولة القرامطة وما بعدهما.‬
‫ولما ظهرت القاديانية والبهائية أيدوهما ثم احتضنوهما فيما بعد، ولن ينسى المسلمون ما فعل يهود الدونمة في تركيا حيث أظهروا الإسلام ودخلوا في عمق الخلافة وكادوا للإسلام فأسسوا الجمعيات السرية للإطاحة بالخلافة ثم إعلان العلمانية المشؤومة (بالحكم بغير ما أنزل الله) وحرب الإسلام من الداخل.‬
‫هذه نماذج من دور اليهود في الكيد للمسلمين، ولا يزال كيدهم متواصلا، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين‬
‫¤ الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة: د. ناصر العقل ود. ناصر القفاري – ص35‬

‫اليهودية وما تفرع عنها -موقف اليهود وأهدافهم تجاه المسلمين - أهداف اليهود‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية


‫أهداف اليهود وطموحاتهم لا تقف عند حد؛ فهم يخططون للسيطرة على العالم كله حتى يكون تحت هيمنة مملكتهم إسرائيل التي تم إنشاؤها في فلسطين، والتي يزعمون أن حدودها تكون من العراق شرقاً إلى مصر غرباً- من الفرات إلى النيل- ومن شمال الشام شمالاً إلى يثرب جنوباً.‬
‫ويمكن إجمال بعض أهدافهم فيما يلي:‬
‫1 - تأسيس وتثبيت مملكتهم إسرائيل: بحيث يكون مركزها أور شليم- القدس- وتكون هي منطلق نشاطهم.‬
‫وبسبب تخلف المسلمين وبعدهم عن دينهم تمكن اليهود من تحقيق أكثر أحلامهم مع الأسف.‬
‫2 - التحكم في شعوب العالم، وتسخيرها لخدمتهم؛ لأنهم بزعمهم هم شعب الله المختار، وغيرهم يجب أن يكون مسخراً لخدمتهم.‬
‫3 - القضاء على المسلمين: لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُون [التوبة: 10، وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ... [البقرة: 217 ,‬
‫4 - إفساد الشعوب، وتحطيم أخلاقهم بسلاح المنكرات من خمر، وزنى، وكذب، وسينما، وربا، وغش، وغدر، وخيانة.‬
‫¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص84‬

‫اليهودية وما تفرع عنها -موقف اليهود وأهدافهم تجاه المسلمين - وسائل اليهود ومخططاتهم‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫يسلك اليهود في سبيل الوصول إلى أهدافهم وسائل شتى، ويقومون بمخططات واسعة مدروسة، ومن ذلك:‬
‫1 - إشعال نار الفتنة بين الحكومات وشعوبها: وذلك عن طريق إغراء الحكومات باضطهاد الشعوب، وإغراء الشعوب بالتمرد على الحكومات، ومحاولة إبقاء كل من قوة الحكومة، وقوة الشعب؛ لتبقى العداوة دائمة مستمرة.‬
‫2 - إغراء الحكام والوزراء والرؤساء بالاستعلاء على شعوبهم والانغماس بالفساد، والرذيلة، والعهر عن طريق النساء، والخمر، والقمار، والرشاوى والمناصب، والمؤامرات، والفتن.‬
‫3 - استعمال العنف والإرهاب في حكم العالم: فهم يصرحون بذلك في بروتوكولاتهم كقولهم: خير النتائج في حكم العالم ما ينتزع بالعنف والإرهاب.‬
‫4 - إشاعة الفوضى والخيانة؛ ليتردى العالم، وينحط، ويسهل التحكم به.‬
‫5 - العمل على تحطيم عقيدة الولاء والبراء في نفوس المسلمين باسم السلام والتطبيع؛ لكي يزول حاجز النفرة منهم.‬
‫6 - استغلال أجهزة الإعلام، وتوجيهها وجهة تخدم مصالحهم، بأن تكون هابطة أخلاقيًّا، ومضللة سياسيًّا، ومذبذبة فكريًّا.‬
‫7 - التحكم بالاقتصاد العالمي: وذلك بامتلاك أكبر عدد من المؤسسات والشركات والبنوك، واحتكار الذهب، ومضاعفة الأعمال الربوية، وتشجيع الأنظمة الرأسمالية الربوية، والضرائبية، والاشتراكية التأمينية المحطمة.‬
‫8 - نشر المبادئ الهدامة والجمعيات السرية التجسسية، والأحزاب المتطرفة والحركات الثورية، وتشجيع عصابات الخطف والاغتيالات.‬
‫9 - السيطرة على الدول النصرانية والشيوعية؛ لتكون أداة مسخرة تخدم أهدافهم، وتحمي دولة إسرائيل الناشئة.‬
‫وهذا ما حدث فعلاً من بعض الدول خاصة بريطانيا، وأمريكا، وروسيا.‬
‫هذا شيء من أهدافهم ومخططاتهم، وقد عملوا وجَدُّوا في تحقيق ذلك، وحقَّقوا الكثير، ولم يكن ليتحقق لهم ذلك إلا بعد أن غفل المسلمون عما يدور حولهم.‬
‫ومتى ما رجع المسلمون إلى رشدهم، وآبوا إلى ربهم فلن تقوم لإسرائيل قائمة بإذن الله.‬
‫¤ رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد - ص85، 86‬

‫التعريف بهم:‬
‫هم جماعة من اليهود أظهروا الإسلام وأبطنوا اليهودية؛ للكيد للمسلمين، سكنوا منطقة الغرب من آسيا الصغرى، وأسهموا في تقويض الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة عن طريق انقلاب جماعة الاتحاد والترقي ... ولا يزالون إلى الآن يكيدون للإسلام، لهم براعة في مجالات الاقتصاد والثقافة والإعلام؛ لأنها هي وسائل السيطرة على المجتمعات.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫التأسيس وأبرز الشخصيات:‬
‫أسسها سباتاي زيفي (1626م-1675) م، وهو يهودي إسباني الأصل، تركي المولد والنشأة، وكان ذلك سنة (1648) م حين أعلن أنه مسيح بني إسرائيل ومخلصهم الموعود، واسمه الحقيقي موردخاي زيفي، وعرف بين الأتراك باسم قرامنتشته.‬
‫ـ استفحل خطر سباتاي فاعتقلته السلطات العثمانية، وناقشه العلماء في ادعاءاته، ولما عرف أنه تقرر قتله أظهر رغبته في الإسلام، وتسمى باسم محمد أفندي.‬
‫ـ واصل دعوته الهدامة من موقعه الجديد كمسلم وكرئيس للحجاب، وأمر أتباعه بأن يظهروا الإسلام ويبقوا على يهوديتهم في الباطن.‬
‫ـ طلب من الدولة السماح له بالدعوة في صفوف اليهود، فسمحت له بذلك، فعمل بكل خبث واستفاد من هذه الفرصة العظيمة للنيل من الإسلام.‬
‫ـ اتضح للحكومة بعد أكثر من (10) سنوات أن إسلام سباتاي كان خدعة، فنفته إلى ألبانيا ومات بها.‬
‫- أطلق الأتراك على أتباع هذا المذهب الدونمة، وهي مشتقة من المصدر التركي دونمك، بمعنى العودة والرجوع.‬
‫- إبراهام نطحان: يهودي، وقد أصبح رسول سباتاي إلى الناس.‬
‫- جوزيف بيلوسوف: وهو خليفة سباتاي ووالد زوجته الثانية، كان يتحرك باسم عبد الغفور أفندي.‬
‫- مصطفى جلبي رئيس فرقة قاش، وهي من ضمن ثلاث فرق تفرعت عن الدونمة، وهم اليعاقبة والقاقاشية والقاباتجية.‬
‫- ليس لهم مؤلفات مطبوعة ومتداولة، ولكن لهم نشرات سرية كثيرة يتداولونها فيما بينهم.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫الأفكار والمعتقدات:‬
‫يعتقدون أن سباتاي هو مسيح إسرائيل المخلص لليهود.‬
‫- يقولون: إن الجسم القديم لسباتاي صعد إلى السماء، فعاد بأمر الله في شكل ملاك يلبس الجلباب والعمامة ليكمل رسالته.‬
‫- يظهرون الإسلام ويبطنون اليهودية الماكرة الحاقدة على المسلمين.‬
‫- لا يصومون ولا يصلون ولا يغتسلون من الجنابة، وقد يظهرون بعض الشعائر الإسلامية في بعض المناسبات كالأعياد مثلاً؛ إيهاماً وخداعاً، ومراعاة لعادات الأتراك, ذرًّا للرماد في عيونهم، ومحافظة على مظاهرهم كمسلمين.‬
‫- يحرمون مناكحة المسلمين، ولا يستطيع الفرد منهم التعرف على حياة الطائفة وأفكارها إلا بعد الزواج.‬
‫- لهم أعياد كثيرة تزيد على العشرين منها: الاحتفال بإطفاء الأنوار وارتكاب الفواحش، ويعتقدون أن مواليد تلك الليلة مباركون، ويكتسبون نوعاً من القدسية بين أفراد الدونمة.‬
‫- لهم زي خاص بهم، فالنساء ينتعلن الأحذية الصفراء، والرجال يضعون قبعات صوفية بيضاء مع لفها بعمامة خضراء.‬
‫- يحرمون المبادرة بالتحية لغيرهم.‬
‫- يهاجمون حجاب المرأة، ويدعون إلى السفور والتحلل من القيم، ويدعون إلى التعليم المختلط؛ ليفسدوا على الأمة شبابها.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫الجذور الفكرية والعقائدية:‬
‫عقيدتهم يهودية صرفة، وبالتالي فهم يتحلّون بالخصال الأساسية لليهود، كالخبث والمراوغة والدهاء والكذب والجبن والغدر، وتظاهرهم بالإسلام إنما هو وسيلة لضرب الإسلام من داخله.‬
‫- لهم علاقة وطيدة بالماسونية، وكان كبار الدونمة من كبار الماسونيين.‬
‫- يعملون ضمن مخططات الصهيونية العالمية.‬
‫- يمتلكون ويديرون أكثر الجرائد التركية انتشاراً، مثل جريدة حريت ومجلة حياة ومجلة التاريخ وجريدة مليت وجريدة جمهوريت، وكلها تحمل اتجاهات يسارية، ولها تأثير واضح على الرأي العام التركي.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫الانتشار ومواقع النفوذ:‬
‫غالبيتهم العظمى توجد الآن في تركيا.‬
‫ـ ما يزالون إلى الآن يملكون في تركيا وسائل السيطرة على الإعلام والاقتصاد، ولهم مناصب حساسة جدًّا في الحكومة.‬
‫ـ كانوا وراء تكوين جماعة الاتحاد والترقي، التي كانت جل أعضائها منهم، وكما ساهموا من موقعهم هذا في علمنة تركيا المسلمة، وسخَّروا كثيرًا من شباب المسلمين المخدوعين لخدمة أغراضهم التدميرية.‬
‫ويتضح مما سبق:‬
‫أن الدونمة طائفة من اليهود ادعت الإسلام ولا علاقة لهم به قدر ذرة، وكانوا يتحينون الفرص للانتقام من الإسلام، وإفساد الحياة الاجتماعية الإسلامية، والهجوم على شعائر الإسلام. ويكفي أنهم أداروا الجزء الأعظم من انقلاب تركيا الفتاة الذي أسقط السلطان عبد الحميد الثاني.‬
‫مراجع للتوسع:‬
‫ـ يهود الدونمة، محمد علي قطب.‬
‫ـ وثائق منظمات وعادات السباتاي، إبراهيم غالانتي.‬
‫ـ مجموعة مقالات عن الدونمة، علاء الدين غوسة.‬
‫ـ يهود الدونمة، للدكتور محمد عمر (مؤسسة الدراسات التاريخية).‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

‫الصهيونية - اليهود في العصر الحديث‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫اليهود هم اليهود في عقائدهم وأخلاقهم، كما كانوا من قبل، إلا أنهم في العصر الحاضر أجمعُ شملاً، وأقوى نفوذاً، وأكثر تنظيماً، وأحكم سيطرة على مقاليد العالم، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث إنتهزوا الخواء الروحي والاقتصادي والسياسي الذي مُنِيَ به الغرب؛ فتمكنوا، وتحكموا في مقاليد الأمور هناك فكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، خاصة في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وروسيا.‬
‫ثم هم وراء ابتداع وترويج النظرية الماركسية-الشيوعية- ثم تطبيقها في روسيا القيصرية، ثم تصديرها إلى شرق أوربا وبعض دول ما يسمى بالعالم الثالث.‬
‫وكذلك قاموا بترويج النظريات الهدامة الأخرى في الاقتصاد، والسياسة، والاجتماع كنظرية التطور لدارون، ونظرية دور كايم الاجتماعية، ونظرية ميكافيلي السياسية التي ترى أن الغاية تسوغ الوسيلة.‬
‫ولعل أبرز عمل قاموا به في هذا العصر هو احتلالهم لفلسطين بناءً على وعد بلفور عام (1335) هـ, حيث احتلوها سنة (1367) هـ، وقامت بعدها (إلى) اليوم بتوسيع رقعتها، وضم بعض الأراضي؛ سعياً في تحقيق الحلم بإقامة دولة إسرائيل الكبرى.‬
‫وخلال تلك الفترة إلى هذا اليوم قامت إسرائيل بمجازر رهيبة جماعية وفردية, كذلك قاموا باحتلال لبنان والجولان، وأفسدوا في البلدان التي أقاموا معها جسوراً وعلاقات؛ حيث نشروا الفساد والرذيلة؛ فانتشر بذلك الانحلال، والأمراض الفتاكة كالإيدز وغيرها, كذلك انتشرت المخدرات, وعمليات التجسس.‬
‫كما أنهم يحرصون على كل ما فيه هدم للقيم والأخلاق.‬
‫كما أنهم يحرصون على إقامة دولتهم، وعلى جمع اليهود في شتى بقاع العالم؛ حيث قاموا بنقل يهود الفلاشا، ويهود الاتحاد السوفييتي وغيرهم إلى فلسطين.‬
‫ولا يزالون يعيثون في الأرض فساداً، ويكررون اعتداءاتهم على الأقصى الشريف، ويذيقون أهل فلسطين ألواناً من العَسْف، والطغيان، والتسلط.‬
‫¤رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد ص 89، 90‬
‫مراجع للتوسع:‬
‫ـ جذور البلاء، عبد الله التل، وله أيضاً: الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام ـ وخطر اليهودية العالمية.‬
‫ـ المخططات التلمودية الصهيونية اليهودية في غزو العالم الإسلامي، أنور الجندي.‬
‫ـ بروتوكولات حكماء صهيون، ترجمة أحمد عبد الغفور عطار. عجاج نويهض، شوقي عبد الناصر، محمد خليفة التونسي، حسين الطنطاوي.‬
‫ـ القوى الخفية، ل. فراي.‬
‫ـ مؤامرة الصهيونية على العالم، أحمد عبد الغفور عطار.‬
‫ـ الصهيونية وربيبتها إسرائيل، عمر رشدي.‬
‫ـ الصهيونية العالمية، عباس محمود العقاد.‬
‫ـ اليهودي العالمي، هنري فورد.‬
‫ـ هذه هي الصهيونية، إسرائيل كوهين.‬
‫ـ إسرائيل الزائفة، فريد عبد الله جورجي.‬
‫ـ أحجار على رقعة الشطرنج، وليم غاي كار.‬
‫ـ الصهيونية بين تاريخين، عبد الله النجار ـ كمال الحاج.‬
‫ـ موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية، عبد الوهاب المسيري.‬
‫ـ سياسة الاستعمار الصهيوني تجاه فلسطين، حسن صبري الخولي.‬
‫ـ الموسوعة النقدية للفلسفة اليهودية، عبد المنعم الحفني.‬
‫ـ إسرائيليات، أحمد بهاء الدين.‬
‫ـ الأيديولوجية الصهيونية، عبد الوهاب المسيري.‬
‫ـ الصهيونية، زينب عصمت وآخرون.‬
‫ـ خطر اليهودية العالمية، عبد الله التل.‬
‫ـ اليهودية دين لا قومية، المر برجر.‬
‫ـ الصهيونية بين الدين والسياسة، عبد السميع الهراوي.‬
‫ـ أصول الصهيونية في الدين اليهودي، إسماعيل راجي الفاروقي.‬
‫ـ الملل المعاصرة في الدين اليهودي، إسماعيل راجي الفاروقي.‬
‫ـ الفكر الديني الإسرائيلي أطواره ومذاهبه، حسن ظاظا.‬
‫ـ الصهيونية العالمية وإسرائيل، حسن ظاظا وآخرون.‬
‫ـ من يجرؤ على الكلام، بول فندلي.‬
‫ـ مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني، محمد حرب عبد الحميد.‬
‫ـ حكومة العالم الخفية، شيريب سيريد وفيتش.‬
‫ـ السلطان عبد الحميد الثاني وفلسطين، رقيق شاكر النتشة.‬
‫ـ تاريخ الحركة الصهيونية الحديثة، محمد عبد الرؤوف سليم.‬
‫ـ الصهيونية والعنف، حسين الطنطاوي.‬
‫ـ الصهيونية العالمية والرد على الفكر الصهيوني المعاصر، محمود دياب.‬
‫ـ أمريكا مستعمرة صهيونية، صلاح دسوقي.‬
‫ـ الصهيونية العالمية وأرض الميعاد، علي إمام عطية.‬
‫ـ لهذا أكره إسرائيل، أمين سامي الغمراوي.‬
‫ـ أساليب الغزو الفكري، علي جريشة ـ محمد شريف.‬
‫ـ الإسلام والمستعمرات الصهيونية، جمال الدين اليرماوي.‬
‫ـ حقائق عن قضية فلسطين، محمد أمين الحسيني.‬
‫- نهاية اليهود: د. أبو الفداء محمد عزت عارف.‬
‫- الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة: د. ناصر العقل ود. ناصر القفاري‬
‫- معركتنا مع اليهود: سيد قطب.‬
‫- المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم: د. محمد البار.‬
‫- المخططات التلمودية: أنور الجندي.‬
‫- العلمانية: د. سفر الحوالي.‬
‫- حقيقة اليهود: سيد رفاعي.‬


‫فرق النصارى - الفرق النصرانية المعاصرة - شهود يهوه‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫التعريف:‬
‫هي منظمة عالمية دينية وسياسية، تقوم على سرية التنظيم، وعلنية الفكرة، ظهرت في أمريكا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما تدَّعي أنها مسيحية، والواقع يؤكد أنها واقعة تحت سيطرة اليهود، وتعمل لحسابهم، وهي تعرف باسم (جمعية العالم الجديد) إلى جانب (شهود يهوه) الذي عرفت به ابتداء من سنة (1931) م، وقد اعترف بها رسميًّا في أمريكا قبل ظهورها بهذا الاسم وذلك سنة (1884) م.‬

‫التأسيس وأبرز الشخصيات:‬
‫أسَّسها سنة (1874) م, الراهب تشارلز راسل (1862 - 1916) م، وكانت تعرف آنذاك باسم مذهب الراسلية أو الراسليين نسبة إلى مؤسسها كما عرفت باسم الدارسون الجدد للإنجيل. وعرفت بعد ذلك باسم جمعية برج المراقبة والتوراة والكراريس Watch Tower Bible and Tract Society ثم استقرَّ الأمر أخيراً وعرفت باسم يهوه نسبة إلى يَهْوَه إله بني إسرائيل على ما تُردِّد توراتهم، (راجع سفر الخروج6: 2 - 4) (وكلَّم الله موسى قال له: أنا الرب. أنا الذي تجليت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب إلهاً قادراً على كل شيء، وأما اسمي يهوه فلم أعلنه لهم).‬
‫ثم خلفه في رئاسة المنظمة فرانكلين رذرفورد (1869 - 1942) م الذي ألَّف سنة (1917) م, كتاب سقوط بابل، ويرمز ببابل لكل الأنظمة الموجودة في العالم.‬
‫ثم جاء نارثان هرمر كنور (1905) م، وفي عهده أصبحت المنظمة دولة داخل الدولة كما يقال.‬

‫فرق النصارى - الفرق النصرانية المعاصرة - شهود يهوه - الأفكار والمعتقدات‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫إشاعة الفوضى الخلقية والتحلل من جميع الفضائل الإنسانية التي حثَّت عليها التعاليم الدينية.‬
‫يؤمنون بيهوه إلهاً لهم، وبعيسى رئيساً لمملكة الله.‬
‫يؤمنون بالكتاب المقدس للنصارى، ولكنهم يفسرونه حسب مصالحهم.‬
‫الطاعة العمياء لرؤسائهم.‬
‫يستغلون اسم المسيح والكتاب المقدس للوصول إلى هدفهم، وهو: إقامة دولة دينية دنيوية؛ للسيطرة على العالم.‬
‫تهيئة النفوس لإقامة الدولة اليهودية الكبرى.‬
‫نفي الحساب والعقاب في الآخرة، فلا إثم على من يقترف ذنباً أو معصية في دنياه.‬
‫لا يؤمنون بالآخرة ولا بجهنم، ويعتقدون بأن الجنة ستكون في الدنيا في مملكتهم.‬
‫يعتقدون بقرب قيام حرب تحريرية يقودها عيسى، وهم جنوده يزيحون بها جميع حكام الأرض.‬
‫يقتطفون من الكتاب المقدس الأجزاء التي تحبب إسرائيل واليهود إلى الناس، ويقومون بنشرها.‬
‫لا يؤمنون بالروح وبخلودها، ولهم معابد خاصة بهم يسمونها القاعة الملكية أو بيت الرب.‬
‫الأخوة الإنسانية مقتصرة عليهم دون من سواهم من البشر.‬
‫يعادون النظم الوضعية، ويدعون إلى التمرد، ويعادون الأديان إلا اليهودية، وجميع رؤسائهم يهود.‬
‫إشاعة الفوضى العالمية بتحريض الشعوب على التمرد على حكوماتهم، وشقِّ عصا الطاعة عليها، ومقاطعة جميع النشاطات الرسمية في الدولة، ويبررون ذلك بما جاء في كتابهم الأخضر (ليكن الله صادقاً بأنهم سفراء الله في ملكوته المقدس، ومن ثمَّ فهم يتمتعون بحصانة تعفيهم من الخضوع للحكومات المدنية أيًّا كانت مقوماتها).‬
‫يعترفون بقداسة الكتب التي تعترف بها اليهودية وتقدسها، وهي 19 كتاباً.‬
‫يقولون بالتثليث ويفسرونه بـ (يهوه، الابن، الروح القدس).‬
‫يمرُّ العضو فيها بمراحل معقدة، ويخضع الالتحاق بها إلى شروط قاسية، وتنتظم عضوية جمعية شهود يهوه ثلاث مراتب:‬
‫أعضاء الرجاء السماوي: وهم أعضاء الإدارة العليا، ويرأسهم العبد العظيم أو الحكيم، ويعرف مقره ببيت (إيل) أي: بيت الله.‬
‫صف جلعاد أو الرجاء الأرضي: ويشمل من الأعضاء الرواد والمعاونين ونظار المناطق، وهؤلاء هم أعضاء الإدارة التنفيذية.‬
‫المبشرون: ويعرف أعضاؤها بالخدم، وتضم هذه المرتبة الشهود، وهم الأعضاء المكلفون بتوزيع مطبوعات الجمعية ورسائلها.‬
‫شعاراتهم ورموزهم:‬
‫تبني المينورا، وهي الشمعدان السباعي الذي هو رمز اليهود الديني والوطني.‬
‫تبني النجمة السداسية، وهي رمز لليهود كذلك.‬
‫تبني اسم يهوه، ويكتبونه بالعبرية، وهو (الإله) عند اليهود.‬
‫من كتب المنظمة:‬
‫تنطق باسمهم مجلة كانت تصدر تحت اسم برج مراقبة صهيون، ثم عدَّلوها إلى: برج المراقبة؛ لإخفاء كلمة صهيون.‬
‫هذا الخبر الجيد عن المملكة (المقصود مملكتهم المأمولة).‬
‫الأساس في الإيمان بعالم جديد.‬
‫لقد اقترب علاج الأمم.‬
‫العيش بأمل نظام عادل جديد.‬
‫الجذور الفكرية والعقائدية:‬
‫يمكن اعتبارهم فرقة مسيحية منفردة بفهم خاص، إلا أنهم واقعون تحت سيطرة اليهود بشكل واضح، ويتبنون العقائد اليهودية في الجملة، ويعملون لأهداف اليهود.‬
‫تأثَّروا بأفكار الفلاسفة القدامى واليونانيين منهم بخاصة.‬
‫لهم علاقة وطيدة بإسرائيل وبالمنظمات اليهودية العالمية كالماسونية.‬
‫لهم علاقة تعاون مع المنظمات التبشيرية والمنظمات الشيوعية والاشتراكية الدولية.‬
‫لهم علاقة كبيرة مع أهل النفوذ من اليونانيين والأرمن.‬

‫الانتشار ومواقع النفوذ:‬
‫لا تكاد تخلو دولة في العالم من نشاط لهذه المنظمة السرية الخطرة.‬
‫مركزهم الرئيسي في أمريكا - حي بروكلين بنيويورك: 124 Columbia Heights.‬
‏‫(i Brooklyn 1. New York - USA)
‫وصل عدد البلدان التي يزاولون فيها نشاطهم سنة (1955) م إلى 158 دولة، وكان عددهم آنذاك (632929) عضواً، وعدد دعاتهم (1814) داعية، فكم يكون إذن عددهم الآن؟ وقد فطنت بعض الدول إلى خطورتهم فمنعت نشاطهم، وتعقبتهم، ومن هذه الدول: سنغافورة، لبنان، ساحل العاج، الفلبين، العراق، النرويج، الكاميرون، الصين، تركيا، سويسرا، رومانيا، هولندا .. وما يزالون ينشطون في هذه الدول بطريقتهم الخاصة السرية. أما في أفريقيا والدول الإسلامية فغالباً ما يكون نشاطهم بالتعاون مع المنظمات التبشيرية.‬

‫فرق النصارى - الفرق النصرانية المعاصرة - شهود يهوه - طريقتهم في العمل‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫يرون أنه ثبت بالدليل أن عدداً كبيراً من الناس لا يحضرون إلى المعابد، وأن أكثر من نصف الناس في بعض البلدان لا ينتمون إلى طائفة من الطوائف الدينية، وأن ملايين من المنتمين إلى الطوائف الدينية لا يحضرون عبادتهم، ولا يريدون أن يستمعوا إلى رجال الدين، فعملت شهود يهوه على أن تخفي نفسها تحت أستار أنها فرقة مسيحية تطوف بالبيوت والمقاهي والأندية العامة والطرقات، حاملة الكتب والمنشورات، تعرض فيها تعاليمها بحماسة مدعية أنها حاملة رسالة دين جديد يجمع تحت لوائه أهل الأديان كافة، تتظاهر بعدم معاداة أحد أو أية طائفة من الطوائف. كما عملت على عدم الاحتفاظ بأسماء أعضائها، واكتفت فقط بحفظ ناشري مطبوعاتها ونشراتها وعملت - أيضاً - على عدم الإعلان عمن يساعدها بالأموال في أداء مهامها.‬
‫يصدرون آلاف الكتب والنشرات والصحف، ويوزِّعونها مجاناً مما يدلُّ على قوة رصيدهم المالي.‬
‫لهم مدارس خاصة بهم ومزارع ودور صحافة ودور نشر .. ولكل منها إدارة خاصة بها.‬
‫لهم مكاتب للترجمة والتأليف ولجان دينية عليا لتفسير الكتاب المقدس وفق مصلحتهم.‬
‫لهم تعاون كبير مع المنظمات المماثلة التي تعمل لصالح اليهود.‬
‫تستفيد هذه المنظمة من أعضائها في أعمال الاستخبارات والجاسوسية والدعاية.‬
‫ويتضح مما سبق:‬
‫أن منظمة شهود يهوه تدَّعي المسيحية، وتوالي اليهودية، وتعادي الإسلام، وهي من المنظمات المشبوهة التي يلزم وقف نشاطاتها في أي بلد إسلامي - إن وجد - وعدم السماح بتداول مطبوعاتها ومجلاتها تحت أي مسمى كان، ويكفي أن علاقتهم وطيدة بإسرائيل، وأن روابطهم وثيقة بعملاء التنصير.‬
‫مراجع للتوسع:‬
‫- شهود يهوه، د. محمد حرب.‬
‫- كتابان باللغة التركية: الأستاذ حكمت تانيو وهما:‬
‏‫- Yehora Sahitleri.‬
‏‫- Tharih Boyunca Turkler ve Yahudiler.‬
‫- الماسونية العالمية في ميزان الإسلام، عبد الله سمك، كلية أصول الدين بالقاهرة (1407هـ/ 1987) م.‬
‫- شهود يهوه في الميزان، جبرائيل فرح البوس.‬
‫- الصهيونية بين الدين والسياسة، عبد السميع الهراوي.‬
‫- لهذا أكره إسرائيل، أمين سامي الغمراوي.‬
‫- اليهودية العالمية وحربها المستمرة على المسيحية، إيليا أبو الروس.‬
‫- نظرة حول المؤامرات الدولية اليهودية، د. سعيد محمد أحمد بانجة.‬
‫- الماسونية في العراء، د. محمد علي الزعبي.‬
‫- شهود يهوه. التطرف المسيحي في مصر، أبو إسلام أحمد عبد الله.‬
‫¤الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي‬

مقدمة موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية"

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية
للدكتور عبد الوهاب المسيري
تتناول هذه الموسوعة كل جوانب تاريخ العبرانيين فى العالم القديم، وتواريخ الجماعات اليهودية بامتداد بلدان العالم، وتعداداتها وتوزيعاتها، وسماتها الأساسية، وهياكلها التنظيمية، وعلاقات أفراد الجماعات اليهودية بالمجتمعات التى يوجدون فيها وبالدولة الصهيونية. وتغطى الموسوعة كذلك أشهر الأعلام من اليهود (مثل موسى بن ميمون) وغير اليهود ممن ارتبطت أسماؤهم بتواريخ الجماعات اليهودية (مثل نابليون وهتلر) . كما تتناول هذه الموسوعة كل الجوانب المتعلقة بتاريخ اليهودية، وفرقها وكتبها الدينية، وطقوسها وشعائرها، وأزمتها فى العصر الحديث، وعلاقتها بالصهيونية وبمعاداة السامية (معاداة اليهود) . وتغطى الموسوعة الحركة الصهيونية ونشاطاتها ومدارسها وأعلامها، وبعض الجوانب الأساسية للدولة الصهيونية.
وتهدف الموسوعة إلى توفير الحقائق التاريخية المعاصرة عن الظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية، وإلى تقديم رؤية جديدة للموضوعات التى تغطيها. وهى تحاول إنجاز ذلك من خلال عدة طرق:
1 - تقديم تاريخ عام للعقيدة والجماعات اليهودية وللحركة الصهيونية: تقدم الموسوعة رؤية تاريخية جديدة لكل من العقيدة والجماعات اليهودية والحركة الصهيونية أكثر علمية وحياداً وتفسيرية من تلك الرؤية الغربية التقليدية التى تبناها المؤلفون اليهود وغير اليهود فى الشرق والغرب، والمتأثرة بما يسمى "التاريخ المقدس" - أى التاريخ الذى ورد فى العهد القديم. والرؤية الجديدة تضع تواريخ الجماعات اليهودية فى أنحاء العالم فى إطار التاريخ الإنسانى العام. كما أن الموسوعة قامت بربط تاريخ الصهيونية، عقيدة وحركة وتنظيماً، بتاريخ الفكر الغربى والإمبريالية الغربية.

2- التعريف الدقيق للمفاهيم والمصطلحات السائدة، والتأريخ لها من منظور جديد، وإبراز جوانبها الإشكالية: فعلى سبيل المثال حينما تتعرض الموسوعة لظاهرة مثل يهود الاتحاد السوفيتى (سابقاً) فإنها تفعل ذلك من خلال عدة مداخل عن تاريخ اليهود وتوزيعهم الوظيفى وأعدادهم وأسباب هجراتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية فى كل من روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية. كما توجد عدة مداخل أخرى عن أنواع يهود الاتحاد السوفيتى (قرائين - الكرمشاك - جورجيين - يهود البايشية - يهود الجبال - يهود بخارى … إلخ) . وتضم الموسوعة أيضاً مداخل عن موقف ماركس وإنجلز والبلاشفة من المسألة اليهودية، وعلاقة اليهود بالفكر الاشتراكى وتطور الرأسمالية الغربية.

3- إسقاط المصطلحات المتحيزة وإحلال مصطلحات أكثر حياداً وتفسيرية محلها: تتسم المصطلحات المستخدمة لوصف الظاهرة اليهودية والصهيونية بأنها متحيزة لأقصى حد، وتجسد التحيزات الصهيونية والغربية. ولتجاوز هذا الوضع تم استبعاد مصطلح مثل "الشعب اليهودى" الذى يفترض أن اليهود يشكلون وحدة عرقية ودينية وحضارية متكاملة (الأمر الذى يتنافى مع الواقع) ، وحل محله مصطلح "الجماعات اليهودية"، وبدلاً من كلمة "الشتات" استخدمت العبارة المحايدة "أنحاء العالم"، وبدلاً من "التاريخ اليهودى" تشير الموسوعة إلى "تواريخ الجماعات اليهودية". والمصطلحات البديلة ليست أكثر حياداً وحسب، وإنما أكثر دقة وتفسيرية.
ويمكن تلخيص هدف الموسوعة فى أنها محاولة تطوير خطاب تحليلى (مصطلحات ومفاهيم) لوصف الظاهرة اليهودية والصهيونية، وهو خطاب يسترجع البعد التاريخى لهذه الظاهرة، من حيث كونها ظاهرة تاريخية اجتماعية يمكن فهمها والتعامل معها.

وغنى عن القول أن موسوعة عربية عن الظواهر اليهودية أمر له أهمية بالغة بالنسبة للمتخصصين وغير المتخصصين فى هذا الحقل، أما بالنسبة للمتخصصين، فإن الموسوعة تحاول أن تضع إطاراً شاملاً وجديداً يمكن من خلاله دراسة اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل. وعلى المستوى القومى، فإن هذه الموسوعة ستزود صانع القرار العربى، مهما كانت اتجاهاته السياسية، بقدر كبير من المعلومات اللازمة لاتخاذ أى قرار. كما أن العاملين فى مجالى السياسة والإعلام، وفى غيرهما من المجالات، سيجدون مرجعاً عربياً يزودهم بالمعلومات الضرورية عن اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل. وسيستفيد من الموسوعة أيضاً المتخصصون فى الفروع الأخرى من المعرفة ممن يتصدون للظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية بالدراسة، كل فى حقل تخصصه.
وموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية التي صدرت عام 1999، والتي نالت جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة للكتاب ذلك العام، هي من ضمن مساعي الدكتور المسيري العديدة الرامية إلى إلقاء الضوء على حقيقة الحركة والدولة الصهيونية (والعقيدة اليهودية والجماعات اليهودية في العالم) . وقد استغرق إعدادها ما يزيد عن ربع قرن واشترك في هذه العملية عشرات الأفراد (مؤلفون - محرر فني - مساعدي باحث - سكرتارية - مكتب للترجمة العبرية - محرر لغوي - طابع على الكمبيوتر) . وقد قام الدكتور المسيري بجهوده الذاتية بإعداد هذه الموسوعة والإنفاق عليها طيلة هذه الفترة.

وحينما عرف بأمر الموسوعة، قام "مائير كاهانا" (عضو الكنيست السابق ورئيس جماعة كاخ الصهيونية الإرهابية) بإرسال خطابات تهديد بالقتل لمؤلفها والمشرف عليها في يناير عام 1984، واعترف بإرسال الخطابات، في حديث مع جريدة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في عددها الصادر في 21 فبراير 1984. وبلغ عدد هذه الخطابات ثلاثة عشر خطاباً، أرسل ستة منها على عنوان الدكتور المسيري بالرياض (المملكة العربية السعودية) وأرسلت الستة الأخرى على عنوانه بالقاهرة، أما الخطاب الثالث عشر فقد أرسل له في القاهرة فور عودته من الرياض، جاء فيه أن مرسلي الخطاب يعلمون بأمر عودته، وأنهم "يعدون قبراً له". كما جاء في هذه الرسائل أنه إن لم يتوقف الدكتور المسيري عن نشاطاته المعادية للصهيونية (وأهم هذه النشاطات - بطبيعة الحال - هو تأليف الموسوعة) فستصل إليه الأيدي الصهيونية، وستقوم بتصفيته. وقد وضع الدكتور المسيري تحت حراسة سلطات الأمن المصرية، حمايةً له.
كما أرسلت جامعة بار إيلان خطاباً إلى الملحق الثقافي الإسرائيلي تطلب منه الكتابة إلى السفير الأمريكي لتشويه سمعة بعض الشخصيات المصرية المعادية للصهيونية ومن ضمنها الدكتور المسيري (نشرت جريدة العربي المصرية نص الخطاب في عددها الصادر بتاريخ 11 نوفمبر 1993) .
تقع موسوعة فى ثمانية مجلدات، متوسط عدد صفحات كل منها 450 صفحة، ويتناول كل مجلد واحد منها موضوعاً محدداً. فالمجلد الأول يتناول الإطار النظري للموسوعة وقضايا المنهج. أما المجلدات التالية (الثانى والثالث والرابع) فتتناول موضوع الجماعات اليهودية. ويتناول المجلد الخامس اليهودية، والمجلد السادس الصهيونية، والمجلد السابع إسرائيل.

ويضم كل مجلد عدة أجزاء، ويضم كل جزء عدة أبواب، ويضم كل باب عدة مداخل. وعدد مداخل الموسوعة حوالى 2300 مدخل. والموسوعة مرتبة موضوعياً، فعلى سبيل المثال يتناول المجلد الرابع تواريخ الجماعات اليهودية فى بلدان العالم الغربى ويضم 18 باباً يتناول كل باب منها تاريخ جماعة يهودية بعينها فى إحدى بلدان العالم الغربى (إنجلترا - ألمانيا - روسيا… الخ) . ويضم باب إنجلترا ثلاثة مداخل (إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة - إنجلترا منذ عصر النهضة - إنجلترا فى الوقت الحاضر) تغطى موضوع تاريخ الجماعة اليهودية فى إنجلترا.
إلا أن الموسوعة لا تقتصر على التصنيف الموضوعى إذ يوجد فى المجلد الثامن فهرس ألفبائى عربى بكل مداخل الموسوعة. فإذا أراد القارئ أن يعرف شيئاً عن "إنجلترا من العصور الوسطى حتى عصر النهضة" فإنه سيذهب إلى حرف الألف حيث سيجد عنوان المدخل وبجواره رقم المجلد والصفحة.
وحتى نعطى القارئ فكرة عن مدى شمول الموسوعة فسنورد فى الصفحات التالية عناوين المجلدات والأجزاء والأبواب.
المحتويات:
المجلد الأول: الإطار النظري
الجزء الأول: إشكاليات نظرية
1 ـ مقدمة.
2 ـ مفردات.
3 ـ فشل النموذج المادى في تفسير ظاهرة الإنسان.
4 ـ إشكاليات الإنساني والطبيعى والذاتى والجزئى والكلى.
الجزء الثاني: النماذج كأداة تحليلية
1 ـ النماذج: سماتها وطريقة صياغتها.
2 ـ أنواع النماذج.
3 ـ النموذج الاختزالي والنموذج المركب.
الجزء الثالث: الحلول الكمونية الوحدانية
1 ـ الحلول ووحدة الوجود والكمونية.
2 ـ الحلول الكمونية الواحدية والعلمانية الشاملة.
الجزء الرابع: العلمانية الشاملة
1 ـ إشكالية تعريف العلمانية.
2 ـ اختلاط الحقل الدلالي لمصطلح ومفهوم (علمانية) .
3 ـ نموذج تفسيري مركب وشامل للعلمانية.

4 ـ مصطلحات الواحدية والاستيعاب فيها.
5 ـ مصطلحات تشير إلى تفكيك الإنسان وتقويضه.
6 ـ مصطلحات جديدة لبلورة النموذج الكامن.
7 ـ الثنائية الصلبة والسيولة الشاملة وما بعد الحداثة.
8 ـ العلمانية الشاملة والإمبريالية.
9 ـ العلمانية الشاملة: تاريخ موجز وتعريف.
الجزء الخامس: الجماعات الوظيفية
1 ـ السمات الأساسية للجماعات الوظيفية.
2 ـ الجماعات الوظيفية والحلولية والعلمانية الشاملة.
المجلد الثاني:الجماعات اليهودية: إشكاليات
الجزء الأول: طبيعة اليهود في كل زمان ومكان
1 ـ إشكالية الجوهر اليهودي.
2 ـ إشكالية الوحدة والنفوذ اليهودي.
3 ـ إشكالية العبقرية والجريمة اليهودية.
4 ـ إشكالية العزلة والخصوصية اليهودية.
5 ـ منفي وعودة أم هجرات وانتشار؟
6 ـ هجرات وانتشار أعضاء الجماعات اليهودية.
الجزء الثاني: يهود أم جماعات يهودية؟
1 ـ الجماعات اليهودية الأساسية.
2 ـ الجماعات اليهودية المنقرضة والهامشية.
3 ـ إشكالية الهوية اليهودية.
4 ـ اليهود والجماعات اليهودية.
5 ـ إشكالية التعداد.
الجزء الثالث: يهود جماعات يهودية؟
1 ـ الجماعات الوظيفية اليهودية.
2 ـ الجماعات الوظيفية اليهودية القتالية والاستيطانية والمالية.
3 ـ أقنان ويهود البلاط.
4 ـ جماعات وظيفية أخرى (البغاء ـ الطب ـ الترجمة ـ الجاسوسية) .
5 ـ مسألة الحدودية والهاشمية.
الجزء الرابع: عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية
1 ـ إشكالية معاداة اليهود.
2 ـ بعض التجليات المتعينة لمعاداة اليهود.
3 ـ معاداة اليهود والتحيز لهم.
4 ـ الإبادة النازية والحضارة الغربية الحديثة.
5 ـ بعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوربا.
6 ـ إشكالية التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين.
المجلد الثالث:الجماعات اليهودية: التحديث والثقافة
الجزء الأول: التحديث
1 ـ من التحديث إلى ما بعد الحداثة.
2 ـ العلمانية (والإمبريالية) واليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية.

3 ـ التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية.
4 ـ الإعتاق.
5 ـ الاستنارة اليهودية.
6 ـ الرأسمالية والجماعات اليهودية.
7 ـ رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم (ما عدا الولايات المتحدة الأمريكية) .
8 ـ رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة.
9ـ الاشتراكية والجماعات اليهودية.
الجزء الثاني: ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية
1 ـ ثقافات الجماعات اليهودية (تعريف وإشكالية) .
2 ـ فلكلور (طعام وأزياء) الجماعات اليهودية.
3 ـ الفنون التشكيلية والجماعات اليهودية.
4 ـ إشكالية المتحف اليهودي.
5 ـ الموسيقى والرقص والجماعات اليهودية.
6 ـ الكوميديا والسينما والجماعات اليهودية.
7 ـ الأدب اليهودي والصهيوني.
8 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية.
9 ـ الأدب اليديشي.
10 ـ لهجات أعضاء الجماعات اليهودية ولغاتهم.
11 ـ المفكرون من أعضاء الجماعات اليهودية.
12 ـ الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية.
13 ـ علماء الاجتماع من أعضاء الجماعات اليهودية.
14 ـ علماء النفس من أعضاء الجماعات اليهودية.
15 ـ التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية حتى العصر الحديث.
16 ـ التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في العصر الحديث.
المجلد الرابع:الجماعات اليهودية: تواريخ
الجزء الأول: تواريخ الجماعات اليهودية فى العالم القديم
1 ـ إشكالية التاريخ اليهودي.
2 ـ أشكال الإدارة الذاتية.
3 ـ مصر والإمبراطورية الحيثية.
4 ـ الشعوب السامية: الآشوريين والبابليون.
5 ـ الشعوب والأقوام السامية الأخرى.
6 ـ الحوريون والفلستيون.
7 ـ العبرانيون.
8 ـ عصر الآباء.
9 ـ التسلل أو الغزو العبرانى لكنعان.
10 ـ عصر القضاة.
11 ـ عبادة يسرائيل.
12 ـ الهيكل.
13 ـ المملكة العبرانية المتحدة.
14 ـ المملكة الجنوبية والمملكة الشمالية.
15 ـ التهجير الآشورى والبابلى.
16 ـ الفرس.
17 ـ اليونانيون.
18 ـ الرومان.
19 ـ التمردات اليهودية.

الجزء الثانى: تواريخ الجماعات اليهودية فى العالم الإسلامي
1 ـ الشرق الأدنى القديم قبل وبعد انتشار الإسلام.
2 ـ إسبانيا الإسلامية (الأندلس) .
3 ـ الدولة العثمانية وفارس بعد انتشار الإسلام.
4 ـ العالم العربى منذ القرن التاسع عشر.
الجزء الثالث: تواريخ الجماعات اليهودية فى بلدان العالم الغربى
1 ـ الإقطاع الغربى وجذور المسألة اليهودية.
2 ـ الجيتو.
3 ـ الإمبراطورية البيزنطية المسيحية وإسبانيا المسيحية.
4 ـ فرنسا.
5 ـ إنجلترا.
6 ـ ألمانيا.
7 ـ النمسا وهولندا وإيطاليا.
8 ـ بولندا قبل التقسيم (ظهور يهود اليديشية) .
9 ـ بولندا من التقسيم حتى الوقت الحاضر.
10 ـ روسيا القيصرية حتى عام 1885.
11 ـ روسيا القيصرية حتى اندلاع الثورة.
12 ـ الاتحاد السوفيتي.
13 ـ يهود اليديشية في أوكرانيا وجا ليشيا ورومانيا والمجر.
14 ـ أمريكا اللاتينية.
15 ـ جنوب أفريقيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
16 ـ الولايات المتحدة حتى منتصف القرن التاسع عشر.
17 ـ الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 1971.
18 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود في الوقت الحاضر.
المجلد الخامس:اليهودية: المفاهيم والفرق
الجزء الأول: بعض الإشكاليات
1 ـ إشكالية التركيب الجيولوجي التراكمي والشريعة الشفوية.
2 ـ إشكالية الحلولية اليهودية.
3 ـ إشكالية علاقة الغنوصية باليهودية.
4 ـ إشكالية علاقة اليهودية بالصهيونية.
الجزء الثاني: المفاهيم والعقائد الأساسية
1 ـ الإله.
2 ـ الشعب المختار.
3 ـ الأرض.
4 ـ الكتب المقدسة والدينية.
5 ـ الأنبياء والنبوة.
6 ـ اليهودية الحاخامية (التلمودية) .
7 ـ الفقهاء (الحاخامية) .
8 ـ القبالاه.
9 ـ قبالاه الزوهار والقبالاه اللوريانية.
10 ـ السحر والقبالاه المسيحية.
11 ـ الشعائر.
12 ـ المعبد اليهودي.
13 ـ الحاخام (بمعنى "القائد الديني للجماعة اليهودية") .
14 ـ الصلوات والأدعية.
15 ـ الأغيار والطهارة.

16 ـ الأسرة.
17 ـ التقويم اليهودي.
18 ـ الأعياد اليهودية.
19 ـ الفكر الأخروي.
20 ـ الماشيح والمشيحانية.
الجزء الثالث: الفرق الدينية اليهودية
1 ـ الفرق الدينية اليهودية (حتى القرن الأول الميلادي) .
2 ـ اليهودية والإسلام.
3 ـ اليهودية والمسيحية.
4 ـ الحسيدية.
5 ـ اليهودية الإصلاحية.
6 ـ اليهودية الأرثوذكسية.
7 ـ اليهودية المحافظة.
8 ـ تجديد اليهودية وعلمنتها.
9 ـ اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة.
10 ـ اليهودية بين لاهوت موت الإله ولاهوت التحرير.
11 ـ العبادات الجديدة.
المجلد السادس:الصهيونية
الجزء الأول: إشكاليات وموضوعات أساسية
1 ـ التعريف بالصهيونية.
2 ـ التيارات الصهيونية.
3 ـ العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية.
4 ـ وضع العقد موضع التنفيذ.
5 ـ الصهيونية والعلمانية الشاملة.
6 ـ الخطاب الصهيوني المراوغ.
الجزء الثاني: تاريخ الصهيونية
1 ـ تاريخ الصهيونية.
2 ـ الإرهاصات اليهودية الأولى: حملات الفرنجة (الصليبيين) .
3 ـ صهيونية غير اليهود المسيحية.
4 ـ صهيونية غير اليهود العلمانية.
5 ـ الصهيونية التوطينية.
6 ـ المؤسسات التوطينية.
7 ـ الصهيونية الاستيطانية (العملية) .
8 ـ تيودور هرتزل.
9 ـ الصهيونية السياسية.
10 ـ الصهيونية العامة (أو الصهيونية العمومية) .
11 ـ الصهيونية العمالية.
12 ـ الصهيونية الإثنية الدينية.
13 ـ الصهيونية الإثنية العلمانية.
14 ـ الصهيونية الإقليمية.
15 ـ الدولة مزدوجة القومية.
الجزء الثالث: المنظمة الصهيونية
1 ـ المنظمة الصهيونية العالمية.
2 ـ اللوبي اليهودي والصهيوني.
3 ـ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة.
4 ـ الجباية الصهيونية.
الجزء الرابع: الصهيونية والجماعات اليهودية
1 ـ موقف الصهيونية وإسرائيل من الجماعات اليهودية في العالم.
2 ـ موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية.
3 ـ الرفض اليهودي للصهيونية.

4 ـ شخصيات ومنظمات يهودية معادية للصهيونية.
المجلد السابع:إسرائيل: المستوطن الصهيوني
الجزء الأول: إشكالية التطبيع والدولة الوظيفية
1 ـ إشكالية التطبيع.
2 ـ الدولة الصهيونية الوظيفية.
الجزء الثاني: الدولة الاستيطانية الإحلالية
1 ـ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.
2 ـ إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.
3 ـ التهجير (الترانسفير) والهجرة الاستيطانية.
4 ـ هجرة اليهود السوفيت.
الجزء الثالث: العنصرية والإرهاب الصهيونيان
1 ـ العنصرية الصهيونية.
2 ـ الإرهاب الصهيوني / الإسرائيلي حتى عام 1948.
3 ـ الإرهاب الصهيوني / الإسرائيلي منذ عام 1948.
الجزء الرابع: النظام الاستيطاني الصهيوني
1 ـ الاستيطان والاقتصاد.
2 ـ التوسع الجغرافي أم الهيمنة الاقتصادية؟
3 ـ النظام السياسي الإسرائيلي.
4 ـ نظرية الأمن.
الجزء الخامس: أزمة الصهيونية والمسألة الإسرائيلية
1 ـ أزمة الصهيونية.
2 ـ الاستجابة الصهيونية / الإسرائيلية للأزمة.
3 ـ المسألة الإسرائيلية والحلول الصهيونية.
4 ـ المسألة الفلسطينية.

الجماعات اليهودية إشكاليات - طبيعة اليهود في كل زمان ومكان

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

إشكالية الجوهر اليهودي
الجوهر اليهودي
‏Jewish Essence
«الجوهر» هو مجموعة الخصائص الثابتة في ظاهرة ما أو هو ما لا يتغيَّر بتَغيُّر المكان أو الزمان. وفكرة الجوهر اليهودي الخالص (الثابت) هي فكرة كامنة وراء عديد من المفاهيم والمصطلحات والنماذج التفسيرية المُستخدَمة في دراسة الجماعات والعقائد اليهودية، مثل: «التاريخ اليهودي» ، و «الشخصية اليهودية» ، و «العبقرية اليهودية» ، و «الجريمة اليهودية» ، و «الشعب اليهودي» ، و «العرْق اليهودي» ، و «الإثنية اليهودية» . فكل هذه المصطلحات تفترض وجود هذا الجوهر اليهودي الخالص الثابت الذي يجعل من يهودية اليهودي النقطة المرجعية الأساسية لتفسير سلوكه. أما العناصر غير اليهودية، مثل السياق الحضاري الإنساني الذي يوجد فيه أعضاء الجماعات اليهودية، أو حركيات المجتمعات التي ينتمون إليها، أو تفاعلهم مع أعضاء الأغلبية، بل والعناصر الإنسانية المشتركة مع بقية البشر، فهي عناصر يُفترَض فيها أنها عَرَضية تنتمي إلى السطح ولا تفيدنا كثيراً في تفسير الظواهر اليهودية، حيث يتم تفسير هذه الظواهر من الداخل فقط.

ففي حالة دراسة تاريخ يهود بولندا، على سبيل المثال، يتم التركيز على ما جاء في التوراة والتلمود وعلى الحياة داخل الشتتل، ولا يظهر العالم الخارجي غير اليهودي إلا على هيئة هجمات ومذابح ضد اليهود أو تسامح معهم. ولكل هذا، تبدو حياة أعضاء الجماعات اليهودية وكأنها لا علاقة لها بحياة كل البشر، وتختلف تماماً عن حياة الأقليات الأخرى. ويَبرُز الجوهر اليهودي باعتباره محركاً أساسياً للأحداث. وغني عن الذكر أن المعادين لليهود يتبنون النموذج نفسه ويرددون، على سبيل المثال، أن عزلة اليهود هي تعبير عن جوهرهم الانعزالي، وأن اشتغالهم بالتجارة تعبير عن نزوعهم الطبيعي إلى الاشتغال بأمور المال، وأن اتجاههم نحو الصحافة الإباحية هو تعبير عن نزوعهم الأزلي نحو الشر.
وهذا النموذج التفسيري الذي يفترض وجود الجوهر اليهودي، هو نموذج صهيوني بشكل واع أو غير واع حيث إن كلاًّ من الصهاينة والمعادين لليهود يُسقطون عن اليهود إنسانيتهم ولا يرونهم بشراً يتسمون بالقدر نفسه من الخير والشر الذي تتسم به بقية البشر. لكن مفهوم الجوهر اليهودي هو تعبير عن نموذج اختزالي عنصري، مقدرته التفسيرية منخفضة للغاية، إذ أنه يستبعد كثيراً من تفاصيل الواقع ومستوياته وبنيته. فلا يمكن فهم وضع اليهود في بولندا إلا بالعودة إلى حركيات التاريخ البولندي ابتداءً من تَوسُّع بولندا وضمها أوكرانيا، مروراً بظهور الإمبراطوريات الثلاث المجاورة لبولندا (روسيا وألمانيا والنمسا) ، وانتهاءً بتقسيم بولندا. كما لا يمكن فهم الشتتل إلا في ضوء نظام الأرندا البولندي الذي كان يخدم مصالح طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) . كما أن علاقة يهود بولندا بمجتمعهم لا تختلف كثيراً عن علاقة أية أقلية بالأغلبية التي تعيش بينها.

وقد يكون هناك بعض الأنماط المتكررة والسمات المشتركة التي تسم وجود كثير من الجماعات اليهودية. ولكن هذه السمات ليست أساسية، وبالتالي فإن مقدرتها التفسيرية ضعيفة. وهذه السمات مرتبطة بعشرات التفاصيل والسمات الأخرى النابعة من البيئات المختلفة التي يوجد فيها أعضاء الجماعات اليهودية. وإذا كانت ثمة سمة أو سمات أساسية متكررة في معظم الجماعات اليهودية، فهي اضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية وتَصاعُد الحلولية الكمونية داخل النسق الديني اليهودي. وهاتان السمتان ذاتهما تأخذان أشكالاً مختلفة. فهناك جماعة وظيفية قتالية استيطانية في جزيرة إلفنتاين في مصر الفرعونية، وهناك جماعة وظيفية استيطانية في قبرص العثمانية، وجماعة وظيفية وسيطة في أوربا حتى عصر النهضة. وهذه السمة بالذات ليست مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية وإنما هي سمة مشتركة تجمع بينها وبين أقليات أخرى (مثل الصينيين في جنوب شرق آسيا) .
وفيما يتصل بتَصاعُد الحلولية الكمونية داخل النسق الديني اليهودي وهيمنتها عليه تماماً، حتى أصبحت اليهودية، في معظم أنحاء العالم، ديانة حلولية كمونية واحدية، فهذا بدوره ليس مقصوراً على اليهودية وإنما هو تعبير عن نمط أكثر عمقاً وكموناً، إذ يُلاحَظ أن العقيدة المسيحية أيضاً قد بدأت تهيمن عليها الحلولية الكمونية بعد حركة الإصلاح الديني. كما أن لاهوت موت الإله (وهو تعبير عن حلولية كمونية بدون إله) هو اتجاه ديني طالما ساد في المجتمعات العلمانية الغربية، وليس أمراً مقصوراً على اليهودية.
طبيعة اليهود
‏The Nature of the Jews

«طبيعة اليهود» عبارة تتواتر في كثير من الدراسات التي تُكتَب عن الجماعات والعقائد اليهودية، وتفترض أن ثمة جوهراً يهودياً كامناً في أي يهودي يُعبِّر عن نفسه من خلال «طبيعة يهودية» ويتجلى في العقائد اليهودية ويحدِّد رؤية اليهود للواقع وسلوكهم. ولذا، فإن أعضاء الجماعات اليهودية ـ حسب هذا المفهوم ـ يعملون بالتجارة والربا والأمور المالية بسبب طبيعتهم، وهم يعيشون في عزلة ويرفضون الاندماج للسبب نفسه. لكن هذا المفهوم تعبير عن نموذج تفسيري اختزالي عنصري يتبناه الصهاينة والمعادون لليهود، ويُبْرز اليهود كتجمع بشري يتمتع بقدر عال من الوحدة والاستقلال وله حركيات مستقلة عن بقية البشر. وغني عن القول أن هذا المفهوم يُفسِّر الواقع كله بصيغة واحدة بسيطة جاهزة، ومن ثم فهو يتجاهل واقع أعضاء الجماعات اليهودية المُركَّب غير المتجانس، وهو واقع لا يخضع لقانون عام ولا ينضوي تحت نمط متكرر واحد.
الأخلاقيات اليهودية
‏Jewish Ethics or Morality

«الأخلاقيات اليهودية» عبارة تفترض أن ثمة أنماطاً سلوكية يهودية متكررة تُعبِّر عن جوهر يهودي وطبيعة يهودية وشخصية يهودية تنعكس في رؤية أخلاقية محددة. وهي أنماط متكررة باعتبار أن هذه الأخلاقيات ثابتة لا تتغيَّر، وأينما وُجد يهود في أي زمان ومكان فإن المتوقع أن يسلكوا السلوك اللاأخلاقي نفسه الذي ينم عن الرغبة في تحطيم الآخرين والتآمر ضدهم. وبسبب هذه الأخلاقيات اليهودية المزعومة، يتسم سلوك اليهود بحب العزلة عن الآخرين وعدم الولاء للدولة والانحلال الجنسي، كما أنهم لهذا السبب ينخرطون بأعداد كبيرة في المحافل الماسونية وينضمون إلى صفوف دعاة العلمانية الشاملة، كما أنهم عادةً ما يعملون بالتجارة والربا والأعمال المالية. ومصدر هذه الأخلاقيات، حسب هذه الرؤية، هو كتب اليهود المقدَّسة كالعهد القديم والتلمود، ويُضاف إلىها الآن بروتوكولات حكماء صهيون، وهي كتب تعبِّر عن طبيعتهم وجوهرهم. لكن هذا النموذج التفسيري متهافت تماماً، فسلوك اليهود يختلف باختلاف الزمان والمكان. ومن هنا يجري حديثنا عنهم، لا باعتبارهم أعضاء شعب يهودي، وإنما باعتبارهم أعضاء جماعات يهودية.

ومن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية لم يعزلوا أنفسهم في بابل ولا في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولا في إسبانيا الإسلامية، بل اندمجوا إلى حدٍّ كبير في محيطهم الحضاري. أما في آشور والصين، فقد انصهروا تماماً. وكان العبرانيون القدامي بدواً رُحلاً، وعملوا بالزراعة (وليس بالتجارة أو الربا) حين استقروا في كنعان. وكذلك، فإن ولاء يهود ألمانيا في القرن التاسع عشر لدولتهم كان كاملاً إلى درجة أن نسبة مئوية ضخمة منهم تَنصَّرت حتى أنهم أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الشعب الألماني. كما أن ولاء الأمريكيين اليهود للولايات المتحدة من القوة بحيث إنهم يموتون من أجلها. أما عداء اليهود للأغيار فإنه ليس مطلقاً، فقد ساعدوا المسلمين في الفتح الإسلامي، سواء في فلسطين أو في إسبانيا. كما أن انحلالهم الجنسي غير مطلق أيضاً، فظاهرة الطفل اليهودي غير الشرعي أو البغيِّ اليهودية كانت غير معروفة تقريباً في أوربا حتى منتصف القرن التاسع عشر. وأما الماسونية والعلمانية، فإن اليهودية الأرثوذكسية تعاديهما بشراسة، وهكذا. ولا يصعب على أي دارس مُتحيِّز أن ينتقي مجموعة من التفاصيل والقرائن مُنتزعة من سياقها الزمني والمكاني للتدليل على أية مقولة عامة، كأن يأخذ قرينة من المدىنة أيام الرسول علىه الصلاة والسلام، وأخرى من إسبانيا أثناء الغزو المسيحي، وثالثة من روسيا في القرن التاسع عشر، ثم يستخدمها جميعاً لإثبات مقولة ما مثل «عدم ولاء اليهود» متجاهلاً كل القرائن الأخرى، كتلك التي ذكرناها.

والصورة العامة التي ترسخت في أذهان الكثيرين عن أعضاء الجماعات اليهودية تعود ولا شك إلى الرؤى الإنجيلية الخاصة بالشعب المختار الذي لا يسلك سلوكاً حراً وإنما يُعبِّر دائماً عن قصد إلهي. كما أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة في الغرب، ساهم في ترسيخ هذه الصورة الإدراكية. فالجماعات الوسيطة لا تدين بالولاء للأغلبية، وتستخدم عادةً المعايير الأخلاقية المزدوجة باعتبار أن أعضاء الجماعة يتمتعون بالقداسة، أما أعضاء الأغلبية فهم مباحون لا قداسة ولا حرمة لهم. ولكن المصدر المباشر لهذه الصورة السلبية للأخلاقيات اليهودية هو يهود اليديشية في مرحلة ضعفهم وتَفسُّخهم في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر حتى ثلاثينيات القرن العشرين، إذ تركزت نسبة كبيرة منهم في تجارة البغاء حتى أصبحت شخصية القواد اليهودي والبغي اليهودية أمراً شائعاً. كما أن نسبة المهاجرين منهم كانت مرتفعة للغاية. والمهاجر في كثير من الأحيان، شخصية غير منتمية لا ولاء لها، كما أن معدلات العلمنة بين المهاجرين مرتفعة للغاية. وهكذا، فإن الصورة العنصرية النمطية السائدة عن الأخلاقيات اليهودية قد يكون لها أساس واقعي، ولكنها تنتمي إلى زمان ومكان محدَّدين، كما أنها فقدت كثيراً من فعاليتها إذ اختفى يهود اليديشية تقريباً وظهرت أنماط سلوكية جديدة بين أعضاء الجماعات.
وتنتشر فكرة الأخلاقيات اليهودية بين المعادين لليهود، ولكنها شائعة أيضاً بين الصهاينة الذين يعطونها مضموناً إيجابياً. فالأخلاقيات اليهودية تعبير عن العبقرية اليهودية التي تجعل من اليهودي مبدعاً قادراً على التماسك الاجتماعي، محباً لقومه وقوميته اليهودية وأرضه ... إلخ. وغني عن القول أن رؤية المعادين لليهود لا تختلف في بنيتها عن رؤية الصهاينة، فاليهود في نظرهم هم اليهود، يسلكون دائماً السلوك نفسه أينما وُجدوا.
المادية اليهودية
‏Jewish Materialism

لمصطلح «المادية» معنيان:
1 ـ المعنى الفلسفي: الإيمان بأن العالم كله مادة تتحرك وأن كل ما يبدو وكأنه ليس مادة (العقل والروح والنفس والفكر والوعي) إنما هو في واقع الأمر مادة ويمكن تفسيره من خلال مقولات مادية، وأن كل الظواهر الإنسانية العقلية والروحية ما هي إلا جزء من بناء فوقي يمكن أن يُرَد في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى المادة (البناء التحتي) . وأن كل شيء في الكون يمكن تفسيره تفسيراً مادياً لأن كل التغيرات لها سبب مادي. ولذا، فإن التفسيرات المادية هي التفسيرات الوحيدة الممكنة، كما أن العقل الإنساني ليست له أية فعالية سببية ولا علاقة له بحركة الكون الذي يتحرك بذاته، والكون لا يوجد فيه غرض ولا سبب ولا هدف ولامعنى ولا يوجد إله ولا غيب (وراء الطبيعة) ، فالمادة وحركتها أزليتان ولا يوجد سبب أو محرِّك أوَّل. وقد تتغير أشكال الظواهر المادية وقد تتبدل تجلياتها ولكن المادة لا تُخلَق ولا تُستحدَث من العدم، ولا توجد حياة أزلية سوى المادة.
2 ـ المعنى الدارج: وهو حب النقود (التي يشار إليها على أنها «مادة» ) . فيُقال «فلان مادي» بمعنى أنه يحب المال حباً جماً.
والمدلولان قد يغطيان رقعة مشتركة، فالإنسان المادي (بالمعنى الفلسفي) قد يكون محباً للمال، والمحب للمال قد يكون مادياً بالمعنى الفلسفي، ولكنهما على أية حال مختلفان، فالمادية بالمعنى الفلسفي رؤية شاملة للكون تغطي علاقة الإنسان والطبيعة والإله، أما المادية بالمعنى الدارج فهي تنصرف إلى جانب واحد في الطبيعة البشرية وهو حب المال.

وإذا نظرنا إلى عبارة «المادية اليهودية» بالمعنى الفلسفي، فإننا سنواجه صعوبات بالغة، فاليهودية عقيدة دينية يؤمن كثير من أتباعها بالإله واليوم الآخر والملائكة والشياطين والثواب والعقاب، ومن ثم لا يمكن الحديث عن المادية اليهودية بهذا المعنى. ومع هذا، يمكن من قبيل التحفظ أن نقول إن الطبقة الحلولية الكمونية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي التراكمي تتبدَّى (في مرحلة وحدة الوجود) في شكل رؤية مادية، كما أنها تخلق لدى المؤمن تَقبُّلاً للفكر المادي بالمعنى الفلسفي. ولعل هذا يفسر ظهور النزعات المشيحانية التي عادةً ما تصبح حركات عدمية بالمعنى الفلسفي، كما يفسر ظهور كثير من الفلاسفة الماديين من أصل يهودي (من أهمهم إسبينوزا وماركس) .
ويمكننا الآن تَناوُل عبارة «المادية اليهودية» بالمعنى الدارج. وهنا أيضاً لا يمكننا أن نتحدث عن أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة في كل زمان ومكان باعتبار أنهم محبون للمال حباً جماً. ومثل هذه المقولات التحليلية معادية لليهود وصهيونية في آن واحد لأنها تفترض وجود جوهر يهودي واحد لا يتغيَّر بتَغيُّر الزمان والمكان.

والدراس لتواريخ الجماعات اليهودية سيكتشف أن حب اليهود للمال لا يختلف في معدله كثيراً عن حب أعضاء الأغلبية له. فيهود الجزيرة العربية قبل الإسلام كانوا يتصفون بصفات الكرم والسخاء (إلى درجة التبذير) ، شأنهم في هذا شأن العرب في عصرهم، بينما نجد أن يهود الولايات المتحدة يتصفون بأنهم أكثر حرصاً وتقتيراً، وهذا جزء من ميراثهم البروتستانتي التعاقدي الذي يؤكد على قيم التقشف الذي يؤدي إلى التراكم المالي (المادي) . وكان كثير من يهود شرق أوربا من يهود اليديشية يتهمون اليهود الأمريكيين بالبرود والحرص الزائد، وهذا يعود إلى أن يهود شرق أوربا جاءوا من مجتمعات شبه زراعية ومن خلفية سلافية لا تعرف التقتير والتراكم أو لا تشجعه (على عكس اليهود الأمريكيين من أصل ألماني بروتستانتي)
ومع هذا، يمكن القول بأن أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يميلون، أكثر من غيرهم، إلى جمع المال ومراكمته. ولكن هذا لا يُفسِّره يهوديتهم وإنما يُفسِّره أنهم أعضاء في جماعات وظيفية لابد أن تقوم بمراكمة الخبرات والأموال وأن تمارس قدراً عالياً من ضبط النفس في عمليات الاستهلاك (وشيلوك مثل جيد على ذلك) . والدارس للجماعات الوظيفية (خصوصاً الوسيطة) ، سيجد أن أعضاءها (يهوداً كانوا أم باكستانيين أو صينيين) يتسمون بالصفات نفسها تقريباً. والصينيون في وطنهم غير معروفين بالبخل أو الحرص الشديدين، ولكنهم حينما تحولوا إلى جماعات وظيفية، أصبحوا «ماديين» يحبون المال حباً جماً. والباكستانيون مشهورون بكرمهم الزائد في بلدهم، بينما نجد أن البريطانيين (المعروفون بحرصهم البالغ) يتهمون الباكستانيين المقيمين في بلادهم بأنهم بخلاء.
تهويد المجتمع
‏Judaization of Society

«تهويد المجتمع» عبارة استخدمها ماركس في كتابه المسألة اليهودية، وهي تفترض وجود جوهر يهودي ثابت، له ملامح معينة، يتم تعميمه على المجتمع، الأمر الذي يتناقض مع فكر ماركس، ولذا فالأمر يتطلب قدراً من التعمق. وقد يكون من المفيد ألا نبدأ بالجوهر اليهودي وإنما بالإنسان الوظيفي، عضو الجماعة الوظيفية، الذي يدخل في علاقة تعاقدية نفعية باردة مع مجتمع الأغلبية، ولا يكترث بقيم المجتمع ويعيش على هامشه أو في مسامه. هذا النمط الإنساني كان مُهمَّشاً، شأنه في هذا شأن الجماعة الوظيفية. ولكن مع تحوُّل المجتمعات الغربية (ثم بقية المجتمعات في العالم) من الزراعة إلى الصناعة تم إشاعة نموذج الإنسان الوظيفي. وقد وصف كارل ماركس هذه العملية بدقة بالغة في البيان الشيوعي في إطار حديثه عن دور البورجوازية الثوري في التاريخ، تلك البورجوازية التي سحقت تحت أقدامها جميع العلاقات الإقطاعية والبطريركية والعاطفية، ولم تُبق أية صلة بين الإنسان والإنسان إلا صلة المصلحة الجافة والدفع الجاف نقداً وعداً. وأغرقت الحمية الدينية وحماسة الفرسان ورقة البورجوازية الصغيرة في مياه الحساب الجليدية المشبعة بالأنانية، وجعلت الكرامة الشخصية مجرد قيمة تبادل لا أقل ولا أكثر، وقضت على الحريات الجمة، المُكتسَبة والممنوحة، وأحلَّت محلها حرية التجارة وحدها، هذه الحرية القاسية التي لا تُشفق ولا تعرف الشفقة أو الرحمة. فالمجتمع البورجوازي مجتمع تعاقدي تحل فيه قيمة التبادل محل القيم الإنسانية كافة، ويُعرِّف البشر في ضوء نفعهم وتسود فيه النظم المعرفية والاقتصادية والأنانية التعاقدية. وقد أشار ماركس إلى التجربة الرأسمالية (البروتستانتية) الكبرى في أمريكا الشمالية بقوله: "إن مامون (إله المال) هو الوثن الذي يعبدونه هناك بجميع قوى أجسادهم وأرواحهم. فالأرض في نظرهم ليست سوى بورصة وهم موقنون بأنهم لا مصير لهم في الحياة الدنيا سوى أن يصبحوا أغنى

من جيرانهم. لقد استولت المتاجرة على جميع أفكارهم وليس لديهم تسلية أخرى سوى تبديل أمتعتهم"
، وهم "لا يتحدثون إلا عن المنفعة والربح" و"النبوءة الدينية أصبحت سلعة تجارية".
ورغم أن اليهود لم يكونوا وحدهم الضالعين في هذه العملية (كما يعرف ماركس تماماً) إلا أنه وصفها بأنها عملية «تهويد» . وحتى نفهم هذا التعميم الماركسي الكاسح، يجب أن نشير إلى أن ماركس كان يرى أن روح الرأسمالية مُستمدة من اليهودية (لا البروتستانتية كما قال فيبر) . ولعله كان يعني أن النموذج المعرفي الذري المتفتت الأناني الذي يُشكِّل جوهر الرأسمالية - في نظره - يوجد في اليهودية بشكل أكثر تبلوراً منه في المسيحية ("جوهر اليهودية هو المتاجرة وأساسها المنفعة العملية والأنانية" - "تحتوي اليهودية على عنصر عام ومناهض للمجتمع") . وسيادة النمط المعرفي الكامن في اليهودية يعني في واقع الأمر الانتصار الكامل للرأسمالية. واليهودي، بالنسبة إلى ماركس، هو سيِّد السوق المالية، وبواسطته أصبح المال (إله إسرائيل الطماع) قوة عالمية، وأصبحت الروح العملية اليهودية هي الروح العملية للشعوب المسيحية.

ويمكن القول بأن ماركس كان لا يفرِّق بين كلمة «يهودي» و «تاجر» ، ومن ثم نجده يقرن بشكل ضمني بين "اليهودي" من جهة و"التاجر" و"البروتستانتي" من جهة أخرى وبين "اليهودية" من جهة و"المتاجرة" و"المنفعة العملية" و"الأنانية" من جهة أخرى. فهو يقول: "التبادل التجاري هو الإله الحقيقي لليهود وأمامه لا ينبغي أن يعيش أي إله آخر" - "المال هو إله إسرائيل الطماع ولا إله سواه" - "لقد أصبح المسيحيون يهوداً" أي بورجوازيين. وتاريخ التحوُّل التدريجي للمجتمعات الغربية وهيمنة العلاقات البورجوازية التعاقدية هو في واقع الأمر تاريخ التهويد التدريجي لأوربا، وهو أيضاً تاريخ علمنة إله إسرائيل وتحويله إلى إله العالم، فالبنكنوت (الرب العملي لإسرائيل) أصبح رب العالم الغربي الرأسمالي. وهذا الترابط العضوي بين اليهودية والبورجوازية هو الذي أدَّى إلى ظهور قومية اليهود الوهمية وقومية التاجر وقومية رجل المال (وربما كانت هذه الملاحظات هي أساس مفهوم أبراهام ليون عن الطبقة/الأمة) . ومن ثم "لن يُحرِّر المجتمع نفسه إلا بتحرُّره من المتاجرة والمال، وبالتالي من اليهودية الواقعية"، وحين "ينجح المجتمع في إلغاء الجوهر العملي لليهودية، [أي] المتاجرة وشروطها، عندئذ يصبح وجود اليهودي مستحيلاً".

لقد حوَّل ماركس الكينونة اليهودية إلى وظيفة، ومن ثم يمكننا الحديث عن "التاجر" و"اليهودي" باعتباره «الإنسان الوظيفي» . والسمات الأساسية لهذا التاجر/اليهودي/الوظيفي هي أنه إنسان مجرد، يوجد خارج إطار العلاقات الأولية المُتعيِّنة، ويدخل في علاقة تعاقدية محايدة وباردة مع أعضاء المجتمع، وتم تعريفه في إطار وظيفته أو دوره الوظيفي لا في إطار إنسانيته المُتعيِّنة، أي أنه إنسان ذو بُعد واحد، مُتشيِّئ، مُتسلِّع، لا قداسة له، يدور في إطار المرجعية النهائية المادية وفي إطار نموذج الطبيعة/المادة (وهذه هي السمات الأساسية لعضو الجماعة الوظيفية) . ومن ثم، فإن تهويد المجتمع يعني في واقع الأمر تحويل كل أعضاء المجتمع إلى مادة بشرية تُوظَّف وتحوسل، وتعني سيادة النظم المعرفية والاقتصادية البورجوازية إحلال المجتمع التعاقدي الذري المُفتَّت المبني على الأنانية (جيسيلشافت) محل المجتمع العضوي المترابط التقليدي (جماينشافت) .
وقد قام ماركس بعملية التعميم الكاسحة هذه وهو واع لها تمام الوعي، ولذا فهو كان يتحدث عن «تهويد المجتمع» باعتباره مجازاً كاشفاً، وليس باعتباره حقيقة إمبريقية. فماركس لم يكن يُفكر في اليهودي وإنما في الإنسان الوظيفي، أي الإنسان الذي يتوحَّد تماماً مع وظيفته ويفقد إنسانيته وينظر للآخرين باعتبارهم وظيفة (مصدر ربح - مصدر متعة) فيفقدهم إنسانيتهم المركبة.

وماركس لا يختلف كثيراً عن كثير من المفكرين الاشتراكيين أو علماء الاجتماع الغربي. فألفونس توسينيل يُحذِّر قُراءه من أنه يستخدم كلمة «يهودي» لا بمعناها الشائع وإنما بمعنى «مصرفي» أو «مراب» أو «تاجر» . ومن قبله تحدَّث شكسبير عن تاجر البندقية وهو يعني في واقع الأمر "يهودي البندقية". ويتحدثون في أدبيات علم الاجتماع الغربي عن الصينيين باعتبارهم "يهود جنوب شرق آسيا" واللبنانيين باعتبارهم "يهود أفريقيا"، وهكذا. كما يشيرون إلى "المهن والحرف اليهودية"، أي المهن والحرف التي عادةً ما يقوم بها أعضاء الجماعات اليهودية. وكل هذه الاستخدامات تبيِّن أن المعنيَّ هو «الإنسان الوظيفي» وليس «اليهودي» ، ولكن يُطلَق عليه «اليهودي» من باب إطلاق الجزء على الكل.

ولتوضيح وجهة نظرنا يمكن أن نضرب مثلاً عكسياً، أي حين يُطلَق على اليهودي اسماً غير اسمه، فيُلاحَظ أن كثيراً من المهاجرين العرب واليهود إلى أمريكا اللاتينية يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية، ولكن بدلاً من أن يُطلَق على العربي عضو الجماعة الوظيفية كلمة «يهودي» يحدث العكس إذ يُطلَق على كل من اليهود والعرب - كجماعة وظيفية - لفظة «لوس توركوس los turquos» الإسبانية، أي «الأتراك» . ويُسمَّى تجار بعض دول شرق أوربا (بغض النظر عن انتمائهم الإثني الفعلي) «اليونانيون» أو «الأرمن» . ونحن هنا أمام أربعة دوال أو أسماء مختلفة (يهودي - تركي - يوناني - أرمني) تشير إلى مدلول أو مُسمَّى واحد وهو عضو الجماعة الوظيفية المالية أو «الإنسان الوظيفي» . ولذا، قد يكون من الواجب أن نضع في اعتبارنا أننا حينما نتحدث عن «الوظائف اليهودية» فإننا في واقع الأمر نتحدث عن وظيفة قد يقوم بها اليهودي في مكان وزمان ما، ولكن قد يقوم بها شخص آخر في مكان وزمان آخر. فالوظيفة (وسماتها) يجب أن تكون المقولة التحليلية لا الجوهر اليهودي أو الشخصية اليهودية. وفي هذه الحالة، فإننا سندرك الواقع بطريقة أكثر تركيبية وحركية، إذ أننا لن نبحث طوال الوقت عن اليهودي الجوهري أو اليهودي الخالص (ذي الأنف المعقوف والظهر المحدودب الذي يرتبط بوظائف طفيلية أو مشينة، حامل الأفكار العلمانية الشاملة الذي يفكك نسيج المجتمع لأنه لا ولاء له، يقضي سحابة ليله في قراءة البروتوكولات ويقضي نهاره في تنفيذ خططه الشيطانية التي تعلمها في الليل) فمن الأجدى لنا أن نبحث عن «اليهودي الوظيفي» أو بالأحرى «الإنسان الوظيفي» الذي يضطلع بالدور الوظيفي ويتسم بصفات عضو الجماعة الوظيفية فيدخل في علاقة تعاقدية باردة مع المجتمع ويُعرَّف في إطار دوره ووظيفته ويُعرِّف هو المجتمع في إطار المنفعة. وهذا الإنسان قد يكون يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً أو شخصاً لا ملة له ولا

دين.
وفي تَصوُّرنا أن النظام العالمي الجديد سيقوم بتحويل قطاعات عديدة في المجتمعات الإنسانية (نخب ثقافية وسياسية محلية - قيادات ثورية سابقة - قطاعات اقتصادية) إلى جماعات وظيفية تعمل لصالحه، وذلك في محاولته تفكيك مجتمعاتنا بعد أن فشل في عملية المواجهة وبعد تزايد نفقات المواجهة العسكرية. وهذه النخب تقيم بيننا وتتحدث لغتنا وترتدي زينا وتقيم الصلاة معنا في مواقيتها، وبعضهم مستمر في استخدام الخطاب الثوري أو الخطاب الديني، حتى بعد أن تحولوا إلى جماعة وظيفية تعمل لصالح الاستعمار الغربي، أي حتى بعد أن تم تهويدهم (بالمعنى الماركسي) . ومما يَجدُر ذكره أن بعض هذه العناصر التي تمت حوسلتها لصالح الاستعمار الغربي ستضطلع بالدور الوظيفي (اليهودي) المُوكَل لها، أحياناً عن وعي وأحياناً أخرى بدون وعي. ولذا، فإن البحث عن اليهودي الجوهري هو بحث عنصري لا طائل من ورائه، ولا يؤدي إلا إلى عدم إدراك عملية التفكيك التي يضطلع بها اليهود الوظيفيون أو بالأحرى البشر الوظيفيون من أبناء العرب والإسلام. ولهذا، فإن الأجدى هو أن نبحث عن الإنسان الوظيفي.

وقد ساهم وضع الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية في المجتمعات الغربية في توليد الصور الإدراكية النمطية التي تُشكِّل أساس معاداة اليهود في الغرب. فعداء كثير من الناس لليهود واليهودية هو في جوهره عداء للعلمانية الشاملة (المادية - الطبيعية - العدمية) ولوظيفيتها التي تحوِّل العالم (الإنسان والطبيعة) إلى مادة استعمالية ولا تكترث بقيم أو مطلقات، ولا تعرف سوى قانون مادي واحد، يدور حول ثنائية بسيطة: العرض والطلب، والربح والخسارة، والقوة والضعف، والذكاء والغباء، والبقاء والهلاك. ولا تعرف غايات سوى مراكمة الثروة وتحقيق المتعة واللذة، دون تساؤل عن أي مضمون أخلاقي أو أي معنى كلي أو نهائي، أي أنه عداء للإنسان الوظيفي الذي يدخل في علاقة نفعية تعاقدية مع المجتمع ولا يعرف التراحم ولا يعرف سوى وظيفته ولا يحترم حرمات أو محرمات، والذي يؤدي وجوده في أي مجتمع إلى تفتُّت النسيج المجتمعي وتآكُل القيم.

كان ماركس - كما أسلفنا - يُسمِّي الإنسان الوظيفي «اليهودي» ، ويُسمِّي عملية الانتقال من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي الرأسمالي عملية «تهويد» . ولكن ماركس كان يفعل ذلك مدركاً الطبيعة المجازية لاستخدامه، فهو كان يعرف الطبيعة الاجتماعية العامة لهذه العملية الانقلابية. ولكن الوجدان الشعبي غير قادر على إدراك ترابط الظواهر الاجتماعية، ولذا فهو يُركِّز على العناصر المباشرة الواضحة. وأكثر العناصر وظيفية ورواد الوظيفية هم أعضاء الجماعة اليهودية (فهو عنصر تعاقدي - نفعي - غريب معتزل.. إلخ) . ولذا فهم الجوهر الثابت والعنصر الواضح والسبب المباشر لعملية التحوُّل المؤلمة. وكان كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية، ولكن لم يكونوا هم وحدهم الذين يضطلعون بهذا الدور. ومع هذا ارتبط الإنسان اليهودي بالإنسان الوظيفي في الوجدان الشعبي الغربي، بل وتم التوحيد بينهما بحيث أصبح الإنسان اليهودي هو الإنسان الوظيفي بامتياز. ومن خلال عملية التعميم والاختزال، تم استبعاد كل أعضاء الجماعات الوظيفية غير اليهودية وتم إدراك كل اليهود باعتبارهم جماعة وظيفية بحيث أصبح كل يهودي إنساناً وظيفياً وأصبح كل إنسان وظيفي يهودي، إلى أن أصبح الإنسان اليهودي وحده، دون غيره من البشر، الإنسان الوظيفي.

ولذا بدلاً من إدراك ظواهر مثل تآكُل القيم وتزايُد الاغتراب وسيادة العلاقات التعاقدية وانتشار الإباحية باعتبارها نتاج عملية اجتماعية انقلابية كبرى. وبدلاً من إدراك أن الإنسان الوظيفي هو ذاته الإنسان العلماني (الشامل) والإنسان الطبيعي/المادي الذي لا انتماء ديني أو إثني له وأن هذا الإنسان ليس ثمرة مؤامرة يهودية وإنما نتيجة عمليات اجتماعية لا يتحكم فيها اليهود، فهم جزء صغير من كل أكبر، بدلاً من كل هذا تم التركيز على اليهودي وحده دون بقية أعضاء المجتمع باعتباره مسئولاً عما يحدث من تفتُّت مجتمعي وإباحية وانتقال من التراحم إلى التعاقد. وأصبح اليهودي هو وحده المسئول عن كل الشرور من انحلال وتفسخ وتشيئ وتآكُل مؤسسات الأسرة وغيرها من المؤسسات الوسيطة التي تحمي الفرد، وزاد الحديث عن «الجوهر اليهودي» و «الخطر اليهودي» و «الثورة اليهودية» وغيرها.
والنموذج التفسيري المركب الذي نطرحه يدور حول ما نسميه «الإنسان الوظيفي» الذي يمكن أن يكون يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً، أو بدون ذمة ولا دين، مادام يدخل في علاقة تعاقدية نفعية باردة مع المجتمع ويُعرَّف في إطار دوره ووظيفته ويضطلع بالوظائف التي يُفترَض أن اليهودي يضطلع بها. ولذا قد يكون من الأدق والأشمل تحليلياً أن نتحدث عن وظيفة ما، قد يقوم بها اليهودي (في مكان ما) ، وقد يقوم بها شخص آخر (في مكان آخر) . فالوظيفة، لا الجوهر اليهودي، هي التي يجب أن تكون المقولة التحليلية.
وقد استخدمت سوزان هاندلمان تعبير «يهودي» بنفس طريقة ماركس ولكن في سياق جديد. فهي تذهب إلى أن المثقف اليهودي بسبب وضعه داخل الحضارة الغربية (طرد وتشتيت ونفي) أصبح عنصراً من عناصر الاستنارة المظلمة والتفكيك. فوجَّه كل طاقته، في بداية الأمر، نحو تفكيك وتقويض الشريعة اليهودية ثم توجَّه إلى ثوابت الحضارة الغربية نفسها يحاول تقويضها وتفكيكها.

ولكن المثقف اليهودي الذي يقوم بالتفكيك يدَّعي أنه يقوم بالتفسير وحسب، ولكنه في واقع الأمر يقوم بما سمته سوزان هاندلمان «الهرمنيوطيقا المهرطقة» ، ذات الطابع التفكيكي العدمي.
وتضيف سوزان هاندلمان أن أي مثقف يقوم بعملية تفسير تهدف إلى تقويض وتفكيك كتب حضارته المقدَّسة، وفي نهاية الأمر كل مقدَّساتها وثوابتها، هو يهودي بالمعنى الوظيفي.
العرْق اليهودي
‏Jewish Race
«العرْق» هو جملة السمات البيولوجية (مثل حجم الجمجمة ولون الجلد أو العيون أو الشعر ... إلخ) التي يُفترَض وجودها في جماعة بشرية وتَميُّزها بشكل حتمي (بيولوجي) عن غيرها من الجماعات. وكلمة «عرْق» ترادف أحياناً كلمة «سلالة» أو «جنس» أو «دم» . وهناك تقسيمات عدّة للسلالات أو الأعراق أو الأجناس البشرية المختلفة أو الدماء التي تجري في عروقها.

وهناك اتجاه صهيوني يؤمن بأن ثمة عرْقاً يهودياً مستقلاً، وأن أساس الهوية اليهودية والشخصية اليهودية هو الانتماء العرْقي. ولعل المفكر الصهيوني موسى هس (1812 ـ 1875) مؤسِّس الفكرة الصهيونية (في ديباجتها الاشتراكية) هو أول من طرح تعريفاً لليهود على أساس بيولوجي أو عنصري حين ذكر أن العرْق اليهودي من الأعراق الرئيسة في الجنس البشري، وأن هذا العرْق حافظ على وحدته رغم التأثيرات المناخية فيه، فحافظت اليهودية على نقاوتها عبر العصور. وقد تنبأ هذا المفكر الصهيوني بأن الصراع بين الأجناس سيكون أهم الصراعات، وأسهم في المحاولة الرامية إلى التمييز بين العنصرين الآري والسامي، وهو التمييز الذي قُدِّر له أن يكون بعد عدة سنوات أحد المفاهيم الأساسية التي تبناها مُنظِّرو الفكر العنصري الأوربي. وقد داعبت هرتزل فكرة الهوية العرْقية، فترة من الزمن على الأقل فاستخدم عبارات مثل «الجنس اليهودي» أو «النهوض بالجنس اليهودي» ، كما أنه كان يفكر في تمييز اليهود عن غيرهم على أساس بيولوجي. وعندما قام هرتزل بأول زيارة له إلى معبد يهودي في باريس، كان أكثر ما أثار دهشته التشابه العرْقي الذي تصوَّر وجوده بين يهود فيينا ويهود باريس: «الأنوف المعقوفة المُشوَّهة، والعيون الماكرة التي تسترق النظر» . كما يقول ماكس نوردو الذي يُعَدُّ واحداً من أهم مفكري العنصرية الغربية (حتى قبل تَحوُّله إلى الصهيونية) ، في لغة لا تقبل الشك وتخلو تماماً من الإبهام، «إن اليهودية ليست مسألة دين وإنما هي مسألة عرْق وحسب» .

ولا يخرج مارتن بوبر في تعريفه لليهودي عن هذا الإطار، رغم استخدامه مصطلحه الحلولي الكموني العضوي لنقل فكرته، فقد تحدَّث عن: «أزلية الأجيال كجماعة يربطها الدم. فالدم قوة مُتجذِّرة في الفرد تغذيه، والدم هو الذي يحدد المستويات العميقة لوجودنا، ويصبغ صميم وجودنا وإرادتنا بلونه. والعالم من حوله إن هو إلا آثار وانطباعات، بينما الدم هو عالم الجوهر» . ونظراً لأن الدم الذي يجري في عروق اليهود يربطهم بالتربة، فقد كان بوبر يشير إلى اليهود باعتبارهم آسيويين «لأنهم إذا كانوا قد طُردوا من فلسطين، فإن فلسطين لم تُطْرَد منهم» .
ويبدو أن مسألة الدم هذه لم تكن شائعة في صفوف الفلاسفة والصهاينة المتأثرين بالتراث الألماني وحسب، بل كانت شائعة في صفوف الصهاينة الأنجلو ساكسون أيضاً. فقد ادَّعى الزعيم الصهيوني نورمان بنتويتش، في حديث أدلى به في عام 1909، أن اليهودي لا يمكن أن يكون مواطناً إنجليزياً كاملاً مثل هؤلاء الإنجليز الذين وُلدوا «لأبوين إنجليزيين وانحدروا من أسلاف خلطوا دماءهم بالإنجليز لأجيال كثيرة» . وعرَّف الأمريكي لويس برانديز اليهودية، في خطاب ألقاه في عام 1915، بأنها «مسألة تتعلق بالدم» . وذكر أن هذه الحقيقة لقيت قبولاً من جانب غير اليهود الذين يضطهدون اليهود، ومن جانب اليهود الذين يُحسِّون بالفخر «عندما يُبدي إخوانهم من ذوي الدم اليهودي تفوقاً أخلاقياً أو ثقافياً أو عبقرية أو موهبة خاصة، حتى إذا كان هؤلاء النابهون قد تخلوا عن الإيمان بالدين، مثل إسبينوزا أو ماركس أو دزرائيلي أو هايني» .

ويبدو أن الصهاينة حاولوا، على طريقة المفكرين العنصريين في الغرب، أن يُثبتوا أنهم عرْق مستقل بطريقة «علمية» وليس فقط على طريقة بوبر الفلسفية. ولذا، فإننا نجد في صفوفهم كثيراً من «العلماء» المهتمين بهذه القضية. وقد أشار عالم الاجتماع الصهيوني آرثر روبين إلى "الكتابات المتعلقة بقضية الجنس اليهودي" وأورد في كتابه اليهود في الوقت الحاضر أسماء كثير من «المراجع القيمة» في ذلك الموضوع. ومن بين الأسماء التي يذكرها اسم عالم صيهوني هو إغناتز زولتشان (1877 ـ 1948) الذي وصف اليهود بأنهم «أمة من الدم الخالص لا تشوبها أمراض التطرف أو الانحلال الخلقي» . وقدَّم روبين نفسه تعريفاً عرْقياً لليهود بيَّن فيه أنهم «استوعبوا عناصر عرْقية أجنبية بدرجة محدودة، ولكنهم في أغلبيتهم يمثلون جنساً متميِّزاً، على عكس ما هو سائد في دول وسط أوربا» .
وكان اللورد بلفور، الصهيوني غير اليهودي، يفكر في اليهود على أساس عرْقي، وربما كان من المهم هنا أن نتذكر أن إحدى المسودات الأولى لوعد بلفور كانت تدعو إلى إقامة «وطن قومي للجنس اليهودي» ، وهي جملة تحمل في طياتها تعريفاً بيولوجياً واضحاً للهوية اليهودية.

ثمة، إذن، إجماع صهيوني على التعريف العرْقي لليهودي. وهو أمر متوقع ومفهوم، فقد كانت الصهيونية تبحث عن الشرعية من أوربا لا من اليهودية، ولذا كان علىها أن تصبح عرْقاً مستقلاً لأن العرْق المستقل وحده هو الذي من حقه أن تكون له دولة مستقلة (حسب الإطار المعرفي السائد في أوربا العلمانية) . ولكن من الواضح أن تعريف اليهودي كعضو في عرْق مستقل أمر مغرق في الخيال والوهم، إذ يدحض واقع الأقليات اليهودية بسهولة مثل هذه الأساطير. وكان على الصهاينة بالذات أن يتعاملوا لسوء حظهم مع يهود بيض ويهود سود وبضعة يهود صفر إلى جانب الكثير من الظلال اللونية. وكما أشرنا من قبل، فقد كان هرتزل معجباً بالنظرية العرْقية، ولكنه كان صديقاً لإسرائيل زانجويل (1864 ـ 1926) الروائي الإنجليزي والزعيم الصهيوني اليهودي ذي الأنف الطويل والشبيه بأنوف الزنوج والشعر الكث الحالك السواد، وكانت نظرة واحدة إلىه تكفي، على حدّ قول هرتزل نفسه، لدحض أي تصور عرْقي لليهود.
وثمة سبب آخر لاختفاء التعريف العرْقي لليهود يرتبط بالمجال الدلالي لكلمة «عرْق» ، إذ أنه بحلول الثلاثينيات كانت الحياة في الغرب قد تحولت عن العنصرية التي فقدت إلى حدٍّ كبير ما كانت تحظى به من قبول وتأييد في الأوساط العلمية. وكما يقول الزعيم الصهيوني ناحوم سوكولوف: بعد أن عشنا عصراً أصبحت فيه كلمة «عنصر» أو «عرْق» معادلة للقسوة والبربرية، فإن معظم الناس ينفرون من استخدام هذا المصطلح. ويُضاف إلى هذا أن علم الأجناس قد أظهر أن هذا المصطلح لا يمكن أن يُطبَّق حقاً على اليهود، وذلك رغم أنه كان من المعتاد تماماً الإشارة إلى اليهود في عصر ما قبل هتلر على أنهم «جنس» ، وكان الكثيرون يعتقدون أن يهودية المرء مسألة تتعلق بمولده وسماته.

ولذا، كان لابد من العدول عن استخدام كلمة «عرْق» . وبدلاً من ذلك، بدأ تعريف اليهودي على أساس إثني، أي على أساس التراث والثقافة المشتركة، ومن ثم حلت الإثنية محل العرْقية كنقطة مرجعية وكأساس للهوية. لكن التعريف الإثني لا يختلف في جوهره عن التعريف العرْقي، فكلاهما يفرز نظرية في الحقوق (العرْقية أو الإثنية) تعطي صاحب الهوية العرْقية أو الإثنية مزايا معينة وقوة مطلقة تنكرها على غيره من البشر. (انظر الباب المعنون «ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية [تعريف وإشكالية] » ) .

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات يهودية؟

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الجماعات اليهودية الأساسية
الجماعات اليهودية الأساسية
‏Major Jewish Communities
«الجماعات اليهودية الأساسية» هي الجماعات اليهودية التي يؤمن أعضاؤها باليهودية الحاخامية. وتعيش هذه الجماعات أساساً في العالم الغربي والعالم الإسلامي. وقد انقسمت هذه الجماعات على أساس قومي (فرنسي ـ أمريكي ـ إنجليزي) ، أو على أساس ديني (إصلاحي ـ محافظ ـ لاديني ... إلخ) ، أو على أساس إثني (يهودي إثني ـ يهودي غير يهودي.. إلخ) . ونحن نضع الجماعات اليهودية الأساسية مقابل الجماعات المنقرضة (مثل الخَزَر) أو الهامشية (مثل يهود الهند) .
«سفارد وإشكناز» كمرادفين لمصطلحي «يهود شرقيون ويهود غربيون»
‏Sephardim and Ashkenazim as Synonymous with Oriental and Western Jews

شاع في الدراسات العربية استخدام مصطلحي «إشكناز» و «سفارد» باعتبارهما مرادفين لمصطلحي «يهود غربيون» و «يهود شرقيون» . وفي الدولة الصهيونية، تُستخدَم عبارة «عيدوت مزراحي» للإشارة إلى الجماعات الشرقية بأسرها بغض النظر عن انتمائها الديني أو الإثني، وهو استخدام غير دقيق في تَصوُّرنا ويطمس كثيراً من معالم التجمع الصهيوني التي لابد من رصدها.
لقد تكونت الدولة الصهيونية عند إنشائها من أعضاء ينتمون إلى جماعات يهودية كثيرة. ولتبسيط الأمر قليلاً، يمكن تقسيمهم إلى قسمين أساسيين:
1 ـ اليهود الغربيون: وهؤلاء هم اليهود الذين ينتمون حضارياً إلى العالم الغربي بغض النظر عن أصولهم سواء أكانت إشكنازية أم سفاردية. ومن ثم يُشار إلى جميع المهاجرين من أمريكا أو من الاتحاد السوفيتي بأنهم «غربيون» ، وقد يُضم إليهم يهود من جورجيا وسفارد من هولندا.
2 ـ يهود شرقيون: وهؤلاء يضمون يهود الشرق والعالم الإسلامي والعربي، والجماعات اليهودية المتفرقة.
ومضمون المصطلحين ثقافي، فيهود جنوب أفريقيا يُعتبَرون غربيين نظراً لانتمائهم إلى الجيب الاستيطاني الأبيض.
ولكن يبدو أن الأدبيات الصهيونية تُؤْثر استخدام مصطلحي «سفاردي» وإشكنازي» على «شرقي» و «غربي» ، وذلك للأسباب التالية:
1 ـ كلمتا «شرقي» و «غربي» كلمتان عامتان، أما مصطلحا «سفاردي» و «إشكنازي» فهما خاصان ومقصوران على اليهود، كما أنهما مأخوذان من تراثهم اللغوي والديني. والحديث عن «سفارد» و «إشكناز» هو حديث عن «يهود في يهود» أما الحديث عن «شرقيين» و «غربيين» فيشير إلى اختلافات حضارية حقيقية وعميقة تتجاوز الإطار المرجعي اليهودي.
2 ـ كلمتا «سفارد» و «إشكناز» ليس لهما حدود دلالية واضحة، بل متداخلتان، الأمر الذي يجعل استخدامهما كأدوات تحليلية أمراً صعباً.

3 ـ وهذا التَرادُف التصنيفي الخاطئ، «شرقي» و «سفاردي» من جهة و «غربي» و «إشكنازي» من جهة أخرى، يعود إلى الرغبة المتزايدة في التصنيفات الثنائية (سالب وموجب ـ ذكر وأنثى ـ نعم ولا ـ أبيض وأسود) المرتبطة بتَغلغُل العقلية العلمية المادية. لكن الجنوح نحو التصنيف الثنائي يخدم الصهاينة بشكل خاص، فهو يستبعد عشرات الجماعات اليهودية التي لا ينتمي أعضاؤها إلى أيٍّ من الفريقين، مثل الفلاشاه وبني إسرائيل، ويُبسِّط الأمر تماماً، فيصبح اليهود جماعتين إثنيتين كلٌّ منهما تشبه الأخرى في نهاية الأمر. أما إذا أخذنا بتصنيف تَعدُّدي ثلاثي أو رباعي أو خماسي، أو بتصنيف يَتعدَّد بعدد الجماعات اليهودية في العالم فسيُمكننا إدراك التنوع، وهذا ما يحققه مصطلحا «شرقي» و «غربي» . فرغم أن هذا التصنيف ثنائي أيضاً فإنه ليس مغلقاً وإنما هو تصنيف مفتوح، فكلمة «شرقي» تشير إلى عشرات التشكيلات الحضارية الفعلية والممكنة، وكذا كلمة «غربي» .

4 ـ يُلاحَظ أن مصطلحي «سفارد» و «إشكناز» يصلحان إلى حدٍّ كبير لتصنيف يهود العالم الغربي، وبالتالي يمكن استخدامهما إذا كان اليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي هم موضوع النقاش. ولذا، فحينما يتناول الدارس تاريخ الجماعة اليهودية في إنجلترا مثلاً، فبإمكانه أن يتحدث عن النخبة السفاردية والجماهير الإشكنازية (اليديشية) حتى أواخر القرن التاسع عشر. وينطبق الشيء نفسه على يهود هولندا وفرنسا وهكذا. والمصطلحان يستبعدان الجماعات اليهودية الأخرى في العالم كافةً، ولا غضاضة في هذا مادام مجال النقاش هو يهود الغرب. ولكن الصورة تتغيَّر إذا كان منظور التحليل هو العالم. وقد أصبح هذا هو الأمر الغالب بعد ظهور المنظمة الصهيونية التي تعطي نفسها صورة العالمية، وتَدَّعي الحديث باسم كل يهود العالم، وتجعل العالم كله ساحتها. عندئذ يصبح مصطلحا «سفارد» و «إشكناز» قاصرين عن تناول الظاهرة. وهنا، فلابد من استخدام مصطلحي «شرقي» و «غربي» للوصول إلى أعلى مستوى تعميمي، مع استخدام عدد آخر من المصطلحات إن أراد الباحث تناول الجماعات اليهودية على مستوى أكثر تخصيصاً. فاليهودية الغربية، أو الجماعات اليهودية في الغرب، لم تَعُد الإطار المرجعي الوحيد. وهذا التحول في مجال النقاش، من يهود الغرب إلى يهود العالم، هو ما أدَّى إلى تَداخُل المصطلحين وحدوث الخلل الذي نحاول تحاشيه.

5 ـ كان مصطلحا «سفارد» و «إشكناز» صالحين بصفتهما أداتين تحليليتين حتى القرن التاسع عشر. ولكن، مع ظهور الدولة القومية الحديثة، واتساع نطاق الثورة العلمانية، لم يَعُد الانتماء الديني الإثني هو محك الهوية، وبدأ يهود الغرب يُصنِّفون أنفسهم بناء على انتمائهم القومي؛ فهذا يهودي إنجليزي وذلك يهودي هولندي، وهلم جرا. أما على الأساس الديني فهم يهود إصلاحيون أو محافظون أو أرثوذكس أو إلحاديون وعلى مستوى الهوية يمكن تصنيفهم على أنهم يهود إثنيون أو إندماجيون أو يهود غير يهود ... إلخ. وهكذا ضمر الانتماء السفاردي أو الإشكنازي، ولم يَعُد المصطلحان صالحين.
لكل هذا، فإننا نستخدم هنا مصطلحي «سفارد» و «إشكناز» حين يكون موضوع النقاش هو يهود الغرب حتى منتصف القرن التاسع عشر، أو حينما نود الإشارة إلى السفارد أو الإشكناز بالمعنى المحدد. وفيما عدا ذلك، فإننا نستخدم مصطلحي «شرقي» و «غربي» ، فهما مصطلحان عامان يغطيان كل التنويعات والهويات اليهودية المختلفة. كما أننا نستخدم مصطلحات أكثر تحدُّداً، مثل: يهود البلاد العربية والإسلامية، أو يهود اليديشية، أو يهود بني إسرائيل، أو يهود الفلاشاه. كما نستخدم مصطلح «الجماعات اليهودية» في صيغة الجمع ثم نشير، على سبيل المثال، إلى الجماعة اليهودية في هولندا في القرن التاسع عشر (مثلاً) من باب التخصيص المكاني والزماني.
السفارد
‏Sephardim

«سفارد» مصطلح مأخوذ من الأصل العبري «سفارديم» . ويُشار إلى السفارد أيضاً بكلمة «إسبانيولي» ، وباليديشية بكلمة «فرانك» التي تشبه قولنا بالعربية «الفرنجة» (ومن هنا تسمية جيكوب فرانك، أي جيكوب السفاردي) . و «سفارد» اسم مدينة في آسيا الصغرى تم ربطها بإسبانيا عن طريق الخطأ فتُرجمت الكلمة في الترجوم (الترجمة الآرامية لأسفار موسى الخمسة) إلى «إسباميا» ، و «سباميا» ، أما في البشيطا (الترجمة السريانية لأسفار موسى الخمسة) فهي «إسبانيا» . وابتداءً من القرن الثامن الميلادي، أصبحت كلمة «سفارد» هي الكلمة العبرية المستخدمة للإشارة إلى إسبانيا. وتُستخدَم الكلمة في الوقت الحاضر للإشارة إلى اليهود الذين عاشوا أصلاً في إسبانيا والبرتغال، مقابل الإشكناز الذين كانوا يعيشون في ألمانيا وفرنسا ومعظم أوربا. وقد استقر أعضاء الجماعة اليهودية في شبه جزيرة أيبريا في أيام الإمبراطورية الرومانية. ولكن أهم فترة في تاريخهم هي الفترة التي حكم فيها المسلمون شبه جزيرة أيبريا والتي يُشار إليها باسم «العصر الذهبي» . وكان أعضاء الجماعة اليهودية يتحدثون العربية في تلك الفترة، ويفكرون ويكتبون بها. ثم جاء الغزو المسيحي لشبه الجزيرة واستردادها، فاكتسب اليهود الصبغة الإسبانية وتحدثوا باللادينو، وهي لهجة إسبانية، ثم تم طردهم من إسبانيا عام 1492، ومن البرتغال عام 1497، فاتجهت أعداد منهم إلى الدولة العثمانية التي كانت تضم شبه جزيرة البلقان وشمال أفريقيا. ويُعَدُّ ميناء سالونيكا (في شبه الجزيرة اليونانية) عاصمة السفارد في العالم حتى الحرب العالمية الأولى، فقد كانت هذه المدينة تضم أغلبية سفاردية. ومن أهم المدن الأخرى التي استقر فيها السفارد في الدولة العثمانية: أدرنة والأستانة وصفد والقدس والقاهرة.

وبعد قرن من الزمان، لحقت بجماعة السفارد جماعات المارانو، وهم من يهود السفارد المُتخفِّين (البرتغاليين) ، فاتجهت جماعات منهم إلى هولندا وفرنسا، كما اتجهت جماعات أخرى إلى أماكن أخرى في أوربا، مثل: إنجلترا وألمانيا وإيطاليا والدنمارك والنمسا والمجر، وإلى العالم الجديد (البرازيل والولايات المتحدة) ، حيث أعلنت أعداد منهم عن هويتهم الدينية ومارسوا العقيدة اليهودية بشكل علني. وكان المُبعَدون من السفارد إسبانيين أو برتغاليين في تراثهم وثقافتهم ولباسهم وطَهْوهم وأسمائهم، ولذا كان يُطلَق عليهم اسم «الأسبان» أو «البرتغاليون» . وقد احتفظ هؤلاء المُبعَدون بعلاقاتهم الثقافية بوطنهم الأصلي، حيث كانوا معتزين بهذا التراث وبالمكانة العالية التي حققوها في هذه البلاد.
وقد ظهر في صفوف السفارد عدد كبير من المفكرين مثل أورييل داكوستا. وليس من قبيل الصدفة أن أول مفكر يهودي يُعتَدُّ به في العصر الحديث كان سفاردي الأصل، وهو إسبينوزا. كما أن قبَّالاة الزوهار، وكذلك القبَّالاه اللوريانية التي اكتسحت أوربا الإشكنازية، كانت من أصل سفاردي، وكذا الشولحان عاروخ، أهم المصنفات الفقهية اليهودية، حيث وضعه يوسف كارو. وكان شبتاي تسفي (الماشيَّح الدجال) من أصل سفاردي أيضاً، أي أن كل التطورات التي حدثت بين الجماعات اليهودية في هذه الفترة كانت ذات أصول سفاردية.

وقد كان السفارد يُصرّون على الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الإشكناز، الذين كانوا يتسمون بقدر كبير من العزلة والتخلف الحضاريين. وأخذت هذه المسافة شكل مؤسسات دينية وتعليمية مستقلة، ورفض الزواج المُختلَط من الإشكناز، حتى أن السفاردي الذي يتزوج من إشكنازية كان يُطرَد من الجماعة السفاردية ولا يُدفَن في مدافنها. وحينما كانت الجماعة السفاردية تضطر إلى السماح لبعض الإشكناز بحضور الصلوات في معبدها، فإن أعضاءها كانوا يصلون وراء حاجز خشبي يُقام بهدف الفصل بين أعضاء الجماعتين. وحينما كانت أية جماعة سفاردية تهاجر إلى أية مدينة، فإنها كانت تحتفظ باستقلالها وبإحساسها بتَفوُّقها وتَفوُّق قيمها، حتى أنها كانت تصبغ بقية الجماعة بصبغة سفاردية. هذا ما حدث على سبيل المثال في الدولة العثمانية، حين امتزج اليهود الروم (الرومانيوت) واليهود المستعربة باليهود السفارد، فأصبحت اللادينو هي اللغة السائدة بينهم. وقد حدث الشيء نفسه في شمال أفريقيا.

وفي العصر الحديث، كانت الهجرة اليهودية في الغرب تأخذ الشكل التالي: يستقر أعضاء جماعة سفاردية تمتلك من الخبرات ورؤوس الأموال والاتصالات الدولية ما يجعل منها جماعة تجارية إدارية متقدمة، ثم تأتي الجماهير الإشكنازية وتلحق بهم، وكان السفارد يشغلون في معظم الأحيان قمة الهرم. ولذا، لعب السفارد دوراً مهماً في تَطوُّر الرأسمالية الغربية وبروز النظام الاقتصادي الجديد (في العالم) واتساع نطاق حركة الاكتشافات الجغرافية. وقد بدأ السفارد يستثمرون في كثير من المشروعات الاستعمارية الهولندية، فامتلكوا عدداً كبيراً من أسهم شركة الهند الغربية الهولندية. في حين ظل الإشكناز على هامش هذا التطور، فكان منهم صغار التجار وكان منهم المرابون المرتبطون بالنظام الاقتصادي القديم. ولعل هذا يُفسِّر بقاء المسألة اليهودية مسألة إشكنازية بالدرجة الأولى. ففي فرنسا مثلاً، اصطدم النظام الجديد بعد الثورة بيهود الألزاس واللورين، وهم من يهود اليديشية الإشكناز، بينما لم تَحدُث أية مواجهة بين هذا النظام وبين يهود بايون وبوردو من السفارد. وفي إنجلترا، لم تكن هناك مسألة يهودية إلا بعد هجرة يهود اليديشية بجحافلهم المتخلفة إليها.

وقد حقق السفارد بروزاً غير عادي في المجتمعات الغربية خصوصاً هولندا. وكان منهم أعداد كبيرة من يهود البلاط. كما اشتركوا في تمويل بعض الشركات الاستيطانية. وقد بلغ اليهود السفارد قمة نفوذهم المالي في نهاية القرن السابع عشر. ولكن وَضْعَهم أخذ في التدهور بعد ذلك التاريخ، وذلك مع ظهور القوة البريطانية وانكماش القوة الهولندية، ومع تَزايُد حجم التجارة الدولية التي لم يتمكن رأس المال السفاردي من استيعابها، ومع ظهور بورجوازيات محلية حلت محل يهود البلاط. وقد أدَّى وصول قوات الثورة الفرنسية إلى هولندا إلى قطع علاقة أعضاء الجماعات اليهودية فيها بالشبكة التجارية اليهودية في ألمانيا وبولندا والدولة العثمانية، ومن ثم فَقَد السفارد ما تَبقَّى لهم من قوة وثروة، وحدث التراجع الذي رجَّح كفة الإشكناز.

والجدير بالذكر أن عبرية السفارد مختلفة عن عبرية الإشكناز. وهذا يعود إلى أن يهود العالم العربي كانوا منذ أيام الأندلس لا يتحدثون إلا العربية، واقتصر استخدام العبرية على الكتابة الدينية المتخصصة. وقد كان لاحتكاك اليهود بالعرب أثر عميق في لغتهم، فقد ازدادت عبريتهم فصاحة بمجاورتها اللغة العربية التي تُعدُّ أرقى لغات المجموعة السامية كلها. وقد تَرتَّب على ذلك أن دولة إسرائيل، التي قامت على أكتاف الإشكناز، وجدت نفسها رغم كل شيء مُضطرَّة إلى اعتبار عبرية السفارد هي لغة المسرح الرسمية وكذلك لغة الإذاعة والتعليم في الجامعات والمدارس. وقد اضطر المؤلفون في الأدب العبري الحديث، أو العاملون في مجال الدراسات اللغوية، حتى وإن كانوا من الإشكناز، إلى الخضوع المُطلَق للسان السفارد. ولكن هذا لا ينفي أن هناك مزيجاً لغوياً في جبهة السفارد ذاتها، فبعضهم (مثل المارانو) يتحدث اللادينو أو البرتغالية، أما البعض الآخر فيتحدث اليونانية أو التركية وهم أقلية. وقد انعكس هذا التباين اللغوي على طريقة نطقهم للعبرية. بل إن هذا التباين يمكن ملاحظته في نُطْق العبرية بين اليهود الذين يتحدثون اللغة نفسها، فثمة سمات محلية في النطق أصبحت تُميِّز اليهودي العراقي عن اليهودي اليمني أو المغربي، ليست نتيجة احتكاكه باللغة العربية الفصحى وحسب بل ونتيجة احتكاكه العميق باللهجة التي يتحدث بها مواطنو بلده. وفي الوقت الحاضر، بدأ السفارد يتحدثون (أساساً) لغة البلاد التي يتواجدون فيها.

ولا يوجد اختلاف جوهري بين السفارد والإشكناز في العقائد، فكلاهما يعتبر أن التلمود البابلي هو المرجع النهائي. ومع هذا، كان ليهود إسبانيا طريقتهم الخاصة في الصلاة وإقامة الشعائر الدينية التي تُعَدُّ استمراراً للتقاليد الدينية اليهودية التي نشأت وتطورت في بابل. أما الإشكناز، فتعود عبادتهم أساساً إلى أصول يهودية فلسطينية. وقد تعمَّقت الفروق بين الفريقين نتيجة تأثر السفارد في عبادتهم وتلاوتهم وترتيلهم وإنشادهم بالذوق العربي، كما انفردوا بنصوص شعرية ونثرية في أدعيتهم وصلواتهم قريبة الشبه بما يماثلها عند المسلمين.
ويُلاحَظ أن السفارد، بسبب مستواهم الثقافي العالي، كانوا أكثر تَسامُحاً وأوسع أفقاً. ومن هنا نجد أن الشولحان عاروخ (المُصنَّف التشريعي الذي وضعه كارو السفاردي) أكثر ليبرالية من تلك الرؤية التي سادت بين الإشكناز عند صدوره. وهناك اختلافات بين السفارد والإشكناز تعود إلى اختلاف البيئات الحضارية التي عاش في كنفها أعضاء الجماعات اليهودية السفاردية والإشكنازية. ففي عيد الفصح، يستخدم السفارد الخس باعتباره أحد الأعشاب المُرَّة التي تُؤكل في هذه المناسبة بدلاً من الفجل الحار. أما الصلوات في المعبد، فهي مختلفة في كثير من النواحي السطحية، وعلى سبيل المثال، يرفع السفارد مخطوطة التوراة قبل قراءتها على خلاف الإشكناز الذين يفعلون ذلك بعدها. كما أن الخط المستخدم في كتابة المخطوطة مختلف. وكذلك، فإن معمار المعبد السفاردي يختلف، في بعض التفاصيل، عن معمار المعبد الإشكنازي.
وتختلف المصطلحات الدينية بين الإشكناز والسفارد على النحو التالي:
(المصطلح: صلاة العشاء- يقابلها عند السفاردي: عربت - ويقابلها عند الأشكنازي: معاريف)
(المصطلح: تابوت العهد - يقابلها عند السفاردي: هيكل - ويقابلها عند الأشكنازي: آرون)

(المصطلح: صلاة عيد الفصح - يقابلها عند السفاردي: هاجاداه - ويقابلها عند الأشكنازي: سيدر (
(المصطلح: يوم الغفران - يقابلها عند السفاردي: كيبور - ويقابلها عند الأشكنازي: يوم كيبور (
(المصطلح: حاخام - يقابلها عند السفاردي: ربي / راف - ويقابلها عند الأشكنازي: راباي (
(المصطلح: كتاب صلاة - يقابلها عند السفاردي: تيفيلوت - ويقابلها عند الأشكنازي: سيدور (
وبسبب هذه الاختلافات وغيرها، اكتسب مصطلح «سفارد» دلالة دينية إلى جانب دلالته الإثنية الأصلية، وأصبح يُطلَق على كل اليهود الذين يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة سواء أكان أصلهم يعود إلى شبه جزيرة أيبريا أم يعود إلى غير ذلك.
ويُطلَق المصطلح الآن على كل اليهود الذين لا ينتمون إلى أصل إشكنازي غربي في التجمع الإسرائيلي. ولكن مما يثير بعض المشاكل في التصنيف أن الحسيديين، وهم من الإشكناز، اقتبسوا كثيراً من التقاليد والطقوس السفاردية، كما أن بعض اليهود الهولنديين والإنجليز يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة. ولذا، فحينما نتحدث عن سكان التجمع الصهيوني من اليهود نقول: «اليهود الإشكناز» و «اليهود السفارد» ، و «يهود البلاد الإسلامية» ، أو نقول: «يهود شرقيون» و «يهود غربيون» بدلاً من «سفارد» و «إشكناز» حتى لا نَسقُط في التصنيفات الثنائية البسيطة والسهلة التي تُشوِّه الواقع.

وقد تَدهَور وضع اليهود السفارد، كما أسلفنا، بعد أن كانوا الأكثر عدداً والأعلى مكانة والأكثر ثقافة. ففي العصور الوسطى، كانوا يشكلون نصف يهود العالم، وكانوا على احتكاك بمؤسسات صنع القرار في بلادهمـ، كما كانوا يشتغلون بالشئون المالية المتقدمة. ولكن، ابتداءً من القرن السابع عشر، بدأ صعود الإشكناز عددياً ثم ثقافياً. ورغم وجود أقليات سفاردية مهمة في لندن وأمستردام حتى القرن التاسع عشر، زاد المد الإشكنازي وغطى الانفجار السكاني في صفوفهم على السفارد تماماً. ومع الحرب العالمية الثانية، كان يهود العالم يبلغون 16.500.000، منهم 15 مليون إشكنازي، والباقي سفارد بالمعنىين الديني والعرْقي. وتُوجَد أغلبية السفارد في شمال أفريقيا (ما بين 250 ألفاً إلى 300 ألف) وأوربا (250 ألفاً) . كما كان هناك عدد كبير في أمريكا اللاتينية (120 ألفاً) ، وتركيا (73 ألفاً) ، وفلسطين (47 ألفاً) ، وتَوزَّع الباقي على ثلاث دول أخرى. لكن هذه الأرقام غير دقيقة، كما أنها تضم اليهود المستعربة ضمن السفارد، وكذلك أعضاء الجماعات اليهودية الأخرى (مثل الفلاشاه وبني إسرائيل والدونمه (.
وقد أدَّت تَقلُّبات القرن العشرين، من تحديث في اليونان والدولة العثمانية، وحروب بين اليونان وتركيا، إلى تشتيتهم من مراكز تَجمُّعهم الأساسية، لا سيما وأن عاصمتهم سالونيكا كانت مدينة تركية في شبه الجزيرة اليونانية. وقد تم إخلاء سكانها وتهجيرهم إلى تركيا، وضمن ذلك اليهود، باعتبارهم أتراكاً، خصوصاً وأن نسبة كبيرة من سفارد سالونيكا كانوا من الدونمه، أي من اليهود المتخفين الذين أظهروا الإسلام، ولذلك تم تصنيفهم باعتبارهم مسلمين. وهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى أوربا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية حيث كان الجو الحضاري اللاتيني مواتياً لهم.

وقد انعكس الانقسام بين السفارد والإشكناز على الجماعة اليهودية في فلسطين، إذ كانت هذه الجماعة تنقسم بدورها إلى إشكناز وسفارد، ولكل جماعة حاخام خاص بها. وقد ارتبط اليهود غير الغربيين (المغاربة والمستعربة) بالحاخامية السفاردية، ومن هنا كان اختلاط المجال الدلالي للكلمة بحيث أصبحت تشير إلى كل من ليس بإشكناز. وكانت السلطات الإنجليزية تُفضِّل السفارد واليهود المستعربة على الإشكناز، نظراً لأن الفريق الأول كان يعرف تقاليد فلسطين أكثر من الوافدين الجدد.
وإذا كانت المسألة اليهودية مسألة إشكنازية، فإن الصهيونية أيضاً ظاهرة إشكنازية. والواقع أن كل مفكري الصهيونية، بدون استثناء، إشكناز. وربما كان الاستثناء الوحيد هو الحاخام القلعي الذي تنبع صهيونيته من رؤاه القبَّالية، وكان يعيش في أطراف الدولة العثمانية (في شبه جزيرة البلقان) . وقد كانت الصهيونية إشكنازية لدرجة أن كلمة «يهودي» في الأدبيات الصهيونية الأولى كانت مرادفة لكلمة «إشكنازي» بمعنى «يديشي» . كما أن المشروع الصهيوني كان مشروعاً غربياً لحماية مصالح الغرب في الشرق. ولكن بعد تأسيس الدولة، هاجر الألوف من يهود الشرق إليها، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة العنصر غير الإشكنازي في الدولة. وقد أعطاها هذا الطابع الذي يُقال له «سفاردي أو شرقي» .

وتتسم العلاقات في المُستوطَن الصهيوني بين الشرقيين والسفارد من جهة، والإشكناز من جهة أخرى، بالتوتر الشديد، فيشير الإشكناز للشرقيين بوصفهم «شفارتز» (أي «سود» أو «شحوريم» ، مع تحميل الكلمة إيحاءات قدحية) ، وهناك مَثَل يديشي يقول " فرانك كرانك "، أي «السفارد مرض» ، والرد الشرقي السفاردي هو الإشارة إلى «الإشكي نازي» بكل تداعيات الكلمة في الذهن الإسرائيلي. ويبدو أن التمييز العنصري مستمر بالنسبة لأبناء اليهود الشرقييبن ممن وُلدوا ونشأوا في إسرائيل. وقد اتضح هذا في النظام الحزبي في إسرائيل، فقد ظهرت فيه الأحزاب الإثنية بعد إعلان الدولة الصهيونية، وقد أعلن الصهاينة حينذاك أن هذا أمر مؤقت وأن الصهيونية (أي القومية اليهودية) ستصهر الجميع في بوتقة واحدة. ولكن ظهر في التسعينيات أحزاب تعبِّر عن الانقسام الإثني فيضم حزب شاس (الديني) اليهود السفارد، أما حزب إسرائيل بعالياه (العلماني) فيضم المهاجرين السوفييت.
الإشكناز
‏Ashkenazim
«الإشكناز» من «إشكنازيم» العبرية. و «الإشكناز» هم يهود فرنسا وألمانيا وبولندا. و «إشكناز» ، حسب الرواية التوراتية، اسم أحد أحفاد نوح. ومن المحتمل أن تكون الكلمة قد استُخدمت للإشارة إلى قبيلة ظهرت في زمن أسرحدون تَحالَف أعضاؤها مع آشور. وهم الذين تشير إلىهم المدونات الآشورية في القرن السابع قبل الميلاد بلفظ «إشوكوزا» ، وهم الذين أشار إليهم اليونانيون بكلمة «إسكيثيانز Scythians» وهم الإسكيثيون. ويبدو أن هذه الأقوام كانت تشغل المنطقة الموجودة على حدود أرمينيا في أعالي الفرات، وجزءاً من مملكة الميديين. ويقرن يوسيفوس كلمة «إشكناز» بمدينة في مركز ميديا. وفي بعض الكتابات الحاخامية، يُشار إلى آسيا بأسرها باعتبارها «إشكناز» ، كما كان يُشار إلى الخَزَر باعتبارهم «إشكناز» ، بل واستُخدمت الكلمة للإشارة إلى حملات الفرنجة.

أما الاشتقاق الحالي لكلمة «الإشكناز» ، فهو من كلمة «إشكناز» بمعنى «ألمانيا» . ومن الصعب معرفة متى حدث هذا التَرادُف. وثمة آراء احتمالية عدة، فهناك من يربط بين إشكناز وإسكندنافيا، وهناك من يربط بينها وبين الساكسون ومن ثم بينها وبين ألمانيا. ومع زمن راشي، أصبح هذا الترادف أمراً مقبولاً تماماً، فهو يشير إلى «لشون إشكناز» ، أي «اللسان الألماني» أو «اللغة الألمانية» . وكان يشير إلى «إرتس إشكناز» أي «أرض ألمانيا» . ومن هنا، أصبح المصطلح يشير إلى يهود فرنسا وألمانيا ونسلهم من اليهود الذين هاجروا إلى إنجلترا وشرق أوربا (بولندا وليتوانيا) بعد حروب الفرنجة. ويطرح آرثر كوستلر نظرية أخرى عن أصل أكبر كتلة بشرية إشكنازية (أي يهود بولندا) ، فيرى أن الجماعات اليهودية في فرنسا وألمانيا قد أبيدت تماماً أو اختفت، وأن يهود بولندا هم في الواقع بقايا يهود الخزر الذين نزحوا عن أراضيهم بعد سقوط دولتهم وأسسوا دولة المجر ثم هاجروا منها إلى بولندا. وبالتالي، فإن الإشكناز عنصر تركي غير سامي.
وقد انتشر الإشكناز من بولندا إلى أوربا، خصوصاً بعد هجمات شميلنكي في أوكرانيا (1648) ، فاستقرت أعداد منهم في بولندا وألمانيا وإنجلترا والعالم الجديد. ثم هاجر الملايين منهم في نهاية القرن التاسع عشر إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأستراليا ونيوزيلندا، بعد الانفجار السكاني الذي حدث في صفوفهم. كما أنهم توجهوا إلى آسيا وأفريقيا مع حركة التوسع الإمبريالي. ولما كان يهود شرق أوربا هم أهم كتلة بشرية يهودية، فقد ارتبط المصطلح بهم، ولكننا نُفضِّل أن نشير إلى هؤلاء باعتبارهم «يهود اليديشية» .

وتُذكَر كلمة «إشكناز» عادةً مقابل «سفارد» ، وبالتالي أصبحت كلمة «إشكناز» مرادفة لمعنى «غربي» وأصبحت «سفاردي» بمعنى «شرقي» ، وهو تَرادُف خاطئ لأن كثيراً من يهود الشرق (يهود الفلاشاه وبني إسرائيل) ليسوا من السفارد، ولا علاقة لهم بالتراث السفاردي الإثني أو الديني. ولكن هذا الترادف التصنيفي الخاطئ ربما يعود إلى الرغبة المتزايدة في التصنيفات الثنائية (مثل: سالب وموجب ـ ذكر وأنثى) ، وإلى جَعْل مرجعية اليهود الوحيدة والأساسية هي تراثهم، ومحاولة رؤيتهم داخل إطار يهودي مُوحَّد، وهو أمر يصبح صعباً لو أخذنا بتصنيف تَعدُّدي ثلاثي يراعي وجود أقسام مختلفة من اليهود في العالم. ومما يزيد الأمور اختلاطاً، أن الحسيديين، وهم من أشد اليهود إشكنازيةً إن صح التعبير، تَبنَّوا بعض الممارسات الدينية السفاردية في محاولة لتأكيد استقلالهم عن المؤسسة الحاخامية الإشكنازية. ومع تَزايُد فقدان الجماعات اليهودية سماتها الخاصة، وتَزايُد اندماجها وتَحوُّل أعضائها إلى أمريكيين يهود أو فرنسيين يهود ... إلخ، يصبح من الأدق استخدام مصطلح «يهود غربيون» للإشارة لما يُسمَّى الآن «اليهود الإشكناز» .
وثمة اختلافات دينية غير جوهرية بين الإشكناز والسفارد تعود إلى اختلاف الأصول. فالإشكناز تَبنَّوا الصيغة الفلسطينية لليهودية، مقابل الصيغة البابلية التي تبناها السفارد. ومع أن كلا الفريقين تَبنَّى التلمود البابلي، في نهاية الأمر، مرجعاً وحيداً في الأمور الدينية والفقهية، فقد ظلت بعض نقط الاختلاف. فالسفارد، على سبيل المثال، يتسمون باتساع الأفق، أما الإشكناز فلم ينفتحوا على الحضارات التي عاشوا بين ظهرانيها برغم تأثرهم بها، وانغلقوا على الكتاب المقدَّس والتلمود وعلى تفسير النصوص الجزئية. كذلك لم يحاول الإشكناز جَمْع الشريعة وتقنينها والتوصل إلى مبادئها العامة.

والاختلافات بين السفارد والإشكناز في الأمور الدينية ليست عميقة، وقد حصرنا بعضها في مدخل السفارد. ولكن يُلاحَظ أن تأثير السفارد الفكري الديني في الإشكناز كان عميقاً. فرغم أن بدايات القبَّالاه إشكنازية، فإن تَحوُّلها إلى نسق متكامل في قبَّالاة الزوهار ثم القبَّالاه اللوريانية تم على يد السفارد، بل إن الفكر القبَّالي ذاته يكاد يكون فكراً سفاردياً، وهو الذي اكتسح الفكر الحاخامي الإشكنازي. كما أن أهم كتب الشريعة اليهودية (الشولحان عاروخ) كتاب سفاردي كتب عليه أحد الإشكناز شروحاً وتعليقات. وقد لاحَظ أحد المفكرين أثر الفكر المسيحي في الفكر الديني للإشكناز، فظاهرة الاستشهاد فيما يُعرَف بمصطلح «تقديس الاسم» (بالعبرية: «قيدوش هاشيم» ) هي ظاهرة إشكنازية لعلها جاءت نتيجة تأثير واقعة الصلب في المسيحية على اليهود. أما المارانية، وهي شكل من أشكال التَقية، فهي ظاهرة سفاردية. ويمكن ملاحظة تأثير الفكر المسيحي في الحسيدية أيضاً، على عكس الفكر السفاردي الذي تأثر في بعض جوانبه بالفكر الديني الإسلامي.
ومن الظواهر التي تستحق التسجيل أن المشيحانية (وهي المعبِّرة عن إحباط الجماهير) حركة إشكنازية بالدرجة الأولى رغم أن الفكر القبَّالي فكر سفاردي، ورغم أن شبتاي تسفي (أول ماشيَّح دجال في العصر الحديث) سفاردي. كما أن قيادة هذه الحركات انتقلت إلى الغرب بعد حركة شبتاي تسفي. فجيكوب فرانك إشكنازي (رغم تَبنِّيه بعض الأساليب السفاردية، ورغم أن أعداءه سموه «فرانك» ، أي السفاردي باليديشية) والحركة الحسيدية أيضاً حركة إشكنازية. ويُلاحَظ أيضاً أن الوضع تغيَّر بعد سنوات من التبعية للفكر السفاردي وبدأ الإشكناز في الإبداع في مجال الفكر الديني والدنيوي، فظهرت حركة التنوير في صفوفهم، كما ظهر بينهم علم اليهودية، وكذلك جميع الحركات الدينية في اليهودية الإصلاحية والمحافظة والأرثوذكسية والتجديدية.

وكان معظم الإشكناز يتحدثون اليديشية التي اختفت بالتدريج مع عشرينيات هذا القرن، وبالتالي فهم يتحدثون في الوقت الحاضر لغة البلد الذي يوجدون فيه. ولغتهم الأساسية الآن هي الإنجليزية باعتبار أن أغلبيتهم تُوجَد ضمن التشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو ـ ساكسوني (الولايات المتحدة الأمريكية ـ كندا ـ أستراليا ـ جنوب أفريقيا) . والعبرية السائدة بين الإشكناز مختلفة عن عبرية السفارد حيث ينطقونها بطريقة مختلفة.
وكان أكثر من نصف يهود العالم، في العصور الوسطى وحتى بدايات القرن الثامن عشر، من السفارد ويهود العالم الإسلامي. ولكن، بعد ذلك التاريخ، أخذ الإشكناز في التَزايُد إلى أن حدث الانفجار السكاني في صفوفهم في القرن التاسع عشر وأصبحوا يشكلون نحو 90% من يهود العالم. ولا تزال نسبتهم عالية. ومع أنها قد هبطت قليلاً في الآونة الأخيرة، بسبب تَناقُص معدلات الإنجاب بينهم، فإن الأغلبية الساحقة من يهود العالم تظل إشكنازية (بمعنى: غربية) . كما أنهم نظراً لوجودهم في المجتمع الغربي، فإن لهم بروزاً عالمياً. ولذا، فإن معظم مشاهير اليهود الآن من الإشكناز، ابتداءً بأينشتاين ومروراً بكيسنجر وانتهاءً براكيل ويلش.

ويُلاحَظ أن البناء الوظيفي والمهني للإشكناز مختلف عن بناء السفارد. فالإشكناز كانوا يقفون دائماً على هامش المجتمع الغربي، كشعب شاهد، ثم كأقنان بلاط ويهود بلاط ومرابين وتجار ووسطاء في النظام الإقطاعي، على عكس السفارد الذين كان بعضهم يضطلع بالوظائف الهامشية نفسها، ولكنهم كانوا أكثر اندماجاً في النظام الاقتصادي الجديد في الغرب باعتبارهم من كبار المموِّلين الذين ساهموا، في أمستردام وغيرها، في تأسيس بعض الشركات الرأسمالية الجديدة، كما استثمروا أموالهم في المشاريع الاستعمارية والاستيطانية. أما من الناحية الثقافية، فقد كان السفارد أقل انغلاقاً على المجتمع الغربي وأكثر استيعاباً لثقافته وأسلوب حياته على عكس الإشكناز. ولذلك، فإن المسألة اليهودية مسألة إشكنازية، لم تُوجَد إلا في البلاد التي تُوجَد فيها أقلية إشكنازية. وحينما وُجدت أقلية سفاردية وأخرى إشكنازية في بلد واحد، كما كان الحال في فرنسا، فإن السفارد كانوا يندمجون في الاقتصاد الجديد دون أن يصادفوا عقبات كثيرة، ودون أن يواجهوا مشكلة ازدواج الولاء. ولهذا، فحينما تَوجَّه نابليون لحل مشكلة يهود فرنسا، انصبت جُلَّ جهوده على حل مشكلة يهود الألزاس واللورين من الإشكناز، ولم يضم لهم يهود بوردو وبايون من السفارد.

لكل ما تَقدَّم، نجد أن مصطلح «إشكناز» اكتسب دلالة حضارية وإثنية وعرْقية ودينية، وأصبح هذا المصطلح يشير إلى مركب إشكنازي من العناصر والعلاقات، وقد انعكس هذا على الوضع في فلسطين. وقدكان أعضاء اليشوف القديم (وهي مؤسسة دينية محضة) ينقسمون إلى إشكناز وسفارد، وهذا الانقسام لا يزال قائماً في إسرائيل، فهناك حاخامان يشرف كل منهما على الشئون الدينية لجماعته. وبشكل عام، كان السفارد يُبقون مسافة اجتماعية واسعة بينهم وبين الإشكناز، ويحاولون تأكيد نقط الاختلاف بين الفريقين. وقد كتب المفكر اليهودي السفاردي إسحق دي بنتو رسالة إلى فولتير يبين له فيها أن السفارد لا يتزاوجون مع الإشكناز، وأن لهم معابدهم المستقلة، وأن أزياء السفارد لا تختلف عن أزياء الأغيار على عكس الإشكناز، وأن أثرياء السفارد يتسمون بالتحضُّر ولا يختلفون عن الأغيار إلا في الدين. وختم دي بنتو خطابه بقوله: «لو تزوج سفاردي من إشكنازية، فإنه يفقد كل حقوقه ويُطرَد من المعبد اليهودي السفاردي ويُستبعَد تماماً من الجماعة السفاردية ولا يُدفَن في مدافنهم» . وفسَّر دي بنتو هذا الاختلاف على أساس عرْقي، فالإشكناز لا تجري في عروقهم دماء يهودية نقية، أما السفارد فهم من نسل كبار أسرة قبيلة يهودا الذين أرسلوا إلى إسبانيا أثناء التهجير البابلي.

وإذا كانت المسألة اليهودية مسألة إشكنازية، فإن الحركة الصهيونية هي الأخرى حركة إشكنازية. بل إن جميع الظواهر اليهودية الحديثة تبلورت في صفوف الإشكناز، فالحسيدية نشأت في بولندا وانتشرت منها، والإصلاح الديني بدأ في ألمانيا وتبعه تزايد معدلات الاندماج والانصهار. وقد كان المؤتمر الصهيوني الأول يضم وفوداً إشكنازية بالدرجة الأولى. بل إن السفارد الذين حضروا، كانوا من بلاد أوربية مثل بلغاريا أو فرنسا. وظل الاستيطان الصهيوني (أساساً) استيطاناً إشكنازياً. ومن ناحية أخرى، فإن مصطلح «يهودي» كان يعني في الأدبيات الصهيونية الأولى «الإشكنازي» . ولا تزال النخبة الحاكمة في إسرائيل إشكنازية، كما أن المؤسسات الأساسية (مثل الكيبوتس) كلها إشكنازية. والواقع أن هذه المؤسسات تحاول أن تحافظ على توجه الدولة الإشكنازي، لكن العنصر اليهودي الإشكنازي في الدولة الصهيونية قد أصبح، مع ذلك، أقل من 50% بسبب هجرة اليهود السفارد واليهود الشرقيين. ويَتجلى التوتر الحاد، بين اليهود الشرقيين والسفارد من جهة والإشكناز من جهة أخرى، في إشارة الأولين إلى الآخرين باعتبارهم «أشكي نازي» . ويُقال إن الاهتمام المحموم، من جانب المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، بالهجرة السوفيتية لا يعود إلى حاجة المُستوطَن الصهيوني إلى مادة بشرية قتالية وحسب وإنما إلى حاجته إلى مادة إشكنازية على وجه التحديد تُوازن العنصر الشرقي السفاردي، بعد أن انخفض عدد اليهود الغربيين في الدولة الصهيونية إلى أقل من النصف.
اليهود الغربيون
‏Western Jews

«اليهود الغربيون» مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى اليهود الذين هاجروا من العالم الغربي إلى إسرائيل. ولما كانت أغلبيتهم من الإشكناز، أي من يهود بولندا ذوي الأصول الألمانية، فإن مصطلح «اليهود الغربيون» أصبح مرادفاً لمصطلح «الإشكناز» . ولكن مصطلح «اليهود الغربيون» يظل (مقابل «اليهود الشرقيون» ) هو المصطلح الأدق والأشمل لأنه يشير إلى الانتماء العرْقي والحضاري والإثني لهؤلاء اليهود، في حين نجد أن مصطلح «الإشكناز» تداخله أبعاد دينية تطمس معالمه وتجعله أداة غير دقيقة. فيهود هولندا يُشار إليهم بلفظ «إشكناز» ، مع أن بعضهم يتبع التقاليد السفاردية في العبادة. وأغلبية اليهود الغربيين من يهود اليديشية (يهود شرق أوربا) ، إلا أنهم فقدوا هويتهم اليديشية هذه وأصبحت أغلبيتهم تتحدث الإنجليزية (في الولايات المتحدة وإنجلترا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا) وبقيتهم تتحدث لغات بلادهم. كما أن هناك جماعات من يهود الغرب، مثل: يهود اليونان (الرومانيوت أو الجريجوس) ، ويهود إيطاليا، ويهود جورجيا. لكن هؤلاء الغربيين لا ينتمون إلى التشكيل الإشكنازي (إن صح التعبير) من قريب أو بعيد. واليهود الغربيون في إسرائيل هم الأقلية العرْقية والحضارية المسيطرة على الحكومة والجيش والأحزاب والاقتصاد وعلى التوجه الحضاري العام، وهو ما يسبب حالة اغتراب شديدة لليهود الشرقيين، ويعمق الفوارق الاجتماعية. ويُلاحَظ أن مصطلح «اليهود الغربيون» مصطلح حضاري ثقافي، ومن ثم يُشار إلى يهود جنوب أفريقيا بوصفهم غربيين، مع أن أفريقيا جزء من الشرق.
اليهود الشرقيون
‏Oriental Jews

«اليهود الشرقيون» مصطلح كان يُطلَق على نسل أولئك اليهود الذين اتجهوا، عندما غادروا فلسطين قديماً، إلى العراق وإيران وأفغانستان وشبه الجزيرة العربية ومصر وبلدان شمال أفريقيا، وعلى يهود القوزاق (يهود جورجيا والجبال) . ولكنه يشير الآن، في التجمع الاستيطاني الصهيوني، إلى اليهود الذين لا ينحدرون من أصل غربي، وقد أصبح لفظ «سفارد» مرادف للفظ «شرقيين» لأن معظم اليهود الشرقيين، في البلاد العربية على وجه الخصوص، يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة. ولكن مصطلح «سفارد» غير دقيق، فبعض اليهود الغربيين في هولندا وإنجلترا وإيطاليا من السفارد. كما أن الحسيديين يتبعون بعض التقاليد السفاردية في العبادة. لذا، يجب أن نستخدم مصطلح اليهود الشرقيين باعتبار أنه الكل الذي يضم معظم السفارد كجزء، وهذا الكل يضم يهود الفلاشاه ويهود الهند وغيرهم، وباعتبار أن مصطلح اليهود الشرقيين ذو مضمون طبقي عرْقي ثقافي مُتعيِّن، على عكس مصطلح «سفارد» ذي المضمون الديني غير المُحدَّد. كما يُستخدَم مُصطلَح «اليهود الغربيون» للإشارة إلى كل يهود الغرب.

ويبدو أن مصطلح «الشعب اليهودي» يستبعد هؤلاء الشرقيين على مستوى فعلي، وذلك بعد أن كان يستبعدهم اسماً وفعلاً في الماضي. فاليهود الشرقيون، وغيرهم من أعضاء الجماعات، يهود بشكل عام وأعضاء في «الشعب اليهودي» ماداموا في الخارج. ولكنهم حينما يصلون إلى إسرائيل، يصبحون مغاربة أو مصريين، وتتحدد مكانتهم الاجتماعية بل ووضعهم الطبقي حسب هذا التصنيف. ويلجأ بعض يهود المغرب العربي إلى ادعاء أنهم من أصل فرنسي حتى يُحسِّنوا صورتهم أمام الآخرين. وهذا يعني أن النقطة المرجعية لإدراكهم لأنفسهم ولغيرهم ليس الهوية اليهودية المجردة وإنما هويات يهودية مختلفة. ويُلاحَظ أن مصطلح «يهود شرقيون» مصطلح ذو بُعد حضاري ثقافي. ومن ثم، يُشار إلى يهود جنوب أفريقيا بأنهم غربيون نظراً لانتمائهم إلى تشكيل حضاري غربي هو الجيب الاستيطاني الأبيض في جنوب أفريقيا. وتُصِّر النخبة الحاكمة في الدولة الصهيونية على الطبيعة الغربية (الإشكنازية) للدولة. وقد صرح شاعر الصهيونية الأكبر نحمان بياليك، وهو إشكنازي من يهود اليديشية، بأنه يكره العرب لأنهم يُذكِّرونه باليهود الشرقيين. ولعل خوف النخبة الإشكنازية من العزلة الحضارية هو ما يدفعها إلى إثارة الحروب من آونة إلى أخرى في المنطقة حتى لا يندمج الشرقيون في المحيط الحضاري العربي، فهم في حقيقة الأمر، ينتمون حضارياً وعرْقياً إلى هذه المنطقة. ولو تَحقَّق مثل هذا الاندماج، لوجدت النخبة الحاكمة الإشكنازية نفسها في موضع الأقلية مرة أخرى، وهو الأمر الذي خططت هذه النخبة وأنفقت كل أيامها من أجل الهرب منه. وعلى كلٍّ، فقد تحولت الأغلبية الإشكنازية إلى أقلية عددية، ولكنها لا تزال تملك ناصية الأمور وتحتكر صنع القرار.

وفي إطار هذا التصوُّر، يمكننا فهم الحملات الصهيونية التي وُجِّهت ضد الاتحاد السوفيتي (سابقاً) للسماح لليهود السوفييت بالهجرة، فهي محاولة من جانب الإشكناز لاستعادة التوازن العرْقي والحضاري داخل إسرائيل لصالحهم، خصوصاً أن الهجرة من أوربا قد توقفت، كما أن نسبة التوالد بين الشرقيين أعلى منها لدى الإشكناز. ولكن الهجرة من روسيا وأوكرانيا تثير من المشاكل أكثر مما تحل. فالمهاجرون الروس والأوكرانيون يُعامَلون معاملة خاصة لتشجيعهم، إذ أن هجرتهم غير عقائدية وتأتي في سياق بحثهم عن مكاسب اقتصادية لم يجدوها في وطنهم الأم. لكن هذه المعاملة الخاصة تثير حفيظة الشرقيين، وتُصعِّد حدة التناقض بين «الأمتين» (وهو المصطلح المُستخدم في إسرائيل للإشارة إلى الإشكناز من جهة وغير الإشكناز [من السفارد والشرقيين] من جهة أخرى) . ويُقال إن علم الاجتماع الإسرائيلي يُؤثر، في الوقت الحالي، استخدام هذا المصطلح باعتباره مصطلحاً تحليلياً وصفياً للوضع القائم في إسرائيل. وتوجد أحزاب سياسية وقوائم انتخابية في المُستوطَن الصهيوني تحاول جميعاً تمثيل مصالح اليهود الشرقيين، ومن بين هذه القوى حزب تامي وحزب شاس الديني.
ورغم أن اليهود الشرقيين يشكلون أقلية بين يهود العالم (كانت لا تتجاوز 10% عند بدء الحركة الصهيونية في نهاية القرن الماضي) إلا أن عددهم يزيد عن 55% بسبب تدفقهم على الدولة الصهيونية وازدياد معدل الزيادة الطبيعية.
اليهود المستعربة
‏Arabized Jews

«اليهود المستعربة» هم يهود البلاد العربية الذين اكتسبوا خصائص الحضارة العربية فأصبحوا عرباً، وهم أغلبية يهود العالم العربي، ولا سيما قبل دخول الاستعمار الغربي الذي فرنج عدداً منهم. وهم يُسمَّون خطأ «السفارد» . والواقع أن كثيراً منهم يتبع المنهاج السفاردي في العبادة، ولكن هذا لا يجعلهم من السفارد بالمعنى الإثني، الذي لا ينطبق إلا على اليهود الذين خرجوا من إسبانيا والذين ينتمون إلى أولئك الذين كانوا يتحدثون اللادينو ومنهم المارانو (أو البرتغاليون) . واليهود المستعربة جزء ممن نُطلق عليهم الآن مصطلح «يهود الشرق
الصابرا: جيل ما قبل عام 1967
‏Sabra: Pre 1967 Generation

«صابرا» كلمة عبرية مُشتقَّة من الكلمة العربية «الصبار» أو «التين الشوكي» ، وقد تَردَّد المصطلح بمعناه الاجتماعي، لأول مرة، في أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة حيث أطلق في مدرسة هرتزليا الثانوية في تل أبيب على التلاميذ اليهود من مواليد فلسطين والذين كانوا يُحسّون نقصاً حيال أقرانهم الأوربيين الأكثر تَفوُّقاً في الدراسة مما كان يجعلهم يلجأون إلى تعويض هذا الشعور بتَحدِّي هؤلاء الأوربيين بنوع من النشاط الخشن يرد لهم اعتبارهم. وقد تمثل ذلك النشاط في الإمساك بثمرات التين الشوكي وتقشيرها بالأيدي العارية، وهي مهارة يدوية تأتي بالمران والممارسة وليس من خلال الدراسة الفكرية. وقد أصبحت كلمة «الصابرا» تُطلَق اسماً على كل يهودي يُولَد في فلسطين. ومن المصطلحات الأخرى المرتبطة بها كلمة «شوتسباه» اليديشية التي تشير إلى مجموعة من الصفات مثل الجرأة الزائدة، التي قد تصل إلى حد الوقاحة، والسذاجة المختلطة بالذكاء. وحسب الرؤية الإسرائيلية الشائعة، فإن جيل الصابرا يتسم بالشوتسباه، أي الجرأ الزائدة هذه. ومن صفات الصابرا أيضاً ما يُسمَّى «تسيفتسوف إيحاد جادول» ، وهي عبارة عبرية تعني «تصفيرة واحدة كبيرة» ، وتشير إلى مقدرة جيل الصابرا على أن يسخر من كل المشاكل ويقابلها بهذه التصفيرة. ويُشار إلى لغة الصابرا بأنها لغة «الدوغري» ، وهي كلمة عامية مصرية شائعة معناها «مباشر ولا يحب اللف أو الدوران» .

ومصطلح «الصابرا» ، والمصطلحات المرتبطة به، تؤكد صفات مُحدَّدة في شخصية صاحبها، أي أبناء المستوطنين الصهاينة الذين وُلدوا ونشأوا في فلسطين، ومن أهمها معاداة الفكر والمقدرة على التعامل مع الواقع بشكل مباشر. وهذه الصورة موضوع أساسي كامن في الفكر الصهيوني الذي يَصدُر عن نقد ما يُسمَّى «شخصية يهود المنفى» ، باعتبارهم شخصيات مريضة ضعيفة هزيلة حزينة شاحبة منغلقة هامشية قلقة يغمرها الإحساس بالذنب ولا تسيطر بأية حال على مستقبلها أو مصيرها مما يُسمَّى في الأدبيات الصهيونية «العجز وانعدام السيادة وممارسة السلطة» . وكانت الصهيونية تطرح فكرة تطبيع الشخصية اليهودية، أي جعل اليهود شخصيات طبيعية عن طريق الاستيطان في فلسطين وأداء أعمال يدوية، وعدم الاعتماد على العمالة غير اليهودية، باعتبار أن هذه العملية ستؤدي في نهاية الأمر (حسب التصور الصهيوني) إلى نفي الدياسبورا، أي القضاء على الجماعات اليهودية في الخارج. وقد طرح الصهاينة ما سمّوه «اليهودي الخالص» ، وهو اليهودي مائة بالمائة الذي يُجسِّد القيم الصهيونية الجديدة، بديلاً ليهودي المنفى. وكان من المُتوقَّع أن يكون المُستوطن الصهيوني هو آخر يهود المنفى وأول اليهود الخُلَّص الذين لا تشوبهم شائبة من عالم الأغيار، وهذا هو ما عبَّروا عنه في قولهم: "فلتكن آخر اليهود وأول العبرانيين". وقد تنبأ الشاعر الصهيوني نحمان بياليك بتطبيع اليهود، وأنهم سيصلون إلى هذا المستوى حين تظهر أول بغيّ عبرية، وأول لص عبري في فلسطين!

وأخذ المستوطنون يحاولون وَضْع هذه الرؤية موضع التنفيذ بحيث يصبح الإنسان العبراني الجديد نقيض يهود المنفى. وكما قال الشاعر الإسرائيلي تسفي جرينبرج في قصيدة له: "الأمهات اليهود أحضرن أطفالهن إلى الشمس ليحترق الدم الذي يجري في عروقهم ويزداد حمرة، بعد أن بهت في الجيتو وعالم الأغيار! ". والإنسان الجديد هو الصابرا؛ هذا الإنسان العبراني المعادي للفكر، القوي البسيط المباشر الذي يرفضه يهود المنفى ولا يفهم هو سلوكهم أو خضوعهم. والصابرا يدين بالولاء لدولته القومية ولا يعاني من أي ازدواج في الولاء، ويحب أن يسير مع الجماعة (وقد جاء في إحدى القصائد الإسرائيلية أن الصابرا، حينما يحلم، يحلم بضمير جمع المتكلمين) ولا ينفصل عنها (جاء في إحدى النكات الإسرائيلية أن عضواً في الكيبوتس قد تركه أصدقاؤه بمفرده، ففكر في الانتحار، وحاول ذلك بالفعل، ولكنه فشل لأنه كان بمفرده) . والصابرا لا يؤمن بالدين، فقد تمت علمنته بشكل كامل على النمط الأوربي، كما أن هويته العبرانية هوية قومية مرتبطة بالأرض لا بالقيم الدينية. وهو، علاوة على كل هذا، شخصية منتجة - حسب التصوُّر الصهيوني - تتحكم في مصيرها. وينعكس كل هذا في الأبعاد العسكرية لشخصيته، ولذا نجد أن ذروة هذه الشخصية وأقصى تَحقُّق لها هو الكيبوتسنيك، أي عضو الكيبوتس الذي لا ينتمي إلى أسرة مُحدَّدة ويعيش في مجتمع شبه زراعي شبه عسكري في بيئة مختلفة تماماً عن الجيتو.

وقد وصف عالم الاجتماع الفرنسي جورج فريدمان أفراد هذا النموذج الجديد بأنهم "أغيار يتحدثون العبرية"، فهم يتسمون بكل سمات الأغيار، ومنها معاداة اليهود، ولا يختلفون عنهم إلا في اللغة. وقد أشار آرثر كوستلر إلى النموذج الجديد باعتباره "طرزاناً يهودياً"، أي إنساناً طبيعياً مجرداً من التاريخ والقيم يعيش بقيم الغابة الغربية الداروينية، ولم يبق له من اليهودية سوى الشكل، أي أنه علماني تماماً. ويُشار إليه أحياناً بوصفه «سوبرمان يهودي» قياساً على سوبرمان أو بطل نيتشه الأرقى الذي يُمجِّده الفكر النازي والصهيوني. وبالفعل، نجد أن الصابرا يُجسِّد مجموعة من القيم النيتشوية التي تُعلي من شأن القوة والفعل مقابل الضعف والفكر.
ولكن هذه الرؤية المختلة للذات، والتي لا تستند إلى التاريخ، تحوي داخلها عدة تناقضات نوجزها فيما يلي:
1 - صورة يهود المَنْفَى صورة كاريكاتورية ساذجة للغاية لا تُعبِّر عن ثراء حياتهم أو عن إنجازاتهم الحقة أو عن تواريخهم المتنوعة، وخصوصاً أن تواريخ اليهود التي يُشار إليها باعتبارها «التاريخ اليهودي» لم تأخذ مسارها في أرض فلسطين وإنما خارجها في المَنْفَى.
2 - حينما يلجأ أبناء جيل الصابرا إلى رَفْض يهود المَنْفَى، فإنهم يرفضون الماضي الوحيد الذي يمكن أن تستند هويتهم إليه، إذ لا يمكن إدراك الهوية دون ماض. ويُقال إن من صور الصابرا الأساسية المتواترة في الأدب الإسرائيلي أنه جيل يتيم لا أب له؛ طفل أزلي غير قادر على النضوج لأنه لا يتفاعل مع الماضي.
3 - ومع أن جيل الصابرا يرفض اليهود واليهودية، فإن مشروعه الصهيوني يهدف إلى إنشاء دولة يهودية لحماية اليهود ولتحقيق الهوية اليهودية والجوهر اليهودي. ومعنى ذلك أن شرعية وجوده في فلسطين، والأساس الأخلاقي لطَرْد سكانها، يستندان إلى أساس يهودي افتراضي: رؤى دينية (أو إثنية) يهودية مثل الميثاق أو أرض الميعاد.

وقد تبدَّت هذه التناقضات في شكل تناقص إحساس الصابرا بيهوديتهم. فحين تم استطلاع رأي جيل الصابرا (بعد إنشاء الدولة) ، وُجد أن لديهم إحساساً شديداً بهويتهم المُخلَّقة الجديدة تأخذ شكل اعتزاز شديد بالنفس واحتقار عميق ليهود العالم، وخصوصاً أن الملايين التي كان من المفترض قدومها للاستيطان في الأرض المحتلة آثرت البقاء في أوطانها التي يُشار إليها بلفظ «المَنْفَى» . كما أفاد الاستطلاع أن الرؤية المباشرة المعادية للفكر عند الصابرا تبدَّت في صورة رَفْض للفكرة الصهيونية ذاتها، وذلك باعتبار أن الصهيونية ليست تجربة وجودية حية وإنما مجرد نظرية تُعبِّر عن استجابة يهود المَنْفَى لعالم الأغيار وعن تطلعاتهم للخلاص منه وبرنامج لإصلاحهم وتطبيعهم، الأمر الذي لا ينطبق على الصابرا الذين يعيشون واقعهم الجديد. أما معاداة اليهود، إحدى ركائز الصهيونية، فهي بالنسبة للصابرا محض ذكريات الآباء والأجداد، لا يشاركون هم فيها. بل إن الفرد من جيل الصابرا، حينما ينظر إلى هذه الذكريات أو «الماضي اليهودي» ، لا يُبدي سوى الازدراء له لاقترانه بالضعف والسلبية، فهو لا يقبل مثلاً سلوك الستة ملايين الذين يُزعَم أنهم أبيدوا بغير مقاومة على يد النازيين.

لكل هذا، أصبح الصابرا، من منظور القائمين على المجتمع الصهيوني، مرادفاً للتَحلُّل العقائدي ولازدياد الشك والنزعة العلمية على حساب الالتزام العقيدي. ومن هنا، بدأت عملية إعادة تثقيف، أخذت شكل التأكيد على الإبادة النازية لليهود، وبالذات عناصر المقاومة اليهودية، والتأكيد على ما يُسمَّى «المصير اليهودي المُشترَك» الذي يربط اليهود بعضهم ببعض أينما كانوا. كما تم تقرير مادة تُسمَّى «الوعي اليهودي» في المدارس حتى لا يبتعد جيل الصابرا تماماً عن الجذور اليهودية التي رفضتها الصهيونية. ولكن هذه المحاولة التخليقية، التي ترمي إلى الحفاظ على صهيونية العبراني الجديد، قابلت هي الأخرى عدة صعوبات من أهمها أن تطبيع المجتمع الإسرائيلي أدَّى إلى تَبنِّي جيل الصابرا قيماً علمانية أمريكية برجماتية ترفض الماضي وأية عقيدة أو نظرية، الأمر الذي عمَّق رفضهم الفكر النظري أو العقائدي، وإلى انتشار ما يُسمَّى بعقلية «روش قطان» وهي عبارة عبرية تعني «الرأس الصغير» وتشير إلى الإنسان العلماني الاستهلاكي الذي يهتم بمصالحه الخاصة ولا يهتم بالأهداف القومية (ولذا، فإن معدته كبيرة ورأسه صغير) . كما أن أزمة الصهيونية، داخل وخارج المستوطَن الصهيوني، تجعل بعث هذه العقيدة، التي لم تَعُد تَصلُح دليلاً للعمل، مهمة صعبة. ولكل هذا، يزداد الانصراف عن الصهيونية كعقيدة. وقد انعكس هذا الاتجاه البرجماتي الاستهلاكي العملي في تزايد معدلات العلمنة الشاملة وتَقبُّل قيم المنفعة واللذة بين الإسرائيليين، وزيادة أمركة المجتمع الإسرائيلي، فأصبحت الدولة الاستهلاكية العظمى في الغرب (الولايات المتحدة) هي المثل الأعلى لا الدولة الصهيونية الصُغرَى في فلسطين المحتلة. ومن هنا، تَزايُد نزوح الأفراد من جيل الصابرا عن إسرائيل، بل تم تَقبُّل قرار النزوح اجتماعياً بعد أن كانت تلك مسألة مرفوضة تماماً تشبه الخيانة القومية. وقد أدَّى هذا إلى ظهور ما

يُسمَّى «الدياسبورا الإسرائيلية» حيث هناك مئات الألوف من المرتدين أو النازحين الإسرائيليين من جيل الصابرا أو غيرهم (ويُقال إنهم يبلغون 700 ألف، أي أكثر من سكان التجمُّع الصهيوني عند إعلان الدولة، وحسب بعض الإحصاءات يبلغ عددهم مليونًا) . وعلى المستوى العملي، يتضح هذا الاتجاه البرجماتي المعادي للصهيونية بكل جلاء في واقع أن كثيراً من الصابرا لا يعتبرون الولايات المتحدة جزءاً من المنفى بل وطناً قومياً ثانياً!

وإلى جانب هذا، تُوجَد في الوقت الحاضر عناصر أخرى في تجربة جيل الصابرا تدفعه أيضاً بعيداً عن الصهيونية، لا إلى الاستهلاكية والبرجماتية والتأمرك فقط وإنما إلى أحضان الماضي اليهودي الذي كان يهرب منهم وكانوا هم يرفضونه بحثاً عن الجذور (بالإنجليزية: روتس roots) ، وهذا ليس بعودة إلى الماضي، وإنما عودة إثنية إلى الذات الإثنية القومية! ومن أهم هذه العناصر، تفاقم أزمة العلمانية الشاملة في التجمُّع الصهيوني وظهور أزمة هوية بصورة حادة. فالصابرا بدون تاريخ هو في نهاية الأمر بدون هوية. كما أن الصابرا، هذا العلماني الشامل البرجماتي، يجد نفسه في دولة كل ما فيها رموز دينية، مثل نجمة داود والمينوراه، وحتى الاسم «يسرائيل» معناه «المدافع عن الإله» . كما يجد نفسه مضطراً لأن يخوض حروباً باسم هذه القيم الدينية التي يُفترض فيه أنه لا يؤمن بها إلا باعتبارها فلكلورًا شعبيًا! وقد آتت مادة «الوعي اليهودي» أكلها، إذ بدأ بعض أعضاء جيل الصابرا يدركون عناصر هذا الماضي ويفهمونها في سياقها. ومن ثم بدأوا ينظرون إلى عالم المَنْفَى بشيء من الإعجاب وبكثير من الشك في شخصية الصابرا المجردة التي لا جذور لها ولا تراث. وقد كان يهودي المَنْفَى - حسب هذه الرؤية - ذا هوية حدودها واضحة مُتعيِّنة على الأقل، وله لغته وثباته وتراثه. كما كانت الجماعة اليهودية تتسم بالتماسك الشديد والتضامن، على عكس المجتمع الصهيوني الذي يفتقد الهوية الواضحة وتُفتِّته النزعات الحزبية ويفتقد الاجماع القومي في الوقت الحاضر. (فكَّر سكان الكيبوتسات بالفعل في ذلك الوقت في الطرق المختلفة للانتحار) .

كما بدأ موقف أبناء جيل الصابرا يتغيَّر من الإبادة النازية (قصة الفشل اليهودي الأكبر) إذ بدأوا يسألون: هل كان بوسع اليهود أن يفعلوا شيئاً أمام قوة النازي وسطوته؟ ويجرى الآن طرح السؤال التالي: لو وصل روميل إلى فلسطين، هل كان بمقدور المستوطنين أن يفعلوا شيئاً سوى الاستسلام أو الانتحار؟
ومما عقد الأمور أن أزمة الصهيونية رافقها نجاح يهود المَنْفَى (وبخاصة في الولايات المتحدة) من إنجازات اقتصادية وثقافية واندماج في مجتمعاتهم وحراك طبقي وثقة بالنفس، وهو نجاح أدَّى إلى أن الدولة الصهيونية وجدت نفسها معتمدة في بقائها على هؤلاء الذين ترفضهم من الناحية العقائدية أو تطلب تصفيتهم.

لكل ما تَقدَّم، تزايد ارتباط بعض أعضاء جيل الصابرا في الآونة الأخيرة بيهود المَنْفَى، فوجدوا أنفسهم يعودون إلى شبكة المصير اليهودي والتراث اليهودي. والعودة هنا ليست عودة إلى الصهيونية وإنما إلى شيء يتصورونه أكثر عمقاً، عودة إلى ما يتصورن أنه «التراث اليهودي» ، فظهر ما يُسمَّى الاتجاه «اليهودي» الجديد، لا «الصهيوني» الجديد، ومن هنا كان النظر بإعجاب إلى عالم المنفى وتراثه الثقافي واللغوي، والواقع أن هذا الموقف يُناقض الموقف الصهيوني الذي ينطلق من رفض هذا العالم وهذا التراث. كما أنهم بدأوا يتحدثون اليديشية، ويرفضون عبرنة أسمائهم، ويطلقون لحاهم وأحياناً سوالفهم. لكن العودة إلى التراث والجذور والسلف رد فعل لتعاظم العلمنة بكل ما تؤدي إليه من اغتراب وتَبعثُّر (وإن كان اغتراب المستوطن الصهيوني أعلى كثيراً من اغتراب الفلاح الهندي الذي ينتقل إلى المدينة مثلاً، ومن هنا حدة استجابة الصابرا) . وحينما يتحدث الصابرا عن «التراث اليهودي» ، فهم يتحدثون، عادةً، عن تجربة يهود اليديشية في شرق أوربا (في الشتتل وفي منطقة الاستيطان) لا عن تجربة اليهود السفارد أو يهود العالم الإسلامي. وقد أخذ هذا الاتجاه نحو التراث يتمثل في تَبنِّي القيم الدينية الأرثوذكسية كمصدر من مصادر الشرعية والهوية. ومن أهم شخصيات جيل الصابرا الممثل يوري زوهار الذي عبَّر عن كل سمات جيل الصابرا بشكل متبلور فكان يرتدي الصندل ويسير دون أن يأبه بالقيم أو التراث. وبالتدريج، أخذ زوهار في التحول، فلبس قبعة اليرملك ثم أطلق سوالفه ولحيته حتى أصبح في هيئة الحسيديين في الشتتل. ومن الصابرا من ينضم إلى الجماعات اليهودية الأرثوذكسية التي ترفض الدولة، وترى أن حالة المَنْفَى نهائية لا تصل إلى نهايتها إلا حين يأذن الإله وذلك حتى لا يرتكب جريمة «دحيكات هاكتس» ، أي «التعجيل بالنهاية» ، أي أن الصابرا الذي كان يرفض يهود المَنْفَى ويهرب منهم ينتهي به

الأمر في الآونة الأخيرة إلى معانقتهم والهرب إليهم!
ومن المهم جداً أن نشير إلى أن الدراسات السكانية الإسرائيلية، في تصنيفاتها لسكان التجمُّع الإسرائيلي، تعترف بالفروق العرْقية والإثنية بين اليهود المولودين في فلسطين والمهاجرين إليها. إلا أنها، مع هذا، تحاول إنكار وجود مثل تلك الفروق بين الأبناء المولودين في فلسطين، وذلك بوضعهم جميعاً تحت اسم «الصابرا» . ويتسق ذلك مع حديث علماء الاجتماع وعلم النفس الإسرائيلي عن الصابرا باعتبارها كتلة واحدة متسقة لها خصائصها النفسية والاجتماعية المُوحَّدة. ومثل ذلك الموقف يعني تجَاهُلاً تاماً لحقيقة أن أساليب التنشئة الاجتماعية (طرق التربية) التي يمارسها المهاجرون تتباين تبعاً لأصولهم الحضارية. وبالتالي، فإن تكوينات هؤلاء الأطفال النفسية لابد أن تتباين، ولفترة طويلة تبعاً لتباين أساليب التنشئة الاجتماعية التي اتُبعت معهم. ومن هنا، فإن تعبير «الصابرا» يخدم في نهاية الأمر هدفاً سياسياً صهيونياً هو الإيهام بأن الصهر الاجتماعي لمختلف أصول اليهود الحضارية قد تَحقَّق في إسرائيل وتَمثَّل في جيل جديد هو جيل الصابرا الذي تتلاشى فيه مثل هذه الفروق الحضارية. وعلى أية حال، فإن استقراء الكتابات الإسرائيلية في هذا الصدد بشكل دقيق يكشف عن أن الحديث عن الصابرا يَنصَبُّ عملياً على أولئك المنتمين إلى أصول إشكنازية فحسب. وكما قال الكاتب الإسرائيلي شيمون بلاس (من أصل عراقي) ، فإن كلمة «صابرا» لا تشير من قريب أو بعيد إلى يهود الشرق. ويوافقه في هذا ميلفورد إسبيرو حيث يرى في دراساته أن أهم ما يميِّز الصابرا من أبناء الكيبوتسات هو كراهية الغرباء عامة، والمهاجرين من العالم الإسلامي على وجه الخصوص، إذ ينظرون إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية، ويُطلقون عليهم لفظ «شحوريم» أي «السود» . كما أن هناك عدداً من الدراسات الأخرى تؤكد على أن أخطر ما يزعج الصابرا هو ارتفاع معدل تكاثر

اليهود الشرقيين، وهم يرون في ذلك أمراً يمكن أن يدفع بإسرائيل إلى أن تصبح شعباً متخلفاً أسود البشرة.
وتزداد أهمية الصابرا (بمعنى المولودين داخل إسرائيل) في استمرار تزايد نسبتهم إلى إجمالي السكان، فبينما لم تتجاوز نسبة الصابرا إلى إجمالي السكان 34% عام 1962، وصلت هذه النسبة عام 1964 إلى 39.4%. وقد استمرت هذه الزيادة في التصاعد بسبب انخفاض معدلات الهجرة الشرقية والغربية على السواء، وهو ما جعل التركيب السكاني عام 1989 مختلفاً تمام الاختلاف حتى أن نسبة المولودين داخل إسرائيل تصل إلى 64% من إجمالي سكان إسرائيل اليهود، أي أن الصابرا قد وصلت إلى حد التكافؤ مع العناصر المهاجرة الشرقية والغربية مجتمعة (وإن كانت هجرة اليهود من روسيا وأوكرانيا غيَّرت الصورة قليلاً فقد وصلت النسبة إلى 60%عام 1991) ، مع العلم بأن مصطلح «المولودون داخل إسرائيل» أصبح يشير إلى المواليد من أصل غربي أو شرقي ولا يميِّز بينهما.
وقد نتج عن ازدياد إسهام الصابرا في التكوين السكاني، عاماً بعد عام، أمران في غاية الأهمية، أولهما: ظهور ما يُطلَق عليه «الوطنية الإسرائيلية» مقابل «القومية اليهودية» ، بمعنى أن معظم سكان إسرائيل لا يعرفون الآن وطناً آخر لهم، ومن ثم، فهم لا يشعرون إطلاقاً بأي إحساس بالذنب إزاء ما وقع للفلسطينيين من اغتصاب أرضهم وطردهم منها. والأمر الثاني: ارتفاع نسبة من هم في سن الإنتاج والقتال بالنسبة إلى إجمالي السكان، وهو ما يترتب عليه استمرار بل تَصاعُد روح المخاطرة والتطلع إلى التوسع والسيطرة على المنطقة. وعلى أية حال، فإن ارتفاع نسبة العلمنة والاستهلاكية قد حيَّد هذا العنصر إلى حدٍّ ما. ومع هذا لابد أن نأخذ في الاعتبار التركيب النفسي لجيل الشباب (كما يُبيَّن مدخل «جيل ما بعد 1967 [أو أزمة الخدمة العسكرية» ] ) .
حركة الكنعانيين
‏Canaanite Movement; Semitic Action

«حركة الكنعانيين» حركة سياسية ثقافية ذات نظرة خاصة لما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . بدأت نشاطها في الأربعينيات في فلسطين. وينطلق دعاتها من أسطورة مفادها أن اليهود عندما عادوا من مصر إلى أرض كنعان لم يجدوا قبائل معادية لهم أو مختلفة عنهم من الناحية العرْقية، وإنما وجدوا شعباً يتكلم العبرية ويُشبههم في الملامح والخصائص البدنية، ولذلك فإن اليهود أو العبرانيين ليسوا إلا كنعانيين وما الإسرائيليون المحدثون سوى «الكنعانيين الجدد» ، وبهذا تكون للأمة الإسرائيلية الجديدة جذور راسخة في الأرض الفلسطينية، وهي جذور تمتد إلى العبرانيين القدامى قبل أن تنتشر بينهم اليهودية، وهم بهذا يؤكدون وحدة الشعب الإسرائيلي وتربة فلسطين، أو كما يقول يتسوري (الذي اشترك في اغتيال اللورد موين في القاهرة عام 1934) : «نحن لسنا صهاينة، نحن الأبناء الطبيعيون لتربة إسرائيل» .
وعن طريق تأكيد هذه الوحدة، يُسقط الكنعانيون من حسابهم تراث يهود الدياسبورا (أعضاء الجماعات اليهودية في العالم) بل والتراث اليهودي كله، فيهود الدياسبورا ـ حسب تَصوُّرهم ـ ليست لهم أية سمات قومية متميِّزة، فلغتهم وأنماطهم الثقافية وجنسيتهم أو مواطنتهم، تنتمي جميعاً إلى البلدان التي يعيشون فيها، فهم من البولنديين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولهذا السبب فإن لهم أثراً ضاراً على الإسرائيليين لأنهم يعوقون تَطوُّر الأمة العبرانية الجديدة. وهذه الأمة الجديدة تتكون من كل المولودين في إسرائيل، حتى ولو كانوا مسلمين أو مسيحيين، شريطة أن يَتقبَّلوا الهوية الكنعانية الجديدة.

ويمكن القول بأن فكر حركة الكنعانيين هو تعبير عن وجهة نظر إسرائيلية تختلف عن وجهة النظر الصهيونية، فهو تعبير متطرف عن إحساس جيل الصابرا باختلافهم عن يهود العالم وانفصالهم النفسي والثقافي والعرْقي عنهم. ولعل أهم نقط الاختلاف بين وجهتي النظر تتلخص في محاولة الكنعانيين التملص من التصور الصهيوني لما يُسمَّى «الشعب اليهودي» و «القومية اليهودية» ذات الأبعاد الدينية القومية، فالكنعانيون يحاولون إضفاء شيء من السواء على الظاهرة الإسرائيلية عن طريق إلغاء الجانب الديني من المقدَّسات القومية الإسرائيلية والإبقاء على الجانب القومي وحده، آملين أن يتحوَّل النمط الإسرائيلي عن طريق ذلك إلى نمط قومي عادي يشبه بقية الأنماط القومية المعروفة، أي أن فكرة الشعب المختار صاحب الحقوق المطلقة وموضع الحلول الإلهي والذي يضم اليهود أينما كانوا تحل محلها فكرة الشعب الإسرائيلي الموجود في الشرق الأوسط في فلسطين والذي له حقوق قومية عادية. وإذا كان المفكر الصهيوني يتباهى عادةً بأن الشعب اليهودي لا يُصنَّف، فإن الكنعانيين يؤكدون أنهم أمة مثل كل الأمم. ويؤمن الكنعانيون بأن أمامهم بديلين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا آخر اليهود أو أن يكونوا بداية لأمة جديدة (على حد قول بيرديشفسكي) وهم يفضلون البديل الثاني. ولذلك فالكنعاني يؤمن بأن الدولة الجديدة هي نهاية المنفى والجيتو بل ونهاية اليهودية ذاتها، وأن أية سمات «يهودية» للدولة الجديدة هي سمات متخلفة ورواسب من الماضي الميت، وأن على الإسرائيليين أن يخلقوا حضارة جديدة مستقلة تماماً عن التراث اليهودي ومرتبطة بحضارة الشرق الأدنى القديم (ولذلك كانوا يطالبون بعبادة عشتروت زوجة الإله بعل الكنعاني) . وفكر الحركة الكنعانية متأثر ببيرديشفسكي وأفكاره الكونية وبالنزعات النيتشوية الفلسفية، وزعيم الحركة هو الكاتب يوناثان رطوش (اسمه الحقيقي: أويل هالبرين شيلا) ، ومن بين أعضائها الكاتب

آهارون أمير وبنيامين تموز. ورغم أن هذه الحركة لا تؤثر بأي شكل في الحياة السياسية في إسرائيل، فإن لها بعض الأثر في الحياة الثقافية. كما أنها تُعبِّر عن مدى الأزمة التي يعيشها الوجدان الإسرائيلي وعن محاولة الإسرائيلي أن يتعامل بشكل ما مع الواقع الغريب الذي يحيط به. وقد انحلت حركة الكنعانيين، وحلت محلها حركة العمل السامي (نسبة إلى الجنس السامي) ، والتي اختفت بدورها وحلت محلها جماعة «هاعولام هازه/قوة حاداش» (هذا العالم/القوة الجديدة) .
ويبدو أن الكنعانيين لم يختفوا تماماً، إذ أنهم عاودوا الظهور عام 1969 وطالبوا بتجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي، وتعليمهم اللغة العبرية باعتبارهم عبرانيين، وتحقيق المساواة بينهم وبين العبرانيين، وإلغاء كل المزايا التي يتمتع بها المواطنون اليهود لكونهم يهوداً. كما نادوا بضرورة إنشاء جيش قوي والاحتفاظ بالأراضي المحتلة، وتصعيد الهجرة اليهودية، وزيادة نسبة المواليد، وإنشاء علاقات قوية مع الأقليات الأخرى في المنطقة مثل الأكراد والدروز. وطالبوا أيضاً بإنشاء فيدرالية تضم إسرائيل وجبل الدروز والموارنة في لبنان.
ورغم اختلاف الكنعانيين مع الصهاينة في محتوى تفكيرهم، فإن ثمة تشابهاً طريفاً بينهم من الناحية البنيوية. فكلا الفريقين يلغيان المنظور التاريخي ويُبسِّطان التاريخ ويختزلانه ويحولانه إلى أسطورة تخدم أهواء الحركة وبرنامجها السياسي وتُسهِّل لها التعامل مع الواقع دون مجابهته، كما أن كلاًّ من الفريقين يقابل الوجود الفلسطيني مسلحاً بأسطورته الاختزالية المُسبَقة.

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات يهودية؟ - إشكالية الهوية اليهودية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

من هو اليهودي؟
‏Who is a Jew?
«من هو اليهودي؟» سؤال يُثار من آونة إلى أخرى داخل الكيان الصهيوني. ويُعبِّر هذا السؤال عن فشل الإسرائيليين في تعريف «الشخصية اليهودية» أو «الهوية اليهودية» .
الشخصية أو الهوية اليهودية
‏Jewish Character or Identity
مصطلح «الشخصية اليهودية» في اللغة العربية مأخوذ من لفظ «شخص» ويعني مجموعة الصفات التي تميِّز هذا الشخص. أما في الأصل الأوربي، فإن المصطلح مأخوذ من اللفظ اللاتيني «بيرسونا Persona» ، وهو القناع الذي يرتديه الممثل ليُعبِّر عن السمة الأساسية للشخصية التي يؤديها. و «الشخصية» هي صيغة منظمة نسبياً لمجموعة من الخصائص الجسمية والوجدانية والنزوعية والإدراكية التي تميِّز الفرد عن غيره من الأعضاء. ويُفترَض أن الشخصية الفردية، في جوانب عديدة منها، هي نتيجة عملية تَفاعُل مركبة بين الإنسان الفرد من جهة، وبنيان مجتمعه وثقافته وتاريخه وبيئته الطبيعية والاجتماعية من جهة أخرى. ومن هنا، يتحدث بعض العلماء عن الشخصية القومية، وهي شخصية تَنتُج من عملية تَفاعُل تمتد ردحاً من الزمن بين جماعة من الجماعات البشرية من جهة وتشكيل اجتماعي وتاريخي وبيئة طبيعية من جهة أخرى. ومن خلال الامتداد الزمني تكتسب هذه الجماعة سمات معيَّنة وهوية محددة تصبح ثابتة أو شبه ثابتة يُفترَض أنها تُميِّزها عن غيرها من الجماعات البشرية الأخرى. ومصطلح «الشخصية اليهودية» مصطلح يفترض أن ثمة شخصية قومية يهودية ذات سمات مميَّزة وثابتة.

أما كلمة «هوية» فهي اسم منقول من المصدر الصناعي «هوية» المأخوذ من كلمة «هو» ، وتعني: مجموعة الصفات الجوهرية والثابتة في الأشياء والأحياء. فكأن مصطلح «هوية يهودية» يعني أن ثمة جوهراً يهودياً ثابتاً يسم أعضاء الجماعات اليهودية أينما كانوا ويمنحهم شخصيتهم اليهودية المحددة، ويفرقهم عمن سواهم من البشر. وغني عن القول إن هذا المصطلح، مثل مصطلح «الشخصية اليهودية» ، يُعبِّر عن نموذج اختزالي لا يتفق كثيراً مع الحقيقة التاريخية المتعيِّنة ولذلك فمقدرته التفسيرية ضعيفة للغاية. ويشكل استخدام مصطلحات مثل «شخصية يهودية» و «هوية يهودية» تبنيٍّا غير واع للنماذج التفسيرية الاختزالية، الصهيونية والمعادية لليهود، التي تفترض وجود طبيعة يهودية ثابتة وعبقرية يهودية وجريمة يهودية ووجود سمات أساسية للشخصية اليهودية. فهي من منظور المعادين لليهود شخصية متآمرة عدوانية استغلالية ومنحلة، وهي كذلك شخصية تجارية بطبعها، أما الصهاينة، فينسبون إلى هذه الشخصية اليهودية المستقلة سمات إيجابية، فاليهودي يتسم بالإبداع والمقدرة على الانسلاخ من مجتمع الأغيار، وهو يدافع عن نفسه ضد العنف لكنه لا يرتكب العنف أبداً ضد الآخرين، وهكذا. ومن السمات الأخرى التي تُنسَب إلى الشخصية اليهودية حبها للنكتة، ومقدرتها النقدية أو حسها النقدي. ويؤسس الصهاينة نظريتهم في القومية اليهودية والشعب اليهودي انطلاقاً من تأكيد وجود هذه الشخصية اليهودية. كما أن الصهيونية العمالية تصف الشعب اليهودى بأنه شعب طفيلى من السماسرة.

وإذا اختبرنا النموذج الكامن وراء مقولات مثل «الشخصية أو الهوية اليهودية الثابتة الواحدة» فإننا سنكتشف مدى قصوره، فأعضاء الجماعات اليهودية ليسوا تجاراً بطبعهم، إذ عمل العبرانيون بالزراعة في فلسطين، كما كان منهم الجنود المرتزقة في الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية، ومعظمهم الآن من المهنيين في الغرب. وهم ليسوا متآمرين بطبعهم، بل وسقط منهم ضحايا للتآمر، لكن هذا لا يمنع وجود متآمرين وتجار بينهم. وهم ليسوا منحلّين في كل زمان ومكان، إذ كانت هناك أزمنة وأمكنة استمسك فيها أعضاء الجماعات اليهودية بأهداب الفضيلة ولم تُعرَف بينهم ظواهر مثل ظاهرة الأطفال غير الشرعيين.
وهناك خلل يتمثل في الحديث عن اليهود بشكل مجرد، فمن يود أن ينسب العبقرية إلى الهوية أو الشخصية اليهودية سيجد قرائن على ذلك في مكان وزمان معيَّنين، ومن يود أن ينسب إليهم التآمرية سيجد أيضاً قرائن على ذلك في مكان وزمان آخرين، ثم يتم تعميم الجزء على الكل. وهذا ما يقوم به الصهاينة، عن وعي أو عن غير وعي، حينما يتحدثون عن الشخصية اليهودية أو عن الهوية اليهودية.

ولكن الشخصية (أو الهوية) ، كما أسلفنا، هي بنية مركبة، نتاج تَفاعُل بين مجموعة من البشر ومُركَّب من الظروف التاريخية والبيئية الثابتة على مدى زمني معقول، وهو الأمر الذي لم يتوفر إلا للعبرانيين، ولم يتوفر للجماعات اليهودية التي انتشرت في بقاع الأرض المختلفة وعاشت تحت ظروف اجتماعية مختلفة. ولذا، نرى أنه يجب الابتعاد عن التعميم المتعسف والكف عن استخدام صيغة «الشخصية اليهودية» لنتحدث بدلاً من ذلك عن «الشخصيات اليهودية» و «الهويات اليهودية» . وصيغة الجمع لا تنكر الخصوصيات اليهودية، ولكنها لا تجمع بينها وكأن هناك صفة جوهرية أو عالمية كامنة في كل اليهود. ومن هنا، يمكننا أن نتحدث عن الشخصية (أو الهوية) اليمنية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، أو الشخصية الخَزَرية اليهودية في القرن التاسع، أو الشخصية الإشكنازية في إسرائيل، أو الشخصية السفاردية من أصل سوري في أمريكا اللاتينية. ويمكن دراسة تَطوُّر هذه الشخصيات اليهودية المتنوعة والمختلفة بدراسة سماتها المُستمَدة من أزمنة وأمكنة مختلفة. وفي هذه الحالة، سنكتشف أن حب النكتة ليس خاصية لصيقة بالشخصية اليهودية. فالفقه اليهودي (حتى القرن التاسع عشر) يُحرِّم النكات، كما أن هجاء الحاخامات أمر لم يكن مسموحاً به. ونجد أن حب النكتة هذا ظاهرة مقصورة على يهود أوربا في القرن التاسع عشر ومرتبط بضعف مؤسساتهم الدينية والاجتماعية. ولم يكن الحس النقدي ولا المستوى العلمي الرفيع معروفاً بين أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا حتى القرن الثامن عشر، إذ حرَّمت قيادتها الدينية قراءة كتب الفلاسفة اليهود ودواوين الشعر العبري الدنيوي، كما حرَّمت دراسة اللغات الأجنبية ودراسة الرياضيات والجغرافيا والتاريخ ولم تستثن من ذلك تواريخ الجماعات اليهودية. وكان الجهل بالجغرافيا عميقاً إلى درجة أن الحاخامات كانوا عاجزين عن تحديد اتجاه القدس. ولكن، مع دَمْج اليهود في الحضارة

الغربية وتَزايُد معدلات العلمنة بينهم، وانفكاك قبضة المؤسسة الحاخامية التقليدية، تَملَّك أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب في العصر الحديث ناصية العلوم الحديثة، فظهر العلماء وظهر الحس النقدي، وظهر الإحساس بالنكتة.
ومما تَجدُر ملاحظته أن كثيراً من الأدبيات الصهيونية والغربية، حينما تتحدث عن الشخصية اليهودية أو الهوية اليهودية، تشير عادةً إلى تجربة تاريخية محددة هي تجربة يهود اليديشية، أي الجماعة اليهودية في شرق أوربا والتي كانت تشكل جماعات وظيفية يتحدث أعضاؤها اليديشية، ويعيشون في الظروف الاقتصادية والاجتماعية نفسها، وفي المحيط الحضاري السلافي (المسيحي) نفسه، وهو ما أفرز شخصية يهودية شرق أوربية يمكن أن تُسمَّى «الشخصية اليديشية» تتحدد ملامحها لا من خلال تشكيل تاريخي يهودي عالمي وإنما من خلال التشكيل الحضاري الشرق أوربي. وقد أكد آرثر روبين في كتابه اليهود في الوقت الحاضر أن كلمة «يهودي» تعني بالنسبة إليه «إشكنازي» ولا تضم اليهود السفارد أو الشرقيين. ورغم أن يهود اليديشية كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من الجماعات اليهودية في العالم في نهاية القرن التاسع عشر (حوالي 80%) ، إلا أن هذا لا يجعل منهم شخصية يهودية عالمية، إذ أن هذه الشخصية اليديشية (القومية) هي ثمرة تَفاعُل الجماعة اليهودية مع المجتمع الشرق أوربي في بولندا وروسيا داخل تركيبة اجتماعية وثقافية مُحدَّدة. وينبع مشروع حزب البوند السياسي من الإيمان بوجود شخصية يهودية قومية شرق أوربية، لا شخصية يهودية عالمية، ولذا كان الحل المطروح هو تطوير هذه الشخصية اليديشية دون الانزلاق إلى أبعاد تعميمية تجريدية. وقد تبنت روسيا السوفيتية هذا الحل في نهاية الأمر بعد أن رفضه لينين في بدايته، كما تتجلى ملامحه في تجربة ببروبيجان.

وقد اختفت الشخصية اليديشية مع التحولات الاجتماعية الضخمة التي حدثت في مجتمعات شرق أوربا، ولم يُكتَب لها الاستمرار. ويبدو أن المكوِّن الأساسي لهذه الشخصية مرتبط تمام الارتباط بالوظيفة الاجتماعية للجماعات اليهودية كجماعات وظيفية تنمي شخصيتها المستقلة ليضمن المجتمع عزلتها ومن ثم مقدرتها على أداء وظيفتها. وقد تحوَّل يهود اليديشية من جماعات شبه قومية متماسكة إلى جماعات مختلفة: يهود روسيا ويتحدثون الروسية، ويهود بولندا ويتحدثون البولندية، ويهود أوكرانيا ويتحدثون الأوكرانية، أما يهود اليديشية الذين استقروا في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة فقد اندمجوا في مجتمعاتهم وتحدثوا لغاتها.
ومن المفارقات المهمة أن الصهاينة الذين يمجدون الشخصية اليهودية يقومون في الوقت نفسه بالهجوم عليها ورفضها، فهم يرون أن هذه الشخصية مريضة وهامشية. وعند هذه النقطة أيضاً، يلتقي الصهاينة مع المعادين لليهود، بل إن الصهاينة استمدوا نقدهم للشخصية اليهودية من أدبيات معاداة اليهود. ويطرح الصهاينة فكرة الشخصية اليهودية الحقيقية بوصفها شخصية يهودية خالصة عبَّرت عن نفسها من خلال الكيان اليهودي القومي سواء في الكومنولث الأول أو الثاني، وهي تُعبِّر عن نفسها من خلال الكومنولث الثالث، أي الدولة الصهيونية. لكن دارس هذه الدولة يعرف أن علم الاجتماع الإسرائيلي قد تَقبَّل، كحقيقة شبه نهائية، انقسام أعضاء التَجمُّع الصهيوني إلى جماعات يهودية لكلٍّ شخصيتها المستقلة التي تكونت عبر مئات السنين في المنفى، أي في أنحاء العالم.

ورغم استخدامنا مصطلح «شخصية» في هذا المدخل، إلا أننا سنناقش الإشكالية مستخدمين كلمة «هوية» بسب شيوعها في الأدبيات التي تناقش الموضوع، إذ أن كلمة «شخصية» عادةً ما تعني «شخصية قومية» ، بينما تُستخدَم كلمة «هوية» دائماً في عبارات مثل «هوية إثنية» . ولا شك في أن الصهاينة يفضلون كلمة «هوية» لإمكان استخدامها في الإشارة إلى يهود إسرائيل وإلى أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، فهي كلمة لن تسبب حرجاً ليهود الولايات المتحدة التي تقبل الهويات الإثنية طالما أنها لا تتعارض مع الانتماء القومي. أما كلمة «شخصية» ، فهي باستدعائها فكرة الشخصية القومية، ستسبب الكثير من الحرج والفرقة.
الهويات اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً تراكمياً
‏Jewish Identities as a Cumulative Geological Construct
موضوع الهوية/الهويات اليهودية في غاية التركيب لأسباب عديدة يمكن أن نورد بعضها فيما يلي:
1 ـ تم تعريف الهويات اليهودية على أساس ديني، وعلى أساس قومي ديني، وعلى أساس قومي وحسب. وقد دارت معارك بين أعضاء الجماعات اليهودية (خصوصاً منذ نهاية القرن التاسع عشر) حول رؤيتهم لهويتهم وتعريفهم لهذه الهوية.
2 ـ لا تتفق رؤية الإنسان لهويته، بصورة حتمية ومباشرة، مع ممارساته العملية وبنية واقعه وأفعاله. فالرؤية قد تكون تعبيراً عن مثل أعلى أو عن مجموعة من الرغبات، أما الواقع فإنه يتطور بطريقة لا تتفق بالضرورة مع رغبات الإنسان. ومن ناحية أخرى، فإن رؤى أعضاء الجماعات اليهودية للهوية اليهودية لم تكن تتفق بالضرورة مع تطوُّر واقعهم التاريخي، بل وكانت تتناقض أحياناً الواحدة مع الأخرى.
3 ـ ولكن هذا لا يعني أن رؤية الإنسان لهويته لا تتدخل البتة في تحديد سلوكه، إذ تظل الرؤية، برغم عدم اتفاقها مع الواقع، عنصراً مهماً ومؤثراً في هذا السلوك، دون أن تكون بالضرورة العنصر المحدد الوحيد له.

4 ـ تحددت الهويات اليهودية المختلفة في غياب سلطة يهودية مركزية، دينية أو دنيوية، عبر الاحتكاك مع عشرات التشكيلات الحضارية ومن خلالها، الأمر الذي نجم عنه تنوُّع هائل في الهويات اليهودية. وتتسم هذه الهويات باستقلال نسبيّ عن سياقها الحضاري، شأنها شأن هويات الجماعات الإثنية والدينية، ولكنها في الوقت نفسه لا تنتمي إلى هوية يهودية واحدة عالمية. ومع هذا، فقد استمر الجميع (اليهود وغير اليهود) في الحديث عن اليهود كما لو كانوا كلاًّ واحداً.
لكل هذا، ظهر ما نسميه «التركيب الجيولوجي التراكمي» للهويات اليهودية. وفي حديثنا عن النسق الديني اليهودي، نشير إلى أنه ليس كلاًّ واحداً يتسم بقدر من الاتساق، وإنما هو عبارة عن تركيب جيولوجي تراكمي مُكوَّن من طبقات تراكمت الواحدة فوق الأخرى، ولم تُلغ كل طبقة جديدة ما قبلها. وقد تكون هذه الطبقات متشابهة أو متناقضة، ولكنها مع هذا تعيش متجاورةً ومتزامنة وغير متفاعلة، وسُمِّيت كل هذه الطبقات «النسق الديني اليهودي» .
ويمكننا أن نقول إن الهويات اليهودية أيضاً تركيب جيولوجي تراكمي ولكنه لم يكن ملحوظاً بسبب انفصال أعضاء الجماعات اليهودية ووجودهم في أماكن متفرقة من العالم. فيهود اليديشية نتاج مجتمعاتهم، وكذا يهود اليمن ويهود فرنسا، وهكذا. ومع ذلك، كان يُشار إليهم جميعاً باسم «الشعب اليهودي» ، مع افتراض وجود وحدة ما دون أن يختبر أحد مدى صدق هذه المقولة. ولكنها حين وُضعت موضع الاختبار، بعد تأسيس الدولة الصهيونية، ظهرت الخاصية الجيولوجية التراكمية، وتفجرت قضية من هو اليهودي تعبيراً عن اكتشاف أن ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» ليست كلاًّ يتسم بقدر من التجانس وإنما هي في واقع الأمر تركيب جيولوجي تراكمي. وقد أظهرت مجتمعات كلٍّ من أمريكا اللاتينية وجبال القوقاز هذه الخاصية الجيولوجية التراكمية في الهويات اليهودية بشكل واضح.

ومن ثم، فلابد من نموذج تفسيري أقل عمومية، يمكنه أن يصف المتغيرات التاريخية والثقافية والدينية التي دخلت على هذه الهوية وحولتها إلى هويات مختلفة. ولذلك، فإننا سوف نتحدث بصيغة الجمع فنشير إلى «الهويات اليهودية» (كما نتحدث عن «أعضاء الجماعات اليهودية» ) فهو مصطلح يعبر عن نموذج أكثر تركيبية ومن ثم أكثر تفسيرية لواقع أعضاء الجماعات اليهودية، يؤكد استقلالهم النسبي عن محيطهم دون أن ينسبهم إلى تاريخ يهودي عالمي أو جوهر ثابت، بل ينسبهم إلى مجتمعاتهم وحسب. ومن هنا محاولتنا فَهْم هذه الهويات لا من خلال العودة إلى ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، أو العودة إلى كُتب اليهود المقدَّسة أو شبه المقدَّسة، أو إلى بروتوكولات حكماء صهيون، وإنما بالعودة إلى التشكيلات الحضارية والتاريخية المختلفة التي ينتمي إليها أعضاء الجماعات اليهودية والتي تفاعلوا معها وأثروا فيها وتأثروا بها، وإن كانت درجة تأثرهم تفوق كثيراً درجة تأثيرهم كما هو الحال عادةً مع أعضاء الأقليات. فهناك هوية بابلية يهودية، وأخرى فارسية يهودية، وثالثة أمريكية يهودية، ورابعة عربية يهودية.
ولكن نموذجنا التفسيري لا يُهمل البُعد اليهودي في بناء هذه الهويات، فالدين اليهودي (بخاصيته الجيولوجية التراكمية) عنصر أساسي فيها، كما أن الرؤية الدينية بُعد حيوي ومهم. وكل ما نفعله أننا لا نجرده وإنما نراه في تفاعله مع الأبعاد الحضارية الأخرى. كما أننا لا نرى أن له مركزية تفسيرية. ولذا، فنحن لا نتحدث عن «هوية يهودية» عامة مُطلَقة، ولا نتحدث عن غياب أية هوية يهودية، وإنما نتحدث عن هويات يهودية مُتعيِّنة متنوعة.

والفكر الصهيوني يَصدُر عن نموذج اختزالي يُنكر واقع الجماعات اليهودية الحضاري الفسيفسائي الجيولوجي التراكمي، ويطرح فكرة الهوية اليهودية العالمية الواحدة، وتتم عملية تسمية الواقع وتصنيفه من هذا المنظور. ومن ثم، فإن هناك مصطلحات مثل «يهود الدياسبورا» و «يهود المنفى» و «الشعب اليهودي» ، وهي جميعاً مصطلحات تفترض وحدة اليهود وتَجانُسهم. ولكن حين يصل أصحاب هذه الهويات إلى إسرائيل، يتضح للجميع أنهم ليسوا مجرد يهود، إذ يصبحون مرة أخرى مصريين ومغاربة وروس! وتتحدد مكانتهم الاجتماعية بحسب ذلك. ولذا، ينكر كثير من المغاربة هويتهم العربية، ويصرون على أنهم فرنسيون وليسوا يهوداً وحسب! وكذلك فإن يهود العالم العربي، الذين تم تهجيرهم باعتبارهم يهوداً بشكل عام، يصبحون مرة أخرى يهوداً شرقيين يقبعون في آخر درجات السلم الاجتماعي الإسرائيلي، كما يصبح يهود روسيا إشكنازاً أو غربيين، ويُعطَون المنح والقروض وأفخر المنازل، ثم يشغلون قمة السلم الاجتماعي. ومن هنا تظهر الهويات اليهودية المختلفة، وهو ما يؤدي إلى طرح قضية «الهوية اليهودية» على بساط البحث.
تاريخ الهويات اليهودية حتى الوقت الحاضر
‏History of Jewish Identities till the Present

تاريخ الهويات اليهودية طويل ومُركَّب ويغطي عدة أزمنة وأمكنة لا يربطها رابط في كثير من الأحيان. وأولى الهويات اليهودية هو ما نسميه «الهوية العبرانية» أي هوية العبرانيين قبل أن يتم تهجيرهم إلى آشور وبابل. وكانت الهوية العبرانية تستند إلى تعريف ديني قومي، كما كان الحال في الشرق الأدنى القديم. ونحن نستخدم مصطلح «قومي» لعدم وجود مصطلح أدق، ونظن أن مصطلح «أقوامي» (نسبة إلى كلمة «أقوام» ) قد يكون أكثر دقة (مع قُبحه) لأنه مُستمَد من الواقع التاريخي القديم إذ تشير الدراسات التاريخية إلى «الأقوام الكنعانية» التي سكنت فلسطين (التي كان يُقال لها آنذاك كنعان) وإلى «الأقوام الآرامية» ، وهي مجموعات بشرية متماسكة على نحو فضفاض، تتصف ببعض السمات القومية، مثل اللغة المشتركة والثقافة المشتركة والدين المشترك، ولكنها ليست شعوباً ولا قوميات بالمعنى الحديث للكلمة. ولم يكن التعريف الديني القومي للهوية العبرانية منغلقاً تماماً، فثمة إشارات عديدة في الكتابات العبرية التي تعود إلى هذه الفترة أو تتحدث عنها إلى الأجنبي أو الغريب (جير) الذي بوسعه أن ينتمي إلى الجماعة العبرانية عن طريق التهود. وجاء في سفر التثنية «لا تظلم أجيراً مسكيناً وفقيراً من إخوتك أو من الغرباء الذين في أرضك في أبوابك، في يومه تعطيه أجرته ولا تغرب عليها الشمس لأنه فقير وإليها حاملٌ نفسه لئلا يصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطيَّة» (تثنية 24/14 ـ 15) . وعند الحديث عن هجرة العبرانيين من مصر، أو ربما طردهم، ترد إشارة إلى أن بعض العبرانيين قد تَخلَّفوا فيها، كما خرج معهم «اللفيف» (خروج 12/38) ، وهي إشارة إلى جماعات ليست متجانسة عرْقياً ولا تنتمي إلى العبرانيين، ولكنهم على أية حال أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الجماعة العبرانية. وبعد التغلغل العبراني في أرض كنعان، امتزج العبرانيون بالكنعانيين وتزاوجوا معهم. ولكن الحظر التوراتي على الزواج من

الأجانب، وعلى ذرية مثل هذا الزواج، لا ينطبق على الأدوميين أو المصريين، وإنما ينطبق على العمونيين والمؤابيين وحسب. «لا يدخل عموني ولا مؤابي في جماعة الرب حتى الجيل العاشر، لايدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد ... لا تكره أدومياً لأنه أخوك، لا تكره مصرياً لأنك كنت نزيلاً في أرضه. الأولاد الذين يُولَدون لهم في الجيل الثالث يدخلون منهم في جماعة الرب» (تثنية 23/3، 7 ـ 8) . فالحظر هنا ليس مُطلقاً ولا ضَيِّقاً. ومع هذا، فإن ثمة إشارات إلى أن الغريب ليس مقبولاً قبولاً كاملاً بأية حال (تثنية 14/21) . وبذا، يمكننا أن نقول إن رؤية العبرانيين لهويتهم وتعريفهم لها كان مرناً منفتحاً إلى حدٍّ ما.

أما على مستوى الممارسة، فقد كانت الهوية العبرانية منفتحة تماماً. فعند التهجير إلى بابل، كان العبرانيون يشكلون جماعة شبه قَبَلية تتحدث العبرية، كما كان لهم نسقهم الديني المقصور عليهم. ومع هذا، كانت هذه الجماعة مندمجة إلى حدٍّ كبير في المحيط الثقافي والسياسي الذي تواجدت فيه، متأثرة به أكثر من تأثيرها فيه. فالعبرانيون الذين تسللوا إلى كنعان كانوا قد أحضروا معهم من مصر (وأرض مدين) فكرة الإله الواحد. ولكن اليهودية (كنسق ديني متماسك) لم تكن، مع هذا، قد اكتمل تكوينها بعد واستوعبت عناصر كثيرة من عبادات الخصب الكنعانية، كما أن «يهوه» ذاته لم يكن قد اصطبغ بعد بصبغة كنعانية. وتَبنَّى العبرانيون كثيراً من أعياد الكنعانيين وعباداتهم، واكتسبوا الثقافة الكنعانية، وتحدثوا بإحدى اللهجات أو اللغات الكنعانية والتي أصبحت تُدعَى «العبرية» . وحينما تم تأسيس المملكة المتحدة في عهد داود وسليمان، لم يتوقف دخول العناصر الأجنبية. ولقد كانت سيرة داود هي سيرة تحالفه مع الفلستيين، ثم تَنكُّره لهم، ثم تَحالُفه مع دويلات أخرى مجاورة، وهكذا. وحينما فتح داود القدس التي كانت لا تزال في يد اليبوسيين (وهم بطن من بطون كنعان) ، تم استيعابهم في الجماعة العبرانية حسبما يُقال.

وبعد موت سليمان، انحلت المملكة المتحدة إلى دويلتين عبرانيتين: المملكة الشمالية، والمملكة الجنوبية. وكان لكلٍّ مركز ديني مستقل عن الأخرى. ومسألة المركز الديني في العبادات القربانية القديمة، التي تدور حول المعبد، مسألة شديدة الأهمية، فالمعبد هو مصدر الشرعية السياسية ومصدر الدخل الأساسي للدولة، وهو في نهاية الأمر مصدر الهوية القومية وأساسها. وقد كان ملوك الدويلتين العبرانيتين يتزوجون، كنوع من التحالفات السياسية، من أميرات أجنبيات كن يحضرن آلهتهن معهن ويقمن المعابد لهم وينشرن العبادات الخاصة بهم بين الأثرياء وفي البلاط، الأمر الذي كان يزيد التعددية الدينية وعدم التجانس القومي. والزواج من أجنبيات هو عادة ترجع إلى سليمان الذي لم تكن أمه عبرانية. وثمة رأي يذهب إلى أن العبرانيين كانوا يتحدثون في تلك المرحلة بلهجات مختلفة، ولم تكن هناك بالتالي هوية لغوية موحَّدة. وكانت الدويلتان اليهوديتان في حالة حرب وصراع دائمين، كما كانتا تستعينان بالدول والدويلات الأجنبية في صراعهما (الواحدة ضد الأخرى) . فقد قامت آشور بالهجوم على الدويلة الشمالية، وفعلت ذلك بناء على طلب من دويلة يهودا الجنوبية التي طالبت بحمايتها من الضغوط التي كان يمارسها عليها الحلف المعادي لآشور، والذي تَشكَّل بين الدويلات الآرامية والمملكة الشمالية.
وفي هذا الإطار، يكون الحديث عن هوية عبرانية متسماً بالتجاوز، ولكنه مع هذا يَصلُح إطاراً أو تعريفاً إجرائياً ضرورياً لتقسيم تَطوُّر ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» عبر المراحل التاريخية.

ونستخدم أحياناً مصطلح «الهوية العبرانية اليهودية» للإشارة إلى الهوية اليهودية بعد العودة من بابل بتصريح من قورش الأخميني إمبراطور فارس. وقد بدأت ملامح الدين اليهودي في التحدد في تلك المرحلة، وظهر نسق ديني يهودي أخذ شكل عبادة قربانية مرتبطة بالهيكل الذي أعيد بناؤه بأمر من قورش، وبأرض فلسطين، وبالتراث العبراني. ومن هنا تسميتنا الهوية اليهودية في هذه المرحلة بأنها «هوية عبرانية يهودية» ، فهي عبرانية في جانبها الإثني المحدد ويهودية في جانبها الديني الآخذ في التحدد. وقد ظهر مصطلح «يهودي» بعد التهجير إلى بابل. ومع هذا، يمكن القول بأن هذا المصطلح فيه شيء من التجاوز أيضاً، إذ أن معظم العبرانيين كانوا قد فقدوا لغتهم إبّان الإقامة في بابل، وبدأت أغلبيتهم تتحدث الآرامية. ولذا، فإن كلمة «عبرانية» تشير هنا إلى الانتماء الإثني العام وليس اللغوي. كما أن النسق الديني اليهودي لم يكن قد تَحدَّد تماماً إذ كانت تدخل عليه مؤثرات بابلية وفارسية قوية، ثم هيلينية فيما بعد. وكما هو واضح، تُعَدُّ هذه المرحلة مرحلة انتقالية من منظور الهوية. ولذلك، فإننا نستخدم مصطلح «هوية يهودية» على سبيل التبسيط.

ولم يكن تعريف الهوية العبرانية اليهودية في فلسطين يتسم بكثير من المرونة، إذ أن أعضاء الجماعة العبرانية العائدة من بابل كانوا يشعرون بأنهم أقلية تتهددهم الأقوام التي سكنت فلسطين، خصوصاً أن العبرانيين الذين لم يهاجروا تزاوجوا مع نساء تلك الأقوام ورجالهم. ولذلك، طالب عزرا كل من يود أن ينتمي إلى الجماعة اليهودية العبرانية بأن يطلق زوجته الأجنبية. «إنكم قد خنتم واتخذتم نساء غريبة لتزيدوا على إثم إسرائيل، فاعترفوا الآن للرب إله آبائكم، واعملوا مرضاته، وانفصلوا عن شعوب الأرض وعن النساء الغريبة» (عزرا 10/10ـ 11) . وعند هذه النقطة، ظهرت جماعة السامريين التي شكلت جماعة دينية مستقلة ذات هوية دينية قومية مستقلة، ورفض أعضاؤها الخضوع لأوامر عزرا (لكن التفسير السامري للانفصال عن الجماعة اليهودية يخالف ذلك تماماً، إذ يرى السامريون أنهم أتباع موسى الحقيقيون الذين لم يُفسدوا أسفار موسى الخمسة بتعاليم الحاخامات وتفسيراتهم، أي التلمود) . وقد ظل تعريف عزرا (الديني الإثني) الصارم للهوية سائداً حتى العصر الهيليني.

لكن أهم التطورات، في هذه المرحلة، كان انتشار الجماعات اليهودية خارج فلسطين. فهذه الجماعات كانت تشكل في معظم الأحيان جماعة وظيفية. وحتى يَتسنَّى لأعضاء هذه الجماعة الاضطلاع بالوظيفة الموكلة إليها بكفاءة وعلى أحسن وجه، كان لابد لها أن تحتفظ بعزلتها الإثنية والدينية عن مجتمع الأغلبية. وتُعبِّر هذه العزلة عن نفسها في صورة التمسك الشديد بالهوية والاحتفاظ بقدر من الاستقلال عن المحيط الحضاري الذي يعيش فيه أعضاء الجماعات اليهودية، في الرؤية والمأكل والملبس واللغة والعقيدة (مجتمعة أو منفردة) . ولكن يجب أن نشير إلى أن هوية الجماعة الوظيفية تكون عادةً حالة عقلية أكثر من كونها أمراً واقعاً، فأعضاء الجماعة الوظيفية يستبطنون الدور المفروض عليهم ويتوحدون به، ويجدون أن العزلة أمر طبيعي بل ومرغوب فيه، وأن تَحقُّق الذات والهوية لا يمكن أن يتم بدونه. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة الوظيفية لا يعيدون صياغة هويتهم من خلال عناصر مُستمَدة من التراث اليهودي أو العقيدة اليهودية وحسب، وإنما من عناصر مُستمَدة (وربما بالدرجة الأولى) من المجتمع المضيف الذي يعيشون في كنفه أو من مجتمع مضيف سابق، أو من خلالهما مجتمعين. ولكن الحالة العقلية الانعزالية تخبئ أحياناً معدلات عالية من الاندماج في المجتمع، فهم يحتفظون بقدر من الاستقلال عن محيطهم الحضاري، ولكنهم يكتسبون سماتهم ورؤيتهم لأنفسهم ولغيرهم من محيطهم الحضاري (شأنهم في هذا شأن أعضاء الجنس البشري كافة) وذلك رغم استقلالهم عن هذا المحيط. فهويتهم (الوظيفية) اليهودية لا تتحدد من خارج التشكيل الحضاري الذي ينتمون إليه أو رغماً عنه، وإنما من خلاله ومن داخله وبسبب تفاعلهم معه. وفي الحقيقة، فإن تَفرُّد الهوية اليهودية في أي مجتمع لا تعود إلى تَفرُّد العناصر التي تُكوِّن الهوية وإنما تعود إلى وجودها مجتمعة. كما أن حركيات المجتمع الذي يعيشون فيه يمكن أن تُفسِّر هذا

الاختلاف. وهذه التركيبة المزدوجة (قدر من العزلة الفعلية والعقلية مع قدر من الاندماج الفعلي) هي التركيبة المثلى للجماعة الوظيفية. فثمة ضرورة لقدر من الاندماج لأنهم يتعاملون يومياً مع أعضاء المجتمع ويتحركون داخله وبحسب قواعده، ولكن ثمة ضرورة أيضاً لقدر من العزلة لضمان الحياد واستمرار العلاقة التعاقدية بين أعضاء الجماعة الوظيفية وأعضاء المجتمع المضيف، أي أن التركيبة المزدوجة تضمن أن يظل أعضاء الجماعة الوظيفية في المجتمع دون أن يكونوا منه.
وأولى الجماعات الوظيفية اليهودية التي ظهرت خارج فلسطين هي الحامية العبرانية في جزيرة إلفنتاين، التي وَطَّنها فراعنة مصر هناك (في أسوان) كجماعة وظيفية استيطانية قتالية لحماية حدود مصر الجنوبية. وقد فَقَد هؤلاء علاقتهم بفلسطين ونسوا شعائر دينهم أو ربما احتفظوا ببعض العناصر الوثنية من العبادة اليسرائيلية واختلطوا بالمحيط المصري. فعندما أراد الفرس استخدامهم كجماعة وظيفية قتالية تابعة لهم ضد المجتمع المصري، أرسل الإمبراطور الفارسي رسالة يشرح لهم فيها طقوس عيد الفصح ليؤكد هويتهم اليهودية ويضمن عزلتهم عن محيطهم المصري، ومن ثم ولاءهم. ومع هذا، يرى بعض المؤرخين أن هوية هؤلاء اليهودية أو حتى العبرانية أمر مشكوك فيه، فقد كانوا يتحدثون الآرامية، كما كانت عبادتهم مشوبة بعناصر وثنية عديدة. ويمكن القول أيضاً بأن الجماعة العبرانية في مصر، قبل خروجها منها، كانت جماعة وظيفية، فقد عمل يوسف مديراً لمخازن فرعون، كما كان يضطلع بالأعمال المالية.

أما أهم هذه الجماعات طراً فهي الجماعة اليهودية في بابل والتي رفضت العودة إلى فلسطين (فيما عدا قلة صغيرة) . وقد بدأ أعضاء هذه الجماعة في الاشتغال بالتجارة والربا والانصراف عن الزراعة والتركز في المدن، أي أنهم تحولوا بالتدريج إلى جماعة وظيفية وسيطة تجارية ومالية ونسوا العبرية. وقد كان لهذا التجمع اليهودي علماؤه ومدارسه الدينية وتَوجُّهه الثقافي الذي أخذ يزداد قوة واستقلالاً، حتى أصبح في مرحلة من المراحل مركز اليهودية الأساسي في العالم. ويتضح تَفتُّت الهوية اليهودية في ظهور المفهوم الديني القائل بأن شريعة الدولة هي الشريعة التي يجب أن يتبعها اليهودي في حياته العامة، أي أن نطاق الشريعة اليهودية تم تقليصه بحيث أصبح مقصوراً على حياة اليهود الدينية الخاصة وتعاملاتهم فيما بينهم، ولا يضم حياة اليهود العامة أو القومية. وأصبحت اليهودية (على مستوى الممارسة) ديناً، وتَحوَّل الجانب القومي فيها إلى مجرد رموز وتَطلُّعات دينية وانتماء إثني يضمن للجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية العزلة اللازمة لها. وهذا هو المبدأ الذي لا يزال سائداً بين أعضاء الجماعات اليهودية رغم كل الادعاءات.

ومما زاد من استقلال يهود بابل عن بقية الجماعات اليهودية في فلسطين أو خارجها، أن اليهود، حتى عام 333 ق. م، كانوا يعيشون داخل إطار إمبراطورية واحدة يدورون في فلكها ويستمدون هويتهم منها، وهي الإمبراطورية الفارسية. أما بعد ذلك، فقد كان الجيب البابلي يدور في فلك فارسي (أخميني ثم فرثي ثم ساساني) ، بينما كان يهود فلسطين والبحر الأبيض المتوسط يدورون في فلك هيليني ثم روماني. وقد واكب ظهور الجماعات اليهودية خارج فلسطين تَفتُّت الهوية العبرانية اليهودية في فلسطين. فقد شهد العصر الهيليني، خصوصاً في القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، تخلخلاً في الهوية العبرانية اليهودية في فلسطين (في الرؤية والممارسة) من المنظورين الديني والقومي لأسباب عديدة:
1 ـ أدَّى تسامُح الحضارة الهيلينية، وجاذبيتها الشديدة، واستعدادها للاعتراف بأي يهودي على أنه هيليني، متى أجاد اللغة اليونانية ومارس أسلوب الحياة اليونانية، إلى انجذاب العبرانيين اليهود (في بلدان البحر الأبيض المتوسط ومن بينها فلسطين) بأعداد متزايدة إلى تلك الحضارة، وإلى تَبنِّيهم طرق تفكيرها وزيها واحتفالاتها، وفي نهاية الأمر لغتها. وسُمح للعبرانيين اليهود الذين طرحوا هويتهم جانباً (مثل تايبريوس الإسكندر، ابن أخي فيلون الفيلسوف السكندري، وكثيرين غيره) بأن يصبحوا مواطنين يونانيين تماماً. أما بقية أعضاء الجماعة اليهودية الذين احتفظوا بعقيدتهم، فلم يكتسبوا المواطنة اليونانية لعدم استطاعتهم المشاركة الكاملة في نشاطات المدينة (البوليس polis) ، إذ كانت الحياة في المدينة تدور حول العبادة اليونانية الوثنية. وكانت القيادة اليهودية في فلسطين ذاتها مصطبغة بالصبغة الإغريقية، الأمر الذي أدَّى إلى نشوب الثورة الحشمونية ضد السلوقيين. ولكن القيادة الحشمونية ما لبثت، هي ذاتها، أن تأغرقت بعد استيلائها على الحكم واصطنعت أسماء إغريقية مثل أنتيجون والإسكندر.

2ــ لم تكن الهوية العبرانية اليهودية، داخل فلسطين ذاتها، محددة بشكل صارم، حيث كانت تعيش في فلسطين أعداد كبيرة من أقليات غير يهودية (يونانيون وفينيقيون وبقايا الفلستيين وبقايا الأقوام السامية) . ويتضح عدم التحدد في فرض الملوك الحشمونيين اليهودية بالقوة إذ فُرضت بالقوة على الأدوميين (في شرق الأردن) وعلى الإيطوريين (في الجليل) . وكان هيرود (ملك اليهود) من أصل أدومي، وكان هؤلاء المتهوّدون يشكلون هوية جديدة أيضاً.
3 ـ كانت اليهودية، كنسق ديني، تخوض تحولات عميقة في تلك المرحلة، نتيجة احتكاكها بالفكر الهيليني وانتشار اليهود في حوض البحر الأبيض المتوسط. وظهرت فرق يهودية كثيرة من بينها الصدوقيون (من طائفة الكهنة) الذين كانوا لا يؤمنون باليوم الآخر، والأسينيون (من أبناء الشعب) الذين كانوا يحيون حياة تَقشُّف ورهبنة. بالإضافة إلى الفريسيين (من أبناء الطبقة الوسطى أساساً) الذين كانوا يؤمنون باليوم الآخر وإليهم يرجع الفضل في إعادة صياغة اليهودية، وهو ما جعلهم أهم هذه الفرق. كما كان هناك أبناء الطبقات الثرية المتأغرقون، فضلاً عن الفرق الشعبية المتطرفة مثل الغيورين (قنائيم) ، وعصبة الخناجر (سيكاري) ، وكُتَّاب «كتب الرؤى» (أبوكاليبس) ، وكُتّاب «الكتب الخفية» (أبوكريفا) . وكان لكل فريق رؤيته وعقيدته. ومن ثم، كانت كلمة «يهودي» في تلك المرحلة التاريخية، تضم تعريفات كثيرة متضاربة الأمر الذي زاد من خلخلة الهوية على مستوى الرؤية والممارسة.

4 ـ وفي هذا الإطار، طرح الفريسيون رؤية جديدة للهوية تُحرِّرها من المفهوم القديم المرتبط بالمجتمع القَبَلي العبراني أو المجتمع الزراعي الملكي، أو المجتمع الكهنوتي المرتبط بالهيكل والعبادة القربانية. فأعيد تعريف الهوية بحيث أصبحت أساساً هوية دينية روحية ذات بُعد إثني مُتقلِّص، ليس بالضرورة قومياً متضخماً، وهي علاوة على هذا غير مرتبطة بالهيكل. وواكب هذا التعريف الجديد استعداد للتصالح مع الدولة الحاكمة أو القوة العظمى في المنطقة، وعدم الاكتراث بنوعيتها مادامت لا تتدخل في حياة اليهود الدينية. وقام الفريسيون بنشاط تبشيري خارج فلسطين، الأمر الذي يفسر زيادة عدد اليهود في الإمبراطورية الرومانية في تلك المرحلة.
5 ـ كما شهدت تلك المرحلة الصدام بين الإمبراطورية الرومانية والقيادات الشعبية العبرانية اليهودية في فلسطين، التي أجهدها دفع الضرائب للإمبراطورية، فاندلعت الثورة في صفوفها. وعارض الصدوقيون والفريسيون التمرد ضد الرومان، ولم يكترث أعضاء الجماعة اليهودية في بابل به. ووقفت بعض المدن ذات الأغلبية اليهودية الواضحة، مثل صفد وطبرية، موقف التأييد من الرومان. وانضم اليهود المتأغرقون إلى الرومان وحاربوا في صفوفهم، فكان هناك جيش يهودي تحت قيادة أجريبا الثاني أثناء حصار القدس وكانت أخته بيرنيكي هي عشيقة القائد الروماني تيتوس. وكانت جهود الرومان موجهة لإخماد التمرد وحسب، وليس للقضاء على اليهودية كدين أو على اليهود كإثنوس أو قوم (كما تَزعُم التواريخ الصهيونية أو المتأثرة بها) .

6 ـ وفي هذه المرحلة، ازداد انتشار الجماعات اليهودية في العالم نتيجة الهجرة من فلسطين والتهوّد، بحيث أصبح عدد اليهود المقيمين خارج فلسطين يفوق عدد المقيمين فيها. وكما بيَّنا، كانت أعداد متزايدة من يهود فلسطين تفقد صبغتها العبرانية لتكتسب صبغة هيلينية. أما خارجها، فقد نسي يهود حوض البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما في مصر، العبرية تماماً، وتمت ترجمة العهد القديم إلى اليونانية (الترجمة السبعينية) بتشجيع من البطالمة حتى يفهم يهود مصر معانيه. وبتشجيع منهم أيضاً، تم تشييد هيكل في مصر (في ليونتوبوليس) وهو هيكل أونياس، وذلك حتى يستقلوا عن هيكل القدس، ويبتعدوا عن نفوذ السلوقيين، وحتى يمكن الاستفادة منهم كجماعة وظيفية، مقاتلة وسيطة، وهو ما كان يعني ظهور هوية يهودية في مصر الهيلينية مستقلةً عن الهوية اليهودية في فلسطين.
وهكذا كانت الهوية اليهودية، داخل فلسطين وخارجها، تخوض عملية تَفتُّت على المستويين الديني والقومي. ولذلك، يمكن القول بأن تحطيم الهيكل على يد تيتوس لم يكن سبباً مباشراً في القضاء على الهوية العبرانية اليهودية، وإنما كان تجسيداً لعملية تاريخية مركبة أدَّت إلى القضاء على هذه الهوية وإلى تفتيتها، ولم يكن تحطيم الهيكل سوى تعبير نهائي عن هذه العملية. فأثناء الحرب الرومانية، استسلم قائد قوات الجليل يوسيفوس فلافيوس للرومان ثم انضم إليهم، كما فرَّ يوحنان بن زكاي من القدس أثناء حصارها، وكلاهما كان من الفريسيين الذين انضموا إلى صفوف المتمردين على مضض. وقد سمح الرومان ليوحنان بن زكاي بتأسيس مدرسة يفنه الدينية التي تمت فيها صياغة اليهودية المعيارية أو اليهودية الحاخامية المنفصلة تماماً عن العبادة القربانية، وهو النسق الديني الذي نعرفه، بينما اختفت القوى الأخرى مثل الأسينيين (الذين استُوعبوا في المسيحية) والصدوقيين وغيرهم.

ويمكن القول بأن الهوية العبرانية والهوية العبرانية اليهودية ذات التوجه القومي قد اختفت تماماً عند هذه النقطة التاريخية وظهرت مراكز عديدة في بابل والإسكندرية. ولا يمكننا التحدث منذ ذلك التاريخ عن «عبرانيين» ولا عن «عبرانيين يهود» ، وإنما عن «أعضاء الجماعات اليهودية» ، وعن هوياتهم المختلفة. وقد حدث تمرُّد يهودي وهو تمرد بركوخبا، فقضى عليه الإمبراطور هادريان وأصدر مرسوماً بهدم القدس. ولكن، ومع ذلك، حينما مُنحت المواطنة لكل سكان الإمبراطورية عام 212م لم يُستثن اليهود من ذلك، وأصبحوا مواطنين رومانيين.
ويمكننا أن نحصر هنا بعض الهويات اليهودية مستخدمين معيارين: أحدهما ديني والآخر قومي أو إثني. فعلى المستوى الديني، كان هناك السامريون، كتَجمُّع ديني، مقابل بقية اليهود الذين كانوا ينقسمون بدورهم إلى عدة فرق لكلٍّ فهمه الخاص لليهودية، ومن أهمها الصدوقيون والفريسيون.

وإذا ما أخذنا بالمعيار الإثني، فيمكن الإشارة إلى يهود فلسطين المتأغرقين، وكانوا يتركزون أساساً داخل المدن وفي أوساط الأثرياء. رغم أن التأغرق معيار إثني، إلا أنه يحمل تضمينات دينية، إذ أن اليهود المتأغرقين كانوا يقفون ضد كثير من الطقوس الدينية، ويحاولون التملص منها بل والقضاء عليها بالتعاون مع الدولة السلوقية الهيلينية. وهناك يهود فلسطين (الساميون) ، الذين كانوا يتحدثون الآرامية ويتركزون في الريف. كما كان هناك يهود فلسطين (المتهودون) من أبناء الإيطوريين والأدوميين. وهناك يهود مصر المتأغرقون (ويبدو أنه كانت هناك جماعة يهودية خارج الإسكندرية اكتسبت أيضاً الهوية المصرية المحلية ولم يكن أعضاؤها يُصنَّفون ضمن المتأغرقين) . وهناك أيضاً يهود جزيرة إلفنتاين وكانوا يتحدثون الآرامية، وأخيراً يهود روما (الذين كانوا يتحدثون اليونانية واللاتينية) . كما كانت تُوجَد جماعات يهودية في آسيا الصغرى وفي ليبيا (برقة) ، وفي أنحاء متفرقة من أوربا. ويمكن أن نذكر أخيراً أهم هذه الجماعات طراً، وهي الجماعة اليهودية في بابل التي انفصلت عن يهود الإمبراطوريات الهيلينية ثم عن الدولة الرومانية. وقد اكتسب أعضاء هذه الجماعات كثيراً من السمات الإثنية من المحيط الحضاري الذي كانوا يعيشون فيه، الأمر الذي أدَّى إلى قَدْر هائل من التنوع وعدم التجانس. وستظل هذه هي السمة الأساسية والعامة للهويات اليهودية المختلفة التي ظهرت عبر العصور وفي مختلف المناطق.

ومما زاد من عدم تجانس الجماعات والهويات اليهودية، انتشار اليهود في كل أنحاء العالم دون وجود سلطة مركزية دينية أو قضائية في فلسطين أو في غيرها من الأماكن. كما لم تكن تُوجَد في العالم القديم وسائل مواصلات أو إعلام تقرب بين أطراف العالم كما يحدث الآن. لكل هذا، تطوَّرت كل جماعة يهودية على حدة، بمعزل عن الأخرى، على المستويين الديني والقومي. وقد ظلت هذه الفسيفساء قائمة إلى أن انحلت الإمبراطورية الرومانية وانتشرت المسيحية في الغرب وانتشر الإسلام في الشرق، فظهرت فسيسفاء أخرى احتفظت بعناصر من الفسيفساء القديمة، كما دخلت عليها عناصر جديدة. وقد انقسمت اليهودية ودخلت مدارين أساسيين: المدار الإسلامي والمدار المسيحي. وازدادت اليهودية توحيدية داخل المدار الإسلامي. ومن ثم، ظهر ما يمكن تسميته «هوية يهودية عربية إسلامية» ، وهي التي أنتجت موسى بن ميمون. وقد حَدَث، داخل هذا الإطار، الانقسام الخطير الثاني، وهو الانقسام القرّائي. أما في الغرب، فقد ازدادت اليهودية غيبية، ودخلت عليها عناصر صوفية متطرفة. وازدادت الهوة اتساعاً بين الهويات اليهودية في الشرق والغرب. فيهود الأندلس والعالم العربي كانوا يتحدثون العربية ويكتبون بها، بينما كان يهود فرنسا يتحدثون برطانة فرنسية ويكتبون بالعبرية. ثم ظهرت اليديشية (لغة الإشكناز في شرق أوربا) ، واللادينو (لغة يهود السفارد في حوض البحر الأبيض المتوسط) . وكانت هناك بقايا يهود الرومانيوت الذين يتحدثون اليونانية ويهود إيطاليا الذين يتحدثون الإيطالية. كما ظهرت هويات يهودية مختلفة في أماكن متفرقة، مثل: الخَزَر في منطقة القوقاز، والفلاشاه في إثيوبيا، وبني إسرائيل في الهند، ويهود الصين في كايفنج، ويهود مانيبور، والتشويتاس، واليهود السود. ولم يكن انتماء هؤلاء الديني إلى اليهودية الحاخامية، وإنما كان انتماؤهم إلى تقاليد دينية مختلفة دخلت عليها عناصر دينية وإثنية محلية. وكان

يُوجَد كذلك يهود إيران وأفغانستان الذين يتحدثون اللغة الفارسية وغيرها من اللغات، وبعض اليهود الأكراد الذين يتحدثون الكردية. وظهر عدد ضخم من الجماعات اليهودية الصغيرة في القوقاز مثل: يهود الجبال ويهود جورجيا ويهود الكرمشاكي، وظهرت جماعات يهودية في جبال الأطلس تتحدث البربرية. ومن الانقسامات الدينية المهمة، ظهور الحركة الشبتانية وظهور يهود المارانو في حوض البحر الأبيض المتوسط ويهود الدونمه في الدولة العثمانية.
هذه هي الفسيفساء التي كانت قائمة حينما ظهرت العلمانية في المجتمعات الغربية والتي زلزلت اليهودية الحاخامية وعمَّقت عدم التجانس.
التعريف الديني للهويات اليهودية
‏Religious Definition of Jewish Identities

في العصور القديمة، كانت اليهودية ديانة توحيدية في محيط وثني، وكانت تكتسب هويتها من هذا التعارض الواضح والبسيط. أما في العصور الوسطى الغربية وفي العالم الإسلامي، فقد اختلف الأمر تماماً، إذ وجدت اليهودية نفسها في محيط توحيدي (إسلامي أو مسيحي) أدَّى إلى انطماس معالمها. ولذلك، حاول علماء اليهود أن يخلقوا هوة بين اليهود وأعضاء الديانات التوحيدية الأخرى، وكان التلمود هو ثمرة هذه المحاولة. وخلال هذه الفترة، ظهر تعريف الشريعة (هالاخاه) للهوية اليهودية، فعُرِّف اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية أو من تهوَّد. وهذه التعريف هو الذي ساد منذ ظهور اليهودية الحاخامية مع بدايات العصور الوسطى في الغرب حتى بداية القرن التاسع عشر، وبالتالي فهو التعريف الذي يُعَدُّ الإطار المرجعي لكثير من الكتابات والإشكالات التي تُثار حول الهوية اليهودية. وهو تعريف ديني إثني مُغلَق يشبه إلى حدٍّ ما تعريف نحميا وعزرا ولكنه مُتحرِّر من الارتباط بالهيكل. ولذا، نجد أن الحاخامات عارضوا أية محاولة للعودة الفعلية ووقفوا ضد أي ماشيَّح دجال من أمثال شبتاي تسفي، باعتبار أن العودة لا يمكن أن تتم إلا بأمر إلهي سيأتي في آخر الزمان، أي أن العنصر القومي للهوية تم تسكينه وتحويله إلى تَطلُّع ديني، ولكنه مع هذا ظل كامناً.

وقد كانت هناك إشكالية أساسية داخل هذا التعريف تتعلق بالجانب القومي أو العرْقي للتعريف، حيث يتضمن أن من يُولَد لأم يهودية يظل يهودياً حتى ولو لم يمارس تعاليم الدين اليهودي، فهو يهودي بالمعنى الإثني. أما اليهودي المتهود، فكان عليه أن يقوم بتنفيذ جميع الأوامر والنواهي، أي يجب أن يكون يهودياً بالمعنى الديني. لكن هذه الإشكالية كانت، هي الأخرى، في حالة كُمون لأن عدد اليهود المتهودين كان صغيراً إلى حدٍّ كبير، كما أن تَرابُط الجماعات الدينية والإثنية، في العالمين الإسلامي والمسيحي، كان قوياً لدرجة أن أي يهودي يترك دينه كان عادةً ما يتبنى ديناً آخر ويندمج في المجتمع الخارجي وينصهر فيه تماماً، الأمر الذي يحلّ الإشكالية. وكان الفيلسوف إسبينوزا أول يهودي يترك الدين اليهودي ولا يتبنى ديناً آخر، أي أنه كان أول يهودي إثني وعلماني.
وعلى أية حال، فإن المشكلة كانت تظهر عند إقراض النقود بالربا، فاليهودية تبيح لليهودي أن يقرض غير اليهودي بالربا، لكنها تُحرِّم إقراض بني ملته. فإذا ما طلب يهودي مُتنصِّر قرضاً من أحد المرابين اليهود، كانت قضية يهوديته تطرح نفسها. وقد أفتى بعض الحاخامات بأن مثل هذا اليهودي المتنصر يجوز إقراضه بالربا لأنه ليس يهودياً على الإطلاق، ولكن أغلبية الحاخامات أفتوا بأنه يهودي حسب الشريعة اليهودية، لأنه وُلد لأم يهودية (أي أنه يهودي بالمعيار العرْقي) .

وفي القرن الثامن، شهدت اليهودية حركة إصلاح ديني من جانب القرّائين الذين تأثروا بالتراث الديني الإسلامي وعلم الكلام والنزعة العقلانية في التراث الديني الإسلامي، فرفضوا الشريعة الشفهية التي جُمعَت معظم أحكامها في التلمود، ونادوا بأن لا قداسة إلا للتوراة وحسب. أما الشريعة الشفوية، فهي مجرد تفسيرات واجتهادات غير مُلزمة. وهو موقف مختلف تماماً عن موقف اليهودية الحاخامية التي ترفع الشريعة الشفوية (أي تفسيرات الحاخامات) إلى مرتبة التوراة، بل إلى مرتبة أعلى منها أحياناً. ومن ثم، حدث انقسام كامل بين الفريقين. وكان الفقه اليهودي يواجه دائماً مشكلة ما إذا كان القرّاءون يهوداً أم لا؟ وهل يحلّ الزواج بهم أم يٌعدُّ زواجاً مُختلَطاً؟.

ومن أهم المشاكل الأخرى التي واجهها الفقه اليهودي، مشكلة يهود المارانو (اليهود المتخفون) الذين لم يتركوا شبه جزيرة أيبريا وتظاهروا باعتناق المسيحية بعد استرداد المسيحية لهذه الجزيرة، واحتفظوا بانتمائهم اليهودي سراً. ويرى الفقه اليهودي أن اليهودي الذي اضُطر إلى اعتناق دين آخر يظل يهودياً، ويمكنه أن يعود إلى حظيرة الدين متى سنحت له الفرصة. ولكن كثيراً من المارانو اعتنقوا المسيحية بإرادتهم للاحتفاظ بممتلكاتهم وثرواتهم، كما أنهم لم يفروا من شبه جزيرة أيبريا حينما سنحت لهم الفرصة. بل إن انتماءهم اليهودي ضعف بشكل واضح بمرور الزمن، ولم يبق منه سوى قشرة رقيقة أو بضعة طقوس. وفي النهاية، أصبح من الصعب عليهم التأقلم مع اليهودية الحاخامية أو المعيارية كما حدث لإسبينوزا (ولأورييل داكوستا من قبله) . بل إن ثمة نظرية حديثة تذهب إلى أن المارانو كانوا مسيحيين صادقين في مسيحيتهم، وأن بعض العناصر داخل الدولة الإسبانية هي التي قامت بتوجيه تهمة المارانية لهم لوقف حراكهم الاجتماعي، إذ أن هؤلاء المسيحيين الجدد، كما كانوا يُسمَّون أحياناً، كونوا طبقة وسطى صاعدة وقوية كانت تهدد مصالح بعض الطبقات المهيمنة.

وقد شكل يهود الدونمه من أتباع شبتاي تسفي مشكلة أخرى، فقد اعتنقوا الإسلام علناً، وأبقوا على انتمائهم اليهودي سراً. ولم يكن الفقه اليهودي، منذ أيام موسى بن ميمون، يعتبر اعتناق الإسلام من جانب اليهود شركاً أو إنكاراً لوحدانية الله (على خلاف التنصر) . وبالتالي لم تكن هناك مشكلة من الناحية النظرية على الأقل. لكن الدونمه لم يُرغَموا على اعتناق الإسلام، كما أن الادعاءات المشيحانية لقائدهم قُوبلت بحرب شرسة من جانب الحاخامات الذين أعلنوا أنها هرطقة وتجديف. ومع هذا، كان يهود الدونمه في الدولة العثمانية يدرسون التلمود مع بقية أعضاء الجماعة اليهودية حتى منتصف القرن التاسع عشر، وظلوا محتفظين بكثير من طقوسهم اليهودية سراً دون أن يرغمهم أحد على ذلك! ولهذا كان من الصعب تقرير ما إذا كان المارانو والدونمه يهوداً أم لا، وهي مشكلة لم يحسمها الفقه اليهودي.
وقد ازداد انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في أنحاء العالم، وازداد بشكل واضح غياب التجانس الثقافي والديني بينهم مع الثورة العلمانية الكبرى التي بدأت تترك أثرها التدريجي في الجماعات اليهودية (ولعل ظهور الحركات الشبتانية المختلفة هو تعبير عن تزايد معدلات العلمنة) .

ولكن رغم كل المشاكل والتوترات الداخلية والخارجية، فإن تعريف الشريعة لليهودي (من وُلد لأمٍّ يهودية أو تَهوَّد) ، وهو التعريف الحاخامي الأرثوذكسي، كان تعريفاً مقبولاً ويَصلُح أساساً للتفرقة بين اليهود وغير اليهود. ولكن الوضع اختلف تماماً مع ظهور العلمانية التي بدأت تترك أثرها التدريجي في الجماعات اليهودية إلى أن دخلت اليهودية في الغرب مرحلة الأزمة، فظهر فكر حركة التنوير ثم ظهرت اليهودية الإصلاحية ومن بعدها اليهودية المحافظة واليهودية التجديدية ولا تعترف اليهودية الأرثوذكسية بأتباع هذه الفرق أو بحاخاماتها يهوداً. هذا إلى جانب انتشار نزعات الإلحاد والشك الديني بين اليهود، وظهور ما يُسمَّى «اليهودية الإثنية» (في الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وغيرهما من كومنولث الدول المستقلة) وهي يهودية من لا يؤمنون بالعقيدة اليهودية وإن كانوا يمارسون بعض شعائرها باعتبارها شكلاً من أشكال الفلكلور الذي يدعم إثنيتهم اليهودية ويرفع روحهم المعنوية. كما ظهرت اليهودية الإنسانية التي تحاول أن تؤسس عقيدة يهودية لا تستند إلى الإيمان بالشريعة المُوحَى بها وإنما بالقيم الإنسانية العامة. وظهرت أيضاً جماعات يهودية أخرى مثل العلماء اليهود الذين يؤمنون بأن الطب الحديث لا طائل من ورائه، وبأن سر الشفاء يوجد في العهد القديم، وكانوا في الواقع متأثرين بفرقة دينية مسيحية تُسمَّى «العلماء المسيحيون» . وانضم كثير من اليهود إلى فرقة الموحدانيين (يونيتريان Unitarian) المسيحية، واحتفظوا في الوقت نفسه بيهوديتهم. بل وظهرت جماعة تُسمَّى «اليهود من أجل المسيح» ، وقد اعتنق هؤلاء المسيحية، واعتبروا المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح اليهودي، ولكنهم لم يعترفوا ببنوته للرب، وهكذا. وقد أصر كل هؤلاء (رغم إلحادهم الكامل أو رفضهم معظم مقولات الشريعة اليهودية) على أن يُسموا «يهوداً» ، الأمر الذي ولَّد موقفاً غريباً إلى أقصى درجة وهو

أن الغالبية العظمى ليهود العالم لم تَعُد تلتزم بالشريعة اليهودية، ولم يَعُد ينطبق عليها مصطلح «يهودي» ، حسب التعريف الحاخامي، ولكن هذه الغالبية تصرُّ في الوقت نفسه على الاحتفاظ بلقب «يهودي» ، بينما لا توجد سوى أقلية صغيرة للغاية ملتزمة بالشريعة تحتفظ هي الأخرى بلقب «يهودي» وتدَّعي لنفسها حقّ أن تقرر من هو اليهودي، ولذا فهي تذهب إلى أن أغلبية اليهود الساحقة ليسوا يهوداً! وقد صرح آفى بيكر، محرر إحدى التقارير التى أصدرها المؤتمر اليهودى عن أوضاع الجماعات اليهودية فى العالم، أن الانفصال بين اليهود الأرثوذكس واليهود العلمانيين قد خلق شعبين مختلفين لايتفاعلان.
الخريطة العامة للهويات اليهودية فى الوقت الحاضر
‏General Map of Jewish Identities at the Present
لاحظنا التطور التاريخي للهويات اليهودية المختلفة والذي نجم عنه ظهور هويات لا حصر لها ولا عدد. كما لاحظنا أن تعريف الشريعة اليهودية لمن هو اليهودي كان تعريفاً يعاني من الخلل، فلا هو بالديني ولا هو بالعرْقي، بل يجمع عناصر دينية وعرْقية دون تعريف حدود كل عنصر. وقد زادت الصورة اختلاطاً وسوءاً مع ظهور الفرق اليهودية الحديثة، وظهور اليهودية الإثنية والإنسانية، وإصرار كل هؤلاء على أن يسموا أنفسهم يهوداً.
كل هذا يعني أن كلمة «يهودي» تشير إلى أشخاص يؤمنون بأنساق دينية متعارضة من بعض النواحي، وينتمون إلى تشكيلات حضارية مختلفة، أي أنها دال يشير إلى مدلولات دينية وقومية مختلفة. ولتوضيح الصورة قليلاً، يمكن القول بأن مصطلح «يهودي» كان يشير، منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى عشية ظهور الدولة الصهيونية، إلى عشرات الهويات والانتماءات الدينية والوثنية والطبقية:

1 ـ يهود اليديشية، ويُطلَق عليهم عادةً يهود شرق أوربا أو الإشكناز. وهم أكبر القطاعات اليهودية في العالم. وكان هؤلاء يوجدون في أوكرانيا ومنطقة الاستيطان اليهودية في روسيا وبولندا. وكانوا ينقسمون بدورهم إلى قسمين أساسيين:
أ) يهود متدينون يعرِّفون يهوديتهم على أساس ديني.
ب) يهود تمت علمنتهم ويعرِّفون يهوديتهم على أساس إثني.
وكان معظم أعضاء هذا التجمع اليهودي يتحدثون اللغة اليديشية، وقد حملوها معهم إلى إنجلترا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا، ولكن كانت بينهم قطاعات تتحدث البولندية والأوكرانية والروسية والألمانية.
2 ـ يهود العالم الغربي المندمجون الذين كانوا يتحدثون لغة بلادهم. وهؤلاء كانوا ينقسمون إلى عدة أقسام، فمنهم يهود متدينون يعرِّفون أنفسهم على أسس دينية مختلفة (إصلاحى ـ محافظ ـ تجديدى ـ أرثوذكسى) ومنهم أيضاً يهود لادينيون. وأكبر تَجمُّع لهؤلاء يُوجَد في الولايات المتحدة. وقد تزايد عددهم بوصول يهود اليديشية الذين اندمجوا بدورهم في المجتمعات التي وصلوا إليها، واكتسبوا سماتها الإثنية والحضارية، وفقدوا هويتهم السلافية اليديشية وظهر ما نسميه «الهوية اليهودية الجديدة» . كما أن العناصر السفاردية في المجتمعات الغربية اندمجت هي الأخرى في محيطها الحضاري، خصوصاً أن أعدادهم كانت صغيرة.

3 ـ يهود أمريكا اللاتينية الذين يتحدثون الإسبانية والبرتغالية أساساً. وقد انضم إليهم آلاف من يهود اليديشية واليهود السفارد من العالمين الغربي والعربي. وقد احتفظت كل جماعة يهودية مهاجرة بلغتها وهويتها التي أحضرتها من بلدها الأصلي لأن المجتمع الكاثوليكي اللاتيني كان محتفظاً بهويته، فكان التعبير عن الهوية اليهودية هو ذاته صدى لبنية المجتمع المضيف. وحينما بدأ المجتمع اللاتيني يفقد هويته بالتدريج، وبدأت تتصاعد فيه معدلات العلمنة، أخذ أعضاء الجماعات اليهودية يفقدون هم أيضاً هويتهم ويندمجون، ولكن في محيطهم اللاتيني.
4 ـ يهود الشرق والعالم الإسلامي والعالم العربي، وكان من بينهم اليهود العرب (اليهود المستعربة) ، واليهود السفارد الذين يتحدثون اللادينو، وكانت توجد جماعات كبيرة منهم في العالم العربي، وقد انضمت إليهم أعداد كبيرة من يهود اليديشية، ويهود البلاد الغربية (خصوصاً فرنسا) . كما تم صبغ كثير من اليهود المحليين العرب بالصبغة الغربية، وحصلت أعداد كبيرة منهم على جنسيات أوربية.
5 ـ الجماعات اليهودية المتفرقة (مثل الفلاشاه وبني إسرائيل) التي استمر معظمها في البقاء، ولم يختف في واقع الأمر سوى يهود الخزر، إذ لا يزال يُوجَد بعض أعضاء من يهود كايفنج ومئات وربما آلاف من يهود المارانو والدونمه، وإن كان ثمة نظرية تذهب إلى أن اليهود القرّائين الذين يتحدثون التركية هم من بقايا يهود الخَزَر.
6 ـ تم تصنيف جميع الجماعات السابقة إلى يهود غربيين يُسمَّون «الإشكناز» ، ويهود شرقيين يُسمَّون «السفارد» (أحياناً) برغم خطأ التسمية.
7 ـ نحن نرى أن كل التقسيمات السابقة آخذة في الاختفاء وأن ثمة ثلاثة أقسام أساسية الآن في العالم:

أ) خارج فلسطين، ظهر ما يمكن تسميته «الهوية اليهودية الجديدة» وهي هوية ظهرت في المجتمعات الغربية الحديثة، وهي ذات ملامح يهودية إثنية أو دينية، ولكن البُعد اليهودي فيها هامشي، لا يؤثر في سلوك أعضاء الجماعات اليهودية، إذ أن ما يحكم هذا السلوك هو الرؤية العامة السائدة في المجتمع (المتعة واللذة) والتي تُوجِّه سلوك المسيحيين واليهود والبوذيين والملحدين ... إلخ.
ب) داخل المُستوطَن الصهيوني ظهرت هوية جديدة تماماً لا علاقة لها بكل الهويات السابقة، وهي جيل الصابرا ويتنبأ الدارسون بأن هؤلاء الصابرا سيكونون أغيارا يتحدثون العبرية لاتربطهم بأعضاء الجماعات اليهودية فى العالم سوى روابط واهية لاتختلف كثيرا عن علاقة اليونانيين المحدثين بالاغريق القدامى. ويميل كثير من علماء الاجتماع إلى أن اليهود المولودين في إسرائيل ينقسمون أيضاً إلى شرقيين وغربيين، ومن ثم يُطلَق مصطلح «الصابرا» في واقع الأمر على أولاد اليهود الغربيين وحدهم.
جـ) يهود متدينون (أرثوذكس) وهم أقلية صغيرة خارج إسرائيل وأقليه كبيرة داخلها.

والصورة، كما نرى، مركبة وغير متجانسة على جميع المستويات. فهذه الجماعات التي كانت تفصل بعضها عن البعض هوة من الخلافات الدينية، وكانت تتحدث عشرات اللغات واللهجات، تقع ضمن تشكيلات اجتماعية وثقافية لا حصر لها، ابتداءً من يهود الغرب المندمجين في مجتمعاتهم الرأسمالية ومروراً بيهود اليمن الذين يشكلون جزءاً متكاملاً من مجتمعهم العربي بكل فنونه وتقاليده ومزاياه وعيوبه، وانتهاء بيهود الفلاشاه (في إثيوبيا) الذين ينتمون إلى تشكيل قَبَلي بسيط ويتحدثون الأمهرية لغة أغلبية أهل إثيوبيا ويتعبدون بالجعزية لغة الكنيسة القبطية فيها! ويُلاحَظ هنا كيف يتداخل الانتماء الإثني مع الأبعاد الدينية. وربما كان هذا التداخل هو ما جعل مندوب الوكالة اليهودية في الخمسينيات لا يتردد في أن ينصح الفلاشاه بحل مشاكلهم كلها لا بالهجرة إلى إسرائيل وإنما عن طريق التنصر والانضمام إلى الكنيسة القبطية في إثيوبيا!
وهذه الهويات اليهودية المختلفة لا وجود لها خارج محيطها الحضاري. فإن فقد يهود الفلاشاه الأمهرية والجعزية والشعائر الدينية المختلفة التي استقوها من محيطهم الحضاري، فإنهم يفقدون هويتهم التي يُقال لها «يهودية» . ويسري الشيء نفسه على يهود الولايات المتحدة، فخصوصيتهم نابعة من انتمائهم إلى المجتمع الأمريكي، ولا يمكن تَخيُّلهم خارج هذا المحيط الثقافي.

وإذا كانت هناك هوية يهودية مستقلة نسبياً عن محيطها الحضاري، فهذا لا يعني بالضرورة أن هناك هوية يهودية عالمية واحدة مترابطة. والواقع أن هناك هويات يهودية مختلفة متعددة بعدد المجتمعات التي تتواجد فيها هذه الهويات، إذ أن انفصالها النسبي لم يؤد بالضرورة إلى ترابط الواحدة مع الأخرى. فيهود شرق أوربا كانوا يكتسبون هويتهم الشرق أوربية اليهودية من خلال اليديشية. وكان اليهود السفارد يكتسبون هويتهم الإسبانية من خلال اللادينو. وكانت كل من اليديشية واللادينو تعزل أعضاء الجماعة عن محيطهم. ومن ثم كان الصدام بين السفارد والإشكناز حاداً دائماً في جميع نقط التماس، سواء في أوربا في القرن السابع عشر أو في العالم الجديد في القرن الثامن عشر أو في المُستوطَن الصهيوني في القرن العشرين.
الهوية اليهودية الجديدة في المجتمعات الغربية الحديثة
‏New Jewish Identity in Modern Western Societies
«الهوية اليهودية الجديدة» مصطلح قمنا بصكه لوصف الهوية اليهودية الجديدة التي نشأت تدريجياً في العالم الغربي بعد عصر الانعتاق وتَصاعُد معدلات العلمنة حتى أصبحت النموذج السائد فيه. واليهود الجدد هم أصحاب هذه الهوية الجديدة. ويمكن القول بأن الهويات اليهودية المختلفة، بعامة، قد تحدَّدت معالمها وتَشكَّل مضمونها في المجتمعات التقليدية (قبل الرأسمالية) بطريقة مختلفة عن تَشكُّلها في المجتمعات العلمانية الحديثة. فالمجتمعات التقليدية هي مجتمعات تدور حول منظومة عقيدية تستند إلى ميتافيزيقا ومطلقات معرفية وأخلاقية ويأخذ تقسيم العمل فيها شكل الفصل الحاد بين الطبقات والأقليات والجماعات. وبذا اضطلع اليهود فيها بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة (وأحياناً العميلة) المنغلقة على نفسها، شأنهم في هذا شأن الأرمن في تركيا والصينيين في جنوب شرقي آسيا.

لكن يهود العالم الغربي، شأنهم شأن بقية قطاعات المجتمع الغربي، خضعوا بعد القرن التاسع عشر لعملية ضخمة من العلمنة والتحديث، ووجدوا أنفسهم يتفاعلون مع بيئة حضارية وسياسية مختلفة تماماً عما ألفوه من قبل، فقد تزايد معدل العلمنة في المجتمعات الغربية إلى أن أصبحت المجتمعات تُهيمن عليها العقيدة العلمانية (الشاملة) التي لا تتبنى أية معايير دينية أو أخلاقية للحكم على الفرد. فهي مجتمعات تدور حول مبدأي المنفعة واللذة وحول مفهوم الإنسان الطبيعي (الاقتصادي والجسماني) ، ولا تحكم على الفرد إلا على أساس كفاءته ومدى نفعه وتكيفه مع قيم المجتمعات بحيث يصبح مواطناً يتوجه ولاؤه نحو الدولة وخدمة مصلحتها، قادراً على البيع والشراء والبحث عن اللذة وتعظيم الإنتاج والإشباع والقتال حينما يُطلَب منه ذلك.

وتتسم هذه المجتمعات بتَراجُع العقيدة المسيحية وعدم الاكتراث بها وبكل الأديان والمقدسات والغيبيات. ففي الماضي، أي حتى منتصف القرن التاسع عشر وربما أواخره، كان على اليهودي الذي يود الاندماج الكامل في مجتمعه أن يُغيِّر دينه ويعتنق ديناً آخر، أي المسيحية، كما فعل هايني ووالدا كلٍّ من ماركس ودزرائيلي. ولكن المسيحية دين له رموزه المركبة والمعادية لليهود واليهودية، ولذا كانت تجربة التنصر مريرة ولا شك. أما يهود العالم الغربي في الوقت الحاضر، فيمكن لمن يريد منهم أن يتخلَّى عن دينه أن يفعل ذلك ببساطة شديدة دون أن يُضطر بالضرورة إلى التنصر أو اعتناق أي دين آخر (كما فعل الفيلسوف إسبينوزا أول يهودي إثني) ، وبوسعه بعد ذلك أن ينتظم في صفوف الملايين التي تدخل الآلة الرشيدة اليومية والتي يتم تنميطها من الداخل والخارج بشكل دائم من خلال البنية التحتية المادية والمؤسسات الإعلامية والتربوية. وهذه الملايين لا تكترث بالخصوصية، إلا باعتبارها مصدراً متجدداً للمتعة والإثارة. وهذه المجتمعات الغربية التي يعيش فيها اليهود الجدد لا تهتم كثيراً بالدين (أو أية أبعاد معرفية كلية نهائية) ، ولذا فهو لا يُوجِّه سلوك أعضائها ولا رؤيتهم لذاتهم أو للواقع، وإن كان هناك بُعد ديني فهو عادةً هامشي ضامر. وهي مجتمعات لا ترى اليهودي باعتباره قاتل المسيح أو عدو الإله، ولا ترى اليهود باعتبارهم الشعب الشاهد. وأعضاء هذه المجتمعات قد يتحدثون عن التراث اليهودي/المسيحي ولكن الإنسان بالنسبة لهم، في التحليل الأخير، هو الإنسان الاقتصادي، المنتج والمستهلك، والإنسان الجسماني، الباحث عن المتعة. وهي مجتمعات لم تَعُد تكترث كثيراً بالشعائر المسيحية ولا بالأعياد المسيحية باستثناء الكريسماس الذي فُرِّغ من مضمونه الديني وأصبح مناسبة اجتماعية وموسماً للبيع والشراء. وبدلاً من العقيدة المسيحية، ظهرت مجموعة من العقائد العلمانية المختلفة (مثل

الوجودية والماركسية والنازية والليبرالية أو حتى الاستهلاكية) يمكن أن يؤمن بها كل من يشاء.
ولا تمارس هذه المجتمعات أي تمييز ضد اليهود أو ضد أية أقلية أخرى، فرقعة الحياة (العلمانية) العامة مفتوحة أمام الجميع، وبإمكان الجميع الالتقاء فيها بعد أن يطرحوا جانباً خصوصياتهم الثقافية والدينية، أو بعد أن يتركوها في منازلهم في رقعة الحياة الخاصة (وقد طلبت حركة الانعتاق من اليهودي أن يكون يهودياً في المنزل مواطناً في الشارع) .وفي رقعة الحياة العامة يمكنهم أن ينخرطوا، ما حلا لهم الانخراط، في البيع بأعلى الأسعار، والشراء بأرخصها، والبحث الدائم (المنهجي أو التلقائي) عن اللذة وعن التخفيضات والأوكازيونات، دون أي تمييز على أساس العقيدة أو الجنس أو اللون. ومن ثم لا يوجد أي تمايز ثقافي أو وظيفي أو مهني لليهود في مواجهة غيرهم، وإن كان هناك مثل هذا التمايز فهو من رواسب الماضي، فالجميع يلتقي على أرض علمانية صلبة.

هذه صورة المجتمع العلماني النماذجية، أي أنها صورة غير واقعية ولكنها، مع هذا، ممثلة للواقع. وداخل هذا الإطار، ظهرت الهوية اليهودية الجديدة، التي نطلق على أصحابها مصطلح «اليهود الجدد» لنميزهم عن يهود ما قبل القرن التاسع عشر وعن يهود مرحلة ما قبل الانعتاق. وفي بعض الدراسات المتخصصة، يُقال لليهود الجدد «يهود ما بعد مرحلة الإعتاق» ، كما يمكن أن يُشار إليهم ببساطة بوصفهم «يهود العالم الغربي» ، أو «اليهود الغربيين» ، مع إسقاط المصطلحات التي تشير إلى هويات إثنية أو إثنية دينية مختلفة، مثل: «يهود اليديشية» أو «السفارد» أو «الإشكناز» ، لأنها لم تَعُد تَصلُح إطاراً مرجعياً. فاليديشية اختفت تقريباً، كما اختفت أية ملامح إثنية أتى بها المهاجرون اليهود من أوطانهم الأصلية. وأهم كتلة يهودية بين اليهود الغربيين تتمثل في الأمريكيين اليهود (وليس اليهود الأمريكيين) الذين استُوعبوا في الحضارة الأمريكية تماماً ولا وجود لهم خارجها ولا يمكن فَهْم سلوكهم دون الرجوع إليها.
والأمريكيون اليهود هم أهم قطاعات هؤلاء اليهود الجدد وأكبرها، إذ يشكلون نحو 90% منهم، ويمثلون جماهير الصهيونية الغربية وعمودها الفقري ويؤثرون في صنع القرار الأمريكي، وحيث إن يهود أوربا الغربية بل ويهود أوربا الشرقية أيضاً آخذون في التلاشي (باستثناء يهود فرنسا التي هاجر إليها يهود المغرب) ، فإننا نستخدم أحياناً مصطلح «اليهود الجدد» كمرادف لمصطلح «الأمريكيون اليهود» . وقد ساهمت خصوصية الولايات المتحدة الأمريكية في سرعة ظهور الهوية اليهودية الجديدة وفي بلورتها، وتتمثل هذه الخصوصية في العناصر التالية:

1 ـ المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني يتكون من فسيفساء إثنية. ورغم أن ثمة نواة بروتستانتية بيضاء أسست المجتمع وشكلت أغلبية أعضاء النخبة، فإن المجتمع لا تُوجَد فيه أغلبية متجانسة. ولذا، لا يشكل اليهود الأقلية الإثنية أو الدينية الوحيدة، وإنما توجد بالإضافة إليهم عشرات الأقليات الأخرى، مثل الإيطاليين والأيرلنديين والمهاجرين ذوي الأصل الإسباني من بورتوريكو وأمريكا اللاتينية، إلى جوار العرب والسلاف. كما تُوجَد الآن أعداد كبيرة من الآسيويين من الهند والصين واليابان، وهناك أيضاً أعداد كبيرة من الأقليات الدينية من كل شكل ولون.
2 ـ المجتمع الأمريكي مجتمع جديد منفتح يوجد فيه مجال للريادة والاستثمارات والحراك الاجتماعي، الأمر الذي يسَّر لأعضاء الجماعات اليهودية أن يحققوا كل إمكانياتهم الاقتصادية وأن يستثمروا كفاءاتهم ورؤوس أموالهم بشكل كامل. والمجتمع الأمريكي الرأسمالي، الذي تشتغل فيه قطاعات ضخمة بالتجارة والبيع والشراء والأعمال المالية، لم يفرض على أعضاء الجماعات اليهودية دور الوسيط، ولم يُحرِّم عليهم أي نشاط اقتصادي.
3 ـ لم يمارس المجتمع الأمريكي أي تمييز ضد أعضاء الجماعات اليهودية في الحقوق السياسية أو المدنية، بل منحهم هذه الحقوق كاملة منذ البداية. ولم يُظهر هذا المجتمع سوى أشكال طفيفة من التفرقة الاجتماعية (هي شكل من أشكال التحامل أكثر من كونها تفرقة عنصرية) مثل حرمان اليهود من عضوية النوادي الاجتماعية الأرستقراطية أو التعيين في بعض المناصب الحيوية. وقد تهاوت هذه الحواجز ذاتها في أوائل السبعينيات حين عُيِّن كيسنجر وزيراً للخارجية عام 1973، وإرفينج شابيرو مديراً لواحدة من أكبر الشركات الأمريكية (شركة دي بونت) عام 1974.

4 ـ المجتمع الأمريكي مجتمع ليس له تاريخ طويل أو تراث مُركَّب، ومن ثم لا تسيطر علىه أية أساطير عرقية أو مفاهيم دينية قديمة ذات امتداد زمني أو ذات جذور تاريخية راسخة. وإن كانت هناك رواسب حملها بعض المهاجرين معهم، مثل الأيرلنديين أو الألمان وغيرهم، فهي مجرد رواسب لم تكتسب أية مركزية ولم تضرب بجذور عميقة. ويقول بعض علماء الاجتماع إن التعصب الأمريكي عادةً ما يستهدف السود بالدرجة الأولى، ثم الكاثوليك بالدرجة الثانية، ولكنه لا يستهدف أعضاء الجماعات اليهودية إلا بالدرجة الأخيرة.
5 ـ المجتمع الأمريكي هو أكثر المجتمعات علمانية على وجه الأرض، حيث تم فصل الدين والأخلاق وكل القيم عن الدولة وعن رقعة الحياة العامة (أي عن 90% من حياة الإنسان الأمريكي) .
لكل هذا، وجد المهاجرون اليهود أنفسهم في وضع حضاري جديد تماماً، إذ أن المجتمع الأمريكي مجتمع منفتح بمعنى الكلمة، بخلاف المجتمعات الغربية المنغلقة المثقلة بالأساطير القديمة والتقاليد التاريخية والقيم التي ورثتها. ولذلك اندمجوا فيه بسرعة وتهاوت أسوار العزلة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية عنهم، فلم يُضطروا إلى السكنى في أماكن خاصة بهم (الجيتو) ، ولم يُفرَض عليهم أن يرتدوا أزياء مُميَّزة. ولهذا، اختفت بقايا ثقافة يهود اليديشية الإثنية من شرق أوربا، كما اختفت تقريباً اللغة اليديشية ذاتها بسرعة، وكذلك الأمر مع المدارس ذات الطابع اليهودي التقليدي بل وغير التقليدي.

ومع هذا، يمكن القول بأن الهوية اليهودية الجديدة في الولايات المتحدة، رغم تبلورها بسرعة وبشكل حاد، فإنها لا تشكل سوى حالة متقدمة من متتالية نماذجية آخذة في التحقق. فالهوية اليهودية الجديدة هي ثمرة التفاعل التلقائي واليومي بين أعضاء الجماعات اليهودية ومجتمعاتهم العلمانية، إلا أنها في الوقت نفسه ثمرة تخطيط واع. فبعد انهيار أسوار الجيتو، وفتح أبواب الانعتاق، والاندماج، أدرك بعض قيادات الجماعات اليهودية الفكرية ضرورة تحديث الهوية اليهودية لتتفق مع الأوضاع الجديدة، بكل ما تعطيه لليهود من حقوق جديدة، وبكل ما تُلزمهم به من واجبات جديدة أيضاً. وقد كان مُتصوَّراً أن تحديث الهوية اليهودية هو السبيل الوحيد لاحتفاظ اليهودي بيهوديته (الدينية أو الإثنية) وتحقيق الاستمرار لها داخل مجتمعات ما بعد الانعتاق، لأن الاصطدام بالمنظومة العلمانية أمر لا جدوى له. ولكن ما حدث كان عكس المتوقع. إذ اندمج اليهود تماماً في مجتمعاتهم بحيث أصبحت أنماط سلوكهم وأسلوب حياتهم لا تختلف كثيراً عن الأنماط والأساليب السائدة في مجتمعاتهم، كما أن أحلامهم وطموحاتهم لا تختلف عن أحلام وطموحات معظم أعضاء مجتمعاتهم التي ارتفعت فيها معدلات العلمنة. أما البُعد اليهودي في هويتهم فقد أصبح هامشياً للغاية، وظهر أن الهوية اليهودية الجديدة (من منظور خصوصيتها اليهودية الدينية أو الإثنية) هوية هشة رخوة تنتمي يهوديتها إلى المظهر والقشرة لا إلى المخبر والجوهر.

فعلى المستوى الديني، نجد اليهودي الجديد «المتدين» (باستثناء قلة صغيرة) ينتمي عادةً إلى فرقة من الفرق اليهودية الجديدة (الإصلاحية أو المحافظة أو التجديدية) التي تؤمن بصياغة مخففة للغاية من اليهودية. وهو قد يُصنِّف نفسه يهودياً متديناً ومع هذا لا ينتمي إلى أي من الفرق. وهذا الانتماء الديني يأخذ شكل الإيمان ببعض الأفكار الغامضة عن وجود الإله وبعض المبادئ الأخلاقية العامة الموجودة في معظم الأديان والمنظومات الأخلاقية. وهو إيمان منفصل تماماً عن الشعائر الدينية والإثنية اليهودية، فقد اختفت، بشكل كامل تقريباً، الشعائر الدينية اليومية التي تنظم حياة اليهودي بل واختفت الشعائر الأسبوعية والشهرية ولم يبق سوى الشعائر السنوية ذات الطابع الاحتفالي والتي لا تتطلب أية عملية ضبط للذات. بل، على العكس، يتحول الاحتفال بالشعائر إلى فرصة لتأكيد الذات والإفصاح عنها وإدخال قدر من المتعة عليها. ولذا، تم التركيز على تلك الشعائر ذات القيمة الجمالية أو الإثنية أو تلك التي تشبه بعض الطقوس والشعائر (المسيحية) بحيث يستطيع الجميع الاحتفال بشعائرهم في ذات الوقت وفي رقعة الحياة العامة. وانطلاقاً من هذا، نجد أن الشعائر تأخذ شكل تناول العشاء أو وجبة مطبوخة بطريقة معينة في بعض الأعياد أو إيقاد شموع السبت (لا يقيم شعائر السبت كلها سوى 5% من يهود أمريكا) أو إيقاد شمعدان الحانوخاه في ديسمبر أو تزيين المنزل بشجرة الحانوخاه التي ليس لها أي مضمون ديني (وتشبه تماماً شجرة الكريسماس) . بل وهناك العم ماكس رجل الحانوخاه، بديل بابا نويل أو سانتا كلوز. وهذا اليهودي الجديد قد يذهب إلى المعبد اليهودي ولكنه يفعل ذلك مرة أو مرتين في السنة (عادةً في يوم الغفران وربما في عيد الفصح) . والشعائر تُقام لا باعتبارها شعائر دينية وإنما باعتبارها حدثاً اجتماعياً إذ تحوَّل الزمان الديني المقدَّس (بالإنجليزية: سيكريد تايم sacred time) إلى

احتفال عائلي، أي إلى زمن عائلي (بالإنجليزية: فاميلي تايم family time) ، ثم تحول الزمن العائلي بدوره إلى "وقت الفراغ" أو "الويك إند".
ويمكن أن يغالي اليهودي الجديد قليلاً ويصر على ضرورة ممارسة شعائر الطعام الشرعي ولكنه عادةً ما يقيم بعضها لا كلها، كما يمكنه أن يُصر على إقامة احتفال بلوغ سن التكليف (بارمتسفاه) لأطفاله (حتى لا يختلف عن أقرانه المسيحيين ممن يحتفلون بتثبيت التعميد) . ولكن هذا الاحتفال، تماماً مثل الاحتفال بالحانوخاه، مُفرَّغ تماماً من أي مضمون ديني أو حتى أي مضمون إثني حقيقي. فهو حَدَث بورجوازي استهلاكي ضخم يُشبه الاحتفال بعيد الميلاد حين يحتفل الإنسان بميلاده البيولوجي لا بميلاده الديني. وبدلاً من أن يتذكر اليهودي أنه قد وصل إلى السن الذي يجب عليه أن يحمل فيها نير العهد ويُنفذ الوصايا والأوامر والنواهي، فإنه يعقد حفلة فاخرة مكلفة وسوقية (تثير حفيظة كثير من الحاخامات) . وقد لخص أحد الحاخامات الموقف الديني في الولايات المتحدة بقوله: «إن يهود أمريكا قد أصبحوا أقل تديناً وأصبحت يهوديتهم أكثر تأمركاً» . ويمكن إعادة صياغة هذا القول لينطبق على يهود المجتمعات الغربية ككل فنقول: «إن يهود العالم الغربي العلماني قد أصبحوا أقل تديناً وأصبحت يهوديتهم أكثر علمانية» .
أما من الناحية الإثنية، فيُلاحَظ أن اليهود الجدد يتحدثون لغة البلد الذي ينتمون إليه وقد يستخدمون كلمة عبرية هنا وكلمة يديشية هناك من قبيل التظاهر الإثني، ولكن هذا لن يعوق عملية التواصل الرشيد البرجماتي. وتُعَدُّ الإنجليزية، وليس العبرية، لغة معظم يهود العالم إذا أضفنا يهود أستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا وإنجلترا وكندا إلى الأمريكيين اليهود، وهي اللغة التي يتحدثون بها ويحبون ويكرهون ويتعبدون ويدبجون مؤلفاتهم الدنيوية والدينية بها.

ومن الواضح أن الحضارة الغربية الحديثة قد بهرت الكثيرين من اليهود وحلت محل ثقافتهم اليهودية التقليدية تماماً. وكما قال أحد المعلقين، فإن يهود العالم الغربي يعرفون موتسارت ومايكل جاكسون، ولكنهم لم يسمعوا قط بموسى بن ميمون ولا يعرفون عن مضمون التلمود شيئاً، وبعضهم يصاب بصدمة عميقة حينما يعرف عن بعض جوانب التلمود المظلمة والسلبية. وغني عن القول أن النسق القيمي الذي يتبناه عامة اليهود الجدد والأمريكيون اليهود هو نسق مادي استهلاكي، شأنهم في هذا شأن عامة جماهير المجتمعات الغربية. والواقع أن الإسهامات الثقافية المتميِّزة ليهود العالم الغربي، في مجالات الأدب والفنون التشكيلية والعلوم، تُعَدُّ من أكبر الشواهد على مدى اندماجهم في هذه الحضارة وتَملُّكهم ناصية مصطلحها. فهي إسهامات غربية علمانية بالدرجة الأولى، وقد تكون لها نبرة يهودية حين تتناول أحياناً موضوعات يهودية، ولكن المجتمعات الغربية لا تُمانع في هذا بتاتاً ما دامت هذه النبرة لا تتعارض مع أداء اليهودي في رقعة الحياة العامة. والعقد الاجتماعي الأمريكي يسمح للأمريكيين بأن يحتفظوا بشيء من عقائدهم الدينية وثقافتهم الأصلية بشرط ألا يتناقض ذلك مع الانتماء الأمريكي الكامل.
ولذا، يستطيع اليهودي أن يُعبِّر عن إحساسه بالانتماء للتراث اليهودي (دون إلمام به) ، وأن يتباهى أمام الجميع بذلك، وأن يشعر بالفخر بالإنجازات اليهودية، ويشتري أعمالاً فنية يهودية (نجمة داود ـ شمعدان المينوراه ـ أعمال شاجال ـ أفلام وودي آلن) ، ويشتري أيضاً بعض الهدايا التذكارية (سوفينير) من إسرائيل، ويُساهم في المناسبات والمؤسسات الخيرية والثقافية اليهودية أكثر من أقرانه من غير اليهود. ولكن كل هذه أمور هامشية بالنسبة لانتمائه لمجتمعه ولأدائه في رقعة الحياة العامة.

ولا يتفاعل اليهود الجدد مع ثقافة إسرائيل العبرية إلا باعتبارها ثقافة أجنبية يربطهم بها اهتمام خاص، تماماً مثلما يتفاعل المهاجر الإيطالي مع الثقافة الإيطالية حينما يدفعه الحنين الرومانسي إلىها (نوستالجيا nostalgia) وذلك دون أن يضحي بهويته الأمريكية.
ويُعَدُّ تزايد معدلات الزواج المُختلَط من أهم علامات تآكل الهوية اليهودية وهشاشتها. فقد أصبحت هذه الهوية اليهودية الجديدة، بسبب هامشيتها بالنسبة لسلوك اليهودي في المجتمعات الغربية، لا تُشكِّل عائقاً أمام الزواج المُختلَط. فحينما يقرر شخص غير يهودي، مثلاً، أن يتزوج من يهودي رجلاً كان أو امرأة، فإن انتماء هذا الأخير لا يمس جوهر رؤيته للكون أو لنفسه ولا يؤثر في سلوكه بشكل كبير. فاليهودي، شأنه شأن المسيحي، يؤسس حياته على أسس علمانية، ولذا لا يتردد اليهودي في الزواج من شخص غير يهودي. بل ويُقال إن إعادة تعريف الهوية اليهودية لم تَعُد تشكل فقط حاجزاً أمام الزواج المُختلَط، بل وأصبحت حافزاً على مثل هذا الزواج في المجتمعات العلمانية، حيث يبحث الجميع عن مغامرات جديدة ومغايرة وعن أساليب حياة مختلفة، واليهودي يتيح هذه الفرصة ويُحقق مثل هذه الأمنية لمن يقترن به.

ومن أكبر العلامات الأخرى على الاندماج الكامل ما يُعرَف بالاندماج الاقتصادي. فلم يَعُد اليهود يشكلون كتلة اقتصادية مستقلة داخل المجتمعات الغربية. ولم يَعُد لهم هرم وظيفي مستقل عن الهرم السائد في المجتمع (إلا من بعض الجوانب فقط) . كما لا يمكن الحديث عن «رأسمالية يهودية» أو حتى عن «رأسمالية يهودية أمريكية أو إنجليزية» ، فرؤوس الأموال التي يملكها الرأسماليون اليهود إنما هي رؤوس أموال أمريكية أو إنجليزية ليس لها حركية مستقلة أو اتجاه مستقل، أي أنها جزء صغير من كلٍّ أكبر. والرأسمالي أو المهني أو العامل اليهودي لا يواجه مشاكل خاصة به، بل يواجه المشاكل نفسها التي يواجهها أقرانه في الشريحة الاجتماعية نفسها أو في المهن نفسها. ويُلاحَظ أن الأمريكيين اليهود يتركزون في الوقت الحالي في المهن (الطب والجامعات والإعلام ... إلخ) وهو اتجاه آخذ في التعمق باعتبار أن عدد الشباب اليهودي في الجامعات الأمريكية يتزايد على مر الأيام. ولكن هذا هو الاتجاه العام في المجتمعات الاستهلاكية، إذ يزيد قطاع الخدمات تدريجياً بازدياد الرفاهية. ومع تزايد اعتماد المجتمعات الحديثة على الآلات العلمية والإلكترونيات، يزداد احتياج المجتمع إلى المهنيين. وإذا كانت نسبة اليهود المهنيين أعلى من النسبة العامة في الولايات المتحدة، فهذا ليس دليلاً على التمييز العنصري وإنما هو دليل على أن اليهود، باعتبارهم أقلية، يتسمون بقدر من الحركية أعلى من تلك التي يتسم بها بقية أعضاء المجتمع، فيسارعون باغتنام الفرص التعليمية المتاحة ويحققون درجة من الحراك الاجتماعي تزيد عن تلك التي يحققها بقية أعضاء المجتمع، وهم في هذا لا يختلفون عن أعضاء الأقليات الأخرى.

ويهود الدول الغربية الحديثة لا يعيشون في جيتوات مقصورة عليهم وإنما يتقرر مكان معيشتهم بحسب دخولهم وبحسب ما تمليه مصالحهم (الطبقية والمهنية والحرفية) . وقد نجم عن هذا أن اليهود الجدد، والأمريكيين اليهود على وجه الخصوص، يعيشون إما في المدن الكبرى أو في مدن صغيرة أو جديدة قريبة من المدن الكبرى (الضواحي) . ويتسبب هذا التوزيع في تشتيت اليهود الجدد، وفي ابتعادهم عما تبقى من مراكز الثقافة اليهودية وعن أقرانهم، وفي اقترابهم من غير اليهود، الأمر الذي يزيد معدل اندماجهم والزواج المُختلَط بينهم. ومن المفارقات التي تستحق الذكر أن الحراك الاجتماعي يُعتبَر من أهم أسباب تَشتُّت اليهود الجدد، وارتقائهم في سلم المجتمع وفي مراحل التعليم العالي، وفي بحثهم الدائب عن أفضل المؤسسات التعليمية وأحسن الفرص الاقتصادية. وتكمن المفارقة في أن القيمة الإيجابية التي يعلقها اليهود الجدد على التعليم هي نفسها التي تسبب انتشارهم، بكل ما يتضمنه هذا الانتشار من سلبيات من منظور التماسك الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، سنجد أن توجهات يهود العالم الغربي السياسية (بما في ذلك تأييدهم لإسرائيل والصهيونية) لا يختلف عن الأنماط السياسية السائدة في المجتمع، وأن طريقة تصويتهم في الانتخابات لا تختلف (إلا في بعض التفاصيل) عن النمط السائد في المجتمع. فيُلاحَظ مثلاً أن يهود الولايات المتحدة كانوا يتجهون حتى عهد قريب اتجاهاً ليبرالياً وكان أغلبيتهم يصوتون لصالح الحزب الديموقراطي. وهم، في هذا، لا يختلفون كثيراً عن أعضاء الأقليات الأخرى أو عن سكان المدن. وهم يكونون جماعات ضغط تتحرك داخل النظام السياسي ولكنها لا تختلف في هذا عن الأقليات وجماعات الضغط الأخرى (فالديموقراطية الأمريكية لم تَعُد ديموقراطية انتخابية وإنما صارت ديموقراطية جماعات الضغط) .

وقد أدَّى تَزايُد معدلات الاندماج إلى الابتعاد عن التراث أو الموروث الثقافي التقليدي، وبالتالي إلى ضعف الهوية الإثنية الخاصة. ومن المُلاحَظ أن أزمة الهوية والإحساس بالاغتراب، وهما من الموضوعات الأساسية في الأدب الغربي الحديث وفي المجتمعات الغربية، قد أصابا اليهود الجدد أيضاً، ومن هنا بحثهم الدائب عن هوية. والواقع أن هذا البحث ترجم نفسه إلى حاجة نفسية لافتراض وجود ظاهرة معاداة اليهود في كل مكان. ففي غياب أي مضمون إيجابي للهوية، يصبح الآخر المعادي عنصراً ضرورياً لوجودها ومصدراً أساسياً لها. وقد ذكر أحد المعلقين الأمريكيين أن سارتر يرى أن المعادي لليهود إن لم يجد يهوداً لاخترعهم اختراعاً. ولكن الوضع أصبح معكوساً بالنسبة للأمريكيين اليهود واليهود الجدد، فهم إن لم يجدوا أعداء اليهود لاخترعوهم. والمؤسسة الصهيونية تدرك هذه الحاجة النفسية للأمريكيين اليهود، فتقوم بتعميق إحساسهم بالمخاطر الحقيقية أو الوهمية المحيطة بهم والمؤامرات التي تُحاك ضدهم، وتؤكد على الهولوكوست أو الإبادة النازية باعتبارها موضوعاً أساسياً فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» وعلى إمكانية قيام أفران الغاز في بروكلين (نيويورك) أو في كولومبوس (أوهايو) أو حتى في باريس (فرنسا) أو موسكو (روسيا) .

ولكن الشكل الأساسي للهوية المعلنة بين الأمريكيين اليهود واليهود الجدد بشكل عام هو إعلان انتمائهم الصهيوني بشكل متشنج حتى يضفوا ما يشبه المضمون الإيجابي الصلب على هذه الهوية اليهودية الجديدة الهشة السطحية، فهي تجعل الأمريكي اليهودي فرداً من الشعب اليهودي القديم فخوراً بتراثه ورموزه القومية، خصوصاً الرمز القومي الأكبر، أي الدولة الصهيونية. ولكن، بشيء من التحليل المتعمق، سنكتشف أن يهود العالم الغربي والأمريكيين اليهود قبلوا الصهيونية حسب شروطهم هم. ونحن نقسم الصهيونية إلى نوعين: صهيونية استيطانية، أي أن يهاجر المواطن اليهودي من بلده ويتحول إلى مستوطن صهيوني في فلسطين، وصهيونية توطينية أو صهيونية الغوث والمعونة والهوية، وهذه صهيونية تترجم نفسها إلى تبرعات مالية لإسرائيل للمساعدة في توطين اليهود الآخرين، وإلى تأييد وضغط سياسيين من أجلها، وإلى مصدر من مصادر الهوية، بحيث تصبح إسرائيل بالنسبة لهؤلاء الأمريكيين اليهود هي البلد الأصلي (مسقط الرأس) مثل إيطاليا بالنسبة إلى الإيطاليين وأيرلندا بالنسبة إلى الأيرلنديين ولبنان بالنسبة إلى اللبنانيين، فكأن الأمريكيين اليهود قد تَقبَّلوا الصهيونية بعد أمركتها، تماماً مثلما فعلوا مع اليهودية!

لكل هذا، لا يهاجر اليهود الجدد إلا بأعداد صغيرة، فمعدل هجرة الأمريكيين اليهود في السنة هو 1250 فقط (ولعل هذا العدد قد تزايد قليلاً مع انتشار البطالة في المجتمع الأمريكي) ، ولكنهم دائماً على استعداد لإحداث الضوضاء والتظاهر من أجل إسرائيل والكتابة إلى الكونجرس ودفع التبرعات الآخذة في التناقص (لا يُساهم سوى 02% من يهود أمريكا في الجباية اليهودية الموحَّدة،كما لُوحظ مؤخراً أن ما تحصل عليه الجمعيات الخيرية غير اليهودية من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة يزيد على ما تحصل عليه الجمعيات اليهودية) . وقد لاحظ أحد الدارسين أن الهجرة إلى إسرائيل تتناسب تناسباً عكسياً مع تَصاعُد نبرة هذه الصهيونية التوطينية وازدياد حدتها.
لكن الأهم من هذا كله أن هذه الصهيونية لا تشكل رؤية متكاملة للحياة، فهي لا تتحكم إلا في جانب واحد وسطحي من الشخصية، إذ تظل قيم اليهودي الجديد وهويته المتعيِّنة غربية علمانية استهلاكية. ومما ييسر الأمر بالنسبة إلى اليهود الجدد أنه لا يوجد أي تعارض أو تناقض بين مصالح بلادهم ومصالح إسرائيل التي تمثل هذه المصالح في الشرق الأوسط. فتأييدهم للمُستوطَن الصهيوني لا يختلف في أساسياته (وإن اختلف أحياناً في نبرته) عن تأييد غير اليهود للمشروع الصهيوني. وهو تأييد مؤسِّسي عام تشترك فيه الحكومات الغربية والمؤسسات الإعلامية والثقافية. وحين يُشارك اليهودي الجديد في هذا لا يعدو أن يكون صوتاً في جوقة، يسبح مع التيار لا ضده. ويمكن الزعم بأن تأييد يهود أمريكا لإسرائيل ينبع أساساً من أمريكيتهم، أي من انتمائهم الأمريكي وليس من خصوصيتهم اليهودية.

ولكن هذا الانتماء الصهيوني يخبئ كثيراً من التناقضات والمفارقات. فأولاً: إذا كانت إسرائيل هي حقاً البلد الأصلي، فإن هذا يعني أنها البلد الذي هاجر المهاجر منه لا البلد الذي يهاجر إليه، أي أن الأسطورة الصهيونية في محاولة التكيف مع الواقع الأمريكي قضت على نفسها. وثانياً: يساعد هذا الانتماء الصهيوني السطحي على مزيد من الاندماج والانصهار، فهو انتماء إثني لا ديني يُفقدهم ما تبقَّى لهم من انتماء ديني. وحيث إنهم يكتسبون سماتهم الإثنية الحقيقية من مجتمعاتهم، فهم يزدادون في واقع الأمر تأمركاً وعلمنة وتظل الاختلافات بينهم وبين بقية المواطنين باهتة وطفيفة، ويصبح مضمون الحياة اليهودية الوحيد هو دفع التبرعات إلى إسرائيل وحضور المظاهرات التي ينصرف اليهودي الجديد بعدها إلى بيته الوثير في الضاحية، بعد أداء واجبه تجاه هويته اليهودية الجديدة الهشة، ليتمتع بحياة استهلاكية هنيئة ويلتهم كل أنواع الطعام، المباح وغير المباح شرعاً. وقد لاحظ بن جوريون نفسه هذا الوضع حينما ذكر أن صهيونية يهود أمريكا (والعالم الغربي) ليست إلا غطاء لعملية الاندماج السريعة. ويمكن تلخيص الموقف بالقول بأنه من منظور الهوية بين اليهود الجدد، يُوجَد سطح صهيوني لامع تزدهر فيه الهوية الإثنية الوهمية السطحية، وباطن غربي علماني تتآكل فيه الهوية الدينية أو التقليدية وتتشكل داخله الهوية اليهودية الجديدة. وإذا كان الصهاينة قد وصفوا اليهود المندمجين بأنهم المارانو الجدد (أي اليهود المتخفون، مثل يهود إسبانيا الذين اضطروا إلى التنصر، فأظهروا مسيحيتهم وظلوا في الباطن يهوداً) ، فيمكننا أن نصف اليهود الجدد بأنهم مقلوب المارانو، أي أنهم يظهرون اليهودية بطريقة صاخبة ولكنهم يبطنون العلمانية والاستهلاكية والأمريكية.

ولكن كل هذا لا يعني عدم وجود تناقضات بين اليهود الجدد والمجتمعات التي ينتمون إليها، كما لا يعني أن كل أشكال التفرقة ضدهم قد اختفت تماماً. فهناك التوتر المتزايد بين الأمريكيين اليهود والسود، وبينهم وبين الكثير من أعضاء الجماعات المهاجرة. وهناك أشكال من التفرقة الاجتماعية غير الملحوظة (نسميه «تحامل» ) . ولكن مثل هذه التناقضات ومثل هذه التفرقة هي جزء من أي كيان اجتماعي. ويشبه وضع اليهود الجدد، في كثير من نواحيه، وضع أية أقلية في أي مجتمع غربي حديث منفتح، وهذا الوضع شيء جديد تماماً بالنسبة إلى يهود العالم الغربي.
يهودي غير يهودي ويهودى بشكل ما
‏Non-Jewish Jew and Jewish in Some Way
«اليهودي غير اليهودي» هو عنوان أحد كُتب المؤرخ والمفكر التروتسكي إسحق دويتشر. ويذهب دويتشر إلى أن ثمة جانباً عالمياً في اليهودية تَبدَّى في الفكر الثوري العالمي للمفكرين اليهود أمثال إسبينوزا وماركس، فهذا الجانب العالمي دفعهم لأن يطوروا أنساقاً فكرية ثورية عالمية تجاوزت حدود اليهودية بل وحدود كثير من الأنساق الفكرية الأخرى. ومعنى ذلك أن تَحقُّق النزعة العالمية الكامنة في اليهودية يؤدي إلى نفي اليهودية. وهؤلاء المفكرون، في تَصوُّر دويتشر، يمثلون كل ما هو عظيم في الفكر الحديث سواء في الفلسفة أو علم الاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة في القرون الثلاثة الأخيرة. ويرى دويتشر أن السمات الأساسية لهؤلاء المهرطقين اليهود هي ما يلي:
1 ـ الإيمان بالحتمية، وبأن العالم يحكمه قانون.
2 ـ الإيمان بأن الواقع في حالة حركة دائمة وليس جامداً.
3 ـ عدم انفصال النظرية عن الممارسة.
4 ـ الإيمان بتضامن البشر في عملية انعتاق إنسانية كاملة.

والعناصر الثلاثة الأولى تعني، في واقع الأمر، الإيمان بالمرجعية المادية الكامنة ونموذج الطبيعة/المادة، أما الرابع فهو الإيمان بعقيدة التقدم. ويضيف دويتشر أن هؤلاء المثقفين اليهود المهرطقين يعيشون على حدود الحضارات، وهذا يعمق إيمانهم بصيرورة العالم وبالتضامن الإنساني العالمي.
ويمكن القول بأن المثقفين اليهود غير اليهود لا يختلفون كثيراً عن المثقفين المسيحيين غير المسيحيين. فاليهودي غير اليهودي، هو فرد من أصل يهودي وحسب، فَقَد إيمانه بمنظومته العقيدية، وهو مع هذا لا يختلف عن المثقف من أصل مسيحي الذي فَقَد إيمانه بالعقيدة المسيحية، فالجميع يلتقي في رقعة الحياة العامة والرؤية الأممية العالمية الكوزموبوليتانية. وهذا على كلٍّ هو ميراث عصر الاستنارة الذي يسعى إلى ظهور الإنسان الأممي الذي لا يرتبط بأية خصوصيات قومية أو دينية أو طبقية، وإن ارتبط بشيء فهو شيء أممي عام مثل الحفاظ على البيئة أو مصالح الطبقة العاملة التي ستلغي كل الطبقات وتُحقِّق المجتمع الشيوعي الذي سيسير حسب قوانين الاشتراكية العلمية.
وهناك كثير من النشطاء السياسيين في الأحزاب الشيوعية والحركات الثورية الغربية من أصل يهودي، ولكنهم فقدوا علاقتهم باليهودية وتحولوا إلى ثوريين متطرفين يعملون من أجل المثل الثورية الأممية العالمية النابعة (كما يتصورون) من قوانين الحركة المادية الكامنة والتي تتبدَّى في جدلية التاريخ، ومن ثم فهي مُثُل لا تعرف أية خصوصيات. وقد جعل هؤلاء الثوريون همهم القضاء على ما تبقَّى من جيوب إثنية يهودية (يديشية في معظمها) تحت شعار دمج اليهود في مجتمعاتهم وحل المسألة اليهودية من خلال الطرح الثوري. ومن أهم هذه الشخصيات فرديناند لاسال وكارل ماركس وروزا لوكسمبورج وليون تروتسكي وإيسنر كورت وبيلا كون وراكوس ماتياس وأرنو جيرو ورودولف سلانسكي وآنا بوكر.

ورغم العداء الشرس من قبل هؤلاء المثقفين اليهود غير اليهود لليهود واليهودية، ظلت الجماهير الشعبية تصنفهم على أنهم «يهود» ، حتى أن الثورة البلشفية كانت تُدعَى «الثورة اليهودية» . ويعود هذا إلى أن أعداد هؤلاء اليهود غير اليهود في صفوف الحركات الثورية والاشتراكية، بل وفى قياداتها، كان أمرا ملحوظًا. ولكن هناك بُعداً خاصاً للقضية في شرق أوربا (حيث كانت تُوجَد غالبية اليهود وحيث استولت الأحزاب الشيوعية على نُظُم الحكم) . فأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يلعبون دور الجماعة الوظيفية في مجتمعاتهم التقليدية، وكانوا أداة قمع في يد الطبقة الحاكمة (فكانوا جامعي الضرائب وكانوا وكلاءهم الماليين والتجاريين) . ووجود اليهود غير اليهود الملحوظ في الأحزاب الشيوعية في شرق أوربا، خصوصاً في النظم الستالينية، جعل الناس يدركون مرة أخرى أنهم جماعة وظيفية يهودية جديدة تلعب مرة أخرى دور العميل لحساب القوة الشيوعية الروسية أو المحلية التي تقوم بابتزازهم. ورغم أن هؤلاء المفكرين والمواطنين الثوريين من اليهود غير اليهود لم يميِّزوا بين اليهود وغير اليهود، وكانوا أداة أمينة في يد نظمهم الحاكمة في عملية القمع، إلا أن العقل الشعبي لا يميل إلى التمييز بين الظلال المختلفة بل يميل إلى إدراك الواقع من خلال نماذج مختزلة له، خصوصاً أن هناك تراثاً تاريخياً يدعم هذا النموذج. ولذلك، فهناك مفارقة تستحق التأمل وهي أنه رغم اختفاء اليهود من هذه البلاد، إلا أن شعوبها لا تزال تمارس عداءً حقيقياً لليهود.

ويمكن أن نوسِّع نطاق مصطلح «يهودي غير يهودي» لنشير إلى أي مواطن من أصل يهودي تآكل انتماؤه اليهودي (سواء من الناحية الإثنية أو الدينية) أو اختفى تماماً، فهو إنسان مندمج تماماً في محيطه يُقبل على الزواج المُختلَط ولا يعيش في جيتو أو في أي قسم من أقسام المدينة مقصورة عليه، كما لا يتسم بأي تَميُّز وظيفي أو مهني أو ثقافي فهو من اليهود الجدد أصحاب الهوية اليهودية الجديدة، ورغم كل هذا يُصنَّف على أنه «يهودي» إما من قبَل ذاته أو من قبَل الآخرين، ومن ثم تصبح يهوديته إما شيئاً مفروضاً عليه من الخارج أو ادعاء ليس له ما يسانده لا في سلوكه ولا رؤيته.
1 ـ وإذا كان «اليهودي غير اليهودي» قد صُنِّف يهودياً رغم أنفه (وهذا ما كان يحدث في العالم الغربي حتى الحرب العالمية الثانية) ، فهو عادةً لا يكترث بجوانب سلوكه أو شخصيته التي يسميها الآخرون «يهودية» ، بل يحاول قدر استطاعته أن يبيِّن أنها هامشية ويُحس بالاستياء إن أصر الآخر على مركزية انتمائه اليهودى.
2 ـ يمكن أن نُصنِّف اليهود الخفيّين (بالإنجليزية: إنفيسيبل جوز invisible Jews) ضمن هؤلاء، ففى أثناء الحرب العالمية الثانية آثر الكثير من اليهود أن يخفوا هويتهم خوفا من الاضطهاد النازى، كما أن الفاتيكان أعطى الألوف شهادات تعميد لتسهل لهم عملية الهجرة أو التخفى. وفى الاتحاد السوفيتى كان من حق المواطن اليهودى أن يسجل نفسه روسياً أو أوكرانياً إن شاء، أو يهودياً إن فضَّل ذلك. وقد آثر مئات الألوف تسجيل أنفسهم روساً. ومن أشهر هؤلاء مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية، التى أُكتشف أمرها؛ وكذلك روبرت ماكسويل، الناشر الإنجليزى.
3 ـ ولا شك في أن اليهودي الكاره لنفسه هو أيضاً يهودي غير يهودي.

4 ـ بل وعلى المستوى العميق، يمكن القول بأن كل الصهاينة هم «يهود غير يهود» ، فالمضمون اليهودي لحياة معظم صهاينة الغرب يكاد يكون منعدماً، وهم يهود كارهون ليهوديتهم ويودون إلغاء الوجود اليهودي في العالم ليُحلوا محله نمطاً إنسانياً جديداً (طبيعياً) لا يتسم بأي شذوذ أو طفيلية، وهو ما يُسمَّى الإنسان العبري الجديد.
5 ـ بلغ الاختلاط درجة كبيرة حتى أنه ظهرت فى الاحصاءات الخاصة بالجماعات اليهودية فى العالم مقولة جديدة كل الجده وهى «يهودى بشكل ما» (بالانجليزية: جويس إن سم وبى Jewish in some way) وهى مقولة كوميدية لاتختلف عن تعريف سارتر لليهودى بأنه «هو من يشعر فى قرارة نفسه بأنه كذلك» .
6 ـ أما «اليهودي غير اليهودي» الذي يدعي اليهودية ويتباهى بها (وهذا هو النمط السائد بعد وعد بلفور والحرب العالمية الثانية) ، فهو على العكس من ذلك، حيث يتباهى بانتمائه اليهودي مع أن حياته وسلوكه وهويته تكاد تكون خالية تماماً من أي مضمون يهودي ديني أو إثني. وهو يسعى دائماً إلى إبراز جوانب شخصيته التي يتصور أنها يهودية.
فريدريك ستاهل (1802-1861)
‏Friedrich Stahl
اسمه الأصلي يوليوس شلسنجر. وُلد في بافاريا الكاثوليكية. وهو رجل سياسة وقانون ألماني محافظ وأحد قادة البروتستانتية اللوثرية الألمانية. وُلد لأسرة يهودية وتلقى تعليماً أرثوذكسياً يهودياً، ولكنه تَنصَّر ثم دخل الكنيسة اللوثرية عام 1819، أي وهو بعد في سن السابعة عشرة. وقد كان في هذا مثل عدد كبير من اليهود الألمان في عصره الذين تَنصَّروا لأسباب مختلفة.
درس ستاهل القانون في عدة جامعات ألمانية، وكان نشطاً في الحركات الطلابية، وعمل أستاذاً للقانون الروماني والكنسي. وعُيِّن عضواً في المجلس التشريعي في بروسيا، وعضواً في مجمع الكنيسة البروسية، كما ساهم في إنشاء مجلس الشيوخ في بروسيا وعين عضواً فيه مدى الحياة، وكان قائداً للحزب المحافظ.

ويتناول أهم أعمال ستاهل الذي نُشر عام 1829 فلسفة القانون، حيث ينكر في هذا العمل كل العقائد العقلانية وينادي بأن أساس القانون والسياسة هو الوحي المسيحي وأن العرش الزماني لابد من ربطه بالعرش السماوي، أي مُلْك الإنسان بمُلك الإله، كما ينادي بتجنيد الجماهير ضد الليبرالية والديموقراطية.
وباعتباره قائداً للحزب المحافظ، كان ستاهل مسئولاً عن صياغة برنامجه السياسي الذي يُسمَّى برنامج تيفولي، والذي كان ينادي بعدم إعتاق اليهود. وكان ستاهل يؤكد دائماً أن اليهودية متدنية أخلاقياً بالقياس إلى الفولك (الشعب العضوي) الألماني. وقد تأثر بسمارك والمؤرخ الألماني ترايتشكه بأفكار ستاهل الذي يعده بعض المؤرخين المُنظِّر الحقيقي للفكر المحافظ الرجعي الألماني.
وُلد ستاهل ونشأ يهودياً أرثوذكسياً في مقاطعة كاثوليكية، وتَنصَّر ودخل الكنيسة اللوثرية البروسية وأصبح أحد قادتها ومن قادة الحزب المحافظ، وأخذ موقفاً معادياً تماماً لليهود لا من قبيل الانتهازية وإنما انطلاقاً من رؤية محافظة ساهم في صياغتها. ومع هذا، كان المعادون لليهود يشيرون إليه وإلى غيره من المفكرين من أصل يهودي بوصفهم يهوداً، الأمر الذي يُبيِّن مدى سذاجة مثل هذه التصنيفات ومدى عدم جدوى الإصرار على أن المفكر من أصل يهودي يظل بصورة حتمية يهودياً مهما تغيَّرت آراؤه ومواقفه وأفعاله. فمثل هذا الإصرار يؤدي إلى تكوين صورة عن المفكر لا علاقة لها ببنية فكره أو بمواقفه المتعيِّنة.
وقد يكون من التعسف إنكار أن أصول المفكر اليهودية تترك أثرها في فكره، ولكن لا يمكن، بأية حال، رد فكره بقضه وقضيضه إلى أصوله اليهودية.
فرديناند لاسال (1825-1864 (
‏Ferdinand Lassalle

زعيم وفيلسوف اشتراكي ألماني يهودي. وُلد في براسلاو لتاجر ثري، وانضم إلى الحركة اليهودية الإصلاحية وأصبح من أشد المؤمنين بها. وقد درس لاسال في جامعتي براسلاو وبرلين، وتأثر بكتابات هيجل، وانضم لفترة قصيرة لحركة الشباب الهيجلي وعمل على استخدام اليهودية الإصلاحية لضرب اليهودية الأرثوذكسية. وخلال الفترة 1843 ـ 1845، طوَّر لاسال مفهومه حول الاشتراكية الديموقراطية والصناعية التي تستند إلى حكم القانون. وفي عام 1845، انتقل إلى باريس حيث التقى بالشاعر هايني، وتوطدت علاقتهما برغم خلافاتهما العميقة اللاحقة. وقد اشترك في ثورة 1848 أن رؤاهما تباعدت في كثير من الأمور، فتَبنَّى لاسال نهجاً إصلاحياً ونادى بحق الاقتراع العام وبالملكية الدستورية كما أيد القومية ورفض اعتبار الحركة القومية السلافية في روسيا معادية للثورة.
وقد أسس لاسال عام 1863 الجمعية العامة للعمال الألمان والتي تطورت فيما بعد لتصبح الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني. وكانت زعامته لهذه الجمعية ومعاداته للحركة الليبرالية أحد أسباب التقارب بينه وبين بسمارك الذي كان أيضاً معادياً للبيراليين. وقد أدَّت هذه العلاقة إلى اتهام لاسال بخيانة الطبقة العاملة وبالانتهازية السياسية.
وبرغم اهتمام لاسال في شبابه بالعقيدة اليهودية، وخصوصاً اليهودية الإصلاحية، إلا أنه رفضها فيما بعد واعتبرها مرحلة ضرورية في التطور الإنساني في الماضي، ولكنها لا تُعتبَر ذات قيمة أو نفع في الوقت الحاضر، وكان في رأيه هذا متأثراً بهيجل. كما أشار لاسال أنه لا يعتبر نفسه يهودياً، ولا يرى في اليهودية سوى البقايا الفاسدة لماض عظيم غابر، وأن اليهود بعد قرون من العبودية اكتسبوا خصائص العبيد. وقد لقي لاسال مصرعه في مبارزة دفاعاً عن شرفه حين رفضت أسرة خطيبته الكاثوليكية قبوله زوجاً لها بسبب أصوله اليهودية وماضيه الثوري.
كورت إيسنر (1867-1919 (
‏Kurt Eisner

زعيم اشتراكي ألماني يهودي ومؤسس الجمهورية البافارية وأول رئيس وزراء لها. وُلد في برلين لأب ثري يعمل بالتجارة، واشتغل في الصحافة فساهم في تحرير عدد من الصحف الألمانية. وأظهر كورت إيسنر اهتماماً شديداً بالفلسفة فدرس مع هرمان كوهين وله دراسة عن نيتشه. وفي عام 1910، أصدر جريدة نالت شعبية كبيرة. ومع اندلاع الحرب العالمية، عارض بشدة الأطماع الإمبريالية للحكومة الألمانية وسياستها الحربية. وفي عام 1918، حُوكم وسُجن بتهمة الخيانة بعد مشاركته في إضراب عمالي مطالباً بالسلام في ميونيخ، وقد أُفرج عنه بعد عدة أشهر فقام بترشيح نفسه عن الحزب الاشتراكي الديموقراطي المستقل في الانتخابات البرلمانية. وفي نوفمبر من العام نفسه، تَزعَّم كورت إيسنر الانتفاضة الثورية التي جرت في ميونيخ ثم اختير رئيساً لمجلس الوزراء في الجمهورية البافارية الجديدة. ولكي يفضح مسئولية الحكومة الألمانية عن الحرب، قام بالكشف عما جاء في تقارير الحكومة البافارية وسفارتها في برلين. وقد أدَّى ذلك إلى اتهامه من قبل أعدائه بالتعاون مع دول الحلفاء وتَلقِّي الرشاوى منهم لإشعال الثورة في ميونيخ. وفي عام 1919، اغتيل كورت إيسنر وهو في طريقه إلى البرلمان لكي يقدم استقالة حكومته بعد أن أحرز حزبه (الحزب الاشتراكي المستقل) نتائج ضعيفة في الانتخابات، وكان قاتله من أصل يهودي. ومما يُذكَر أن إيسنر نفسه كان ملحداً، أي يهودياً غير يهودي. ومع هذا، استفادت الدعاية النازية المعادية لليهود من وجود إيسنر وغيره في صفوف الحركة الاشتراكية لتتحدث عن المؤامرة اليهودية ضد الشعب الألماني.
بيلا كون (1886-1935)
‏Bela Kun

مؤسس الحزب الشيوعي المجري، وأحد أهم الزعماء الشيوعيين. وُلد لأسرة يهودية من الطبقة الوسطى إذ كان أبوه من صغار التجار، ولكنه كان علمانياً تماماً ولا علاقة له باليهودية. وانضم إلى الحزب الديموقراطي الاشتراكي وهو بعد في السادسة عشرة من عمره. فعمل صحفياً في جريدة الحزب وكاتباً في الحزب ومديراً في قسم التأمينات الخاص بالحزب ثم فُصل لسوء سلوكه. انضم للجيش وكان يعمل ضابطاً برتبة ملازم في جيوش الإمبراطورية النمساوية المجرية فأَسَرته القوات الروسية عام 1916. وحين نشبت الثورة، انضم إلى البلاشفة وأصبح تابعاً متحمساً للينين وقام بتجنيد الأسرى لصالح الحركة الثورية.

عاد بيلا كون إلى المجر عام 1918وساهم في تأسيس الحزب الشيوعي المجري وجريدته وكتب العديد من الكتيبات الثورية، واشترك في الثورة التي أتت بالحزب الديموقراطي الاشتراكي وبالحزب الراديكالي للحكم. وقد حاول بيلا كون أن يطيح بالنظام الحاكم ولكنه سُجن في فبراير 1919. ثم أُفرج عنه في 21 مارس 1919 وهو اليوم نفسه الذي أُعلنت فيه المجر جمهورية سوفيتية، فعُيِّن قوميساراً للشئون الخارجية والعسكرية وأصبح القائد الحقيقي للوزارة والدولة. وكانت الوزارة (التي كان ثلثا أعضائها من اليهود) عبارة عن ائتلاف من الاشتراكيين والبلاشفة، فعمل بيلا كون على القضاء على العناصر المعتدلة وأعلن ديكتاتورية البروليتاريا، وأمم البنوك ورؤوس الأموال الكبيرة والملكيات الزراعية الكبيرة. وقد نجح بيلا كون في بادئ الأمر إذ كوَّن جيشاً شيوعياً أحمر قوياً صد هجوم التشيك والرومانيين واستعاد الأراضي المجرية التي كانت قد استولت عليها كلٌّ من تشيكوسلوفاكيا ورومانيا. ولكن الضربات بدأت تتوالى بعد ذلك، فامتنع الفلاحون عن تزويد المدن بالمحاصيل الزراعية بعدما رفض بيلا كون توزيع الأرض عليهم بعد أن أممها، وتحالف ملاك الأراضي والطبقة الوسطى ضد تأميم الملكية وضد الإجراءات الثورية المختلفة (مثل تقويض دعائم الثقافة القومية وإقامة محاكم ثورية) وضد سوء سلوك البيروقراطية الثورية. وعلى مستوى الجبهة الخارجية، طالبه كلمنصو بسحب قواته. وانهارت شبكة توزيع الطعام تماماً، ورفض الجيش أن يحارب ضد الرومانيين مما أدَّى إلى هزيمته، ففرَّ في أغسطس من العام نفسه إلى النمسا (حيث سُجن ووضع في مصحة عقلية بعض الوقت) ومنها ذهب إلى موسكو حيث عُيِّن قوميساراً سياسياً للجيش الأحمر في الجنوب، ثم عُيِّن قوميساراً مدنياً لشبه جزيرة القرم حيث تَعامَل بصرامة بالغة مع العناصر المعارضة للبلاشفة. وقد كان بيلا كون عضواً في المجلس التنفيذي للكومنترن حيث ساهم في تشجيع

النشاط الشيوعي العلني في ألمانيا والنشاط السري في المجر. ويبدو أنه عارض في عام 1937 سياسة الجبهة المتحدة وطالب باتباع الطرق الثورية على طريقة البلاشفة الأصليين، فقُدِّم للمحاكمة واتُهم بالتروتسكية وسُجن، ويُقال إنه أُعدم (ولكن الأرجح أنه كان مصاباً بالسكر، فأُفرج عنه وعُزل عن الحياة العامة) . ولبيلا كون مؤلفات عديدة عن الشيوعية، كما أنه كتب عدة مقالات أثناء إقامته في فيينا، وحرَّر إحدى المجلات الشيوعية أثناء إقامته في موسكو، وعُيِّن مديراً لإحدى دور النشر أثناء وجوده في موسكو.
وبيلا كون ليست له أهمية تُذكَر من منظور يهودي، لأنه كما أسلفنا فَقَد انتماءه الديني والإثني (مثل كثيرين من يهود المجر) ـ فهو، إذن، يهودي غير يهودي. ولفهم سلوكه، لابد من فهم حركيات التاريخ الغربي والحركة الثورية فيها وكذلك موازين القوى بين الدول المختلفة وتطورات الفكر السياسي السوفيتي. أما يهوديته، فهي لا تمثل سوى دور ثانوي للغاية. وقد قدَّمنا سيرته هنا لا باعتباره يهودياً وإنما باعتباره نموذجاً متطرفاً لشخص يُصنَّف بوصفه يهودياً مع أن سلوكه لا يمكن تفسيره إلا بالعودة للحركيات الاجتماعية العامة.
ماتياس راكوسي (1892-1971 (
‏Matyas Rakosi
سياسي وزعيم مجري شيوعي يهودي درس في بودابست ثم اشتغل كاتباً في بنك. وعاش لفترة قصيرة في إنجلترا حيث انضم إلى الحركة الاشتراكية. وخلال الحرب العالمية الأولى، قاتل في صفوف الجيش النمساوي المجري ولكنه وقع في أسر القوات الروسية عام 1915وأمضى عاماً في معسكر لأسرى الحرب.

وبعد اندلاع الثورة البلشفية انضم للحزب الشيوعي وعاد عام 1919 إلى المجر مع الحكم الجمهوري السوفيتي الجديد بها تحت قيادة بيلا كون. وبعد سقوطه في العام نفسه، هرب إلى الاتحاد السوفيتي. وفي عام 1924، عاد إلى المجر سراً لتنظيم وإحياء الحزب الشيوعي المحظور ولكنه وقع في أيدي السلطات وحُكم عليه بالإعدام. وكان لتَدخُّل بعض المفكرين الأوربيين البارزين لصالحه الفضل في تخفيف الحكم إلى السجن مدى الحياة.
وفي عام 1940، تم الإفراج عنه وانتقل إلى موسكو حيث تَزعَّم المنفيين المجريين. وفي عام 1944، عاد إلى المجر حيث عمل على إعادة تنظيم الحزب الشيوعي المجري. كما تولى في الفترة ما بين عامي 1945 و1948 منصب نائب رئيس الحكومة الإئتلافية. وقد نجح خلال هذه الفترة في إخراج العناصر غير الشيوعية من الائتلاف الحاكم، وعمل بعد ذلك على إبعاد وإسكات جميع التيارات والاتجاهات المعارضة للحكم حتى بين صفوف الشيوعيين. وقد تولى عام 1952 رئاسة الوزراء، وتَبنَّى سياسة ستالينية صارمة. وبعد وفاة ستالين، تعرض لانتقادات حادة من جانب القيادة السوفيتية الجديدة، خصوصاً بسبب فشل سياسته الاقتصادية، الأمر الذي دفعه للاستقالة عام 1953، ولكنه عاد مرة أخرى لرئاسة الوزراء عام 1955 واستمر في ذلك حتى عام 1956 حينما استقال قبل اندلاع أحداث الانتفاضة المجرية بفترة قصيرة. وقد اضطر راكوسي إلى الفرار مرة أخرى إلى الاتحاد السوفيتي في أعقاب هذه الأحداث ولم يَعُد إلى المجر حتى بعد قمع الانتفاضة إلا قبل وفاته بقليل. وقد طُرد من الحزب الشيوعي عام 1962.

لم يُبد راكوسي أي اهتمام بالشئون اليهودية، بل وحاول إخفاء أصله اليهودي، كما أنه كان مناهضاً للصهيونية، وقدم الكثير من الصهاينة للمحاكمة، فهو إذن «يهودي غير يهودي» على حد تعبير إسحق دويتشر. وقد لعب هؤلاء اليهود غير اليهود دوراً كبيراً في نشر الشيوعية في شرق أوربا وفي حكوماتها الشيوعية بعد ذلك. وقد تأثر كثير من أعضاء الجماعة اليهودية في المجر تأثراً سلبياً من سياسات راكوسي الاقتصادية التي أدَّت إلى تأميم المؤسسات التجارية الخاصة وإلى نقل آلاف السكان خارج العاصمة وغيرها من المدن الكبيرة. ولكنه، مع هذا، ظل يُصنَّف على أنه «يهودي» .
ادعاء اليهودية
‏Claiming Jewishness
«ادعاء اليهودية» هو أن يدَّعي شخص غير يهودي، وليست له أية جذور يهودية على الإطلاق، أنه يهودي. والمصطلح نفسه ينطبق على يهودي مندمج تماماً (يهودي غير يهودي) نسي يهوديته، ولكنه تحت ظروف معيَّنة يدَّعي أنه يهودي. وهذه الظاهرة ظاهرة حديثة تماماً، فعبر التاريخ كان «التهوّد» يعني الانضمام لأقلية لها طقوسها وشعائرها ووظائفها التي تعزلها عن المجتمع، والتي لها وضع مختلف عن وضع الأغلبية، ولذا لم يكن هناك أي مبرر لادعاء اليهودية.
وقد ظل الوضع كذلك إلى أن ظهرت الحركة الصهيونية وأُقيمت دولة إسرائيل التي فتحت أبوابها للمهاجرين (بخاصة من الدول الغربية) وقدَّمت لهم هي والحركة الصهيونية تسهيلات مادية وعينية مختلفة ومنحاً مالية مباشرة. وقد شجع هذا بعض العناصر اليهودية ممن فقدوا علاقاتهم باليهودية على إعادة اكتشاف هذه العلاقة حتى يمكنهم عن طريقها تحقيق المزايا المادية. ولكن الظاهرة ظلت هامشية إلى حدٍّ كبير.

ومع هجرة اليهود السوفييت في بداية التسعينيات (والتي تزامنت مع تآكُل الاتحاد السوفيتي ثم سقوطه) ، تفاقمت الظاهرة حتى أن كثيراً من «اليهود المتخفين» ، أي المواطنين السوفييت من أصل يهودي، الذين سجلوا أنفسهم على أنهم غير يهود (وهو أمر كان يسمح به القانون السوفيتي) ، بدأوا يؤكدون هويتهم اليهودية المزعومة، وانضمت لهم بأعداد متزايدة عناصر غير يهودية على الإطلاق (من بينها عناصر مسيحية بل ومسلمة) . ويُقال إن ما بين نصف أو ثلث المهاجرين اليهود السوفييت في التسعينيات غير يهود (مدعو اليهودية أو زوجات وأزواج غير يهود) .
ولا يقتصر الأمر على الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ، فمن المعروف أن عدد اليهود في مدينة مكسيكوسيتي كان يبلغ حوالي عشرة آلاف ثم قفز إلى 35 ألفاً في عام واحد بعد أن بدأت بعض المنظمات اليهودية الأمريكية تقديم العون للجماعة اليهودية في المكسيك.
وقد تكررت الظاهرة مرة أخرى في إثيوبيا، فالفلاشاه ليسوا يهوداً بالمعنى الحاخامي، ومع هذا سُمح لهم بالهجرة إلى إسرائيل. ثم بدأ الفلاشاه موراه بالمطالبة بالهجرة باعتبارهم يهوداً، مع أنهم فلاشاه تَنصَّروا منذ قرنين من الزمان.

ويرى الإسرائيليون أن العبرانيين السود أو اليهود السود (من الولايات المتحدة) مدَّعو اليهودية. وفي الأعوام الأخيرة، بدأت الظاهرة تأخذ شكلاً حاداً إذ بدأ أفراد بعض القبائل في آسيا وأفريقيا يعلنون أنهم «يهود» (من نسل القبائل العبرانية العشر المفقودة) ومن ثم يحق لهم الهجرة إلى إسرائيل بمقتضى قانون العودة. وبعض هذه القبائل تُوجَد في شعائرها بالفعل عناصر عبرية أو يهودية، ولكنها لا تجعل عقيدتهم عقيدة يهودية (بأقصى المعايير تسامحاً بل ونسبية) ومن ثم لا يمكن تصنيف أعضائها على أنهم يهود. ولكن معظم أعضاء الجماعات اليهودية لا يعترفون بمعيارية اليهودية الحاخامية. وقد عرَّفت المحكمة الإسرائيلية العليا اليهودي بأنه من يرى نفسه كذلك. وهذا يخلق ورطة حقيقية للمُستوطَن الصهيوني. ولذلك، فقد تعالت الأصوات ولأول مرة في تاريخ الصهيونية مطالبة بإلغاء قانون العودة.
أغيار يتحدثون العبرية
‏Heberw-Speaking Gentiles
«أغيار يتحدثون العبرية» مصطلح صكه عالم الاجتماع الفرنسي (اليهودي) جورج فريدمان في كتابه موت الشعب اليهودي ويستخدمه للإشارة إلى جيل الصابرا الإسرائيلي، فهم من وجهة نظره يختلفون تماماً عن يهود العالم (يهود المنفى) ، وهويتهم لا علاقة لها بما يُسمَّى «الهوية اليهودية» . ولذا، فهم ليسوا يهوداً وإنما أغيار وحسب، حتى وإن كانوا يتحدثون العبرية. والمصطلح تعبير عن إشكالية الهوية أو الهويات اليهودية.
أعضاء الجماعات اليهودية وقضية الهوية القومية
‏Members of Jewish Communities and the Issue of National Identity

ما يُقال له «المسألة اليهودية» هو، في جانب أساسي منه، مشكلة «الهوية اليهودية» في التشكيل الحضاري الغربي. وتعود بجذورها إلى العصور الوسطى في الغرب إذ أن أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا هناك دور الجماعة الوظيفية الوسيطة كتجار ومرابين، الأمر الذي أدَّى إلى عزلهم عن بقية أعضاء المجتمع. ومما دعم هذه العزلة، علاقات الجماعة الوظيفية اليهودية (في كل بلد أو مدينة أوربية) مع الجماعات الوظيفية اليهودية الأخرى في أنحاء العالم الغربي والإسلامي، وهي علاقات كانت تشكل ما يشبه النظام المصرفي والائتماني العالمي. وقد خلقت هذه العلاقات وهم الوحدة، بحيث كان المراقب الخارجي يتصور أن اليهود يشكلون وحدة قومية بسبب علاقاتهم التجارية والمالية، وَهْم في الواقع جماعات غير متجانسة تنتمي إلى تشكيلات حضارية مختلفة ويربطها رباط الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية (وهذا ما سماه أبراهام ليون «الطبقة/الأمة» ) . ومن أسباب تدعيم العزلة، أيضاً، التصور المسيحي لهم باعتبارهم قتلة المسيح والشعب الشاهد (على عظمة الكنيسة وصدقها) . وقد تَبدَّى كل هذا في شكل استيطان وتوطين اليهود في الجيتو. وهذه بالطبع صورة نموذجية مثالية تختلف كثيراً عن الواقع الحي الذي كان أكثر تماوجاً وتركيباً.

وقد ظل هذا الوضع قائماً في أوربا، بصور مختلفة، حتى القرن السابع عشر، حين بدأت تظهر الطبقات البورجوازية المحلية (المسيحية) ثم الدول المطلقة ووريثتها الدولة القومية الحديثة التي بدأت تضطلع بكل وظائف الجماعات الوظيفية، وهو ما أدَّى إلى الاستغناء عنها، وانهيار الهيكل القانوني والسياسي الذي كان يجسد عملية الفصل بين الطبقات من ناحية، والجماعات الدينية والإثنية التي كانت تدار على أساسها الدولة في المجتمع التقليدي من الناحية الأخرى. وقد طالبت الدولة القومية الحديثة أعضاء الجماعات اليهودية وكل الأقليات بالتخلص من خصوصيتهم الدينية أو الإثنية أو العرْقية، وبأن يقوموا بإعادة تعريف هويتهم بشكل يتفق مع ما تتطلبه من ولاء قومي كامل من كل المواطنين، وحاولت تخليصهم من تمايزهم الوظيفي والاقتصادي. وهذه عملية يمكن أن نطلق عليها مصطلح «تحديث الهوية» أو «علمنة الهوية» . وتتم هذه العملية وتكتمل حينما يتحول أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة وظيفية وسيطة إلى أعضاء في الطبقة الوسطى، أو أيٍّ من الطبقات الأخرى في المجتمع.

ومن منظور التحديث، يمكننا أن نقول إن هويتين يهوديتين أساسيتين ظهرتا في التشكيل الحضاري الغربي في القرن التاسع عشر، أولاهما، الهوية اليهودية في مجتمعات غرب أوربا ووسطها، في إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، وفي ألمانيا بدرجة أقل، ثم في الولايات المتحدة، وهي مجتمعات تتسم بأنها لم تكن تضم أعداداً كبيرة من أعضاء الجماعات وبأن عملية التحديث نجحت فيها إلى حدٍّ كبير، وتم إعتاق أعضاء الجماعات وإعطاؤهم حقوقهم السياسية والمدنية، كما تم دمجهم في المجتمع اقتصادياً وثقافياً، حيث أصبح الاندماج هو المثل الأعلى. وقد نشأت، في هذا الإطار الاندماجي، اليهودية الإصلاحية التي فصلت الهوية الدينية عن الهوية القومية أو الإثنية تماماً، وعرَّفت الهوية اليهودية تعريفاً دينياً خالصاً. وقد أنجزت اليهودية الأرثوذكسية أمراً مماثلاً بأن جعلت هوية اليهودي مسألة دينية أساساً، وجعلت تحقيق الجانب القومي من العقيدة اليهودية مرتبطاً بالإرادة الإلهية، وهو كما تَقدَّم الحل التقليدي الذي طرحته اليهودية الحاخامية للإشكالية المشيحانية. وقد اندمج يهود هذه المجتمعات اندماجاً كاملاً، وكانوا يتحدثون الفرنسية في فرنسا والإنجليزية في كلٍّ من إنجلترا والولايات المتحدة. والهوية اليهودية في ألمانيا، وفي كثير من بلاد وسط أوربا، تنتمي إلى النمط نفسه رغم اختلاف الظروف، ولا يمكن فهم هوية الجماعات اليهودية في هذه البلاد إلا في السياق الحضاري لكلٍّ منها. وبالتدريج تراجع البُعد الديني مع تَصاعُد معدلات العلمنة فأعيد تعريف الهوية اليهودية على أساس إثني علماني ولكن البُعد اليهودي (الإثني والديني) ظل هامشياً للغاية. ولذلك، تأخذ التطلعات القومية اليهودية ليهود الغرب، إذا وُجدت، شكل حنين ديني للعودة إلى صهيون (الروحية) إن كان اليهود من المتدينين. أما إذا كانوا من العلمانيين، فإنها تأخذ شكل حماس عاطفي لهويتهم الإثنية، لا يترجم نفسه أبداً إلى هجرة

استيطانية وإنما يأخذ شكل صهيونية توطينية، أي ينصرف إلى توطين اليهود الآخرين حتى يحموا مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. وهذه هي هوية ما بعد الانعتاق أو الهوية اليهودية بعد تحديثها أو الهوية اليهودية الجديدة.
أما الهوية اليهودية الثانية، فقد نشأت في مجتمعات شرق أوربا بين يهود اليديشية، خصوصاً في بولندا وروسيا. وهذه مجتمعات دخلت العصر الحديث متأخرة وسادت فيها (في القرن التاسع عشر) ظروف تشبه الظروف السائدة في العالم الثالث في الوقت الحاضر، إذ تعثَّر فيها التحديث لسنوات طويلة ابتداءً من عام 1882، كما أنها كانت تضم أعداداً ضخمة من أعضاء الجماعات اليهودية، بل معظم يهود العالم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية في هذه المجتمعات يتحدثون اليديشية في محيط سلافي، ويؤمنون باليهودية في محيط مسيحي أرثوذكسي محافظ. كما أن روسيا كانت تأخذ شكل إمبراطورية مُكوَّنة من قوميات لكل منها لغتها وثقافتها. ولذا، لم يكن اليهود، كتَجمُّع له ثقافته ولغته، يمثل استثناءً كبيراً. وقد بُذلت محاولات، في نهاية القرن التاسع عشر، لصبغ اليهود، وغيرهم من الجماعات، بالصبغة الروسية أو البولندية. ولكن، مع تَعثُّر التحديث، توقفت هذه المحاولات.
وداخل هذا الإطار، وفي هذه المرحلة (أواخر القرن التاسع عشر) طُرحت في شرق أوربا عدة تصورات للهوية اليهودية تستند إلى تجربة أعضاء الجماعات اليهودية في تلك المنطقة. فكان هناك التصور الاندماجي الذي يشبه تَصوُّر يهود الغرب للهوية. ولكن، كان هناك تصوران آخران هما اللذان قُدِّر لهما الشيوع في صفوف يهود شرق أوربا.
أ) قومية الدياسبورا:

حاول دعاة قومية الدياسبورا (سيمون دبنوف، وحزب البوند) ، المتأثرون بتجربة يهود شرق أوربا وتراثهم، أن يعرِّفوا الهوية اليهودية تعريفاً ثقافياً أو تراثياً وحسب، بإسقاط الجانب الديني تماماً، إذ رأوا أن الهوية اليهودية هي أساساً انتماء إلى التراث الثقافي اليهودي. كما لم يربطوا هذا التراث بفلسطين أو بأي مركز محدَّد آخر، فهم يرون أن مركز اليهودية الثقافي ينتقل من بلد إلى آخر. كما أنهم يرفضون أي إطار عالمي لليهودية، ولا يعترفون بوجود ثقافة يهودية عالمية، ويرون أن كل جماعة يهودية مرتبطة بحركيات تاريخية مختلفة ولها هوية مختلفة وتراث يهودي مختلف، ولذا فإن كل جماعة تبحث عن حلول لمسألتها داخل حدود تاريخها الخاص والمتعيِّن وخارج أية رؤية تاريخية عالمية. ولهذا، يمكن القول بأنهم لا يتحدثون في واقع الأمر عن «قومية الديسبورا» (كما يتوهمون) ، وإنما عن هوية يهودية شرق أوربية (يديشية) متفاعلة مع التشكيل الحضاري الذي تُوجَد فيه. وانطلاقاً من تلك الرؤية، يرى دعاة قومية الدياسبورا أن اللغة التي تُعبِّر عن هذه الهوية اليهودية ليست العبرية (اللغة الدينية العالمية لليهود) ، وإنما اليديشية. وحينما استأنفت الثورة البلشفية عملية التحديث في روسيا، ناصبت حزب البوند العداء لأسباب سياسية في البداية، كما رفضت تَصوُّره للهوية اليهودية المحدودة الشرق أوربية، ولكنها عادت في الثلاثينيات واعترفت بها وبلغتها المستقلة وبشخصيتها الثقافية المستقلة التي يمكن أن تتحقق داخل الإطار السوفيتي. وانطلاقاً من ذلك، حددت مقاطعة بيروبيجان، كمقاطعة مستقلة، لغتها الرسمية اليديشية. وكان بإمكان هذه المقاطعة، من الناحية النظرية، أن تتحوَّل إلى جمهورية مستقلة (داخل اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية) لو هاجر إليها عدد كاف من اليهود. وقد ظلت الهوية اليديشية مزدهرة في الفجوة الزمنية بين تَعثُّر التحديث واستئنافه في الاتحاد السوفيتي

وبين هجرة يهود شرق أوربا إلى الولايات المتحدة واندماجهم فيها، وهي تقع على وجه التقريب بين بداية القرن الحالي وأواخر الأربعينيات. ولكن مع تَصاعُد معدلات التحديث والعلمنة بدأت الهوية اليديشية في التآكل السريع، وساهم النازيون في القضاء على البقية الباقية من هذه الهوية، ومع الستينيات لم يَعُد للهوية اليديشية من أثر في العالم.
ب) الحل الصهيوني:
حاول الصهاينة العلمانيون، أو اللادينيون، إعادة تعريف الهوية اليهودية تعريفاً يؤكد الجانب القومي ولا يُعنى بالجانب الديني إلا بمقدار تعبيره عما يُسمَّى «القومية اليهودية» . وقد أسس هؤلاء مجتمعهم الصهيوني استناداً إلى هذه الرؤية. ومع هذا، ظهرت داخل الحركة الصهيونية جماعات من الصهاينة المتدينين الذين يرون أن الدين اليهودي والقومية اليهودية هما شيء واحد، وأن الهوية اليهودية هويةٌ قومية دينية، الأمر الذي أدَّى إلى تصعيد التفجرات داخل الكيان الصهيوني.
التعاريف الصهيونية للهويات اليهودية
‏Zionist Definitions of Jewish Identities

تُعَدُّ الصهيونية، في أحد جوانبها، محاولة لإعادة تعريف اليهود تعريفاً يتفق مع وضعهم الجديد في الغرب بعد ظهور الدولة القومية العلمانية وعصر الإعتاق وسقوط الجيتو. وهي، من هذا المنظور، واحدة من كثير من المحاولات اليهودية الأخرى، مثل: اليهودية الإصلاحية، واليهودية الأرثوذكسية، وقومية الدياسبورا. وينطلق الصهاينة اللادينيون من تعريف للهوية هو في جوهره علمنة لكثير من الأفكار القومية الكامنة في التراث الديني اليهودي. فهم يرون أن ثمة هوية قومية يهودية واحدة متميزة متجانسة تفرق بين اليهود وسواهم من أقوام وشعوب في كل زمان ومكان، وأن ثمة مصدرين لها. أما المصدر الأول، فهو الضغوط من الخارج، أي أن مصدر الهوية اليهودية ليس من داخل اليهودية ذاتها وإنما هو مجرد رد فعل لهجمات أعداء اليهود عليهم، باعتبار أن اليهود جسم قومي غريب في أوطان الآخرين. ومن جهة أخرى يرى بعض الصهاينة المتأثرين بالخطاب الاشتراكي أن مصدر الهوية اليهودية هو الوضع الطبقي المتميِّز لليهود في المجتمع الغربي كجماعة وظيفية وسيطة. واليهودي، بحسب الرؤية السابقة، يكتسب هويته من الغير، وهو تعريف أخذ به معظم الصهاينة الأوائل مثل: تيودور هرتزل، وماكس نوردو، وأهارون جوردون، وغيرهم. ويبدو أن هذا كان الاتجاه السائد في أوربا. فعلى سبيل المثال، صرح كارل ليوجر (المرشح المعادي لليهود لمنصب عمدة فيينا) بأنه هو الذي يحدد من هو اليهودي.

لكن معظم الاتجاهات الصهيونية لا تأخذ بهذا الرأي الآن، وتطرح تصوراً للهوية اليهودية على اعتبار أنها شيء نابع من مصدر آخر هو حركيات ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» المرتبط بفلسطين (إرتس يسرائيل في الخطاب الديني) . وهذا المجال الزماني المكاني هو المجال الوحيد الذي تستطيع فيه هذه الهوية أن تُعبِّر عن نفسها تعبيراً كاملاً، مثلما حدث تحت حكم المملكة العبرانية المتحدة (أو الكومنولث الأول) وحكم الدولة الحشمونية (أو الكومنولث الثاني) ، إلى أن تم هدم الهيكل.
ويرى الصهاينة أن هويات يهود المنفى المندمجين ليست إلا انحرافاً عن مسار هذا التاريخ. ولذا، فهم ينطلقون في تعريفهم الهوية اليهودية «الحقة» من انتقاد جذري لهذه الهويات، مستخدمين كثيراً من أطروحات أدبيات معاداة اليهود. فاليهود المندمجون شخصيات مريضة مصابة بالازدواج والانقسام، مشوهة وهامشية، وهم يحاولون إخفاء هويتهم اليهودية الحقة المتأصلة ويبذلون قصارى جهدهم في إظهار هويتهم غير اليهودية المُكتسَبة والإعلان عنها بشكل مُقزِّز، الأمر الذي يجعلهم يشبهون القردة التي تقلد ما لا تعي. وستُلغَى كل هذه الأوضاع الشاذة حالما يؤسس الصهاينة وطناً قومياً تتمكن الشخصية اليهودية من خلاله التعبير عن نفسها بشكل سوي تعبيراً كاملاً، بحيث يصبح اليهود شعباً مثل كل الشعوب. وسيحقق اليهود من خلال الدولة، وبوصفهم شعباً، ما فشلوا في تحقيقه بوصفهم أعضاء في مجتمعاتهم. وهذا ما يُسمَّى في المصطلح الصهيوني «تطبيع الشخصية اليهودية» . وبحسب الرؤية الصهيونية، فقد بدأت هذه العملية بالفعل في عام 1948ـ عام إعلان الدولة الصهيونية (الكومنولث الثالث) . لكن تطبيع اليهود لا يعني تصفية الهوية اليهودية وإنما يعني منحهم هوية يهودية جديدة سوية؛ هوية اليهودي الخالص (اليهودي مائة بالمائة على حد قول بن جوريون) . وقد طُرحت تصورات عدة لمصدر يهودية هذا اليهودي الخالص ولسماته وجوهره:

1 ـ التعريف العرْقي:
يُصُّر المدافعون عن هذا التعريف على رؤية اليهود كعنصر عرْقي متميِّز، ولذا فهم يتحدثون عن «الجنس اليهودي» وعن اليهود باعتبارهم «جنساً متميِّزاً» . وقد عرَّف كثير من الزعماء الصهاينة اليهودية بأنها «مسألة تتعلق بالدم» . وانطلاقاً من ذلك، يرى الصهاينة أن التزاوج مع الأجانب سيؤدي إلى تدهور العرْق اليهودي، وأنه لابد من تأسيس وطن قومي (لهذا الجنس الفريد) ودولة مستقلة يُعبِّر فيها عن عبقريته ويمارس فيها إرادته. ولكن تم التخلي عن هذا التعريف تماماً في هذه الأيام، إذ أن النظريات العرْقية لم تَعُد مقبولة في الغرب، خصوصاً بعد أن نجح هتلر في تدمير أعداد كبيرة من اليهود باسم هذه النظريات والاعتذاريات.
2 ـ التعريف الإثني أو التراثي:
يرى فريق من الصهاينة أن اليهود جماعة مترابطة ذات تاريخ مُشترَك منفصل ومحدَّد، وأن ثمة روابط تراثية (وليست عرْقية) فريدة بقيت على مدى قرابة أربعة آلاف سنة بين اليهود، وأن ثمة تماثلاً في أوضاع اليهود الإثنية والتاريخية، والمختلفة من بلد إلى بلد. وهم يرون أن ما حفظ وحدة اليهود هو الدين اليهودي، لا من حيث هو عقيدة وإنما من حيث هو إطار رمزي وبُعد أساسي من أبعاد التراث اليهودي. فالدين هو الوعاء الوحيد الذي ضمن الاستمرار والتجانس الإثني. وبناءً عليه، تكون الدولة الصهيونية هي الإطار الأمثل لكي تُعبِّر هذه الإثنية عن نفسها.
3 ـ التعريف الديني:

لم يقبل الصهاينة الدينيون التعاريف اللادينية السابقة، وحاولوا استرجاع قداسة الهوية اليهودية. وهكذا، فهم يرون أن هوية اليهود القومية مصدرها الدين، إذ لا يمكن التفرقة بين القومية اليهودية والعقيدة اليهودية. فاليهود أمة مقدَّسة وكيان منعزل غريب مقدَّس يكتسب هويته من علاقته الخاصة مع الرب، ومن رسالته الخالدة بين الشعوب الأخرى. والتعريف الديني لا يستبعد العنصر الإثني، فالهوية اليهودية (بحسب تعريف الشريعة كما تقدَّم) ذات أساس ديني إثني. كما أن الهوية اليهودية (كما يُعرِّفها الصهاينة المتدينون) لا تحمل معها أية أعباء أخلاقية، بل تمنح اليهود حقوقهم القومية كاملة دون أية مسئولية تجاه الأغيار. ولذا، لا يوجد أي تناقض جوهري بين التعريف الإثني اللاديني والتعريف الإثني الديني. ومع هذا، يظل مصدر الشرعية في كلا التعريفين مختلفاً، فمصدر الشرعية والقداسة في القول الصهيوني العلماني هو الشعب اليهودي ذاته. أما في القول الديني، فإن مصدر الشرعية هو الحلول الإلهي في هذا الشعب. وحينما يتحدث المتدينون عن اليهودي، فإنهم يستخدمون، كما هو مُتوقَّع، معياراً أرثوذكسياً.
والتعريف السائد الآن في المُستوطَن الصهيوني هو التعريف الصهيوني اللاديني الإثني بالدرجة الأولى، ويليه التعريف الصهيوني الديني الإثني. ومن الملاحَظ أن التعريف الديني أخذ في الشيوع والانتشار منذ نهاية الستينيات. كما أن الصراع بين التيارين يفجر قضية الهوية التي يُشار إليها بسؤال «من هو اليهودي» ؟.

ومن الضروري أن نتنبه إلى أن مقولة الهوية اليهودية في السياق الصهيوني الاستيطاني ليست مجرد مقولة نفسية أو فلسفية أو دينية، فهي مقولة قانونية تحمل مضموناً سياسياً واقتصادياً محدَّداً. فلليهودي، في الدولة الصهيونية، مزايا وحقوق معينة لا يتمتع بها غير اليهودي. كما أن ثمة وكالات ومؤسسات صهيونية عديدة يمولها يهود الخارج وتُعدُّ الترجمة الفعلية والمؤسسية لمقولة اليهودي هذه، فهي مؤسسات تمد يد المساعدة لليهود وحسب، وتحجبها عن غير اليهود. وأهم هذه المؤسسات الصندوق القومي اليهودي الذي يمتلك معظم أراضي فلسطين المحتلة باسم الشعب اليهودي، والذي تُحرِّم قوانينه بيع هذه الأراضي أو تأجيرها لغير اليهود، أو حتى استخدامهم للعمل فيها. وبذلك يمكننا أن نقول إن التعريف الصهيوني للهوية اليهودية هو الأساس النظري للممارسات الصهيونية العنصرية ضد العرب، بل إن عمليات ضم الأراضي تتم باسم هذه الهوية. وبالفعل، حذَّر الحاخام آرون سولوفاشيك (زعيم اليهودية الأرثوذكسية في الولايات المتحدة) من أن قبول التعريف العلماني لليهودي سيقوي عناصر الضغط على إسرائيل لأن تتنازل عن الأراضي المحتلة وعن أجزاء من القدس وحائط المبكى، حيث إنها ضمتها باسم الهوية اليهودية وباسم الحقوق التي يتمتع بها اليهود.
الهويات اليهودية والتناقض بين الرؤية الصهيونية والممارسة الإسرائيلية
‏Jewish Identities and the Contradiction Between the Zionist Outlook and Israeli Practice
كانت كل جماعة يهودية تمارس تجربتها التاريخية والدينية بمعزل عن الجماعات الأخرى، وكانت كل منها تُطوِّر هويتها الدينية والإثنية من خلال التشكيل الحضاري الذي تُوجَد فيه وتتعامل معه وتُسمِّي نفسها «يهودية» ، وذلك دون البحث عن خاصية جوهرية ما تربط كل أعضاء الجماعات معاً، ودون الحاجة إلى تعريف دقيق وعالمي وشامل لليهودي.

وكان الصهاينة اللادينيون، حتى عام 1948، يتحدثون بحرية شديدة عن «الشعب اليهودي الواحد» (بالألمانية: أين فولك Ein Volk) ، وبالتالي عن «الهوية اليهودية الواحدة» و «القومية اليهودية» . كما كان الصهاينة المتدينون قانعين بدورهم الثانوي في الحركة الصهيونية، ولكنهم كانوا يتحينون الفرصة ليفرضوا تعريفهم القومي الديني الأرثوذكسي. وقد تم إعلان قيام الدولة الصهيونية لا باعتبارها دولة مستقلة وحسب، وإنما باعتبارها دولة يهودية ليست مقصورة على مواطنيها، فهي أيضاً دولة الشعب اليهودي بأسره داخل فلسطين وخارجها. وترى هذه الدولة أن مصدر شرعية وجودها هو يهوديتها، ومن هنا محورية تعريف الهوية اليهودية، ومن هنا أيضاً حتمية ظهور التناقضات الكامنة.
وقد أصدرت الدولة الصهيونية عدة قوانين تعطي حقوقاً لصاحب الهوية اليهودية. وكان أول هذه القوانين قانون العودة (عام 1950) الذي يعطي لأي يهودي الحق، أينما كان، في الهجرة إلى إسرائيل (فلسطين المحتلة) ، والاستيطان فيها. ثم صدر عام 1952 قانون تكميلي هو قانون المُواطَنة الإسرائيلية، والذي يمنح الجنسية الإسرائيلية لكل المهاجرين اليهود. ولكن كلا القانونين لم يُعرِّف من هو اليهودي، وتُركت القضية معلقة. وقانون العودة ليس القانون الوحيد الذي يتطلب تعريف اليهودي، إذ تتم الإشارة إلى اليهودي في الدولة الصهيونية في سياقين آخرين. فقانون تسجيل المواطنين يتعرض لهذه القضية إذ تتضمن الهوية في إسرائيل البنود المعتادة مثل الجنسية (إسرائيلي) ، والديانة (يهودي أو مسلم أو مسيحي) ، ولكن هناك بنداً ثالثاً خاصاً بالقومية (عربي بالنسبة للعرب المسلمين والمسيحيين ويهودي بالنسبة للإسرائيليين اليهود) . ولابد أن يتفق البندان الخاصّان بالديانة والقومية في حالة الإسرائيليين اليهود باعتبار أن الصهيونية في أحد تعاريفها للهوية تُوحِّد بينهما.

أما السياق الثالث الذي تتم الإشارة فيه إلى اليهودي، فهو المحاكم الحاخامية التي تمارس السلطة المُطلَقة في أمور الزواج والطلاق. والتعريف الذي تأخذ به هذه المحاكم هو التعريف الديني القومي (الأرثوذكسي) وحسب، وهو يستبعد أي تعريف آخر. ويمكننا أن نتحدث عن عدة تناقضات أساسية، واجهها الصهاينة في محاولتهم تطبيق المُثُل الصهيونية، ولكنهم فضلوا إرجاءها وعدم التعرض لها:
1 ـ التناقض بين الدينيين واللادينيين:
التعريف الديني الأرثوذكسي لليهودي أمر معروف أقرته الشريعة اليهودية الحاخامية. أما التعريف القومي (غير الديني) ، فهو مسألة غامضة للغاية، إذ أن من الصعب تعريف هذه الخاصية القومية الفريدة التي تُميِّز هذا الحشد الهائل من الجماعات اليهودية التي تتمتع بهويات متعددة. ومن الصعب كذلك، بل وربما من المستحيل، تعريف اليهودي الملحد أو اليهودي الإثني، أو اليهودي غير اليهودي. وفي نهاية الأمر، تصبح المسألة مسألة إحساس داخلي غامض يمارسه اليهودي بوجود هذه الخاصية اليهودية داخله. ولذلك، يشير بعض المعلقين إلى التعريف الديني بأنه تعريف موضوعي، أي يستند إلى مقاييس خارجة عن الذات ويمكن الاحتكام إليها. أما التعريف العلماني، فهو تعريف ذاتي يستند إلى حالة شعورية تتفاوت في حدتها وعمقها من شخص إلى آخر. وبالفعل، تُعرِّف الأوساط العلمانية اليهودي بأنه من يشعر في قرارة نفسه بأنه يهودي ويعلن ذلك بإخلاص دون الحاجة إلى قرائن خارجية، وهو تعريف يخلق من المشاكل أكثر مما يحلّ.

ولإيضاح هذه النقطة، يمكن أن نشير إلى العاهرات وتجار الرقيق الأبيض والقوادين من أعضاء الجماعة اليهودية ممن تركزوا في الأرجنتين، وكونوا قطاعاً اقتصادياً كبيراً وجماعة ضغط، وأصبحت لهم مؤسساتهم الخاصة من نواد ومسارح ونظام رفاه اجتماعي. وهذه مسألة مفهومة تماماً في إطار علماني مادي حيث يقوم من لهم مصالح مشتركة بتنظيم أنفسهم. ولكن المشكلة ظهرت حينما أصر هؤلاء المشتغلون بهذه المهنة الشائنة على انتمائهم أو هويتهم اليهودية، ومن ثم كانت لهم معابدهم الخاصة وحاخاماتهم الذين يفون باحتياجاتهم الروحية، بل وكانوا يخرجون في استعراضات أو مواكب في الأعياد الدينية اليهودية! وغني عن القول أن هذا كان يسبب حرجاً شديداً لأعضاء الجماعة اليهودية، فظلوا يحاربون هذا الجيب الذي يُصرُّ على يهوديته حتى نجحوا في القضاء عليه تماماً. وكل ما تَبقَّى من هذا الجيب هو ملجأ للبغايا اليهوديات العجائز في بيونس أيرس.
2 ـ التناقض بين السفارد والإشكناز:

يمكن القول بأن الصهيونية، على مستوى الممارسة منذ أول أيامها وحتى عام 1948، قد عرَّفت اليهودي بأنه اليهودي الأبيض (الإشكنازي) . وكانت، في هذا، متسقة تماماً مع نفسها، فقد كانت تُقدِّم نفسها باعتبار أنها تجربة تتم داخل إطار التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي، ولذا كان على الصهاينة إثبات بياض بشرة اليهودي حتى يتسنى للمستوطنين أن يشاركوا في حَمْل عبء الرجل الأبيض، ويستفيدوا في الوقت نفسه من الأمن العسكري والدعم الاقتصادي الذي يوفره القائمون على المشروع الاستعماري، ويحلوا محل أحد شعوب آسيا وأفريقيا. وقد بذل آرثر روبين، أحد أهم علماء الاجتماع الصهاينة والمسئول عن الاستيطان في فلسطين لفترة طويلة قبل إنشاء الدولة، جهداً «علمياً» فائقاً لإثبات أن اليهودي هو الإشكنازي وحده وأن الشرقيين ليسوا يهوداً. وهناك العديد من البيانات والتصريحات تُعبِّر عن هذا الموقف. لكن هذا الموقف يتناقض تماماً مع موقف الصهيونية الأصلي، فالصهيونية تكتسب شرعيتها من زعمها بأنها حركة الشعب اليهودي بأسره.
3 ـ التناقض بين التعاريف الدينية المختلفة:

لا تنحصر المسألة في التناقض بين الدينيين والعلمانيين وحسب، أو بين الإشكناز والسفارد فقط، وإنما تمتد لتشمل مجال الدينيين ذاته. فالأرثوذكس لا يعترفون بالحاخامات الإصلاحيين ولا بالحاخامات المحافظين كيهود. ولذا، فهم لا يعترفون بالمتهوّدين على أيدي مثل هؤلاء الحاخامات. وفي معرض دفاعهم عن وجهة نظرهم، يذكر الأرثوذكس أن الشريعة، بحسب اليهودية الحاخامية، حدَّدت الخطوات اللازمة للتهوّد بشكلٍّ واضح تماماً كما حدَّدت من هو اليهودي. فلكي يَتهوَّد إنسان ما، يجب أن يتم ختانه إن كان ذكراً، أما الأنثى فعليها أن تأخذ حماماً طقوسياً وهي عارية أمام ثلاثة حاخامات (وهو الأمر الذي يسبب الحرج للإناث المتهوّدات) . وعلى المتهوّد أن يَتقبَّل نير المتسفوت (الفرائض أو الأوامر والنواهي) ، أي أن يعيش حسب قانون التوراة. أما الحاخامات الإصلاحيون، فلا يلتزمون بهذه الخطوات، إذ يكفي عندهم أن يحضر راغب التهود محاضرة عن التاريخ اليهودي، أو يقرأ مقطوعة من العهد القديم. ويقر الحاخامات الإصلاحيون بأن مراسم التهويد التي يقومون بها لا تتَّبع الشريعة، ولكنهم يصرون في الوقت نفسه على أن هذا لا يمنع كونها مقدَّسة. أما المحافظون، فيرون أنهم يتبعون الشريعة، لكن الأرثوذكس لا يوافقونهم على ذلك.
ومن المشاكل الأخرى التي ظهرت داخل المعسكر الديني مشكلة قيام اليهودية الإصلاحية بإعادة تعريف اليهودي بحيث أصبح من يُولَد لأب يهودي أو أم يهودية، وهو ما لا توافق عليه اليهودية الأرثوذكسية واليهودية المحافظة.
4 ـ تناقضات أخرى:
هناك تناقضات يصعب تصنيفها لأنها ذات طابع ديني إثني، وقد نشأت هذه التناقضات أساساً بين المؤسسة الدينية وبعض الجماعات اليهودية الصغيرة بشأن انتمائهم الديني والإثني وما إذا كان هذا الانتماء خالصاً أم أنه هجين.

وكانت أولى المشاكل التي واجهها الصهاينة التناقض بين السفارد والإشكناز، وهو انقسام سبق إعلان الدولة. وقد لجأت السلطات البريطانية لطرق عملية غير عقائدية لحله، إذ سمحت بوجود حاخاميتين: واحدة سفاردية، والأخرى إشكنازية، بكل ما ينطوي عليه ذلك من انقسام أساسي وجذري. والانقسام بين الإشكناز والسفارد انقسام عميق ذو طابع ديني، ولكنه ذو أبعاد طبقية وإثنية. وهو من العمق بحيث يتبدَّى من خلال تَنوُّع الأحزاب الإسرائيلية وبنيتها وأنماط التصويت في الانتخابات التي تجري في المُستوطَن الصهيوني. ومع هجرة اليهود الشرقيين من العالم العربي والعالم الإسلامي وبلاد الشرق الأخرى، مثل الهند، زاد العنصر الشرقي على حساب العنصر الغربي، وأصبح الشرقيون أغلبية في المجتمع، الأمر الذي اضطر المؤسسة الحاكمة إلى إخفاء تعريف الهوية الذي يعادل بين الإشكنازي واليهودي، وكفت المؤسسة عن إطلاق التصريحات العنصرية ضد اليهود السفارد ويهود البلاد الإسلامية. لكن الرؤية الكامنة التي تُوجِّه الدولة الصهيونية لا تزال، أولاً وأخيراً إشكنازية، وهي تحاول القضاء على الأشكال الحضارية الشرقية التي أحضرها اليهود الشرقيون معهم، ولا تزال النخبة الحاكمة في إسرائيل غربية بوجه عام وإشكنازية بالدرجة الأولى.

ومن الأمثلة الأخرى التي انفجرت فيها قضية الهوية من منظور ديني، قضية يهود الهند المعروفون باسم بني إسرائيل. فالحاخاميتان، السفاردية والإشكنازية، لم تعترفا بهم كيهود، لأنهم يمارسون الزواج المُختلَط ولا يعرفون التلمود. وقد استمرت مشكلتهم قائمة إلى أن اضطرت المؤسسة الدينية إلى الرضوخ لضغط المؤسسة السياسية. ولم تعترف الحاخاميتان أيضاً بيهود الفلاشاه، ولم تشجع هجرتهم طيلة الأعوام الثلاثين الماضية لعدة أسباب، من بينها أنهم هم أيضاً لا يعرفون التلمود، ولكن حينما طُلب إليهم التهود، رفضت أعداد كبيرة منهم ذلك. فاقترحت الحاخاميتان صيغة مخففة للتهويد تتضمن عملية تختين رمزية (حين قبل بعضهم ذلك سارع ممثل الحاخامية السفاردية بتختينهم قبل أن يقوم ممثل الحاخامية الإشكنازية بهذه العملية. ولكن حينما حضر الأخير قام هو الآخر بالعملية نفسها، أي أنهم تم تهويدهم وتختينهم مرتين خلال عدة أيام) . وتثار قضية اليهود القرّائين واليهود السامريين من آونة إلى أخرى، خصوصاً حينما يتم زواج مُختلَط بين أحد أعضاء إحدى هاتين الجماعتين وفرد ينتمي إلى اليهودية الحاخامية. ولم تضطر الدولة الصهيونية ولا المؤسسة الدينية إلى الدخول في صراع عميق مع أيٍّ من هذه الجماعات بسبب صغر أحجامها وقلة نفوذها داخل وخارج إسرائيل. ولم تأخذ المؤسسة السياسية موقفاً حاسماً في هذه القضية، بل تركت الأمر للمؤسسة الدينية تصرفه بطريقتها.

ومع منتصف الخمسينيات، ظهرت التناقضات بين الدينيين واللادينيين، وكذلك بين الأرثوذكس من ناحية وبقية الفرق الدينية من ناحية أخرى، وذلك حينما بدأت المؤسسة الأرثوذكسية في الخارج تضغط على المؤسسة الدينية في إسرائيل حتى تتبنى موقفاً أكثر تشدداً من مسألة تعريف اليهودي. وقد تزامن ذلك مع موجة من الهجرة من شرق أوربا ضمت عدداً كبيراً من الزيجات المُختلَطة. وفي عام 1957، قرر رئيس قسم تسجيل الهوية في وزارة الداخلية (وهو عضو في الحزب الديني القومي) ألا يقبل وصف المهاجر لنفسه بأنه يهودي باعتباره المقياس الوحيد معتبراً أنه معيار علماني ذاتي، وأصدر أمراً إدارياً للموظفين في إدارته بذلك. ورداً على ذلك، أصدر وزير الداخلية (وكان علمانياً من حزب اتحاد العمال «أحدوت هاعفود» ) قراراً في مارس 1958 يؤكد فيه التوجيهات القديمة التي تقبل المعيار الذاتي. فانسحب الحزب الديني القومي من الائتلاف الحاكم احتجاجاً. فقام بن جوريون بالكتابة إلى خمسين شخصية يهودية (دينية وفكرية) في أنحاء العالم يطلب إليهم الفتوى في هذا الأمر (وكان يشار إليهم بعد ذلك بوصفهم «حكماء إسرائيل» !) . وجاءت الإجابات مشتملة على سائر التناقضات المتوقعة والتي لم يحسمها الفكر الصهيوني قبل قيام الدولة. فقد عرَّف القسم الأكبر منهم (37) الهوية اليهودية على أساس الشريعة، ولكن نفراً منهم تَبنَّى معيار الاختيار الشخصي (اليهودي هو من يعتبر نفسه كذلك) ، وتَبنَّى نفر آخر معيار القسر الخارجي، أي أن اليهودي هو من يعتبره الأغيار كذلك. ومع هذا، صدر عام 1959 توجيه إداري ينص على تعريف اليهودي بأنه الشخص الذي وُلد لأم يهودية، وذلك لاسترضاء الحزب الديني القومي حتى يعود إلى التحالف.

وقد ضمت الوزارة التالية وزيراً للداخلية من الحزب الديني القومي، فأصدر توجيهات إدارية عام 1960 يُعرِّف فيها اليهودي بأنه من يثبت أن أمه يهودية أو أنه تَهوَّد حسب الشريعة وعلى يد حاخام أرثوذكسي. وقد وعد الحزب الديني بأن التعديل ستتم الموافقة عليه، ولكن الرأي العام الإسرائيلي أفشل هذه المحاولة.
ثم تفجرت القضية مرة أخرى بهجرة الأخ دانيال (أوزوالد روفايزين) الذي وُلد لأبوين يهوديين في بولندا، وانضم إلى المقاومة ضد النازية وأنقذ كثيراً من اليهود. وبعد أن قُبض عليه فرَّ إلى دير راهبات وعاش فيه متخفياً في زي راهبة حتى انتهت الحرب، فاعتنق المسيحية ودخل سلك الرهبنة، وهاجر إلى إسرائيل بموافقة الفاتيكان، وطلب اعتباره يهودياً بمقتضى قانون العودة. وقد عُرضت عليه الجنسية الإسرائيلية على أساس التجنس، ولكنه رفض وأصر على أن يحصل على الجنسية بموجب قانون العودة، أي باعتباره يهودياً. وقد ذكر في طلبه أن الشريعة اليهودية تقرر أن اليهودي لا ينسلخ بتاتاً عن دينه اليهودي مهما بلغت ذنوبه وذلك بحسب ما جاء في كتاب السنهدرين في التلمود. وقد ذكر الأخ دانيال أنه إذا كان بوسع الملحد أن يظل يهودي القومية، فمن باب أولى أن يُعتبَر هو (المسيحي) يهودياً!! وقد رفضت المحكمة العليا طلبه عام 1966، وقالت في حكمها إنه وفقاً للعرف المعمول به فإن كل من يغير دينه بدين آخر يُعَدُّ غير يهودي لأنه اختار أن ينفصل عن مصير الشعب اليهودي وتاريخه (ويُلاحَظ أن فكرة المصير هذه ستصبح بالتدريج ركيزة التعريف اللاديني الأساسية) . وقد بيَّنت المحكمة أن حكمها هذا مناف للشريعة اليهودية وأكثر تشدداً منها، وأن الأخ دانيال قد يكون يهودياً بحسب الشريعة، ولكن لا يمكن اعتباره يهودياً من منظور قانون العودة، أي أن المحكمة أخذت بتعريف لا ديني لليهودي، وجعلت أساس اليهودية الانتماء القومي.

ومن المفارقات، أن المؤسسة الدينية الأرثوذكسية كانت تقف ضد طلب الأخ دانيال، أي أنها أخذت موقفاً أكثر تشدداً من الشريعة ذاتها بل ومنافياً لها. وقد قيل في معرض نقد هذا الحكم إنه يتعلق بتعريف من هو غير اليهودي ولكنه لا يعرِّف اليهودي من قريب أو بعيد. ولم تترك القضية أثراً عميقاً في الدولة الصهيونية لأنها لم تؤثر على علاقتها بيهود العالم. بل وشعر كثير من الإسرائيليين بأنها لا تخصهم.
وأثيرت القضية مرة أخرى وبحدة عام 1968 حينما طلب الضابط بنيامين شاليط (المتزوج من إنجليزية غير يهودية رفضت التهود بسبب لا أدريتها) تسجيل أولاده باعتبارهم إسرائيليي الجنسية يهوديي القومية، على أن يُكتَب في بند الدين عبارة «لا يوجد» ، أي أنه طلب الأخذ بالتعريف الإثني دون الديني. وحينما رُفض طلبه، رفع قضية في المحكمة العليا التي حكمت لصالحه عام 1970، وذكرت المحكمة في حكمها أن مصطلح «قومية» خاضع للتفسير العلماني، فأولاد شاليط ارتبطوا بمصير الشعب اليهودي وتاريخه. ومع هذا، أكدت المحكمة أن حكمها ينصب على الوضع المدني، أي على قانون العودة وقانون المواطنة والإجراءات الخاصة بالتسجيل، ولا ينصرف إلى الأحوال الشخصية (مثل الزواج والطلاق) التي تختص بها المحاكم الحاخامية. وقد رفض اليهود الأرثوذكس الأخذ بهذا الحكم، لأنه في تَصوُّرهم سيُقسِّم اليهود إلى قسمين: يهود مؤمنين ويهود غير مؤمنين. ولذا، صدر عام 1970 تعديل لقانون العودة، وعُرِّف اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية بشرط ألا يكون على دين آخر. ونص أيضاً على أن اليهودي هو المتهوِّد، وهو تعريف يعتمد الجانبين الإثني والديني، ولا يزال هذا التعريف هو المعتمد.

ومع هذا، أثار التعريف غضب الدينيين واللادينيين. كما أن جورج طامارين، المحاضر في جامعة تل أبيب، أثار جانباً آخر غير مُتوقَّع للقضية. فقد رأى أن التعريف الأخير تعريف ثيوقراطي، أي يستند إلى أساس ديني. ولذا، طالب بأن يُسجَّل في بند القومية لفظ «إسرائيلي» بدلاً من «يهودي» . وقد رُفض طلبه بطبيعة الحال، لأن ذلك يعني رفض الصهيونية من أساسها.
أما الأرثوذكس، فلم يعجبهم التعريف الجديد إذ أنه يعترف ضمناً باليهود المتهوِّدين على يد حاخامات إصلاحيين ومحافظين، وهم في نظر الأرثوذكس ليسوا يهوداً، أو على الأقل مشكوك في يهوديتهم، ولذلك فهم يطالبون بإضافة عبارة «تهود حسب الشريعة» (بالعبرية: كاهالاخاه) أي على يد حاخام أرثوذكسي. وتحوَّلت القضية، من ثم، إلى من هو الحاخام؟ وقد قُدِّم إلى الكنيست مشروع قرار بهذا المعنى، رُفض في 16 يناير 1985، وتَسبَّب المعراخ أساساً في إسقاطه. والملاحَظ أن هذا التعديل الأخير المُقترَح سيثير من المشاكل أكثر مما يحلّ، فهو على سبيل المثال سيهز أحد الأسس التي يستند إليها التجمع الصهيوني، وهي فكرة «الوضع الراهن» . والعبارة تشير إلى الوضع السائد في فلسطين إبان حكم الانتداب. وقد تَوصَّل الصهاينة الدينيون والصهاينة اللادينيون، عشية إنشاء الدولة، إلى اتفاق على أن الدولة الصهيونية ستلتزم بالشعائر والأعراف السائدة في ذلك الوقت في المجال الديني. ولا يزال الاتفاق يحكم مدى التزام الدولة بتنفيذ الشعائر الدينية.

وقد أثيرت عام 1987 قضية شوشانا ميلر المواطنة الأمريكية التي اعتنقت اليهودية على يد حاخام إصلاحي ثم هاجرت عام 1985 إلى إسرائيل، حيث رفضت وزارة الداخلية الإسرائيلية منحها الجنسية بمقتضى قانون العودة. وطلب إليها وزيرالداخلية أن تتهوَّد مرة أخرى على يد حاخام أرثوذكسي، فرفضت طلبه وتقدمت بشكوى إلى القضاء. ولحسم المسألة، اقترح الوزير أن يُكتَب على بطاقة تحقيق الشخصية الخاصة بالمتهوِّدين لفظة «متهوِّد» بدلاً من «يهودي» ، سواء أكان التهود قد تم على يد حاخام إصلاحي أم على يد حاخام محافظ أم أرثوذكسي، فرفضت المواطنة ذلك أيضاً باعتبار أن هذا سيحولها إلى يهودية من الدرجة الثانية. وقد حكمت المحكمة لصالح الشاكية، فاستقال وزير الداخلية واتهم اليهود الإصلاحيين بأنهم «يقودون أمة إسرائيل إلى التهلكة» . ولكن الوزارة اضطرت في نهاية الأمر إلى تسجيل بعض مَنْ تهوَّدوا على يد حاخامات غير أرثوذكس باعتبار أنهم يهود.
وهناك حالات قامت فيها المحاكم الحاخامية بالتشكيك في يهودية بعض ضحايا الإبادة النازية الذين استقروا في إسرائيل، بل وهناك حالة قامت فيها السلطات الدينية بالرجوع إلى الأرشيف النازي للتأكد من هوية أحد اليهود.
وكأن مشاكل الهوية لا تنتهي، فقد طُرحت القضية من جديد وبحدة بالغة في فبراير 1988، حين حضر يهوديان اسمهما جيري وشيرلي بيرسفورد، ينتميان إلى جماعة دينية مسيحية تبشيرية اسمها رامات هاشارون، ويشبه وضعهما وضع الأخ دانيال من بعض الوجوه، ويختلفان عنه من البعض الآخر. فهما يهوديان بالمعنى الإثني وهما يؤمنان بالمسيح، تماماً مثل الأخ دانيال، ولكنهما يختلفان عنه في أنهما لم يتنصرا، أي لم يعتنقا الديانة المسيحية. ولا يبيِّن المصدر ما معنى هذه العبارة، وإن كان من الواضح أنها تعني أنهما آمنا بأن عيسى هو المسيح أو الماشيَّح المُنتظَر دون الإيمان ببنوته للرب.

وقد طُرح حل صهيوني للمشكلة باعتبار أن قانون العودة قانون سياسي صهيوني لمن يشاء، وقانون ديني لمن يشاء، ويمكن لكل فريق أن يفسره بالطريقة التي يراها، على أن تحتفظ السلطة الأرثوذكسية بسلطتها كاملة في أمور الأحوال الشخصية وفي عمليات التهويد التي تتم داخل إسرائيل. وتحاول بعض الأحزاب الدينية تَبنِّي موقف مماثل، لكنهم بدلاً من المطالبة بتغيير قانون العودة يطالبون بتغيير قانون المحاكم الحاخامية بحيث يصبح من صلاحياتها أن تقرر من هو اليهودي ومن هو غير اليهودي، بدلاً من وزارة الداخلية. وفي هذه الحالة، سيمكنها أن تسقط صفة اليهودية عن الحاخامات الإصلاحيين والمحافظين. ولكن جماعة حبد الأرثوذكسية ترفض مثل هذا الحل.

وفي تَصوُّرنا أن أزمة الهوية اليهودية ستتعمق ولن تُحسَم في المستقبل القريب لأسباب عديدة تتصل بالتطورات داخل المُستوطَن الصهيوني وخارجه. أما داخل المُستوطَن الصهيوني، فقد لوحظ، على عكس ما تَوقَّع المفكرون الصهاينة، أن التطورات والآليات الاجتماعية لم تؤد إلى صهر العناصر اليهودية الدينية واللادينية والإشكنازية والسفاردية وغيرها، وإنما ازدادت الصورة استقطاباً وتطرفاً. وإذا ما ركزنا على الجانب الديني مقابل العلماني، نُلاحظ ظهور هوية يهودية جديدة بالإضافة إلى عدم التجانس، وهي هوية الصابرا من الإشكناز التي يتسم أصحابها بسمات خاصة، كمعاداة العقل والفكر وحب العنف والتحلل من القيم الأخلاقية، بل إنهم يكنون احتقاراً عميقاً ليهود المنفى، أي يهود العالم كله (وقد كان المؤمَّل في الصابرا أن يكونوا الترجمة العملية لليهودي الخالص) . وإلى جانب ذلك، يُلاحَظ تَزايُد معدلات العلمنة في التجمع الصهيوني (الذي وصفه أمنون روبنشتاين بأنه من أكثر المجتمعات إباحية على وجه الأرض) . وبحسب بعض الإحصاءات، يبلغ عدد المواطنين الذين لا يؤمنون بالخالق 80% من كل الإسرائيليين. وهؤلاء ينظرون إلى الشعائر الدينية باعتبارها فلكلوراً قومياً. وتُعدُّ الأعياد الدينية بالنسبة إليهم أعياداً قومية، والعبرية ليست لغة الصلاة (اللسان المقدَّس) وإنما هي لغة البيع والشراء والجماع. وقد أصبح يوم السبت، وهو يوم راحة وتَعبُّد من الناحية الدينية، يوم صخب ولهو في الدولة التي يُقال لها «يهودية» . ولا يراعي كثير من الإسرائيليين قوانين الطعام الشرعي، ويُقال إن نصف اللحم المستهلك في إسرائيل من لحم الخنزير.

لكل هذا، حينما عُرضت قضية جيري وشيرلي بيرسفورد على الرأي العام الإسرائيلي، قال 78% منهم إنه يجب منحهما الجنسية الإسرائيلية إن كانا صهاينة، وعلى استعداد لأن يرتبطا بالمصير اليهودي. ومعنى هذا أن الإسرائيليين استخدموا معياراً قومياً لا دينياً صرفاً، ولو تم الأخذ به سيظهر نوع جديد من اليهود الذين يؤمنون بالمسيح عيسى بن مريم، ولأصبح الأخ دانيال يهودياً برغم حكم المحكمة العليا.
مقابل هذا التعاظم في معدلات العلمنة، هناك تعاظم أيضاً في النزعة الدينية يتضح في هجوم المؤسسة الدينية على الصور والمظاهر الإباحية في إسرائيل، وإصرارها على إقامة شعائر السبت، وفي إصرارها على تعديل قانون العودة. وينعكس هذا الاستقطاب القومي في واقعة حرق اللادينيين معبداً يهودياً احتجاجاً على نشاط المتدينين. ويتضح الاستقطاب أيضاً في ظهور عاصمتين للتجمع الصهيوني؛ إحداهما علمانية تماماً في تل أبيب، والأخرى في القدس يتزايد فيها نفوذ الأرثوذكس. وفي مثل هذا الإطار، يصبح الإجماع القومي، أو حتى الهدنة الاجتماعية القومية بشأن تعريف الهوية اليهودية، أمراً مستبعداً. ومما يعمق المشكلة أن ثمة استقطاباً مماثلاً يحدث بين يهود العالم الذين تزداد بينهم معدلات العلمنة والزواج المُختلَط.

ويُلاحَظ أن مشكلة السفارد قد ازدادت تفاقماًً، خصوصاً مع ازدياد عددهم وازدياد ثقتهم بأنفسهم. فالتجمع الصهيوني يعتبرهم يهوداً وحسب ماداموا في بلادهم، وهذا جزء من حملته الإعلامية، ولكنهم يصبحون يهوداً شرقيين فور وصولهم إلى إسرائيل، إذ أن التجمع الصهيوني يحتاج إليهم باعتبار أنهم مادة بشرية قادرة على حل أزمة المصادر البشرية التي يعاني منها، وعلى العمل في قاعدة الهرم الاقتصادي الإنتاجية. لكن إصرار السفارد على الحراك الاجتماعي، باعتبارهم يهوداً بشكل عام، سيجعلهم يشغلون الدرجات العليا من الهرم، ويتركون قاعدته خالية يشغلها العرب. وبهذا تشتبك مشكلة الهوية مع واحدة من أعمق مشكلات التجمع الصهيوني، وهي مشكلة الإنتاجية، خصوصاً أن الصهاينة يدَّعون أن اليهودي الجديد شخصية منتجة على خلاف يهود المنفى الهامشيين المرابين.
وقضية الهوية اليهودية قضية محورية. فالدولة الصهيونية تكتسب شرعيتها، أمام نفسها وأمام الكثيرين، من ادعائها أنها دولة يهودية، لكن استمرار تَفجُّر هذ القضية يقوض دعائم هذه الشرعية. كما أن تعديل قانون العودة سيؤدي إلى استبعاد ما يقرب من 80% من يهود العالم (وربما أكثر) ممن يُعرِّفون اليهودي على أسس دينية ذاتية أو على أسس إصلاحية ومحافظة ولا يقبلون اليهودية الأرثوذكسية.
ومن القضايا الأخرى المرتبطة بقضية «من هو اليهودي؟» قضية «من هو الصهيوني؟» ، وهل هو اليهودي الذي يهاجر إلى إسرائيل، أي من يمارس الصهيونية الاستيطانية أم اليهودي الذي يدعم المستوطن الصهيوني دون أن يهاجر ويكتفي بالصهيونية التوطينية؟ وهي قضية تمس الهوية ولكنها لا تصل في عمقها إلى قضية «من هو اليهودي؟» .

وكل هذه العناصر والتوترات والتناقضات تجعل من العسير على اليهود أنفسهم تصديق مقولة الشعب اليهودي الذي يتجاوز الأزمنة والأمكنة والذي يحمل داخله جوهراً يهودياً. فقد أثبت الواقع العملي أنه لا يوجد جوهر واحد، بل هي سمات عديدة متنوعة بتنوع التشكيلات الحضارية والتاريخية التي يتواجد فيها اليهود. وقد أثُيرت القضية مرة أخرى مع وصول المهاجرين اليهود السوفييت. وكما بيَّنت المؤسسة الدينية، فإن معظمهم ليسوا يهوداً، فهم إما من أصل مسيحي تزوجوا من يهود أو هم من مدعي اليهودية. بل واتضح أن اليهودية بالنسبة لليهودي منهم لا تمثل سوى أصداء خافتة للغاية. ومع هذا، رحبت المؤسسة الصهيونية بوصولهم، فهي في حاجة ماسة للمادة الاستيطانية. والحاجة نفسها هي التي تُفسِّر الترحيب بالفلاشاه موراه (وهم أشباه يهود تَنصَّروا بكامل إرادتهم منذ قرنين من الزمن) . وكل هذه المؤشرات تدل على أن المؤسسة الصهيونية، نظراً لحاجتها للمادة البشرية الاستيطانية، قد تجعل من اليهودية قشرة رقيقة للغاية (مثل الانتماء المسيحي في جنوب أفريقيا) إذ أن المطلوب هو مادة استيطانية غير عربية يضمن الكيان الصهيوني لنفسه الاستمرار من خلالها.
الأخ دانيال (1922 (–
‏Brother Daniel

راهب كاثوليكي وُلد لأبوين يهوديين، وكان يُدعَى عند مولده أوزوالد روفايزين. لجأ إلى دير كاثوليكي أثناء الاجتياح النازي لبولندا، ثم اعتنق المسيحية وعُمِّد وأصبح راهباً من الطائفة الكرملية. وفي عام 1958، أُرسل إلى دير جبل الكرمل في حيفا. وعند وصوله إلى إسرائيل، طلب منحه الجنسية الإسرائيلية بمقتضى قانون العودة الذي يُعرِّف اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية (دون إشارة إلى العقيدة) . وقد بيَّن الأخ دانيال أنه إذا كان الشرع اليهودي يعترف بالملحد يهودياً، فمن باب أولى أن يعترف بالكاثوليكي يهودياً! وعندما رفضت وزارة الداخلية طلبه، رفع قضية في المحكمة العليا التي أيَّدت قرار وزارة الداخلية (خمسة أصوات ضد أربعة) . وفي حكمها، اعترفت المحكمة بأن الشريعة اليهودية تُعرِّف اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية وأن المرتد عن اليهودية يظل يهودياً، ولكنها بينت أن قانون العودة قانون علماني، ومن ثم يجب تفسيره بما يتفق مع الفهم العام للكلمة، ولذا فالكلمة لابد أن تُفهَم بالطريقة التي يفهمها بها المواطن العادي، الذي يرى أن كون الإنسان يهودياً يتعارض مع الإيمان بعقيدة أخرى. ويستند هذا المعنى العادي اليومي، في تَصوُّر المحكمة، إلى التاريخ اليهودي والأهداف الصهيونية والرغبة الجماعية في الإبقاء على الصلة بين إسرائيل ويهود العالم (الدياسبورا) . وقد عُدِّل قانون العودة بعد ذلك ليصبح تعريف اليهودي «من وُلد لأم يهودية ولم يَتبنَّ عقيدة أخرى» . وقد حصل الأخ دانيال على الجنسية بمقتضى قانون التجنيس، وهي عملية لا تستند إلى قانون العودة.

وقد أدَّت حادثة الأخ دانيال إلى طرح قضية «من هو اليهودي؟» وهي قضية لم تجد حلاًّ حتى الوقت الحالي. ولعل الذين أثاروا قضية الأخ دانيال لم يدركوا أن الفيلسوف «اليهودي» ليف شستوف والمفكرة الدينية «اليهودية» إتي هلسوم والروائي «اليهودي» بوريس باسترناك كلهم كانوا يؤمنون بالمسيحية أو كانوا يؤثرونها كنسق ديني على اليهودية، ومع هذا تظهر أسماؤهم في الموسوعات اليهودية باعتبارهم يهوداً.
إديث شتاين (1891-1942 (
‏Edith Stein
مساعدة الفيلسوف الألماني هُسرل. وُلدت لأم يهودية أرثوذكسية لم توفر تعليماً دينياً لأولادها، ولذا ألحدت إديث وهي في سن صغيرة. ثم قرأت السيرة الذاتية لحياة سانت تيريزا، وتأثرت بها تأثراً عميقاً، فتكثلكت وغيرت اسمها إلى تيريزيا بنديكتا. ويبدو أنها كانت تشير إلى نفسها على أنها يهودية (بمعنى أن اليهودي هو من وُلد لأم يهودية) . وقد قبض عليها الجستابو عام 1942 وماتت في أوشفتس بعد ثمانية أيام من القبض عليها.
وقد أعلنت الكنيسة الكاثوليكية عام 1990 أن إديث شتاين قديسة، فثارت ثائرة المؤسسة اليهودية لأن هذا ـ من وجهة نظرهم ـ يُعَدُّ محاولة للاستيلاء على أوشفتس باعتبارها رمزاً يهودياً (يحتكره اليهود وحدهم) . كما أن المؤسسة اليهودية أشارت إلى أن إديث شتاين تم القبض علىها لأنها يهودية. والطريف في الموضوع أن الأخ دانيال، وهو يهودي تكثلك (تماماً مثل إديث شتاين) ، وذهب إلى إسرائيل باعتباره يهودياً وطالب بالحصول على الجنسية الإسرائيلية حسب قانون العودة ورُفض طلبه. فكأن المؤسسة اليهودية في العالم الغربي هي التي تقرر من هو اليهودي، دون الالتزام بأية معايير إلا مصالحها وأهوائها.
استجابة أعضاء الجماعات اليهودية للتعاريف الصهيونية للهويات اليهودية
‏Response of the Members of the Jewish Communities to the Zionist Definitions of Jewish Identities

طرحت الصهيونية (في صيغتها اللادينية) نفسها كحركة لتطبيع اليهود، وطرحت مفهوم «اليهودي الخالص» صاحب الهوية اليهودية الحقيقية ليحل محل «يهودي المنفى» الذي يخفي هويته ويتقمَّص هوية الآخرين. والدولة الصهيونية التي يُقال لها «يهودية» ستكون هي المسرح الذي تتحقق عليه هذه الهوية. وقد قبل بعض الصهاينة الدينيين المشروع الصهيوني وتحالفوا مع اللادينيين على أمل أن تُتاح لهم الفرصة بعد ذلك أن يفرضوا رؤيتهم الدينية بحيث يصبح «اليهودي الحقيقي» هو اليهودي حسب التعريف الأرثوذكسي. وقد أدَّى هذا إلى توترات عميقة بين الدولة الصهيونية من جهة والجماعات اليهودية في العالم، بكل ما تتسم به من تنوُّع وعدم تجانس، من جهة أخرى.
والصهيونية، كما بيَّنا، ترى أن الهوية اليهودية خارج المُستوطَن الصهيوني هوية ناقصة مريضة يجب إلغاؤها، وهذا ما يُسمَّى «نفي الدياسبورا» في المصطلح الصهيوني (أي تصفية الجماعات اليهودية أو استغلالها) . وقد نجم عن ذلك صراع حاد بين أعضاء الجماعات اليهودية والمُستوطَن الصهيوني، إذ أن أعضاء الجماعات يرون أن هويتهم، أو هوياتهم اليهودية، ليست مريضة وإنما هي جديرة بالحفاظ عليها وتنميتها، في حين تحاول المؤسسة الصهيونية أن تقلل من شأنها وأن تجعل منها وقوداً يغذي الدولة الصهيونية. ولذا، فهي تجعل من الهجرة إلى فلسطين المحتلة والاستيطان فيها، المعيار الوحيد لتقييم مدى صهيونية اليهودي ومدى يهوديته. وهذه المشكلة تنفجر دائماً داخل المؤتمرات الصهيونية وخارجها.

1 ـ وانطلاقاً من المفهوم الصهيوني للهوية اليهودية الحقيقية، تتصرف الدولة الصهيونية أحياناً بطريقة لا تخدم صالح أعضاء الجماعات اليهودية وإنما تخدم مصالحها هي على حسابهم. وربما تكون حادثة بولارد نقطة مهمة في هذا الصراع، فهي تمثل تصادماً بين رؤيتين للهوية: واحدة صهيونية والأخرى أمريكية يهودية. فتذهب الرؤية الصهيونية إلى أن الأمريكي اليهودي يهودي أولاً وأخيراً، ولذا لابد أن يخدم الدولة الصهيونية، في حين تذهب الرؤية الأمريكية اليهودية إلى أن الأمريكي اليهودي هو أمريكي في المقام الأول وله مصالح تختلف عن مصالح الدولة الصهيونية.
2 ـ عندما ينظر يهود العالم، خصوصاً المتدينين منهم، إلى الدولة التي يُقال لها «يهودية» ، يكتشفون أن هويتها وهوية سكانها ليست يهودية على الإطلاق. فمعدلات العلمنة عالية للغاية بين الإسرائيليين، وهو الأمر الذي يصدم الزوار اليهود للدولة الصهيونية الذين يهربون من مجتمعاتهم الاستهلاكية ويحضرون إلى إسرائيل فيفاجأون بمجتمع إباحي مفتوح أكثر علمانية من المجتمعات غير اليهودية التي تركوها وراءهم. والواقع أن المجتمع الإسرائيلي بدأ، منذ السبعينيات، يتوجه توجهاً استهلاكياً حاداً لا يضبطه أي ضابط أخلاقي أو حضاري أو عقائدي. وهذه التساؤلات ليست مقصورة على المتدينين، فاليهود اللادينيون، أو المندمجون الذين لا يقيمون شعائر دينهم، يحاولون التمتع بشيء من الهوية والتجربة الدينية عن طريق إسرائيل. فبرغم أنهم يتمتعون تماماً بالاستهلاك والحضارة العلمانية في بلادهم، فإنهم يذهبون إلى إسرائيل ويدفعون لها الإعانات ليعيشوا تجربة دينية قومية (ولو بشكل مؤقت، وكأن إسرائيل ديزني لاند يهودية، على حد قول أحد الحاخامات) . ولكن العلمانية الصريحة للدولة اليهودية تحرمهم من هذه المتعة وتلك الإثارة.

3 ـ كما يسأل اليهود المتدينون: بأي معنى يمكن إطلاق تسمية الدولة الصهيونية على الدولة اليهودية وهي تُسوِّي كل خلافاتها مع الآخرين عن طريق العنف العسكري ولا يمكن محاكمتها بمعايير أخلاقية يهودية؟ كما أن الطريقة التي يتم بها قمع الانتفاضة يصعب تسميتها «يهودية» مهما تحلى الإنسان بالكرم والخيال.
4 ـ يشكو اليهود المتدينون من أن التعريف الصهيوني للهوية اليهودية قد صادر الرموز والمصطلحات الدينية، بحيث يتصور كثير من اليهود الآن أن اليهودية والصهيونية أمران مترادفان، وأن المرء يمكنه أن يحقق هويته اليهودية عن طريق التبرع للدولة الصهيونية وعن طريق شراء سندات إسرائيل. وكما قال الحاخام ألكسندر شندلر: «يتصور بعض اليهود الآن أن إسرائيل هي معبدهم اليهودي وأن رئيس وزرائها هو حاخامهم الأكبر» .

ولكن نقطة الاشتباك الكبرى بين أعضاء الجماعات والدولة الصهيونية هي في مجال تعريف هوية اليهودي والمعيار المُستخدَم في هذا التعريف، إذ تُصرُّ المؤسسة الدينية، مُمثَّلة في أحزابها الدينية، على تَبنِّي تعريف أرثوذكسي. وقد حدثت مواجهة سريعة بين يهود العالم والمؤسسة الدينية في حالة يهود الهند (بني إسرائيل) في الخمسينيات، وفي حالة يهود الفلاشاه في الثمانينيات، ومع القرّائين والسامريين عبر كل هذه السنوات. وكان جوهر المواجهة دائماً هو إصرار المؤسسة الدينية على التمسك بتعريفها لليهودي، والذي يستبعد أعضاء هذه الجماعات. وقد حُسمت هذه المواجهات إما بتهود أعضاء هذه الجماعات مرة أخرى حسب الشريعة، وإما بتراجعهم وقبولهم مرتبة ثانوية في الهرم الديني اليهودي. كما أن المؤسسة أبدت من جانبها شيئاً من المرونة تجاههم. ولكن كل هذه المواجهات كانت مع جماعات صغيرة لا نفوذ لها انفصلت منذ قرون طويلة عن اليهودية الحاخامية، ولذا لم تتسبب المواجهة في تفجير أزمة عامة ذات أثر عميق. أما المواجهة مع يهود الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وغيرهم من الجماعات اليهودية بشأن الموضوع نفسه، فهي مواجهة مهمة وعميقة لها أعمق الأثر في كل من الدولة الصهيونية وأعضاء الجماعات.

ولنفهم مدى عمق هذه المواجهة، لابد أن نتناول وضع الجماعات اليهودية في العالم. فلو نظرنا إلى الهويات اليهودية في أنحاء العالم الغربي خصوصاً في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حيث يتركز معظم يهود العالم لوجدنا أن ثمة هويات متعددة غير متجانسة مندمجة في مجتمعاتها تتفاعل معها بحيث أصبح الإطار المرجعي لهويتهم وأساسها هو تجربتهم التاريخية في أوطانهم وليس التعريف الصهيوني أو اليهودي وإن كان ثمة عنصر مشترك بينها فهو المرجعية العلمانية النهائية التي أدَّت إلى ظهور «الهوية اليهودية الجديدة» فهوية يهود أمريكا على سبيل المثال هوية أمريكية ذات أبعاد إثنية دينية يهودية هامشية والحديث الصارخ عن بعث الإثنية في الولايات المتحدة والتمسك بها إنما هو من قبيل الادعاءات اللفظية المريحة للغاية. فمفهوم الهوية في الإطار الأمريكي لا يختلف أبداً عن مفهوم الدين، وكل من الدين والهوية شيئان يمكن تَقبُّلهما شريطة أن يتم تهميشهما حتى لا يتعارضا مع أداء اليهودي في رقعة الحياة العامة ولا يهددا الانتماء إلى المجتمع الأمريكي. ولكن إذا استبعدنا الهوية والدين من الحياة العامة ومن الإحساس بالانتماء، فلا يبقى شيء سوى زخارف أو تسلية تُمارس في أوقات الفراغ من آونة لأخرى، ولا تشكل بعدًا حقيقيا في بناء شخصية المرء ولا في رؤيته للكون.

كما أن أوضاع أعضاء الجماعات في إنجلترا وفرنسا وجنوب أفريقيا لا تختلف في أساسياتها عن الصورة العامة السائدة بين أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. بل إن وضع يهود روسيا وأوكرانيا ينطبق عليه أيضاً مصطلح «يهود ما بعد الانعتاق» أو «الهوية اليهودية الجديدة» ، فقد حصلوا على حقوقهم السياسية والمدنية، وتوجد أطر ومنابر يمكنهم من خلالها التعبير عما تبقَّى من هويتهم الشرق أوربية. كما ينتشر بينهم الزواج المُختلَط (وهو من أهم معايير الاندماج) بدرجة تفوق أحياناً درجته في الولايات المتحدة. وقد صرح شارنسكي، بطل الصهاينة في الاتحاد السوفيتي، حينما أُفرج عنه واستقر في إسرائيل، بأن درجة اندماج اليهود في المجتمع السوفيتي «درجة مَرضية» ، والمقصود أنها «عالية» . ورغم أنه يستخدم معياراً صهيونياً للهوية، إلا أنه يعترف ضمنياً بحقيقة ارتفاع معدلات الاندماج. وإذا كانت بين يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) أعداد كبيرة ترغب في الهجرة، فإن هذا يعود إلى بعض المشكلات الخاصة بالمجتمع الاشتراكي وبمجتمعات كومنولث الدول المستقلة. وعلى أية حال، فإن أغلبية من تتاح له فرصة مغادرة روسيا وأوكرانيا، يهاجر إلى الولايات المتحدة، ولا تهاجر سوى أعداد صغيرة إلى إسرائيل. وحتى هؤلاء الذين يصلون إلى هناك يكتشفون أن هويتهم وطموحاتهم تختلف عن الهوية اليهودية كما عَرَّفها الصهاينة. بل إن يهود روسيا وأوكرانيا الذين يصلون إلى الولايات المتحدة يكتشفون أنهم روس، ومن ثم لا يختلطون باليهود في الولايات المتحدة ولا يندمجون فيهم وإنما يندمجون في المجتمع الأمريكي. بل ويُقال إن الإسرائيليين المهاجرين إلى الولايات المتحدة يظلون أيضاً بمعزل عن يهود الولايات المتحدة ولا يتزاوجون معهم، إذ يكتشفون أنهم إسرائيليون وليسوا مجرد يهود.

وبشكلٍّ عام، يمكن القول بأن القيم العلمانية تنتشر في الوقت الراهن بين أغلبية يهود العالم، فهم إما منصرفون عن الدين تماماً وإما يتبنون الصيغ المخففة منه والمتمثلة في اليهودية الإصلاحية والمحافظة، ولم يَعُد بينهم سوى أقلية أرثوذكسية. ففي الولايات المتحدة، يبلغ عدد اليهود الإصلاحيين والمحافظين مليونين ولا يوجد سوى 400 ألف أرثوذكسي. أما بقية اليهود، فهم إما لاأدريون أو غير مكترثين باليهودية، ولكنهم يلجأون إلى حاخامات إصلاحيين أو محافظين في أمور الزواج وغيره. وربما تكون درجة علمنة يهود روسيا وأوكرانيا أعلى من ذلك بكثير. ومع هذا، وبرغم علمنة هؤلاء اليهود، وبرغم ابتعاد المتدينين منهم عن الأرثوذكسية، فإنهم يتمسكون ببقايا هويتهم الإثنية، ربما بتأثير الصهيونية. ولذا، فهم يصرّون على تسمية أنفسهم «يهود» برغم انصرافهم عن العقيدة، ثم يطالبون بتبني تعريف تعددي لليهودية، أي بأي تعريف يروق لهم بحيث يتم قبول أي يهودي يرى أنه يهودي. وهم ينظرون إلى الدولة الصهيونية باعتبارها دولة تعددية يهودية، بالمعنى الإثني، يمكنهم تحقيق هويتهم من خلالها. وفي هذا الإطار، ليس من المستغرب أن يؤدي التعديل المقترح لقانون العودة (بحيث يعرَّف اليهودي بأنه «المتهوِّد بحسب الشريعة» أي على يد حاخام أرثوذكسي) إلى تفجير التناقضات الكامنة إذ أنه، في واقع الأمر، يستبعد أغلبية المتهوِّدين وعائلاتهم في الولايات المتحدة. ومن المعروف أن عشرة آلاف أمريكي يتهوَّدون سنوياً نظراً لزواجهم من أقران يهود، ولا يتهود سوى ألف منهم أمام محاكم أرثوذكسية، أما الباقون فيتهوَّدون على يد حاخامات إصلاحيين ومحافظين، ولا تعترف الحاخامية في إسرائيل بهم كيهود.

وهناك مشكلة أخرى أُثيرت عدة مرات ولن يحسمها التعريف الجديد حتى لو تم تبنيه. فالحاخامات الأرثوذكس يطلبون ما يُسمَّى «جيط» من كل يهودية مُطلَّقة، أي شهادة طلاق من محكمة شرعية يهودية ليصبح الطلاق شرعياً، وهو تقليد أبطله الحاخامات الإصلاحيون. ولذا، فإن أية يهودية مُطلَّقة تتزوج دون أن تحصل على شهادة طلاق شرعي، يُعتبَر أطفالها (بحسب التصور الأرثوذكسي) غير شرعيين، حتى لو كانت هي يهودية معترفاً بيهوديتها من المؤسسة الأرثوذكسية. ولهذا، فمن المتوقع أن تتفاقم المشكلة بسبب ازدياد معدلات الطلاق غير الشرعي بين اليهود في الخارج، سواء في الولايات المتحدة أو في كومنولث الدول المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقاً) ، وبسبب جهل كثير منهم بقضية الجيط هذه!

ويدرك أعضاء الجماعات اليهودية، خصوصاً في الولايات المتحدة، المضمون الخفي الكامن وراء تعديل قانون العودة تماماً، والمحاولة الرامية إلى ذلك. ومن هنا كانت حدة استجابتهم لهذه المحاولة إلى درجة أدهشت القيادات في اجتماع لمجلس الفيدراليات الأمريكية الذي خُصِّص لمناقشة هذه القضية (1988) ، ومجلس الفيدراليات هو التنظيم الذي يضم سائر التنظيمات اليهودية الأمريكية. فعندما حاولت القيادة التقليل من أهمية التعديل المقترح والتهوين من شأنه، ثارت القاعدة وأعلنت سخطها وأعلنت كذلك عن نيتها أن تترجم هذا السخط إلى فعل ضد إسرائيل. بل إن بعضهم اشتكى إلى نوابهم في الكونجرس الأمريكي من التعديل المزمع، وقام هؤلاء النواب، وبعضهم من غير اليهود، بنقل شكوى ناخبيهم من اليهود إلى حكومة الدولة اليهودية. وتتحدث الصحف الإسرائيلية عن احتمال أن تُناقَش المسألة في الكونجرس الأمريكي عند مناقشة المعونة الأمريكية لإسرائيل. وهكذا، فبدلاً من أن تستخدم الدولة الصهيونية الدياسبورا أداة للضغط على الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها، يقوم أعضاء الجماعة الأمريكية اليهودية بالضغط على الدولة الصهيونية من خلال الولايات المتحدة للحفاظ على مصالحهم. ويُقال إن استجابة يهود الولايات المتحدة لتعديل قانون العودة يشبه في حدته استجابتهم لحرب 1967، حين أحسوا بالفخر الشديد لانتصار القوات الإسرائيلية، أي حين تضخمت هويتهم اليهودية المزعومة بسبب انتصار جيوش الدولة اليهودية. وقانون العودة يمس هذه الهوية، ذلك أن تعديله ينزع عنهم هويتهم هذه ويجعل منهم مجرد يهود إصلاحيين أو محافظين، أي يهود من الدرجة الثانية. ويجب ملاحظة أنه بينما أصبحت اليهودية، بالنسبة إلى معظم سكان المُستوطَن الصهيوني مسألة قومية وليست دينية محضة (ولهذا فهم لا يكترثون بموقف المؤسسة الأرثوذكسية) ، فإن الأمر جد مختلف بالنسبة إلى يهود العالم، فيهوديتهم برغم علمانيتهم الواضحة لا

يمكن أن تُعرَّف تعريفاً قومياً وحسب، حيث يتنافى هذا مع انتمائهم القومي. ولذلك، يظل البُعد الديني، برغم شكليته وضموره، أكثر أهمية بالنسبة إليهم من أهميته بالنسبة إلى الإسرائيليين.
ومن إنجازات الانتفاضة أنها، بوصولها إلى الإعلام الخارجي، قد حوَّلت النضال الفلسطيني من قضية سياسية أو أخلاقية إلى قضية إعلامية تمس صورة اليهودي وبالتالي هويته ورؤيته لها. ولعل الأفلام اليومية على شاشة التليفزيون الأمريكي قد ساعدت على تهيئة الجو لثورة الأمريكيين اليهود، وغيرهم من أعضاء الجماعات، على القيادات الصهيونية ورفضهم تعديل قانون العودة.
وثمة تَطوُّر ثالث شديد الأهمية يتمثل في البقعة التي يلتقي فيها يهود العالم بالمُستوطَن الصهيوني: أي المنظمة الصهيونية العالمية. فقد شهد العقدان السابقان صهينة قطاعات كبيرة من يهود الولايات المتحدة كانت ترفض الصهيونية من قبل. فاليهودية الإصلاحية التي تشجع الاندماج، كانت ترفض الصهيونية بشكل عقائدي عند نشأتها، كما كان بعض مفكري اليهودية المحافظة يرفضونها. ولكنهم، بمرور الزمن، تناسوا هذه الاعتراضات وانتهى بهم الأمر إلى الانضمام إلى المنظمة الصهيونية العالمية. هذا، بينما يُلاحَظ أن الجماعات اليهودية الدينية، وضمن ذلك بعض الأحزاب الدينية في إسرائيل، إما معادية للصهوينة وإما غير صهيونية وغير مُمثَّلة في المنظمة الصهيونية.

وقد انعكس هذا الوضع على انتخابات المؤتمر الصهيوني الحادي والثلاثين (1987) التي أسفرت عن فوز أغلبية من حزب العمال الإسرائيلي وممثلي اليهود الإصلاحيين والمحافظين والعلمانيين. وهذه هي المرة الأولى التي لا يعكس فيها تكوين المنظمة الصهيونية موازين القوى داخل الدولة الصهيونية. وقد قضى المؤتمر (291 صوتاً ضد 271 صوتاً) بضرورة المساواة الكاملة بين جميع اتجاهات اليهودية، الأمر الذي أدَّى بحركة المزراحي (الصهيونية الدينية) إلى التهديد بإعادة النظر في وضعها داخل الحركة الصهيونية. والواقع أن هذا الوضع يناقض الوضع داخل الدولة الصهيونية حيث يتنامى نفوذ الأحزاب الدينية.

وقد أثار وصول المهاجرين السوفييت مشكلة الهوية مرة أخرى. فعدد اليهود السوفييت حسب آخر إحصاء هو 1.500.000 وحسب، فمن أين أتت الأعداد الضخمة، خصوصاً ونحن نعرف أن اليهود السوفييت حققوا معدلات عالية من الاندماج وأنهم جماعة مسنة؟ ولتفسير هذا نذهب إلى أن اليهود الذين يهاجرون إلى إسرائيل يضمون في صفوفهم عدداً كبيراً من اليهود المتخفين الذين كانوا قد فقدوا علاقتهم باليهودية تماماً ولم يسجلوا أنفسهم كيهود، ولكنهم اكتشفوا مؤخراً أن مسألة الانتماء اليهودي مسألة مربحة وأنها ستضمن لهم تأشيرة خروج من الدولة السوفيتية وتأشيرة دخول إلى الدولة الصهيونية. ولعل هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يظهر فيها مثل هذا الموقف: أن يكون في صالح المرء أن يكتشف جذوره اليهودية ويعلنها ويوظفها. وأشباه اليهود هؤلاء غير مختنين وغير متزوجين من يهوديات وأولادهم غير يهود ولا يربطهم باليهودية سوى أن لهم جداً مدفوناً في موسكو (على حد قول أحد الحاخامات الإسرائيليين) . كما أن هناك فريقاً آخر ممن نسميهم مدَّعي اليهودية، وهؤلاء ليسوا يهوداً ويشترون شهادة ميلاد تثبت أنهم يهود. وهذه الآلاف تصل إلى إسرائيل وتطالب بالجنسية حسب قانون العودة. ويُقال إن نسبتهم بين المهاجرين يمكن أن تصل إلى 30% وقد بدأت المؤسسة الحاخامية تحذر من أن إسرائيل قد تصبح دولة غير يهودية. ولكن المؤسسة الإشكنازية الحاكمة (اللادينية) لا تجد أية غضاضة في استقبال هؤلاء المهاجرين ماداموا سيحلون المشكلة السكانية لإسرائيل، ولا تمانع في تَقبُّل التعريف العلماني الذي وضعه شارانسكي لليهودي باعتباره من يشعر أنه يهودي مُضطهَد. وهو تعريف لا تأخذ به، بطبيعة الحال، المؤسسة الحاخامية. ولهذا أُسِّست محكمة شرعية في موسكو للتحقق من الهوية اليهودية للمهاجرين، الأمر الذي يثير حفيظتهم ويؤدي إلى احتجاج العناصر اللادينية في إسرائيل.

وتُعتبَر الأزمة التي تعتمل داخل الدولة الصهيونية، وفي صفوف الجماعات اليهودية في العالم، نتيجةً لمحاولة تَبنِّي التعريف الديني أو التعريف اللاديني الصهيوني للهوية، أمراً طبيعياً ومتوقعاً. فهذا التعريف لا يأخذ في الاعتبار تموجات التاريخ وتعرجاته ولا ينبع منها، ويتجاهل التركيب الجيولوجي للعقائد والجماعات اليهودية، كما أنه مجرد تعريف عقائدي يفرض نفسه فرضاً على واقع متنوع. فهو يفترض وجود هوية يهودية واحدة رغم وجود هويات يهودية عديدة متنوعة أهمها «الهوية اليهودية الجديدة» التي تُهمِّش العنصر اليهودي. والتعريف الصهيوني يرى أن اليهود شعب واحد له تاريخ واحد، وهم في واقع الأمر جماعات منتشرة لها تجارب تاريخية متنوعة ذات انتماءات قومية وإثنية وطبقية ودينية متعددة. كما أن أعضاء هذه الجماعات، حين يستوطنون فلسطين المحتلة، يحملون معهم انتماءاتهم وتجاربهم التاريخية، شاءوا أم أبوا. وحينما يتبنون تعريفاً صهيونياً لهويتهم، تنفجر الأزمة إذ تكتشف أغلبيتهم العظمى أنهم ليسوا يهوداً أو أن يهوديتهم مشكوك فيها بل ومرفوضة، كما حدث ليهود بني إسرائيل والفلاشاه، وكما سيحدث ليهود الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لو تم تعديل قانون العودة.

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات يهودية؟ - اليهود والجماعات اليهودية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

اليهود: مشكلة التعريف
‏The Jews: The Problem of Definition
كلمة «يهودي» هي من أكثر الدوال إشكالية رغم بساطتها، فكلمة «يهودي» يمكن أن تُستخدَم للإشارة إلى العبرانيين القدامى باعتبارهم جماعة عرْقية أو إثنية (قوم) أو باعتبارهم جماعة دينية (شعب مختار) . ثم تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى اليهود الحاخاميين والقرّائين والسامريين ويهود الصين وإثيوبيا.

ويُشار إلى اليهود باعتبارهم شعباً مقدَّساً في التراثين الدينيين المسيحي واليهودي. وبعد ظهور العلمانية، أصبحوا شعباً عضوياً يُشار إليهم بوصفهم «الشعب اليهودي» أو بالمعنى اللاديني مجرد «اليهود» (بالإنجليزية: جوري Jewry) . ويُشار إلى السفارد والإشكناز والصابرا ويهود الولايات المتحدة على أنهم «يهود» . وتزداد الأمور اختلاطاً حينما يُستخدَم الدال «يهودي» للإشارة إلى يهود العالم وإلى صهاينة العالم والمستوطنين الصهاينة في إسرائيل. ولعل المصدر الأساسي لهذا الخلط هو التراث الإنجيلي الذي يتحدث دائماً عن اليهود ككل باعتبارهم «الشعب» ، وهي طريقة للرؤية ورثها العالم الغربي ككل. ولذا، نجد أن المحايدين العلميين والمعادين لليهود والصهاينة المتحيزين كلهم يتحدثون عن اليهود ككل.
وغني عن القول إن استخدام الدال «يهودي» بهذه الطريقة يجعله عديم الفائدة، إذ يشير إلى حقل دلالي متضارب ومدلولات مختلفة. وسنحاول في مداخل هذا المجلد أن نحدد الحقل الدلالي لبعض المصطلحات السائدة وأن نقترح مصطلحات جديدة لتحل محل مصطلح «يهودي» .
اليهود بوصفهم كُلاًّ متماسكاً
‏Jewry
«اليهود بوصفهم كُلاًّ متماسكاً» هي ترجمتنا للكلمة الإنجليزية «جوري» Jewry» ، والتي كانت تُستخدَم أصلاً للإشارة إلى الجيتو أو الشارع أو الحي الذي يسكنه اليهود. وهي تشير إلى اليهود من حيث هم كُلٌّ متماسك لا من حيث هم جماعات شتى لكل منها انتماؤها العرْقي أو الإثني أو الحضاري وتضم في صفوفها أعضاءً يهوداً لكلٍّ طموحاته وتصوراته الخاصة به. والكلمة تفترض أن هناك علاقة عضوية بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، وأنهم يخضعون للحركيات نفسها التاريخية التي تَجبُّ الانتماءات المختلفة والتناقضات الكامنة والظاهرة. وتُوجَد كلمات مماثلة في اللغات الأوربية الأخرى، مثل جويفيري Juiverie الفرنسية، وجويديتشا Guidecca الإيطالية.

ويحبذ الصهاينة استخدام هذا المصطلح لأنه يُعبِّر عن رؤيتهم ونموذجهم التفسيري. وهذا المصطلح لا يختلف كثيراً في تضميناته عن مصطلحات مثل «الشعب اليهودي» أو «الشعب العضوي» ، فهي جميعاً تشير إلى كلٍّ عضوي متماسك.
الشعب اليهودي
‏The Jewish People
«الشعب اليهودي» عبارة تفترض أن اليهود شعب بالمعنى القومي أو العرْقي للكلمة، كما تفترض أن لديهم قوميتهم اليهودية المستقلة. ويستطيع القارئ أن يعود إلى مدخل «القومية اليهودية» و «الجماعات اليهودية» .
الشعب
‏The People
«الشعب» كلمة تتواتر في الأدبيات الدينية اليهودية والمسيحية وفي الدراسات الدنيوية أيضاً. ويختلف معنى الكلمة في السياق الديني عنه في السياق الدنيوي والتاريخي. فهي في السياق الديني تعني «جماعة دينية» ترتبط بميثاق بينها وبين الإله وتنتفي عنها صفة الشعب بعدم تنفيذها العهد. وهذا الشعب قد يرى نفسه شعباً مختاراً أو شعباً مقدَّساً أو أمة الروح أو الأمة المقدَّسة أو الشعب الأزلي أو المفضل على العالمين، ومن أسمائه «بنو يسرائيل» و «شعب يسرائيل» . وترى الكنيسة المسيحية أن المسيحيين هم الشعب الحقيقي وأن اليهود قد تحولوا إلى مجرد «شعب شاهد» .
أما في السياق الدنيوي، فالأمر أكثر تركيباً، حيث يعني «الشعب» مجموعة القبائل العبرانية التي تسللت إلى كنعان ثم اتحدت في المملكة العبرانية المتحدة ثم انفكت إلى مملكتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. وقد اعتبره اليونانيون والرومان «إثنوس» أي قوماً يترأسهم رئيس القوم (إثنآرخ) ، ثم تحولوا إلى جماعات يهودية مختلفة منتشرة. وفي العصر الحديث، عاد الحديث بين الصهاينة عن «الشعب اليهودي» أو «الشعب العضوي (فولك) » . وقد قمنا بوضع مصطلح «الشعب العضوي المنبوذ» لوصف رؤية العالم الغربي للجماعات اليهودية.
الجماعات اليهودية
‏Jewish Communities

«الجماعات اليهودية» مصطلح نستخدمه في هذه الموسوعة بدلاً من مصطلح «اليهود» . ونحن نذهب إلى أن العبرانيين (والعبرانيين اليهود) ، أي اليهود القدامى، كانوا يشكلون وحدة ثقافية وإثنية تتسم بقدر من التماسك والتجانس والوحدة. ولكن، مع انتشار اليهود في أرجاء العالم في مجتمعات مختلفة، لكلٍّ تقاليدها الحضارية والدينية، وتواريخها، تَفاعَل اليهود مع هذه التقاليد والتواريخ وخضعوا لمؤثراتها، شأنهم شأن كل الأقليات والبشر. وقد بدأت عملية الانتشار مع التهجير البابلي، ولكن وتيرتها تصاعدت مع ظهور الحضارة الهيلينية والرومانية. وقد اكتملت عملية الانتشار والتَفرُّق مع هدم الهيكل في عام 70م على يد تيتوس، وكذلك سقوط العبادة القربانية المركزية وأية سلطة دينية مركزية يهودية. وقد تَحوَّل اليهود نتيجة هذه العملية إلى جماعات مختلفة متفرقة غير متجانسة. ونحن نفضل استخدام مصطلح «جماعات يهودية» على مصطلح «يهود» لأن المصطلح الأخير يؤكد التَماسُك والتَجانُس والوحدة حيث لا تَماسُك ولا تَجانُس ولا وحدة.

وإذا حاول الدارس أن يدرس أعضاء الجماعات اليهودية في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين كيهود وحسب فإنه سيحاول دون شك أن يرصد عناصر الوحدة بين هؤلاء اليهود. ومع أن هناك عناصر مشتركة قد تجمع بين هذه الجماعات، إلا أنها ليست في أهمية العناصر غير المشتركة من الناحية التفسيرية والتصنيفية. ولعل الاستعراض التاريخي الجغرافي للجماعات اليهودية يوضح هذه النقطة، فقد كانت الجماعات اليهودية في كل أنحاء العالم، في القرنين العاشر والحادي عشر، تُوجَد داخل عدة تشكيلات حضارية سياسية مستقلة وسمت كل جماعة بميسمها. وقد أصبح أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا أقنان بلاط وتجاراً ومرابين داخل النظام الإقطاعي، بل وبدأوا يواجهون مشكلة ظهور طبقات تجارية ومالية محلية. أما يهود العالم الإسلامي فلم يتسموا بتَميُّز وظيفي حاد بل وشاركوا في الثورة التجارية التي ظهرت آنذاك، وكانوا من الناحية الثقافية جزءاً لا يتجزأ من محيطهم الحضاري كما هو واضح في العصر الذهبي في الأندلس. وقد كانت أعداد من يهود فارس (وربما الهند) قد بدأت تستقر في الصين لأسباب تتصل بالحضارة الصينية (وهو تَزايُد الحاجة إلى المنسوجات الحريرية) . وكان يهود الخزر قد تبعثرت دولتهم بسبب صعود القوة السلافية الروسية وتَنصُّرها، ولكنهم كانوا يشاركون في تأسيس المجر. وكان يهود الفلاشاه قد أصبحوا جزءاً من التشكيل الحضاري الأفريقي في إثيوبيا، وكونوا قبيلتهم بل ومملكتهم وانخرطوا في الحروب القَبَلية المختلفة. ولا يمكن لإطار واحد أن يشمل كل هذه الظواهر. ولفهم سلوك هذه الجماعات وحركتها ومصيرها، لابد من العودة إلى التشكيلات الحضارية التاريخية التي كانوا يُوجَدون فيها، لا إلى جوهر يهودي يتجاوز الزمان والمكان ويشكل وحدتها الجوهرية أو إلى تاريخ يهودي يتطور حسب قوانينه الداخلية ويتطور اليهود في إطاره منعزلين عن تواريخ الجماعات التي يعيشون بين ظهرانيها.

وقد ازداد عدم التجانس بين الجماعات اليهودية بعد القرن الحادي عشر على المستويين الديني والاجتماعي، حيث تَعمَّق التوحيد في النسق الديني اليهودي في العالم الإسلامي، بينما تَعمَّق العنصر الحلولي الكموني في اليهودية الغربية وظهرت عناصر الثنوية والشرك مع هيمنة التراث القبَّالي. بينما كان يهود العالم الإسلامي يزدادون اندماجاً وتَحضُّراً، كان يهود العالم الغربي يزدادون انعزالاً وتَخلُّفاً. ولكن، مع الصعود الاقتصادي للعالم الغربي بعد الثورة التجارية والصناعية والرأسمالية، نجد أن يهود الغرب مارسوا تحولاً عميقاً ولعبوا دوراً في هذه العملية التي لم تترك أي أثر في يهود الدولة العثمانية أو يهود كوشين في الهند على سبيل المثال.
وفي العصر الحديث، نجد أن اليهود الأرثوذكس يُكفِّرون الإصلاحيين والمحافظين والتجديديين. ويوجد الآن فريق من اليهود المسيحيين الذين يؤمنون بالمسيح باعتباره الماشيَّح دون الاعتراف بألوهيته. كما أن غالبية يهود العالم إما ملحدون أو لاأدريون أو غير مكترثين بالدين. ويهود الفلاشاه لا يعرفون التلمود ويتعبدون بالجعزية، مع أن التلمود يُشكل العمود الفقري لليهودية الحاخامية (أي اليهودية الأرثوذكسية (.

وكل جماعة يهودية لها مشاكلها الخاصة النابعة من وجودها داخل بناء تاريخي مستقل، فيهود الفلاشاه يواجهون مشكلة المجاعات التي تجتاح أفريقيا في الآونة الأخيرة كما بدأوا يواجهون مشكلة التحديث في إسرائيل. أما يهود اليمن، فهم يواجهون مشكلة عدم توافر المعلمين الدينيين والكتب الدينية بسبب انقطاع صلتهم بمراكز الدراسات الحاخامية في الغرب، كما يواجهون مشكلة أن اليمن بلد عربي في حالة صراع سياسي حاد مع دولة تُسمِّي نفسها «الدولة اليهودية» . وهم يعانون أيضاً من التَدخُّل الدائم من المنظمة الصهيونية التي تحاول إنقاذهم شاءوا أم أبوا. واليهود القرّاءون في إسرائيل يواجهون مشكلة وجودهم في مجتمع تسيطر عليه المؤسسة الحاخامية التي لا يعترفون بها، وكذلك مشكلة تَزايُد معدلات العلمنة. أما القرّاءون في الاتحاد السوفيتي، فيواجهون مشاكل مختلفة. ومشاكل كلا الفريقين تختلف عن تلك التي يواجهها اليهود القرّاءون في مصر أو في الولايات المتحدة. واليهود السامريون في نابلس يواجهون مشاكل فريدة باعتبارهم أصغر أقلية دينية في العالم لا تزال محتفظة بعبادتها القربانية المرتبطة بجبل جريزيم. ومشاكل يهود جورجيا تختلف عن مشاكل يهود الكرمشاكي أو يهود أوكرانيا أو يهود بيروبيجان. ويواجه يهود الولايات المتحدة مشاكل من بينها الخوف من الاندماج (الهولوكوست الصامت) نتيجة تقبل المجتمع لهم ونجاحهم فيه. وهذا التقبل والنجاح يسبب لهم مشاكل مع السود، فالسود متركزون في المدن نفسها التي يوجد فيها اليهود وعادةً ما يشغلون «الجيتو» الذي كان يشغله المهاجرون اليهود قبل أن يحققوا الحراك الاجتماعي وينتقلوا إما إلى جيرة أفضل أو إلى الضواحي. فحي هارلم الشهير كان حياً يهودياً يجعل من «المالك اليهودي» ممثلاً للرأسمالية الأمريكية المستغلة أمام الأمريكيين السود، الأمر الذي يسبب كثيراً من المشاكل للجماعة اليهودية ككل. كما أن تَزايُد وعي السود بأنفسهم،

وبقوتهم ورغبتهم في المشاركة في السلطة، يجعل احتكاكهم باليهود أكثر حدة بسبب تَركُّز الجماعتين في الأماكن نفسها. ويواجه يهود هولندا مشكلة عدم الامتزاج بين الإشكناز والسفارد حتى أن كل طائفة لها مدارسها. وكلا الفريقين يواجه مشاكل ناجمة عن تَصاعُد معدلات العلمنة في هولندا. ويجابه أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا مشاكل الانقسام، فالمهاجرون اليهود من البلاد العربية لا يتزوجون في كثير من الأحوال من يهود فرنسا الأصليين، وإن كانت هذه الظاهرة قد بدأت تقل.

كما نجد أن الجماعات اليهودية لا تعترف أحياناً الواحدة بالأخرى. وتتضح هذه الظاهرة بحدة في أمريكا اللاتينية حيث حافظت كل جماعة يهودية على هويتها وبالتالي كان الصدام حاداً بين الجماعات، خصوصاً بين السفارد والإشكناز. وفي سويسرا، يجابه اليهود مشكلة أن الذبح الشرعي محظور منذ أمد طويل مع أن سويسرا هي مقر كثير من المنظمات اليهودية. وفي إنجلترا، يجابه الجيل اليهودي القديم مشكلة انصراف اليهود عن التعليم اليهودي والتقاليد اليهودية، فخمسة في المائة فقط من الأطفال اليهود يدخلون مدارس يهودية و75% يدرسون موضوعات اليهودية في مدارس الأحد و20% لا يتلقون أية ثقافة يهودية على الإطلاق. والواقع أن مشكلة التعليم و «الانتماء اليهودي» على وجه التحديد هي مشكلة تواجهها جميع الجماعات اليهودية في الغرب، وسببها ازدياد علمانية هذه المجتمعات وانتشار العقلية الاستهلاكية التي لا تهتم كثيراً بالتاريخ أو التراث أو الهوية. ومما يزيد المشكلة حدة أن الجيل الجديد يدخل طرفاً في زيجات مُختلَطة، الأمر الذي لابد أن يؤدي إلى تَناقُص عدد أعضاء الجماعة. كما أن أعضاء الأجيال الجديدة يحجمون عن الزواج بشكل عام، وإن تزوجوا فهم يُحجمون عن الإنجاب. ومن الملاحَظ أن متوسط أعمار اليهود في كثير من بلدان الغرب أعلى من متوسط العمر في هذه البلدان بسبب اختفاء العناصر الشابة. وكل هذا يهدد بموت الشعب اليهودي وهي مشكلة لا يعاني منها اليهود الشرقيون بعد.

إن مشاكل الجماعات اليهودية متنوعة ونابعة من وجودها في مجتمعات مختلفة ذات مستويات مختلفة من التقدم والتخلف. ولكن استخدام اصطلاح «يهود» على إطلاقه لن يساعد كثيراً على التحليل والتفسير. ومن هنا، فإننا نرى أن كلاًّ من العقيدة اليهودية والهوية اليهودية هما، في واقع الأمر، عقائد وهويات تأخذ شكل تركيب تراكمي جيولوجي يحوي داخله طبقات غير متجانسة تعيش بعضها فوق بعض. (وإذا ما أطلقنا على هذا اسم «يهود» و «يهودية» لكان في الأمر تعسف وليٌّ لعنق الواقع لا يساعدان كثيراً على فهم الظاهرة) . ولذا، فنحن نشير إلى العقائد وإلى الجماعات اليهودية، بحيث تؤكد كلمة «جماعات» على استقلال كل جماعة وعلى خضوعها لحركيات تاريخية وحضارية مختلفة.

كما أن لفظ «جماعة» أفضل من لفظ «طائفة» أو «أقلية» . فلفظ «طائفة» يشير عادةً إلى طائفة دينية، بينما يؤكد لفظ «أقلية» الجانب الكمي للظاهرة. أما كلمة «جماعة» ، فهي وإن كانت لا تؤكد الجانب الكمي (أي عدد اليهود كأقلية) ، إلا أنها لا تستبعده تماماً. كما تتضمن فكرة أنها جزء من كل أكبر، كما أن كلمة «جماعة» ، وهذا هو الأهم، تؤكد أن ثمة عناصر تُميِّز هذه المجموعة البشرية وأن هذه العناصر ليست دينية وحسب، فقد تكون حضارية أو ثقافية أو وظيفية. ونحن حين نستخدم اصطلاح «جماعة وظيفية» ، فإننا نربط على مستوى المصطلح بين «الجماعة اليهودية» و «الجماعة الوظيفية» . ومما يجدر ذكره أن العرب، في شبه جزيرة أيبريا، استخدموا لفظ «الجماعة» للإشارة إلى اليهود، وقد استبقاه المسيحيون من بعدهم. والمقدرة التفسيرية لمصطلح «الجماعة اليهودية» أعلى بكثير من مصطلح «اليهود» الذي يجعل الباحث يواجه اليهود ككتلة متماسكة لها قوانينها الخاصة المقصورة عليها ولها منطقها الداخلي. أما مصطلح «أعضاء الجماعات اليهودية» ، فيؤكد عدم التجانس وعلى استقلال كل جماعة عن الأخرى، ويؤكد أن هذه الجماعات قد تكون خاضعة لقوانينها الخاصة ومنطقها الداخلي (من حيث هي يهودية) ولكنها مع ذلك خاضعة أيضاً لقانون أكبر ومنطق أشمل من حيث هي «جماعات» تشكل جزءاً من كل، فهو إذن مصطلح يعيِّن الظاهرة باعتبارها ظاهرة يهودية ولكنه لا يجعل هذا الأمر النقطة المرجعية الأساسية بل مجرد نقطة فرعية، إذ تظل الحقيقة الأساسية المرجعية أنها جماعة بشرية في مجتمع الأغلبية، وأنها جزء من كل تاريخي حضاري أكبر تستمد منه هويتها وتَرقَى حركيتها برقيه وتنحدر وتهوى بانحداره وسقوطه، شأنها في هذا شأن الجماعات المماثلة.

ومن المفيد أن نؤكد أن مصطلحاً مثل «الجماعات اليهودية في مصر» قد يكون مضللاً رغم أنه يشير إلى يهود مصر، فلابد من تأكيد البُعد الزمني إلى جانب البُعد الجغرافي. والواقع أن يهود مصر، على سبيل المثال، يبدأ تاريخهم منذ أن كانوا في مصر عبيداً عبرانيين يتحدثون لغة المصريين القدماء أو ربما لغة أخرى لا نعرف ما هي (ثم حينما تسللوا إلى كنعان اكتسبوا لسان كنعان) . وكانت حامية إلفنتاين العبرانية، في عهد الأسرة 26، تتحدث العبرية والآرامية، وتتعبد حسب صيغة وثنية يهودية إذ كانوا يعبدون يهوه وآلهة أخرى. ثم نجد أن يهود مصر راحوا يتأغرقون بعد ذلك ويتخذون من اليونانية لغةً لهم، كما اكتسبت عبادتهم بُعداً هيلينياً. وأخيراً، بعد الفتح الإسلامي، استعرب يهود مصر وأصبحت يهوديتهم أكثر توحيدية. وفي العصر الحديث، تم علمنتهم وتغريبهم. إن هذه الجماعات المختلفة إثنياً ودينياً يُطلَق عليها جميعاً «يهود مصر» كما لو كانت كُلاًّ واحداً مستمراً بلا انقطاع، مع أن من الواضح أن ثمة انقطاعات عديدة.

ومن أكثر الأمثلة دراميةً وطرافة يهود القرم ويهود شبه جزيرة تامان المجاورة لها. ويعود تاريخ استقرار اليهود في هذا المكان إلى القرن الثاني قبل الميلاد، حينما استجلب مثراديتيس الأكبر مستوطنين يهوداً من آسيا الصغرى ووطنهم ذلك الجزء من مملكته (حول مضيق البوسفور) . ومن المؤكد أنه، في القرن الأول الميلادي، كانت توجد مستوطنات من اليهود المتأغرقين في المملكة البوسفورية. ولذا، كانت شواهد قبورهم تُكتَب بكل من اليونانية والعبرية، كما كان الحال في مصر بعد تأغرقهم. وهناك وثائق تدل على وجود جماعة استيطانية قتالية من عَبَدة الإله الأعظم. وقد حطمت قبائل الهن هذه المملكة في عام 370 مما ساهم في نَزْع الصبغة الإغريقية عن الجماعة اليهودية. ثم غزت الإمبراطورية البيزنطية هذه المنطقة في القرن السادس، ولابد أن هوية اليهود في هذه المنطقة قد تَغيَّرت بتَغيُّر التشكيل الحضاري الذي ساد فيها. وفيما بعد، غزت قبائل الخَزَر شبه جزيرة القرم في منتصف القرن السابع، وهو ما أدَّى إلى دخولها في فلك إمبراطورية الخَزَر فتترَّك اليهود فيها وتهوَّدت النخبة الحاكمة. وبعد سقوط دولة الخَزَر، التي اختفى آخر أثر لها في القرم في القرن الحادي عشر، اكتسح التتار شبه الجزيرة عام 1227. وقد اندمج اليهود في التتار أيضاً وتَبنَّوا لغتهم وأزياءهم. وهؤلاء هم أسلاف يهود الكرمشاكي الذين انتقلت بقاياهم مؤخراً من الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة. وتحت حكم التتار، بدأ القرّاءون يدخلون القرم. وقد قامت مدينة جنوة بتأسيس بعض مستعمرات تجارية على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة في منتصف القرن الرابع عشر. ويبدو أن بعض أعضاء الجماعة اليهودية اكتسبوا الثقافة الإيطالية أو انضم إليهم يهود من إيطاليا. ونحن نعرف أن الجماعة اليهودية في تامان كان يرأسها (عام 1419) يهودي إيطالي يُدعَى سيمون دي جوبزولفي.

ومع سقوط القسطنطينية عام 1543، أصبحت القرم تابعة للدولة العثمانية. ولابد أن هذا ترك أيضاً أثره الثقافي في اليهود. ثم ضمت روسيا القرم في عام 1783، وبدأت هجرة العناصر الإشكنازية، كما بدأ تحديث يهود القرم.
ورغم كل هذه التحولات اللغوية والحضارية، يُشار لهم باسم «يهود القرم» بكل ما ينطوي عليه المصطلح من استمرار وتَجانُس وعدم انقطاع حيث لا استمرار ولا تَجانُس، وإن وُجدت عناصر استمرار فإنها لا تكون في أهمية عناصر الانقطاع وعدم الاستمرار. ولذا، نقترح أن نقول «يهود القرم في العصر الخزري» و «يهود مصر في العصر البطلمي» وهكذا.
وأخيراً، يجب ملاحظة أن إحدى الدول قد تضم جماعة يهودية واحدة متجانسة حضارياً وتضم دولة أخرى عدة جماعات. فالجماعة اليهودية في إنجلترا، مثلاً، جماعة واحدة يتصف معظم أعضائها ببعض السمات الأساسية، وغالبيتهم الساحقة يتحدثون الإنجليزية. والأمر نفسه ينطبق على يهود الولايات المتحدة، حيث تُوجَد جماعة يهودية رئيسة يتحدث أعضاؤها الإنجليزية وجماعات أخرى صغيرة للغاية مهملة إحصائياً، خصوصاً أن أعضاءها في طريقهم إلى الاندماج والاختفاء. هذا على عكس يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ، فقد كانت أغلبيتهم الساحقة من يهود اليديشية الإشكناز الذين اصطبغوا بالصبغة الروسية، ولكن كانت هناك جماعات أخرى (تُشكل حوالي 15%) لها هويات أخرى. والشيء نفسه ينطبق على أمريكا اللاتينية، فما نقوله عن الجماعة اليهودية في إنجلترا والولايات المتحدة، وكذلك ما يُقال عن الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ، يَصدُق على الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية.
طائفة
‏Community; Taifa

كان يُشار لكل جماعة يهودية بأنها «طائفة» ، فكان يُشار إلى «طائفة اليهود» وإلى «الطائفتين» (القرّائين والحاخاميين) وإلى «رئيس الطائفة اليهودية» . ويقوم بعض الدارسين العرب في الوقت الحاضر باستخدام هذا المصطلح. وقد آثرنا استخدام «جماعة» لأنه أكثر عمومية من طائفة، فكلمة «طائفة» مرتبطة بالتشكيل الحضاري والسياسي الإسلامي وكان المطلوب هو التوصل إلى مصطلح أكثر عمومية ليضم كلاًّ من طوائف اليهود في العالم الإسلامي والجماعات اليهودية في بقية العالم ومن هنا استقر اختيارنا على هذا المصطلح. هذا وقد استُخدم لفظ «الجماعة» للإشارة إلى الجماعة اليهودية في كلٍّ من إسبانيا الإسلامية وإسبانيا المسيحية.
عبري
‏Hebrew
«عبري» هي أقدم التسميات التي تُطلَق على أعضاء الجماعات اليهودية، ويُقال أيضاً «عبراني» ، وجمعها «عبرانيون» . وهناك تسمية أخرى هي «بنو يسرائيل» أو «جماعة يسرائيل» أو «يسرائيلي» ، ثم يأتي بعد ذلك لفظ «يهودي» للتعبير عن المسمى نفسه.
والكلمة ذات معان ومدلولات عديدة، فيرى بعض الكُتَّاب أن الكلمة ترادف كلمة «عبيرو» التي ترد في المدونات المصرية، و «خابيرو» التي ترد في المدونات الأكادية. ولكن البعض الآخر يُشكك في هذا الاشتقاق باعتبار أن كلمة «عبري» صفة تدل على النسب أو الانتماء لوجود ياء النسب في آخرها، في حين أن كلمة «خابيرو» أو «حبيرو» لا تعني غير المُزامَلة والمرافقة.

ومن الآراء المطروحة أيضاً أن كلمة «عبري» مشتقة من «العبور» من عبارة «عبر النهر» : «فهرب هو وكل ما كان له وقام وعبر النهر وجعل وجهه نحو جبل جلعاد» (تكوين 31/21) . ويرى البعض أنه حين يقول الساميون «عبر النهر» دون ذكر اسم هذا النهر فإنهم يعنون نهر الفرات، والإشارة هنا إلى عبور يعقوب الفرات هارباً من أصهاره. ويرى بعض الباحثين أن عبور يعقوب النهر هو أساس اسم العبرانيين، حيث ينتسبون إلى من قام بهذا العبور، أي يعقوب الذي سُمي «يسرائيل» .
وربما كان الاسم إشارة إلى جماعة قَبَلية إثنية كبيرة. ويظهر هذا الاستعمال في العلاقة بين المصطلح «عبري» واسم «عابر» حفيد سام (تكوين 10/24 ـ 25، 11/15 ـ 16) الذي تنتسب إليه مجموعة كبيرة من الأنساب. ولكن أول شخص يُشار إليه بأنه عبري هو إبراهيم (تكوين 14، 13) في سياق لا يدل على أن الإشارة إشارة إثنية، وإنما إشارة تدل على الوضع الاجتماعي باعتباره غريباً أو أجنبياً ليست له أية حقوق. وتشير كلمة «عبري» في التوراة إلى العبرانيين أيضاً باعتبارهم غرباء. والعبري «غريب في منزلة الخادم» ويدل هذا على أن كلمة «عبري» هنا تشير إلى غير اليهودي في حكم التوراة، ويظهر هذا في الأحكام الخاصة بشراء عبد عبري (خروج 21/2 (.
وثمة رأي يذهب إلى أن العبرانيين كانوا غرباء في مصر مدة طويلة، وبالتالي ارتبط الاسم بهم، وتَحوَّل من صفة لوضع اجتماعي إلى وصف لجماعة إثنية. ولذا، فإن ثمة إشارات إلى يوسف على أنه غلام عبراني (تكوين 41/12) ، أو رجل عبراني (تكوين 39/14) . كما أن ثمة إشارة أيضاً إلى النساء العبرانيات (خروج 1/19) . ورغم أن الإشارة ذات طابع إثني واضح، فإنها لم تفقد بعدها الاجتماعي تماماً. وفي سفر التكوين نجد إشارة إلى يوسف كعبد عبراني (39/18) وهي إشارة ذات دلالة تخلط العنصرين الإثني والطبقي.

وترد كلمة «عبري» أحياناً مرادفة لكلمة «يهودي» على نحو ما جاء في سفر إرميا (34/9) : «أن يُطلَق كل واحد عبده وكل واحد أَمته، العبراني والعبرانية، حُريَّن حتى لا يستعبدهما، أي أخويه اليهوديين، أحد» . كما كانت الكلمة مرادفة لكلمة «يسرائيلي» (خروج 9/1 ـ 4) : «هكذا يقول الرب إله العبرانيين ... ويميِّز الرب بين مواشي يسرائيل ومواشي المصريين» . وفي صمويل الأول (4/9) ، يقول أحد الفلستيين: «تشددوا ... وكونوا رجالاً لئلا تُستعبَدوا للعبرانيين» وهو يتحدث عن جماعة يسرائيل.

ويُفضل بعض الصهاينة العلمانيين أن يستخدموا كلمة «عبري» أو «عبراني» على استخدام كلمة «يسرائيلي» أو «يهودي» باعتبار أن الكلمة تشير إلى العبرانيين قبل اعتناقهم اليهودية، أي أن مصطلح «عبري» يؤكد الجانب العرْقي على حساب الجانب الديني فيما يُسمَّى «القومية اليهودية» . بل إن بعض أصحاب الاتجاهات الإصلاحية والاندماجية، في مرحلة من المراحل، كانوا يفضلون كلمة «عبري» على كلمة «يهودي» بسبب الإيحاءات القدحية للكلمة الأخيرة. وقد ظهرت في هذه الآونة كلية الاتحاد العبري Hebrew Union Collegeوجماعة هياس (وهي اختصار Hebrew Immigration Aid Society، أي الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين) . كما أنهم في إسرائيل، يشيرون عادةً إلى اللغة العبرية والأدب العبري والصحافة العبرية، ولكننا نفضل استخدام «عبراني» للإشارة إلى اليهود القدامى من حيث هم تَجمُّع بشري حضاري ذو خصائص متميِّزة. أما لفظ «عبري» ، فنقصر استخدامه على الناحية اللغوية والأدبية، كما نستخدم كلمة «جماعة يسرائيل» (أو «يسرائيلي» ) للإشارة إلى العبرانيين القدامى من حيث هم تَجمُّع ديني، تمييزاً لهم عن الصهاينة المستوطنين في فلسطين، وعن أبنائهم الذين يمكن أن نطلق عليهم مصطلح «إسرائيليين» ، على أن تظل كلمة «يهودي» مصطلحاً يشير إلى المؤمنين باليهودية، بغض النظر عن انتمائهم العرْقي أو الإثني أو الحضاري، ويشير إلى كل من يطلق على نفسه هذه الصفة.
ونحن في هذا لا نختلف كثيراً عن الاستعمال الشائع للكلمة. ويقول الدكتور ظاظا: «بعد العودة من بابل في القرن الخامس قبل الميلاد، اقتصر استخدام مصطلح «عبرانيين» على الإشارة إلى الرعيل الأول من اليهود حتى عصر التهجير البابلي، واستُخدمت كلمة «يهود» أو «يسرائيلي» للإشارة إلى الأجيال التي أتت بعد ذلك، والتي لم تَعُد تستخدم اللغة العبرية وإنما تتحدث الآرامية وتكتب بها» .

ولعل الدقة الكاملة كانت تتطلب أن نستخدم اصطلاح «عبراني يهودي» للإشارة للعبرانيين في الفترة ما بعد العودة إلى بابل (538 ق. م) حتى سقوط الهيكل (70م) ، فإبان هذه الفترة بدأت ملامح النسق الديني اليهودي كما نعرفه في التحدد مع بداية الفترة واكتملت مع نهايتها. ومع هذا، كانت العبادة القربانية المركزية لا تزال الإطار الديني المرجعي الأساسي للعبرانيين اليهود. ولكننا، مع هذا، نستخدم كلمة «يهودي» وحدها للإشارة إلى العبرانيين اليهود من قبيل التبسيط، وحتى لا يصبح هيكل المصطلحات مركباً لدرجة يصعب معها استخدامه. ويستطيع القارئ أن يعود إلى مدخل «الهويات اليهودية (تاريخ) » .
يسرائيل
‏Israel; Yisrael
«يسرائيل» كلمة عبرية قديمة غامضة المعنى، يمكن تقسيمها إلى «يسرا» ، أي الذي يحترب أو يصارع، و «إيل» وهو الأصل السامي لكلمة «إله» . والكلمة تعني حرفياً «الذي يصارع الإله» أو «جندي الإله إيل» ، وفي كل التفسيرات معنيان أساسيان هما معنى الصراع والحرب ومعنى القداسة.
ومما يجدر ذكره أن كلمة «يسرائيل» وردت في الكتابات المصرية في عهد مرنبتاح في عام 1230 ق. م بوصفها اسماً لإحدى المدن، أو ربما لبطن من بطون القبائل في جنوبي كنعان. ولعل هذا يدل على أن الكلمة كنعانية الأصل، وأنها كانت ذات ارتباطات مقدَّسة بين سكان المنطقة آنئذ. وهناك نظرية تذهب إلى أنها كانت اسم بطن من بطون القبائل العبرانية.

وقد اكتسب يعقوب هذا الاسم بعد أن صارع الإله في حادثة غامضة لا يُفهَم مكنونها أو دلالتها «فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر. فقال لا أطلقك إن لم تباركني. فقال ما اسمك، فقال يعقوب. فقال لا يُدعَى اسمك فيما بعد يعقوب بل يسرائيل، لأنك جاهدت مع الإله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال أخبرني باسمك. فقال لماذا تسأل عن اسمي، وباركه هناك» (تكوين 32/25 ـ 29) . والقصة متأثرة بعناصر الملحمة الأكادية، حيث يكتسب البطل بصراعه المادي مع الإله صفات تجعله فوق البشر أو نصف إله، وتكسبه بانتصاره على الإله حق نصرة الإله له دائماً في علاقاته مع الآخرين. وهذا الصراع مع الإله يشبه وقائع مماثلة في الأساطير اليونانية.
وكلمة «يسرائيل» تشير أيضاً إلى نسل يعقوب، ثم أصبحت تشير إلى المملكة الشمالية «يسرائيل» قبل التهجير الآشوري. ثم استُخدمت الكلمة للإشارة إلى سكان المملكة الجنوبية «يهودا» بعد سقوط مملكة يسرائيل إلى أن حلت كلمة «يهودي» محلها.
وللكلمة في دلالتها الاصطلاحية معنيان أساسيان: فهي تعني اليهود بوصفهم شعباً مقدَّساً، وتعني فلسطين بوصفها أرضاً مقدَّسة. وهي ترد مضافة إلى كلمات أخرى، مثل: «عام يسرائيل» أي «شعب إسرائيل» و «بنو يسرائيل» أي «بنو إسرائيل» ، و «بيت يسرائيل» أي «بيت إسرائيل» . و «كنيست يسرائيل» أي «مجمع إسرائيل» أو «جماعة يسرائيل» . وقد بُعثت كلمة «يسرائيلي» مرة أخرى، في عصر الانعتاق، في القرن التاسع عشر الميلادي، كما بعثت أيضاً كلمة «عبراني» لأن كلمة «يهودي» كانت تحمل إيحاءات سلبية.

وفي العصر الحديث، تُستخدَم عبارة «مدينة إسرائيل» العبرية للإشارة إلى الدولة الصهيونية وكلمة «إسرائيليين» للإشارة إلى أعضاء التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. ولكننا، إذا أردنا التفرقة، فمن المستحسن أن نطلق كلمة «إسرائيليين» على سكان التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين وحدهم، وأن نسمِّي اليهود القدامى، من حيث هم تَجمُّع بشري له خصائص إثنية مُتميِّزة، «عبرانيين» (ومفردها عبراني) وأن نسميهم «جماعة يسرائيل» (وأحياناً «اليسرائيليين» ) لنصفهم من حيث هم جماعة دينية، على أن تظل كلمة «يهودي» مصطلحاً يشير إلى كل من يعتنق اليهودية وهي العقيدة التي اكتسبت ملامحها الرئيسية في القرن الأول قبل الميلاد. مصطلح «عبري» فيَصلُح في الناحيتين اللغوية والأدبية وحسب.
بنو إسرائيل
‏Banu Israel
«بنو إسرائيل» عبارة ترد في القرآن الكريم (وفي كثير من الكتب الفقهية الإسلامية) للإشارة إلى اليهود. كما تُوجَد كلمات أخرى، مثل: «أهل الكتاب» و «الكتابيون» و «أهل الذمة» و «الذميون» لتشير إلى كل من اليهود والمسيحيين. وقد عُرِّف النطاق الدلالي لكلمة «بني إسرائيل» إسلامياً بشكل واضح ومحدد، فهي تشير إلى جماعة محددة الأوصاف يؤمن أصحابها بالإله والتوراة. ومن ثم، فإن هذا المصطلح لا ينطبق على غالبية يهود العالم في الوقت الحالي. لكن هؤلاء هم موضع الدراسة في هذه الموسوعة، ومن ثم فإننا لا نستخدم هذه العبارة. وترد عبارة «بني إسرائيل» للإشارة إلى الجماعة اليهودية التي تُوجَد في الهند وتحمل هذا الاسم.
شعب يسرائيل
‏The People of Yisrael
«شعب يسرائيل» هو أحد الأسماء التي تُطلَق على العبرانيين من حيث هم جماعة دينية قديمة تسبق تَبلوُّر اليهودية، وهو مرادف للكلمات «بني يسرائيل» و «اليسرائيليين» ، وكذلك «كنيست يسرائيل» أي «جماعة يسرائيل» .
جماعة يسرائيل
‏Israel; Yisrael

» جماعة يسرائيل «مصطلح قمنا باشتقاقه من كلمة «يسرائيل» ، وهي كلمة من المعجم الديني اليهودي وتعني» الذي يصارع الإله» . ونحن نستخدم الكلمة لنشير إلى العبرانيين القدامى من حيث هم جماعة دينية مقابل العبرانيين القدامى كجماعة عرْقية أو إثنية. ومن ثم نشير إلى عقيدتهم باعتبارها «عبادة يسرائيل القربانية المركزية» لتمييزها عن اليهودية التي هي ثمرة تطورات مختلفة دخلت على هذه العبادة في بابل وبعد العودة منها وخلَّصتها من جوانبها الوثنية. كما نستخدم كلمة «يسرائيل» للإشارة إلى مملكة يسرائيل الشمالية العبرانية (مقابل مملكة يهودا الجنوبية) لتمييزها عن دولة إسرائيل الحديثة. أما المستوطنون اليهود من مواطني الدولة الصهيونية، فنحن نشير إليهم على أنهم إسرائيليون.
ونحن نفعل ذلك حتى لا نخلط بين النسق الديني اليهودي والواقع الاستيطاني في فلسطين المحتلة، ولا نخلط بين العبرانيين القدامى والمستوطنين الصهاينة، وهو خلط تحرص كلٌّ من الإمبريالية الغربية والمؤسسة الصهيونية عليه باستخدام دال واحد يشير إلى مدلولين مختلفين للإيهام بوجود استمرار وتَرادُف بين النسق الديني والواقع الاستيطاني، وبالتالي إكساب عملية الاغتصاب الصهيوني لفلسطين شرعية بل وقداسة، وكذلك تصوير الهجوم على المستوطنين الصهاينة على أنه معاداة لليهود ونوع من التعصب الديني!
ونستخدم كلمة «يهودي» للإشارة إلى أعضاء الجماعات اليهودية بعد صدور مرسوم قورش بعودة المهجَّرين إلى بابل. أما كلمة «صهيوني» فهي تشير إلى كل من يؤمن بالعقيدة الصهيونية بغض النظر عن انتمائه الديني.
عَم هآرتس
‏Am Haaretz

«عَم هآرتس» عبارة عبرية تعني حرفياً «شعب الأرض» ، أي «أبناء الأرض» . وقد وردت هذه العبارة في العهد القديم بمعنيين، الأول للإشارة إلى سكان فلسطين الأصليين مثل الحيثيين الذين اشترى منهم إبراهيم مغارة مكفيلة (تكوين 23) مقابل العبرانيين. أما المعنى الثاني، فيشير إلى السامريين والأقوام الأخرى التي كانت تسكن فلسطين وعارضت استيطان العبرانيين العائدين من بابل (عزرا 4) .
وكانت العبارة تُستخدَم كذلك للإشارة إلى عامة العبرانيين مقابل الأسرة المالكة والنبلاء والطبقة العسكرية والكهنة والأنبياء، وذلك قبل التهجير البابلي. ولكن بعد العودة من بابل، حيث صارت النخبة الحاكمة هي الكهنة أساساً، أصبحت العبارة تشير إلى الشعب مقابل الكهنة الأثرياء. وقد أخذت الحواجز بين الفريقين في التحدّد والتبلوّر، فكانت طبقة الكهنة تقيم جميع شعائر الطهارة الخاصة بالعبادة القربانية، كما كانت تتلقى العشور من المصلين ولا تأكل طعاماً إلا إذا دُفعت ضريبة العشور عنه. وقد قام الفريسيون والفرق اليهودية الأخرى، مثل الأسينيين، بإقامة شعائر الطهارة رغم أنهم لم يكونوا من طبقة الكهنة، وكانوا أيضاً لا يأكلون من محاصيل لم تُدفَع عنها العشور. وحتى يضمنوا أن يظلوا ضمن النخبة الحاكمة الطاهرة، كانوا حريصين على الإبقاء على الحواجز الفاصلة بينهم وبين العامة.
ولكن رغم توسيع نطاق النخبة ليضم الفريسيين وغيرهم، ظلت أعداد كبيرة من اليهود غير قادرة على إقامة شعائر الطهارة بسبب تزمتها وصرامتها، خصوصاً في المناطق التي ضمها الحشمونيون وهوَّدوا أهلها عنوة (الإيطوريون والأدوميون الذين أصبحوا يهوداً ولكنهم باتوا ينوءون تحت نير هذه الشعائر) . وقد توجهت المسيحية إلى هؤلاء فانضموا إلى صفوفها، إذ أن الدين الجديد لم يثقل المؤمن بقيود شعائر الطهارة والعبادة القربانية.

ومع هدم الهيكل، فقدت العبارة معناها القديم حيث اختفت قوانين الطهارة والعبادة القربانية مع اختفاء الهيكل. ومع ظهور المعبد كمركز للعبادة اليهودية، أصبحت العبارة تفيد معنى قدحياً وتشير إلى اليهودي الذي لا يرتدي تمائم الصلاة (تيفلين) ، ولا الشال (طاليت) ، ولا يضع تمائم الباب (مزوزاه) على منزله، ولا يعلِّم أولاده التوراة. بل وتشير العبارة إلى العامة الذين لا يتفرغون لدراسة التوراة مقابل النخبة الحاخامية التي تفرغت لها. ويبدو أن الهوة قد اتسعت بين الفريقين حتى أن الحاخام عقيبا، الذي بدأ دراسته في سن متأخرة، قال إنه حين كان ضمن عم هآرتس (أي العامة) كان من الممكن أن ينهش لحم أي حاخام يقابله في طريقه. وقد جاء في التلمود أن العالم يجب ألا يتزوج من ابنة أحد من العم هآرتس فهم كريهون وزوجاتهم مثل الديدان وينطبق على بناتهم ما جاء في التوراة " ملعون من يضطجع مع بهيمة " (تثنية 27/21) . فعبارة عم هآرتس تعني ببساطة «الإنسان الجاهل» ولو أنها، عند الحسيديين، كانت تعني «الساذج وطيب القلب» .
وقد استمر التمييز الحاد بين النخبة والعامة من يهود اليديشية، فهم يميِّزون بين «شيد يدين» ، وهي عبارة يديشية تعني «الرجال الذين يتحلون بالجمال» ، وبين «بروست يدين» ، أي الرجال العاديون، وهي تكاد تكون مرادفاً يديشياً لعبارة «عم هآرتس» . وفي العصر الحديث، تُطلَق كلمة «عم هآرتس» أحياناً على اليهود السفارد والشرقيين والفلاشاه.
اليشوف
‏Yishuv

«يشوف» كلمة عبرية تعني «التَوطُّن» أو «السَكَن» ، وهي تشير إلى الجماعات اليهودية التي تستوطن فلسطين لأغراض دينية. ويُستخدَم اصطلاح «اليشوف القديم» للإشارة إلى الجماعات اليهودية التي كانت تعيش على الصدقات التي ترسلها لهم الجماعات اليهودية فيما يُعرَف باسم «حالوقة» . وكان اليشوف القديم يتكون من جماعتين منفصلتين تمام الانفصال: الأولى إشكنازية والأخرى سفاردية، وكانت كل جماعة تنقسم بدورها إلى أقسام فرعية مختلفة حسب مصدر الصدقة التي تأتي لها (وهذا يذكرنا بعض الشيء بالنظام الحزبي في إسرائيل ونظام تمويله عن طريق مساعدات يهود الدياسبورا، فحزب حيروت مثلاً يحصل على أكبر قسط من المعونة من اليهود اليمينيين وبالذات في جنوب أفريقيا، أما حزب الماباي فيموله اليهود الليبراليون في الغرب) .
ولم يكن عند أعضاء اليشوف القديم أية مطامع سياسية لأن الغرض من وجودهم كان دينياً محضاً، ولذلك كانت علاقاتهم بالعرب طبيعية وطيبة للغاية. وعلى العكس من هذا كان أعضاء اليشوف الجديد (وهو الاصطلاح الذي يطلقه الصهاينة على التجمع الاستيطاني الصهيوني ابتداءً من عام 1882) ، إذ كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم جماعة «قومية» ذات برنامج سياسي محدَّد يتلخص في إنشاء الوطن اليهودي. ولذلك، ركزوا جهدهم في تأسيس أبنية اقتصادية سياسية حضارية منعزلة تمام الانعزال عن العرب (بل وعن أعضاء اليشوف القديم) ، كما كانوا يدورون في إطار مفاهيم انعزالية مثل اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج. وقد تَسبَّب هذا في حدوث توتر ثم صراع حاد أدَّى إلى نشوب القتال بينهم وبين العرب، وهذا الصراع هو الذي يُعرَف الآن باسم الصراع العربي الإسرائيلي.
والملاحَظ أن الكتابات الصهيونية تستخدم كلمة «يشوف» لتوحي بأن ثمة استمراراً يهودياً عبر التاريخ، وأن الوجود اليهودي في فلسطين كان مستمراً ومتصلاً، وفي الوقت نفسه مستقلاً ومنفصلاً عن تاريخ المنطقة العربية.

يهودي Jew
كلمة «يهودي» كانت تشير إلى الشخص الذي يعتنق اليهودية، وقد ظهرت بعد الكلمتين الأخريين «عبراني» و «يسرائيلي» أو عضو «جماعة يسرائيل» . و «يهودي» كلمة عبرية مشتقة من «يهودا» وهو اسم أحد أبناء يعقوب والذي سُمِّيت به إحدى قبائل العبرانيين الاثنتي عشرة.
والاسم مُشتَق من الأصل السامي القديم «ودي» التي تفيد الاعتراف والإقرار والجزاء مثل كلمة «دية» عند العرب. وقد اكتسبت هذه المادة معنى الإقرار والاعتراف بالجميل. وقد استوحت ليئة زوجة يعقوب اسم ابنها الرابع من هذا المعنى: " هذه المرة أحمد الرب لذلك دعت اسمه يهودا " (تكوين 29/35) . فكلمة «يهوه» تعني الرب و «دي» تعني الشكر ومنهما «يهودي» .
وكانت الكلمة ذات دلالة جغرافية تاريخية في بادئ الأمر، إذ كانت تشير إلى سكان المملكة الجنوبية (يهودا) وحسب، ولكن دلالتها اتسعت لتشمل اليهود كافة، خصوصاً بعد انصهار سكان المملكة الشمالية (يسرائيل) بعد التهجير الآشوري، واختفائهم من مسرح التاريخ، واستمرار مملكة يهودا قرنين من الزمان.
وهكذا أصبحت كلمة «يهودي» عَلَماً على كل من يعتنق اليهودية في أي زمان ومكان بغض النظر عن انتمائه العرْقي أو الجغرافي. ومن هنا، فإن فيلون السكندري يهودي، وموسى بن ميمون العربي يهودي. ولكن المسألة ليست بهذه البساطة، فكلمة «يهودي» متسعة الدلالة تختلف دلالتها باختلاف الزمان والمكان.

ومع أن الشرع اليهودي قد عَرَّف اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية أو تَهوَّد، فإن الشرع الإسلامي لم يقبل، في جميع مراحله التاريخية، بهذا التعريف العرْقي، فكان يُعرِّف اليهودي تعريفاً دينياً وحسب، أي أنه عرَّفه بأنه من يعتنق اليهودية سواء كان من الحاخاميين أو القرّائين أو السامريين. وثمة اختلاف جوهري بين التعريفين، فأحدهما عقائدي محض والآخر ديني عرْقي، وبالتالي تنشأ مشكلة من هو اليهودي، وهل اليهودي هو الذي يعتقد أنه كذلك من منظور يهودي أم أنه اليهودي الذي نسميه نحن كذلك انطلاقاً من عقيدتنا؟
أما في العالم الغربي، فقد مرت الكلمة بعدة تطورات دلالية. ففي العالم الهيليني والدولة الرومانية، كانت كلمة «يهودي» تشير إلى الفرد في الإثنوس أي القوم اليهودي، وكانت مسألة العقيدة ثانوية. وفي العصور الوسطى الكارولينجية في الغرب، حتى القرن الحادي عشر الميلادي، أصبحت كلمة «يهودي» تعني الانتماء إلى الجماعة اليهودية، كما كانت مرادفة لكلمة «تاجر» . وبعد القرن الحادي عشر الميلادي، أصبحت كلمة «يهودي» مرادفة لكلمة «مرابي» . ولم تتخلص اللغات الأوربية تماماً من تلك التضمينات التي كانت تُحمِّل كلمة «يهودي» معنى قدحياً، مثل «بخيل» أو «غير شريف» أو «عبد للمال» وغير ذلك من المعاني التي ارتبطت بأعضاء الجماعات اليهودية، نظراً لاضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة التي هي محط كراهية أعضاء المجتمع المضيف. وهذا ما كان يعنيه ماركس حينما تَحدَّث عن انتشار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في المجتمع بوصفه «تهويد المجتمع» . ويساوي الفكر الاشتراكي الغربي، خصوصاً كتابات فورييه، بين اليهودي والمرابي. وفي اللغة الإنجليزية، ارتبطت الكلمة باسم يهوذا Judas الإسقريوطي الذي باع المسيح بحفنة قطع من الفضة.

ولذا، أسقط بعض اليهود، في القرن التاسع عشر الميلادي، مصطلح «يهودي» واستخدموا مصطلحات مثل «عبراني» و «إسرائيلي» و «موسوي» حتى أصبحت كلها مترادفة. ولكن حدث تَراجُع عن ذلك بعد الحرب العالمية الثانية وأصبح مصطلح «يهودي» أكثر شيوعاً. وكثير من المعاجم الأوربية لا تورد الآن المعاني القدحية لكلمة «يهودي» بل وتوصي بعدم استخدامها. ويُلاحَظ أن كلمة «يهودي» بدأت، منذ القرن التاسع عشر الميلادي، تحمل إيحاءات بالقداسة مع بَعْث أسطورة اليهودي التائه وإعطائها مضموناً إيجابياً.
ومع ظهور حركة التنوير وضعف اليهودية الحاخامية، ترك كثير من اليهود عقيدتهم الدينية واستمروا في تسمية أنفسهم «يهوداً» ، وهذا ما يُطلَق عليه «اليهودي غير اليهودي» . وبين هؤلاء نجد «اليهودي الملحد» و «اليهودي العلماني» و «اليهودي الإثني» ممن نطلق عليهم نحن «اليهود الجدد» . وغني عن القول أنه حينما كان مصطلح «يهودي» يُستخدَم للإشارة إلى هؤلاء، فإن محيطه الدلالي كان يختلف تماماً عن محيطه الدلالي حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كان الانتماء اليهودي يعني الإيمان بالعقيدة اليهودية. أما هؤلاء، فإنهم لا يتبعون تعاليم دينهم بل ويرفضها بعضهم تماماً ويُسمي نفسه يهودياً استناداً إلى ما يتصور أنه موروثه الثقافي. ويوجد الآن تعريفان لليهودي: أحدهما ديني يعتمد الشريعة ويأخذ به نحو 18% من يهود العالم، والآخر علماني ويأخذ به نحو 61%. والباقون مترددون متضاربون في الرأي. فإن شعر أحدهم في قرارة نفسه بأنه يهودي، فإنه يمكن اعتباره يهودياً.

وقد حاول جان بول سارتر تعريف «اليهودي» فأخذ بهذا التعريف الذاتي، وقال إن اليهودي يكون يهودياً أصيلاً حينما يصبح واعياً بحالته كيهودي ويشعر بالتضامن مع سائر اليهود. ولكن سارتر نفسه كان قد عرَّف اليهودي من قبل بأنه من يراه الأغيار كذلك. وفي كلتا الحالتين، لا يُوجَد معيار موضوعي للتعريف. وقد انتهى الأمر به إلى القول بأن اليهودي هو رجل يبحث عن هويته. وهذا ليس بتعريف أيضاً، وإنما إشارة إلى حالة عقلية. وقد علق أحد المثقفين الفرنسيين على الوضع قائلاً: «إنني مثل جميع اليهود الفرنسيين، فأنا يهودي من الناحية الخيالية ولكني فرنسي من الناحية الفعلية» .
ويمكن القول بأن كلمة «يهودي» في الوقت الحالي لها معنيان:
1 ـ يهودي بالمعني الديني الإثني.
2 ـ يهودي بالمعنى الإثني المحض.
فهي تشير إذن إلى الكتل اليهودية الثلاث الأساسية، وهي الإشكناز والسفارد ويهود العالم الإسلامي، وإلى الجماعات اليهودية الأخرى التي انفصلت عن الكتل الثلاث الكبرى مثل الفلاشاه ويهود الهند. وهي تشير أيضاً إلى اليهود من شتى الفرق التي نشأت في العالم الغربي: الإصلاحيين والمحافظين والأرثوذكسيين والتجديديين حتى ولو كفَّر أعضاء هذه الفرق بعضهم بعضاً. ويُستخدَم المصطلح للإشارة إلى المستوطنين الصهاينة مع أن مسألة من هو اليهودي لا تزال دون إجابة داخل الدولة الصهيونية، أي أنها كلمة ذات مجال دلالي مُختلَط وغير محدَّد.

ونحن نستخدم كلمة «عبراني» للإشارة إلى اليهود القدامى كتَجمُّع إثني ذي خصائص متميِّزة. وكلمة «جماعة يسرائيل» تشير إلى المجموعة البشرية نفسها كتَجمُّع ديني. وتُستخدَم كلمة «إسرائيل» للإشارة إلى المُستوطَن الصهيوني أما السكان، فهم «إسرائيليون» . كما أننا نستخدم عبارة «أعضاء الجماعات اليهودية» للإشارة إلى يهود العالم بعد المرحلة البابلية، ولا نستخدم كلمة «يهود» أو «يهودي» إلا إذا تَطلَّب السياق ذلك، كأن ننقل وجهة نظر أحد الباحثين أو إن كان الحديث عن اليهود كجماعة دينية. وبسبب اختلاط المجال الدلالي للكلمة، فإننا نضطر إلى استخدام كلمة «يهود» للإشارة إلى اليهود ممن لا يؤمنون بالتوراة أو الإله والذين يصنفون أنفسهم يهوداً.
وغني عن البيان أن مصطلح «صهيوني» لا علاقة له بمصطلح «يهودي» ، فليس كل اليهود صهاينة وليس كل الصهاينة يهوداً، وهناك صهاينة مسلمون وصهاينة مسيحيون وصهاينة بوذيون وصهاينة لا دين لهم ولا ملة.
صهيوني Zionist
«الصهيوني» هو من يؤمن بالعقيدة الصهيونية (إما في شكلها الاستيطاني أو في صورتها التوطينية) . ولذا، فإن هناك اختلافاً عميقاً بين الصهيوني واليهودي، وبينهما من جهة وبين الإسرائيلي من جهة أخرى. ويستطيع القارئ أن يعود للمجلد السادس من هذه الموسوعة والذي يتناول موضوع الصهيونية.
إسرائيلي Israeli
«الإسرائيلي» هو مواطن الدولة الصهيونية. وهو يختلف عن «اليسرائيلي» أو عضو «جماعة يسرائيل» وهم العبرانيون كجماعة دينية. وليس كل الإسرائيليين صهاينة، تماماً كما أن كل الصهاينة ليسوا بالضرورة إسرائيليين. ولا يوجد أي تَرادُف بين «إسرائيلي» و «يهودي» ، بل إن هناك إسرائيليين كثيرين يرفضون العقيدة اليهودية. ويستطيع القارئ أن يعود إلى المداخل المختلفة عن إسرائيل.

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات يهودية؟ - إشكالية التعداد

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

أعداد الجماعات اليهودية وتوزُّعها في العالم حتى الوقت الحاضر
‏Worldwide Number and Distribution of the Jewish Communities to the Present
بلغ تعداد العبرانيين في عام 1000 ق. م، حسب بعض التقديرات التخمينية، نحو 1.800.000 نسمة، منهم 450 ألفاً في المملكة الجنوبية ومليون وثلاثمائة وخمسون ألفاً في المملكة الشمالية. ولكن ثمة رأياً يذهب إلى أن هذا العدد مُبالَغ فيه، حيث أن الإمكانات الطبيعية لفلسطين واقتصادها ما كان يمكن لهما في تلك المرحلة بمستوى التطور التكنولوجي السائد آنذاك أن يُمدا مثل هذا العدد الضخم بأسباب الحياة، مع ملاحظة أن عدد سكان مصر كان نحو ستة ملايين بكل إمكاناتها ومعدل نموها.
وعلى أية حال، فقد تناقص التعداد بسبب تدهور الأحوال السياسية والاقتصادية في المملكتين، حتى بلغ خلال الفترة بين عامي 733 و701 ق. م نحو مليون ومائة ألف نسمة، منهم 300 ألف في المملكة الجنوبية و800 ألف في المملكة الشمالية. أما في عام 568 ق. م، بعد التهجير البابلي، فقد بلغ عدد اليهود 150 ألفاً يعيشون جميعاً في المملكة الجنوبية، ولم يبق أحد في المملكة الشمالية إذ أن اليهود الذين هُجِّروا إلى آشور انصهروا وذابوا في سكانها، أما من تَبقَّوا فقد انصهروا في السكان المحليين أو فقدوا هويتهم العبرانية من خلال آليات مختلفة، بعضها معلوم لدينا، وبعضها لا يزال مجهولاً. ويبدو أن عدد سكان مقاطعة يهودا لم يتجاوز فيما بعد مرسوم قورش ما بين 60 و70 ألفاً.

وتختلف الصورة السكانية لليهود مع نهاية القرن الأول قبل الميلاد. وقد وصل بعض الدارسين إلى أن عدد يهود العالم في تلك الفترة كان 8.000.000، عاش منهم ما بين 2.350.000 و2.500.000 فقط في فلسطين، وذلك قبل هدم الهيكل على يد تيتوس عام 70 ميلادية، 3.200.000 في سوريا وآسيا الصغرى وبابل (أكثر من 1.000.000 في كل منها) ، وتوزع الباقون في أماكن أخرى مختلفة. ويُقال إن الإسكندرية وحدها كانت تضم ما يتراوح بين نصف مليون ومليون يهودي، أي نحو 40% من كل سكانها وأكثر من سكان القدس من اليهود. ويبدو أن هذه الأعداد مُبالَغ فيها، إذ أن ثمة تقديراً تخمينياً آخر يرى أن عدد اليهود لم يزد على خمسة ملايين: ثلاثة ملايين في سوريا وفلسطين ومصر وآسيا الصغرى، ومليون في أماكن أخرى متفرقة من الإمبراطورية الرومانية، ومليون في بابل التي كانت تابعة للفرس ثم للفرثيين ومن بعدهم الساسانيين.
ويبدو أن ازدياد العدد يرجع إلى عدة أسباب من بينها قيام الدولة الحشمونية بتهويد بعض السكان غير اليهود داخل حدودها، مثل الإيطوريين وبعض الشعوب المجاورة مثل الأدوميين الذين حكمت أرضهم. وقد قام الفريسيون بحركة تبشير ضخمة لاقت نجاحاً غير عادي بسبب أن الوثنية الرومانية بدأت تدخل مرحلة الأزمة التي أدَّت في نهاية الأمر إلى سقوطها وإلى تَبنِّي الرومان للمسيحية ديناً رسمياً. وقد انتشرت اليهودية بين أعداد كبيرة من الرومان، من بينهم بعض أعضاء النخبة الحاكمة، في الفجوة الزمنية التي تفصل بين بداية الضعف والاضمحلال وبين السقوط النهائي وتَبنِّي المسيحية من حيث هي دين وعقيدة تفسر الكون لأتباعها وتمنحهم الإجابات للأسئلة الكونية الكبرى التي تجابههم.

ويبدو أن ما يُسمَّى «السلام الروماني» (باللاتينية: باكس رومانا pax (romana، الذي ساد المناطق التي كان يعيش فيها أعضاء الجماعة اليهودية، قد وفر من الأمن والطمأنينة ما شجع اليهود على التزايد. وربما كانت بداية اشتغال اليهود بالأعمال التجارية تعني ارتفاع مستوى المعيشة والابتعاد عن المهام القتالية، وهو ما كان يعني تناقص نسبة الوفيات.
وأخيراً، يُقال إنه بعد سقوط قرطاجة، انضمت الدياسبورا الفينيقية والقرطاجية إلى أعضاء الجماعات العبرانية اليهودية باعتبارهم جميعاً ساميين ينتمون إلى التشكيل الحضاري نفسه وباعتبار أنهم يضطلعون بالوظيفة نفسها.

وقد بدأت الصورة تأخذ شكلاً مغايراً مع بدايات العصور الوسطى في الغرب والعصر الإسلامي في الشرق، حيث اختفت أعداد كبيرة من اليهود من خلال عمليات الاندماج والانصهار. فمع ظهور المسيحية، تَنصَّرت أعداد ضخمة من اليهود، كما حدث في الإسكندرية على سبيل المثال. ومع انتشار الإسلام، تبنت أعداد كبيرة منهم الدين الجديد، وتحولت الجماعات اليهودية إلى جماعات صغيرة متناثرة. وكان من الصعب تخمين عدد اليهود في العالم آنذاك إذ أن الإحصاءات كانت متناقضة للغاية، ففي العالم الإسلامي كانت الإحصاءات غير موثوق بها، وفي أوربا لم تكن هناك سجلات إحصائية. ومع هذا، ترى معظم المراجع أن عدد اليهود في العالم كان يتراوح بين مليون ومليونين، وأن أغلبهم (85 ـ 90%) قد تركز في العالم الإسلامي مع نهاية القرن الثاني عشر. ولكننا نفضل الأخذ بالرقم مليون، خصوصاً في ضوء الأعداد اللاحقة، حيث أن عدد يهود أوربا لم يكن يزيد على نحو 100 - 350 ألفاً (من مجموع سكان أوربا البالغ 53 مليوناً) في حين وصل العدد إلى 450 ألفاً في عام 1300 (300 ألف فقط عند روبين) من مجموع 53 مليوناً كان معظمهم مُركَّزاً في إسبانيا. وقد بلغ تعداد يهود العالم في القرن الخامس عشر حسب أحد التخمينات الإحصائية نحو مليون وخمسمائة ألف.
وحتى ذلك التاريخ، كانت أغلبية يهود العالم من السفارد المستقرين في حوض البحر الأبيض المتوسط: روما ـ الإسكندرية ـ إسبانيا ـ المغرب (التابعة للدولة العثمانية) ـ سالونيكا ـ إيطاليا ـ فرنسا، ومن يهود العالم الإسلامي، ولم يكن الإشكناز من يهود أوربا سوى أقلية صغيرة. ثم تغيَّرت الصورة بالتدريج ابتداءً من تلك الفترة حتى أصبح الإشكناز هم الأغلبية العظمى.

ولتفسير ذلك الوضع، يجب الوقوف عند ظاهرة تزايد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا وتَحوُّلها إلى أكبر الجيوب اليهودية في العالم. وتقول الإحصاءات إن عدد يهود بولندا (في عام 1500) كان يبلغ نحو 10 - 15 ألفاً، ولكنه زاد فجأة إلى 150 ألفاً بين عامي 1500 و1648. وتقول الموسوعة اليهودية إنهم أصبحوا بذلك أكبر تَجمُّع يهودي في العالم إذ كان قد تم طرد يهود إسبانيا.
واستمرت الزيادة حتى بلغ عدد اليهود في العالم في أواخر القرن السابع عشر نحو مليونين، حسب رأي آرثر روبين، نصفهم سفارد ويهود من العالم الإسلامي والنصف الآخر إشكناز (في أوربا) إذ أن عدد يهود أوربا كان أساساً في بولندا وبلغ 500 ألف حسب هذه التقديرات. ولكن، مع العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر (عام 1770) ، بلغ عدد يهود العالم مليونين و250 ألفاً، غالبيتهم العظمى (1.75 مليون) في أوربا، منهم 1.2 مليون في بولندا وحدها، أي أن يهود أوربا أصبحوا يهود بولندا. وفي عام 1800، بلغ عدد يهود العالم وفقاً لتقديرات روبين، مليونين ونصف المليون، منهم مليون وخمسمائة ألف في أوربا ومليون في الشرق.
وقد بيَّن آرثر كوستلر في كتابه عن يهود الخَزَر أنه لا يمكن تفسير هذا الانقلاب السكاني إلا بما يسميه «الشتات الخَزَري» ، أي انتقال يهود الخَزَر، بعد سقوط مملكتهم، إلى شرق أوربا وخصوصاً بولندا. ولا يختلف المؤرخون الآن في أن أعداداً من يهود الخَزَر استقرت في بولندا، ولكنهم يختلفون حول حجم هذا العدد. ونحن، على أية حال، نميل إلى الأخذ برأي كوستلر لأنه، على الأقل، يفسر ظاهرة محيِّرة لا يمكن تفسيرها من خلال أية فرضية أخرى.
وقد صاحب زيادة يهود أوربا انخفاض تعداد يهود العالم الإسلامي الذين بلغ عددهم 600 ألف في عام 1800. ويذهب روبين إلى أن عددهم لم ينخفض وإنما ظل على ما كان عليه. ولذا، فهو يرى أن عددهم ظل يدور حول المليون.

وقد ظهرت في تلك المرحلة (القرن الثامن عشر) نواة الجماعة اليهودية في العالم الجديد، وتراوح عدد أعضائها بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً.
ولكن، بعد انعقاد مؤتمر فيينا في عام 1815، بدأت مرحلة جديدة تماماً إذ حدث انفجار سكاني بين اليهود. فإذا كان عدد اليهود في عام 1800 هو مليونان وخمسمائة ألف، فقد بلغ هذا العدد عشية الحرب العالمية الثانية نحو 16.724.000. ومعنى ذلك أنهم زادوا ستة أضعاف في أقل من 150 عاماً. وفي الفترة من عام 1820 إلى عام 1825، كان عدد اليهود 3.280.000، وزاد إلى 10.602.500 مع عام 1900. وبهذا، فقد زادوا ثلاثة أضعاف خلال 75 عاماً. ويُلاحَظ أن الزيادة كانت بين يهود العالم الغربي فقط، ذلك أن تعداد يهود الشرق لم يزد بل انكمش إلى 900 ألف عام 1840، وإلى 800 ألف عام 1860، ثم زاد إلى 950 ألفاً بسبب هجرة بعض يهود اليديشية من الغرب عام 1900. ولكن هذا النمو لم يكن مقصوراً على أعضاء الجماعات اليهودية، ففي الفترة نفسها تقريباً (من عام 1815 إلى عام 1914) زاد سكان أوربا من 190 مليوناً إلى 400 مليون. وزاد سكان الولايات المتحدة من 7.240.000 عام 1810 إلى 91.972.000 عام 1910، وإن كانت الزيادة في الولايات المتحدة يمكن تفسيرها على أساس الهجرة، فهذا هو عصر الهجرة الأوربية الكبرى (اليهودية وغير اليهودية) . وقد استوعبت الولايات المتحدة نحو 85% من المهاجرين، لكن الزيادة في أوربا لا يمكن تفسيرها إلا على أساس زيادة نسبة المواليد وقلة نسبة الوفيات. ومع هذا، يُلاحَظ أن نسبة زيادة أعضاء الجماعات اليهودية كانت أعلى من النسبة العامة في أوربا، ولعل هذا يعود إلى أن أعضاء هذه الجماعات كانوا يعيشون تحت الظروف نفسها التي أدَّت إلى زيادة سكان أوربا، وتحت ظروف أخرى خاصة بهم ساهمت في رفع النسبة عن النسبة العامة في أوربا. فيُلاحَظ أن تَحسُّن الأحوال الصحية، نتيجة الثورة الصناعية في أوربا، قد ترك أثره

الإيجابي في أعضاء الجماعات اليهودية، ولكن يبدو أن المستوى الصحي داخل الأحياء اليهودية كان أعلى من المستوى الصحي العام بسبب الرقابة على اللحوم والأطعمة نظراً لتطبيق قوانين الطعام.
وفي شرق أوربا، حيث تَركَّز معظم اليهود، كان دخل أعضاء الجماعة اليهودية أكثر ارتفاعاً وكان أسلوب حياتهم أكثر راحة ووفرة من دخل وأسلوب حياة معظم الجماهير الفلاحية، كما كان أعضاء الجماعة يتمتعون بمستوى ثقافي أعلى. وقد انعكس هذا، بطبيعة الحال، على نوعية الطعام الذي يستهلكونه وأدَّى إلى اختفاء أو تناقص الأمراض المرتبطة بالفقر وسوء التغذية. وكانت الأسرة اليهودية تتمتع بدرجة عالية للغاية من التماسك، الناجم عن التمسك بالقيم الدينية والتقليدية، بقدر يفوق كثيراً تَماسُك الأسر غير اليهودية. ويظهر هذا في إحصاءات الأطفال غير الشرعيين، حيث كانت نسبتهم بين اليهود في كثير من الأحيان أقل بدرجة ملحوظة من نسبتهم بين غير اليهود. والعنصران السابقان يسهمان معاً في خفض نسبة الوفيات بين الأطفال كما يشجعان على الإنجاب.

ومن أهم العناصر الأخرى التي ساعدت على هذا الانفجار زواج اليهود في سن مبكرة للغاية. فقد كان من الشائع أن يتزوج الشبان من سن 15 إلى 18 بفتيات من سن 14إلى 16. وكانت الحكومات المركزية القومية المطلقة في روسيا والنمسا تلجأ أحياناً إلى تحديد سن الزواج وعدد المسموح لهم بالزواج (نتيجة شيوع آراء مالتوس ولغير ذلك من الأسباب) . وحينما كانت الشائعات تنطلق حول أحد القوانين وشيكة الصدور، كان اليهود يسرعون بتزويج كل صغار السن قبل صدوره. وفي إحدى الإحصاءات البولندية (في القرن الثامن عشر) ، ورد ذكر لزوجة عمرها ثماني سنوات. وفي عام 1712، منعت السلطات في أمستردام زواج طفلين يهوديين تحت سن الثانية عشرة. ومن العناصر الأساسية التي ساهمت في تزايد عدد اليهود أن الفترة من عام 1800 إلى عام 1914 لم تشهد الأماكن التي يوجد فيها أغلبية يهود العالم أية حروب، بل إن معارك نابليون وقعت بعيداً عن مراكز التجمع اليهودي. وعلاوة على كل هذا، لم تكن هناك دول كثيرة تقوم بتجنيد اليهود، ففي روسيا القيصرية، لم يبدأ تجنيدهم إلا عام 1827، ولم يُجنَّدوا في بولندا حتى عام 1845، ولا في الدولة العثمانية حتى عام 108. وفيما يتصل بالمذابح التي تطنطن بها المراجع الصهيونية، فلم يقع ضحيتها سوى بضع مئات طيلة هذه الفترة.
لكل هذه الأسباب، حدثت الطفرة السكانية التي أشرنا إليها في الفترة من عام 1820 إلى عام 1825 حيث بلغ عدد يهود العالم 3.281.000 نسمة، منهم 2.730.000 في أوربا (1.600.000 في روسيا ومعها بولندا ـ 80 ألفاً في رومانيا ـ 568 ألفاً في الإمبراطورية النمساوية/المجرية - 223 ألفاً في ألمانيا ـ 50 ألفاً في فرنسا ـ 45 ألفاً في هولندا) . وكانت البقية موزعة على أنحاء العالم، فلم يكن يوجد سوى عشرة آلاف في الأمريكتين منهم ثمانية آلاف في الولايات المتحدة.

وفي عام 1850، بلغ عدد يهود العالم 4.750.000، منه 72% في شرق أوربا (2.350.000 في روسيا وبولندا) و14.5% في غرب أوربا، و1.5% في الولايات المتحدة، و12% فقط في الشرق الأوسط. وقد قفز هذا العدد قفزة كبيرة عام 1880 (تاريخ ظهور الصهيونية بين اليهود) إلى 7.500.000 موزعاً على النحو التالي: أربعة ملايين في روسيا وبولندا (56.2%) ، ومليون وخمسمائة ألف في الإمبراطورية النمساوية (20%) ، وفي دول أوربا الأخرى مليون (13.3%) ، ومائتان وخمسون ألفاً في الولايات المتحدة (3.3%) ، والبقية في آسيا وأفريقيا وغيرها من المناطق. ومما لا شك فيه أن زيادة حجم الكتلة البشرية اليهودية في العالم الغربي، في روسيا وبولندا على وجه التحديد، قد ساهم في تَفاقُم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لأعضاء الجماعات اليهودية، وهو ما يُطلَق عليه «المسألة اليهودية» . وإذا لاحظنا تناقص يهود العالم الإسلامي والسفارد، قياساً إلى تعداد اليهود في العالم، إلى أقل من 8%، يصبح من الدقة العلمية ألا نتحدث عن المسألة اليهودية بشكل مطلق وإنما عن المسألة اليهودية الأشكنازية في روسيا وشرق أوربا.
وقد قفز عدد اليهود إلى 10.602.000 عام 1900، ثم بلغ عشية الحرب العالمية الأولى 13 مليوناً. وهذا يمثل، مرة أخرى، قفزة كبيرة. وكان هؤلاء موزعين على النحو التالي: 5.500.000 في روسيا (من نحو 127 مليون روسي) ويمثلون 42.3% من يهود العالم. وقد قفزت الولايات المتحدة إلى المرتبة الثانية نتيجة الهجرة اليهودية الضخمة إذ بلغ عدد اليهود فيها 2.500.000، أي 19.2.% من يهود العالم. ويُلاحَظ أن هذه الهجرة لم تسهم كثيراً في تخفيف حدة التوتر بالنسبة إلى يهود روسيا وبولندا، نظراً لأن أعدادهم كانت تتزايد بسرعة تفوق أعداد المهاجرين. أما بقية الجماعات اليهودية في العالم، فقد كان عدد أعضائها على النحو التالي:

الإمبراطورية النمساوية: 2.500.000، أي 19.2% من يهود العالم. دول أوربا الأخرى: 1.700.000، أي 13.1%، موزعين على النحو التالي:
300.000رومانيا ـ وزاد العدد إلى 850 ألفاً بعد أن ضمت رومانيا بعض المناطق التي تضم جماعات يهودية.
600.000 ألمانيا.
250.000 إنجلترا.
100.000 هولندا.
100.000 فرنسا.
47.000 إيطاليا.
750.000 في الشرق أي 5.8 %.
85.000 في فلسطين أي 0.1 %.
وتذكر الموسوعة اليهودية (جوديكا) أن تعداد يهود العالم عام 1939 بلغ 16.724.000، منهم.9.480.000 في أوربا (من مجموع تعداد السكان البالغ 512.849.000) ، و2.825.000 في الاتحاد السوفيتي (من مجموع تعداد السكان البالغ 132.519.000) ، وفي بولندا 3.250.000 (من مجموع السكان البالغ 32.183.000) . ويُلاحَظ أن بولندا استقلت عن روسيا، وبالتالي أصبح اليهود يشكلون نسبة 10.1% من السكان، وهي أعلى النسب التي وصل إليها تعداد اليهود في أي بلد في التاريخ الإنساني.

وبلغ عدد اليهود 850 ألفاً في رومانيا (من مجموع عدد السكان البالغ 18.053.000) و254.560 في الجمهوريات البلطيقية: ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا (من مجموع عدد السكان البالغ 5.106.000) . كما كان يوجد 357 ألف يهودي في تشيكوسلوفاكيا عام 1930، و445 ألف يهودي في المجر عام 1930، و504 آلاف يهودي في ألمانيا من مجموع عدد السكان البالغ عددهم 65.988.000. وكانت الولايات المتحدة تضم 4.975.000 يهودي، وبذلك أصبحت الولايات المتحدة مركزاً لأكبر جماعة يهودية في العالم، إذ أن يهود اليديشية في شرق أوربا كانوا مقسَّمين بين عدة دول من أهمها روسيا السوفيتية وبولندا ورومانيا. وكان يوجد 155.700 في كندا، و275 ألفاً في الأرجنتين. وكانت الأمريكتان تضمان 5.537.000. أما آسيا، فكانت تضم 1.047.000 بسبب تَزايُد حجم الجيب الاستيطاني الصهيوني الذي كان يضم 475.000. أما الباقون، فكانوا موزعين على النحو التالي: 90 ألفاً في العراق و26 ألفاً في سوريا ولبنان و50 ألفاً في اليمن والجزيرة العربية و50 ألفاً في إيران و24 ألفاً في الهند و10 آلاف في الصين وألفان في اليابان وكان اليهود الموجودون في بلاد مثل الصين من يهود اليديشية في الغالب. وقد بلغ عدد اليهود في أفريقيا 627.500حيث كانت أكبر جماعة منهم في المغرب إذ بلغت 162 ألفاً، تليها الجزائر التي كان بها 110 آلاف، وجنوب أفريقيا حيث كان بها 90 ألفاً، فمصر 70 ألفاً، ثم تونس وضمت 59 ألفاً، وأخيراً إثيوبيا التي ضمت 51 ألفاً. وبلغت الجماعة اليهودية في أستراليا 23.600. ويُلاحَظ أن حوالي 5.537.000 يهودي، أي نحو ثلث يهود العالم، يوجدون في دول استيطانية، هي: الولايات المتحدة، وكندا، وجنوب أفريقيا، وفلسطين، وأستراليا، ونيوزيلندا، وأمريكا اللاتينية. ويمكن أن نضيف إليهم كذلك المستوطنين اليهود في الجزائر، لأن اليهود الأصليين كانوا أقلية. ومن ثم يمكننا القول بأن الجماعات اليهودية في العالم

أصبحت جزءاً من التجربة الاستيطانية الغربية (والأنجلو ساكسونية على وجه التحديد) . وقد أورد آرثر روبين الجدول السابق عن الأماكن التي استوطن فيها أعضاء الجماعات اليهودية وأعدادهم.
ومن الجدول السابق، يُلاحَظ أن الولايات المتحدة أصبحت تضم أكبر تَجمُّع يهودي في العالم. كما يُلاحَظ أنه برغم استمرار الأعداد في التزايد إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، فإن العوامل التي أدَّت إلى هذا التزايد قد اختفت تماماً، كما ظهرت عناصر لم يكن من شأنها تشجيع اليهود على الإنجاب، بل وأدَّت إلى تناقص أعدادهم، ومن أهم هذه الأسباب تَصاعُد معدلات العلمنة بين أعضاء الجماعات اليهودية. ففي بداية القرن التاسع عشر، كانت هذه الجماعات من أقل الجماعات علمنة، ولكن معدلات العلمنة تزايدت بالتدريج من خلال محاولات الحكومات الأوربية المختلفة دمجهم وإصلاحهم وتشجيعهم على الاندماج، بحيث كانت معدلات العلمنة بينهم مع نهاية القرن من أعلى المعدلات على الإطلاق. وقد كان 03% من السجناء السياسيين من اليهود، كما ازدادت نسبة الأطفال غير الشرعيين وأصبحت نسبة العاهرات اليهوديات والقوادين اليهود من أعلى النسب.
ويُلاحَظ أن هذه الفترة هي فترة الهجرة اليهودية الكبرى التي شملت 50% من يهود شرق أوربا، ومن المعروف أن الجماعات المهاجرة تحجم عادةًً عن الإنجاب بسبب تقلقل وضعها. والعناصر المهاجرة هي عادةً العناصر الشابة، بل ويُقال إن الهجرة اليهودية قضت تقريباً على اليهود في المرحلة العمرية 20 - 40 سنة وهي مرحلة الخصوبة التي تجعل أية جماعة قادرة على أن تُعيد إنتاج نفسها. ويُلاحَظ كذلك أنه بعد اندماج اليهود في مجتمعاتهم، بدأت قطاعات منهم تحقق حراكاً اجتماعياً وتَحسُّناً في مستوى المعيشة، ومن المعروف أن تَحسُّن مستوى المعيشة يؤدي إلى تَبنِّي سلوك حذر تجاه الإنجاب.

وإلى جانب ذلك، فإن أغلبية يهود العالم بدأت تستقر في المدن الكبرى والعواصم. فقبل الحرب العالمية الثانية، كان ما يزيد على نصف يهود العالم، أي نحو 52% منهم، يعيشون في 42 مدينة في كل منها 50 ألف يهودي أو أكثر، وكان ما بين 35% و40% يتركزون في عشرين مدينة في كل منها ما يزيد على 100 ألف يهودي. وهذا يدل على أن معدل التركز في المدن كان آخذاً في التزايد، حيث كانت النسبة في بداية القرن 18% في المجموعة الأولى و13% في المجموعة الثانية. وفي عام 1933، كان يعيش مليون يهودي روسي، أي ثلث يهود روسيا، في مدن سوفيتية لا تضم سوى 5% من أعضاء الأغلبية، ويعيش بقية اليهود في مدن صغيرة. أما في الولايات المتحدة (عام 1927) ، فقد كان 84% من اليهود يعيشون في 18 مدينة كبيرة (وكانت نيويورك تضم نصف الجماعة اليهودية) . وفي الثلاثينيات، كان يعيش في كوبنهاجن نحو 93% من يهود الدنمارك، وكان نحو 92% من يهود النمسا في فيينا، ونحو 70% من يهود فرنسا في باريس، ونحو 65% من يهود إنجلترا في لندن، وهكذا. ومن المعروف أن التركز في المدن لا يشجع على الإنجاب، وأن المدن لم يمكنها في الماضي (في روما واليونان القديمة) أن تحافظ على العدد المناسب من السكان من خلال التزايد الطبيعي.

وقد أسلفنا أن المنطقة التي تَركَّز فيها اليهود، إبَّان القرن التاسع عشر، كانت منطقة لم تَدُر فيها أية معارك كبرى أو حروب حتى الحرب العالمية الأولى. ولكن، مع الحرب العالمية الأولى، تغيَّر الموقف تماماً حينما تحوَّلت بولندا وجاليشيا وليتوانيا ورومانيا وسالونيكا إلى مسرح للعمليات العسكرية. ولم يتوقف الأمر مع نهاية الحرب، إذ أصبحت أوكرانيا مسرحاً لعمليات عسكرية عديدة التحمت فيها القوات البلشفية مع قوات الروس البيض (حيث انضم الأوكرانيون إلى الفريق المعادي للثورة) ، وتم الهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية الذين كان يُنظَر إليهم باعتبارهم عملاء للبلاشفة، إذ أن هؤلاء كانوا قد وضعوهم تحت حمايتهم، كما كان ميراث يهود الأرندا جزءاً من تجربة الأوكرانيين التاريخية. وكان تجنيد اليهود في القوات المسلحة يتم بصورة كاملة، بعدما أصبح عتق اليهود حقيقة مستقرة، فبلغ مجموع عدد المحاربين اليهود في الجيش الروسي والنمساوي والألماني وفي قوات الحلفاء نحو نصف مليون يهودي، وهو عدد ضخم في واقع الأمر. وقد سقط من اليهود العديد من الضحايا، فقُتل نحو 12 ألف جندي ألماني يهودي. ولنا أن نتخيل نسبة القتلى بين المقاتلين اليهود في كل الأطراف، ولكن يجب أن نشير إلى أن هذا العنصر لا ينقص من عدد اليهود بصورة مباشرة فقط، أي من خلال الوفاة، فذلك يتم بصورة غير مباشرة أيضاً من خلال العزوف عن الإنجاب. ففي مناطق وفترات الحروب والثورات، بكل ما تسببه من حركة وعدم طمأنينة، يجد البشر أن من السخف بمكان إنجاب طفل ليعيش في هذه الدنيا.

ومن الظواهر الأخرى التي أدَّت إلى تَناقُص أعداد اليهود الزيجات المُختلَطة. فبعد الحرب العالمية الأولى، كان نحو 50% من الزيجات اليهودية في ألمانيا (عام 1915) زيجات مُختلَطة زادت إلى 60% في عام 1932. وفي كوبنهاجن، وصلت نسبة الزيجات المُختلَطة إلى نحو 86% في الفترة بين عامي 1880 و1905. وفي أمستردام، وصلت النسبة إلى نحو 70% (1930) . ومن المعروف أن معدلات الاندماج المرتفعة تؤدي إلى تَزايُد الزواج المُختلَط. وفي نهاية القرن التاسع عشر، كانت عملية الاندماج في أوربا تأخذ شكل التنصُّر. وكانت نسبة التنصُّر تتفاوت من بلد إلى آخر، ووصلت إلى حدِّها الأقصى في ألمانيا حيث حقق اليهود أعلى معدلات الاندماج، وهو ما أدَّى إلى انصهارهم. ولكن الانصهار يأخذ شكلاً مغايراً تماماً في العصر الحديث، ففي الماضي كان على اليهودي الذي يود الهرب من هويته أن يعتنق المسيحية، أما في المجتمعات العلمانية فيستطيع اليهودي أن ينكر هويته اليهودية ويتخلى عنها دون أن يضطر إلى تَبنِّي هوية دينية أخرى. وربما حدث شيء من هذا القبيل بين أعداد المهاجرين الروس إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلاد. ونحن نعرف أن كثيراً من اليهود الذين هاجروا إلى أمريكا اللاتينية بشهادات تعميد مزيفة أصدرها الفاتيكان لتسهيل عملية هربهم من الإرهاب النازي، قد آثروا الإبقاء على هويتهم المسيحية ولم يعيدوا تأكيد انتمائهم اليهودي حتى بعد زوال الخطر.

لكل هذه الأسباب، تَناقص تعداد اليهود وتناقص معدل الإنجاب بينهم. وقد بدأ هذا الاتجاه في منتصف القرن التاسع عشر بين يهود غرب أوربا الذين كانوا يشكلون أقلية، ثم انتقل إلى وسطها وشرقها مع نهاية القرن، وتَزايُد معدل التناقص واستمر حتى الوقت الحالي حيث وصل إلى معدلات عالية للغاية. أما في الجيب البولندي، حيث المناطق التي تَركَّز فيها معظم يهود العالم وحكمت روسيا معظمها وحكمت النمسا جزءاً آخر منها وحكمت ألمانيا الجزء الثالث، وهو الجيب الذي كان مركزاً ليهود اليديشية وكان يسميه هتلر «البنية التحتية البيولوجية للشعب اليهودي» ، فقد تناقصت نسبة المواليد بشكل مذهل. ففي منتصف القرن التاسع عشر، كان أعضاء الجماعة في روسيا القيصرية يتمتعون بواحدة من أعلى نسب الخصوبة والتكاثر بين شعوب الإمبراطورية، ولكن مع عام 1926 انخفضت النسبة إلى أقل النسب على الإطلاق إذ بلغت 24.8 في الألف بعد أن كانت 35.9. وقد ظلت نسبة التكاثر عالية بين الروس إذ وصلت 43.65 في الألف بفارق قدره 19.575 في الألف بين شعوب الدولة السوفيتية وأعضاء الجماعة. ويُلاحَظ أنه رغم وجود جماعات يهودية أخرى في الاتحاد السوفيتي، من بينها اليهود الجورجيون ويهود القوقاز وغيرهم ممن لم يمروا بالظروف نفسها التي مرَّ بها يهود اليديشية، فإن هذه الجماعات كانت صغيرة وربما لا تتجاوز 5%، ومن ثم فإنها لم تؤثر بتاتاً في الصورة العامة. وفي بولندا، نجد الاتجاه نفسه. فقد انخفضت نسبة المواليد في وارسو من 28.6 في الألف عام 1900 إلى 12.3 في الألف عام 1925. وفي لودز، انخفضت نسبة المواليد بين اليهود خلال سبعة أعوام إلى 11.6 في الألف. وفي جاليشيا، كانت الإحصاءات مثيرة، فبعد أن كانت نسبة المواليد بينهم من أعلى النسب في أوربا مع بداية القرن الحالي إذ وصلت إلى 38.16 في الألف (ولذا كان يهود النمسا يسمونها «فاجينا جودايوروم» أي «فَرْج اليهود» ) ، انخفضت النسبة فيها إلى

19.3 في الألف عام 1934، أي إلى نحو 50%. وكانت نسبة المواليد بين يهود المجر 19.33 في الألف في بداية القرن الحالي وانخفضت إلى 5.10 فقط، أي أنها انخفضت بنسبة 23.4، أي بنحو 66%. وكانت معدلات العلمنة بين يهود المجر من أعلى النسب في أوربا كلها، كما كانت نسبة عدد الأطفال غير الشرعيين في بودابست وكذلك نسبة الانتحار بين أعضاء الجماعة من أعلى النسب بين أعضاء الجماعات. وفي رومانيا، كانت نسبة المواليد بين اليهود عام 1900 نحو 32.6 في الألف، ولكنها انخفضت مع عام 1934 إلى 14.8في الألف. وبلغت نسبة المواليد 2 في الألف في لندن مع عام 1932.
وفيما يلي جدول بتغيُّر نسبة المواليد بين يهود بروسيا، نقلاً عن آرثر روبين، كمثل على تَناقُص نسبة اليهود.
السنة / النسبة في الالف
1832 / 35.5
1841 - 1866 / 34.7
1878 - 1882 / 30.7
1888- 1892 / 23.7
1898 - 1912 / 19.7
1913 / 15.0
1924 / 14.6
1926 / 12.0
1928 / 10.5
1929 / 9.1
ومعنى ذلك أن نسبة المواليد عام 1929 كانت أقل من ثلث نسبتهم منذ خمسين عاماً.
ويُلاحظ آرثر روبين أنه خلال خمسة وعشرين عاماً (بين عامي 1905 و1930) هبطت نسبة الزيادة من 18 إلى 8 في الألف، كما يُلاحظ أن التقدم الذي أحرزه اليهود خلال 150عاماً (من عام 1750 إلى عام 1905) فُقد خلال 25 عاماً!
وقد لاحظ يوريا إنجلمان في كتابه ظهور اليهود في العالم الغربي (1944) أن نسبة المواليد لا تُعوِّض نسبة الوفيات، وأن معدلات المواليد بين اليهود في شرق أوربا وجنوب شرق أوربا (دول البلقان وربما النمسا) وصلت إلى نقطة الخطر (قبيل العدوان النازي) . وقد حذر ثايلهابر في دراسته اختفاء اليهود الألمان (1908) مما سماه «الضعف السكاني» حيث بيَّن أنه، إذا لم يُوقَف هذا الاتجاه، فسيختفي يهود ألمانيا تماماً.

وبالفعل، نجد أن الوفيات بين يهود بودابست عام 1931، حيث كان يعيش نصف يهود المجر، قد زادت عن المواليد بنحو 1507 ثم هبطت إلى 1469 عام 1932، واستمر هذا النمط حتى الحرب العالمية الثانية. وقد حدث الشيء نفسه في بروسيا حيث فاق عدد الوفيات عدد المواليد بمقدار 29.2 عام 1931، ثم زاد إلى 2399 عام 1932 وإلى 3480 عام 1935. وفي عام 1916، سجلت الجماعة اليهودية في برلين 494 مولوداً مقابل2483 حالة وفاة، أي أن الوفيات كانت خمسة أضعاف المواليد. وفي عام 1939، كانت المسألة مخيفة، فمن مجموع سكان برلين البالغ عددهم 90 ألفاً سُجل ستة مواليد فقط طيلة العام في مقابل 1944 حالة وفاة، أي مولود واحد مقابل كل 324 حالة وفاة. ولم يكن الأمر مختلفاً في فيينا حيث كان يعيش 92.9% من يهود النمسا، فقد ظل معدل المواليد في انخفاض مستمر لمدة عشرة أعوام. وفي عام 1936، سُجِّل في فيينا 673 مولوداً يهودياً مقابل 2061 حالة وفاة. ويقول يوريا إنجلمان تعليقاً على الإحصاءات السابقة: إذا لم توقَف العملية ذات الأبعاد الثلاثة [تناقص المواليد وتزايد الوفيات وتزايد معدلات الاندماج] فسوف يؤدي ذلك في النهاية إلى تَفسُّخ السكان اليهود الكامل، وأكبر دليل على أن هذا ليس مجرد افتراض وإنما هو تجربة السكان اليهود في فيينا وبودابست وبرلين وهامبورج وباريس ولندن وبادوا وتريسته ومدن أخرى.

وأثناء فترة الحرب العالمية الثانية، وصلت هذه الاتجاهات إلى ذروتها، إذ زادت حركة أعضاء الجماعات اليهودي واضطُر كثير منهم إلى إخفاء انتمائه اليهودي، كما أن ظروف الحرب لم تشجع كثيراً على القيام بالأفعال الإنسانية العادية مثل الزواج والإنجاب. بالإضافة إلى أن عدداً كبيراً من اليهود لقوا حتفهم بسبب الجوع والمرض. ففي عام 1941، تُوفي نحو 10% من يهود وارسو بسبب الجوع والمرض، ثم زادت النسبة إلى 15 %. وقد تَفشَّت بعض الأوبئة بعد عام 1942 حسب تقرير البوند، وتُوفي الكثيرون بسبب عمليات الحرب. ويُقدَّر عدد الذين لقوا مصرعهم حتى عام 1941 بنحو 250 ألفاً. وهرب الألوف إلى الاتحاد السوفيتي وهلك بعضهم أثناء هروبهم. وكما جاء في الموسوعة اليهودية العالمية، فإن كثيرين ممن وصلوا لم يكترثوا كثيراً بإعلان هويتهم اليهودية.
والبيانات السابقة تجعلنا نعيد النظر في قضية الستة ملايين يهودي (ضحايا الإبادة النازية) إذ من الممكن أن تكون هناك نسبة كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية قد اختفت لا من خلال الإبادة وإنما من خلال التناقص الطبيعي. ونحن نذكر هذا لا من قبيل التقليل من حجم الجريمة النازية الأوربية ضد يهود أوربا وغيرهم من الجماعات الإثنية والدينية، وإنما من قبيل تقديم صورة دقيقة لأعداد اليهود في العالم، وحتى لا يحتكر أحد لنفسه لقب «الضحية الوحيدة» ثم يؤسس على هذا نظرية في الحقوق اليهودية المطلقة في بقعة من الشرق. فالجريمة النازية ضد الجماعات اليهودية والسلاف والغجر وغيرهم تُعَدُّ من أبشع الجرائم التي ارتكبتها الحضارة الغربية الحديثة ضد بعض الأقليات والجماعات البشرية التي تعيش في كنفها. وقد ارتكبت هذه الحضارة الكثير من البشاعات ضد الشعوب الأفريقية والآسيوية، ولكن الفضيحة اتضحت هذه المرة لأن ضحايا الجريمة كانوا من الجنس الأبيض.

أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد ظهرت الصورة السكانية التي لا تزال سائدة حتى الآن، حيث أصبحت الولايات المتحدة هي وطن اليهود بلا منازع، إذ بلغ عددهم 5000.000 عام 1948، و5.870.000 عام 1967 من مجموع يهود العالم البالغ عددهم 11.373.000 عام 1948، و13.837.500 عام 1967، أي أن نصف يهود العالم تقريباً موجود في الولايات المتحدة. ولكن عدد اليهود في البلاد الاستيطانية هو 9.583.000، فيوجد 6.925.000 في الأمريكتين و2.436.000 في إسرائيل و115 ألفاً في جنوب أفريقيا و5.500 في روديسيا و75 ألفاً في أستراليا ونيوزيلندا. ومعنى هذا أن أعضاء الجماعات اليهودية انتقلوا من أوربا، حيث كانوا متركزين حتى أواخر القرن التاسع عشر، إلى الدول الاستيطانية، خصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التسليم بأن الولايات المتحدة تحتل مركز الصدارة. وقد انكمش يهود اليديشية، الذين كانوا قد فَقَدوا شخصيتهم اليديشية (وأُطلق عليهم بسبب ذلك مصطلح «يهود الاتحاد السوفيتي» ) ، فلم يبق منهم في الاتحاد السوفيتي سوى مليونين في عام 1948، لكن عددهم زاد إلى 2.650.000 عام 1959. وهم، بذلك، يُكوِّنون أكثر من نصف يهود أوربا في ذلك الوقت. ولا توجد جماعات يهودية كبيرة في إنجلترا أو فرنسا. وقد أورد الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي (1983) الإحصائية التالية لأكبر الجماعات اليهودية في العالم (لعام 1930) وبجوارها الإحصاءات الخاصة لعام 1983 وقد عدلناها حسب إحصاء 1989.
السنة / 1930 / 1989
المجموع العالمي / 15مليون / 12210700
الولايات المتحدة / 4228000 / 5515000
الاتحاد السوفيتي (سابقاً) / 2927000 / 1370000
بولندا / 2845000 / 4100
رومانيا / 900000 / 19000
ألمانيا / 564000 / 35000
المجر / 477000 / 58000
تشيكوسلوفاكيا / 354000 / 7900
بريطانيا / 300000 / 320000
النمسا / 250000 / 6300
فرنسا / 220000 / 530000
الأرجنتين / 200000 / 218000

فلسطين / إسرائيل / 161000/ 3717000
كندا / 126000 / 310000
جنوب أفريقيا / 72000/ 114000
البرازيل / 30000 / 100000
أستراليا / 22000 / 85000
ويُلاحَظ أن الكتلة البشرية اليديشية في كلٍّ من الاتحاد السوفيتي وبولندا ورومانيا والنمسا والمجر قد صفِّيت تقريباً ولم يبق في عام 1983 سوى 1.630.000 في الاتحاد السوفيتي، ولكنهم على أية حال لم يعودوا يتحدثون اليديشية. وقد انخفض هذا العدد إلى1.370.000 في عام 1989، وازداد انخفاضاً بعد هجرة اليهود السوفييت الأخيرة وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي. ولأول مرة في التاريخ الحديث، أصبح عدد أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا يفوق عددهم في شرقها. ولا تزال الولايات المتحدة تتصدر القائمة منذ عام 1930 وإن كانت أهميتها ازدادت بشكل حاد بسبب تناقص أعداد الجماعات اليهودية في بقية أنحاء العالم. وشهدت هذه الفترة ظهور التجمع الصهيوني في فلسطين كنواة كبيرة بلغت نحو 750 ألفاً، أي 8% تقريباً من يهود العالم. وقد أخذت هذه الخلية في التضخم فأصبحت تضم 2.436.000 عام 1967 في حين كان الجسد الأكبر آخذاً في الانكماش.
أعداد الجماعات اليهودية في العالم: بعض الإشكاليات
‏(Worldwide Number of the Jewish Communities (Some Problematics
ثمة مشاكل عديدة تحيط بمحاولة تناول موضوع تعداد الجماعات اليهودية عبر التاريخ.
1 ـ يُلاحَظ أن معظم الأرقام المُستخدَمة (حتى عام 1800) تخمينية إلى حدٍّ كبير، وتقريبية حتى عام 1900 (وهذه مشكلة عامة بالنسبة لأي تعداد) .

2 ـ ثمة تحيزات عقائدية عميقة تجعل كثيراً من الدارسين يفرضون عليها دلالات لا تحتملها. ومن أكبر الأمثلة على التحيز المذهبي في المراجع الصهيونية عدم تَعرُّضها لقضية يهود الخَزَر وهجرتهم إلى بولندا، إذ تدل بعض الدراسات على أن التفسير الوحيد المقبول للتزايد الفجائي لتعداد يهود بولندا ابتداءً من القرن الرابع عشر (حتى أصبحوا أكبر جماعة يهودية في العالم) هو هجرة بقايا يهود الخَزَر إلى شرق أوربا. فمناقشة مثل هذه القضية، أو حتى مجرد ذكرها، يفتح الباب على مصراعيه لقضية أكثر أهمية وهي مدى انتماء يهود أوربا للعرْق السامي وللحضارة السامية وحقيقة هويتهم العرْقية أو الإثنية وحقوقهم الأزلية المفترضة.
3 ـ من الأمثلة المهمة الأخرى، مسألة «الستة ملايين» يهودي الذين يُفترض أن النازيين قاموا بإبادتهم، إذ يتحول هذا الرقم إلى رقم سحري، وإلى أيقونة عقائدية ترمز إلى الشعب الشاهد الذي أصبح الشعب الشهيد. وإذا ناقش أحد مصداقية هذا الرقم، فإنه يُتهم فوراً بانتهاك الحرمات وإنكار الهولوكوست! ورغم أن رقم «الستة ملايين» حالة متطرفة من التحيز، إلا أنها الاستثناء الذي يثبت القاعدة.
4 ـ لعل من أهم المشاكل التي تقابل دارس تعداد أعضاء الجماعات اليهودية في العالم مفهوم «اليهودي» : هل اليهودي من يتبع تعاليم دينه أم أنه من يرى نفسه يهودياً أم هو من يراه الآخرون كذلك؟ وفي هذا العالم الذي تزايدت فيه معدلات العلمنة، يسود التعريف العلماني للهوية اليهودية (اليهودي هو من يرى نفسه كذلك) . ولا توجد مؤسسة دينية مركزية تقوم بعملية التعريف والفرز، فتتداخل الحدود ويصعب تحديد من هو اليهودي. ولذا، نجد أن بعضاً من غير اليهود قد يغيِّرون قناعاتهم فجأة ويقررون أنهم يهود، والعكس أيضاً ممكن (انظر: «ادعاء اليهودية» ) .
ولإيضاح المشكلة التي يجابهها دارسو تعداد الجماعات اليهودية، يمكن أن نشير إلى بعض الأمثلة:

1 ـ الولايات المتحدة الأمريكية:
أ) يضم الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي (1991) دراسة عن تعداد يهود العالم. وقد رأى كاتب المقال أن يتناول موضوعه من خلال ثلاثة تعريفات أو مستويات:
‏ü القطاع الأساسي من السكان اليهود (بالإنجليزية: كور جويش بوبيوليشن core Jewish population) ويضم كل يهودي يعلن أنه يهودي، بغض النظر عن كون مضمون يهوديته حقيقياً أو وهمياً، دينياً أو إثنياً، قوياً أو ضعيفاً. وعادةً ما توضع هذه المجموعة مقابل القطاع الهامشي من السكان اليهود (بالإنجليزية: بريفيرال جويش بوبيوليشان (peripheral Jewish population، وهي تضم القطاعين التاليين:
‏ü القطاع الموسع من السكان اليهود (بالإنجليزية: إكستندد جويش بوبيوليشن extended Jewish population) ويضم القطاع الأساسي إلى جانب اليهود الذين تخلوا عن دينهم (وتبنوا أو لم يتبنوا ديناً آخر) ولكنهم من أصل يهودي.
‏üü القطاع الممتد من السكان اليهود (بالإنجليزية: إنلارجد جويش بوبيوليشن enlarged Jewish population) وتضم إلى جانب القطاعين السابقين كل من يعيش في بيت يهودي (سواء أكان يهودياً أم غير يهودي) .
وبطبيعة الحال، تتزايد الأعداد وتتناقص حسب المعيار المُستخدَم. وفي عصر وصلت فيه نسبة الزواج المُختلَط إلى ما يزيد على 50%، فإن القطاع الثالث يضم عدداً كبيراً للغاية، مع أن تَضخُّم هذا القطاع هو في واقع الأمر دليل على تزايد اندماج اليهود واختفائهم. وقد بلغت الحيرة بأحد المراجع حداً جعله يستخدم اصطلاح «يهودي بشكل أو آخر» «يهودي بشكل ما» (بالإنجليزية: جويش إن سم ويي Jewish in some way) لحل مشكلة التعريف.

ب) نُشرت مؤخراً دراسة ذكرت أن عدد يهود الولايات المتحدة هو 6.8 مليون. ثم أضافت الدراسة أن 1.2 مليون منهم يهود لا يؤمنون باليهودية ويندمجون في مجتمعهم بسرعة (ومن المؤكد أن أعداداً كبيرة منهم ينضمون للعبادات الجديدة مثل البهائية وهاري كريشنا) . ومنهم 2.3مليون يمارسون عقيدة أخرى هي المسيحية، أي أنه بين 6.8 مليون يهودي يوجد 2.5 مليون يمارسون عبادات أخرى. وورد في دراسة ثانية أن عدد يهود الولايات المتحدة 8.400.000 وهو رقم أعلى بكثير من الرقم السابق. ولكن الدراسة تضيف أن من بينهم 2.70.000 من "أصول يهودية" ولا يعتبرون أنفسهم يهوداً (أي أن العدد هو 5.700.000) . والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إن كان هؤلاء ليسوا يهودا من منظور الشريعة اليهودية، ولا من منظور الإثنية اليهودية، ولا من منظور أنفسهم أو جيرانهم، فلماذا تضمنهم التعداد أساساً؟ وهل الهدف هو خلق إشكاليات حيث لا إشكاليات؟
جـ) من المشاكل الكبرى التي تواجه دارسي تعداد اليهود في العالم، بخاصة في الولايات المتحدة، أعضاء الزيجات المُختلَطة وأبناؤهم. فأحياناً، يدخل يهودي في علاقة زوجية مع طرف غير يهودي، ثم يتهود الطرف الآخر بشكل صوري، ويعتبر نفسه يهودياً إرضاءً للطرف اليهودي أو لعائلته. ثم قد يُصر الطرف اليهودي على أن يكون الأطفال يهوداً، فيوافق الطرف غير اليهودي. ولكن ما يحدث في معظم الأحيان أن الأطفال ينشأون يهوداً اسماً دون أن يكونوا يهوداً فعلاً. ولأن اليهودية الأرثوذكسية لا تعترف بأبناء الزيجات المُختلَطة، أو بالمتهوِّدين على يد حاخام إصلاحي أو محافظ، أو بمن وُلد لأب يهودي، فإن هناك عدداً كبيراً من اليهود في الولايات المتحدة يهود اسماً وحسب، أو يهود من وجهة نظر إصلاحية أو محافظة أو إثنية، ولكنهم غير يهود من وجهة نظر أرثوذكسية.
2 ـ الاتحاد السوفيتي:
ثمة مشاكل عديدة تواجه محاولة إحصاء تعداد يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) :

أ) كان القانون السوفيتي يعطي أعضاء الجماعات اليهودية الحق في أن يصنفوا أنفسهم كما يشاءون، فكان بوسع اليهودي من أوكرانيا أن يُصنِّف نفسه «يهودياً» أو «أوكرانياً» ، وهذا يعني أن هناك عدداً كبيراً من المواطنين السوفييت كانوا من أصل يهودي ولكنهم لم يُصنَّفوا يهوداً. وقد أدى هذا إلى ظهور ما يُسمَّى «اليهود المتخفين» ، وهم المواطنون السوفييت من أصل يهودي الذين يخفون أصولهم اليهودية.
ب) حينما فُتحت أبواب الهجرة إلى إسرائيل بما كانت تتيحه من فرص للحراك الاجتماعي والطبقي ومكافأة مادية مباشرة، ومع تَزايُد تفكك النظام السوفيتي، أظهر كثير من هؤلاء اليهود المتخفين أصولهم اليهودية. كما أن أعداداً كبيرة من غير اليهود ممن لهم أصول يهودية قديمة للغاية (جدُّ مدفون في موسكو، على حد قول أحد الحاخامات) ، أو حتى ممن ليست لهم أصول يهودية على الإطلاق، ادعوا أنهم «يهود» حتى يستفيدوا من الفرص الاقتصادية المتاحة
3 ـ ألمانيا:
أ) بلغ عدد يهود ألمانيا 28.202 حسب تعداد عام 1983.
ب) بدأت بعد ذلك التاريخ حركة هجرة من الاتحاد السوفيتي، ولم تتمكن المصادر اليهودية من الحصول على أرقام محدَّدة، ولذا تم اللجوء للتخمين. وقُدِّر عدد المهاجرين في هذه الفترة، أو مقدار الزيادة على وجه العموم، بحوالي 11 ألفاً وهذا يعني أن عدد اليهود بلغ حوالي 04 ألف يهودي.
جـ) كان يوجد 500 يهودي مسجلون في ألمانيا الشرقية.
د) ولكن كان يوجد 3500 شخص يأخذون تعويضات باعتبارهم ضحايا للاضطهاد النازي دون أن يعلنوا عن انتمائهم الديني والإثني، ولكن من المرجح أنهم من اليهود. هذا يعني في واقع الأمر أن هناك 4000 يهودي.
هـ) يضيف بعض الإحصائيين القطاع الهامشي من السكان اليهود، ويبلغ عددهم 55 ألفاً، وبذا يكون مجموع أعضاء الجماعة اليهودية في واقع الأمر 100 ألف يهودي، أي أربعة أضعاف عدد اليهود في عام 1983.
4 ـ كندا:

بلغ عدد اليهود في كندا عام 1981 حوالي 296.445. ولكن إحصاء عام 1986 لم يُدخل في الاعتبار إلا الانتماء الإثني، مهملاً الانتماء الديني. وبلغ عدد الذين صرحوا بأن أصلهم الإثني يهودي نحو 245.855، بينما ذكر 97.655 أن أحد أصولهم الإثنية يهودية، فكأن هناك 343.510 من «اليهود بشكل أو آخر» . وقد عبَّر كاتب الدراسة عن شعوره بأن الرقم الذي تَوصَّل إليه والذي يضم اليهود من فئة «يهود بشكل أو آخر» غير مقنع.
5 ـ جنوب أفريقيا:
كان عدد يهود جنوب أفريقيا عام 1990 هو 114 ألفاً، ولكن الإحصاء الذي أُجري بعد ذلك جعل تحديد الديانة مسألة اختيارية. ولأن خُمس السكان البيض لم يحددوا انتماءهم الديني، فقد انخفض تعداد اليهود إلى 59 ألفاً. وحسب التقديرات الإحصائية، فإن العدد الحقيقي يتراوح بين 104.500 و 107 آلاف.
أعداد الجماعات اليهودية وتوزعها في العالم، وبعض معالمها السكانية في الوقت الحاضر (1992)
‏Recent (1992) Worldwide Number and Distribution of the Jewish Communities and Some of Their Demographic Features
يُقدَّر عدد سكان العالم من اليهود طبقاً لإحصاءات عام 1987 بنحو 13 مليوناً (12.934.600) وصل إلى 12.936.300 عام 1992 (حسبما ورد في الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1994) . وهو يقل قليلاً عن عددهم عام 1982 والبالغ 12.988.600 أو عددهم عام 1984 وهو 12.936.300 (وهو ما يدل على أن يهود العالم قد وصلوا إلى نقطة الصفر في النمو) . وقد تناقص هذا العدد عن عددهم في عام 1967 حيث كان 13.837.500، أي أن عدد اليهود نقص بنحو المليون في الفترة من عام 1967 حتى عام 182 دون إبادة ومن خلال تناقص طبيعي. والجماعات اليهودية موزعة في الوقت الحاضر من الناحية الجغرافية في كل أرجاء العالم على النحو التالي:
أوربا (بما في ذلك روسيا الأسيوية والبلقان وتركيا) : 1.924.200
آسيا (فلسطين المحتلة أساساً) : 4.378.600

أفريقيا (جنوب أفريقيا أساساً) : 106.700
أمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية (الولايات المتحدة أساساً) : 6.409.700
أستراليا ونيوزيلندا: 94.600
المجموع: 12.913.800
وأكبر تسع جماعات يهودية هي:
الدولة / عدد أعضاء الجماعة اليهودية/ نسبتهم إلى يهود العالم
الولايات المتحدة / 5.620.000 / 43.5%
إسرائيل / 4.242.500 / 32.8%
فرنسا / 530.000 / 4.1%
روسيا / 415.500 / 3.2%
كندا / 356.000 / 2.8%
بريطانيا العظمى / 298.000 / 2.3%
أوكرانيا / 276.000 / 2.1%
الأرجنتين / 211.000 / 1.6%
جنوب أفريقيا / 100.000 / 0.8%

وإذا نظرنا إلى توزُّع أعضاء الجماعات اليهودية من منظور التشكيلات الحضارية والسياسية، فإن الصورة سوف تختلف تماماً. فلو استبعدنا سكان المُستوطَن الصهيوني، فإن أعضاء الجماعات اليهودية يتركزون أساساً في أمريكا الشمالية حيث توجد أغلبيتهم الساحقة التي تبلغ 46.24%، وفي أوربا الغربية حيث تبلغ 14.9%، وروسيا وأوكرانيا حيث نسبتهم 5.3%، أي أن 69.8% من يهود العالم يوجدون في أمريكا الشمالية وأوربا، ويعيش معظمهم في الوقت الحالي في البلدان الناطقة بالإنجليزية (الولايات المتحدة وكندا وإنجلترا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا) . ولذا، فيمكننا أن نقول إن اللغة التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية هي الإنجليزية وليست العبرية أو اليديشية. ومن الملاحَظ أن الجماعات اليهودية في أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي وأوربا آخذة في الذوبان، وأن عددهم في أمريكا اللاتينية آخذ في التناقص السريع. ولذا يمكننا التنبؤ بأن يهود العالم أو ما يُقال له «الشعب اليهودي» سيصبح جزءاً لا يتجزأ من الشعب الأمريكي بعد أن كان جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الاستيطاني الغربي ومن شعوب شرق أوربا. ونلاحظ في الجدول السابق، الذي يبين أكبر تسع جماعات يهودية في العالم، أن 93.2% من يهود العالم يعيشون في تسعة مراكز رئيسية ومنها الدولة الصهيونية، وأن 76.3% يعيشون في دولتين اثنتين (الولايات المتحدة وإسرائيل) . ونلاحظ أن البلاد التي يُوجَد فيها أعضاء الجماعات اليهودية تتمتع بمستوى معيشي مرتفع ودخول مرتفعة، كما أنها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالتشكيل العرْقي الأبيض، ففي الأرجنتين، حيث تُوجَد أعلى نسبة من البيض في أمريكا اللاتينية، توجد أيضاً أعلى نسبة من اليهود.

وهناك عنصر آخر يرتبط بالعنصر السابق وهو أن نسبة 15% من يهود العالم توجد في أوربا. وتوجد الأغلبية العظمى في دول استيطانية: الولايات المتحدة وكندا اللتين تضمان 5.976.000 (46.27% من يهود العالم) . وإسرائيل التي تضم 4.242.500 (32.85% من يهود العالم) . وجنوب أفريقيا التي تضم 100.000 (0.8%) والبرازيل والأرجنتين وبقية دول أمريكا اللاتينية 382.000 (2.9%) . ويمكن أن نضيف كذلك أستراليا ونيوزيلندا التي تضم 94.600 (0.7%) . أي أن الجماعات اليهودية مرتبطة بأوربا وبتجربتها الاستيطانية جغرافياً وتاريخياً. إذ يُوجَد في هذه البلاد 91% من يهود العالم. وكذلك فإن الدياسبورا اليهودية، أي انتشار أعضاء الجماعات في أنحاء العالم، ليست انتشاراً عشوائياً وإنما هو انتشار يصاحب انتشار التشكيل الاستعماري الغربي، خصوصاً في جانبه الاستيطاني. وبالتالي، فإن إسرائيل لا تشكل استثناءً من القاعدة بل هي جزء من نمط غربي عالمي. وارتفاع الدخول ليس منفصلاً تماماً عن العنصر الاستيطاني إذ أن التجربة الغربية الاستيطانية كانت تهدف أساساً إلى حل المشاكل الاقتصادية للمجتمعات الغازية وكانت إحدى أهم المشاكل هي الفائض البشري. وقد كان المجتمع الغربي ينظر إلى اليهود باعتبارهم مادة بشرية استيطانية نافعة فتحركوا أو تم تحريكهم داخل هذا الإطار.
وفيما يلي تَوزُّع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم في الوقت الحاضر حسب إحصاءات 1992:
الأمريكتان:
- الشمالية:
الدولة / عدد السكان / عدد اليهود / نسبة اليهود إلى نسبة السكان في الألف
كندا / 27.755.000 / 356.000 / 12.8
الولايات المتحدة/ 257.740.000 / 5.620.000 / 21.8
المجموع / 285.595.000 / 5.976.000 / 20.9
ـ الوسطى:
الأنتليز الهولندية / 175000 400 / 2.3
بنما / 2563000 / 5000 / 2.0
بورتوريكو / 3626000 / 1500 / 0.4
جامايكا / 2495000 / 300 / 0.1
جزر البهاما / 268000 / 300 / 1.1

جواتيمالا / 100298000 / 800 / 0.1
الدومينكان / 7621000 / 100 / --
فيرجن أيلاند / 107000 / 300 / 2.8
كوبا / 10907000 / 700 / 0.1
كوستاريكا / 3270000 / 2000 / 0.6
المكسيك / 89998000 / 40000 / 0.4
بلاد أخرى / 25330000 / 300 / --
المجموع / 156.389.000 / 51.700 / 0.3
- الجنوبية:
الأرجنتين / 33487000 / 211000 / 6.3
إكوادور / 11310000 / 900 / 0.1
أوروجواي / 3149000 23800 / 7.6
باراجواي / 4643000 / 900 / 0.2
البرازيل / 156578000 / 100000 / 0.6
بوليفيا / 7705000 / 700 / 0.1
بيرو / 22913000 / 3000 / 0.1
سورينام / 446000 / 200 / 0.4
شيلي / 13813000 / 15000 / 1.1
فنزويلا / 20618000 / 20000 / 1.0
كولومبيا / 33985000 / 6500 / 0.2
المجموع /308674000 / 382000 / 1.2
مجموع الامريكتين /750631 / 6409700 / 8.53
أستراليا ونيوزيلاندا:
أستراليا / 17843000/ 90000 / 5.0
نيوزيلندا / 3487000 / 4500 / 1.3
بلاد أخرى / 6617000 / 100 / --
المجموع /27947000 / 94600/ 3.4
آسيا:
اسرائيل / 5195900 / 4242500 / 816.5
الدول الآسيوية في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) :
أذربيجان / 7200000 / 21000 / 2.9
أرمينيا / 3500000 / 300 / 0.1
أوزبكستان / 21600000 / 45200 / 2.1
تركمانيا / 4000000 / 1900 / 0.5
جورجيا / 5500000 / 18000 / 3.3
طاجكستان 5700000 / 5000 / 0.9
كازاخستان / 17200000 / 14500 / 0.8
قرغيزيا / 4600000 / 3700 / 0.8
المجموع / 69300000 / 109600 / 1.6
بلاد آسيوية أخرى:
إيران / 63180000 / 16000 / 0.3
تايلاند / 56868000 / 200 / --
سنغافورة / 2798000 / 300 / 0.1
سوريا / 13762000 / 1200 / 0.1
العراق / 19918000 / 200 / --
الفلبين / 66543000 / 100 / --
كوريا الجنوبية / 44508000 / 100 / --
الهند / 896567000 / 4500 / --
هونج كونج / 5845000 / 1000 / 0.2
اليابان / 124959000 / 1000 / --
اليمن // 12977000 / 1600 / 0.1

بلاد أخرى / 1918506100 / 300 / --
المجموع / 3226431100 / 26500 / --
المجموع للبلاد الاسيوية /3300927000 / 4378600 / 1.3
أفريقيا:
إثيوبيا / 54628000 / 1500 / --
تونس / 8579000 / 2000 / 0.2
الجزائر / 19590000 / 300 / --
جنوب أفريقيا / 40774000 / 100000 / 2.5
زائير / 41166000 / 400 / --
زامبيا / 8885000 / 300 / --
زمبابوي / 10898000 / 1000 / 0.1
كينيا / 26090000 / 400 / --
مصر / 56060000 / 200 / --
بلاد أخرى / 427990000 / 1000 / --
المجموع / 66857000 / 106700 / 1.6
أوربا:
الجماعة الأوربية:
إسبانيا / 39153000 / 12000 / 0.3
ألمانيا / 80606000 / 50000 / 0.6
أيرلندا / 3481000 / 1800 / 0.5
إيطاليا / 57826000 / 31000 / 0.5
البرتغال / 9870000 / 300 / --
بلجيكا / 10010000 / 31800 / 3.2
الدنمارك / 5169000 / 6400 / 1.2
فرنسا / 57379000 / 530000 / 9.2
لكسمبورج / 380000 / 600 / 1.6
المملكة المتحدة /58039000 / 298000 / 5.1
هولندا / 15270000 / 25600 / 1.7
اليونان / 10208000 / 4800 / 0.5
المجموع / 347391000 / 992300 / 2.9
باقي دول أوربا الغربية:
جبل طارق / 31000 / 600 / 19.4
السويد / 8692000 / 15000 / 1.7
سويسرا / 6862000 / 19000 / 2.8
فنلندا / 5020000 / 1300 / 0.3
النرويج / 4310000 / 1000 / 0.2
النمسا / 7805000 / 7000 / 0.9
بلاد أخرى / 771000 / 100 / 0.1
المجموع 33491000 / 44000 / 1.3
الدول الأوربية في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) :
إستونيا / 1600000 / 3400 / 2.1
أوكرانيا / 51900000 / 276000 / 5.3
روسيا / 149000000 / 415000 / 2.8
روسيا البيضاء / 10300000 / 46000 / 4.5
لاتفيا / 2600000 / 13500 / 5.2
ليتوانيا / 3800000 / 65000 / 1.7
مولدافيا / 4400000 / 19400 / 4.4
المجموع / 223600000 / 779800 / 3.5
أوربا الشرقية:
بلغاريا / 8926000 / 1900 / 0.2
البوسنة والهرسك/ 4000000 / 300 / 0.1

بولندا / 38518000 / 3600 / 0.1
تركيا / 59577000 / 19500 / 0.3) بما فى ذلك المناطق الآسيوية (
تشيك / 10300000 / 3.800 / 0.4
رومانيا / 23377000 / 16000 / 0.7
سلوفاكيا / 5300000 / 3800 / 0.7
سلوفينيا / 2000000 / 100 / --
كرواتيا / 4400000 / 1400 / 0.3
المجر / 10493000 / 56000 / 5.3
يوغوسلافيا / 9800000 / 1700 / 0.2
المجموع / 176691000 / 108100 / 0.6
المجموع الكلي لاوربا /781173000 / 1924200 / 2.5
ويُلاحَظ أنه تُوجَد دولتان اثنتان (الولايات المتحدة وإسرائيل) تضمان الغالبية الساحقة من يهود العالم (75%) . ولا يزيد عدد اليهود عن نصف مليون إلا في دولة واحدة (فرنسا) . وينقص عن النصف مليون في دولة أخرى (روسيا) ، وتوجد دولتان (جنوب أفريقيا والبرازيل) يزيد عدد اليهود في كلٍّ منهما على مائة ألف. وباستثناء المجر وفيها 56 ألفاً، والمكسيك ويوجد فيها 40 ألفاً، لا توجد دولة واحدة أخرى يزيد فيها عدد اليهود على 35 ألفاً. ففي بلجيكا يوجد 31.800، وفي إيطاليا 31.000، وفي أوروجواي 23.800، وفي رومانيا 16.000.
ويُلاحَظ أن جميع الدول السابقة تنتمي أيضاً إلى التشكيل العرْقي الأبيض أو التشكيل الاستيطاني ذي الجذور الغربية البيضاء. والواقع أن كل هذا يدعم رأينا الخاص بأن اليهود لا يوجدون في العالم بأسره وإنما ضمن تشكيل محدَّد، وأن وجودهم في بعض الدول أقرب إلى الغياب ولا يمكن أخذه في الاعتبار من الناحية الإحصائية، فلا يمكن أن نتحدث عن الوجود اليهودي في الهند حيث لا يوجد بها إلا نحو 4.500 يهودي، أو الوجود اليهودي في اليونان حيث يوجد 4.800 يهودي، أو بولندا وفيها 3.600 يهودي، أو النرويج التي يوجد فيها ألف يهودي، أو زائير التي يوجد فيها 400 يهودي، أو الفلبين وفيها 100 يهودي، أو بورما حيث يوجد عشرون يهودياً وحسب.

وتشكل الجماعات اليهودية قلة سكانية بالنسبة إلى سكان العالم، وهم كذلك أقلية صغيرة قياساً إلى حجم السكان في الدول التي يوجدون فيها. فأكبر تَجمُّع يهودي في العالم في الولايات المتحدة لا يُشكِّل سوى 2.18% من مجموع السكان البالغ عددهم 257.840.000 حسب إحصاءات عام 1992. وثاني تَجمُّع يهودي في العالم كان يتركز في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ، وهو بدوره لا يُشكِّل سوى 1.07% من مجموع السكان البالغ عددهم 267.516.000. أما في كندا، فإن النسبة هي 1.28% من مجموع السكان البالغ عددهم 26.755.000. وتقل النسبة في البلاد الأوربية الأخرى، فهم في فرنسا مثلاً لا يُشكِّلون سوى 0.92 % من مجموع السكان البالغ عددهم 57.379. أما في إنجلترا فإنها 0.51% من مجموع السكان البالغ عددهم 58.039.000، وفي روسيا 0.28% من مجموع 149.000.000، وفي أوكرانيا 0.53% من مجموع 51.900.000.
ولا يُشكِّل اليهود أغلبية إلا في إسرائيل وحدها، ومع هذا فإنهم يحسون بإحساس الأقلية نظراً لوجودهم في صورة مجتمع استيطاني منعزل داخل الكثافة السكانية العربية، ولخوفهم الدائم من العرب الموجودون في فلسطين. وبعد ضم الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكاثر العرب مقابل تَناقُص الهجرة، وتزايد النزوح بين المستوطنين، وعقم الأنثى اليهودية في إسرائيل، فإن العرب سيصبحون هم الأغلبية العددية لا النفسية وحسب، وهذا ما يُسمَّى «مشكلة إسرائيل السكانية» .

ومن الظواهر التي تستحق الإشارة، تَركُّز اليهود في العواصم والمدن الكبرى. فالواقع أن حوالي نصف مجموع يهود أمريكا اللاتينية (200 ألف) يوجدون في بوينس أيريس، وأكثر من نصف يهود جنوب أفريقيا (63 ألفاً) يوجدون في جوهانسبرج، وأكثر من نصف يهود فرنسا (350 ألفاً) في باريس، وأكثر من نصف يهود إنجلترا (200 ألف) يوجدون في منطقة لندن الكبرى، وأكثر من نصف يهود هولندا (15 ألفاً) في أمستردام، وأكثر من نصف يهود كندا في مونتريال (100 ألف) وتورنتو (175 ألفاً) ، وثلث يهود روسيا (200 ألف) يوجد في موسكو. أما في الولايات المتحدة، فهناك خمس مدن تضم أكثر من نصف يهود الولايات المتحدة إذ تضم نيويورك (الكبرى) 1.450.000 ولوس أنجلوس 490.000 وفيلادلفيا 254.000 وشيكاغو (الكبرى) 248.000 وبوسطن 208.000 وواشنطن (الكبرى) 165.000وميامي 199.000. والواقع أن تَوزُّعهم على كل هذه المدن، بدلاً من تَركُّزهم في العاصمة، هو انعكاس للتركيبة الفيدرالية للولايات المتحدة. وإذا كان نصف الجماعات اليهودية يتركز في كثير من البلاد في العاصمة، فإن النصف الثاني يوجد موزعاً على مدن كبرى أخرى، أي أن الأغلبية العظمى من الجماعات اليهودية تُوجَد في مراكز حضرية. وهذا أمر مُتوقَّع باعتبار أنهم عملوا كجماعة وظيفية وسيطة في الحضارة الغربية كما أنهم مهاجرون إلى البلاد التي يوجدون فيها. والمهاجرون يتَركَّزون عادةً في المدن حيث تُوجَد فرص أكبر للعمل، وحيث توجد مراكز التجارة والمال. ولم يكن الحال مختلفاً في العالم العربي، فقد تَركَّزت أغلبية يهود لبنان في بيروت كما تَركَّز يهود مصر في القاهرة بحي المعادي وحي الظاهر. وتتركز المعابد اليهودية بشكل ملحوظ في العواصم، فمثلاً يوجد في القاهرة والإسكندرية عدة معابد، ويقع أحد معابد القاهرة في شارع عدلي على مقربة من البنوك ومراكز التجارة. كما يوجد معبد يهودي في الإسكندرية في شارع النبي دانيال على مقربة

أيضاً من بنوك الإسكندرية وعلى بعد خطوات من الغرفة التجارية. ومن المعروف أن 98% من العاملين بالبورصة في مصر كانوا من أعضاء الجماعة اليهودية. وفي تصُّورنا أن هذا الوضع هو نتيجة الاستعمار الغربي والهجرة الإشكنازية إلى العالم العربي في أواخر القرن الماضي والتي وسمت معظم الجماعات اليهودية العربية في بلاد المتوسط (مصر والجزائر والمغرب ولبنان وسوريا) بميسمها بحيث تحوَّل أعضاء الجماعات إلى جماعات وسيطة للاستعمار الغربي. كما يُلاحَظ (مثلاً) أن يهود اليمن الذين ظلوا بمنأى عن الهجرة الإشكنازية، ظلوا محتفظين ببنائهم الطبقي القَبَلي وبوجودهم في الجبال. أما في العراق، فإن يهود كردستان الذين ظلوا بمنأى عن هذه التحولات، لم يستقروا في المدن على خلاف بقية أعضاء الجماعة الذين تحولوا إلى جماعة وظيفية وسيطة وتَركَّزوا في العاصمة وفي أعمال التجارة والمال بالذات.
ولم يشذ سكان التجمع الاستيطاني الصهيوني عن هذا الاتجاه. ففي إسرائيل، يتكدس 75% من المواطنين في المدن. ويُلاحَظ أن عدد أعضاء الجماعات اليهودية لا يزال آخذاً في التناقص، وهو ما يُطلَق عليه ظاهرة موت الشعب اليهودي.
أعداد الجماعات اليهودية وتوزُّعها في العالم عام 1995
‏Current (1995) Worldwide Number and Distribution of Jewish Communities
وصلت الإحصاءات الخاصة بتعداد اليهود في العالم عام 1995 والموسوعة ماثلة للطبع (المصدر: المسح الديموجرافي وتقارير الجماعات اليهودية إلى المؤتمر اليهودي العالمي) ، وقد وجدنا أن الصورة العامة لم تختلف كثيراً عما كانت عليه عام 1992.
وفيما يلي بعض التغيرات الأساسية:
الدولة / عام 1992 / عام 1995
الولايات المتحدة / 5620000 / 5800000
إسرائيل / 4242000 / 4420000
فرنسا / 530000 / 600000
روسيا / 415000 / 600000
أوكرانيا / 276000 / 446000
الأرجنتين / 211000 / 250000
جنوب أفريقيا / 100000 / 114000
المجر / 56000 / 80000

مولدافيا / 19400 / 40000
روسيا البيضاء / 46000 / 34000
أوروجواى / 23800 / 30000
إيران / 16000 / 25000
أذربيجان / 21000 / 25000
ويمكن القول بأن التغيرات في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لا يُعتد بها، ولكن الزيادات في البلاد الأخرى تحتاج إلى وقفة. فزيادة 07 ألفاً في فرنسا (أي بنسبة 13.2%) و39 ألفاً في الأرجنتين (بنسبة 18.48%) و24 ألفاً في المجر (بنسبة 42.8%) و6 آلاف في جنوب أفريقيا (بنسبة 60%) وتسعة آلاف في إيران (بنسبة 56%) ليس لها سبب واضح، فالاتجاه العام في هذه البلاد في السنين السابقة كان نحو النقصان لا الزيادة، ولعل الزيادات هنا راجعة لاختلاف النماذج الإحصائية بين المصدر الذي استخدمه الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي (وهو من إصدار البعثة اليهودية الأمريكية) ومصدر تعداد عام 1996 وهو تقرير أصدره المؤتمر اليهودي العالمي.
ولا ندري هل ينطبق التفسير نفسه على الزيادة الملحوظة في دول الاتحاد السوفيتي سابقاً (دول الكومنولث المستقلة وغيرها من الدول) ، إذ نلاحظ أن يهود روسيا زادوا 135 ألفاً (حوالي 32.5%) وزاد يهود أوكرانيا 124 ألفاً (حوالي 44.9%) وزاد يهود مولدوفا 10.6 آلاف (أكثر من 54.6%) بينما زاد يهود روسيا البيضاء 14 ألفاً (أي بنسبة 30.4%) .
ومن المحتمل أن تكون حركة عودة قد بدأت من الدولة الصهيونية، كما أن أعداداً كبيرة من يهود لاتفيا واستوانيا وليتوانيا والجمهوريات الإسلامية السابقة وُطِّنوا فيها باعتبارهم عنصراً روسياً استيطانياً، ولعل أعداداً منهم بدأت هي الأخرى في العودة، وهناك بطبيعة الحال مشكلة تعريف اليهودي ومن يُضَم إلى التعداد ومن يُستبعَد.
وعلى كلٍّ فإن هذه القضايا ليست جوهرية ولا تُغيِّر الأنماط العامة التي درسناها. كما يلاحظ أن أعداد اليهود فى عامى 1996و 1997 لم تتغير عنه فى عام 1995.
موت الشعب اليهودي
‏Death of the Jewish People

«موت الشعب اليهودي» عبارة وضعها عالم الاجتماع الفرنسي (اليهودي) جورج فريدمان. وهي تشير إلى ظاهرة تَناقُص أعضاء الجماعات اليهودية في العالم إلى درجة اختفاء بعض هذه الجماعات وتَحوُّل بقيتها إلى جماعات صغيرة لا أهمية لها من الناحية الإحصائية. وهذه الظاهرة ليست غريبة على أعضاء الجماعات، فعدد العبرانيين القدامى انخفض من 1.800.000 عام ألف قبل الميلاد إلى 1.100.000 خلال الفترة من عام 733 إلى عام 701 ق. م، وذلك قبل التهجير الآشوري والبابلي. وبعد التهجير البابلي، بلغ عددهم 150 ألفاً. وبعد مرسوم قورش، تراوح العدد في مقاطعة يهودا بين 60 و70 ألفاً.
وقد حدث انفجار سكاني في الفترة من عام 100 ق. م إلى عام 100 ميلادية حتى بلغ عدد اليهود ما بين خمسة وثمانية ملايين حسب رأي بعض المؤرخين، وإن كان هناك مؤرخون يعتقدون أن هذا العدد مُبالَغ فيه. ومع نهاية القرن الثاني عشر، كان عدد يهود العالم ما بين المليون والمليونين. ثم حدث في العصر الحديث الانفجار السكاني في القرن التاسع عشر حيث أدَّى ـ حسب بعض الإحصاءات ـ إلى تَزايُد عدد اليهود من 2.500.000 في أوائل القرن التاسع عشر إلى 16.724.000عشية الحرب العالمية الثانية.
ومن الواضح أن الجماعات اليهودية في العالم تمرُّ بمرحلة بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وتتسم بتناقص أعدادهم بسبب اختفاء العوامل التي أدَّت إلى تَزايُدهم (مثل وجود أعضاء الجماعات اليهودية في مناطق لم تنشب فيها معارك حربية، وعدم تجنيد اليهود في القوات المسلحة) . وعلى العكس من ذلك ظهرت عناصر تؤدي إلى تناقص اليهود إما من خلال اختفاء أعداد منهم ممن وُلدوا يهوداً بالفعل أو من خلال انخفاض نسبة المواليد. ويمكن أن نورد الأسباب التالية التي تؤدي إلى اختفاء اليهود (دون حدوث مذابح أو انتشار أوبئة) :

1 ـ تزايد معدلات الاندماج. فكثير من اليهود الذين يندمجون يخفون هويتهم اليهودية وانتماءهم اليهودي ويسجلون أنفسهم على أنهم غير يهود. ويبلغ عدد اليهود الذين أخفوا هويتهم في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) نحو مليون ونصف، كما يوجد الألوف من اليهود الذين هاجروا إلى أمريكا اللاتينية بشهادات تعميد مزيفة أصدرها لهم الفاتيكان أثناء الإرهاب النازي ثم آثروا أن يحتفظوا بهويتهم الجديدة.
2 ـ يُلاحَظ أن هناك أعداداً لا بأس بها من أعضاء الجماعات اليهودية يتنصرون أو ينخرطون في سلك العبادات الجديدة، ومن ثم يسقطون عن أنفسهم تسمية «يهودي» .
3 ـ من أهم أسباب اختفاء اليهود الزواج المُختلَط، والذي وصل إلى درجة لم يشهدها يهود العالم من قبل. وقد بلغت معدلات الزواج المُختلَط ما يزيد على 50% في الولايات المتحدة والعالم الغربي على وجه العموم (بما في ذلك روسيا وأوكرانيا) . بل وتصل النسبة أحيانا في روسيا وأوكرانيا إلى 80%، خصوصاً في الأماكن التي تُوجَد فيها أقليات يهودية صغيرة بعيدة عن مراكز التجمعات اليهودية الكبرى. وفي كثير من الأحيان، يسقط الزوج اليهودي في الزيجة المُختلَطة هويته حتى لا يسبب الحرج لزوجته، ولا شك في أن هناك من يتهوَّد من أجل الزواج. ولكن عدد المتهوَّدين من أجل الزواج لا يعوض عدد المتنصِّرين للسبب نفسه.
4 ـ يُلاحَظ، بتأثير حركة التمركز حول الأنثى، أن الأنثى اليهودية التي كانت تُعدُّ العمود الفقري للهويات اليهودية في الماضي، بدأت هي الأخرى تندمج في المجتمع الذي تعيش في كنفه، وذلك بمعدلات عالية تقترب من معدلات الذكور، وهي تُقبل الآن على الزواج المُختلَط بعد أن كان ذلك مقصوراً تقريباً على الذكور وحدهم. ويُلاحَظ أن أبناء الزواج المُختلَط يكونون عادةً إما غير يهود أو غير مكترثين باليهودية.

ويمكننا الآن أن نتناول العوامل التي تؤدي إلى انخفاض نسبة المواليد بين أعضاء الجماعات اليهودية، مع ملاحظة أن بعض هذه الأسباب ليس مقصوراً على أعضاء الجماعات اليهودية، فهي ظاهرة عامة في المجتمعات الغربية التي يُقال لها «متقدمة» :
1 ـ تَفشِّي قيم المنفعة واللذة والفردية والأنانية في المجتمعات الغربية التي يُقال لها «متقدمة» ، وهي قيم تتناقض مع فكرة الأسرة والزواج وإنجاب الأطفال وتنشئتهم بكل ما يتضمن ذلك من قيد على الحرية وتخلٍّ عن المتعة الحسية المباشرة.
2 ـ الزواج المتأخر. وهي ظاهرة عامة في المجتمعات الغربية التي يُقال لها «متقدمة» تنجم عن تَصدُّع مؤسسة الأسرة وامتداد الوقت الذي تستغرقه العملية التعليمية وتَأخُّر الاستقلال الاقتصادي للأبناء.
3 ـ تزايد عدد الشواذ جنسياً في المجتمعات الغربية التي يُقال لها «متقدمة» (بنسبة تصل في بعض المدن في الغرب إلى 30%) ، وتُوجَد بينهم نسبة عالية من اليهود. ومعظم الشواذ ينتمون إلى المرحلة العمرية النشطة جنسياً، وهذا يعني أن عدداً كبيراً من الذكور والإناث ينسحبون من عملية الإنجاب.
4 ـ انسحاب كثير من النساء من عملية الإنجاب في المجتمعات الغربية التي يُقال لها «متقدمة» بتأثير حركة التمركز حول الأنثى التي تجعل أي نشاط أنثوي خاص (مثل الإنجاب) أمراً سلبياً أو معوقاً لنشاط المرأة في الحياة العامة. ومن المعروف أن معظم قيادات هذه الحركة من اليهوديات، وأن نسبة اليهوديات المنخرطات فيها يفوق المعدل القومي.
5 ـ تَفسُّخ الأسرة اليهودية وتزايد نسبة الطلاق، وهو ما يزيد من الإحجام عن الإنجاب.
6 ـ تركز اليهود في المدن. ومن المعروف أن المدن لم يمكنها عبر التاريخ أن تحتفظ بكثافتها السكانية من خلال التزايد الطبيعي.

وقد أدَّى كل هذا إلى تناقص نسبة المواليد بين أعضاء الجماعات اليهودية، وأصبحت واحدة من أقل النسب في العالم. ومن المعروف أن المطلوب هو أن تنجب الأنثى 2.1 طفل في المتوسط حتى يتسنى لأي جماعة إنسانية إعادة إنتاج نفسها بيولوجياً. والمرأة اليهودية في إسرائيل تقترب من هذا المعدل بالكاد، فهي تنجب 2.91 (وهو أقل معدل منذ تأسيس الدولة إذ وصل إلى مستواه الحالي عام 1991) . لكن المرأة اليهودية في الولايات المتحدة قد تكون أقل الإناث خصوبة في العالم، فالإناث في المرحلة العمرية 35 ـ 44 ينجبن 1.57، أما في المرحلة العمرية 25 ـ 34 فإن المتوسط هو 0.87أي أقل من طفل واحد.
كما أن مستوى العناية الصحية آخذ في التحسُّن الأمر الذي يؤدي إلى زيادة معدلات العمر وإلى زيادة نسبة كبار السن وهي شريحة غير خصبة من السكان. ويُلاحَظ أن 16% من أعضاء الجماعات اليهودية تتجاوز أعمارهم 65 عاماً، والنسبة السائدة في مجتمعاتهم هي 12%. ويصل عدد المسنين إلى 29% أحياناً. أما الأطفال حتى سن 14 عاماً، فلا يشكلون سوى 15%، وستصل النسبة في عام 2025 إلى 10% فقط. وفي عام 1989، كان يهودي واحد من بين كل ستة يهود فوق سن الخامسة والستين. وبعد عشرة أعوام، سيكون هناك 720 ألف يهودي تتجاوز أعمارهم الخامسة والسبعين. والواقع أن هذه السمات ليست مقصورة على الجماعات اليهودية وإنما هي سمة عامة تسم المجتمعات الغربية التي يُقال لها «متقدمة» والتي تتزايد فيها معدلات العلمنة. وعلى كلٍّ، فإن الأغلبية العظمى من يهود العالم متركزة في هذا العالم الغربي، كما أن نسبة الخصوبة بين يهود الشرق والبلاد العربية لا تختلف كثيراً عن الخصوبة في مجتمعاتهم. ومع هذا، فإن هذه الظواهر تأخذ شكلاً أكثر حدة بين أعضاء الجماعات اليهودية، ربما بسبب تزايد معدلات العلمنة بينهم عن معدلها في المجتمع وكذلك لارتفاع مستواهم المعيشي.

لكل هذا، يتنبأ الديموجرافيون بأن تعداد يهود العالم سينخفض إلى ثمانية ملايين نسمة عام 2000 في أحسن الأحوال، وإلى سبعة ملايين ونصف المليون في أسوئها، وقد يصل في عام 2025 إلى ما بين خمسة أو ستة ملايين.
ولا يمكن فصل إشكالية موت الشعب اليهودي عن التركيب السكاني لإسرائيل، فحسب آخر إحصاءات يبلغ عدد سكان إسرائيل 4.242.000 مليون (وهو رقم مُبالَغ فيه قليلاً) . كما أن هذا الرقم يضم عدد المرتدين (أي الإسرائيليين المقيمين بشكل دائم خارج إسرائيل) الذي يبلغ 600 ألف حسب التقديرات المحافظة (ومليون حسب العديد من التقديرات) . أما بالنسبة للفلسطينيين فعددهم هو 3.3 مليون، وهذا يضم 900.000 فلسطيني في فلسطين التي احتُلت قبل عام 1948 و2.400.000 مليون فلسطيني في الضفة والقطاع. وقد ذكرنا من قبل أن معدل خصوبة المرأة اليهودية في إسرائيل هو 2.9. أما معدل خصوبة المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية فهو 5.7، وهو في القطاع 7.9 (وتكاد تكون أعلى نسبة في العالم، وقد قال أحد المعلقين إن هذه النسبة هي أقرب إلى البيان السياسي) . وهذا يعني أن عدد الفلسطينيين سيتجاوز عدد الإسرائيليين من اليهود خلال بضعة أعوام. ولا يمكن تجاوز هذا الموقف الآن خلال هجرة يهودية مكثفة وهو أمر غير مُتوقَّع، فالهجرة السوفيتية الأخيرة قد أفرغت آخر مصدر من مصادر المادة البشرية اليهودية. ولا تزال الولايات المتحدة تشكل مركز الجذب الأكبر ليهود العالم وكذلك للإسرائيليين، ومن المتوقع أن تتزايد الهجرة المضادة من إسرائيل للولايات المتحدة.

أما بالنسبة لعلاقة يهود إسرائيل بيهود العالم، فمن المتوقع أن يرتفع عدد سكان إسرائيل من اليهود إلى أربعة ملايين ونصف المليون، أي أن 37% من يهود العالم سيكونون في الدولة الصهيونية عما قريب (كان يهود إسرائيل يشكلون 6% من يهود العالم عام 1948، و13% في عام 1955، و25% عام 1980، و27% عام 1984) . ويُقال إنه إذا استمر الوضع الديموجرافي الحالي (وهو أمر ليس من الصعب تَصوُّره) فإن تعداد اليهود في إسرائيل سيكون 6.5 مليون يهودي بينما سيكون عددهم في بقية أنحاء العالم 5.5 مليون مع منتصف القرن الحادي والعشرين، أي أن معظم يهود العالم سيكونون في إسرائيل، لا بسبب الهجرة وإنما بسبب تَقلُّص أعداد الجماعات اليهودية في الخارج.
ويتناقص تعداد اليهود لا قياساً إلى مجموع سكان دول العالم وإنما بفقدان وزنهم النسبي إلى التعداد العام في كل بلدة على حدة. ففي الفترة بين عامي 1930 و1980، ازداد مجموع سكان الولايات المتحدة بأكثر من ثلاثة أرباع في حين لم يزد عدد اليهود فيها أكثر من الثلث خلال الفترة الزمنية نفسها. وفي عام 1937، كان اليهود يشكلون 3.6% من مجموع السكان، أما في عام 1979 فقد انخفضت هذه النسبة إلى 2.7%. وإذا أضفنا إلى ذلك أن عدد الوفيات بين يهود أمريكا تزيد على عدد المواليد، وأنهم يحافظون على تحديد النسل ويكثرون من الزواج المُختلَط وتزداد بينهم معدلات الطلاق والانفصال، لاتضح لنا أن معدل التناقص سيأخذ في الارتفاع. والشيء نفسه ينطبق على يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) الذين كان تعدادهم في عام 1959 نحو مليونين و 268 ألفاً وبلغ عددهم عام 1989 مليوناً و400 ألف. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى إسرائيل والعالم الغربي ويتوقع هجرتهم أو تفتيتهم في محيطهم الحضاري. ولذا، يمكننا القول بأن يهود العالم ينقسمون إلى قسمين أساسيين:

1 ـ جماعة تتحدث العبرية في إسرائيل ليس لها سوى علاقة واهية بالعقيدة اليهودية أو التاريخ اليهودي (أي تواريخ الجماعات اليهودية) تعتمد في وجودها على حكومة الولايات المتحدة وتَوجُّهها الحضاري الاستهلاكي المتأمرك. ويمكن أن نستخدم هنا اصطلاح جورج فريدمان للإشارة إلى الإسرائيليين باعتبارهم «أغياراً يتحدثون العبرية» .
2 ـ جماعة يهودية في الولايات المتحدة تنقسم بدورها إلى قسمين:
أ) قلة صغيرة متمسكة بتعاليم الدين اليهودي وتحاول قدر استطاعاتها أن تنفذ تعاليمه وتفهم شعائره.
ب) أغلبية باهتة الهوية لا تمارس الشعائر الدينية وإنما تقيم بعضها باعتبارها شكلاً من أشكال الفلكلور والهوية الإثنية، وهي تحاول رغم تزايد معدلات أمركتها أن تحافظ على بقايا الموروث الثقافي اليهودي الذي يعود بجذوره إلى شرق أوربا.
وهذا يعني أن الدياسبورا ستصبح أساساً الدياسبورا الأمريكية أو الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، أي أن أعضاء الجماعات اليهودية سيصبحون جزءاً لا يتجزأ من الشعب الأمريكي بعد أن كانوا جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الاستيطاني الغربي. وإذا ما أخذنا في الاعتبار اعتماد إسرائيل شبه الكامل على الولايات المتحدة، فيمكننا القول بأن يهود العالم في القرن القادم سيعيشون داخل الولايات المتحدة أو سيدورون في فلكها الحضاري والاقتصادي والسياسي.

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟ -

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الباب الأول: الجماعات الوظيفية اليهودية
يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟
‏Jews or Jewish Functional Groups?
تميل معظم الدراسات التي تتناول أعضاء الجماعات اليهودية إلى النظر إليهم باعتبارهم كياناً واحداً متجانساً مستقلاً، له آلياته وحركياته وأنماط تطوره الخاصة به والمقصورة عليه، والتي يمكن فهمها من خلال إدراك ما يُسمَّى «الخصوصية اليهودية» ومن خلال دراسة ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . ولكننا نرى أن كثيراً من جوانب حياة أعضاء الجماعات اليهودية لا يمكن تفسيرها إلا من خلال دراسة سياقهم التاريخي والإنساني العام، ومقارنتهم بأعضاء الأقليات (الدينية والإثنية) الأخرى.
أي أنه لفهم أعضاء الجماعات اليهودية، لابد من العودة إلى أُطر ومرجعيات إنسانية عامة. ونحن نذهب إلى أن خصوصية الجماعات اليهودية هي، في واقع الأمر، خصوصيات مستمدة من المجتمعات التي تعيش أعضاء هذه الجماعات بينها، ومن ثم فهي لا تختلف عن الخصوصيات التي يتسم بها أعضاء الأقليات، كلٌّ حسب سياقه، وأنه لا توجد خصوصية يهودية (واحدة) أو جوهر يهودي أو عبقرية يهودية أو جريمة يهودية.
ولتوضيح هذا الجانب استخدمنا مجموعة من النماذج التفسيرية المتداخلة: الحلولية الكمونية ـ العلمانية (الشاملة) والإمبريالية ـ اليهودية والهوية اليهودية كتركيب أيديولوجي ـ الجماعات الوظيفية. وفي هذا المجلد من الموسوعة سنستخدم كل هذه النماذج مع التركيز على نموذج الجماعات الوظيفية.

الجماعات اليهودية والانتماء الطبقي
‏Jewish Communities and Class Affiliation
كلمة «طبقة» هي المقابل العربي لكلمة «كلاس class» الإنجليزية وهي من الكلمة اللاتينية «كلاسيس classis» التي كانت تُطلَق على كل قسم من سكان روما حسب ملكيتهم. وقد عُرِّفت الطبقة بأنها فئة في المجتمع تتميَّز عن الفئات الأخرى وفقاً للتشابه في عوامل مادية ومعنوية مثل مستوى الدخل ومصادره وطبيعة المهنة ونصيب أفراده في ثروة المجتمع والقوة والسلطة الاقتصادية والمهنية. وفي المصطلح الماركسي، تُعبِّر كلمة «طبقة» عن الأشكال الأساسية للعلاقات ذات الصلة بوسائل الإنتاج، فالطبقة الرأسمالية هي التي تتحكم في أدوات الإنتاج أما الطبقة العاملة فهي التي لا تملك شيئاً سوى قوة أذرعها.
ويُفرِّق ماكس فيبر بين الطبقة من حيث إنها تشير إلى الوضع الاقتصادي والطبقة الاجتماعية من حيث إنها تؤكد معاني النفوذ وأسلوب الحياة والتداخل الوثيق بين عناصرها، كما يميِّز أيضاً بين الطبقة والمكانة أو ما يُسمَّى «طبقة المكانة» ، أي الطبقة التي تتكون من أشخاص على مستوى متشابه من رموز الهيبة المشتقة من طريقة الحياة أو نموذج المهنة أو الأنشطة الاجتماعية أو السلالة أو الأسرة أو أية عوامل أخرى تُعتبر ذات أهمية خاصة في المجتمع.

وإذا ما حاولنا تحديد الطبقة أو الطبقات التي ينتمي إليها أعضاء الجماعات اليهودية عادةً، فسنجد أن هذا أمر مستحيل بطبيعة الحال، لأنهم ينتمون إلى مجتمعات مختلفة تمر بمراحل تطور مختلفة، مما يعني قدراً عالياً من عدم التجانس. وقد يمكن التوصل إلى تعميمات ما، ولكنها ستكون ذات طابع مجرد للغاية بحيث تصبح بلا قيمة تفسيرية. ولعل التعميم الوحيد الممكن هو أن أعضاء الجماعات اليهودية خاضعون للحركيات المختلفة للمجتمعات التي ينتمون إليها. ولذا، فإن العبرانيين القدامى كانوا، حتى عصر القضاة، رعاةً رحلاً. وبعد الاستقرار في عصر الملكية، انقسم المجتمع العبراني إلى طبقة حاكمة تضم الملك وكبار الملاك والنخبة العسكرية، وطبقات أخرى مثل الحرفيين والأرقاء. وبعد سقوط الدولة، كان منهم الفلاحون والحرفيون والجنود المرتزقة وكبار ملاك الأراضي والكهنة. وفي الصين، انضمت قيادتهم بأعداد متزايدة لطبقة الماندرين (نخبة المثقفين والعلماء التي حكمت الصين) . وفي إنجلترا، في بداية القرن العشرين، كان منهم كبار الرأسماليين والبروليتاريا في آن واحد.

وأعضاء الجماعات اليهودية جزء لا يتجزأ من مجتمعاتهم، فالجماعات اليهودية تعرف الصراع الطبقي فيما بين أعضائها والذي قد يصل إلى حد التطاحن والقتال كما حدث في فلسطين إبان التمردات المختلفة ضد الحشمونيين والرومان، إذ أن أثرياء اليهود كانوا جزءاً من المؤسسة اليونانية (السلوقية) أو الرومانية، ولهذا كانت الثورات تندلع ضدهم. كما أن مختلف مؤسسات الإدارة الذاتية، مثل القهال، كان يدور داخلها الصراع الطبقي وبحدة. وفي منطقة الاستيطان، كان العمال من أعضاء الجماعات اليهودية ينظمون إضرابات ضد الرأسماليين اليهود الذين كانوا يستغلونهم. كما أن الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم كانوا يرفضون استئجار العمال اليهود حتى لا يخضعوا للضغوط الاجتماعية. وفي الولايات المتحدة قام الرأسماليون اليهود من أصول ألمانية باستغلال المهاجرين من يهود اليديشية.

ولكن من الممكن الوصول إلى تعميمات ذات مقدرة تفسيرية معقولة لو تخلينا عن الرؤية البانورامية العالمية الواسعة ومفهوم الطبقة وخفضنا مستوى التعميم واقتصرنا على الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية. ويُلاحَظ أن انتماءات اليهود الطبقية داخل هذه الحضارة مُركَّبة إلى أقصى حد، ومع هذا يمكن القول بأن أحد أهم الأنماط المتكررة هو نمط الجماعة الوظيفية المالية والحرَفيِّة. والجماعة الوظيفية ليست لها علاقة مباشرة بالبناء الطبقي والاجتماعي للمجتمع، إذ تقف على هامشه وتتحدد علاقتها بالدور الذي تلعبه والوظيفة التي تضطلع بها. واليهود، كجماعة وظيفية (أقنان بلاط ـ يهود بلاط ـ يهود أرندا) ، كانوا هم أنفسهم أداة إنتاج في يد الحاكم، وكانت المواثيق التي يمنحها لهم تنص على أنهم ملكية خاصة له. وبهذا، لم يدخل أعضاء الجماعة اليهودية في علاقات إنتاج وإنما كانوا أداة تتحدد من خلالها علاقات الإنتاج؛ أداة لجمع الضرائب ولزيادة الفوائد على الربا. وقد كان وجود أعضاء الجماعة اليهودية داخل الجيتو، بمعزل عن بقية طبقات المجتمع، تعبيراً عن هذا الوضع الذي يتحدَّد من خلال الوظيفة خارج السلم الطبقي. وكان المجتمع ككل ينظر إلى أعضاء الجماعة اليهودية لا باعتبارهم أثرياء أو فقراء أو فلاحين أو نبلاء وإنما باعتبارهم مادة بشرية تضطلع بوظيفة التجارة والربا وغير ذلك من الوظائف المتميِّزة أو المشينة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية، بسبب طبيعة وضعهم، يضطرون إلى التلاحم فيما بينهم، الأمر الذي كان يقلل من حدة الصراع الطبقي بين أعضاء الجماعة.

ومع ظهور الدولة الحديثة، اختفى هذا الوضع إلى حدٍّ كبير، وتم استيعاب أعضاء الجماعة داخل البناء الطبقي والاجتماعي للمجتمعات الغربية، ولم يبق سوى صدى خافت لوضعهم السابق كأعضاء في جماعة وظيفية، ويتجلى ذلك في تَركُّزهم في صناعات ومهن بعينها دون غيرها، وفي كثير من القطاعات التي تُعدُّ هامشية مثل الإعلام والإعلان والسينما، وفي غيابهم عن قطاعات أولية مثل التعدين والزراعة.
ويمكن القول بأن عدم انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى طبقة محددة، وتَحوُّلهم إلى جماعة وظيفية، هو الذي يُفسِّر سبب عدم مساهمتهم في بناء الرأسمالية الغربية الرشيدة وسبب عدم ظهورهم حركة استعمارية يهودية مستقلة، ويُفسِّر أيضاً لماذا تعيَّن على الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني أن يكون استعماراً عميلاً، امتداداً للجماعة الوظيفية العميلة.
أسباب تحوُّل بعض الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية
‏Reasons for the Transformation of Some Jewish Communities into Functional Groups

يمكن تفسير ظاهرة تَحوَّل كثير من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية بمركب من الأسباب، تاريخي واجتماعي وديني. ويمكننا أن نبدأ بالعودة إلى الدولة العبرانية القديمة، وهي دولة لم تكن تتمتع بمستوى تكنولوجي أو حضاري متقدم، ولهذا كانت غير قادرة على تشغيل كل سكانها. كما أنها كانت دولة ضعيفة غير قادرة على حمايتهم الأمر الذي أسفر عن أسر عشرات وربما مئات الألوف منهم، حيث هُجِّروا إلى بابل وآشور فتحولوا إلى جماعات بشرية غريبة يمكن تجنيدها كمرتزقة أو مستوطنين، كما أنهم تخصصوا هناك في وظائف بعينها دون غيرها. ومما عمَّق هذا الاتجاه، وجود كثير من الجماعات اليهودية في الشرق الأوسط وفي حوض البحر المتوسط، وهي منطقة سيطرت عليها عديد من الإمبراطوريات، الواحدة تلو الأخرى، وكانت القوى الإمبراطورية الصاعدة تتحالف مع أعضاء الجماعات اليهودية نظراً لعدم خشيتها منهم وتجندهم في صفوفها كمرتزقة أو مستوطنين أو حتى جواسيس. وكانت فكرة الوطن الأصلي، مركز اهتمامهم الديني، تساعد على إضعاف علاقتهم بوطنهم الجديد، وعلى عزلتهم عن مجتمعاتهم، وعلى انغلاقهم على أنفسهم. وكان من الممكن أن تختفي هذه الجماعات تماماً بسقوط الهيكل، ولكن الذي حدث أن فكرة الوطن الأصلي (الحنين إلى صهيون) حلت محل الوطن الأصلي ذاته، وهو ما أعطى أعضاء الجماعات اليهودية تَماسُكاً إثنياً - ولكنه تَماسُك وهمي لأنه لم يَعُد هناك مركز قومي فعلي يحدد المعايير الدينية أو القومية. وبينما كانت الهويات اليهودية تتشكل في الواقع من خلال تشكيلات حضارية مختلفة، كان أعضاء الجماعات اليهودية يدورون في إطار فكرة الهوية اليهودية الإثنية الدينية الواحدة. وهذه التركيبة مناسبة إلى أقصى درجة للجماعات الوظيفية، ففكرة الوطن تضمن تماسكهم وعزلتهم وتَجرُّدهم اللازم للاضطلاع بوظائفهم المختلفة، بينما يساعد تكيفهم الفعلي على زيادة كفاءتهم وعلى أن يصبحوا في المجتمع دون أن

يكونوا منه. وقد دعَّم تدوين التلمود هذه الازدواجية: الاستقلالية الإثنية النفسية من ناحية، والتكيف والاندماج الفعلي من ناحية أخرى. فالتلمود يضم التفاصيل الخاصة بشعائر الصلوات في الهيكل وكل التفاصيل الخاصة برداء الكاهن الأعظم والشعائر الخاصة بسنة اليوبيل والسنة السبتية، كما يضم أدق التفاصيل الخاصة بما سيحدث بعد عودة الماشيَّح إلى صهيون وكل الشعائر الخاصة بحياة اليهودي خارج مجتمع الأغيار، أي أن التلمود كرس عزلة أعضاء الجماعة وقننها وزود فكرة الهوية اليهودية بإطار واضح وتَحوَّل هو ذاته إلى «وطن اليهود [الوهمي] المتنقل» الذي يشكل نقطة مرجعية نفسية دون أن يكون مأوى حقيقياً لهم.

ولكن أهم العوامل التي أدَّت إلى تَحوُّل كثير من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، هو طبيعة المجتمع الإقطاعي في الغرب. وقد أشرنا إلى أن ظهور مثل هذه الجماعات يعود عادةً إلى وجود ثغرة في المجتمع بين رغباته وحاجاته من جهة، ومقدرته على الوفاء بها من جهة أخرى. وقد كانت مثل هذه الثغرة قائمة في المجتمع الإقطاعي الغربي، حيث كان يُوجَد نبلاء وفرسان من ناحية وفلاحون من ناحية أخرى. وكان النشاطان الأساسيان هما القتال والزراعة، أما القتال فكان مغلقاً تماماً بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية لأنها وظيفة كانت مرتبطة تمام الارتباط بطبيعة المجتمع الاقطاعي الغربي المسيحية. ورغم أن الزراعة كانت بديلاً مفتوحاً أماما أعضاء الجماعات اليهودية إلا أنه تم استبعادهم منها تدريجياً لأسباب سنبينها في مدخل آخر (انظر: «علاقة الجماعات اليهودية بالزراعة» ) . أما بخصوص النشاطات التجارية والمالية وبعض الحرف فكانت نشاطات هامشية وأحياناً وضيعة تحتاج لعنصر محايد غريب للاضطلاع بها. وقد قامت كلٌ من المدن المختلفة وأعضاء الجماعات اليهودية بسد هذه الثغرة. لكن بينما كان اندماج المدن في الاقتصاد القومي يتزايد على مرّ الأيام، حتى أصبحت جزءاً عضوياً منه وقامت بتغييره وقيادته في نهاية الأمر، كانت غربة أعضاء الجماعات اليهودية وعزلتهم وانفصالهم تتزايد، وكان وضعهم كجماعة وظيفية غير ملتحمة بالاقتصاد الوطني يتعمق. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون، في كثير من الأحيان، الأقلية الوحيدة. وقد ساهمت عمليات الطرد المختلفة (التي استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر ووصلت إلى ذروتها مع وعد بلفور) في تدعيم هوياتهم كجماعات وظيفية لا تضرب بجذورها في أية رقعة جغرافية. ثم ظهرت الإمبريالية الغربية والاستعمار الاستيطاني، وكان أعضاء الجماعات اليهودية من أهم العناصر المهاجرة، فانتقلت كتلتهم البشرية من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة وبعض

الدول الاستيطانية الأخرى. وعادةً ما تتحول جماعات المهاجرين إلى جماعات وظيفية.
علاقة الجماعات اليهودية بالزراعة
‏Relationship between Jewish Communities and Agriculture
من أهم أسباب تَحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية علاقتهم بالزراعة وملكية الأرض الزراعية، ومن ثم فإن العرض التاريخي لتطور هذه العلاقة يلقي الضوء على آليات تكون الجماعة الوظيفية. كان العبرانيون، في الأساس، شعباً من البدو الرعاة. ولكن، بعد استقرارهم في كنعان، تحوَّلت أعداد منهم من الرعي إلى العمل بالزراعة. ويبدو أن عبارة «أرض اللبن والعسل» هي إشارة إلى اختلاط وظائفهم: فاللبن هو إشارة إلى مهنة الرعي. أما العسل، الذي يتطلب إنتاجه الاستقرار ومعرفة عالم الحيوان والنبات، فهو يرمز إلى الزراعة. وقد جاء في كلٍّ من التوراة والتلمود تعليمات كثيرة بشأن زراعة الأرض وتقديم القرابين في مواسم الحصاد.

وكانت الزراعة، في بادئ الأمر، بدائية تعتمد على مياه الأمطار والينابيع. ولكن العبرانيين أخذوا يتعلمون مهنة الزراعة بالتدريج من الكنعانيين. ولعل هذا هو الذي أدَّى إلى الابتعاد عن يهوه (إله الصحراء والرعي) والاقتراب من بعل (إله الزراعة والخصب) ، بحيث أصبحت عقيدتهم خليطاً من التوحيد اليهودي والتعددية البعلية. وكانت ملكية الأرض محدودة، ولم تظهر إقطاعيات زراعية ضخمة في بادئ الأمر. ولهذا، نجد أن الملاك الزراعيين كانوا يعملون هم أنفسهم بالزراعة لصغر ملكياتهم. ثم ظهرت بالتدريج طبقة صغيرة من كبار (الملاك) الزراعيين، وطبقة كبيرة من الفلاحين المعدمين. وبدلاً من الزراعة العائلية، ظهرت الضياع الكبيرة التي يعمل فيها هؤلاء المعدمون. ولعل ظهور مؤسسة الملْكية كان تعبيراً عن هذا الوضع وتكريساً له، فهي مؤسسة كان لها بيروقراطيتها الكهنوتية والعسكرية والمهنية، وكان القائمون عليها يستولون على ريع الأراضي وعلى المحاصيل فيزدادون ثراء وتتركز المِلْكية الزراعية في أيديهم، وقد انتهت هذه المرحلة بهدم الهيكل على يد نبوختنصر.
وعند عودة المُهجَّرين من بابل، وجدوا أن الأرض الزراعية قد أقفرت. ومن ثم أصبح النمط السائد هو الزراعة العائلية، ولكن بدأت تظهر مرة أخرى طبقتان: أقلية من كبار ملاك الأراضي، وأغلبية ساحقة من الفلاحين المعدمين. إلا أنه يُلاحَظ هذه المرة بداية التشققات الحضارية التي ساهمت في القضاء على الوجود العبراني في فلسطين، إذ أن كبار ملاك الأراضي كانوا يتبنون ثقافة الإمبراطورية الحاكمة فتأغرقوا في العصر الهيليني وتحولوا إلى جماعة وظيفية تجمع الضرائب من الفلاحين لصالح الدولة الحاكمة وتشتغل بالتجارة المحلية والدولية ليصبحوا مُستوعَبين تماماً في البنية الإدارية والثقافية للإمبراطورية، بينما ظل الريف زراعياً سامياً آرامياً.

وهذا يعني، في الواقع، أن غالبية اليهود في فلسطين كانوا يعملون بالزراعة، وذلك على عكس يهود الإسكندرية وبرقة، الذين كانوا جماعات وظيفية استيطانية أو قتالية أو مالية. وقد أدَّى الاستقطاب الطبقي والثقافي في فلسطين إلى التمرد الحشموني ثم التمردين الأول والثاني ضد الرومان. وقد أُخمدت كل هذه التمردات مما عجَّل بانتشار اليهود على هيئة جماعات وظيفية.
وفي العصور الوسطى في الغرب، على عكس ما هو شائع، كان من حق اليهود في كثير من بقاع أوربا امتلاك الأراضي الزراعية. ولكن بدءاً من القرن الثالي عشر الميلادي، ضاقت الرقعة الزراعية في أوربا وظهرت قوانين تمنع اليهود (والأديرة والكنائس) من ملكية الأرض. وربما شكَّل اليهود بالذات خطراً على الرقعة الزراعية لأنهم عنصر تجاري متحرك، ولذا ظهر الخوف من أن يحوز اليهودي أرضاً زراعية وهو غريب متنقل، فتنتقل ملكيتها إلى غرباء ويصب ريعها خارج الإمارة التي توجد فيها الأرض.
وكان محرماً على أعضاء الجماعات اليهودية استئجار أرقاء مسيحيين لزراعة الأرض. وفي الوقت نفسه، حرَّمت عليهم الشريعة اليهودية استئجار أرقاء يهود، الأمر الذي جعل الملكية الزراعية شيئاً غير مثمر بالنسبة لليهودي. كما أن تحريم العمل على اليهودي في يوم السبت وتحريمه على المسيحيين يوم الأحد، جعل من المستحيل التعاون بينهما لأن هذا يعني إجازة أسبوعية مدتها يومان، مما جعل النشاط الزراعي غيرمربح، بل مستحيلاً، في بعض الأحيان. ويبدو أن الطبيعة الطائفية للجماعة اليهودية، وضرورة القيام بالشعائر الدينية، جعلت من الأفضل لليهود الإبقاء على الصلات الدائمة فيما بينهم للقيام بالشعائر التي لا يسهل القيام بها في ظروف الوحدات الريفية المتباعدة. وقد أوجد هذا البنيان المتميز اتجاهاً بين القادمين الجدد للبقاء في التجمعات التي أقامها أبناء ملتهم.

كل هذه الأوضاع اضطرت أعضاء الجماعات اليهودية لبيع أراضيهم الزراعية، وصدرت التشريعات التي تحرِّم عليهم امتلاكها فزاد تركزهم في التجارة وتبلور وضعهم كجماعة وظيفية تجارية أو مالية.
ومع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، أصبح ذلك هو الوضع القانوني والاقتصادي لمعظم الجماعات اليهودية في أوربا الإقطاعية. لكن هذا لم يكن يعني عدم وجود فلاحين يهود يعملون بالزراعة، فقد كان يوجد، في البلقان وبلاد الخزر والصين وبولندا وإسبانيا المسيحية، يهود يعملون بهذه المهنة.
أما العالم الإسلامي، فلم يحدث فيه، في تلك الفترة، تَمايُز وظيفي أو اقتصادي كبير لأعضاء الجماعة اليهودية عن بقية السكان، وإن كان يُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية فيه لم يعملوا بأعداد كبيرة في الزراعة. والجدير بالملاحظة أن كثيراً من التجار والمموِّلين اليهود كانت لهم علاقة بالقطاع الزراعي، لا كمزارعين وإنما كتجار وجامعي ضرائب. فنظام الأرندا هو في جوهره نظام لتأجير الأراضي الزراعية. كما أن ارتباط اليهود ببيع الخمور هو نتيجة علاقتهم بالقطاع الزراعي. فضلاً عن أن كثيراً من التجار اليهود كانوا يتاجرون في المحاصيل الزراعية.
وثمة نظرية تذهب إلى أن بقاء اليهود واستمرارهم هو نتيجة عدم اشتغالهم بالزراعة. فحينما يبتعد أعضاء الجماعات اليهودية عن الزراعة فإنهم يتحولون عادةً إلى جماعة وظيفية يتم عزلها ثقافيا وفعلياً عن المجتمع، ومن ثم تتطور لها هوية مستقلة الأمر الذي يضمن استمرارها. هذا على عكس وضع أعضاء الجماعات اليهودية حينما يعملون بالزراعة، فهم يختلطون بالسكان ويكتسبون ملامحهم وخطابهم الحضاري ويذوبون فيهم، ومن ثم فإن الفارق بين القبائل العبرانية التي هُجِّرت إلى أشور وانصهرت واختفت وتلك التي هُجِّرت إلى بابل وبقيت هو أن الأولى عملت بالزراعة فذابت واختفت أما الثانية فقد اشتغل بعض أعضائها بالتجارة فتم عزلهم وتَحقَّق استمرارهم.

ولم تنقطع صلة المموِّلين اليهود بالقطاع الزراعي في العصر الحديث، فكثير منهم استثمروا أموالهم باعتبارهم جزءاً من الرأسمالية الغربية الناشئة. وكان كثير من أصحاب الضياع الكبيرة في جزر الهند الغربية من اليهود، وهي ضياع كانت جزءاً من الاقتصاد الرأسمالي الاستعماري والاستيطاني، تخصصت في زراعة السكر وتصديره، ومن ثم كانت جزءاً من المثلث اللعين الذي تُشكِّل تجارة الرقيق أحد أهم أضلاعه. وكان هناك عدد من المموِّلين اليهود (في ألمانيا وروسيا) تركزوا في صناعة الأخشاب والصناعات المرتبطة بالقطاع الزراعي.
ويُلاحَظ أن هذه النشاطات هي نشاطات تجارية في القطاع الزراعي، ومن ثم فهي تعني أن أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا لا يعملون بالزراعة. وقد ظهر منذ عصر الاستنارة في الغرب نقد للشخصية اليهودية باعتبارها شخصية طفيلية هامشية تعيش على رزق الآخرين وكدهم ولا تبذل جهداً ولا تنتج شيئاً. وكان عدم اشتغال اليهود بالزراعة يُعَدُّ شاهداً على ذلك. ومن ثم، حاولت الدولة الحديثة التي اضطلعت بمعظم مهام الجماعات الوظيفية تشجيع أعضاء الجماعات اليهودية على الاشتغال بالزراعة والابتعاد عن التجارة والربا. وكان يُنظَر إلى هذه العملية باعتبارها عملية تطبيع لليهود (أي تحويلهم من أعضاء في جماعات وظيفية يرتبط نشاطها الاقتصادي بإثنيتها وعزلتها إلى شخصيات طبيعية سوية حديثة يمكن دمجها في المجتمع) . كما كانت هذه العملية تُسمَّى تحويل اليهود إلى قطاع منتج، ولذا صدرت تشريعات عديدة في فرنسا بعد الثورة لتحقيق هذا الهدف ولفتح المجال الزراعي أمامهم.

وقد كان شرق أوربا هو المسرح الأساسي لهذه العملية التاريخية. فالتحديث الفجائي وظهور الدولة المركزية التي اضطلعت بكثير من أعمال الجماعات الوظيفية، ثم الانفجار السكاني بين يهود اليديشية، خلقا معاً فائضاً بشرياً يهودياً، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» . وقد طُرح العمل بالزراعة باعتباره أحد الحلول، وخصوصاً أن روسيا كانت تضم أراضي زراعية كثيرة خالية من السكان يمكن توطين أعضاء الجماعات اليهودية فيها. كما ساهمت عقيدة النارودنيك (الشعبويين) في إضفاء غلالة من الرومانتيكية على مهنة الزراعة التي كانوا يعدونها أشرف المهن انطلاقاً من أن روح روسيا توجد بين الفلاحين لا بين سكان المدن. وقد أدَّى تَعثُّر التحديث في روسيا إلى فشل كثير من هذه المحاولات، خصوصاً أن جهاز الدولة القيصرية لم يكن كفئاً ولا أهلاً للاضطلاع بالمسئولية.
وبعد الثورة البلشفية، قامت عدة محاولات لتحويل اليهود إلى القطاع الزراعي في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، ولكن أهم المحاولات كانت تجربة بيروبيجان.

ويتمثل أحد أهداف الحركة الصهيونية في تشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة لتطبيعهم. ولكن الزراعة الصهيونية كانت ذات طابع شبه عسكري لأنها تُوطِّن اليهود على أرض يشغلها شعب آخر، فالزراعة (هنا) هي إحدى آليات الاستيطان الإحلالي والتي تتجسد في بناء المزارع الجماعية والكيبوتسات التعاونية والموشافات، وفي طريقة تحديد مواقعها، أي أن الزراعة في الإطار الصهيوني لم تَعُد الآلية المُستخدَمة في تحويل أعضاء الجماعات اليهودية من جماعات وظيفية إلى أعضاء في مجتمع، وإنما هي آلية تحويلهم من جماعة وظيفية مالية إلى جماعة وظيفية استيطانية قتالية. ورغم كل الادعاءات الصهيونية بشأن نجاح الصهاينة في تطبيع اليهود، فإن نسبة عدد اليهود العاملين بالزراعة في الوقت الحالي لا تختلف كثيراً عن عدد من كان يعمل منهم بالزراعة في روسيا في عام 1882، أي قبل الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وهو عدد، على أية حال، آخذ في التناقص، مع تغلغل العمالة العربية في القطاع الزراعي من الاقتصاد الإسرائيلي. ومع هذا، كان عدد اليهود الذين يعملون بالزراعة في العالم عام 1935، حسب تقديرات روبين، حوالي 600.000، أي 3.6% من مجموع يهود العالم البالغ عددهم نحو ستة عشر مليوناً، أكثر من نصفهم من يهود روسيا وبولندا (250 ألفاً في روسيا و100 ألف في بولندا) . كما ظهرت تجربة استيطانية زراعية يهودية في الأرجنتين برعاية البارون هيرش، وقد نتج عن ذلك وجود أعلى نسبة من اليهود العاملين في الزراعة في الأرجنتين عام 1935 (4.3% من يهود بولندا، و4.2% من يهود روسيا، و2.2% من يهود الولايات المتحدة، بالمقارنة مع 5.8% من يهود الأرجنتين) . ولكن، مع حلول عام 1960، هبطت نسبة العاملين بالزراعة بين أعضاء الجماعات اليهودية إلى 2%، وهذا العدد يضم العاملين في القطاع الإداري في الريف.
الجماعات الوظيفية اليهودية في العالم الغربي
‏Jewish Functional Groups in the Western World

عرفت جميع المجتمعات البشرية تقريباً ظاهرة الجماعات الوظيفية (فهي تعبير عن شيء أساسي في النفس البشرية) ، ومع هذا نميل إلى القول بأنها ظاهرة أخذت شكلاً أكثر حدة في الحضارة الغربية منها في الحضارة الإسلامية. وإذا نظرنا إلى وضع الجماعات اليهودية في الحضارة الإسلامية، بالمقارنة بالحضارة المسيحية الغربية، فإننا نجد أن عملية الحوسلة بالنسبة لهم لم تتم على نفس المستوى ولا بنفس الحدة، وأن تركيبتهم الطبقية والمهنية لم تكن تختلف كثيراً عن تركيبة بقية أعضاء المجتمع. كما يمكن أن نضرب مثلاً بأقباط مصر، فرغم أنهم يشكلون الأقلية العددية الهامة الوحيدة في المجتمع المصري (فالنوبيون وسكان الصحراء لا يشكلون قوى اجتماعية أو بشرية مهمة) إلا أننا نجد أن خطابهم الحضاري لا يختلف عن الخطاب الحضاري للمسلمين، كما أنهم لا يختلفون عنهم لا في الزي ولا في اللغة ولا في العادات أو التقاليد ولا في الانتماءات الطبقية أو في التَوزُّع الوظيفي أو السكاني. ومما لا شك فيه أن بعض قطاعات من أقباط مصر تمت حوسلتها في وظائف بعينها (مثل الربا في بعض قرى مصر، أو جمع القمامة لارتباط ذلك بتربية الخنازير) ، إلا أن الحوسلة لم تكن كاملة أو جوهرية بل ظلت هامشية، وظل أقباط مصر جزءاً لا يتجزأ من مجتمعهم لا يمكن التعرف عليهم إلا من خلال أسمائهم المتميِّزة في بعض الأحيان.

وقد قام المجتمع الغربي بحوسلة اليهود داخله تماماً على هيئة جماعة وظيفية مالية حتى ارتبط اسم اليهود بدور المرابي والتاجر الطفيلي والذي اضطلع به اليهود وحدهم تقريباً. وقد أصبحت كلمة «تاجر» أو كلمة «مرابي» مرادفة لكلمة «يهودي» ، وأصبح يُطلَق على هذه الوظائف اسم «الوظائف اليهودية» حتى أن الصينيون حينما يضطلعون بدور التاجر والمرابي في جنوب شرق آسيا يُطلَق عليهم «يهود جنوب شرق آسيا» ، وحينما يضطلع الهنود بنفس الدور في أفريقيا (ومن بينهم مسلمون) يُسمون «يهود أفريقيا» ، فكأن هناك مفهوماً كامناً لفكرة «اليهودي الوظيفي» أي الإنسان الوظيفي الذي يضطلع بالوظائف التي يُقال لها يهودية، وكل من يضطلع بها يصبح يهودياً (بالمعنى الوظيفي) .
ومع هذا، ينبغي الإشارة إلى أن هناك جماعات من اليونانيين والأرمن كانت تقوم بهذه الوظائف في بعض الدول الغربية (في بولندا وفي بعض دول أوربا الشرقية الأخرى) . كما أنهم لعبوا نفس الدور في الدولة العثمانية. ولذا، كانت تُطلَق كلمة «يوناني» أو «أرمني» على كل من يعمل في هذه الوظائف، سواء كان يونانياً أو أرمنياً أو لم يكن.
ويبدو أن نموذج اليهود كجماعة وظيفية مُتجذِّر تماماً في الوجدان الغربي، ولذا حينما طُرحت المسألة اليهودية في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر كان الحل هو تأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية، وهو إعادة إنتاج الجماعات اليهودية على هيئة دولة وظيفية بدلاً من جماعات وظيفية، كما أن النظام العالمي الجديد، وهو ثمرة من ثمرات الحضارة الغربية، يميل إلى تحويل كل البشر إلى عناصر وظيفية.
علاقة الجماعات اليهودية بالصناعة
‏Relationship between Jewish Communities and Industry

يستطيع القارئ أن يرجع للباب المعنون «التحديث والمسألة اليهودية» (المجلد الثالث) ، وذلك للإحاطة بجذور علاقة أعضاء الجماعات اليهودية (كجماعات وظيفية) بالصناعة في الحضارة الغربية. وتتناول المداخل الخاصة بالتراث اليهودي (الموروث الاقتصادي) في الباب المعنون «ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية» (المجلد الثالث) والمداخل الخاصة بتاريخ الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة (المجلد الرابع) تَطوُّر علاقة أعضاء الجماعة اليهودية بالصناعة وأثر الميراث الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية على وضعهم الاقتصادي والمهني في الوقت الحالي.
الرأسمالية والاشتراكية والجماعات اليهودية
‏Capitalism, Socialism, and Jewish Communities
يستطيع القارئ أن يعود للباب المعنون «الرأسمالية والجماعات اليهودية» و «الاشتراكية والجماعات اليهودية» (المجلد الثالث) ليدرس كيف أثَّر تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية على علاقتهم بالرأسمالية وتَطوُّرها والاشتراكية وتَطوُّرها وفي موقف المفكرين الرأسماليين والاشتراكيين منهم.
تحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية: تاريخ
‏Transformation of Jewish Communities into Functional Groups: History

يبدو أن العبرانيين، منذ بداية ظهورهم في التاريخ، كانوا يشكلون جماعة وظيفية. فقد كانوا بدواً رُحَّلاً تجندهم المجتمعات المختلفة للاضطلاع ببعض الوظائف التي يأنف أعضاء الأغلبية عن القيام بها. وكلمة «خابيرو» ، التي يُقال إنها أصل كلمة «عبري» ، تعني العبد الذي أصبح كذلك بمحض اختياره (أي مرتزق) . ثم أخذ العبرانيون يستقرون تدريجياً منذ عصر القضاة وحتى عصر المملكة العبرانية المتحدة، حيث أصبحوا شعباً رعوياً تشتغل بعض قطاعاته في الزراعة والحرف البدائية، ولم يعملوا بالتجارة على نطاق واسع. وفي هذه الفترة بدأ يعمل بعض العبرانيين جنوداً مرتزقة. وقد استمر العبرانيون في العمل بالزراعة بعد التهجير البابلي، وإن بدأت تظهر بينهم قطاعات من الأثرياء الذين بدأوا يعملون في التجارة وأعمال الصيرفة، كما تزايد عدد اليهود المرتزقة وبدأت بعض الجماعات اليهودية تتحول إلى جماعات وظيفية استيطانية وقتالية وتجارية. ومع ظهور التجمعات اليهودية المختلفة خارج فلسطين، بدأ أعضاء الجماعات اليهودية يبتعدون عن الزراعة ويعملون في التجارة والحرف المختلفة. ويمكن القول بأن أول دياسبورا يهودية حقيقية هي الجماعة العبرانية الاستيطانية القتالية التي وطَّنها فراعنة مصر في جزيرة إلفنتاين، لحماية حدود مصر الجنوبية، وهو تقليد استمر بعد ذلك في مصر البطلمية وفي سوريا السلوقية.

ويُلاحَظ أن الجماعات اليهودية بدأت تتحول بالتدريج إلى جماعات وظيفية. ولكن، مع حلول العصور الوسطى في العالم الغربي، ابتداءً من القرن التاسع الميلادي على وجه الخصوص، تسارعت هذه العملية وتبلورت حيث ملأ اليهود الفراغات بين طبقة النبلاء وطبقة الفلاحين وأصبحوا أقنان بلاط، أي جماعة وظيفية مالية تابعة للبلاط الملكي تضطلع بدور التجارة والربا وجمع الضرائب، وكلها مسميات مختلفة للجماعة الوظيفية التي تُستخدَم كأداة نافعة. ونظراً لوجود جماعات يهودية في العالمين الإسلامي والمسيحي، فقد استفاد أعضاؤها من شبكة الاتصالات الدولية وأصبحوا يشكلون ما يشبه الجماعة الوظيفية المالية على المستوى الدولي، واشتغلوا بالتجارة الدولية (مثل تجارة الفراء والمنسوجات والتوابل والرقيق) وأعمال الصيرفة. وبدأ تَركُّزهم في الحرف التي تتطلب مهارة فنية فائقة مثل صناعة الزجاج والصباغة أو ترتبط بسلع معينة مثل الذهب ودبغ الجلود والخمور (وهي عادةً سلع نادرة أو نفيسة أو غير عادية وذات طابع استهلاكي) أو بالحرَف التي يمكن لصاحبها أن يحمل أدواته ورأسماله معه (السجاد - الجواهر - أدوات إنتاج خاصة) .

ويُلاحَظ أن ظاهرة تَحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية لم تكن مقصورة على العالم الغربي وإنما امتدت لتشمل العالم الإسلامي، ولكن لم يكن اليهود هم الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة فيه. كما كان ثمة تَنوُّع في حرف ووظائف أعضاء الجماعات اليهودية ونشاطهم الاقتصادي في العالم الإسلامي، حتى أن هرمهم الاقتصادي والحرَفي كان لا يختلف أحياناً عن الهرم الاقتصادي والحرَفي في المجتمع ككل. ومن جهة أخرى، كان لأوضاع أعضاء الجماعات اليهودية، في الصين والهند وإثيوبيا، خصوصيتها المختلفة النابعة من الخصوصيات والحركيات المختلفة للمجتمعات التي يوجدون فيها. ولذا، فنحن لا نقترح نمطاً يهودياً عاماً وعالمياً، وإنما نقترح نمطاً خاصاً مقصوراً على أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية.

لقد بدأ انسحاب أعضاء الجماعات اليهودية التدريجي من التجارة (الدولية والمحلية) في الغرب، حتى تخصصوا في الإقراض الربوي في الفترة بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر الميلاديين. وبدأوا يعملون أيضاً ملتزمي ضرائب في أوربا الشرقية، حتى أصبحت هذه هي إحدى الوظائف الأساسية ليهود بولندا وليتوانيا، خصوصاً في أوكرانيا في القرن السادس عشر الميلادي (يهود الأرندا) ، إذ قاموا بتمثيل النبلاء في إقطاعياتهم داخل إطار نظام الأرندا والإقطاع الاستيطاني. ولكن هذا النظام نفسه فتح لهم مجالات جديدة في الاستثمار والعمل، فظهرت طائفة من الحرَفييِّن اليهود يعملون في قطع الأخشاب وتقطير الخمور والصباغة ودبغ الجلود. وبرز في وسط أوربا يهود البلاط الذين كانوا عادةً من كبار المموِّلين وذوي الخبرة الإدارية والاتصالات الدولية والمعرفة بالشئون الاقتصادية، ولذا كانوا في منزلة وزراء اقتصاد وخارجية ومخابرات لأمراء الإمارات الألمانية وغيرها من دول وسط أوربا التي كانت ترغب في تنمية نفسها اقتصادياً. ويُلاحَظ أن الإقراض الربوي الذي كان يقوم به أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية قد تدهور، فبدلاً من إقراض كبار النبلاء والكنيسة، أصبح إقراض الفلاحين والحرَفييِّن نظير رهن أشياء مثل الملابس المستعملة والمجوهرات. ومن هنا، بدأ الحرفيون يعملون في حرف رتق الملابس والخياطة والصباغة. ومع القرن الثامن عشر الميلادي، صار معظم أعضاء الجماعات اليهودية في شرقي أوربا بورجوازيين صغاراً: بقالين وباعة جوالين وبائعي ثياب قديمة وخياطين. كما كان من الوظائف الأخرى المهمة لأعضاء الجماعات اليهودية قيامهم بعمليات الاستيطان والريادة. ولكن الاضطلاع بهذه الوظيفة كان يعني، ابتداءً من القرن السابع عشر، الخروج من المجتمع الغربي والاستقرار في مجتمعات جديدة في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي.

ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية، بوظائفهم هذه، كانوا دائماً أصحاب أعمال مستقلين، وكان مستواهم المعيشي أحسن حالاً من الفلاحين والأرقاء المسيحيين. وكان أعضاء الجماعات اليهودية بمهنهم المختلفة (بوصفهم تجاراً دوليين ومرابين) يعملون في مهن غير منتجة، فهي مهن لا تهدف إلى إعادة صياغة المادة وإنما هي وظائف إدارية وعملها شكل من أشكال المضاربات، ومن هنا يجري وصف أعضاء الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي بالهامشية والطفيلية.
وقد بدأ هذا الوضع في التغير بعد الثورة التجارية وظهور المركنتالية ونظام الاتجار والإقراض اللذين يشكلان قلب النظام الاقتصادي الجديد. وداخل هذا الإطار الجديد، تغيَّر البناء الوظيفي لأعضاء الجماعات اليهودية. وحينما دخل يهود المارانو الاقتصاد الغربي في القرن السابع عشر الميلادي، لم يكونوا التجار أو الممولين الوحيدين، كما لم يقفوا على هامشه، وإنما أصبحوا مموِّلين داخل اقتصاد تجاري مالي نشط له مشروع استعماري استيطاني عالمي، فأصبحوا جزءاً منه واستثمروا في شركاته الاستيطانية المختلفة. وظهر يهود البلاط الذين أداروا ميزانيات كثير من الدول الملكية والإمارات المطلقة، خصوصاً في وسط أوربا، وساهموا في تحديثها. ومع القرن التاسع عشر الميلادي وتَصاعُد الثورة الصناعية، بدأ تحديث البناء الوظيفي لليهود في أرجاء العالم الغربي غربه ووسطه وشرقه. وقد تم دمج أعضاء الجماعات اليهودية مهنياً ووظيفياً في غرب أوربا بسرعة. ولكن عملية الدمج في شرق أوربا ووسطها استغرقت وقتاً أطول بسبب تَعثُّر التحديث، ولأن محاولة تحديث البناء الوظيفي كانت تتم بقرارات قانونية ودون إتاحة فرص أخرى حقيقية للعمل. وفي إحصاء عام 1897 في روسيا، حيث كان يعيش أغلبية يهود العالم، نجد أن اليهود كانوا موزَّعين وظيفياً علي النحو التالي:
3.55% - يعملون بالزراعة.
38.65% - في التجارة.

33.45% - في الصناعة والصناعات اليهودية.
3.98% - في النقل.
11.76% - في الأشغال العامة والمهن الحرة.
6.61% - في الأعمال المنزلية.
لقد كان أعضاء الجماعات اليهودية في الأساس جماعة الوسطاء والحرَفييِّن ولم يكن بينهم عمال أو فلاحون، وهذا ما أسماه بوروخوف الهرم الوظيفي المقلوب. ولم يكن الوضع مختلفاً في الإمبراطورية النمساوية التي كانت تضم جماعة يهودية كبيرة.
وبالنسبة لروسيا السوفيتية، ونظراً لتأميم التجارة، فقد تغيَّر الوضع الوظيفي عام 1930 كليةً، فنجد أن 42% من اليهود كانوا يعملون في مهن إنتاجية: في الصناعة 21.5%، وفي الحرَف اليدوية 14.3% وفي الزراعة 7.1%. ومع هذا، تَركَّز عدد كبير منهم (نحو 37.2%) في الأعمال الكتابية، ونحو 12.1% في المهن الحرة. ولعد أن هاجر اليهود إلى العالم الجديد، خصوصاً الولايات المتحدة، تغيَّر وضعهم. فنجد أنه ـ حسب إحصاء عام 1900 ـ كان 59.6% منهم عمالاً وفي صناعة الملابس على وجه الخصوص. ولم يكن يعمل في التجارة سوى 20.6% حسب الإحصاء نفسه. وقد تَحوَّل كثير من يهود الولايات المتحدة في الثلاثينيات إلى التجارة فبلغت نسبة العاملين بها نحو 50%، في حين بلغت نسبتهم في الصناعة نحو 28%، وفي المهن الحرة نحو 10%. ومع السبعينيات، تَركَّز معظم اليهود في المهن الحرة.
ويمكن القول بأن النمط الأساسي للحراك الوظيفي للمهاجرين اليهود كان يأخذ الشكل التالي: يصل المهاجر فيصبح عاملاً أو رأسمالياً صغيراً. ولكن العمال بوسعهم (بسبب خلفيتهم الثقافية والاجتماعية) الانسلاخ عن الطبقة العاملة أو مساعدة أولادهم على تَلقَّي التعليم، وهو ما يجعلهم يحققون حراكاً اجتماعياً وينسلخون عن الطبقة العاملة ويتحوَّلون إلى مهنيين. أما الرأسمالي الصغير، فيتحوَّل إما إلى رأسمالي كبير أو إلى مهني. ومن ثم، نجد أن غالبية يهود الولايات المتحدة (وغيرها من الدول الاستيطانية) من المهنيين.

ومع هذا، ترك ميراث اليهود الاقتصادي، كجماعات وظيفية وسيطة وكمهاجرين، وكذلك الكفاءات التي اكتسبوها عبر تواريخهم بسبب وظيفيتهم هذه، أثرها في التركيب الوظيفي ليهود أمريكا، إذ أن هذه الخبرة التي حملوها معهم أينما هاجروا استمرت في تحديد نشاطاتهم الاقتصادية حتى بعد أن زالت الوظيفة. فيُلاحَظ مثلاً أن اشتغال يهود العالم الغربي بالربا وأعمال الرهونات، جعلهم يتخصصون في حياكة الملابس، ذلك لأن كثيراً من الأشياء المرهونة كانت ملابس قديمة. ولذا، يُلاحَظ أن يهود العالم الغربي يتخصصون في صناعة النسيج والملابس الجاهزة. وقد أدَّى بهم هذا إلى أن يحققوا ثروات أثناء الحروب، لأن القوات المحاربة، خصوصاً في العصر الحديث، تحتاج إلى زي رسمي. وقد حدث هذا في حروب عديدة من بينها الحرب الأمريكية الأهلية حيث حقق أثرياء اليهود أرباحاً هائلة بسبب تركزهم في صناعات النسيج.

وكذلك، فإن الميراث الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب (باعتبارهم جماعات وظيفية وسيطة تقف دائماً على الهامش) يجعلهم يتخصصون في الصناعات القريبة من المستهلك ويبتعدون عن الصناعات الثقيلة، إذ أن عضو الجماعة الوظيفية الوسيطة لا يحب الاستثمار في المنقولات الثابتة (مثل الأرض والصناعات الثقيلة) أو قد لا تُتاح له الفرصة أساساً في أحيان كثيرة. ولذا يفضل الاستثمار في الصناعات الخفيفة وفي المشاريع التجارية التي تتطلب قدراً عالياً من المهارة الإدارية، ومن هنا كان تخصصهم في التجارة وصناعة الأثاث والأحذية وقطاع الخدمات والطباق والكحول والسينما، وهي كلها صناعات قريبة من المستهلك، بعيدة عن الزراعة وعن الصناعات الثقيلة مثل المناجم (وجميعها صناعات مرتبطة بالأرض) . كما يُلاحَظ أنهم يتركزون في تجارة التجزئة والأعمال العقارية ويعملون وكلاء مستشارين ووسطاء. كما أن تركزهم في المهن والمصارف هو أيضاً نتيجة هذا الميراث الاقتصادي. ويُقال إن هذا أيضاً يرجع إلى أن يهود العالم الغربي عنصر مهاجر، والعناصر المهاجرة تشغل دائماً المراحل العليا من الهرم الإنتاجي ولا تشغل قاعدته. ومن ثم، لا يوجد عمال أو فلاحون يهود، ونتج عن ذلك هامشية اليهود، أي أن نشاطاتهم الاقتصادية ليست في قلب العملية الإنتاجية. ولا يزال العدد الأكبر من يهود أمريكا اللاتينية يشتغلون بالأعمال التجارية.
ويمكن القول بأن الحل الاستعماري للمسألة اليهودية (والذي يقبله الصهاينة) ينبع من تعريف العالم الغربي للجماعة اليهودية كجماعة وظيفية استيطانية قتالية. فهي إذن مجموعة بشرية تُعرَّف من خلال وظيفتها، وهي مجموعة نبذتها الحضارة الغربية، ولكنها ستحل مسألتها عن طريق الاضطلاع بوظيفة الدفاع عن مصالح الحضارة الغربية بحيث يصبح الاستيطان والقتال هما وظيفة اليهود الأساسية.

ويُلاحظ أمنون روبنشتاين أنه، في عام 1945، كان نحو 24% فقط من اليهود المهاجرين إلى فلسطين يعملون في وظائف إنتاجية مثل الزراعة والصناعة والبناء والنقل، وهو ما يعكس هامشيتهم الاقتصادية وطفيليتهم. وبعد استيطانهم في فلسطين، أصبح 69% منهم يعمل في مجال الأعمال الإنتاجية. ولكن، بحلول عام 1975، انخفضت نسبة العاملين في القطاعات الإنتاجية إلى 23%، أي أن الدولة الصهيونية لم تنجح في تحقيق أحد أهدافها الأساسية المعلنة وهو تطبيع اليهود وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج. وقد أدَّى دخول العمالة العربية في الاقتصاد الإسرائيلي إلى حدوث نوع من المفارقة، إذ يقوم العرب بشغل قاعدة الهرم الإنتاجية تاركين قمته الإدارية لليهود. وقد ظهرت هامشية المُستوطَن الصهيوني مع اندلاع الانتفاضة وانسحاب العمالة العربية من قاعدة الهرم، الأمر الذي ترك أعمق الأثر في الاقتصاد الصهيوني.
السمات الأساسية للجماعات اليهودية كجماعات وظيفية
‏Main Traits of Jewish Communities as Functional Groups
يمكننا القول بأن السمات الأساسية للجماعات الوظيفية وطبيعة علاقتها بالمجتمع المضيف تتضح بشكل متبلور في الجماعات اليهودية في العالم الغربي وفي طبيعة علاقتها به:
1 ـ التعاقدية (النفعية والحياد والترشيد والحوسلة) :

تتسم علاقة الجماعات اليهودية بالمجتمع الغربي بأنها علاقة نفعية تعاقدية لا تتسم بالتراحم. فقد نظر العالم الغربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية منذ البداية باعتبارهم وظيفة تُؤدَّى ودوراً يُلعَب وعنصراً موضوعياً مُجرَّداً ومحايداً، مجرد مادة بشرية، فكانوا يُستجلَبون ليؤدوا وظيفة التاجر والمرابي. وكان أعضاء الجماعة اليهودية عادةً من الغرباء، ولذا كانوا يُعَدون ملكية خاصة للملك (أقنان بلاط) الذي كان له حق امتلاك اليهود (باللاتينية: «جودايوس هابيري judaeos habere» » ) ، أو حق الاحتفاظ باليهود (باللاتينية: «جودايوس تنيري judaeos tenere» .» ) وكان من حقه بيعهم كما تبيع أية مدينة حق استعمال مناجمها أو طرقها العامة. ولذا، كان اليهود أقرب ما يكونون إلى ممتلكات تُفرَض علىها ضرائب أو أدوات إنتاج، فكان يُشار إليهم بوصفهم عبيداً أو ملْكاً منقولاً كالأثاث (بالإنجليزية: «تشاتيل chattel» ) ، وكانت كثير من المواثيق تشير إليهم باعتبار أنهم يخضعون للملك وملْك له، يرثهم من يرث العرش! ولعل السبب في وقوع قدر كبير من الخلل التحليلي هو أن كثيراً من الدارسين لم يدركوا طبيعة وضع الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي من حيث هي وظيفة تُؤدَّى، واستمروا في اعتبارها طبقة أو أعضاء في طبقة. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يُعطَون حقوقاً ومزايا تضمنها مواثيق يشترونها من الحاكم. ولكن المواثيق التي كانت تُمنَح لهم لم تكن قط نهائية وإنما كانت تُجدَّد دائماً. وكان يتعيَّن عليهم أحياناً دفع مبلغ للإمبراطور كل عام لتأكيد حقه في أنهم ملْك له (وهو استمرار للفيسكوس جواديكوس أو ضريبة اليهود التي فُرضت عليهم بعد سقوط الهيكل) . ولعل حدة هذا الوضع قد خفتت قليلاً عبْر القرون والسنين ولكنها ظلت قائمة حتى أوائل القرن التاسع عشر في كثير من أنحاء أوربا (وقد تعيَّن على الفيلسوف الألماني اليهودي موسى مندلسون أن يدفع ضريبة انتقال،

حينما كان ينتقل من مدينة ألمانية إلى أخرى، تساوي ما كان يُدفَع لانتقال ثور) . وقد نُوقشت المسألة اليهودية في الحضارة الغربية في إطار مدى نفع اليهود، وهو مفهوم استمر حتى الوقت الحاضر، ويتجلى في الحديث عن إسرائيل باعتبارها كنزاً إستراتيجياً! ويجب ملاحظة أن العلاقة بين الطرفين (الجماعات اليهودية والعالم الغربي) علاقة نفعية، فكلاهما يحاول الاستفادة قدر المستطاع من الطرف الآخر، وكلاهما يحوسل الآخر، ولا يمكن الحديث في مثل هذه العلاقة المركبة عن مُستغل ومُستغَل.
2 ـ العزلة والغربة والعجز:
حينما استجلب المجتمع الغربي بعض أعضاء الجماعات اليهودية ليضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية ضرب عليهم العزلة، فكان أعضاء الجماعة اليهودية يعيشون في جيتو خاص بهم يرتدون أزياء خاصة مقصورة عليهم ويؤمنون بعقيدة مختلفة عن عقيدة مجتمع الأغلبية. بل كانوا، في حالة يهود اليديشية، يتحدثون لغة مختلفة عن لغة المجتمع المضيف. وقد انغلقت الجماعات اليهودية على نفسها فكونت شبكة عالمية واسعة مهمتها ضمان انتقال السلع والعملات والمعلومات بكفاءة عبر البلاد والقارات، وهذا هو سبب معرفة أعضاء الجماعة اليهودية بعديد من اللغات، وهو تعبير عن الغربة والحركية في ذات الوقت. وقد سيطرت القيادات الدينية والدنيوية، التي كانت تتمتع بدعم النخبة الحاكمة، على هذه الشبكة المغلقة التي كانت بمثابة الوسيط بين الجماعة اليهودية والمجتمع المضيف. كما تزايد اعتماد أعضاء الجماعات اليهودية على النخبة الحاكمة حتى أصبحوا في بعض الأحيان جماعات وظيفية عميلة، كما هو الحال مع المرابين، وأداة قمع في يد الحاكم لقمع الجماهير واستغلالهم.

وقد أدَّى هذا إلى تزايد ابتعاد أعضاء الجماعات اليهودية عن جماهير المجتمع المضيف، أي أن أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية لم يكونوا مشاركين في السلطة (فهم مجرد أداة) يعيشون في عزلة عن الشعب (في مسام المجتمع لا في صميمه) ، وهم موضع كرهه وسخطه. وهذا ما يُسمَّى «إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة» . لكل هذا أصبح أعضاء الجماعات الوظيفية عرضة للهجمات الشعبية لأنهم أداة الاستغلال الواضحة والمباشرة. ومن ثم، فإن اضطلاع أعضاء الجماعة اليهودية بدور الجماعة الوظيفية هو الذي يفسر الهجمات الشعبية عليهم، كما يفسر كثيراً من اتهامات أعداء اليهود بأنهم مصاصو دماء (ومن هنا تهمة الدم) أو أنهم يقومون بتسميم الآبار. فهذه جميعاً صور مجازية حاول عن طريقها الإنسان العادي في الغرب فهم طبيعة العلاقة بينه وبين اليهود كجماعة وظيفية، إذ أن أداة القمع الماثلة أمامه تقوم بامتصاص دمه وتسميم مصدر حياته. ويمكن القول بأن الهجوم على اليهود كان يشبه الانتفاضة الشعبية حينما يقوم الثائرون بتدمير أدوات القمع والاستغلال (ولعل هذا ما دفع بأحد المفكرين إلى تسمية معاداة اليهود «اشتراكية المغفلين» ، أي اشتراكية من لا يفهم الآليات الاقتصادية المركبة) . كما أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية هو الذي يفسر اتهام الجماعات الشعبية لهم بأنهم سحرة. ففي المجتمع الإقطاعي مثلاً، كان أعضاء المجتمع يُنتجون من الأرض بصورة مباشرة، أما أعضاء الجماعة الوظيفية المالية (التجارية أو الربوية) فكانوا يحققون الثراء من خلال تحريك السلع وحسب في حالة التجار. بينما كان الأمر أسوأ بكثير في حالة المرابين، إذ كانوا يحققون الثراء من خلال تحريك الأموال وحسب.

وقد أدَّت هذه العزلة إلى ما نسميه «حدودية» أعضاء الجماعات اليهودية، أي وجودهم على حدود المجتمعات أو على هامشها، وفي الشقوق والثغرات. ولعل إحساس أعضاء الجماعات اليهودية بعدم الأمن (رغم النجاح الذي يحققونه) هو جزء من ميراث الجماعة الوظيفية، التي تُعَدُّ حركيتها مصدر أمن أساسياً لها. وقد أدَّى إحساسهم بعدم الأمن وعدم الانتماء إلى زيادة الرغبة في مراكمة الثروة لأنها الوسيلة الوحيدة لشراء الحماية من الحاكم. ولكن يُلاحَظ أنه رغم تزايد ثروات كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلا أنهم ظلوا بعيدين عن السلطة وعن مؤسسات صنع القرار. ولهذا السبب كانت هذه الثروات معرضة دائماً للتصفية.
ويُقابل عملية العزل البرانية من قبل المجتمع إحساس عميق جواني بالغربة لدى أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية، فيظهر لديهم إحساس بقداستهم (مركب الشعب المختار) . ثم يحتفظون بهذه الغربة من خلال عقائدهم وشعائرهم الدينية ومن خلال ارتباطهم الوهمي بالوطن الأصلي الذي لم يَعُد له وجود والذي سيعودون إليه في نهاية التاريخ.
3 ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس بالهوية (الوهمية (
يشعر أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية بالانتماء إلى وطن أصلي (صهيون/فلسطين) سيعودون إليه في آخر الأيام. وقد ترجم هذا نفسه إلى العقيدة المشيحانية التي أضعفت أواصر ارتباط أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية بالمكان الحالي (أوطانهم وتاريخها) باسم المكان السابق الذي نُفوا منه، وهو أيضاً المكان الذي سيعودون إليه في المستقبل.

ويُقابل الإحساس العميق بالغربة والعزلة والعجز والانفصال عن المكان تَعمُّق إحساس عضو الجماعة الوظيفية اليهودية بهويته، فهي إحدى آليات العزل غير الواعية. ومع هذا، فإن الهوية هنا حالة عقلية إذ أن هوية عضو الجماعة الوظيفية اليهودية تتشكل داخل حدود المجتمع الذي يعيش فيه لا خارجه، ومن خلال تفاعله اليومي المتعيِّن مع الخطاب الحضاري لمجتمعه لا رغماً عنه. ولذا فرغم ادعاءات أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية عن تَميُّزهم، إلا أنهم في واقع الأمر يندمجون في مجتمعاتهم. وثنائية ادعاء التميز وواقع الاندماج والذوبان مسألة أساسية لعضو الجماعة الوظيفية اليهودية حتى يتسنى له أن يلعب دوره الوظيفي، وحتى يظل «في المجتمع دون أن يكون منه» ، يتعامل مع أعضاء المجتمع بكفاءة عالية لا يمكنه أن يحققها إلا بمعرفة المجتمع وتَملُّك ناصية خطابه الحضاري، ولكنه في الوقت نفسه لا يتعاطف معهم ويحتفظ بمسافة عقلية وعاطفية كبيرة بينه وبينهم بسبب هويته الوهمية.
4 ـ ازدواجية المعايير:
تظهر ازدواجية المعايير بشكل حاد في حالة أعضاء الجماعات اليهودية، فقد قسمت العقيدة اليهودية العالم في كثير من الأحيان إلى اليهود من جهة والأغيار من جهة أخرى. وكان بإمكان اليهودي أن يقرض الأغيار بالربا، ولكنه يُحرِّم على نفسه أن يفعل ذلك مع اليهود. وكان اليهود يعتبرون أنفسهم شعباً مقدَّساً (وهذا يعني أن أعضاء المجتمع مباحون) . ولعل هذا يُفسِّر وجود أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في جرائم انتهاك الحرمات مثل البغاء ونشر المجلات الإباحية وغير ذلك. وحتى لا يتم استخلاص أية تعميمات عنصرية من ذلك، لابد أن نشير إلى أن أعضاء الجماعة الوظيفية يتسمون أيضاً بالأمانة الشديدة نظراً لحيادهم وخوفهم من النخبة والجماهير على حدٍّ سواء.
5 ـ الحركية:

كان أعضاء الجماعات اليهودية من أكثر الجماعات حركية داخل التشكيل الحضاري الغربي، فهم لم يكونوا مرتبطين بالأرض مثل الفلاحين أو النبلاء، ولا حتى بالمدن مثل سكانها، وإنما كانوا يتنقلون بحرية كبيرة في المجتمع الوسيط تحت حماية الملك الذي يمنحهم المواثيق. وقد ساعدت عمليات الطرد المستمرة، ثم الهجرة، على تعميق هذه الحركية. وقد تَركَّز أعضاء الجماعات اليهودية في قمة الهرم الاجتماعي وابتعدوا عن قاعدته (وهذا هو أهم أسباب المسألة اليهودية (.
6 ـ التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع (الحلولية (
مركب الشعب المختار هو تعبير عن التمركز المتطرف حول الذات والذي يُيسِّر لأعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية أن يقوموا باستغلال الآخر وحوسلته وأن يقوموا كذلك بعزل أنفسهم كما يبرر غربتهم. ولكن عضو الجماعة الوظيفية اليهودية يتمركز أيضاً حول وظيفته الموضوعية ويقبل أن يكون أداة متحوسلة تضطلع بوظائف محدَّدة تُوكل له.
ويُعبِّر هذا التمركز حول الذات وحول الموضوع عن نفسه من خلال الإحساس المتطرف بالحرية الكاملة والحتمية الكاملة، ومن خلال مفهوم الاختيار والنفي والعودة، وهي مفاهيم تجسد هذه الازدواجية المتطرفة المتبلورة: فاليهودي حر تماماً لأنه مَنْفيٌّ عن أرضه لا جذور له، وهو يتمتع بمزايا عديدة لأنه مختار من قبل الإله، إرادته من إرادة الإله. ولكنه في الوقت نفسه لا حرية له لأنه مَنْفيٌّ من أرضه التي لا يقدر على تحقيق ذاته إلا فيها وحدها. كما أن الاختيار يعني التكليف أيضاً ومن ثم عدم القدرة على الحركة.
وتتضح علاقة الجماعات الوظيفية اليهودية بالحلولية الكمونية في تَصاعُد معدلات الحلولية الكمونية داخل اليهودية إلى أن سيطرت عليها تماماً.

وعلاقة الجماعات اليهودية بالتحديث والعلمانية علاقة مركبة وعميقة، ذلك أن مسار الهجرة اليهودية قد تأثر بشكل عميق بالتحديث. فالجماعات اليهودية كانت جماعات وظيفية تتحرك أفقياً من مجتمع إلى آخر، لا رأسياً داخل المجتمع الواحد نفسه. فكانوا في البداية يُستجلَبون إلى المجتمعات المتخلفة كعنصر تحديثي أو استيطاني، ومن هنا كانت الهجرة اليهودية تتم دائماً من البلاد الأقل تَخلُّفاً إلى البلاد الأكثر تَخلُّفاً، من البحر الأبيض المتوسط إلى وسط أوربا ومنها إلى شرق أوربا. ولكن ابتداءً من القرن السادس عشر وبداية ظهور الرأسمالية والحركة الاستعمارية الغربية وبدايات التحديث في الغرب، نجد أن الهجرة تأخذ شكلاً مغايراً، فهي تنطلق من البلاد المتخلفة إلى البلاد الأكثر تقدماً. وقد اشترك اليهود في حركات الهجرة الاستيطانية وغير الاستيطانية.
ورغم أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا من حملة الفكر التحديثي والعلماني، إلا أنهم سقطوا ضحية عمليات التحديث والعلمنة. فهويتهم وإثنيتهم كانت مرتبطة تماماً بعزلتهم كجماعة وظيفية. ولكن، مع تَصاعُد معدلات التحديث، وظهور نُخَب محلية تتولى زمام الأمور، وكذلك ظهور الدولة القومية العلمانية المركزية، لم تَعُد هناك وظيفة لهم، وبدأت التحولات الوظيفية والطبقية العميقة تدخل على الجماعات اليهودية، فتحولوا إلى بروليتاريا وشحاذين وأصحاب مصانع وبورجوازية كبيرة وصغيرة، وفقدوا تماسكهم الإثني وعقيدتهم اليهودية. وتساقطت كل رموز العزلة، وتساقطت أسوار الجيتو، وتم تحديث أزيائهم ولغتهم، وبدأ التعلىم بين أعضاء الجماعات اليهودية يتحول من أداة لنقل الخبرات الخاصة وأسرار المهنة والحفاظ على الهوية والعزلة في المجتمع إلى وسيلة من وسائل تصفية الهوية شبه القومية ودمجهم في المجتمع وتدريبهم على الحراك الاجتماعي داخل طبقات المجتمع.

ورغم أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يُشكِّلون العمود الفقري للقطاع المالي والتجاري للمجتمع الغربي الوسيط، كما كانوا يشكلون جزءاً مهماً منه منذ عصر النهضة، إلا أنهم لم يساهموا في بناء الرأسمالية الحديثة الرشيدة، فقد نشأت هذه الرأسمالية داخل المدينة الغربية. أما رأسمالية أعضاء الجماعات اليهودية فكانت رأسمالية الجماعة الوظيفية المرتبطة بالمجتمع التقليدي، وقد سماها فيبر الرأسمالية المنبوذة (مقابل الرأسمالية الرشيدة (.
ومع تَصاعُد معدلات التحديث، يختفي اليهود كجماعات وظيفية. ومع هذا، يبقى هناك امتداد لدورهم التقليدي ولميراثهم الوظيفي إذ لا يكاد يُوجَد يهود في المهن الإنتاجية الأولية (الزراعة والتعدين) ، بينما يتركزون في مجال الملكية العقارية وفي مهن الطب والتمثيل، وهي مهن تُوجَد كلها عند قمة الهرم الإنتاجي أو على هامشه في معظم أنحاء العالم، ولا يُوجَد أي تمثيل لليهود بين العمال والفلاحين ومختلف القطاعات الموجودة في قاعدة الهرم الإنتاجي.
ولعل حالة يهود كايفنج في الصين تلقي بعض الضوء على ما قد يحدث لليهود في العالم الغربي بعد عملية تحديث وضعهم ووظائفهم. فبعد أن انضمت أعداد متزايدة من القيادة اليهودية إلى طبقة كبار العلماء/الموظفين (الماندرين) ، فَقَد اليهود وضعهم كجماعة وظيفية، وزادت معدلات الاندماج بينهم حتى اختفوا تماماً. وقد تمت هذه العملية عبر مئات السنين في الصين. ومن الممكن أن نتصوَّر أن شيئاً مماثلاً سيحدث في العالم الغربي، لكن معدلات التحديث في الغرب تتفاوت سرعة وبطئاً من بلد لآخر، كما أن العملية تتعثر أحياناً بل تتوقف أحياناً أخرى. ولعل التعثر هو الذي أدَّى إلى عدم اختفاء كثير من الجماعات اليهودية أو تناقص أعدادها بشكل ملحوظ. كما أن التشكيل الاستعماري الغربي، بتأسيسه الدولة الصهيونية، أعاد إنتاج نمط الجماعة الوظيفية على مستوى الدولة.

الجماعات الوظيفية اليهودية: أنواعها المختلفة
‏Jewish Functional Groups: Different Kinds
اضطلع أعضاء الجماعات اليهودية بأدوار وظيفية عديدة من بينها ما يلي:
1 ـ الجماعات اليهودية الوظيفية الاستيطانية القتالية.
2 ـ الجماعات اليهودية الوظيفية المالية الوسيطة (التجارة ـ الربا ـ جمع الضرائب ـ المتعهدون العسكريون ـ تجارة الرقيق ـ تجارة الخمور (.
3 - جماعات وظيفية متنوعة (الطب ـ الجاسوسية ـ قطاع اللذة ـ البغاء وتجارة الرقيق الأبيض) .
وإذا كانت الجماعات اليهودية الوظيفية الاستيطانية القتالية هي أوَّل ما ظهر من الجماعات اليهودية، فإن أهمها هي الجماعات اليهودية الوظيفية الوسيطة أو المالية.

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟ - الجماعات الوظيفية اليهودية القتالية والاستيطانية والمالية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

جماعة يهودية وظيفية قتالية استيطانية (المرتزقة)
‏Jewish Military Settler Functional Group (Mercenaries)
«الجماعة الوظيفية الاستيطانية» هي الجماعة البشرية التي تُستجلَب من خارج المجتمع أو تُجنَّد من داخله ثم تُنقَل من مكان إلى مكان آخر لتُوطَّن فيه بغرض أن تؤدي وظيفة محدَّدة ذات طابع قتالي عادةً، ولكن ليس ضرورياً أن تكون كذلك دائماً، فقد تكون ذات طابع زراعي أو تجاري، أو ذات طابع مُختلَط؛ زراعي قتالي، أو تجاري قتالي، أو زراعي تجاري، وهكذا.

أما «الجماعة الوظيفية القتالية» فهي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بدور قتالي وحسب، فالجندي المرتزق هو الجندي الذي يُستجلَب من خارج المجتمع، أو يُجنَّد من داخله (عادةً من صفوف أقلية إثنية أو دينية معينة لها علاقة خاصة بالمجتمع) . وهو يقوم بالقتال من أجل المال بالدرجة الأولى، فالدوافع هنا يجب ألا تكون دوافع داخلية مركبة (الانتماء ـ حب الوطن ـ الانتقام) ، بل لابد أن يكون الدافع خارجياً بسيطاً وهو الربح المادي الذي يأخذ صورة أجر مادي عاجل ومباشر (راتب شهري) أو آجل (إقطاعية أو غيرها من العوائد المالية) . وكل من العنصر الاستيطاني والقتالي يشكل جماعة وظيفية، فهو عنصر متحرك غير منتم لا يدين بالولاء لأحد إلا لراعيه الذي يقوم بتمويله، وهو عنصر لا يُعرَّف من خلال سماته الإنسانية وإنما من خلال وظيفته، فهو وسيلة لا غاية، وأداة لا هدف، والمجتمع ينظر إليه من ناحية مدى نفعه ومدى احتياجه إليه، ويدخل معه في علاقة تعاقدية محايدة. والجندي المرتزق والمستوطن هما وسيلة من وسائل الإنتاج، أو بتعبير أدق إحدى أدوات الفتك التي تنظم علاقات الإنتاج وعملية توزيع الثروة لصالح من يسيطر على هذه الآلة أو الوسيلة. وعادةً ما يعيش الجنود المرتزقة، وكذلك أعضاء الجماعات الاستيطانية، على مقربة من أعضاء الأغلبية، ولكنهم مع هذا يظلون في عزلة عنهم فهم منبتو الصلة بالجماهير مرتبطون بالنخبة الحاكمة التي تسخرهم لمصلحتها، دون أن تخشى بأسهم أو تخاف من أن يقوموا بمحاولة المشاركة في السلطة أو القرار السياسي، فهم بلا قاعدة ولا شرعية ولا سلطات إلا ما يستمدونه من الراعي، وذلك على عكس المقاتلين من أعضاء الأغلبية، فهؤلاء عادةً ما يطالبون بنصيبهم في السلطة إن قويت شوكتهم، كما أنهم يستندون إلى قاعدة جماهيرية يستمدون منها الشرعية.

وفي تقديرنا أن الجندي الذي يدافع عن وطنه ويتقاضى أجراً عن ذلك ليس بمرتزق، لأن دوافعه للقتال والاستيطان أكثر تركيباً من الجندي المرتزق، كما أنه أقل حركية لارتباطه بوطنه. والشيء نفسه ينطبق على المواطن الذي يرابط في مناطق حدودية دفاعاً عن الوطن، فهو مرتبط بوطنه ولا يتسم بأية حركية إلا في إطار رؤيته.
وهنا يمكن أن تثار قضية الغارات التي يشنها البدو أو القراصنة على المدن والسفن من أجل الغنائم، أي من أجل الربح المادي، وهل يمكن اعتبارهم مرتزقة. ونحن نميل إلى عدم تصنيفهم كمرتزقة، فرغم وجود عنصر مشترك أساسي بين المرتزقة من جهة والبدو والقراصنة من جهة أخرى (الحركية والقتال من أجل المال) إلا أن هناك عنصراً أساسياً آخر غائباً في حالة الفريق الثاني وهو الراعي أو الحامي الذي يصدر الأوامر للعنصر المرتزق ويوجهه ويوظفه. ومن هنا تظهر مشكلة تصنيف المماليك، فقد تم استجلابهم كرقيق ليقاتلوا نظير أجر أو نظير التمتع بمستوى معيشي مرتفع. ولكنهم، بالتدريج، أصبحوا يقاتلون لصالح أنفسهم كجماعة إثنية مُستجلَبة مستقلة. ولتحديد الأمور، يمكننا أن نتخيل مُتصَلاً أحد أطرافه المجاهد الذي لا يقاتل إلا ابتغاء مرضاة الله والمقاتل الذي يموت من أجل الوطن أو العقيدة ولا يستهلك إلا ما يضمن له الاستمرار في الجهاد والقتال دون الحصول على أية مكاسب مادية، والطرف الآخر للمُتصَل هو المرتزق الذي لا يقاتل إلا ابتغاء الأجر، ويمكننا أن نضع بينهما الجندي الذي يدافع عن قضية ويأخذ أجراً ويحقق مكاسب مادية وطبقية تزيد عن حاجته، ثم نضع بعد ذلك المماليك بعد أن تحولوا إلى طبقة مقاتلة تقاتل من أجل زيادة مكاسبها وتدافع في الوقت نفسه عن الوطن (مصدر المكسب) . ويجيء بعد ذلك جماعات البدو والقراصنة الذين يشنون الغارات من أجل الربح، ثم يجيء أخيراً الجندي المرتزق.

ويبدو أن كثيراً من المجتمعات (عبر التاريخ) نظرت إلى العبرانيين وإلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم مادة بشرية استيطانية وقتالية. وهذا لا يعني أن سائر المجتمعات كانت تنظر إلى سائر العبرانيين وإلى الجماعات اليهودية كافة في كل زمان ومكان من هذا المنظور، كما لا يعني أنها كانت تنظر إلى اليهود فقط من هذا المنظور (إذ تُوجَد عناصر بشرية استيطانية وقتالية أخرى كاليونانيين على سبيل المثال) . ولا يعني هذا أيضاً أن اليهود بطبيعتهم مادة بشرية استيطانية وقتالية أو أن عندهم قابلية طبيعية ليصبحوا كذلك. فمن المعروف أن الغالبية الساحقة من العبرانيين ومن أعضاء الجماعات اليهودية لم تضطلع بأيٍّ من هاتين الوظيفتين. فالقضية، إذن، هي قضية مجموعة أو مجموعات من البشر عاشت تحت ظروف تاريخية اقتصادية وثقافية معيَّنة أدَّت إلى اضطلاع قطاعات منها بهذه الوظيفة. وما سنتناوله في هذا المدخل هو نمط تكرَّر بشكل لافت للنظر في عدد من المجتمعات في العالم القديم، ثم تكرَّر في بلاد الغرب بشكل أكثر وضوحاً في العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، وترجم نفسه في نهاية الأمر إلى وعد بلفور ثم إلى الدولة الصهيونية في العصر الحديث. ولكن الطبيعة الاستيطانية والقتالية للدولة الصهيونية (التي نسميها «الدولة الوظيفية» ) ، وهيمنة هذه الدولة على أذهان الغالبية الساحقة ليهود العالم في الوقت الحالي، يُكسب هذا النمط أو النموذج أهمية غير عادية ويضفي علىه مركزية لم يكن يتمتع بها من قبل. ومن ثم يصبح من اللازم لنا اكتشاف جذوره وسُبُل تَشكُّله في ماضي العبرانيين والجماعات اليهودية.

لقد تَعمَّق هذا الاتجاه بسبب مانسميه «المسألة العبرانية» ، أي قلة عدد العبرانيين وتَخلُّف المجتمع العبراني الحضاري والتكنولوجي والعسكري مع وجوده في واحد من أهم المواقع الإستراتيجية في العالم. فلم يتمكن المجتمع العبراني من استيعاب الطاقات البشرية داخله، ومن ثم كان لابد من تصديرها. وإلى جانب هذا، كان هذا المجتمع عُرضة لغزوات جيوش الإمبراطوريات الكبرى التي كانت تقوم بأسر أعداد كبيرة من العبرانيين ثم تُهجِّرهم إلى أماكن أخرى أو تُجنِّدهم في صفوفها.
ويبدو أن العبرانيين القدامى كانوا من المرتزقة منذ بداية ظهورهم في التاريخ، فكلمة «عبراني» ذاتها تشير إلى العبد الذي أصبح كذلك برضاه وحوَّل نفسه إلى أداة في يد الآخر. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن كلمة «خابيرو» (التي يذهب البعض إلى أنها تعني العبرانيين) تعني «الجندي المرتزق» ، وأن الكلمة كانت تُطلَق على أية جماعات من الرحل أو الغرباء أو الأشقياء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش لقاء أجر أو بدافع الحصول على الغنائم. ولكن يبدو أن الخابيرو، كانوا بدواً مرتزقة يغيرون لاستلاب الغنائم أو ربما جماعة كانت تنضم بشكل مؤقت لقوة محاربة نظامية أو غير نظامية من أجل تحقيق الربح. ولعل اشتراكهم مع الهكسوس في غزو مصر كان شيئاً من هذا القبيل. وعلى كل، ومهما كانت اشتقاقات الكلمة، فإن هناك مؤشرات عديدة على أن العبرانيين القدامى، مع استقرارهم في كنعان، كانوا يعملون كمرتزقة، كما أنهم حاربوا في صفوف الفلستيين كمرتزقة ضد بني جلدتهم.

وقد قام الملك العبراني أمصيا) 769ـ 798 ق. م) ، تاسع ملوك المملكة العبرانية، بجمع جيش من المرتزقة من المملكة الشمالية وحاول إخضاع أدوم للهيمنة العبرانية. كما تم تجنيد العبرانيين كمرتزقة في جيوش مصر الفرعونية حينما بدأ ملوك المملكة الجنوبية مبادلة الأحصنة بالجنود. وفي الأسرة السادسة والعشرين استعان بهم بسماتيك الأول (663 ـ 605 ق. م) الذي كوَّن جيشاً من المرتزقة كان يضم في صفوفه يهوداً، وقام بسماتيك الثاني (594 ـ 589 ق. م) من بعده بتوطين جماعة استيطانية في جزيرة إلفنتاين. وحينما سقطت المملكة الجنوبية، فرت جماعات من العبرانيين إلى مصر واستقرت في أماكن معروفة بأن فيها حاميات عسكرية. ويُلاحَظ أن الدياسبورا هنا (أي انتشار اليهود في بقاع الأرض) مرتبطة بنشاطين متلازمين هما في واقع الأمر نشاط واحد: الاستيطان والقتال كمرتزقة. والانتشار لا علاقة له بتحطيم الهيكل كما يدَّعي الصهاينة. ومما يجدر ذكره أن التهجيرين، الآشوري والبابلي، لم يكن الهدف منهما تأديب العبرانيين وحسب وإنما نقلهم ليصبحوا جماعة وظيفية استيطانية، إذ تحوَّل المُهجَّرون إلى العمل بالزراعة والشئون المالية، وليس هناك ما يدل على تَحوُّلهم إلى جماعة وظيفية قتالية. وقد استخدم الفُرس العبرانيين كجماعة استيطانية قتالية، فأقاموا جماعات يهودية موالية للدولة الفارسية على هيئة مستعمرات في أرجاء الإمبراطورية، كما عمل اليهود جواسيس وجنوداً مرتزقة. وقد حوَّلت حامية إلفنتاين ولاءها من السلطة المصرية إلى السلطة الفارسية الفاتحة، فالمرتزقة كما أسلفنا يتبعون من يدفع لهم. وأسس دارا الأول جيشاً قوياً يضم جنوداً يونانيين ويهوداً مرتزقة.

وحينما فتح الإسكندر الشرق الأدنى القديم، تصاعدت ظاهرة تحويل اليهود إلى جماعات استيطانية قتالية بالدرجة الأولى خصوصاً أن الحكم البطلمي والسلوقي كان مبنياً أساساً على المرتزقة. وقد أبقى الإسكندر على المزايا التي منحها الفرس لليهود، فانضموا إلى الجيوش اليونانية كمرتزقة. ولم تكن هناك فرقة قومية خاصة باليهود، ولذا انضم المرتزقة اليهود إلى فرق الآسيويين الذين تَكاثَر عدهم بين عامي 200 و150 ق. م. وكان يُشار إلى اليهود أحياناً بوصفهم «فُرساً» ، ويذكر يوسيفوس أن المرتزقة من يهود الإسكندرية كان يُشار إلىهم بوصفهم «مقدونيين» .
وكان البطالمة ينظرون إلى اليهود كجماعة استيطانية قتالية وتجارية يتوقف أمن أعضائها على رضا النخبة الحاكمة الأمر الذي يجعل منهم عنصراً مأمون الجانب، ولذا شجعهم البطالمة على الهجرة إلى مصر للعمل فيها مرتزقة وتجاراً ومزارعين وأفراد شرطة وموظفين وملتزمي ضرائب. وحينما أسر سوتر الأول عدداً كبيراً من اليهود في إحدى حملاته على فلسطين، وطنهم في مصر ليستخدمهم أداة لقمع المصريين. وقد قام بطليموس الثاني (فيلادلوفوس) (283 ـ 244 ق. م) بإعتاق العبيد العبرانيين الذين أسرهم ثم وَطَّنهم في معسكرات باعتبارهم وحدات قتالية استيطانية (باليونانية: كليروخوا) . وحينما فتح البطالمة برقة في عام 145 ق. م، وَطَّنوا اليهود فيها ليشددوا قبضتهم علىها (على حد قول يوسيفوس) . وفي العام نفسه، شيَّد أونياس الرابع معبداً يهودياً في لينتوبوليس كانت تُرابط حوله فرقة من المرتزقة اليهود.

وقد خدم اليهود في فرق المشاة والفرسان على حدٍّ سواء، خصوصاً إبان حكم بطليموس السادس (180 ـ 145 ق. م) الذي سلَّم مملكته تقريباً إلى المرتزقة اليهود الذين وصلوا إلى أعلى المراتب العسكرية بما في ذلك القيادات. ويُقال إن الملكة كليوباترا الثالثة اعتلت العرش بفضل مساعدة قواد الجيش من اليهود. وكان من بينهم خلكياس وأنانياس ولدا أونياس اللذان قادا جيشها في فلسطين. وكان المرتزقة اليهود من أرباب الإقطاعات، وكان في وسعهم تأجير أرضهم وتوريثها لأبنائهم دون عناء كبير. وانخرط اليهود أيضاً في سلك الشرطة وحراسة الممتلكات وتحصيل المكوس الجمركية على ضفتي النيل، وهو عمل ذو طابع عسكري، ولذا كان يُطلَق على المحصلين اسم «حراس النهر» لكن هناك من يذهب إلى أنهم كانوا موظفين من قبل الإدارة المالية ولا شأن لهم بأعمال الحراسة.
ولم يختلف موقف السلوقيين كثيراً عن موقف البطالمة، فقد نقل أنطيوخوس الثالث ألف أسرة يهودية من بابل (التي كانت تابعة للإمبرطورية السلوقية) ، مع أجهزتها الحربية، إلى ليديا وفريجيا في آسيا الصغرى في عام 210 ق. م.، وذلك لتأسيس حامية منهم موالية للسلوقيين، ولقمع حركات السكان ضد الحكم السلوقي. ويبدو أن مثراديتيس قد وَطَّن بعض هؤلاء أو غيرهم في شبه جزيرة القرم.

ومع وصول الرومان إلى المنطقة، تم تسريح الجيش البطلمي، فانهار الوضع الاقتصادي المتميِّز لليهود والذي ارتبط بوظيفتهم كمرتزقة، لا سيما أن الرومان كانوا لا يُجنِّدون سوى اليهود الذين تخلوا عن دينهم. ومع هذا، انخرط اليهود في سلك الجندية كمرتزقة واستمروا يعملون في الجيوش الرومانية حتى القرن الرابع الميلادي. وهذا يعني أن الرومان كانوا أيضاً يوطنونهم كعنصر استيطاني قتالي. ونحن نعرف أن أول توطين لليهود في أوربا كان مع الحامية الرومانية التي وُطِّنت في مدينة (كولونيا) والتي اشتُق اسمها من كلمة لاتينية تعني «مستعمرة» (وكلمة «كولونيالية» مشتقة من الجذر نفسه) . ولكن يبدو أنهم لم يُوطَّنوا كعنصر قتالي وإنما كعنصر مالي. ومع هذا، يمكن القول بأن الاستيطان والقتال كانا متلازمين في معظم الأحوال في العالم القديم.
وقد اختلف الأمر بشكل جوهري مع انتشار المسيحية والإسلام. فالقتال لم يَعُد يُمارَس من أجل الكسب المالي وتحقيق المغانم الاقتصادية وحسب وإنما أصبح يتم أيضاً من منطلق عقائدي ديني، الأمر الذي نجم عنه استبعاد غير المؤمنين. ولذا لم يَعُد بإمكان المرتزقة اليهود الاستمرار في ممارسة مهنتهم، فانخرطوا في وظائف أخرى وأصبح أعضاء الجماعات اليهودية من الجماعات الوظيفية المالية الوسيطة التي تعمل بالتجارة والربا. ولابد هنا من ملاحظة أن حامل رأس المال الربوي لا يختلف كثيراً عن حامل السلاح نظير أجر، فكلاهما عنصر متعاقد غريب لا ينتمي للجماهير التي يضربها أو يستغلها، تم حوسلته تماماً، أي تحويله إلى وسيلة، تستخدمها الطبقة الحاكمة. وكلاهما عنصر حركي لا ولاء له (إلا إلى أرض بعيدة أو وطن وهمي أصلي يحلم بالعودة اليه ولا يعود له أبداً) ومن هنا تسميتنا للجماعة الوظيفية المالية «المماليك المالية» حتى يتبيَّن التواصل بين وظائف أعضاء الجماعات اليهودية الاستيطانية والقتالية ووظائفهم المالية (التجارية الربوية) .

وقد صُنِّف اليهود في الحضارة الغربية على أنهم غرباء، والغريب في العرف الألماني (الذي حل محل القانون الروماني في كثير من المجالات) كان تابعاً للملك تبعية مباشرة، ومن ثم أصبح اليهود أقنان بلاط. ولكن من الصعب الحديث عن أقنان البلاط باعتبارهم جماعة استيطانية.
ومع هذا، فهناك حالات محددة من الاستيطان اليهودي في العصور الوسطى. فقد قام شارلمان بتوطين اليهود في جنوب فرنسا في ماركا هسبانيكا لتكون حاجزاً على حدود العالم المسيحي لوقف التوسع الإسلامي. ويمكن أن نستخدم عبارة «جماعة استيطانية» بشيء من التجاوز للإشارة إلى أعضاء الجماعة اليهودية الذين دعاهم شارلمان للاستيطان في فرنسا ذاتها بهدف تشجيع التجارة، وإلى أولئك الذين صاحبوا الغزو النورماندي لإنجلترا في القرن الحادي عشر، وإلى أولئك الذين استقروا فيها باعتبارهم مادة استيطانية تجارية.
وقد عرفت شبه جزيرة أيبريا الاستيطان اليهودي سواء في إسبانيا الإسلامية (الأندلس) أو المسيحية. فأثناء الفتح الإسلامي، كان المسلمون يُوطِّنون اليهود في المدن التي يفتحونها، مثل قرطبة وغرناطة وطليطلة وإشبيلية حتى يتفرغ المسلمون للعمليات القتالية. وقد ثار المسيحيون في إشبيلية، وفتكوا بأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم عنصراً استيطانياً قتالياً. كما لجأت القوات المسيحية إلى النهج نفسه أثناء حرب الاستعادة، فكانت تسمح، من الناحية الاسمية، لكل من اليهود والمسلمين بالاحتفاظ بمنازلهم والبقاء فيها، ولكنها من الناحية الفعلىة كانت تسمح لأعضاء الجماعة اليهودية وحسب بالاستيطان والبقاء في المناطق المفتوحة (مثل بالينسيا ولامنشا والأندلس وغيرها) .

ولا ندري هل كانت الفرق المسماة «تشاليزيان» في المجر في القرن العاشر جماعة استيطانية قتالية أم كانت جماعة قتالية وحسب. فكلمة «تشاليزيان» مشتقة من الجذر نفسه الذي اشتُقت منه كلمة «حالوتسيم» العبرية (بمعنى رواد) ، وهي الكلمة التي استخدمها الصهاينة فيما بعد لوصف طلائع المستوطنين الصهاينة. والرائد هو الجندي الذي يُوضَع في مقدمة الصفوف. ويبدو أن جنود التشاليزيان كانوا من بقايا يهود الخزر، إذ أن مملكة المجر اجتذبت أعداداً كبيرة منهم عند تأسيسها، فعملوا بالقتال نظير المال، أي أنهم كانوا جماعة قتالية وربما استيطانية ولكنهم تحولوا بالتدريج إلى جماعة وظيفية مالية.
ومن المعروف لنا أن الدولة العثمانية قامت، حينما ضمت أجزاء من المجر في عام 1526، بتهجير 2000 يهودي إليها ليكونوا عنصراً استيطانياً موالياً للسلطان العثماني. ولعل هذا كان ضمن نظام السورجون العثماني، و «سورجون» كلمة معناها «نفي أو ترحيل أو تهجير عنصر بشري ما، إما كشكل من أشكال العقاب أو لتحقيق خدمة للدولة العثمانية» . وقد وطَّن العثمانيون اليهود في قبرص لموازنة العنصر المسيحي فيها، كما وطنهم ملوك بولندا في المدن البولندية لتشجيع التجارة.

ولكن أهم التجارب الاستيطانية شبه القتالية للجماعات اليهودية على الإطلاق (قبل التجربة الصهيونية) هي تجربتهم كجماعة استيطانية تجارية شبه قتالية في إطار الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا، حيث اضطلع بعض أعضاء الجماعة اليهودية بوظيفة الأرندا (دفع مقابل عائد الأراضي الزراعية) منذ أواخر القرن السادس عشر، فقاموا باستئجار ضياع النبلاء البولنديين (شلاختا) في أوكرانيا وإدارتها لحسابهم. وكان الأرنداتور (المديرون أو الوكلاء) اليهود يستأجرون مناطق ومدناً بأكملها فيعتصرون الأقنان الأوكرانيين لحساب النبلاء البولنديين. ولحماية هؤلاء الوكلاء وأسرهم، شيَّد النبلاء مدناً صغيرة تُسمَّى «شتتل» كانوا يعيشون فيها تحت حماية القوة العسكرية البولندية، كما كان عليهم هم أنفسهم أن يتدربوا على حمل السلاح.

ومن التجارب الاستيطانية الأخرى للجماعات اليهودية تجربة يهود رومانيا الذين كان يُطلَق عليهم اسم «هرسوفلتسي» (وهو مُشتق من كلمة «هرسوف» الرومانية وتعني «ميثاق» ) ،والذين وَطَّنهم النبلاء الإقطاعيون (البويار) في رومانيا بعد منحهم ميثاقاً حصلوا بمقتضاه على ميزات معيَّنة، من بينها الإعفاء من الضرائب لعدة سنين والحصول على أرض فضاء دون مقابل لإقامة معابدهم ومدارسهم وحمَّاماتهم ومقابرهم. وكانت علاقة الهرسوفلتسي بالبويار تشبه إلى حدٍّ كبير علاقة يهود الأرندا بالنبلاء الشلاختا، فقد أسس البويار لليهود مدناً صغيرة تشبه الشتتل من أوجه كثيرة. ويُلاحَظ أن اليهود هنا كانوا عنصراً استيطانياً تجارياً غير قتالي. ورغم أن التجربة الاستيطانية لليهود في رومانيا استمرت أساساً في الفترة من منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، إلا أننا ذكرناها مع تجارب الجماعة اليهودية الاستيطانية في العصر الوسيط في الغرب لأنها من ناحية البنية تقع داخل إطار الاستيطان الوسيط. وعلى كلٍّ، فقد كانت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الروماني تشبه إلى حدٍّ كبير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في أوربا الوسيطة.

ويمكننا الآن الدخول إلى العصر الحديث، لنقول إن كثيراً من أساطير وديباجات الاستيطان الغربي وُلدت مع الإصلاح الديني البروتستانتي. وقد ظهرت الأسطورة الاسترجاعية التي تذهب إلى أن الخلاص لن يتحقق إلا بعودة اليهود إلى صهيون كجماعة وظيفية استيطانية دينية يسهم توطينها في صهيون في الإسراع بعملية الخلاص. وبالتدريج، مع تَطوُّر مراحل الإمبريالية الغربية من الأطوار المركنتالية الأولى إلى المراحل التالية (المرحلة الصناعية وغيرها) ، أخذت معالم الأسطورة تتكشف وتتحدد بحيث تحولت صهيون إلى فلسطين البلد الواقع في وسط بلاد الشرق ويطل على بوابات مصر والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وقناة السويس (بعد افتتاحها) . وبدأ اليهود يتحولون من شعب مقدَّس أو شعب شاهد أو شعب منبوذ إلى جماعة وظيفية تجارية وقتالية نشطة. وبعد سنوات طويلة من المقاومة والرفض من جانب أعضاء الجماعات اليهودية، تلقفت الحركة الصهيونية الأسطورة وتحولت من أسطورة بروتستانتية إلى أسطورة يهودية. وهكذا أصبحت صهيون المكان الذي تَخرُج منه جيوش المستوطنين اليهود «حالوتسيم» الذين يسيرون في المقدمة مسلحين أمام الرب.

وإذا كانت الأسطورة الاسترجاعية تجعل من اليهود جماعة استيطانية، فإن الأساطير الأخرى كانت تجعل من سائر المستوطنين الغربيين البيض يهوداً. فالبيوريتان، أي المُتطهِّرون، وهم المستوطنون الأوائل في الولايات المتحدة، كانوا يتوحدون تماماً بالعبرانيين القدامى. فهم، في خروجهم من أوربا ودخولهم الأرض العذراء، كانوا يتصورون أنهم يشبهون تماماً العبرانيين القدامى حينما خرجوا من مصر ودخلوا كنعان، وأن استيلاءهم على أرض أمريكا العذراء وإبادة سكانها يشبه استيلاء العبرانيين على المدن الكنعانية وإبادة سكانها (حسب الرواية التوراتية) . ومن ثم، نجد أن أرض أمريكا كان يُشار إليها بوصفها صهيون الجديدة، وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم بأنهم أبناء العهد (بل لقد اقترح أحدهم، لدى التفكير في اختيار لغة للولايات المتحدة بعد استقلالها، أن تكون العبرية لغة الدولة الجديدة) . ونجد أن الأسطورة نفسها تسيطر وبشكل درامي على المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا (الأفريكانر) .

هذا من ناحية الإطار الفكري أو التصوري. أما من ناحية الممارسة التاريخية الفعلىة، فيمكننا القول بأن الاستيطان أصبح البُعد الأساسي في تجارب أعضاء الجماعات اليهودية. بل ويمكننا الذهاب إلى أنه لايمكن فهم تفاعلات هذه التواريخ وحركياتها إلا بإدراك مدى استيعاب أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي (أي غالبية يهود العالم) في تجربته الاستيطانية. فقد اشترك أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من النشاطات الاستيطانية خصوصاً في البلاد البروتستانتية إما كممولين أو كجماعة وظيفية استيطانية. ومع بداية العصر الحديث، كانت أهم جماعة يهودية في العالم تُوجَد في هولندا التي كانت من أنشط الدول الاستيطانية. وقد ساهم اليهود في كثير من النشاطات المرتبطة بالاستيطان الغربي، مثل شركتي الهند الشرقية والغربية الهولنديتين وغيرهما من الشركات وفي تجارة العبيد كما اشترك عدد من أعضاء الجماعات اليهودية في عملية الاستيطان ذاتها في بداية الأمر كان أعضاء الجماعة جزءاً من النشاط الاستيطاني الهولندي، فاستوطنوا ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر في الهند الغربية في ترينيداد والمارتينيك وجامايكا وجزر الباهاما وكوراساو وسورينام.

وكوراساو هي إحدى جزر الهند الغربية الهولندية على مقربة من ساحل فنزويلا، مساحتها 212 ميلاً مربعاً، احتلها الأسبان عام 1527، ثم استولى عليها الهولنديون عام 1634. وتعود أهميتها إلى أنها من التجارب الأولى للجماعات اليهودية الاستيطانية، وإلى أنها تندرج في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي الذي بدأ نشاطه في العالم الجديد واستمر في التوسع إلى أن وصل إلى آخر حلقاته في فلسطين في العصر الحديث. وقد جرى أول استيطان يهودي في كوراساو عام 1650 حين وصلت 12 عائلة يهودية يحمل أفرادها خطاباً من مجلس هولندا يطلب من حاكم الجزيرة أن يمد لهم يد المساعدة، بأي صورة من الصور؛ بالعبيد أو بالأرض أو بالأحصنة أو القطعان أو الأجهزة. ويبدو أن اليهود كانوا جماعة استيطانية زراعية، على حين أن المستوطنين الهولنديين كانوا يهملون الزراعة لأن تجارة البضائع المهربة كانت أكثر ربحاً. ومع هذا، يبدو أن التجربة لم تنجح تماماً بسبب بعض القيود التي فُرضت على حركتهم (ربما بسبب جو محاكم التفتيش الذي ساد العالم الجديد والذي وجد طريقه إلى كوراساو رغم أنها كانت تابعة لهولندا) . ولذا، حينما طلب مجلس هولندا إلى أحد أعضاء الجماعة اليهودية أن ينقل مزيداً من الأسر اليهودية إلى كوراساو وعرض منحهم حقوقاً وامتيازات استثنائية (مثل الإعفاء من الضرائب لمدة عشرة أعوام، وحق حيازة الأراضي التي يجدونها ملائمة، وحق الامتناع عن العمل يوم السبت) ، لم يجد هذا الطلب أذناً صاغية. وحينما استولت البرتغال على البرازيل من هولندا، عام 1654، فرت مجموعة من اليهود إلى كوراساو وأخذت رأس مالها معها. وقد كان ضمن نشاطاتهم الأساسية تجارة العبيد. وفي تلك الآونة، أُزيلت كل القيود عن الجماعة اليهودية. وفي عام 1693، رحلت مجموعة من اليهود إلى الولايات المتحدة، فكانت أول جماعة يهودية تستوطن فيها.

ولكن سورينام كانت أهم التجارب الاستيطانية الأولى، وقد بدأ وصول اليهود إليها عام 1639 من هولندا ثم من إنجلترا عام 1652، فكُفلت لهم كل الحريات والمزايا، ومُنح اليهود الجنسية الإنجليزية. وبعد أن ضم الهولنديون سورينام مرة أخرى، عام 1667، حاول بعض اليهود عام 1674 الرحيل مع الرعايا البريطانيين، ولكن الهولنديين أرغموهم على البقاء فيها باعتبارهم جماعة استيطانية نافعة. وقد تَركَّز اليهود فيما يُسمَّى «يودين سافان» ، أي «سافاناه اليهود» ، وأسسوا مستوطنة يهودية في برزدينتس أيلاند عام 1670 كانت تتمتع بما يشبه الاستقلال الكامل (ومن ثم فهي أول دولة أو شبه دولة يهودية استيطانية قتالية في العصر الحديث) . وكان اقتصاد المستعمرة يعتمد على العبيد الذين راحوا يشقون الطرق ويزيلون الغابات والأعشاب، حتى أقاموا مدينة جديدة محاطة بالطرق. وقد بلغ عدد سكان المستعمرة عشرة آلاف نسمة عام 1719، غالبيتهم الساحقة من العبيد بطبيعة الحال. وكان العبيد المُستجلَبون من أفريقيا يهربون ويلجأون إلى الأحراش ويختلطون بسكان الجزيرة الأصليين، فيضطر سكان المستوطنة إلى استجلاب المزيد من العبيد من أفريقيا، ولكنهم كانوا يهربون بدورهم وينضمون إلى السكان الأصليين. ثم بدأ تحالف من جماعات العبيد الأفارقة والسكان الأصليين في شن هجمات على المستوطنة في الفترة من 1692 ـ 1774، وكوَّن المستوطنون البيض ميليشيات عسكرية وجردوا الحملات ضد الثوار (تماما كما تفعل الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين) ، ولكن الإرهاق من الحرب وانتشار الأمراض أدَّى إلى انتصار تَحالُف السود السكان الأصليين وإلى سقوط أول دولة يهودية في العصر الحديث.
كما استوطن اليهود معظم بلاد أمريكا اللاتينية، خصوصاً الأرجنتين التي وطَّن فيها المليونير هيرش آلاف اليهود، فيما يُعدُّ أهم تجربة استيطانية زراعية في العصر الحديث بخلاف تجربة إسرائيل.

ويُلاحَظ أن هذه النشاطات الاستيطانية تدور إما في إطار الاستعمار الهولندي (البروتستانتي) أو الاستعمار الإسباني والبرتغالي (الكاثوليكي) . والمادة البشرية الأساسية هنا هي يهود السفارد (المارانو) . ولكن المادة الاستيطانية الحقيقية كان مصدرها يهود اليديشية (الإشكناز في روسيا وبولندا في شرق أوربا) الذين كانوا يشكلون الغالبية الساحقة ليهود العالم مع نهاية القرن التاسع عشر، وهي أيضاً الفترة التي شهدت الهجرات الاستيطانية الغربية. ويمكننا أن نترك التسلسل التاريخي قليلاً، لنركز على حركة يهود اليديشية داخل إطار التشكيل الاستعماري الروسي (الأرثوذكسي) في عصر القياصرة ثم في عصر البلاشفة. وقد تحكمت في السياسة الاستيطانية عند الروس والبلاشفة عدة عوامل متداخلة:
1 ـ المسألة اليهودية، ومحاولة دمج اليهود ثقافياً واقتصادياً.
2 ـ المشكلة السكانية في روسيا باعتبارها دولة مترامية الأطراف.
3 ـ محاولة الدولة الروسية ترويس المناطق التي ضمتها من الدولة العثمانية وغيرها من المناطق، وخَلْق كثافة سكانية روسية فيها (وهنا كان اليهود يُعَدّون جماعة وظيفية استيطانية روسية) .
وفي محاولة دمج الجماعة اليهودية، كان التصور السائد أن المسألة اليهودية يمكن حلها، أو التخفيف من حدتها، بتحويل اليهود إلى جماعة وظيفية استيطانية تُنقل إلى أماكن مختلفة فتستفيد الدولة الروسية بتعمير الأراضي وتتخلص في الوقت نفسه من الفائض اليهودي (وهذا هو المنهج الغربي الصهيوني نفسه، أي حل المسألة اليهودية لدول أوربا عن طريق نقل اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها، وبذا تصبح فلسطين قاعدة للغرب) .

وفي الفترة بين عامي 1807 و1808، خصَّص القيصر بعض أراضيه لتوطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية فيها لتحويلهم إلى عنصر نافع، ولدمجهم في المجتمع. وبعد ضم الخانات التركية حول البحر الأسود، سُميَّت المنطقة المحتلة باسم «روسيا الجديدة» ، وتم تشجيع اليهود على الاستيطان فيها بهدف تعميرها وتأكيد الوجود السكاني الروسي فيها. وقد استمر البلاشفة في الاتجاه الاستعماري الاستيطاني نفسه والذي يرمي إلى حل المسألة اليهودية وتعمير المناطق التي تم ضمها في آن واحد. وفي إطار هذا، تم توطين اليهود في بيروبيجان، وجري التفكير في توطينهم في القرم. ويجب أن نشير هنا إلى أن كثيراً من اليهود الموجودين في الجمهوريات السوفيتية (غير الروسية) السابقة، مثل جورجيا وأوزبكستان وبخارى وليتوانيا ولاتفيا، يوجدون فيها في إطار الاستعمار الاستيطاني الروسي السوفيتي الذي كان يرمي إلى خَلْق كثافة سكانية روسية.
ولكن النشاط الاستيطاني الأكبر ليهود اليديشية كان داخل التشكيل الاستيطاني الأنجلو ساكسوني (البروتستانتي) ، فاتجه ملايين اليهود إلى جنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وهونج كونج، واتجهت غالبيتهم (85%) إلى الولايات المتحدة أهم التجارب الاستيطانية الغربية. وقد يُثار هنا سؤال: بأي معنى يمكن استخدام اصطلاح «جماعة وظيفية استيطانية» في حالة المهاجرين اليهود، مع أنهم كانوا ضمن جماعات أخرى من المهاجرين الغربيين الذين هاجروا بكامل حريتهم، علماً بأن الولايات المتحدة لم تعد دولة استيطانية بعد إعلان استقلالها؟ وسنقر ابتداءً بأن استخدام المصطلح في هذا السياق فيه شيء من التجاوز وقَدْر من المجاز، ومع هذا يمكن أن نشير إلى مايلي:

1 ـ لم تفقد الولايات المتحدة طابعها الاستيطاني إلا مع بداية القرن العشرين، بل إن عملية طرد السكان الأصليين وإبادتهم لم تبدأ إلا عام 1830. وقد ضمت الولايات المتحدة أراضي شاسعة من المكسيك وغيرها بعد ذلك التاريخ، وهي أراض احتاجت إلى مستوطنين. كما أن رعاة البقر (أو الكاوبوي) في الغرب الأمريكي ظلوا ملمحاً أساسياً في الحضارة الأمريكية، ورعاة البقر هم الرواد (حالوتسيم) الأمريكيون البيض.
2 ـ لم يكن اليهود أحراراً تماماً في عملية الهجرة، فقد صنفتهم أوروبا باعتبارهم فائضاً بشرياً منبوذاً.
3 ـ كانت الولايات المتحدة تسمح ليهود اليدشية بالهجرة إليها والاستيطان فيها بقدر حاجتها إليهم، وبما يتفق مع أمنها القومي.
ويجب ملاحظة أن الدول الاستيطانية التي استقرت فيها غالبية اليهود، بدأت تفقد طابعها الاستيطاني وتتحول إلى دول مستقرة ذات بنية سكانية ثابتة واضحة. ومع اختفاء السكان الأصليين، تلجأ هذه المجتمعات إلى الحصول على المادة البشرية بطرق قانونية (عن طريق الهجرة) ، وتقوم بدمج وصهر العناصر الوافدة. كما أنها دول ذات مستوى اقتصادي متقدم استوعب أعضاء الجماعات اليهودية فيه دون تمييز أو قيود، وهي مجتمعات ذات أصول بروتستانتية وصلت إلى درجة عالية من العلمنة والتعاقدية. لكل هذا، فهي مجتمعات لا تحتاج إلى أي متعاقدين غرباء أو جماعة وظيفية تجارية أو زراعية أو استيطانية أو قتالية، إذ يتم تجنيد العاملين (والخبراء والمقاتلين) من داخل المجتمع ذاته. ولعل هذا يُفسِّر سر اختفاء اليهود باختفاء الوظيفة التي كانت سبباً من أسباب استمرارهم.

من كل ما تَقدَّم يتبين مدى ارتباط الجماعات اليهودية في العالم (الغربي بالذات) بالاستيطان وبالقتال. ويمكن أن نشير هنا إلى ظاهرة أخرى وهي أن العالم العربي بدأ، منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر، في تحويل اليهود المستعربة، أي يهود العالم العربي المحليين، إلى جماعة وظيفية استيطانية تدين له بالولاء بغض النظر عن أصولهم العرْقية والحضارية. وقد تم هذا من خلال عدة قنوات:
1 ـ منح الجنسيات الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها لأعضاء الجماعة اليهودية.
2 ـ فرنسة يهود العالم الغربي من خلال مدارس الأليانس.
3 ـ هجرة عناصر يهودية غربية إلى العالم العربي تولت قيادة الجماعات اليهودية في العالم العربي.
ومع انتصاف القرن العشرين، وظهور الدولة الصهيونية، تم تحويل الغالبية العظمي من يهود العالم العربي إلى مادة استيطانية لاجذور لها في المنطقة وعلى استعداد لأن تُنقل إلى أي مكان وأن تُوظَّف لصالح من يقوم بعمليات النقل والتوظيف والتمويل.
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن أعداداً كبيرة من المستوطنين الفرنسيين في الجزائر كانوا يهوداً أتوا من فرنسا أو تم تجنيدهم من بين صفوف اليهود المحليين الذين كان يتم فرنستهم، كما كانت الفرقة الأجنبية (الفرنسية) تضم أعداداً كبيرة من اليهود.

ونحن نرى أن من الأفضل تفسيرياً أن ننظر إلى الدولة الصهيونية لا باعتبارها دولة عادية لها نمط إنتاجي مما هو معروف (إقطاعي ـ رأسمالي ... إلخ) وإنما باعتبارها دولة وظيفية، فهي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية على هيئة دولة. وقد تم توقيع عقد بلفور بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية العالمية والذي جرى بمقتضاه نقل من يرغب من اليهود إلى فلسطين ليصبح عنصراً استيطانياً قتالياً يدافع عن المصالح الغربية نظير مستوى معيشي مرتفع، وهذا هو نمط القتال نظير المال. ولذا، فإن إسرائيل، بالنسبة للراعي الإمبريالي الجديد (الذي حل محل البطالمة والسلوقيين والرومان والنبلاء البولنديين [شلاختا] ) ، هي أساساً، وظيفة تُؤدَّى ودور يُلعَب.
ولم يُطلَق مصطلح «مرتزقة» على الصهاينة لأن هذا المصطلح لا يترك انطباعاً طيباً في النفس البشرية، ولذا يُطلق الصهاينة على أنفسهم اسم «حالوتسيم» ، أي «المنخرطون في السلك العسكري في مقدمة الصفوف» ، ومن هنا تأتي ترجمتها بكلمة «الرواد» . ويُشار إلى إسرائيل بأنها قلعة على حدود أوربا في الشرق وحصن ضد الهمجية الشرقية. ومن المعروف أن المرتزقة، في العصور الحديثة، كانوا يوضعون دائماً في مقدمة الصفوف، أي على الحدود الأمامية، كما حدث على سبيل المثال عام 1956 عند إنزال القوات البريطانية أثناء العدوان على مصر، حيث أُنزل الأفارقة والهنود في بداية الأمر باعتبارهم مادة بشرية رخيصة، ثم أُنزلت المادة البشرية البريطانية الثمينة فيما بعد. وهذا هو وضع الدولة الصهيونية، والرواد الصهاينة، حيث يوضعون في المقدمة، فهم الشعب المختار للاستيطان والقتال.

ولا يُنظَر إلى الدولة الصهيونية إلا من منظور مدى نفعها: فهي تارة ثروة إستراتيجية، وهي تارة أخرى حاملة طائرات وحارس للمصالح الغربية. ولكنها، في جميع الأحوال، أداة ووسيلة وحسب لا غاية أو هدف. وتتسم الدولة الصهيونية الوظيفية أيضاً بالعزلة عما حولها حتى يتسنى لها الاضطلاع بوظيفتها بكفاءة.
وبعد أن ضمت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، تبلورت الأمور تماماً. وأدرك المستوطنون الصهاينة هويتهم كجماعة وظيفية استيطانية قتالية. وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته في فكر جماعة جوش إيمونيم التي ترى أن الاستيطان والقتال عبء مقدَّس ملقى على عاتق الشعب المختار، وأن على اليهودي أن يقبل مصيره الإلهي إذ لاخيار له.

ويمكننا أن نقول إن الدور الذي تلعبه الدولة الصهيونية، والوظيفة التي تضطلع بها، هما السلعة الأساسية التي تنتجها، وهما مصدر دخلها الثابت. ولذا، يمكننا الحديث عن هذا الدور باعتباره إحدى علاقات الإنتاج مع الإمبريالية (وعلاقات الفتك مع الشعب الفلسطيني المُستَهْدَف) . وقد سمينا المستوطنين الصهاينة «المماليك الاستيطانية القتالية» تمييزاً لهم عن «المماليك المالية» وهم الجماعات اليهودية الوظيفية المالية. ونحن نرى أن هذا النموذج التحليلي أكثر تفسيرية لأنه يفسر كثيراً من جوانب الاقتصاد الإسرائيلي والسياسية الخارجية الإسرائيلية. ومع هذا، فإننا نذهب إلى أن دور الدولة الوظيفية الصهيونية سيتغير، مع ظهور النظام العالمي الجديد، حيث سيتراجع دورها القتالي (المرتبط بوضعها الاستيطاني) وسيتحول «المماليك الاستيطانية القتالية» إلى «المماليك المالية» مرة أخرى، وسيحل رأس المال العالمي محل السيف والمدفع ورأس المال الربوي، وسيحمل الجنرال الإسرائيلي السابق السامسونايت بدلاً من المدفع الرشاش، وسيحضر بالطيران المدني المكيف بدلاً من الطيران العسكري وبالليموزين بدلاً من الدبابة، ولن يمطرنا بالصواريخ والنابالم، كما كان يفعل حتى عهد قريب، وإنما بعقود الصفقات التجارية المريبة والرشاوى الخفية التي تفسد العباد وتفلس البلاد.

وكما قال شمعون بيريز: «الشعب اليهودي لا يهدف إلى السيطرة وإنما يهدف إلى البيع والشراء» ، أي أن الجنرال أصبح إنساناً اقتصادياً يمثل شعباً مختاراً لعمليات البيع والشراء والأعمال المالية. ومثل هذا الإنسان لا يحب ولا يكره فهو يبحث عن الربح، كما أنه لا يصدع رأسه بالحديث عن القيم أو المطلقات أو الهويات، ولا يكنُّ احتراماً للآخر لأنه لا يكنُّ احتراماً لذاته، وهو في النهاية عنصر حركي طرح عن نفسه تراثه وقيمه ونزع نفسه من وطنه ليستوطن أرض الآخرين. وعلى هذا، فإن هدف العمليات القتالية والاستيطانية والمالية واحد في كل هذه الحالات، ضمان تدفق خيرات هذه الأرض لقوى خارجها.
وقد لُوحظ أن أعداداً كبيرة من الإسرائيليين تعمل مرتزقة في بعض دول العالم الثالث. وتشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 2000 فرد من الجيش الإسرائيلي عملوا كمرتزقة ومدربين في أفريقيا على مدى الأعوام الثلاثين الماضية بدءاً بالطيارين في أوغندا وانتهاءً بالمظليين في زائير. وتُوجَد شركات خاصة (مثل شركة ليفدان) يديرها جنرالات سابقون ويشغل صفوفها أفراد سُرِّحوا حديثاً من الجيش الإسرائيلي. ويتلقى المرتزق الإسرائيلي مبلغ 2500 دولار علاوة على بدلات أخرى. وقد صرح مسئول من الشركة بأن ما تفعله هذه الشركة لا يختلف عما كانت تفعله الحكومة الإسرائيلية لسنوات طويلة.
جماعة يهودية وظيفية تجارية
‏Jewish Trading Functional Group

«الجماعة الوظيفية التجارية» هي الجماعة التي يضطلع أفرادها بالتجارة والنشاطات التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بمهنة التجارة في كثير من المجتمعات الإنسانية. ويُفسِّر أعداء اليهود هذه الظاهرة بصيغهم اللفظية الجاهزة، مثل: «الطبيعة اليهودية الخاصة» أو «خصوصية الشخصية اليهودية» أو «النزوع الأزلي عند اليهود نحو استغلال الآخرين» . وهناك أيضاً التفسير الصهيوني الذي لا يقل تهافتاً عن الصيغ السابقة، وهو «أن المجتمعات التي عاش فيها اليهود فرضت علىهم مهنة التجارة ثم الربا فرضاً ومنعتهم من الاشتغال بالزراعة أو ملكية الأراضي الزراعية» . وهكذا، فبينما يرى التفسير الأول (المعادي لليهود) أن الأغيار ضحية عنف اليهود، يرى التفسير الصهيوني أن اليهود هم ضحية عنف الأغيار. وهذه الأقوال السابقة كلها لا قيمة لها من الناحية التفسيرية، ولولا شيوعها لما كلفنا أنفسنا عبء ذكرها أو الرد عليها.

ولكن، بدلاً من استخدام النماذج التفسيرية العنصرية الجاهزة التي تختزل التفاصيل وتعفي الإنسان من مشقة التفكير والتمحيص، يمكننا أن نستقرئ أحداث التاريخ المتعيِّن وبعض تفاصيله الدالة لنصوغ منها نماذج أكثر تركيبية وتفسيرية. لقد ورد ذكر العبرانيين لأول مرة في التاريخ المدوَّن على أنهم بدو رحل يقومون بالرعي والتجارة. ولكن، عند استقرارهم في أرض كنعان عملوا بالزراعة أساساً وظل نشاطهم التجاري محدوداً بل يكاد يكون منعدماً. ويُلاحَظ أن لفظ «كنعاني» كان مرادفاً للفظ «تاجر» (هوشع 12/8 وأشعياء 23/8 وأمثال 31/24) . ولعل هذا يُفسِّر خلو العهد القديم من الإشارة إلى التجارة باعتبارها نشاطاً اقتصادياً مهماً، بعكس الإشارات الكثيرة إلى الزراعة والقوانين والطقوس والشعائر والأعياد المرتبطة بها. وإن كان ثمة رأي يذهب إلى أن هذا لا يعكس بالضرورة حالة المجتمع العبراني قبل قيام المملكة المتحدة وإنما يعكس، في واقع الأمر، الموقف السلبي الذي اتخذه كُتَّاب العهد القديم المحافظون ضد التجار وشئون المال. ولكن مما له دلالته أن التلمود يضم كتاباً كاملاً يُسمَّى «زراعيم» يتناول أمور الزراعة.

ومهما تكن حقيقة الأمر، فقد تغيَّر الوضع مع ظهور المملكة العبرانية المتحدة التي كانت تشكل وحدة سياسية كبيرة نوعاً ما ولها سلطة مركزية أكثر مما كان علىه الحال إبان عصر القضاة. فقد كانت دولة في حاجة إلى تمويل المشروعات المعمارية الكبرى مثل هيكل سليمان، ووجدت أنه قد يكون من الممكن توفير الاعتمادات اللازمة من خلال النشاط التجاري. ومما شجع على هذا الاتجاه موقع فلسطين باعتبارها ممراً رئيساً بين التشكيلين الحضاريين الأساسيين في الشرق الأدنى القديم (مصر وبلاد الرافدين) ، فضلاً عن وقوعها على واحد من أهم طرق التجارة في العالم القديم، بحيث كان بإمكان من يحكمها أن يحقق أرباحاً كبيرة من خلال التجارة. وبالفعل، قامت الدولة العبرانية بتطوير العلاقات التجارية مع مدينة صور إحدى أهم القوى التجارية الاقتصادية آنذاك. واشتركت الدولتان في إنشاء أسطول في عتسيون جابر، ونشطت تجارة وصناعة التجميع، فكانت المملكة تشتري العربات الحربية من مصر وتُجمِّعها وتشتري الأحصنة من مصادر أخرى وتبيعها لملوك سوريا من الحيثيين والأراميين. وقد تكون قصة ملكة سبأ وزيارتها لسليمان دليلاً على ازدهار التجارة الدولية للمملكة العبرانية المتحدة. ومما يجدر ذكره أن الدولة احتكرت هذه التجارة. أما التجارة الداخلية، فيبدو أنها ظلت ضئيلة الشأن وبدائية تأخذ شكل المقايضة. ولم يتغيَّر الوضع كثيراً بعد انقسام المملكة المتحدة إلى المملكتين الشمالية والجنوبية.

ولكن الصورة تبدأ في التغير قليلاً مع التهجير البابلي، حيث اشتغل بالتجارة كثير من أعضاء الجماعة اليهودية المهجَّرين، خصوصاً أن الإمبراطورية البابلية كانت لديها تجارة دولية نشطة في ذلك الوقت. وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية في بابل إلى جماعة وظيفية وسيطة، وأصبح هذا هو النموذج السائد مع ازدياد انتشار الجماعات اليهودية في العالم القديم خارج فلسطين، إذ ظهرت جماعات يهودية وسيطة في أرجاء الدولة الفارسية وفي الإسكندرية وروما وفي أنحاء أخرى من العالم القديم. لكن هذا لا يعني أن جميع اليهود، في جميع أنحاء العالم، كانوا يعملون بالتجارة منذ التهجير البابلي، إذ أن من الثابت تاريخياً أن قطاعات كبيرة منهم ظلت تعمل بالزراعة في بابل وفي بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط.

وقد تبلور تماماً هذا الاتجاه نحو العمل بالتجارة مع سقوط الدولة الرومانية وبداية العصور الوسطى في القرن الخامس الميلادي، إذ تعرضت أوربا بعد سقوط الإمبراطورية لهجمات القبائل البربرية، مثل: الوندال والفرنجة والهن والقوط والسكسون والتيوتون وغيرهم، وهو ما أدَّى إلى تَحوُّل مركز الحياة ثانيةً من المدينة (التي كانت تمر بالمراحل الأولى من نموها) إلى الريف. وأدَّى هذا بدوره إلى حدوث تراخ شديد في عملية تَحوُّل الاقتصاد من إنتاج طبيعي استهلاكي يستند إلى القيمة الاستعمالية إلى إنتاج بضاعي يستند إلى القيمة التبادلية. ونتيجة ذلك، ظلت القارة الأوربية كياناً استهلاكياً بصورة أساسية، يُصدِّر العبيد والنساء والصبيان والفراء والسيوف ويستورد الأقمشة والحبوب والتوابل وغير ذلك من المنتجات التي تستهلكها بالدرجة الأولى طبقة الإقطاعيين والنبلاء. ونجم عن هذا استقطاب المجتمع الأوربي إلى طبقتين: طبقة السادة ملاك الأراضي وطبقة الفلاحين. وكانت أولاهما تحتكر التجارة، أما الثانية فلم تكن قادرة على الاضطلاع بها لعدم تَوفُّر رأس المال أو الخبرة لديها. لكن النشاط التجاري لم يكن من الاتساع بحيث يستدعي ظهور طبقة تجارية محلية. وأدَّى هذا الوضع إلى اتساع الهوة بين الطبقتين، ومن هنا كان من الطبيعي أن يضطلع بوظيفة التجارة جسم غريب مثل أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يقطنون المدن والموانئ مع التجار الفينيقيين. ويقول الحاخام آجوس: «لقد ورثت المسيحية القانون الروماني المعادي للتجارة والربا، بينما ورث اليهود المدن والحياة في المدينة وتقاليدها القانونية والحضارية» . وهذا قول يتسم بكثير من المبالغة ولكنه، مع هذا، يصف جانباً مهماً من الواقع.

وبعد الفتح الإسلامي وضم منطقة سوريا وفلسطين، تبلور دور اليهود كتجار داخل التشكيل الحضاري الغربي بصورة نهائية. وبالتالي اختفى التجار الفينيقيون، وفُتح المجال على مصراعيه أمام اليهود ليصبحوا الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة تقريباً في الغرب. بل وأصبحت الجماعات اليهودية، بانتشارها في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالمين الإسلامي والمسيحي، تشكل أول نظام ائتماني عالمي يُسهِّل عملية انتقال التاجر من بلد إلى آخر ويُيسِّر عمليات التبادل التجاري وينظمها. وبذلك، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون الجسر التجاري والمالي بين العالمين الإسلامي والمسيحي مع بداية العصر الوسيط في الغرب، ولعبوا دوراً خطيراً في التجارة الدولية بينهما. ومما يجدر ذكره أن التجارتين الدولية والمحلية كانتا مرتبطتين تماماً، إذ كان التاجر يحمل السلعة من بلد إلى آخر أو من سوق إلى آخر ويبيعها بنفسه أو يبيعها لتاجر يهودي آخر مقيم في المدينة. ويُقال إن أعضاء النخبة الحاكمة في مملكة الخَزَر كانوا يرغبون في تطوير التجارة بمملكتهم، ومن ثم اعتنقوا اليهودية حتى يمكنهم التمتع بالتسهيلات الائتمانية التي يتمتع بها اليهود في شتاتهم، أي انتشارهم.
ومن العناصر التي ساهمت في تحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، علاقتها الخاصة بالزراعة في أوربا إبَّان العصور الوسطى (انظر: «علاقة الجماعات اليهودية بالزراعة» ) .

ولعل العنصر الحاسم في عملية تحويل أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة هو اكتمال ملامح النظام الإقطاعي، فهو مجتمع يقوم على التفرقة بين الطبقات والجماعات ويحافظ على استقلال كل واحدة منها وعلى هويتها، كما أنه مجتمع يستند إلى التضامن المسيحي. وقد كان على الفلاح أن يقسم يمين الولاء الديني، كما كان الملوك يحكمون بالحق الإلهي للملوك. ولهذا، لم يَعُد بإمكان اليهودي أن ينتمي إلى مثل هذا المجتمع بعد تبلور هويته المسيحية، فلم يَعُد بوسع اليهودي، على سبيل المثال، أن يؤدي الخدمة العسكرية أو يمتلك الأراضي أو يزرعها لأن كل هذا يتطلب يمين الولاء المسيحي. ولمّا كانت الزراعة والقتال هما الوظيفتان الأساسيتان في المجتمع الإقطاعي الغربي فقد تَحوَّل اليهودي بالدرجة الأولى إلى غريب، كما استُبعد على المستوى الاقتصادي والديني والحضاري، أي على جميع المستويات تقريباً. ولذا لم يكن أمام أعضاء الجماعات اليهودية سوى أن يملأوا الفراغات في المجتمع ويضطلعوا بالوظائف التي ليست من صميم بنيته، أي أنهم تَحوَّلوا إلى وسطاء عليهم شراء المواثيق من الملوك والأمراء، وتوثقت علاقتهم بالسلطة الدنيوية الحاكمة حتى أصبحوا أقنان بلاط يتبعون التاج الملكي والخزانة الملكية ويُوضَعون تحت حماية الملك ويشكلون ما يشبه الملْكية الخاصة له، يحققون له الأرباح عن طريق التجارة والقيام بنشاطات مالية وإدارية أخرى مثل: جمع الضرائب والعمل في بعض الصناعات، أي أنهم أصبحوا جزءاً من الطبقة الحاكمة وأداة طيعة لها.

وقد يكون من المفيد هنا أن نحذر من افتراض وجود نموذج عام يُطبَّق بأسلوب واحد وعلى مستوى العالم الغربي من مرحلة زمانية إلى مرحلة زمانية أخرى. فالنموذج الذي طرحناه عام للغاية ويصلح إطاراً تصورياً متحرراً إلى حدٍّ ما من الزمان والمكان، وذا قيمة تحليلية وحسب، ويظل التطور التاريخي ذاته مختلفاً ومليئاً بالتعرُّجات والنتوءات. ويمكننا أن نقول إن النموذج ينطبق إلى حدٍّ كبير على إنجلترا، وبدرجة أقل على فرنسا حيث كان يوجد يهود يعملون بالزراعة. وفي ألمانيا، استولى النبلاء على حق ملكية اليهود إذ أصدر تشارلز الرابع مرسوماً بذلك في عام 1356 يسمح لهم بامتلاك وحماية اليهود. وكان هناك يهود يعملون بالحرَف، مثل الصباغة وصناعة الحرير والدباغة والصياغة، خصوصاً في إسبانيا الإسلامية وإسبانيا المسيحية. ويختلف الوضع في إيطاليا من مقاطعة إلى أخرى ومن مرحلة زمنية إلى أخرى. ويمكن أن نضيف أن شرق أوربا كان وثنياً حتى القرن العاشر الميلادي، أي أنه ظل خارج هذا الإطار تماماً لفترة زمنية طويلة. وحينما انضوى تحت هذا الإطار، فإنه ظل تشكيلاً اقتصادياً له خصوصيته، ولعب اليهود داخله دوراً مغايراً بعض الشيء عن الدور الذي لعبوه في غرب أوربا ووسطها.

وبعد كل هذه التحفظات، يمكننا أن نبدأ في عرضنا التاريخي، ونشير إلى أن اليهود أصبحوا ـ منذ القرن الخامس الميلادي ـ تجاراً دوليين ومحليين وازدادت أهميتهم مع الفتح الإسلامي. وقد أشار ابن خرداذبة إلى التجار الراذانية باعتبارهم تجاراً دوليين يمتد نشاطهم في كل أرجاء العالم القديم. وقد احتكر أعضاء الجماعات اليهودية معظم التجارة الدولية، سواء في حوض البحر الأبيض المتوسط أو في الطريق البري الشمالي عبر القارة الأوربية من خلال بلاد السلاف، في الفترة بين عامي 800 و1200. وكانوا يقومون بتجارة الأنسجة والفراء والعقاقير والسلع التَرفَيِّة التي يأتون بها من الشرق والرقيق الذي يأتون به من بلاد السلاف التي اشتُق اسمها من كلمة من لاتينية العصور الوسطى إسكلافوس scelavus أي «عبد» ، ومن هنا أيضاً تسميتهم «الصقالبة» . ولهذا، أصبح اليهودي المتجول معروفاً في كل مدينة وبلدة وفي كل سوق ومولد. وكانت الدول التي تريد إنعاش حركة التجارة فيها ترسل في طلب بعض اليهود وتوطنهم كي يقوموا بدور الوسيط وينشطوا الحركة التجارية التي يعجز المجتمع الزراعي بتنظيمه الجامد التقليدي عن القيام بها. ولهذا السبب، كان يُنص في المعاهدات أحياناً على تَبادُل اليهود. فقد اشترطت مدينة رافنا في معاهدة عُقدت مع البندقية في أواخر العصور الوسطى أن ترسل المدينة الأخيرة بعض اليهود ليقوموا بالأعمال المصرفية والتجارية فيها. كما كان الملوك يحاولون الحفاظ على اليهود ضمن اهتمامهم بالتجارة والحركة التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بالتجارة إلى درجة أن كلمة «تاجر» أصبحت مرادفة لكلمة «يهودي» تقريباً. ففي أحد المواثيق الألمانية الصادرة في القرن العاشر الميلادي (965) ترد إشارة إلى «اليهود والتجار الآخرين» . غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن التجارة التي اشتغل بها أعضاء الجماعات اليهودية تتسم بصفتين أساسيتين، أولاهما أن التجارة اليهودية هي ما

يعرف باسم «التجارة البدائية» ، وهي تجارة تختلف عن التجارة الحديثة من عدة وجوه. فالتجارة الحديثة هي جزء عضوي وأساسي من نظام المجتمع الرأسمالي والرأسمالية الرشيدة، أما التجارة البدائية فتلعب دوراً ثانوياً وهامشياً في مجتمعات ما قبل الرأسمالية (العبودي والإقطاعي وغيرهما) ، حيث يتميَّز الإنتاج في هذه المجتمعات بأنه إنتاج لقيمة استعمالية وليست تبادلية، أي أن الإنتاج كان موجهاً نحو إشباع حاجات المجتمع وحسب، وإذا ما تَبقَّى فائض من السلع بعد أن يستهلك المجتمع ما يريد، يقوم التاجر البدائي بنقله من هذا المجتمع إلى مجتمع آخر. كما كانت تنشأ داخل مجتمعات ما قبل الرأسمالية، حاجة إلى بعض السلع الكمالية مثل التوابل والذهب، فكان التاجر البدائي يقوم بتوريدها وسد الحاجة التي تنشأ إلىها. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار التجارة البدائية تجارة هامشية دون أن يضفي هذا الاعتبار إيحاءات سلبية، فهي لا تلعب أيَّ دور في حركة الإنتاج وإنما تظل على هامشها.
والصفة الثانية للتجارة اليهودية وثيقة الصلة بالأولى. فالتجارة اليهودية، على خلاف التجارة التي تطورت بين المسيحيين، كانت منذ البداية مرتبطة بالطبقة الحاكمة في المجتمع الإقطاعي، حيث كان التاجر اليهودي (وكذلك المرابي اليهودي) ، كما أسلفنا، ملكية للأمير أو الإمبراطور أو النبيل الإقطاعي، وكان يقوم بالتجارة ليحقق أرباحاً لا تتحول إلى رأسمال مستثمر في المجتمع وإنما تصب في خزائن النبيل الإقطاعي من خلال الضرائب والإتاوات التي كان على اليهود دفعها. ومن هنا، كانت التجارة اليهودية تعبيراً عن العلاقات القائمة في المجتمع الإقطاعي ولا تشكل نقيضاً لها على الإطلاق. ولعل هذا ما كان يعنيه ماركس حين أشار إلى وجود اليهود في مسام المجتمع الإقطاعي، فهم فيه وليسوا منه، وهم هامشيون في وجودهم لا يشكلون أي تحدٍّ له.

ولكن حركيات التطور داخل المجتمع الغربي، التي جعلت اليهود يضطلعون بدور التجارة الدولية والمحلية، هي ذاتها التي جعلت استمرارهم فيها مستحيلاً. وبعد أن كان وضعهم القانوني مستقراً، بدأ هذا الوضع في الانهيار مع تضاؤل أهمية دورهم الاقتصادي. ويمكن أن نورد بعض الأسباب التي أدَّت إلى هذا الوضع:
1 ـ سيطرت المدن الإيطالية في القرن العاشر الميلادي على التجارة في حوض البحر الأبيض المتوسط. ومما عقَّد الأمر بالنسبة للتجار اليهود، عدم وجود الإمكانات المالية أو العسكرية الكافية لامتلاك الأساطيل البحرية، وهو أمر كان متاحاً لمدينتي البندقية وجنوة اللتين كانتا تمتلكان أساطيل تجارية قوية وكانتا من أوائل المدن/الدول الأوربية التي ظهرت فيها طبقة تجارية نشطة. وقد حاولت هاتان المدينتان قدر استطاعتهما أن توقفا التجارة اليهودية. ومما عوض اليهود لبعض الوقت عن فقدانهم تجارة المتوسط تنشيط تجارتهم من خلال الطريق البري الذي يمر عبر الدول السلافية ابتداءً من إسبانيا وانتهاءً بالبحر الأسود.
2 ـ ساهمت حروب الفرنجة التي يُطلَق عليها اسم «الحروب الصليبية» ، وهي تعبير عن الإرهاصات الأولى لولادة الرأسمالية الأوربية، في القضاء على كثير من مراكز التجمع التجاري اليهودي في أوربا. وإلى جانب ذلك، دعمت هذه الحروب العلاقات بين الدول الأوربية المختلفة وبدأت تظهر شبكة علاقات بينها. كما أصبح الطريق إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، وغيره من الطرق، مفتوحاً بعد أن أخذ التجار المسيحيون يتحركون بسهولة خلف جنود حملات الفرنجة. وقد ظهرت شبكة طرق في القارة الأوربية استخدمها التجار المسيحيون، ولكنها لم تكن آمنة بالنسبة للتجار من أعضاء الجماعات اليهودية، حتى أن السلطات سمحت للتجار اليهود بالتظاهر بأنهم مسيحيون حتى يمكنهم الانتقال بسهولة والاستمرار في تجارتهم.

3 ـ بدأت تظهر هياكل مركزية حكومية في بعض الدول الأوربية مثل إنجلترا وفرنسا مع القرن الثالث عشر الميلادي، وفي إسبانيا بعد ذلك التاريخ. وهذه الهياكل لم تجد في أعضاء الجماعات اليهودية ـ من حيث هم أقنان بلاط ـ فائدة كبرى، ولذا طُرد اليهود في تلك المرحلة. ورغم عدم قيام سلطة مركزية في ألمانيا، فإن وضع اليهود تخلخل تماماً هناك.
4 ـ بدأت تظهر في أوربا طبقة تجارية محلية بلغت شيئاً من القوة في القرن الحادي عشر الميلادي. وقد أخذت قوة هذه الطبقة في التعاظم، فبدأ التجار والحرَفيون في تكوين نقابات تضمهم وتقوم بالضغط لصالحهم، وتحاول طرد التاجر اليهودي المنافس الذي كان يحظى بالدعم من السلطة الإقطاعية. وبدأت المدن تكتسب شيئاً من القوة والاستقلال، ووصلت حركة استقلالها إلى ذروتها مع القرن الثالث عشر الميلادي، واستولى التجار من الطبقة الوسطى بصورة متزايدة على المجالس المدنية والحكومات المحلية.
ومما يجدر ذكره أن الرأسمالية الحديثة أو الرشيدة في الغرب وُلدت على يد هؤلاء التجار المسيحيين وداخل جدران هذه المدن المستقلة الجديدة لا بين صفوف أعضاء الجماعات اليهودية أو داخل الجيتو أو الشتتل. حيث قام هؤلاء التجار بالاستثمار بعيد المدى في إنتاج سلعة ما وتخصصوا فيها وفي تصنيعها وتسويقها، أي أن العملية الإنتاجية لم تَعُد تهدف إلى إشباع الرغبات كما هو الحال داخل النظام الإقطاعي، بل إلى إنتاج سلع بهدف بيعها. وقد قام هؤلاء التجار المسيحيون بتضييق الخناق على التجار اليهود بدرجات متفاوتة من النجاح. وبدأت تسقط معاقل التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها حتى اختفت التجارة اليهودية تماماً مع القرن السادس عشر الميلادي، باستثناء بعض الجيوب في إيطاليا ووسط ألمانيا حيث تَركَّز نشاطهم بالدرجة الأولى في الربا وأعمال الرهونات، وإن ظلوا يقومون بدور تجاري أيضاً.

وبالتدريج، أخذ أعضاء الجماعات اليهودية في تحويل مدخراتهم إلى النوع السائل الذي يَسهُل حمله من بلد إلى بلد، وتَحوَّل اليهودي إلى مبادلة النقد ثم إلى إقراضه بالفائدة العالية، أي أنه وجد نفسه خارج النشاط الزراعي ثم خارج النشاط التجاري فتَحوَّل من تاجر إلى مراب، وتَحوَّل اليهود ككل من جماعة وظيفية وسيطة تقوم بدور الوساطة بين طبقات المجتمع إلى جماعة وسيطة عميلة تقوم بدور الوساطة ولكنها في الوقت نفسه أداة في يد الطبقة الحاكمة أولاً وقبل كل شيء.
ولكن معدلات النمو لم تكن متساوية في أوربا، فلم تكن البنية الاقتصادية لشرق أوربا تشبه البنية الاقتصادية لغربها مع بداية العصور الوسطى. ولذا، رحبت النخبة الإقطاعية الحاكمة في بولندا وليتوانيا في أواخر القرن الثالث عشر بالعناصر التجارية، مثل اليهود والأرمن والتجار الألمان، لتطوير القطاع التجاري الدولي والمحلي فيها، دون اللجوء إلى بورجوازية محلية لها جذور في المجتمع ولها قاعدة جماهيرية فيه قد تطالب بقدر من الاستقلال بعد أن يقوى ساعدها، وقد تطالب بالمشاركة في صنع القرار وتُصرُّ على تَبنِّي سياسة تهدف إلى حماية الصناعة والتجارة المحلية، الأمر الذي قد يُضرُّ بمصالح كبار الملاك الإقطاعيين الذين كانوا يُصدِّرون محاصيلهم إلى الغرب ويحتكرون التجارة في بعض السلع الحيوية. ومن ثم، وجد النبلاء الإقطاعيون البولنديون في التجار اليهود ضالتهم المنشودة لأنهم أكثر العناصر بُعداً وغربة عن البيئة، وبالتالي يمكنهم القيام بالنشاط التجاري والمالي والصناعي دون تشكيل أي خطر على انفتاح الاقتصاد الإقطاعي البولندي، فأصبحوا أداة هذا الإقطاع. وقد ظهر في بولندا يهود الأرندا الذين لعبوا دوراً أساسياً في تصدير المحاصيل البولندية إلى أوربا، ولاسيما إبَّان حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648 (.

وقد اضطلع يهود الأرندا بأنشطة مالية وصناعية أخرى مثل تحصيل الضرائب واحتكار تجارة الملح، وساهموا بذلك في ملء خزائن النبلاء وفي ضرب البورجوازية المحلية.
وبعد سقوط التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها وانسحاب التجار اليهود منها، ظهر عنصر جديد هو يهود إسبانيا والبرتغال من المارانو السفارد الذين طُردوا من شبه جزيرة أيبريا مع نهاية القرن الخامس عشر وانتشروا في أوربا والدولة العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي. وكان يهود المارانو يمتلكون الخبرات اللازمة ورأس المال اللازم للأعمال المالية الكبرى، وهو ما جعلهم يمولون كثيراً من الشركات الاستعمارية الجديدة وعمليات الاستيطان والاستثمار في العالم الجديد. فاستقروا في البرازيل واشتركوا في تجارة السكر والرقيق والمنسوجات حيث استفادوا بعلاقاتهم بالحكومة البرتغالية التي كانت تملك مستعمرات في أفريقيا مثلت مصدراً جيداً للعبيد.

وشهد منتصف القرن السابع عشر الميلادي ذروة تطوُّر الدور الاقتصادي للجماعات اليهودية في أوربا والعالم، حيث اكتملت حلقة ما يمكن تسميته «التجارة الدولية اليهودية» ووصلت إلى قمتها وأصبحت عالمية بشكل لم يسبق له مثيل. وكان يهود المارانو هم حلقة الوصل الأساسية في هذه التجارة، فتركزوا في المدن الأوربية الكبرى، خصوصاً في تلك البلاد التي يتبعها إمبراطوريات مثل هولندا وإنجلترا وإسبانيا والبرتغال، حيث احتفظ المارانو بعلاقتهم مع أقاربهم الذين لم يُطرَدوا من شبه جزيرة أيبريا. وبذلك أصبحوا يلعبون دوراً أساسياً في تجارة الأطلسي والعالم الجديد. كما تركز المارانو في هامبورج وبوردو وبايون، وظهر من بينهم (ومن صفوف الإشكناز) يهود البلاط الذين لعبوا دوراً أساسياً في تجارة الإمارات الألمانية ووسط أوربا بشكل عام. وكانت تساعد هذا المركز الأوربي قاعدة ضخمة من صغار التجار اليهود وتجار العملة، حيث كان يهود الأرندا الإشكناز في بولندا، الذين امتدت نشاطهم من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، يشكلون أحد أجنحتهم المهمة. أما الجناح الآخر، فتَمثَّل في يهود الدولة العثمانية الذين تمركزوا في موانئ البحر الأبيض المتوسط. بل وكان للمارانو - كما أشرنا - قاعدة في المغرب وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي المستعمرات الهولندية والإسبانية والبرتغالية والإنجليزية في العالم الجديد. وهكذا اكتملت هذه الحلقة التجارية الدولية الضخمة. ومع أواخر القرن السابع عشر الميلادي، بدأ يهود الإشكناز انتشارهم مرة أخرى في أنحاء العالم إلى أن أصبحوا أغلبية يهود العالم.

ويُلاحَظ أن عودة اليهود إلى دول غرب أوربا، في القرن السابع عشر الميلادي، كانت عودة إلى دول لها مشروعها الرأسمالي الاستعماري الضخم المتكامل. ولكن، رغم أنهم كانوا يمثلون عنصراً تجارياً نشطاً، إلا أنهم لم يشكلوا عنصراً مستقلاً يمثل تجارة يهودية ملتصقة بالإقطاع، بل أصبحوا تجاراً يدينون باليهودية ويشكلون جزءاً من كلٍّ غربي لا يتحكمون فيه ولا يشكلون فعالية مستقلة داخله، حتى وإن تمتعوا بقدر من الاستقلال، لأنه في النهاية قَدْر صغير لا يؤثر على الاتجاه العام للرأسماليات التي ينتمون إليها. وقد ظلت التجارة اليهودية الهامشية قائمة في وسط أوربا وشرقها بدرجة أكبر حتى عصر الإعتاق (في القرن الثامن عشر) ، فظهرت بورجوازيات محلية في ألمانيا ثم بولندا أخذت تزاحم التجار اليهود وتطردهم. وقد تدهور وضع التجار اليهود، خصوصاً في بولندا بعد تقسيمها وبعد تَدنِّي وضع اليهود الاقتصادي فيها. ومن هنا ظهرت مسألة يهودية في كل من هذه البلاد.

وكان للتجارة اليهودية دائماً بُعد سلبي أو مظلم، فقد كانت تجارة هامشية طفيلية " تعيش على تَخلُّف المجتمع " على حد قول ماركس، وتتسلل دائماً إلى الشقوق الناجمة عن التخلف، وإلى الأطراف التي تحفّ بها المخاطر ولا تجد من يعمل فيها، ولذا نجد أن أعضاء الجماعات اليهودية اشتغلوا بتجارات مشينة مثل: تجارة الرقيق والمشروبات الكحولية والرقيق الأبيض، وهي جميعاً تجارات كريهة للنفس البشرية. فكانت تجارة المشروبات الكحولية في شرق أوربا من النشاطات التجارية الأساسية بينهم، وكانت مشكلة السكْر مشكلة أساسية تواجه الفلاحين والأقنان في شرق أوربا، وهو ما زاد سخط الجماهير عليهم. كما أن احتكار أعضاء الجماعات اليهودية لبعض السلع الأساسية، مثل الملح (لحساب النبلاء الإقطاعيين) ، جعلهم في حالة احتكاك وتوتر دائمين مع الفلاحين وكل عملائهم، رغم أن أرباح تجارة الكحول والملح كانت تَصبُّ أساساً في خزائن النبلاء ولم يكن اليهود سوى وسطاء فيها. ومنذ عام 1880، ومع تدهور دورهم التجاري، اشتغل بعض أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الرقيق الأبيض، فكانوا يُصدِّرون الفتيات اليهوديات من منطقة الاستيطان عبر جاليشيا إلى العالم الجديد، خصوصاً إلى الأرجنتين. وقد وصل نشاط تجار الرقيق الأبيض من اليهود إلى مصر والهند والصين أيضاً.
كما أدَّى التدني التدريجي لوضع أعضاء الجماعات اليهودية، وتضييق الخناق عليهم، إلى اشتغالهم بأنواع من التجارة غير المشروعة مثل تهريب السلع دون دفع جمارك عليها. وساعدهم في ذلك تَوفُّر شبكة الاتصالات الضخمة لديهم، وتَحدُّثهم باللغة اليديشية التي لم يكن يفهمها سواهم. وكانت مثل هذه النشاطات مسئولة عن ظهور الصورة السلبية التي أشاعها عن اليهود المعادون لهم، وعمموها بعد عزلها عن الظروف الاجتماعية التي أدَّت إلى ظهورها، بحيث تحوَّلت هذه الصورة إلى نموذج يُعبِّر عن الطبيعة الأزلية لليهود!

وقد حاربت مختلف الحكومات بقايا التجارة اليهودية وعزلتها، وحاولت دمج أعضاء الجماعات اليهودية عن طريق تحويلهم إلى عناصر اقتصادية منتجة، إلى أن قضت الثورات الشيوعية والإبادة النازية لبعض يهود الغرب على البقية الباقية من التجارة اليهودية الشرعية وغير الشرعية.
ويُلاحَظ أنه لا يوجد أثر للتجارة اليهودية في الولايات المتحدة، إذ أن اليهود هاجروا مع ملايين المهاجرين إلى مجتمع تجاري علماني نفعي يحكم على الأعضاء بمقدار مدى نفعهم ومدى إسهامهم الاقتصادي في مجتمعهم.
ومع هذا، تركت التجارة اليهودية أثرها في يهود روسيا السوفيتية حيث تواجدت أعداد كبيرة منهم في قطاع تجارة التجزئة والسوق السوداء. أما في الولايات المتحدة، فيظهر أثر الميراث الاقتصادي للمهاجرين اليهود في تَركُّز رأس المال اليهودي في الصناعات القريبة من المستهلكين، مثل السينما والملابس، وفي بُعدهم عن الصناعات الثقيلة التي تتطلب استثماراً بعيد المدى وتنطوي على مخاطر كبيرة. ولكن ميراث التجارة اليهودية آخذ في الزوال تماماً.
وقد ترك اشتغال يهود العالم الغربي بالتجارة والأعمال المالية أثره العميق فيهم، إذ يُعَدُّ اشتغالهم بالتجارة سبباً في «استمرارهم» واحتفاظهم بنوع من الاستقلال العرْقي والقومي، وهذه سمة أساسية في الجماعات الوظيفية.
والتجارة اليهودية التي تفترض انعزال التاجر عن مجتمعه هي الأساس الاقتصادي للجيتو ولكثير من التصورات الدينية والفكرية التي يُقال لها «قومية» والتي تتحدث عن «الشعب اليهودي» و «الشعب المختار» الذي يُوجَد على هامش التاريخ أو ربما خارجه، شأنها شأن التاجر اليهودي.

والتجارة اليهودية مسئولة عن تحديد صورة اليهودي في أدبيات معاداة اليهود. فاليهودي يظهر على أنه التاجر والمموِّل الشره والرجعي المحافظ في آن واحد. وربما يعود هذا إلى أن التجارة اليهودية نشاط شبه رأسمالي ولكنها تجارة مرتبطة بالنظام الإقطاعي، ولذلك فهي شيء مُبهَم يَصعُب تصنيفه. بل ويُقال إن الفلاحين كانوا ينظرون إلى التجارة اليهودية باعتبارها ضرباً من السحر، نظراً لطبيعتها الهامشية والطفيلية. فالنبيل الإقطاعي والفلاح يعملان بالزراعة، ولا غرابة إذا ظهرت ثمرة جهدهما، لأنهما يقومان بجهد في تحويل مادة ما (الأرض) إلى شيء آخر (الثمرة) من خلال الجهد الإنساني، أما اليهودي فكان لا يملك سوى رأسماله الذي يقوم بتحريكه (شراء السلع وبيعها) فيراكم الثروات دون جهد أو عمل دون أن ينتج شيئاً ملموساً وكأنه ساحر يخرج الأرنب من القبعة بتحريكها.
والفكر الصهيوني ذو بُعد تجاري واضح، فهرتزل والصهاينة يتحدثون باستمرار وجدية عن شراء حائط المبكى بل وعن شراء فلسطين ذاتها. وانطلاقاً من التصور التجاري نفسه، لا يزال الإسرائيليون يتحدثون عن دفع تعويضات للفلسطينيين نظير أن يبحثوا لأنفسهم عن وطن آخر، كما تُقدِّم الحركة الصهيونية ما يشبه الرشوة لليهود السوفييت ليهاجروا إلى الأرض المقدَّسة. وأخيراً، فإننا نميل إلى تسمية الدولة الصهيونية بالدولة الوظيفية، فهي تلعب دوراً يشبه في كثير من النواحي دور التجارة اليهودية في أوربا. كما أن الدولة الصهيونية هامشية ترتبط مصالحها بمصالح الإمبريالية الغربية مثل ارتباط التجار اليهود بالطبقات الحاكمة التي كانت تستخدمهم أداة لضرب القوى الوطنية المحلية.
الراذانية
‏Radhanites

«الراذانية» جماعة من التجار اليهود، وورد اسمهم في صيغتين: الراذانية عن ابن خرداذبه والرادانية عند ابن فقيه. ويُقال إن الاسم مُشتق من كلمة «ردن» الفارسية بمعنى «عرف الطريق» . وهناك من يذهب إلى أنه من الكلمة «رادنوس» اللاتينية (نهر الرون) . ويختلف الباحثون في أصلهم فيقول البعض إنهم من جنوب فرنسا، بينما يذهب البعض الآخر إلى أنهم أصلاً من العراق. وقد وصف ابن خردازبه في كتابه المسالك والممالك نشاطهم في المجال التجاري، قائلاً إنهم يتكلمون «العربية والفارسية والرومية [اليونانية] والإفرنجية [لغة الفرنجة أي الفرنسية القديمة] والأندلسية [الإسبانية] والصقلية [اللغات السلافية] » . وهم يسافرون من الغرب إلى الشرق براً أو بحراً، من فرنسا إلى السند والهند والصين ثم يعودون حاملين من الصين المسك والعود والكافور. وهم في رحلتهم هذه يسلكون عدة طرق. يجلبون من الغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف. وقد استمر نشاط التجار الراذانية حتى القرن التاسع الميلادي حين سيطرت المدن/الدول الإيطالية على التجارة الدولية.
جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض)
‏Jewish Financial Functional Group (Usury and Money Lending)

«الجماعة الوظيفية المالية» هي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بوظائف مالية مختلفة مثل الربا وجمع الضرائب. ويُفرِّق علم الاقتصاد الحديث والمؤرخون الاقتصاديون في الغرب بين الربا والإقراض بفائدة. ففي الإطار الربوي يتم الإقراض لسد حاجة أو لدفع ضريبة أو جزية أو لبناء قصر أو كنيسة أو لتجريد حملة عسكرية. والقرض الربوي لا يصبُّ في أية عملية إنتاجية، كما أن سعر الفائدة يكون عالياً جداً وغير محدَّد، وغالباً ما يُحدَّد في ضوء مدى حاجة المدين إلى القرض. أما الإقراض بفائدة، فقد عُرِّف بأنه إقراض مبلغ من المال بهدف استثماره في شراء البضائع أو في مشروع صناعي لتحقيق ربح، والقرض هنا يصبُّ في العملية الإنتاجية وعادة ما يتم تحديد نسبة فائدة معقولة. لكن هذه التفرقة لم تكن معروفة أو معمولاً بها في العصور القديمة حتى الثورة الصناعية في الغرب. ولذلك، فسوف نستخدم مصطلح «الربا» للإشارة إلى عملية الإقراض بفائدة أياً كان الهدف وأياً كان سعر الفائدة، خصوصاً وأن الإقراض اليهودي كان في معظمه ربوياً بالمعنى الاصطلاحي للكلمة. وقد ارتبطت صورة اليهودي بشخصية المرابي في العقل الغربي وعَبْر التاريخ الغربي، وهي الصورة التي خلدها شكسبير بشخصية شيلوك في مسرحية تاجر البندقية. وقد فسر المعادون لليهودية اشتغال اليهود بالربا، مثلما فسروا اشتغالهم بالتجارة، على أنه جزء من طبيعتهم الأزلية ونزوعهم الأبدي نحو امتصاص دم الآخرين، في حين فسره المؤرخون الصهاينة بأنه وظيفة فُرضت على اليهود فرضاً باعتبارهم ضحايا أزليين لذئاب الأغيار. وليس لهذين التفسيرين أية علاقة بالواقع المتعيِّن للجماعات اليهودية.

فقد كان العبرانيون، حين ظهروا لأول مرة في التاريخ، بدواً رُحَّلاً لا يتعاملون بالنقود، ولذا لم يكن هناك مجال للإقراض أو الاقتراض. ولم يكن اقتصاد المملكة العبرانية المتحدة متقدماً بما فيه الكفاية ليتطلب السيولة النقدية اللازمة لعمليات الاستثمار أو حتى لشراء السلع التَرفَيِّة، حيث كان الاقتصاد الداخلي بدائياً مبنياً على المقايضة والتبادل. أما الإنشاءات المعمارية التي قامت بها الدولة، فتم تمويلها من خلال التجارة الدولية التي احتكرتها.
واشتغل العبرانيون المُهجَّرون إلى بابل بالزراعة، ولكن أعداداً منهم بدأت تقطن المدينة حيث اشتغلوا بالتجارة الدولية والمحلية، وظهرت بيوتات مالية تجارية ـ مثل بيت موراشو ـ كانت تُقدِّم القروض نظير فوائد. ويبدو أن بعض يهود الإسكندرية اشتغلوا بأعمال الربا، فيَذكُر يوسيفوس أن كبير الموظفين (ألبارخ) الإسكندري أقرض الملك أجريبا مبلغاً من المال. ولكن حالة يهود الإسكندرية كانت الاستثناء وليست القاعدة، ولذا لا نجد حتى القرن الرابع الميلادي أي هجوم على اليهود باعتبارهم مرابين.

ومع القرن السادس الميلادي، بدأ اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا في الإمبراطورية الفرنجية. كما ظهر مرابون يهود في العالم الإسلامي، ولكنهم لم يحتكروا هذه المهنة إذ اشتغل بها أعضاء الأقليات العرْقية والدينية الأخرى كما اشتغل بها بعض أعضاء الأغلبية. ولم تتركز أغلبية اليهود في هذه المهنة بل كانوا يعملون في معظم الحرف والمهن الأخرى. وبدأ تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي في مهنة الربا ابتداءً من القرن العاشر الميلادي. وفي محاولة تفسير هذه الظاهرة، تُساق عدة أسباب ربما كان أهمها اضطرار اليهود إلى اعتزال التجارة الدولية والمحلية، وظهور المدن/الدول الإيطالية، وحروب الفرنجة، وتشكيل نقابات الحرَفيين. ومن ثم اضطر اليهود إلى تحويل ممتلكاتهم إلى رأسمال سائل يَسهُل حمله، وإلى الاشتغال بأعمال الصيرفة واستبدال العملة ثم الربا. وقد شجعت على هذه العملية عدة أسباب أخرى أهمها:
1 ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون جماعة وظيفية وسيطة في التشكيل الحضاري الغربي. والجماعة الوسيطة هي التي تضطلع بوظائف (مثل الاتجار والإقراض بالربا) لا يقبل أعضاء المجتمع القيام بها بسبب ارتباطهم بأواصر قرابة أو صداقة أو جيرة تجعل دخولهم في علاقات موضوعية باردة محايدة أمراً عسيراً. ومن هنا كان من المنطقي أن يعمل أعضاء الجماعة اليهودية الوسيطة، الذين يقومون بمهنة التجارة، بالربا حينما تضطرهم الظروف إلى تغيير وظيفتهم.
2 ـ ولعل التنظيم الجامد للمجتمع الإقطاعي الغربي لعب دوراً أساسياً في هذا المضمار، فلم يكن أمام التاجر اليهودي الذي كانت تُغلَق أمامه فرص التجارة بدائل كثيرة مطروحة، إذ لم يكن بمقدوره أن يعمل في الزراعة أو القتال أو في كثير من الحرف الأخرى، خصوصاً بعد تشكيل نقابات الحرفيين التي كانت تُعَد أكثر القطاعات عداء لليهود.

3 ـ تُحرِّم الكنيسة الربا على المسيحيين حيث صدرت عدة قرارات في هذا الشأن. وكان أولها قرار اتُخذ في مجمع نيقيا في عام 325 ثم في مجمع أورليان في عام 538، ولكن هذه القرارات كانت تُحرِّم الربا على رجال الدين لا على جميع المسيحيين، إلى أن صدر قرار شارلمان عام 789. ووصل التحريم قمته في المجمع اللاتراني الثالث عام 1179 حيث شمل التحريم كل المسيحيين ( «إن الذين يجهرون بالربا لا يُقبَلون في العشاء الرباني وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يُدفَنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صلواتهم» ) . أما اليهودية فلم تُحرِّمه، ولكنها حرَّمت إقراض اليهودي لأخيه اليهودي بالربا، فقد جاء في سفر التثنية (23/19 - 20) «لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يُقرَض بربا للأجنبي. تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها» ومن المعروف أن الجماعات الوظيفية تتبنى مقاييس أخلاقية مزدوجة، مقاييس تنطبق على عضو الجماعة وأخرى تنطبق على أعضاء المجتمع المضيف. ومع هذا، يجب الإشارة إلى أن الفقه الديني اليهودي لم يتقبل بسهولة مسألة الإقراض بربا وقد قال راشي في القرن الحادي عشر الميلادي «إن كل من يقرض أجنبياً بفائدة سيهلك»

وقد أصبح التحريم أقل حدة في القرن الحادى عشر الميلادي عندما أصدر أحد الحاخامات فتوى مفادها أن اليهودي ينبغي عليه ألا يقرض الأغيار بربا، حين يكون بوسعه أن يكسب رزقه بطريقة أخرى. كما أصدر الحاخام أليعازر بن ناثان (من ألمانيا) فتوى مماثلة جاء فيها: «حينما لا يملك اليهود حقولاً أو كروماً يمكنهم العيش من ريعها، يصبح إقراض المال بربا ضرورياً لكسب رزقهم ومسموحاً به» . وقد جاء في المشناه «بإمكان الإنسان أن يُقرض ويقترض بربا من الكفار» . ولكن وردت إلى جانب ذلك تحفظات بحيث لا تصبح المسألة مطلقة، فأورد التلمود اقتباساً من المزمور 15 الذي جاء فيه «فضته لا يعطيها بالربا» ، كما جاء في سفر الأمثال (28/8) ما يبيِّن أن الإقراض بالربا ليس مُحرَّماً ولكنه مع هذا مكروه، ثم ذُكر أن الإقراض بالربا مباح إذا كانت الفائدة ضرورية لحياة الإنسان وليس الهدف منها الحصول على الثروة والترف.
4 ـ تزامنت عملية تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة مع ظهور حاجة ماسة إلى المال السائل اللازم لتجريد حملات حروب الفرنجة ولبناء الكاتدرائيات والكنائس. بل وبدأت تظهر في أوربا، بسبب التحولات الاقتصادية العميقة التي كانت تخوضها آنذاك، حاجة ماسة إلى اقتراض النقود، لا لسد الحاجة الشخصية وإنما للاستثمار التجاري، أي أن عملية الاقتراض بدأت تصبح مسألة أساسية للنظام الاقتصادي.

وفي القرن الحادي عشر الميلادي، تصاعدت وتيرة تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة واشتغالهم بالربا. وبعد عدة عقود، كان معظم السكان في أوربا المسيحية، في غربها ووسطها، مدينين لليهود الذين أصبحوا مالكين لقرى ومدن بل بعض الأماكن المسيحية المقدَّسة مثل الأضرحة والمزارات. وقد احتكر اليهود عملية الإقراض نظير فائدة عالية بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر الميلاديين، وأصبح الربا هو مصدر حياة معظم يهود أوربا. وأصبحت كلمتا «مرابي» و «يهودي» مترادفتين مع نهاية القرن الثالث عشر الميلادي.
وقد مارس المرابون اليهود نشاطهم في إنجلترا مع بداية القرن الحادي عشر الميلادي حتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. أما في فرنسا، فقد مارسوا نشاطهم في فترات مختلفة من نهاية القرن الثاني عشر الميلادي حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي. واكتسب أعضاء الجماعات اليهودية أهميتهم في ألمانيا، بوصفهم مرابين، من القرن الثالث عشر الميلادي حتى القرن الخامس عشر الميلادي. ثم امتد نشاطهم بعد ذلك إلى بولندا واستمر حتى القرن التاسع عشر الميلادي. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن كل أعضاء الجماعات اليهودية تحولوا عن التجارة، إذ ظل هناك يهود يعملون بها حتى القرن الخامس عشر الميلادي بل وحتى بعد ذلك التاريخ، خصوصاً في الدول السلافية. كما أن من المعروف أن التجارة اليهودية وصلت قمة ازدهارها في القرن السابع عشر الميلادي أيام يهود البلاط.

وقد كُسر احتكار أعضاء الجماعات اليهودية للربا مع ظهور جماعات من المرابين المسيحيين مثل جماعات فرسان المعبد الألمانية، واللومبارد في إيطاليا، والكوهارسين في فرنسا. ويبدو أن الكنيسة الكاثوليكية ذاتها كانت متورطة في عمليات الإقراض بالربا وكانت تلتف حول التحريم الذي أصدرته بأن تقوم بإقراض المال المطلوب للمدين الذي يقدم كضمان قطعة أرض تقوم الكنيسة باستثمارها لحسابها وتستولى على ريعها الذي يشكل الفائدة إلى حين استرداد القرض الأصلي. كما ساندت الكنيسة كثيراً من جماعات المرابين. وقد منح البابا إنوسنت الرابع في عام 1248 لقب «أبناء الكنيسة الرومانية المميَّزين» للمرابين المسيحيين. ومع هذا، كان ارتباط كلمة «المرابي» بكلمة «اليهودي» من القوة حتى أن إحدى القصائد الألمانية تشير إلى «اليهود المسيحيين» أي «المرابين المسيحيين» . وكانت كلمة «لومبارد» أيضاً مرادفة لكلمة «مرابي» ، ولذا يُوجَد نص فرنسي (1315) يشير إلى «اللومبارد واليهود والمرابين الآخرين» .
وقد احتدمت المنافسة في بداية الأمر بين أعضاء الجماعات اليهودية من جهة، واللومبارد والكوهارسين من جهة أخرى. فهؤلاء المرابون كانوا يشغلون المكانة نفسها ويضطلعون بالوظيفة نفسها ويتمتعون بالمزايا نفسها وتنزل بهم الكوارث نفسها، فقامت صراعات بينهم لهذا السبب. وحينما اضطهد هنري الثالث ملك إنجلترا الكوهارسين في عام 1251 وزج ببعضهم في السجن (وفرَّ البعض الآخر) ، عم الفرح أعضاء الجماعة اليهودية. ولكن بعد عامين، حينما قام لويس التاسع بطرد اليهود، استولى الكوهارسين على بيوتهم وممتلكاتهم بحماس غير عادي.
وكانت المواثيق تعامل أعضاء الجماعات اليهودية وغيرهم من المرابين على قدم المساواة، وكانوا أحياناً يُطرَدون جميعاً كما حدث عام 1427 في برن (سويسرا) .

ومع ذلك لم يقوَ المرابون اليهود على الاستمرار في المنافسة، إذ تمتَّع المرابون المسيحيون بمساندة حكوماتهم التي كانوا يوفرون لها قدراً كبيراً من الأمن اللازم للعمليات المالية. ولكن الأهم من هذا أن جماعات اللومبارد أو الكوهارسين كانت لديهم شبكة اتصال ضخمة، وكان بوسعهم تدبير قروض ضخمة لم يكن بمقدور اليهود تدبيرها. ومع تراجع الكنيسة باعتبارها أحد المنافسين، وتأييدها اللومبارد وغيرهم، ومع تزايد ابتزاز الأمراء لأقنان البلاط، أي المرابين اليهود، سقط الربا اليهودي مع نهاية العصور الوسطى ولم تعد لرأس المال اليهودي أهمية كبرى، كما لم يعد هناك رأسمال يهودي ضخم عند وقوع الثورة التجارية.

وبينما كان المرابي اليهودي في البداية يُقرض الملوك والأباطرة ثم كبار النبلاء الإقطاعيين، فإنه راح يُقرض صغار النبلاء والفرسان ثم بعد ذلك الحرفيين والفلاحين والفقراء. وبدلاً من وجوده بجوار الطبقة الحاكمة، انسحب إلى الهامش حيث لم يَعُد اليهود يشكلون الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة. وهبط اليهودي من مرتبة الصيرفي إلى المرابي الذي يُقرض مبالغ صغيرة لمدة قصيرة بفائدة عالية وبضمان رهونات بسيطة مثل درع أو قطعة حلي أو بعض الملابس. ولعل ماحدث في مدينة ريجنزبرج في ألمانيا مثل جيد على هذا التدهور التدريجي التاريخي، فحتى عام 1250 كانت بلدية المدينة هي أهم مدين لليهود، وحتى عام 1400 كان أهم المدينين هم النبلاء ورجال الدين. أما بعد ذلك التاريخ، فقد احتل الفرسان ومواطنو المدن والحرفيون هذا المكان. وفي القرن الثالث عشر الميلادي، كان القرويون في جنوب فرنسا يُشكلون 65% من المقترضين حيث اقترضوا 43% من المبالغ، وكان سكان المدينة يشكلون 30% من عملاء المرابين اليهود حيث اقترضوا 41%، وكان الفرسان والنبلاء يمثلون 2% واقترضوا 9%، ورجال الدين 1% واقترضوا 5%. ولم يكن النمط مختلفاً في إنجلترا، حيث تخصص المرابي اليهودي في إقراض الطبقات الفقيرة التي يقترض أعضاؤها أموالاً ثم يجدون بعد ذلك في الغالب صعوبة بالغة في تسديد الديون.
وقد امتد نشاط المرابي اليهودي إلى بني جلدته على عكس تصورات المعادين لليهود. ولكن الإقراض في هذه الحالة كان يأخذ شكلاً خاصاً حتى يتم التحايل على أشكال التحريمات الدينية الخاصة بعدم إقراض اليهودي بالربا. فكان المرابي يصبح شريكاً موصياً أو شريكاً يشترك بالمال لا بالعمل وينال نصيباً من الربح إذا كسبت التجارة، ولا يخسر شيئاً من ماله إذا لم يربح، وهذا هو ما تفعله بعض البنوك الإسرائيلية الآن لتتمكن من إقراض الإسرائيليين دون الإخلال بالقواعد الدينية.

وكان المرابي يلعب دوراً اقتصادياً أساسياً في المجتمع الغربي، فإن أراد الأمير الإقطاعي تزويج ابنته أو تجريد حملة في حروب الفرنجة أو تعمير أرض جديدة، أو أزمعت دار البلدية بناء كنيسة أوكاتدرائية، أو واجه أعضاء الطبقات الفقيرة مصاعب شخصية فجائية، في كل هذه الحالات كان المرابي هو الذي يزود المجتمع بالأموال السائلة التي يحتاج إليها والتي تضمن استمراره. وعلى سبيل المثال، ساعد هارون (من لنكولن في إنجلترا) في القرن الثاني عشر الميلادي في بناء ما لا يقل عن تسع كاتدرائيات. كما موَّل المرابون اليهود بعض حملات حروب الفرنجة.
والربا اليهودي، شأنه شأن التجارة اليهودية، كان عملية هامشية غير منتجة. فالمرابي برغم أهميته لا يلعب دوراً متعيِّناً واضحاً في العملية الإنتاجية، إذ إن أساس فائض القيمة في النظام الإقطاعي هو نمط الإنتاج الإقطاعي ذاته الذي ينتج قيمة استهلاكية وحسب دون الاهتمام بالقيمة التبادلية. وكان الأمير الإقطاعي والفلاح يشتركان في الإنتاج، أما المرابي فيظل خارج العملية أو على هامشها. ومن هنا، فإن الإقراض الربوي، شأنه شأن التجارة البدائية، لا يلعب دوراً في العملية الإنتاجية لأنه إقراض من أجل الاستهلاك أو نشاطات أخرى تقع خارج نطاق العملية الإنتاجية، على عكس الإقراض الرأسمالي الذي يُوظَّف في العملية الإنتاجية ذاتها. بل إن الإقراض هو أحد أسس عملية الإنتاج الرأسمالي. ولا شك في أن هذه الهامشية جعلت عناصر المجتمع تنظر إلى اليهودي على أنه شخصية طفيلية لا تبدع ولا تنتج، ولكنها تستولي على عائد الإنتاج. بل كان البعض يرون أن الربا، مثله مثل التجارة البدائية، يُعَدُّ شكلاً من أشكال السحر، إذ ينتج المرابي الثروة عن طريق تحريك أمواله لا عن طريق أي جهد إبداعي متعيِّن.

لكن المرابي اليهودي لم يكن سوى أداة في عملية اقتصادية ضخمة إذ كان يَعُدُّ من أقنان البلاط، أي ملكية خاصة للملك يبيعهم متى شاء. وكانت أموال المرابي تئول إلى الملك من الناحية القانونية، ولكنه كان من الناحية الفعلية يتركها لأولاد المرابي حتى يستمروا في وظيفتهم. وكان الأمير أو الملك يبيع لليهود المواثيق التي تحميهم، وتحدد حقوقهم وتؤكدها، وتضمن لهم الأمن اللازم للاستمرار في العمليات المالية. وهذه حقوق لم يكن يتمتع بمثلها سكان المدن أو عامة الشعب. وكانت عملية بيع المواثيق هذه تضمن أن تصب ثمرة العملية الربوية بأسرها في خزانة الملك الذي كان يُسمَّى «شيخ المرابين» . أما اليهود فلم يكونوا سوى الوسيط الذي يلعب دور الإسفنجة، فهم يمتصون ثروة الشعب التي يعتصرها الحاكم فيما بعد عن طريق منح المواثيق لأعضاء الجماعة اليهودية وفرض الضرائب علىهم. وقد كان اليهود أكبر مصدر دخل للملك في إنجلترا، حيث كانوا يشكلون حوالي 12% من كل مصادر دخله. وفي بعض الإمارات المسيحية، في إسبانيا مثلاً، كانوا يشكلون نسبة أكبر من ذلك.
وقد اضطر أعضاء الجماعات اليهودية إلى الاعتماد الكامل على الملك أو الأمير الإقطاعي لحمايتهم من غضب الجماهير وفتكها، وكان هو بدوره يفضلهم في مرحلة من المراحل على غيرهم من المرابين نظراً لعجزهم وانفصالهم عن المجتمع ولعدم وجود قاعدة بشرية تدعمهم وتساندهم، وهو ما جعل منهم جماعة وظيفية وسيطة مثالية. وهنا لابد من الإشارة إلى أننا نميِّز بين الجماعة الوظيفية الوسيطة والجماعة الوظيفية الوسيطة العميلة. فالجماعة الوسيطة، رغم قربها من الطبقة الحاكمة، تؤدي خدمة لكل طبقات المجتمع. أما الجماعة العميلة، فهي أداة في يد الحاكم يستخدمها لصالحه ضد بقية طبقات المجتمع. وعلى هذا، كان التاجر اليهودي وسيطاً، أما المرابي اليهودي فكان عميلاً.

ولكل هذا، كان الملك يبذل قصارى جهده ليمنع المرابين من اعتناق المسيحية إذ أن هذا يشكل إضعافاً وتبديداً للأداة التي يستخدمها. وكان المرابي الذي يَتنصَّر يفقد كل ثروته التي كانت تئول إلى العرش، لأنه لا يحق له أن يتمتع بثمرة الرذيلة (أو هكذا كان التبرير والادعاء) . كما كان الملك يمنع اليهود من العمل في أي وظيفة أخرى، وكانت المواثيق التي تُمنَح لهم تمنع المسيحيين من الاشتغال بالربا. وقد طُرد طبيب ألماني مسيحي من مدينته لأنه تعدى على الحقوق والاختصاصات التجارية والمالية لليهود بأن اسثمر أمواله في الربا من خلال صديق يهودي له. وكان الملك يلجأ عند عجزه عن تسديد ديونه، إلى منح المرابي اليهودي حق جَمْع الضرائب من الفلاحين. ولكنه كان يلقي بالمرابي اليهودي إلى الجماهير الغاضبة، كبشاً للفداء، إذا ما ثبت أنه يكلف أكثر مما يفيد. ولعل هذا هو السبب في أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يراكموا قط رأسمالاً كافياً ولم يتحولوا قط إلى طبقة حاكمة، بل كانوا يعملون دائماً من خلال السلطة الحاكمة وفي خدمتها.
ورغم أن المرابي اليهودي كان مجرد أداة، إلا أنه أصبح محط كراهية معظم أعضاء المجتمع وطبقاته، بما في ذلك المستفيدون منه. فقد كانوا يرون الربا شراً لابد منه، ولكنه شر أكيد، حيث تُعَدُّ كراهية المرابي أمراً متأصلاً في المجتمعات البشرية. وكان لفظ «سكتور sector» يُطلَق على كل من المرابي والقاتل في الإمبراطورية الرومانية. وربما يُعزَى توجيه تهمة الدم لليهود والقول بأنهم يطبخون عجين عيد الفصح بدم طفل مسيحي إلى اشتغالهم بمهنة الربا، فهم يمتصون دم ضحاياهم مجازاً. وليس من الصعب على الوجدان الشعبي أن يضع ما هو مجازي مقام الحقيقة الواقعة.

وثمة أسباب متباينة جعلت المرابي اليهودي محط كراهية شديدة من كثير من الطبقات. فبالنسبة للطبقات الفقيرة، كان المرابي هو أداة الاستغلال المباشرة حيث كان يحتك بهم بشكل دائم، فضلاً عن أنهم كثيراً ما كانوا يخفقون في تسديد ديونهم فيفقدون مصدر رزقهم ذاته سواء كان هذا المصدر قطعة الأرض أو الآلات التي يعملون بها أو ملابسهم ذاتها. أما كبار النبلاء، فكانوا يرون في اليهودي قوة مالية ضخمة تساند الملك في صراعه معهم، كما أن المرابي اليهودي كان يعوق محاولتهم الاستيلاء على أراضي صغار البارونات الذين كان المرابي اليهودي يقرضهم فيحققون البقاء والاستمرار. وكان سكان المدن يرون في المرابي اليهودي غريماً لهم، وأداة في يد الحاكم الإقطاعي يستخدمها لقمعهم ولإعاقة تطورهم، خصوصاً أنه كان يتمتع بمزايا لا يتمتعون بها. ثم كان هناك عداء الكنيسة لهم، وهو عداء له بطبيعة الحال جذوره الدينية العقائدية وإن كان قد اكتسب بعداً اقتصادياً أيضاً لأن الكنيسة كما أسلفنا كانت تقوم هي ذاتها بالإقراض وتساند جماعات من المرابين.

ومن أكبر مصادر الكراهية، ارتفاع سعر الفائدة عن معدلها المفترض وهو 12.5%. لكن المرابي لم يكن يتمتع في العصور الوسطى بضمانات كافية، بل كان معرضاً باستمرار لخسارة أمواله وفقدان حياته. كما لم يكن في مقدور المرابين على الدوام أن يلزموا مدينيهم بالوفاء بالتزاماتهم عن طريق الالتجاء إلى القانون، فكانوا دائماً مهدَّدين بالطرد. ويضاف إلى ذلك أن القانون المسيحي في العصور الوسطى، بتحريمه الربا، قد اضطر المرابين إلى ابتداع حيل قانونية عديدة من بينها وجود وسيط بين الدائن والمدين، الأمر الذي كان يؤدي إلى زيادة سعر الفائدة. فوصلت الفائدة في إنجلترا إلى ما بين 43 و86% وفي النمسا (في عام 1244) إلى 173% وفي بروفانس (فرنسا) إلى 300%. ومن الصعب على من يقترض بمثل هذه الفائدة أن يسدد ديونه. ولذا، كانت عملية الإقراض والتسديد تنتهي بتوجيه تهمة السرقة إلى المرابي، وهي كذلك بشكل من الأشكال. ومما كان يدعم شكوك الناس في المرابي أن المواثيق التي كانت تُمنَح للمرابين اليهود تجعل من حقهم الاستيلاء على الأشياء المرهونة حين يعجز أصحابها عن تسديد القرض والتصرف فيها حتى لو اكتُشف أنها مسروقة، وكان هذا يتناقض مع القانون والأعراف الألمانية. ومن هنا، تصورت الجماهير أن المواثيق التي تُمنح لليهود تحابيهم وأنها بمنزلة ستار لتغطية عمليات السرقة الفعلية.

وكان اليهودي يسقط ضحية الثورات الشعبية لأنه قريب ومتاح ومباح باعتباره عضواً في جماعة وظيفية، على خلاف الملك الموجود في قصره خلف حراسه، والذي يشكل الهجوم عليه لا مجرد مظاهرة شعبية وإنما ثورة هائلة. ويُلاحَظ في الهجمات الشعبية على المرابين أنها لم تستهدفهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم مرابين. ومن هنا كانت الجماهير لا تميِّز بين اليهود أو اللومبارد والكوهارسين أو غيرهم من المرابين مثل أعضاء العصبة الهانسية في إنجلترا (حوالي عام 1381) . وحينما كانت الجماهير تطلب طرد المرابين، فإنها لم تكن تخص المرابين اليهود وحدهم بهذا الطلب بل كان يتم طرد وملاحقة كل المرابين. وحينما كان المرابون اليهود يُطردون «إلى الأبد» من مدينة أو مقاطعة ويحل محلهم مرابون لومبارد أو كوهارسين، كانت الجماهير تكتشف أن المرابين الجدد ليسوا أفضل من اليهود الأشرار. بل تذكر المصادر أن متوسط معدل الفائدة الذي كان يتقاضاه اليهود كان أقل في العادة من المعدل الذي كان يتقاضاه اللومبارد والكوهارسين، ربما بسبب ضعف مركزهم. ولكن هناك حالات، كما حدث في بوهيميا في نهاية القرن الخامس عشر، تقاضى فيها اليهود ضعف معدل الفائدة الذي كان يتقاضاه المرابي غير اليهودي، وذلك حتى يمكنهم تسديد الضرائب المفروضة عليهم. وكثيراً ما كانت المدن التي تطرد اليهود تطلب عودتهم من جديد، وترحب بهم، وتعتبرهم منقذين، لتقوم بطردهم مرة أخرى بعد فترة. وفي الفترة من 1300 إلى 1500 طُرد اليهود مائة وخمسين مرة من أماكن في جنوب ووسط أوربا، ولكن ورغم ذلك، لم تخل هذه المنطقة منهم في أية لحظة تاريخية.

وقد ترك اشتغال الجماعات اليهودية بالربا أعمق الأثر عليهم، فقد جعلهم جماعة هامشية مكروهة من المجتمع، بغيضة لدى معظم طبقاته. وكرد فعل لمشاعر الكراهية ضدهم ولهامشيِّتهم، نمت في صفوفهم أفكار مثل الشعب المختار الذي لا علاقة له بالتاريخ أو الجغرافيا، فضلاً عن النزوع إلى تقسيم العالم إلى «يهود أبرار» و «أغيار أشرار» ، وهذه هي التربة التي نمت فيها الصهيونية فيما بعد.
وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية يرون أن الاشتغال بالربا وسيلة من وسائل الانتقام من الأغيار، وطريقة لتوسيع الهوة بين اليهود وغيرهم. وبالتالي لم يَعُد الربا مجرد مهنة أو مصدر للدخل وإنما أمراً مرغوباً فيه في حد ذاته، وتَحوَّل من مجرد وظيفة إلى فعل رمزي ذي مضمون نفسي مُحدَّد. وهذه طريقة إنسانية مألوفة يبرر بها الإنسان ما يقوم به من أعمال بغيضة تتنافى مع إنسانيته، بل إن بعض المفكرين الدينيين وصف الاشتغال بالربا بأنه طريقة مثالية لتحقيق أرباح سريعة دون إنفاق وقت طويل بما يتيح لليهودي التفرغ لأسمى أهداف حياته، أي دراسة التوراة. وقد فسر بعض الحاخامات ازدهار الدراسات التلمودية في ألمانيا، والدينية على وجه العموم، بأن اليهود كانوا يعملون فيها بالربا أكثر من أي بلد آخر.
ومن جهة أخرى، ترك اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا أو الإقراض الربوي أثراً عميقاً في هيكلهم الوظيفي، فلم تظهر بينهم طبقة رأسمالية، ولم يحصلوا على قوة سياسية حقيقية بل تزايد ارتباطهم بالمجتمع الإقطاعي واعتمادهم الكامل على القوة السياسية الحاكمة. كما اشتغلوا بحرَف مرتبطة بأعمال الرهونات، مثل إصلاح الملابس المُستعمَلة وتسويقها وإصلاح الدروع والمجوهرات. وكان من شأن هذا كله أن يؤثر في التطور الاقتصادي اللاحق للجماعات اليهودية في أوربا.

ويرتبط نظام الأرندا بالإقراض الربوي داخل إطار الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا، فقد كان المرابي اليهودي يقوم بإقراض النبيل الإقطاعي البولندي بضمان ريع ضيعته ثم يتعاقد النبيل مع اليهودي لإدارة الضيعة، فكان هذاالأخير يلجأ إلى قمع واستغلال الفلاحين الأوكرانيين حتى يسترد قرضه. والواقع أن نظام الأرندا هو أهم مؤسسة في التاريخ الاقتصادي للجماعات اليهودية في الغرب، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار التطورات اللاحقة وظهور الدولة الصهيونية التي تدخل في علاقة مع الولايات المتحدة من ناحية والعرب من ناحية أخرى، تشبه في كثير من الوجوه علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالنبلاء البولنديين والفلاحين الأوكرانيين.
غير أن وضع أعضاء الجماعات اليهودية تدهور، كما أسلفنا، في معظم أنحاء أوربا، فاشتغلوا بأعمال الرهونات. ولكن، مع القرن السابع عشر الميلادي وظهور يهود المارانو السفارد الذين اشتغلوا أيضاً بإقراض الدولة والملكيات المطلقة وتوفير المال اللازم للوفاء باحتياجاتهم، بدأت طبيعة الربا اليهودي في التغير. فالأمراء الذين يقترضون من يهود البلاط كانوا ينفقون جزءاً من تلك الأموال في الترف والحروب، ولكنهم كانوا ينفقون الجزء الآخر في تطوير الصناعات في إماراتهم وفي تحديثها. وبذلك نكون قد بدأنا في دخول العصر الحديث. وقد وجد رأس المال اليهودي طريقه إلى النظام المصرفي الحديث، ولكنه أصبح في أوربا الغربية جزءاً صغيراً من كلٍّ أكبر، بحيث لا يمكن الحديث عن رأسمال يهودي مستقل. وكان الوضع في ألمانيا مختلفاً حيث تَركَّز اليهود في أهم ثلاثة مصارف بعد الحرب العالمية الأولى. ولكن النازية قضت على هذا الهيكل الاقتصادي.
جماعة وسيطة
‏Middleman Group
» الجماعة الوسيطة «هي الجماعة الوظيفية التجارية أو المالية التي تضطلع بدور التجارة والإقراض بالربا وبدور الالتزام.
التجارة اليهودية
‏Jewish Trade
انظر: «جماعة وظيفية يهودية تجارية «

الربا اليهودي
‏Jweish Usury
انظر: «جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض) «
الضرائب التي يدفعها أعضاء الجماعات اليهودية
‏Taxes Paid by Members of Jewish Communities
علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالضرائب لها وجهان مترابطان تمام الترابط: فهم من جهة دافعو ضرائب، ومن جهة أخرى محصلو ضرائب. وقد خلَّفت علاقة الجماعات اليهودية بالضرائب، سواء في دفعها أو جمعها، أثراً عميقاً فيهم، وسنتناول في هذا المدخل الجماعات اليهودية من منظور الضرائب المفروضة على أعضائها.
لم يتمتع العبرانيون باستقلال سياسي إلا لفترات قصيرة للغاية، ولذلك كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون دائماً أقلية صغيرة داخل تشكيل إمبراطوري أو حضاري ضخم. وكانت الضرائب دائماً أكبر مصدر للريع بالنسبة للإمبراطوريات في العصور القديمة أو في العصور الوسطى في الغرب، أو في العصر الإسلامي الأول (الأموي والعباسي) أو في العصر الإسلامي الثاني (العثماني) ، أي حتى الثورة الصناعية.

وكانت الضرائب تُفرَض في كثير من الأحيان على الجماعة اليهودية ككل، لا على أعضائها كل على حدة شأنها في هذا شأن معظم الأقليات والجماعات الأخرى. ويبدو أن إطار السلطة الذاتية للجماعات المحكومة كان أنجع الطرق لضمان تَدفُّق الريع الضرائبي، فكانت الجماعة اليهودية، وغيرها من الجماعات، تتمتع باستقلال ذاتي في الأمور الدينية والتربوية والقضائية. وكانت قيادتها تتمتع بسلطات خاصة، فكانت، في كثير من الأحيان، هي التي تحدِّد الضرائب وتقوم بجمعها من أعضاء الجماعة، بل أصبحت هذه المهمة أهم وظائفها. ولذا، حاولت السلطة الحاكمة دائماً أن تُقوِّي قبضة القيادات اليهودية وتحقق لها مركزاً متميِّزاً داخل الجماعة، لتضمن ولاءها لها ولتصبح أداة طيعة في يدها. ومن ثم، كانت قيادات الجماعة تُعفَى من الضرائب عادةً، وكان أمير اليهود (الناسى) ، ورأس الجالوت (المَنْفَى) ، وكثير من الحاخامات، يُعْفَون من الضرائب، بل وكان يُسمَح لهم بفرض ضريبة خاصة لتمويل منصبهم ذاته. وكثيراً ما كان الحاخامات يحصلون على معاشهم من خلال ضريبة خاصة تُفرَض لهذا الغرض. وكان الهدف من هذا هو تحويل هذه القيادات إلى أداة في يد السلطة الحاكمة وموظفين عندها بحيث يمكنها من خلالهم اعتصار الجماعة اليهودية.

وكانت الضرائب تُفرَض على الجماعة اليهودية أحياناً لا كوسيلة لاعتصار أعضائها وحسب وإنما لاعتصار الجماهير الشعبية، وبذلك لم يكن أعضاء الجماعة سوى الإسفنجة التي يتم امتصاص هذه الجماهير عن طريقها. فكان الحاكم على سبيل المثال يفرض ضريبة عالية على أعضاء الجماعة اليهودية، ويمنحهم نظير ذلك مزايا وحقوقاً خاصة تُيسِّر لهم عملية استغلال الجماهير، كأن يسمح لهم بتحصيل فائدة عالية على القروض أو يصرح لهم بحرية الحركة من مدينة لأخرى دون أن تتصدى لهم السلطات الإقطاعية المختلفة. وقد يسَّر هذا على كل من التاجر والمرابي اليهودي إدارة أعمالهما وجعلهما أكثر كفاءة من نظرائهما المسيحيين. وكلما تزايد السخط الشعبي، كان يتزايد اعتماد هؤلاء المرابين اليهود على السلطة الحاكمة التي كانت تزيد من اعتصارهم عن طريق فرض ضرائب جديدة عليهم أو تسلمهم للجماهير فتمتص السخط الشعبي وتصادر أموال اليهود وتطردهم، ثم تستدعيهم مرة أخرى لتبيع لهم من جديد المزايا والمواثيق والحماية، أي أن جَمْع الضرائب ودفعها ساهم في عملية حوسلة اليهود.

لكن العناصر السابقة لم تتحقق في كل زمان ومكان، فتعرُّجات التاريخ وتركيبيته تتحدى أي نسق منظم وأية سمات عامة، وهذا لا يقلل من دلالة وفاعلية النموذج التفسيري. وإذا انتقلنا الآن إلى العرض التاريخي، يمكننا القول بأن العبرانيين، حتى انتهاء عصر القضاة، لم يعرفوا نظاماً ضريبياً بسبب أسلوب حياتهم القَبَلي وبساطته. بل إن الدولة العبرانية المتحدة ذاتها، إبَّان حكم داود، كانت أقرب إلى اتحاد القبائل، ولذا لم تُفرَض أية ضرائب في عهده. ومع حكم سليمان، بدأت الدولة تصل إلى قدر من التركيب والمركزية، وظهرت طبقة حاكمة تضم داخلها قطاعات كهنوتية وأخرى عسكرية وثالثة إدارية، كما بدأت حركة تشييد مبان حكومية من أهمها بناء الهيكل. وقد تطلَّب كل ذلك تمويلاً وهو ما أدَّى إلى فرض الضرائب، ففُرضت ضريبة الشيقل حيث كان على كل عبراني بالغ أن يدفع للهيكل نصف شيقل (ويتناول التلمود في أحد كتبه الأحكام الخاصة بالشيقل) . كما كانت تُقدَّم للهيكل هدايا وضرائب عينية. ومنذ هذه اللحظة التاريخية، بدأت الضرائب تلعب دوراً مهماً في حياة العبرانيين، ومن المعروف أن من أسباب انقسام الدولة العبرانية المتحدة شكوى قبائل الشمال من فداحة الضرائب التي فرضها سليمان. وبطبيعة الحال، استمرت المملكتان العبرانيتان، الشمالية والجنوبية، في تحصيل الضرائب. وثمة إشارة في العهد القديم إلى أن الملك العبراني كان يأخذ عُشر إنتاج الحقول، وكان من حقه أن يُجنِّد بعض الرجال والنساء ليعملوا خَدَماً له، حسب نظام السخرة السائد في الشرق الأدنى القديم والذى طبقه سليمان إبَّان حكمه. كما فرض ملوك المملكتين ضرائب خاصة أثناء الحروب وحينما تعيَّن عليهم دفع جزية للآشوريين أو البابليين.

واستمر هذا الوضع قائماً إلى أن اجتاح الأشوريون ثم البابليون المملكتين وهجَّروا بعض عناصرها إلى بلاد الرافدين. حيث شهدت هذه الفترة تحوُّلاً مهماً، تمثَّل في بداية تحوُّل العبرانيين إلى جماعة وظيفية. وقد ظهر بيت موراشو في بابل، فكانت شركتهم تقوم بجباية الضرائب عما تنتجه الأرض من محصولات زراعية، كما كانت تستوفي بنفسها الضرائب المفروضة على الطرق العامة وقنوات الري لقاء الإفادة منها.
وبعد صدور مرسوم قورش وعودة بعض اليهود، دخل أعضاء الجماعات النمط الأساسي الذي أشرنا إليه من قبل، وهو أنهم أصبحوا جماعة تُفرَض عليها ضرائب جماعية وتتمتع باستقلال ذاتي لتسهيل عملية جَمْع الضرائب، وقد ترأس هذه الجماعة الكهنة الذين أُعفوا من الضرائب. وقد أصبح الهيكل هو المركز الأساسي للجماعة (ولم تَعُد مؤسسة الملكية تزاحمه) ، فكان يجمع ضريبة نصف الشيقل ويحصل على ضرائب عينية وهدايا من الجماهير. وفي مرحلة لاحقة، قبل سقوط الهيكل، كان يجمع ما يُسمَّى بالشيقل المقدَّس ويساوي ضعف الشيقل العادي وهو عبارة عن جزية سنوية يدفعها يهود فلسطين والعالم وتُنقَل إلى الهيكل (مركز العبادة القربانية) . وكان الصدوقيون هم الذين يحصِّلون هذه الضرائب ويحصلون على هذه الهدايا وعلى جزء كبير من القرابين، وهو ما حوَّلهم إلى أرستقراطية كهنوتية ثرية. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الضرائب مصدر الشقاق الأساسي بين الأرستقراطية اليهودية (المندمجة في الثقافة الإمبراطورية، فارسية كانت أم هيلينية) من جهة، والجماهير اليهودية المتشبعة بالثقافة المحلية (الآرامية) ، ومنهم فقراء رجال الدين، من جهة أخرى.

وقد اهتم اليونانيون بالريع الضريبي، فكانوا يفرضون ضرائب متنوعة على اليهود وغيرهم، بل وضريبة على الزيجات أحياناً. كما أسسوا شبكة ضخمة منظمة لتحصيل الضرائب عمادها أعضاء الطبقات الثرية المحلية. وكان الملتزمون اليهود يحاولون قدر استطاعتهم، مثلما هو الحال دائماً مع البشر، أن يحصلوا ضرائب أكثر من المفروضة لأنهم كانوا يحصلون على الفرق بين ما ينبغي عليهم تسديده لخزانة الدولة وما يحصِّلونه بالفعل. وكانت هذه الجماعة الوظيفية المالية، التي ارتبطت مصالحها بمصالح الدولة الهيلينية (البطلمية أو السلوقية) ، متأغرقة تماماً من الناحية الثقافية، الأمر الذي زاد الهوة بينها وبين الجماهير. وكان السبب الأساسي للتمردات اليهودية المتتالية هو الضرائب المتزايدة.

ويُلاحَظ أن اليهود في الدولة البطلمية عملوا كملتزمي ضرائب ليس إزاء أعضاء الجماعة اليهودية وحسب وإنما على مستوى المجتمع ككل، فقد قاموا بتحصيل المكوس الجمركية (وهي مهن مالية ولا شك، يرى البعض أنها كانت قتالية أيضاً، إذ كان المحصلون يُطلَق عليهم اسم «حراس النيل» ) . كما اشتركوا في تحصيل الضرائب على الأسماك والكروم والنخيل والمراعي بل وعلى صناعة الأحذية وهي نشاطات اقتصادية عامة. وكان كبير الموظفين (ألبارخ) ، وهو منصب استمر حتى الدولة البيزنطية، هو المسئول عن جَمْع الجمارك على السفن. ويبدو أنه كان من أهم المناصب الإدارية المالية، وكان لمن يشغل هذا المنصب مكانة قيادية. ومع تَزايُد أزمة السلوقيين نتيجة حروبهم مع البطالمة، ونتيجة تَصاعُد الضغوط الرومانية، وبعد هزيمتهم على يد الرومان، كان عليهم دفع تعويض ضخم لهم، وهو ما اضطر الملوك السلوقيين إلى البحث عن مصادر جديدة للريع، فتعاونوا مع أثرياء المجتمع اليهودي، خصوصاً فئة ملتزمي الضرائب الذين تنافسوا على رفع الضرائب إرضاءً للسلطة السلوقية. ويبدو أن الضرائب تحت حكم الأسرتين اليهوديتين، الحشمونية التي تمتعت بشيء من الاستقلال، والهيرودية التي حكمت باسم روما، لم تكن أخف وطأة، كما هو واضح في التمردات التي حدثت بين جماهير الشعب.

وبعد أن ضُمت فلسطين للدولة الرومانية، عُيِّن لها حاكم روماني برتبة بريفكتوس، وكان يُشار له أيضاً باسم «بروكرياتور» والتي تعني حرفياً «الوكيل المالي» أو «محصل الضرائب» ، وذلك باعتبار أن تحصيل الضرائب هو النشاط المالي الأكبر لكل موظفي الإمبراطورية. وفي مصر، ألغى يوليوس قيصر نظام جمع الضرائب البطلمي، فانهار الوضع الاقتصادي لليهود، وخصوصاً أن اليهود أصبح عليهم (رغم عضويتهم في البوليتيوما) أن يدفعوا ضريبة رؤوس كاملة، الأمر الذي كان يعني مساواتهم النسبية بالمصريين وفقدان غالبيتهم لمكانتهم المتميِّزة، باستثناء كبار الأثرياء الذين أصبحوا مواطنين رومانيين. كما تزايدت الضرائب عليهم، الأمر الذي كان أحد أسباب التمرد اليهودي الأول الذي انتهى بتحطيم الهيكل. وبعد هذا التمرد، فرض الرومان أول ضريبة مقصورة على اليهود وهي الفيسكوس جواديكوس، أي الضريبة اليهودية، وهي عبارة عن الشيقل الذي كان يدفعه اليهود من قبل للهيكل، واستمرت الإمبراطورية الرومانية في تحصيله وإرساله لمعبد جوبيتر كابيتولينوس.
وبعد انتشار المسيحية والإسلام في الشرق الغربي، لم يتغيَّر وضع أعضاء الجماعات اليهودية كثيراً من منظور الضرائب، إذ أنهم كانوا يدفعون للمسلمين ما كان يدفعه أهل الذمة نظير الإعفاء من الخدمة العسكرية.

أما في العالم الغربي، فقد تغيرت أحوال أعضاء الجماعات اليهودية بالتدريج، ولم يَعُد الاختلاف بينهم وبين أعضاء المجتمع مجرد ضريبة أو ضريبتين يدفعونهما للنظام الحاكم، فمع تآكل البقية الباقية من القانون الروماني أصبح أعضاء الجماعة اليهودية حسب العرف الألماني «غرباء» ، وهو ما كان يعني وضعهم تحت الحماية الملكية لأنهم أصبحوا ملْكية خاصة للملك أو الإمبراطور، أي أن أعضاء الجماعة أصبحوا أداة من أدوات الإنتاج ومصدراً من مصادر الريع. وقد كُرِّس هذا الوضع تماماً بعد حروب الفرنجة في نهاية القرن الحادي عشر (1096) وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية إما فعلاً (أو اسماً وفعلاً) أقنان بلاط يشترون المواثيق والمزايا والحماية من الحاكم. وكانت الضرائب المفروضة عليهم تُعَدُّ مصدراً أساسياً مباشراً للريع الذي كان يُحصِّله الحاكم، أو وسيلة غير مباشرة لجمع الضرائب، وكان ذلك يتم من خلال الإقراض بالربا. فكان الحاكم يرفع الضريبة على اليهودي ويجعلها على سبيل المثال 11%، مقابل 10% للتاجر المسيحي، ثم يمنحه حقوقاً مقابل ذلك مثل حق رفع سعر الفائدة على الأموال. ولذا، نجد أن خُمْس دخل الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة كان مصدره اليهود، رغم أن عددهم كان لا يزيد عن 1% من عدد السكان قبل القرن الرابع عشر. وفي القرن الثالث عشر، حصلت الحكومة الإنجليزية على 13% من دخلها من الضرائب التي فرضتها على اليهود رغم أن عددهم كان يتراوح بين 4 آلاف و15 ألفاً في كل إنجلترا. وقد أصبح حق فرض الضرائب على اليهود، باعتباره مصدراً من أهم مصادر الريع، محل صراع بين الإمبراطور والنبلاء.

وقد فُرضت على أعضاء الجماعات اليهودية مجموعة متنوعة من الضرائب من بينها ضريبة الرؤوس (وهي استمرار للفيسكوس جودايكوس) التي بُعثت في ألمانيا عام 1342 تحت اسم «أُبفربفينج Opferpfennig» وتعني «ضريبة المليم» ثم أصبحت تُسمَّى «لايب تسول leibzoll» ، أي «ضريبة الجسد» ، و «يودين تسول Judenzoll» ، أي «ضريبة اليهودي» . وبعد أن حل الأمراء محل الحكم الإمبراطوري (القرن السادس عشر) في فَرْض الضرائب على اليهود، أصبحت الضريبة تُسمَّى «نقود حماية اليهود» . وكان على اليهودي الذي ينتقل من بلد إلى آخر أن يدفع رسم المرور ورسماً للإقامة المؤقتة. ومن الضرائب الأخرى، ضريبة «يودين جلايت Judengeleit» ، أي «المرور الآمن» ، وهي ضريبة كانت تُفرَض على اليهود الذين يودون الانتقال من مكان إلى آخر، فكان يدفعها اليهود الأجانب العابرون، وكانت الضريبة تعطيهم الحق في التعاملات المالية. وكانت تُفرَض ضرائب على اللحم والذبح الشرعي وعلى شموع السبت، وفُرضت أحياناً ضريبة على الطعام كانت تُسمَّى «ضريبة السلة» . وفُرضت ضريبة تُسمَّى «ضريبة الفم» كان الهدف منها استبعاد اليهود غير النافعين الذين يأكلون ولا ينتجون.

وفي العصر الحديث، ظلت الضرائب إشكالية أساسية في حياة الجماعات اليهودية. فاختفت الأشكال المختلفة للإدارة الذاتية، وتكفلت الدولة المركزية التي يتبعها جهاز إداري مركزي قوي بتقدير الضرائب وجمعها، وأُلغيت بالتدريج الضرائب المفروضة على أعضاء الجماعات اليهودية. وفي محاولة للحد من الانفجار السكاني، كانت تُفرَض أحياناً ضرائب على طعام اليهود الشرعي وشموع السبت والزواج، وذلك لجعل هذه الشعائر مُكلِّفة. وكان عدد كبير من اليهود يتهربون من الضرائب ويقومون بتهريب البضائع للتهرب من الجمارك. فوقفت الدول الحديثة ضد هذا الوضع وحاولت تصفيته. وكان من بين إجراءات المنع، عدم استخدام اليديشية في المعاملات التجارية، ومطالبة اليهود بإضافة اسم العائلة لأسمائهم إذ كان أعضاء الجماعة اليهودية يكتفون بتسمية الفرد باسمه واسم أبيه بدون اسم العائلة، الأمر الذي كان يعني وجود عدد كبير من الأشخاص باسم واحد، مما يُسهِّل عملية التهريب. وقد ارتبط النظام الضريبي بمدى نفع اليهود، فكانت العناصر النافعة من ذوي المهن التي تحددها الدولة تُعفَى من الضرائب بل وتمنح امتيازات ضريبية خاصة. أما العناصر غير النافعة، فكانت تُفرَض عليها ضرائب تهدف إلى تشجيعها على الخروج والهجرة. ولكن، مع تَصاعُد معدلات التحديث في الغرب وفي داخل الجماعات اليهودية، ألغت الدولة الحديثة بالتدريج الضرائب الخاصة، ومنها البدلية العسكرية، وتم توحيد النظام الضريبي.

وتقوم المنظمة الصهيونية العالمية والدولة الصهيونية بفرض ضرائب منظورة وغير منظورة على أعضاء الجماعات. فسندات إسرائيل والاشتراكات التي تُدفَع والتبرعات التي يتم جمعها من خلال حملات مسعورة جميعها نقود تُدفَع اسماً عن طيب خاطر ولكنها تُدفَع من الناحية الفعلية خوفاً من الفضيحة. ولذلك أشار آرثر هرتزبرج إلى اليهود المؤيدين لإسرائيل بوصفهم «يهود النفقة» ، أي اليهود الذين يدفعون تبرعات تشبه النفقة التي يدفعها الزوج السابق لمطلقته لا حباً فيها وإنما خوفاً منها. كما أشار إلى ما سماه «يهودية دفتر الشيكات» وهي يهودية أولئك اليهود الذين ينصرفون عن ممارسة شعائر دينهم ويحاولون تخفيف الإحساس بالذنب عن طريق دفع التبرعات للدولة الصهيونية. وقد بدأت حركات السلام داخل إسرائيل تُكوِّن جماعات في الخارج مهمتها جمع التبرعات لها خارج نطاق النداء اليهودي الموحَّد والنداء الإسرائيلي الموحَّد، وهي مؤسسات جمع الضرائب/التبرعات للمؤسسة الصهيونية.
ويمكننا القول بأن علاقة الإمبريالية الغربية بالدولة الصهيونية علاقة شبيهة بعلاقات الأباطرة بأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية. فالإمبريالية الغربية تمنح العديد من التسهيلات والمزايا للدولة الصهيونية، مثل الدعم المالي والعسكري، والمعاهدات والمواثيق، نظير ضريبة يدفعها المستوطنون الصهاينة وهي القتال. والضريبة قد تكون دموية بعض الشيء، ولكن لها مردودها الريعي، وهو فرض السكون والسلام الغربي على المنطقة وضمان تَدفُّق الطاقة الرخيصة ودوران الدول العربية في فلك النظام الاقتصادي العالمي!
أعضاء الجماعات اليهودية كمحصلي ضرائب
‏Members of Jewish Communities as Tax Collectors

عمل كثير من أعضاء الجماعات اليهودية محصلي ضرائب. ففي عهد شارلمان، عمل أعضاء الجماعة ملتزمي ضرائب، وأُعفوا من الضرائب والمكوس المفروضة على المسافرين. وقد اضطلعوا بالمهمة نفسها في إنجلترا وألمانيا. كما أشرف أعضاء الجماعة على جمع الضرائب في إسبانيا المسيحية، وحينما طُردوا منها واجه النظام الجديد مشكلة البحث عن ملتزمي ضرائب بدلاً منهم. وكان أعضاء الجماعة يضطلعون بكثير من الوظائف المرتبطة بالضرائب في الدولة العثمانية سواء، باعتبارهم محصلي أو مفتشي ضرائب أو موظفي جمارك أو ملتزمين. وكانت غالبية العاملين في الضرائب في الدولة العثمانية من اليهود، كما أن الإيصالات كانت تُكتَب أحياناً بحروف عبرية. ومن المعروف أنه عندما ذهب شبتاي تسفي إلى مصر، ساعده المموِّل روفائيل يوسف شلبي (من حلب) الذي كان من كبار ملتزمي الضرائب في مصر آنذاك.
ولكن بولندا تظل دائماً أهم المناطق بسبب حجم الجماعة اليهودية فيها وبسبب علاقة دورهم فيها بالتطورات اللاحقة في تواريخ الجماعة اليهودية في العصر الحديث. وكانت الضرائب في بولندا تُفرَض من قبل الحكومة على الجماعة اليهودية ككل. ولتحصيلها، كان القهال يقوم بفرض مجموعة من الضرائب على أعضاء الجماعة، فكانت هناك ضريبة ملْكية وضريبة رؤوس وضريبة القهال لتمويل الجهاز التنفيذي والإداري والتعليمي والقضائي للقهال. ومع تدهور وضع القهال، أصبحت هذه الضريبة تُفرَض على الطعام وأُطلق عليها ضرائب السلة. وكان يُباع امتياز تحصيلها في مزاد عام، وهو ما كان يعني تزايد الضرائب عاماً بعد عام. ولأن المهمة الأساسية للقهال هي جَمْع الضرائب، باعتباره مؤسسة الإدارة الذاتية، فقد أُلغي مجلس البلاد الأربعة في بادئ الأمر ثم كل مؤسسات القهال عندما بدأ الريع يتناقص.

وقد اضطلع أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا بوظيفة جمع الضرائب من خلال نظام الأرندا، إذ كان اليهود يدفعون إيجار الضيعة للنبيل البولندي مقدماً ثم يقومون بتحصيل ريعها، وكانت الضرائب المختلفة تشكل جزءاً مهماً من هذا الريع. وكلما كان النبلاء البولنديون يزدادون حاجة إلى النقود، كان على اليهود أن يدفعوا إيجاراً أعلى ويحصلوا على المزيد من الضرائب من الفلاحين والأقنان. بل كان الملتزمون اليهود يحققون مزيداً من الأرباح ويرفعون الضرائب أحياناً دون علم النبيل الإقطاعي، كما كانوا يعاملون الفلاحين والأقنان بقسوة بالغة لتحصيل هذه الضرائب. ومن أهم هذه الضرائب ضريبة مفتاح الكنيسة، وكان على الفلاحين الأوكرانيين الأرثوذكس دفعها للمموِّل اليهودي ليدفعها للإقطاعي البولندي الكاثوليكي إن أرادوا أداء الصلاة. وكانت هناك ضريبة أخرى على الرداء الكهنوتي للقس كان عليه أن يدفعها إن أراد إقامة إحدى الشعائر.
وقد أدَّى اضطلاع أعضاء الجماعة بهذه المهمة إلى تَزايُد كراهية الجماهير لهم، فاضطروا إلى الإقامة في الشتتلات داخل الريف بعيداً عن المراكز التلمودية في المدن. وكانت هذه العناصر سبباً في اقتلاع أعضاء الجماعة اليهودية وتآكل اليهودية الحاخامية.
وفي وسط أوربا، كان يهود البلاط مصدر دخل كبير للأمراء الألمان والحكام (من حيث هم دافعو ضرائب) . كما قاموا بتنظيم الإطار الإداري للنظام الضريبي في كثير من الدول التي تواجدوا فيها، وعملوا كملتزمي ضرائب.
ومع ظهور الدولة الحديثة، قامت بجمع الضرائب وصدرت قوانين تمنع أعضاء الجماعات اليهودية من الاشتغال بالالتزام، باعتباره وظيفة طفيلية غير منتجة.
المتعهدون العسكريون
‏Army Contractors and Suppliers

» المتعهدون العسكريون» هم المموِّلون من أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الذين كانوا يزودون الجيوش المتحاربة بالسلاح والعتاد العسكري الذي تحتاج إليه، وكذلك بالجراية اللازمة، وقد كانت وظيفة ذات أهمية حيوية لكثير من الدويلات التي لم تكن قد طورت بيروقراطيات متخصصة تتولى هذه المهمة ولم يكن عندها لا رأس المال ولا الاتصالات الدولية اللازمة لإنجاز هذه المهمة.
وقد اضطلع بعض أعضاء الجماعة اليهودية بهذه الوظيفة في إسبانيا المسيحية، ومن أهمهم يهودا ديلا كفالريا الذي زود ملك أراجون بالسلاح اللازم لحروبه عام 1276 ضد المسلمين في بالنسيا. وقام الأخوان رفايا بتمويل الملك بدرو الثالث ملك أراجون (1276 ـ 1285) في حروبه ضد نبلاء قشطالة. كما قام إسحق أبرابانيل بتزويد فرديناند وإيزابيلا بالسلاح في الفترة من عام 1489 إلى عام 1492، بينما قام أبراهام سنيور بتوفير السلاح اللازم للقوات الإسبانية التي قامت بتصفية الجيب الإسلامي الأخير في غرناطة. ويبدو أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يعملون أيضاً في صناعة السلاح في هذه الفترة ذاتها. ولذا، فقد عارض بعض أعضاء المجلس الاستشاري لملك البرتغال قرار طردهم حتى لا تقع أسرار المهنة في يد العثمانيين إن استقر اليهود المطرودون في أملاك الدولة العثمانية، ويُقال إنهم ساهموا بالفعل في تطوير الأسلحة النارية فيها.

واشترك اليهود في تجارة السلاح في وسط أوربا في القرن السادس عشر، ففي ألمانيا سُمح لإسحق ماير بالاستقرار في هالبرشتات في عام 1537 ليُزوِّد أحد الأديرة بالأسلحة. وحصل يوسف جيرشون من الإمبراطور على ميثاق يقضي بحمايته، وحدَّد الميثاق نشاطاته في توريد السلاح. ومن المعروف أن يهود المارانو (البرتغاليون في أمستردام) اضطلعوا بالوظيفة نفسها، فزودوا جيوش هولندا وإنجلترا والمغرب بالسلاح. ويبدو أن المتعهدين العسكريين اليهود اغتنموا فرصة الحروب الأهلية في المغرب في القرن السابع عشر وزودوا كل الأطراف المتحاربة بالسلاح. وقام يهود البلاط المتعهدون بتزويد حكومات وسط أوربا بكل اللوازم العسكرية من الخيول والجراية والزي العسكري الرسمي والأسلحة. وقد يسرت هذه المهمة، ليهود البلاط ولكل الجماعات اليهودية، الشبكة العالمية الضخمة التي كانت تضم يهود الأرندا في شرق أوربا وصغار التجار المتجولين بل والمتسولين اليهود المنتشرين في كل أرجاء أوربا. كما كانت الشبكة تضم تجار الدولة العثمانية. وكان بوسع هذه الشبكة أن تزود أي جيش بكل ما يريده من جراية ومعادن نفيسة وأموال، ولذا ساد الاعتقاد آنذاك بأن كل المتعهدين العسكريين يهود وأن كل اليهود متعهدون عسكريون (وقد روج النازيون هذه المقولة فيما بعد في دعايتهم ضد اليهود باعتبارهم مستفيدين من مآسي الآخرين) . ومن أهم عائلات يهود البلاط التي اضطلعت بهذه الوظيفة عائلات أوبنهايمر وجومبيريز وفيرتايمر ومايير وهيرشيل. ومما زاد من أهمية المتعهدين العسكريين اليهود ظهور الدولة المركزية المطلقة بحكامها المطلقين، والتي أسست جيوشاً مركزية لتوسيع نفوذها، ولفرض هيمنتها على مناطق جديدة، ولتشديد قبضتها على السوق المحلية.

وقد لعب المتعهدون اليهود دوراً مماثلاً في إنجلترا في القرن السابع عشر. فكان أهم المتعهدين العسكريين في عصر كرومويل هو أبراهام إسرائيل كارفاجال الذي اشترك مع خمسة تجار آخرين في تزويد الجيش البريطاني بالقمح عام 1649. وقد تَمكَّن وليام أوف أورانج من أن يبحر إلى إنجلترا عام 1688 بعد أن حصل على قرض بدون فوائد من أحد الممولين اليهود وهو فرانسيسكو لوبيزسوسو (من لاهاي) . وقام فرانسيسكو دي كورفا وإسحق برييرا بتزويد الحملة بالعتاد العسكري. وكان وليام دي مدينا هو المتعهد العسكري لدوق مارلبورو. أما في أيرلندا، فقد قامت شركة ماكادو وبرييرا بتزويد جيوش دوق شومبرج بالجراية والسلاح.

وقام المتعهدون العسكريون اليهود بالمهمة نفسها في فرنسا. فقد سُمح لعدد من الأسر اليهودية بالاستقرار في ميتز عام 1567 شريطة أن يتعهدوا بتزويد القوات الفرنسية بما تحتاج إليه. وكان لبعض الأسر اليهودية الفرنسية دور ملحوظ في المجال نفسه إبان الحكم المطلق لملك فرنسا لويس الرابع عشر. فكان يعقوب ويرمز هو المتعهد العسكري الأساسي في عصره، وهو دور اضطلع به هرز سرفبي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وكان هذا المتعهد من الأهمية بمكان، حتى أنه استُثنى، حين تَقرَّر عام 1776 إنهاء نظام المتعهدين العسكريين، واستمر في ممارسة نشاطه في الألزاس واللورين. وفي أواخر القرن الثامن عشر، اضطلع بهذه الوظيفة موسى بلين (في ميتز) ، وموسى أليعازر لايفمان كالمر (في هانوفر) . ومن أهم المتعهدين العسكريين أبراهام جراديس الذي زود الجيوش الفرنسية بما كانت في حاجة إليه من عتاد وجراية إبَّان حرب الأعوام السبعة (1756ـ 1763) . كما اشترك معه كلٌّ من روفائيل منديس وبنيامين جراديس، وبعض مُلاَّك السفن اليهود، في تنظيم عملية إبحار السفن الفرنسية من أوربا إلى كندا. وقد أعطى فريدريك الأكبر إبان هذه الحرب عدداً من العقود للمتعهدين العسكريين من أعضاء الجماعة اليهودية، والذين أدوا عملهم بكفاءة عالية وحصلوا على كثير من المزايا وراكموا الثروات. وبدأ بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية في الاقتراض منهم وازداد الاختلاط بين الأرستقراطية وأثرياء اليهود، وكان هذا أحد الأسباب التي أدَّت إلى ما يُسمَّى» صالونات النساء اليهوديات. «

ولعب بعض أعضاء الجماعة اليهودية دوراً بارزاً في تزويد الجيوش الإنجليزية التي أُرسلت إلى المستعمرات بالسلاح والجراية. فزود ماتياس بوش قوات بنسلفانيا في المستعمرات الأمريكية بالسلاح في حربها ضد الفرنسيين. وقامت أسرة فرانكس، التي كان لها فروع في كل من لندن ونيويورك، بتزويد الجيش البريطاني في المستعمرات الأمريكية. وبعد الاستقلال، زودت أسرة شيفتول (من جورجيا) الجيش الأمريكي بالسلاح. واستمرت بعض الأسر اليهودية في القيام بهذا الدور إبَّان الحرب الأهلية، فزود المتعهدون اليهود الجيشين المتحاربين، الشمالي والجنوبي، بالجراية والأزياء العسكرية اللازمة. وقد اضطلع بعض المتعهدين اليهود بالدور نفسه في الدولة العثمانية، ولذلك كانت تربطهم علاقة وثيقة بالإنكشارية. أما في روسيا (في القرن التاسع عشر) ، فقد قام المتعهدون اليهود بتزويد الجيش بالجراية وبالمساهمة في بناء التحصينات العسكرية والطرق والسكك الحديدية.
وقد انتهى دور المتعهدين العسكريين اليهود تماماً مع ظهور الدولة القومية الحديثة التي كانت تتبعها بيروقراطيات متخصصة تقوم بتزويد الجيش بكل ما يلزم من جراية وعتاد. ونحن لا نعرف الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات اليهودية في تجارة السلاح في الوقت الحاضر، وإن كان من المعروف أن إسرائيل تلعب دوراً مهماً فيها، وبخاصة في مجال توريد السلاح للدول الفاشية والعنصرية التي تود الحكومات الغربية مساندتها ولكنها تخشى الرأي العام داخل بلادها وخارجها. ومن ثم تتولى إسرائيل هذه الوظيفة نيابة عنها، فكانت تقوم مثلاً بتزويد حكومة جنوب أفريقيا العنصرية بالأسلحة، بما في ذلك المواد والمعلومات اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية، وبذا تعيد إسرائيل إنتاج أحد الأدوار الوظيفية لبعض الجماعات اليهودية في العالم الغربي.

ومما لا شك فيه أن اضطلاع بعض أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الوظيفة دعم الصورة الإدراكية السلبية لليهود في ذهن الكثيرين. وكما أسلفنا، فقد استغل النازيون هذه الحقيقة التاريخية لتوثيق ادعاءاتهم. ولكن مما يجدر ذكره أن اليهود، مهما بلغت درجة تَورُّطهم في تجارة السلاح، لم يكونوا قط مسئولين عنها، فما حدث هو ظهور حاجة لدى بعض المجتمعات الغربية إلى السلاح والعتاد الحربي والجراية اللازمة لتجريد حملات عسكرية كبيرة ومتكررة نتيجة ظهور الدولة المركزية المطلقة. ولكن هذه المجتمعات لم تكن تملك الإمكانات المادية أو الإدارية للوفاء بهذه الحاجة، ومن ثم نشأت ثغرة كان لا يمكن أن يملأها سوى عنصر وظيفي واحد مثل اليهود الذين كانوا يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية المالية. وهذا ما لم يذكره النازيون. والواقع أن رؤيتهم للأمور، تماماً مثل رؤية الصهاينة وكل العنصريين، تجتزئ من الواقع عنصراً ـ أو بعض العناصر ـ وتجعله النقطة المرجعية الوحيدة ثم تُوظِّفه في تبرير أي فعل تقوم به، مع إهمال كامل لكل عناصر الصورة التاريخية المركبة.
جاك بافيا (؟ -1687)
‏Jack Pavia

تاجر ماس يهودي من أصل ماراني (برتغالي) ، وهو مؤسس الجماعة اليهودية في إقليم مدراس بالهند. وُلد لعائلة يهودية عاشت في هولندا، وهاجر إلى إنجلترا ليصبح من أوائل اليهود الذين استوطنوا بها بعد أن أُعيد فتح باب الاستيطان اليهودي في إنجلترا. اهتم بعملية استغلال مناجم الماس في جولكوندا فسافر إلى الهند وأسَّس تجارة له بها، واشتغل في تصدير الماس إلى إنجلترا واستيراد المرجان عن طريق أفراد أسرته في لندن. وفي عام 1683، نجح في الحصول على أذون من شركة الهند الشرقية تسمح باستيطان اليهود في مدراس وسافر إلى هناك عام 1684. وأثناء وجوده بها، نجح في إقناع حاكم الإقليم بتأسيس ميلشيا من الأوربيين. وقام بافيا بتمويل الخيل والسلاح على نفقته الخاصة كعضو في هذه الميليشيا التي ضمت أيضاً عدداً آخر من اليهود، وقد عُيِّن بافيا قبل عدة أيام من وفاته نائباً لملك بريطانيا في مدراس مدى الحياة.
وتعود أهمية بافيا إلى ما يلي:
1 ـ تُبيِّن سيرة حياته ذلك الدور الحيوي الذي لعبه يهود المارانو في التشكيل الاستعماري الاستيطاني للغرب.
2 ـ كما تُبيِّن سيرة حياته الدور الريادي الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية في هذه العملية.
3 ـ تُعَدُّ حياة بافيا نموذجاً جيداً لكيفية تَحوُّل جماعة وظيفية وسيطة إلى جماعة عسكرية، أو لتداخل الدورين المالي والقتالي للجماعات الوظيفية. ومن ثم، فإن تَطوُّره الشخصي يشبه تَطوُّر الجماعات اليهودية في الغرب، تلك الجماعات التي كانت جماعات وظيفية مالية في أوربا ثم تحوَّلت إلى جماعة وظيفية في فلسطين.
الأرندا والإقطاع الاستيطاني
‏Arenda and Settler Feudalism

«أرندا» كلمة بولندية تعني حرفياً «أجرة» تُدفَع مقابل استئجار. وهي، كمصطلح، تُستخدَم للإشارة إلى استئجار ممتلكات ثابتة، مثل الأرض والطواحين والفنادق الصغيرة ومصانع الجعة ومعامل تقطير الكحول، أو إلى امتيازات أو حقوق خاصة مثل تحصيل الجمارك والضرائب. وقد تم تَبنِّي المصطلح بالمنطوق والمعنى المذكور في اليديشية والعبرية. وكان يُشار إلى المستأجر نفسه، خصوصاً الصغير، على أنه «أرندا» ، كما كان يُقال له «الأرنداتور» . وكان المصطلح ذائع الانتشار ويصف واحداً من أهم جوانب الاقتصاد البولندي الليتواني في أواخر العصور الوسطى. وقد ارتبط يهود بولندا بنظام الأرندا من بدايته. فهم، كجماعة وظيفية وسيطة عميلة، كانوا مهيأين للاضطلاع بهذا الدور، خصوصاً أن المؤسسة اليهودية الأرثوذكسية أحلت عمليات الإقراض بالربا بين اليهود من خلال التحلِّة، وهو ما سهَّل لأي يهودي أن يُموِّل يهودياً آخر ويقرضه بربا، الأمر الذي وفر الاعتمادات اللازمة للاستثمارات. وكان الارتباط بين أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا وهذا النظام من العمق بحيث أن كلمة «أرنداتور» أصبحت مرادفة لكلمة «يهودي» .

وكان يُشار إلى الأرندا، في بداية الأمر، بمصطلح «الأرندا الكبرى» أو «الأرندا الملَكَية» أو «الأرندا الحكومية» . ويشير هذا المصطلح إلى استئجار الاحتكارات العامة والعوائد العامة. وكانت أول أرندا كبرى حصل عليها أعضاء الجماعة اليهودية هو حق تحصيل بعض العوائد الملكية، أو حق إدارة مؤسسات ملكية مثل دار صك النقود ومناجم الملح والجمارك أو جمع الضرائب. وقد انتشر المستأجرون اليهود من المشتغلين بالأرندا في المقاطعات الشرقية من بولندا في القرن الخامس عشر. أما في غرب بولندا، حيث كان يتوفر للنبلاء البولنديين (شلاختا) رأسمال كبير، فقد مُنع اليهود من استئجار حق تحصيل العوائد الملكية باعتبار أن هذه عملية مربحة. ومع ازدياد نفوذ النبلاء، اتخذ البرلمان البولندي (سييم) قراراً عام 1538 بمنع اليهود من استئجار العوائد والمؤسسات الملكية. وقد اتخذ مجلس البلاد الأربعة قراراً مماثلاً حتى يقلل من الاحتكاك بين اليهود والنبلاء. ولكن القرار لم ينجح في وقف نشاط الأرندا بين اليهود، فاستمر المموِّلون اليهود في استئجار كثير من المزايا الملكية مثل الجمارك والضرائب على الخدمات، خصوصاً مطاحن الدقيق وبحيرات الأسماك، وفي إنتاج وتسويق المشروبات الكحولية. كما كان بعض أعضاء الجماعة اليهودية يستأجرون ضياعاً بأكملها. بل ظلوا، حتى منتصف القرن السادس عشر، أهم مستأجري حق جمع الضرائب في المحطات المخصصة لذلك في ليتوانيا وروسيا البيضاء، كما كان هناك يهود أرندا في جاليشيا. وكان جامعو الضرائب (من اليهود وغير اليهود) يستخدمون أكثر الطرق قسوة للحصول على العائد، وكثيراً ما كانوا يُحصِّلون ضرائب أكثر من المقررة. وكان من حق جامع الضرائب أن يفتش العربات التي تمر من خلال البوابات وأن يُصادر العربات التي تحاول التهرب من استخدام الطريق العام. وقد حَدَث صراع بين النبلاء الليتوانيين واليهود، فأصدر البرلمان الليتواني (سييم) قراراً بقصر حق

الأرندا على النبلاء. ولكن اليهود تحدوا هذا القرار، كما أصدر المجلس الليتواني (وهو يقابل مجلس البلاد الأربعة) قراراً يتحدى هذا القرار. وقد اشتغل عدد كبير منهم بالأرندا من الباطن، عن طريق كفيل مسيحي، حينما لم تكن تسنح لهم فرصة الاشتغال بها بشكل مباشر.
ولكن، حدثت عدة تطورات أدَّت إلى ظهور الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية التي تختلف في كثير من الوجوه عن الأرندا الكبرى أو الحكومية أو الملكية. ولعل العنصر الأساسي والحاسم في ظهور الأرندا الزراعية هو إبرام اتحاد برست ليتوفسك (ويُسمَّى أيضاً اتحاد لوبلين) عام 1569 بين ليتوانيا وبولندا. وهو الاتفاق الذي حوَّل الوحدة الاسمية (وحدة الأسرتين المالكتين) بين البلدين إلى وحدة حقيقية. وقامت بولندا بضم أوكرانيا نتيجة هذه الوحدة.
ونتيجة عملية الضم هذه، وقع تحت تصرف النبلاء البولنديين مساحات ضخمة من الأراضي كانت في حاجة إلى رأس مال ضخم لاستثماره لإدارتها ولمد الطرق اللازمة لذلك. وقد تزامن هذا مع تَزايُد الصادرات الزراعية لبولندا إلى غرب أوربا (بسبب الانفجار السكاني وحرب الثلاثين عاماً) ، فأصبحت بولندا في الفترة 1577 ـ 1654 مصدراً أساسياً للقمح في أوربا. فكان يتم تصدير القمح البولندي إلى فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، وأحياناً إلى الشرق الأوسط من خلال أمستردام حيث كانت هناك أهم بورصة لبيع الحبوب.
كما أخذت بولندا تُصدِّر محصولات زراعية أخرى. وأصبحت جدانسك أهم مدينة تجارية في أوربا بعد أمستردام إذ كانت تُصدِّر مواداً عديدة مثل الحبوب والأخشاب والكتان والقنب والماشية. ومع تزايد الصادرات الزراعية، حَدَث تَطوُّر في الصناعات الغذائية، وهو ما أدَّى إلى صَبْغ الزراعة في بولندا بصبغة تجارية.

هذه هي الأرضية الاقتصادية المادية لظهور الأرندا الإقطاعية الاستيطانية. ولكن هذا وحده لا يكفي لتفسير ما حدث. فثمة عناصر خاصة بالتركيب الطبقي للشلاختا ورؤيتهم لأعضاء الجماعات اليهودية ووضع اليهود كجماعات وظيفية ساهمت (كلها مجتمعة أو بدرجات متفاوتة) في تشكيل هذه الظاهرة ودفعها من عالم الإمكانية إلى عالم الوجود المتحقق:
1 ـ أول هذه العناصر هو أن النبلاء البولنديين لم يكن لديهم الكفاءات أو رأس المال أو الرغبة في إدارة هذه الضياع البعيدة.
2 ـ كان النبلاء في بولندا، برغم سطوتهم وقوة نفوذهم، خاضعين لقوانين جامدة، فكانوا يتمتعون بمكانتهم والمزايا الطبقية ماداموا لا يعملون بالتجارة. وكان اشتغالهم بالتجارة يعني، في واقع الأمر، فقدانهم مكانتهم ووضعهم. ولذا، كان يُوجَد نبلاء فقراء (النبلاء الحفاة) معدمون يفضلون الجوع والفاقة على العمل بالتجارة.
3 ـ كان يتعيَّن على النبلاء أيضاً البقاء في وارسو بالقرب من مراكز السلطة حيث تتم عملية صنع القرار السياسي والعسكري بسبب طبيعة النظام السياسي البولندي كملكية جمهورية، وحفاظاً على المكانة السياسية والتمتع بمظاهر الأبهة الأرستقراطية.
4 ـ كانت حاجة النبلاء الإقطاعيين إلى المال تزداد يوماً بعد يوم، وبخاصة مع تزايد فقر بولندا، فكانوا يقترضون من المرابين اليهود مبالغ طائلة للوفاء باحتياجاتهم بضمان ضياعهم وغلتها وعوائدها وريعها.
5 ـ تزامن كل هذا مع تزايد تضييق المدن الملكية الخناق على أعضاء الجماعات اليهودية وممارسة التمييز ضدهم.
6 ـ شهدت الفترة من 1539 - 1549 تَزايُد التقارب بين النبلاء وأعضاء الجماعات اليهودية الذين لم يعودوا تحت الحماية الملكية. فكان اليهود إذا طردتهم إحدى المدن الملكية انتقلوا منها إلى مدن النبلاء أو إلى الشتتلات داخل ضياع النيلاء.

7 ـ كان لدى اليهود كل ما يلزم عملية الاستثمار في ضياع النبلاء من الخبرة التجارية والإدارية ورأس المال. كما كانوا مادة بشرية حركية، ولم يكن لديهم أي مانع من الانتقال إلى أوكرانيا ليكونوا ممثلين للنبلاء البولنديين.
8 ـ ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أية خطورة على النبلاء لأنهم لم يكن بوسعهم، كعنصر غريب أجنبي، أن يطالبوا بنصيب في السلطة السياسية يتناسب مع وزنهم الاقتصادي، وذلك على عكس العناصر البورجوازية المحلية التي عادةً ما تطالب بمزيد من الحقوق كلما تزايدت قوتها الاقتصادية.
9 ـ كان النبلاء البولنديون ينظرون إلى أعضاء الجماعة اليهودية كعنصر ريادي استيطاني كفء ونافع يساهم في تعمير المناطق غير المأهولة بالسكان وكأداة تستخدم لتنشيط الاقتصاد الزراعي الخامل وإدخال بعض النشاطات التجارية فيه حتى يزيد من ريع الأراضي الزراعية.
لكل هذا، ظهرت الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية وتشكلت علاقة تعاقدية نفعية بين الشلاختا من جهة واليهود كجماعة استيطانية من جهة أخرى.
ومع تَصاعُد نفوذ النبلاء وضعف نفوذ السلطة المركزية الملكية، تزايد اعتماد الجماعات اليهودية على النبلاء ابتداءً من القرن السابع عشر، وانتقل مركز الجاذبية بالنسبة إليهم من غرب ووسط بولندا إلى المناطق الشرقية في أوكرانيا وغيرها. ومن منتصف القرن السابع عشر، أصبحوا الطبقة الثالثة أو الجماعة الوظيفية الوسيطة بين النبلاء والأقنان. وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية أداة النبلاء في ممارسة سلطتهم.

ونحن نصف نظام الأرندا الزراعي (غير المَلَكي) بأنه «إقطاع استيطاني» لنميِّزه عن أشكال الإقطاع السائدة في أوربا آنذاك. فالنظام الإقطاعي يتسم ولا شك بالاستغلال الطبقي، شأنه في هذا شأن النظم الاقتصادية الدنيوية (فهذه هي إحدى سمات البشر) . ولكن نظام الأرندا في أوكرانيا اكتسب أبعاداً استغلالية متطرفة تفوق كثيراً الإقطاع العادي. فالعلاقات السائدة في أوكرانيا كانت ولا شك علاقات إقطاعية بين النبلاء البولنديين (والليتوانيين) من جهة، والفلاحين والأقنان الأوكرانيين من جهة أخرى، وذلك فيما يختص بملكية الأراضي وتوزيع غلتها. ولكنه كان إقطاعاً اقتصادياً (مجرداً) بلا علاقات اجتماعية إقطاعية (متعيِّنة) . فالإقطاع التقليدي (في أوربا وفي غيرها من البلاد) يفترض وجود ثقافة مشتركة بين النبيل والقن، كما يفترض أن النبيل عادةً ما يوجد في ضيعته يديرها بنفسه ويدخل في علاقة مباشرة مع فلاحيه. ولذا، لم تكن علاقة النبيل الإقطاعي بأرضه علاقة تجارية خارجية موضوعية برانية وحسب وإنما كانت ذات جانب جواني يأخذ شكل الالتزام بمسئولياته كنبيل إقطاعي بكل ما تقتضيه النبالة وتفترضه وتفرضه من أعباء.

وكانت هذه الروابط الإقطاعية المتعيِّنة تخفف إلى حدٍّ ما من حدة الاستغلال الاقتصادي. أما في حالة النبيل الإقطاعي البولندي، فهذه الشروط لم تكن متوفرة البتة، فهو كان دائماً غائباً عن ضيعته، ولم تكن له أية علاقة مباشرة معها أو مع فلاحيها، وكان يمثله عنصر بشري استيطاني غريب يمثل همزة الوصل بينه وبين فلاحيه. وكان اهتمامه بضيعته اهتماماً مالياً (تجارياً) ضيقاً، حيث كانت تمثل مصدراً للدخل وحسب (وليست مظهراً من مظاهر الأبهة الإقطاعية والمكانة الأرستقراطية والحسب والنسب) فهو لا يتحدث لغتهم الأوكرانية ولا ينتمي إلى كنيستهم الأرثوذكسية. وأدَّى هذا إلى تَزايُد استغلال النبلاء للفلاحين في أوكرانيا وفي خارجها، وإلى تَحوُّل نظام الأقنان إلى نظام عبودي إذ لم تكن تُوجَد قوة تقف في وجه النبلاء وتضع حدوداً لاستغلالهم. وقد أصر النبلاء على حقهم المطلق في إقرار الحياة والموت بالنسبة إلى الأقنان.
وما بين النبلاء البولنديين الكاثوليك والأقنان الأوكرانيين الأرثوذكس كان يقف الملتزم (الأرنداتور) اليهودي، أداة الأول في سحق الثاني. وبذلك تشكلت واحدة من أهم الجماعات الوظيفية المالية الاستيطانية شبه القتالية. وكانت العلاقة بين النبيل ووكيله اليهودي عادةً ما تأخذ شكل قرض يحصل عليه النبيل من اليهودي للوفاء باحتياجاته بضمان ريع ضيعته (التي يديرها اليهودي) أو أي عوائد أخرى مثل عوائد قطع الأخشاب ونقل البضائع وغير ذلك من النشاطات الحرفية والتجارية.

وكان المموِّلون اليهود يستأجرون أحياناً مناطق ومدناً بأكملها ولعدة سنوات. ففي عام 1598، قام أحد أثرياء اليهود باستئجار جملة الأراضي التي يمتلكها مجموعة من النبلاء بلغت مساحتها مئات الأميال المربعة، وكان يدفع إيجاراً ضخماً لها. وكان كثير من يهود الأرندا يؤجرون الضياع من الباطن لصغار الممولين اليهود أو يرسلون في طلب أقارب لهم من بولندا ليقوموا بإدارة الضياع نيابة عنهم.
وكان الأرنداتور اليهودي يحصل على كل الامتيازات الممكنة مثل إدارة الحانات وطواحين الغلال ومعامل الألبان ومعامل التقطير وصناعة الكحول ومناجم الملح وقطع الأخشاب والفراء ودبغ الجلود والصباغة وصناعة الزجاج وصنع الصابون (وقد أصبح أعضاء الجماعات اليهودية العنصر الإثني السائد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر في مثل هذه القطاعات الاقتصادية) . كما كانوا يجمعون ضرائب المرور على الكباري والبوابات. بل لم يكن من الممكن إقامة الصلوات الأرثوذكسية إلا بعد العودة للوكيل اليهودي إذ لم يكن بمقدور القساوسة الحصول على مفتاح الكنيسة أو استعارة ردائهم الكهنوتي لإقامة شعائر الصلاة إلا بعد دفع ضريبة. وكان اليهود يشترون أيضاً المحصولات من الفلاحين. ولأنهم هم الذين كانوا يمتلكون وسائل النقل النهري، فكانوا هم أيضاً الذين يقومون بنقلها. كذلك كان أعضاء الجماعة اليهودية تجار القرية الذين يبيعون الفلاحين ما يريدونه من السلع الضرورية مثل الملح والسلع الترفية.

ونظراً لغياب النبيل الإقطاعي، أصبحت السلطة المباشرة شبه المطلقة في يد اليهودي الذي كان يدير الضيعة، تسانده في ذلك القوة العسكرية البولندية التي تضمن بقاءه واستمراره في عملية اعتصار الأقنان الأوكرانيين من كل ثمرات عملهم. وبعد الانتهاء من هذه العملية، كان الأرنداتور يُبقي حصته من الريع ويرسل الباقي إلى النبيل. ولكن كثيراً ما كان الوكيل اليهودي يقوم بتحصيل ضرائب من الأقنان والفلاحين بما يزيد على حقه. وقد كانت جماعة يهود الأرندا تتسم بكثير من الخيلاء والقسوة (كما تقول الموسوعة العالمية اليهودية) . وكان يهود الأرندا لا يقومون بأية مهام قتالية بل كانوا جماعة وظيفية متحوسلة تقوم باستغلال الجماهير لحساب الحاكم (شأنهم شأن المماليك في المراحل الأولى من تاريخهم قبل تَحوُّلهم إلى نخبة حاكمة) ؛ وكان رأس المال الربوي والخبرة الإدارية يحلان محل السيف كأداة للاستغلال.

ومع هذا، لم يكن البُعد العسكري مُفتقَداً تماماً. وقد ترجم الإقطاع الاستيطاني نفسه في ظاهرة الشتتل والمعبد/القلعة، فقد قام النبلاء بتشييد العديد من المدن الصغيرة كانت الواحدة منها تُسمَّى «شتتل» ويعيش فيها الملتزمون اليهود وأسرهم وأتباعهم في حماية القوة العسكرية البولندية، كما كان عليهم هم أنفسهم أن يتدربوا على حمل السلاح. ولذا، نص القانون على أنه: «يجب على كل رب عائلة يهودية أن يحتفظ ببنادق بعدد الذكور في بيته وبثلاث خرطوشات وثلاثة أرطال من البارود» . كما كانت المعابد اليهودية تأخذ شكل قلاع تُوجَد في حوائطها كوات حتى يمكن أن تخرج منها فوهات البنادق والمدافع. ويتضح مدى تحوُّل اليهود إلى مادة استيطانية شبه قتالية في تحولهم هم أنفسهم إلى موضوع للصراع بين القوى الشعبية الفلاحية الأوكرانية المنتفضة من جهة والقوى الاستغلالية البولندية من جهة أخرى. فحينما حقق بوجدان شميلنكي (الزعيم الفلاحي الأوكراني) انتصاراً على البولنديين عام 1649، نصت المعاهدة المبرمة بين الطرفين على عدم السماح لليهود بالاستيطان في أوكرانيا إذ أن وجودهم فيها كان علامة على الهيمنة البولندية فهم أداته الطيعة. ولكن حينما ألحقت القوات البولندية الهزيمة بقوات شميلنكي عام 1651، اضطر إلى الاعتراف بحق اليهود في الاستيطان في ضياع الملك والشلاختا. ولذا، قد يكون من الأفضل أن نسمي يهود الأرندا «المماليك التجارية الاستيطانية شبه القتالية» . وقد كانت هذه الشتتلات تضم المعبد/القلعة (وهو معبد يهودي كان مُصمَّماً بحيث يمكن استخدامه كحصن وقلعة عسكرية، كما كانت تُقام فيه أيضاً الصلاة والدراسة) . وكانت حوائط المعبد/القلعة سميكة للغاية، كما أن المتاريس كانت مزودة بكوات لتخرج منها المدافع والبنادق.

وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية، بعلاقتهم القوية مع النبلاء والقوى التجارية الدولية، محميين من تقلبات المجتمع الإقطاعي ومن غش وخداع البلديات والموظفين الملكيين، ووجدوا المناخ المستقر الذي يحتاج إليه النشاط التجاري والمالي دون ضغوط وتهديد. وتَحسَّن وضعهم كثيراً. وقد أصبح بعض يهود بولندا وروسيا من كبار تجار الأخشاب والحبوب في أوربا.
وكان مسرح نظام الأرندا هو أوكرانيا التي أصبحت النقطة التي التقت فيها عناصر عديدة غير متجانسة أهمها النبلاء البولنديون الإقطاعيون الكاثوليك والفلاحون الأوكرانيون الأرثوذكس (الذين يتحدثون الأوكرانية) والتجار اليهود (الذين يتحدثون اليديشية) غير المنتمين لهذا أو ذاك والذين يشكلون الوسيط التجاري والإداري والمالي بين الطرفين (إلى جانب الغجر والتتار وبعض الأرمن) .
ويُلاحَظ أن التقسيم الطبقي كان أيضاً تقسيماً عرْقياً وإثنياً ودينياً. ولم يكن نشاط الأرندا مقصوراً على أوكرانيا وبولندا بل أصبح جزءاً من شبكة تجارة دولية. فكان كبار النبلاء الإقطاعيين البولنديين يمتلكون الأرض في أوكرانيا ويؤجرونها، والألمان يديرون الموانئ على بحر البلطيق، والهولنديون يمتلكون السفن البحرية لنقل السلع. أما أعضاء الجماعة اليهودية، فقد قاموا ببقية العملية ومن بينها نقل المحاصيل بوسائل النقل النهري التي كانوا يمتلكونها. وقد نشأت علاقة قوية بين يهود البلاط في دول أوربا الوسطى، وبين يهود الأرندا إبان حرب الثلاثين عاماً، حيث كان يهود البلاط يستوردون الحبوب من بولندا. وكان يهود الأرندا يقومون بتدبير الغلال المطلوبة التي كانت تتزايد حاجة أوربا إليها (وهذا يبين كيف كانت العلاقات بين الجماعات اليهودية تُسهِّل اتصالاتهم وتجعل منهم شبكة قوية ووحيدة للتجارة الدولية) .

وقد ارتبط مصير أعضاء الجماعة اليهودية تماماً بمصير الأرندا (الزراعي الإقطاعي الاستيطاني البولندي) والقوة العسكرية البولندية التي كانت تسانده. وقد كان لنظام الأرندا الإقطاعي الاستيطاني أعمق الأثر في تَطوُّر تاريخ الجماعة اليهودية في بولندا، وهو ما أثر بدوره في تاريخ الجماعات اليهودية في غرب أوربا وأعطى المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة:
1 ـ وجد اليهود أنفسهم بين مطرقة النبلاء وسندان الفلاحين. وقد كان اليهودي هو ممثل الإقطاع البولندي الشره وأداة الاستغلال المباشرة الواضحة، إذ تم حوسلته تماماً من قبل النبلاء. وكانت شراهة النبلاء الإقطاعيين تزداد سنة بعد سنة، فكانوا يزيدون من قيمة الإيجار، وكان على الوكيل اليهودي أن يزيد بدوره من الضرائب والإيجارات التي يحصلها من الفلاحين. ولكن يهود الأرندا كانوا يعيشون بين الفلاحين في أوكرانيا، بينما كان النبيل الإقطاعي يعيش في ضيعته أو قصره في بولندا.
2 ـ حدث ليهود بولندا، نتيجة نظام الأرندا، تطوران متناقضان:
أ) انعزل يهود الريف عن المراكز التلمودية في المدن الكبرى، واكتسبوا ثقافة الفلاحين السلافيين المتخلفة، وتشبعوا بالفلكلور الريفي بما في ذلك العقائد الشعبية المسيحية، الأمر الذي أضعف هويتهم اليهودية. وكانت هذه تربة خصبة لنشوء الحركات المشيحانية. ويُلاحَظ أن الحركتين الحسيدية والفرانكية نشأتا في منطقة بودوليا، وانتشرتا بين يهود أوكرانيا أسرع من انتشارها بين بقية يهود شرق أوربا.

ب) في الوقت نفسه، ونظراً لتزايد عددهم، كان اليهود يوجدون لا على هيئة أقلية صغيرة تعيش داخل الجيتو في إحدى المدن المسيحية وإنما على هيئة مدن صغيرة (شتتلات) تضم تجمعات بشرية يشكل اليهود فيها نسبة مئوية كبيرة بل الأغلبية العظمى أحياناً، ومن هنا تكلست هويتهم وانعزلت واحتفظ اليهود برطانتهم الألمانية (اليديشية) . وقد ساهم الانفجار السكاني الذي حدث بينهم في تعميق هذا الاتجاه.
3 ـ زادت الأرندا من تَشوُّه البناء الطبقي ليهود بولندا بحيث تركزوا في تجارة الخمور التي أصبحت مشكلة أساسية في الريف البولندي (ثم الروسي بعد ذلك) .
4 ـ وبعد تَشوُّه البناء الوظيفي والعزلة وتزايد الأعداد، ضُمَ هذا الجزء من بولندا إلى روسيا، فوجدت روسيا عندها هذه الكثافة البشرية التي تتحدث اليديشية وتؤمن بالحسيدية وتتاجر في الخمور، وهي كتلة كانت مكروهة من السكان المحليين. وكانت البيروقراطية الروسية جاهلة باليهود وبكيفية التعامل معهم، ذلك لأنه كان مُحرَّماً عليهم دخول الإمبراطورية حتى نهاية القرن الثامن عشر.
5 ـ كان الوضع الطبقي المميَّز لليهود داخل البناء الاستيطاني للإقطاع يعني أنهم ليسوا عنصراً من التشكيل الحضاري البولندي. ولذا، حينما نشأت حركات ثورية مثل انتفاضة شميلنكي في أوكرانيا ثم الحركة القومية في بولندا، كان اليهود يقفون خارجها امتداداً لوضعهم الطبقي الهامشي والطفيلي. فهم لم يكونوا مستغلين فقط، مثل النبيل الإقطاعي الفرنسي أو التاجر الإنجليزي، وإنما كانوا غرباء أيضاً فسقطوا مع سقوط نظام الإقطاع الاستيطاني البولندي.
وقد أضفت كل هذه العناصر على المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة.

6 ـ لم يكن هناك يهود يعيشون بشكل قانوني في إنجلترا أو فرنسا أو هولندا أو إسبانيا أو البرتغال أو الدول الإسكندنافية أو إمارة موسكوفي حتى عام 1550. وكان يهود أوربا كافة مُركَّزين أساساً في بولندا وبعض أجزاء من ألمانيا أو إيطاليا حتى أنه، في القرن السابع عشر، كان هناك مركزان أساسيان في العالم لليهود: أحدهما في الإمبراطورية العثمانية وهو الذي استوعب العديد من اليهود الذين طُردوا من أوربا الغربية وشبه جزيرة أيبريا، وثانيهما في بولندا وليتوانيا. وقد أخذ غزو يهود بولندا في الزيادة ابتداءً من القرن السادس عشر حتى أن أغلبية يهود العالم كانت في بداية القرن العشرين من نسل يهود بولندا (بل يُقال إن كل يهود العالم الغربي من أصل بولندي باعتبار أن العناصر اليهودية المحلية تم صهرها تماماً في الأغلبية (.
7 ـ كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن التجارة والاستيطان والقتال جزء أساسي من التجربة التاريخية للغالبية العظمى من الجماعات اليهودية في الغرب، وأنهم دخلوا العصر الحديث وعندهم قابلية (تبادل اختياري) للاشتراك في العمليات الاستيطانية القتالية. وفي هذه التربة الخصبة، ظهر جوزيف فرانك اليهودي البولندي المُتنصِّر الذي طالب بتسليح اليهود وتأسيس دولة مستقلة لهم. كما ظهر الحل الصهيوني للمسألة اليهودية المبني على تصديرها باعتبار أن اليهود عنصر استيطاني غريب (ومن المعروف أن معظم قيادات الصهيونية الاستيطانية من أصل بولندي روسي (.

ويمكن القول بأن الأرندا الإقطاعية الاستيطانية تُكمل الحلقة المفقودة بين تجربة يهود الغرب والتجربة الصهيونية. فالعلاقة الثلاثية (النبلاء البولنديون ـ الوسطاء اليهود المستوطنون ـ أقنان أوكرانيا) تشبه كثيراً العلاقة الثلاثية السائدة في الشرق الأوسط (الإمبريالية الأمريكية ـ الوسطاء الصهاينة المستوطنون - عرب فلسطين) . والعنصر اليهودي في كلتا الحالتين عنصر استيطاني نافع يتم الحفاظ عليه بمقدار نفعه وليست له أهمية في حد ذاته.
وما حدث، بشيء من التبسيط، هو أن المماليك التجارية الاستيطانية شبه القتالية في أوكرانيا تحوَّلت إلى مماليك استيطانية قتالية شبه تجارية في فلسطين بعد تأسيس الدولة المملوكية الصهيونية، وهي دولة ذات قيمة إستراتيجية عسكرية بالنسبة للغرب (بالدرجة الأولى) وذات أهمية تجارية اقتصادية (بالدرجة الثانية) .ومع ظهور النظام العالمي الجديد، قد تتراجع الوظيفة العسكرية القتالية لتشغل المرتبة الثانية بينما تشغل الوظيفة التجارية الاقتصادية الدرجة الأولى، ولذلك سيتطابق وضع الدولة الصهيونية مع يهود الأرندا إذ ستصبح دولة وظيفية تجارية شبه قتالية. ونحن، بهذا، نكون قد اكتشفنا استمرارية تاريخية ونمطاً متكرراً داخل التاريخ الغربي الحقيقي، وليس استمرارية ميتافيزيقية داخل التاريخ اليهودي الوهمي.
الخمور (النبيذ والكحول) والاتجار فيها
‏Wine and Liquor Trade

«تجارة الخمور والنبيذ» هي تجارة عادةً ما تضطلع بها جماعة وظيفية، ربما لأن الخمر تُذهب الوعي وترتبط في كثير من العقائد بالمقدَّس والغيب، أي أن الخمر مرتبطة بمنطقة وجدانية تقع خارج نطاق المألوف والعادي والروتيني، ومن هنا تظهر ضرورة اللجوء إلى جماعة وظيفية محايدة، ليس في مقدورها أن تُوظِّف لحظة غياب الوعي هذه لصالحها (بسبب عجزها) ، تماماً مثل الحلاق الذي تُسلِّم له رأسك ليقص الشعر، ويمكنه أن يقطع رأسك ويسلم من العقوبة إن كانت تسانده مجموعة من البشر لها سلطة. والشيء نفسه ينطبق على الماشطة التي تدخل البيوت وتعرف أخص خصائص النساء، وهو ما يجعلها مستودعاً لكثير من الأسرار التي يمكن أن تُستخدَم ضد من قالها. ولذا، فلابد لمن يقوم بمثل هذه الوظائف أن يكون محايّداً مجرَّداً من السلطة تحت رحمة المجتمع تماماً، حتى لا يسيطر عليه.

ويبدو أن التحريم التلمودي الخاص بتناول خمور الأغيار جعل أعضاء الجماعات اليهودية مضطرين إلى أن يكون لهم كرومهم ومصانع الخمور الخاصة بهم. ولكن، مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي في الغرب، كانت كل مزارع الكروم المملوكة لليهود قد تمت تصفيتها مع انسحابهم التدريجي من مهنة الزراعة. ولكن اتجارهم في النبيذ والمشروبات الكحولية استمر حتى أصبحت هذه المهنة إحدى المهن أو الوظائف اليهودية الأساسية في شرق أوربا وألمانيا. ومع بداية القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، كان إنتاج المشروبات الكحولية وبيعها في بولندا وليتوانيا عملاً أساسياً يمتهنه أعضاء الجماعات اليهودية ومصدراً من أهم مصادر الدخل بالنسبة لهم، كما أصبح هذا العمل مهنة أساسية في بوهيميا والمجر. وقد ازداد ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الخمور نتيجة لنظام الأرندا. فرغم أن الخمور كانت تمثل الترف الأساسي في حياة الفلاحين، إلا أنهم كانوا ممنوعين من تقطيرها، إذ أن هذا الحق كان مقصوراً على النبلاء البولنديين، وكان تأجير هذا الحق مصدراً أساسياً للريع الذي يحصل عليه النبيل من مستأجر الامتياز (الأرنداتور) . فكان اليهود يستأجرون معامل التخمير والتقطير والحانات، والتي كانت مرتبطة بنظام الأرندا في بولندا وأوكرانيا وروسيا البيضاء. وقد أصبح اليهودي (صاحب الحانة) شخصية أساسية في الريف الأوكراني وفي المدن الصغيرة. وكان اليهود يحتكرون ـ تقريباً ـ إنتاج وبيع المشروبات الكحولية. وكانت نسبة عالية منهم تعمل في هذه التجارة حتى بلغت، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، 15% من مجموع يهود المدن و85% من يهود الريف.
وقد تسبَّب اشتغال اليهود بهذه التجارة في نشوء كثير من التوترات بينهم وبين بقية السكان. كما كان الفلاحون السلاف يفرطون في الشرب، وهو ما كان يزيد من أرباح اليهود، خصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا لا يشربون بهذا الإفراط.

وكان أعداء اليهود بين طبقات المجتمع الأخرى يلقون اللوم على اليهود، مع أن الإفراط في الشرب كان ظاهرة اجتماعية صاحبت تَدنِّي الأوضاع الاقتصادية والثقافية في شرق أوربا والذي لم يكن اليهود مسئولين عنه بل ضحية له. وكانت الطبقات الحاكمة في شرق أوربا (روسيا وبولندا) ترى أن اليهودي هو سر بلاء الريف وبلاء سكانه، ولذا كانوا يرون أن إصلاح حال الفلاحين لن يتأتى إلا بطرد اليهود من صناعة الخمور. ومع تدهور الاقتصاد البولندي ابتداءً من القرن الثامن عشر الميلادي، بدأت العناصر التجارية المسيحية تتجه إلى الهيمنة على تجارة النبيذ والكحوليات المربحة بين السكان. وكلما ازداد إفقار المدن وإفقار سكانها، كانت المطالبة بتأميم تجارة الخمور تزداد ضراوة. وأصبح استبعاد اليهود من هذه التجارة مطلباً أساسياً تطرحه الطبقة الوسطى البولندية، ثم أصبح هذا جزءاً من سياسة كثير من الدول المطلقة المستنيرة.
وقد بدأت حركة استبعاد أعضاء الجماعات اليهودية من صناعة الخمور في بولندا وامتدت إلى روسيا واستمرت فيها. ونصت براءة التسامح التي أصدرها جوزيف الثاني على ضرورة طرد اليهود من صناعة الخمور خلال عامين. ومع تفاقم مشكلة سُكْر الفلاحين، ازدادت ضراوة التشريعات ضد اشتغال اليهود بتجارة الخمور. ولكن كل هذه التشريعات لم تفلح، إذ أن إدمان الفلاحين السلاف للخمر كان نتاج ظروف حضارية واجتماعية مُركَّبة لم يكن اليهود مسئولين عنها، وإن كانوا قد استفادوا منها. ولم تُحسَم المسألة نهائياً إلا مع ظهور نظم اشتراكية في روسيا وبولندا أممَّت كل وسائل الإنتاج، ومنها صناعة الخمور، وأوجدت فرصاً بديلة لليهود.

ويبدو أن تقاليد الاشتغال بإنتاج النبيذ وتسويقه استمرت على يد المستوطنين الصهاينة في فلسطين، إذ زرعوا كثيراً من الكروم وقاموا بتقطير الخمور. وقد قامت مدرسة مكفيه إسرائيل الزراعية بزراعة أول أشجار كروم أوربية، وأسست أول قبو خمور على الطريقة الأوربية. وكان البارون إدموند دي روتشيلد مهتماً بزراعة الكروم في فلسطين مؤملاً أن تتحوَّل إلى أحد الأسس الاقتصادية للقرية اليهودية في فلسطين، وقد قام ببناء أقبية كبيرة للخمور. ولكن التجربة لم تنجح، مثلها مثل كثير من التجارب الاستيطانية الأخرى.
الإعلان
‏Advertising
لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً للغاية في صناعة الإعلان، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث ارتبطت هذه الصناعة بآليات المجتمعات الرأسمالية الحديثة. ويُعتبَر رجال صناعة الإعلان من اليهود من أهم العناصر المسئولة عن تَطوُّر مؤسسة الإعلان الحديثة وعن اتساع نشاطها وتَطوُّر أسلوب عملها.
والواقع أن التبادل التجاري في المجتمعات التقليدية لا يعرف ظاهرة الإعلان، إذ كان النشاط الاقتصادي محكوماً بمجموعة من القيم الدينية والأخلاقية التي لا تسمح بالتنافس الشديد ولا بمحاولة التأثير على الزبائن واصطيادهم. ومع هذا، كان كثير من التجار في كثير من بلدان العالم الغربي يجأرون بالشكوى من التجار اليهود بسبب ملاحقتهم الزبائن أمام المحال التجارية وفي الطرقات وحتى في منازلهم. ولعل هذا يعود إلى أن التاجر اليهودي لم يكن ملتزماً بالقيم المسيحية مثل الثمن العادل والمحبة. كما أن أعضاء المجتمع المضيف، في علاقتهم به كعضو في جماعة وظيفية، هم مجرد شيء يشكل مصدراً للربح.

وتزايدت أهمية الإعلانات في التجارة مع تزايد علمنة المجتمع وتزايد حدة المنافسة التجارية. لكن النقلة النوعية حدثت مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن حقَّقت الثورة الصناعية توسعاً في الإنتاج، وبعد نمو طبقة وسطى من المستهلكين شكلت السوق الأساسية للمنتجات والسلع الاستهلاكية المختلفة، حيث أصبحت الإعلانات جزءاً لا يتجزأ من آليات السوق. وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية من العناصر الرائدة في قطاع الإعلان نتيجة ميراثهم التاريخي كجماعات وظيفية تمتلك خبرات تجارية ومالية مهمة أهلتهم لدخول مجالات كانت لا تزال تُعَدُّ جديدة وغير مألوفة وبالتالي تتميَّز بقدر كبير من المخاطرة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن فهم ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بصناعة الإعلان من خلال ارتباطهم بتجارة التجزئة والصحافة اللتين كانتا أيضاً من الأنشطة الجديدة التي صاحبت نمو المجتمعات الصناعية الرأسمالية، وهي أنشطة احتل فيها أيضاً أعضاء الجماعات اليهودية مكان الريادة. وبالتالي اكتسبت صناعة الإعلان أهمية كبيرة لتسويق منتجات مؤسسات التجزئة التجارية الجديدة، في حين شكلت الصحافة الأداة الرئيسية للإعلان عن هذه المنتجات.
ويُعتبَر الأمريكي اليهودي ألبرت لاسكر أباً لصناعة الإعلان الحديثة حيث عمل على تحويل مهمة وكالة الإعلان، من مجرد وسيط بين المؤسسات التجارية التي كانت تضع برنامج الإعلانات لمنتجاتها من ناحية والصحافة وأجهزة الإعلام من ناحية أخرى، لتصبح الجهة الرئيسة المسئولة عن رسم وتخطيط ونشر الإعلانات الخاصة بمنتجات هذه المؤسسات. وقد انضم لاسكر عام 1898 إلى وكالة إعلان لورد وتوماس في شيكاغو، وأصبح عام 1904 (وعمره 24 سنة) شريكاً بها، ثم أصبح مالكها الوحيد عام 1912. وقد نجح لاسكر خلال ثلاثة عقود في تحويلها إلى واحدة من أهم وكالات الإعلان في الولايات المتحدة.

ويُعتبَر ميلتون بيو Biow المسئول عن تطوير وكالة الإعلان الحديثة لتلبية احتياجات عالم التجارة والأعمال الحديثة. كما أسس إحدى أهم كبريات وكالات الإعلان في الولايات المتحدة والعالم. ويُعَدُّ أول من استخدم الراديو والتليفزيون لتقديم الفقرات الإعلانية القصيرة.
وتُعتبَر وكالة جراي للإعلان، التي أسسها لورانس فالنستاين، من أهم مؤسسات الإعلان التي أوجدت فكرة خَلْق الطلب على السلعة قبل طرحها في الأسواق. كما ابتكرت وكالة إعلان أخرى هي وكالة دوتل داين وبرنبارخ التي تأسست في عام 1949 أسلوباً جديداً في الإعلان يعتمد على تَبنِّي نبرة هادئة تميل إلى التواضع في تقديم الإعلانات وهو أسلوب تبنته كثير من وكالات الإعلان الأخرى. وابتكرت وكالة أخرى، وهي وكالة نورمان كرايج وكومل، أسلوباً جديداً في الإعلان أطلقت عليه اسم «الإعلان العاطفي» ، وهو أسلوب يهدف إلى خَلْق نوع من التماثل والاندماج العاطفي عند المتلقي تجاه السلعة موضوع الإعلان. وكل هذه أساليب تميل إلى اللعب على الجوانب النفسية والعاطفية والحسية لدى المستهلك باعتباره مجرد هدف يتم توظيفه. ومن الجدير بالذكر أن عالم النفس المعروف إرنست ديختر من أهم الشخصيات اليهودية الأمريكية التي كانت لها مساهمات مهمة في صناعة الإعلان والذي أسس معهد بحوث الدوافع.
وفي إنجلترا، لم يصل أعضاء الجماعة اليهودية إلى مواقع بارزة في صناعة الإعلان إلا بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تَنمُ صناعة الإعلان في أوربا إلا بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن شهدت وسائل الاتصال نمواً وتوسعاً كبيرين، إلا أن مشاركة أعضاء الجماعات اليهودية فيها انتهت مع مجئ النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية. أما بعد الحرب، فكان لاتساع وامتداد نشاط وكالات الإعلان الأمريكية والبريطانية إلى أوربا دور في أن يصبح لرجال الإعلان من اليهود شأن بارز في صناعة الإعلان الأوربية.

ويجب التنبه إلى أن اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في قطاع الإعلانات لا يجعل منه نشاطاً اقتصادياً يهودياً، فهو أولاً وأخيراً جزء لا يتجزأ من آليات السوق بكل وحشيته وعدم اكتراثه بالقيم الإنسانية والأخلاقية، ومحاولته توظيف الدوافع الإنسانية، خصوصاً الدافع الجنسي، في محاولة بيع السلع. وقد ظهر قطاع الإعلانات وتَطوَّر بظهور وتَطوُّر الاقتصاد الحديث، خصوصاً الرأسمالي. ويمكن القول بأن قطاع الإعلان كان سيظهر ويتطور سواء كان هناك يهود أم لا، تماماً كما ظهر وتَطوَّر في اليابان والهند وهي بلاد لا تُوجَد فيها أقليات يهودية تُذكر. ومع هذا، يمكن القول بأن وجود أعضاء الجماعة اليهودية داخل هذا القطاع بشكل ملحوظ لا يمكن تفسيره إلا على أساس انتمائهم إلى أقلية تشكل جماعة وظيفية، أي أن يهوديتهم تفسر تزايد عددهم داخل هذا القطاع الاقتصادي ولكنها لا تفسر وجود هذا القطاع وتطوره وآلياته. وهذا، على كلٍّ، هو النمط المهم في كثير من الظواهر في العالم الغربي ابتداءً من الرأسمالية والاستعمار وانتهاءً بالطلاق والإباحية والشذوذ الجنسي.
تجارة الرقيق
‏Slave Trade

«تجارة الرقيق» هي تجارة تقوم بها عادةً جماعة وظيفية مالية. وتُحرِّم اليهودية على اليهودي استعباد اليهودي مدة تزيد على ستة أعوام، ولكنها لا تُحرِّم استعباد غير اليهود أو الاتجار فيهم. ويُقال إن العبرانيين القدامى كانوا عبيداً في مصر، وهو قول غير دقيق. فبرغم أن الاقتصاد المصري كان متقدماً، فإنه كان يعتمد أساساً على السخرة، مع عدم استبعاد أن تكون جماعة غريبة مثل العبرانيين قد تحوَّلت إلى عبيد وبخاصة بعد انحسار حكم الهكسوس: حُماتهم. ولم يكن العبرانيون، عند هجرتهم من مصر وتغلغلهم في كنعان وسكناهم فيها (في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد) ، على مستوى اقتصادي وحضاري متقدم، ولذا لم تكن لديهم حاجة إلى العبيد. ومن هنا حديث العهد القديم الدائم عن إبادة سكان القرى والمدن التي كان يجتاحها العبرانيون. ولم تكن المملكة العبرانية المتحدة، هي الأخرى، في حاجة إلى العبيد بسبب بساطة اقتصادها، فقد سدت حاجتها من العبيد عن طريق استعباد العبرانيين الذين فشلوا في أداء ديونهم. ولم يختلف الوضع كثيراً في المملكة الشمالية أو المملكة الجنوبية. ولا يُعرف عن العبرانيين أنهم اشتغلوا بتجارة الرقيق أو أنهم كانوا يستعبدون أعضاءً من الشعوب المجاورة. كما أنهم لم يتحولوا إلى عبيد. ولكن هناك إشارة إلى أن بعض فراعنة مصر كانوا يتبادلون مع المملكتين العبرانيتين الأحصنة المصرية بالمقاتلين اليهود، وأن هؤلاء العبيد هم الذين تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية قتالية في جزيرة إلفنتاين. وكان التهجير الآشوري والبابلي عملية نقل كتلة بشرية من مكان إلى آخر ولكنها لم تحوِّل المهجَّرين إلى عبيد، بل إن بعضهم أصبح من كبار المموِّلين. ولا تختلف الصورة في عصر الإمبراطوريات الفارسية واليونانية (السلوقية والبطلمية) ثم الرومانية.

لكن الصورة تختلف في العصور الوسطى في أوربا. فنظراً لفقر أوربا الشديد، كان الرقيق أحد السلع القليلة التي يمكنها توريدها إلى الإمبراطورية البيزنطية والعالم الإسلامي حتى يمكنها استيراد البضائع منها. أي أن توريد العبيد كان نوعاً من أنواع تصحيح ميزان المدفوعات. ولذا، كانت تجارة الرقيق جزءاً أساسياً من التجارة الدولية. ولكن المصدر الأساسي للعبيد كان هو بلاد السلاف الوثنية المشتق اسمها من كلمة «سكلافوس scelavus» من لاتينية العصور الوسطى أي عبد (ومن هنا اسمهم العربي «الصقالبة» ) ، إذ كانت الدول المسيحية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسيحيين كما كانت الدولة الإسلامية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسلمين. وكانت قوافل اليهود تنتقل لأخذ العبيد من السلاف لنقلهم وبيعهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية مهيئين أكثر من أي قطاع آخر في المجتمع للاضطلاع بهذه الوظيفة، فقد كانوا جماعة وظيفية وسيطة يمكنها أن تعيش بين الفراغات وأن تدير مثل هذه التجارة المشينة التي لا يمكن أن يقوم أعضاء المجتمع بإدارتها. كما أن كونهم يهوداً قد زودهم بالحماية في حركتهم الدائبة بين العالمين المسيحي والإسلامي وكان بوسعهم أن يبيعوا عبيداً مسيحيين في العالم الإسلامي وعبيداً مسلمين في العالم المسيحي. ويذكر ابن خرداذبة أن العبيد كانوا من أهم السلع التي يحملها التجار الراذانية.

وقد عملت أعداد كبيرة من التجار اليهود في تجارة الرقيق منذ العصور الوسطى حتى القرن الخامس عشر الميلادي، وهذا أمر طبيعي، فتجارة الرقيق كانت جزءاً من التجارة الدولية. وقد مُنح هؤلاء التجار المواثيق التي تحميهم وتحمي سلعهم. وكان من الممنوع تعميد العبد لأن هذا يعني فقدان التاجر اليهودي سلعته. وكان هذا مصدر احتكاك شديد بين التجار اليهود والكنيسة، بل بين هؤلاء التجار ومعظم طبقات العالم الغربي المسيحي في العصر الوسيط. وبعد الثورة التجارية، ظهرت تجارة الرقيق - المرتبطة بالنظام الاقتصادي التجاري الجديد - والتي تطلبت إمكانات مادية ضخمة من سفن إلى جنود وحاميات في المستعمرات تحتاج إليها عملية اصطياد العبيد من أفريقيا وتوريدهم إلى المستوطنات في العالم الجديد. وقد انضم بعض كبار المموِّلين اليهود إلى هذه التجارة ولعبوا دوراً نشطاً، فامتلك يهود المارانو (السفارد) العبيد، خصوصاً في مستعمرات الكاريبي، وقاموا بالاتجار فيهم. ومما يسر لهم عملهم هذا، شبكة الاتصالات اليهودية الضخمة في تلك الآونة، فقد كان للمارانو قواعد في البرتغال وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي العالم الجديد وفي هولندا ومستعمراتها، كما كانت لهم ركائز في الدولة العثمانية وغيرها من الدول.

وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية من كبار تجار العبيد في المستعمرات الهولندية في الأمريكتين، فكانوا يعملون بهذه المهنة في البرازيل الهولندية (1630 ـ 1654) ، كما عمل بعضهم بها في القرن الثامن عشر الميلادي في العالم الجديد. فاشتركوا في التجارة المثلثة أي شحن البضائع الأوربية، مثل الأسلحة والبارود والمشروبات الروحية (الجن) والحلي الرخيصة، إلى الساحل الأفريقي، وتحميل هذه السفن بالعبيد الذين كانوا يباعون في المزارع الأمريكية وفي جزر الكاريبي، ثم تعبئة هذه السفن بالمنتجات الاستوائية كالسكر والنيلة والتبغ والقهوة وغيرها من السلع لنقلها إلى أوربا. وكان يوجد مثلث آخر يبدأ في نيو إنجلاند في الولايات المتحدة حيث تُحمَّل السفن بشراب الروم وتتجه إلى أفريقيا حيث يباع الروم وتُحمَّل بالعبيد وتتجه لجزر الكاريبي لتُحمَّل بعسل قصب السكر الأسود الذي يُصنَّع منه الروم. وتظهر أسماء تجار يهود بين تجار العبيد في كوراساو، فيرد اسم مانويل ألفاريس كوريا باعتباره تاجر عبيد نشيطاً اشتغل بهذه المهنة عدة سنوات وعمل وسيطاً عام 1699 بين شركة الهند الغربية الهولندية والشركة البرتغالية، وذلك لنقل العبيد من أفريقيا إلى المكسيك عبر كوراساو حيث كانت تتم مبادلة العبيد بالعسل الأسود الذي يُصدَّر إلى نيو إنجلند ليُستخرَج منه الروم لبيعه في أفريقيا. ومن أهم التجار في أمريكا الشمالية: ديفيد فرانكس وآرون لوبيز وجيكوب رودريجيز. وفي جامايكا، ترد أسماء ديفيد هنريك وهيمان ليفي وألكسندر ليندو الذين كانوا من كبار تجار العبيد هناك في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وكان أعضاء أسرة جراديس اليهودية المقيمة في بوردو نشطاء في تجارة العبيد بالمستعمرات الفرنسية في العالم الجديد مثل سانتو دومينجو. وكان هناك بعض اليهود من أصحاب المزراع الكبيرة في جزر الهند، وبالتالي فقد كانوا يمتلكون العبيد الذين تعتمد الزراعة عليهم هناك. ومن أهم

التجارب الاستيطانية اليهودية تجربة سورينام حيث أسس أعضاء الجماعة اليهودية في بريزدنتس أيلاند ما يشبه الدويلة المستقلة التي كانت تعتمد على العبيد المستَجْلَبين من أفريقيا في الزراعة.
ولم يكن موقف أعضاء الجماعة اليهودية في الجنوب الأمريكي (في الولايات المتحدة) يختلف عن موقف بقية الأمريكيين من مؤسسة الرقيق، فقد امتلك اليهود فيها العبيد. وبلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يمتلكون العبيد 25%، وهي نسبة لا تختلف عن نسبة البيض حسب إحصاء 1860. وكان هناك بين مُلاَّك المزارع القليل من أعضاء الجماعة اليهودية.
أما معاملة يهود الجنوب الأمريكي للعبيد، فلم تختلف عن معاملة المسيحيين لهم. كما أن نسبة عدد العبيد، الذين كان يعتقهم أعضاء الجماعة اليهودية، لم تكن تختلف عن النسبة بين المسيحيين، غير أن أعضاء الجماعة اليهودية اشتغلوا بسائر الأعمال التنفيذية الخاصة بتيسير النظام العبودي. ويُلاحَظ أن العبيد والمُحرَّرين من العبيد السود كانوا يتعاملون بنسبة أعلى مع التجار اليهود، نظراً لأن هؤلاء كانوا يفتحون محالهم يوم الأحد، وهو اليوم الوحيد الذي كان بإمكانهم أن يتسوقوا فيه.

وفيما يتعلق بمؤسسات تجارة الرقيق، فقد اشترك فيها أعضاء الجماعة اليهودية، شأنهم شأن كل سكان الجنوب، فعملوا بالمزايدات وتقديم الائتمانات وإنجاز الأعمال التجارية في سوق الرقيق. ويبدو أن نسبة المشتغلين بتسيير تجارة الرقيق منهم كانت أعلى من نسبة المشتغلين بها بين المسيحيين، نظراً لتَركُّز اليهود في الأعمال التجارية والمالية. ولم يقتصر اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية على المؤسسات الخاصة بإدارة تجارة الرقيق، بل تعاملوا في سلعته البشرية الأساسية، أي الرقيق. فكان لابد لمن يمتلك رقيقاً أن يتاجر فيه بيعاً وشراءً، لأن الرقيق كان سلعة ثمينة. ومع هذا، لم يكن يوجد يهودي واحد بين كبار التجار. والواقع أن رأس المال المُركَّز في أيدي ممولين يهود كان ضئيلاً بالنسبة إلى رأس مال العمالقة من المسيحيين البيض. ففي ريتشموند، كان هناك ثلاثة تجار يهود من بين سبعين تاجراً، وفي تشارلستون كان يوجد أربعة تجار يهود بين أربعة وأربعين، وفي ممفيس تاجر واحد بين اثنى عشر تاجراً. وبرغم الانخفاض المطلق في عددهم، فإن نسبة وجودهم في تجارة الرقيق كانت عالية للغاية، إذ كانوا يشكلون نحو 8% من التجار في المتوسط. وكانت نسبة اليهود إلى عدد السكان، في الجنوب وفي الولايات المتحدة، ضئيلة للغاية لأن عصر الهجرة اليهودية من شرق أوربا، الذي أتى بالكثافة السكانية، لم يكن قد بدأ بعد. وعلى أية حال، لم تتجاوز نسبة اليهود في الولايات المتحدة في ذلك الوقت نصفاً في المائة.

ولعل عدم وجود اليهود في هذا القطاع بنسبة كثيفة كان انعكاساً لوضعهم داخل الاقتصاد الأمريكي، فهم دائماً على مقربة من المستهلك، بعيدون عن الصناعة الثقيلة وعن المراحل الأولى من الإنتاج، وقد كان الرقيق جزءاً من المراحل الأولى للإنتاج الزراعي في الجنوب. ولم يكن هناك رفض يهودي لتجارة الرقيق، إذ كان جيكوب لفين رئيس الجماعة اليهودية في ساوث كارولينا وإسرائيل جونز رئيس الجماعة في موبيل (ألاباما) من تجار العبيد في عام 1850. وقد استمر التجار اليهود مشاركين في تجارة الرقيق حتى نهاية الحرب الأهلية الأمريكية.
وقد أبقى بعض اليهود البيض محظيات سوداوات وعاشروهن جنسياً، وهذا يعني وجود يهود سود. ولكن من الصعب تحديد عددهم، خصوصاً أن المؤسسات الدينية اليهودية كانت ترفض السماح للسود بالانتماء إليها. كما أن الأسياد اليهود لم يلقنوا عبيدهم الديانة اليهودية. ومع هذا، يدَّعي العبرانيون السود أنهم من نسل هؤلاء. وأثناء الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، لم يكن لأعضاء الجماعة اليهودية موقف مستقل عن المناطق الجغرافية التي كانوا يعيشون فيها، فتَبنَّى يهود الشمال موقفاً رافضاً لتجارة الرقيق، وتَبنَّى يهود الجنوب موقفاً مؤيداً لها، بينما تَبنَّى كثير من يهود الولايات الوسط المجاورة للولايات الجنوبية موقفاً محايداً. ومع هذا، لم يلعب أعضاء الجماعة اليهودية بشكلٍّ عام دوراً ملحوظاً في حركة تحرير العبيد أو التحريض ضدها، أو في حركة تهريب العبيد من الجنوب إلى الشمال.

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟ - أقنان ويهود البلاط

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

أقنان البلاط
‏Servi Camerae Regis; Kammerknechtschaft; Serfs of the Royal Chamber «أقنان البلاط» أو «أقنان الخزانة الملكية» تعبير شاع في العصور الوسطى في الغرب، وهوترجمة العبارة اللاتينية «سرفي كاميراي ريجيس servi camerae regis» وتعني حرفياً «أقنان أو عبيد الغرفة أو الخزانة الملكية» . وقد ورد هذا التعبير بأشكال مختلفة، في نحو: «سرفي كاميراي نوستراي سب إمبريالي بروتكتيوني servi camerae nostrae sub imperiale protectione» وتعني «أقنان بلاطنا الموضوعين تحت الحماية الإمبراطورية» ، أو «سرفي كاميراي إمبراتوريس إسبسياليس servi camerae imperatoris speciales» وتعني «أقنان البلاط الإمبراطوري الخاصون» . وهي بالألمانية «كاميركنختشافت Kammerknechtschaft.» والعبارة تُستخدَم لوصف وضع اليهود داخل النظام الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى كجماعة وظيفية وسيطة في الغرب، وبخاصة بعد حروب الفرنجة. وكان المصطلح يعني عدة أشياء قد تبدو متناقضة:
1 ـ أن اليهود عبيد الملك أو الإمبراطور أو النبلاء. وهو أمر اختلف باختلاف الفترة الزمنية أو الرقعة الجغرافية.
2 ـ أنهم ملكية خاصة للملك وحده.
3 ـ أنهم، لذلك، يتمتعون بحمايته.
4 ـ ويتمتعون بمزايا خاصة.
5 ـ وأن أية سلطة غير البلاط الملكي لا يمكنها أن تتعرض لهم.
وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب يُعَدُّون غرباء. وحسب القانون (العرف) الألماني، فإن الغريب يتبع الملك ويُوضَع تحت حمايته ويُصبح من أقنانه. ومن هنا، كان لابد أن يستند وجودهم إلى مواثيق خاصة تمنحهم حقوقاً ومزايا معيَّنة نظير اضطلاعهم بوظائف محدَّدة. ومن ناحية الأساس، كانت هذه الوظائف هي التجارة والربا وجمع الضرائب.

ويعود المفهوم (دون المصطلح) إلى أيام شارلمان ولويس التقيّ في القرن التاسع الميلادي حيث منحا اليهود المواثيق. ولكن المصطلح نفسه استُخدم لأول مرة في القرن الثاني عشر الميلادي في مرسوم الإمبراطور فريدريك الأول الصادر في عام 1157، والذي أكده في عام 1182. وقد صدر مرسوم ملكي فرنسي عام 1230 جاءت فيه إشارة لليهود باعتبارهم من الرقيق بحيث إذا هرب يهودي من مقاطعة أحد البارونات لمقاطعة أخرى فإن من حق البارون أن يسترده «كما لو كان أحد أرقائه» (باللاتينية: تانكوام بروبريوم سيرفيوم tanquam proprium servium.) وقد استخدم فريدريك الثاني المصطلح نفسه عام 1236 للإشارة إلى كل يهود ألمانيا. ويشير المؤرخون إلى أن أسطورة الشرعية (التي يستند إليها المفهوم) تذهب إلى أن الإمبراطورين الرومانيين فسبسيان وتيتوس قاما عند سقوط القدس باستعباد الشعب اليهودي بعد الهزيمة التي حاقت به عام 70 ميلادية. فأثناء حصار تيتوس للقدس، حسبما جاء في الأسطورة، كان المؤرخ يوسيفوس فلافيوس يقوم بإطعام اليهود على نفقته. وقد مات ثُلثُهم جوعاً، وقُتل الثُلث الآخر أثناء الحرب، أما الثُلث الباقي فقد باعهم فلافيوس «للملك» (أي الإمبراطور) تيتوس. وقد زعم أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة (وريثة الإمبراطورية الرومانية) أنهم ورثوا هذا الحق وأن ضريبة اليهود (فيسكوس جودايكوس) هي أيضاً علامة على هذه التبعية.

ويعني مفهوم أقنان البلاط أن أعضاء الجماعات اليهودية، من خلال تبعيتهم المباشرة للملك، يقعون خارج نطاق العلاقات الإقطاعية، وأنهم بذلك أصبحوا جزءاً من الطبقة الحاكمة أو على الأقل أداة في يدها. ولم يكن اليهود ملكية خاصة للملك أو لغيره بالمعنى المجازي، كما قد يتبادر للذهن لأول وهلة، فقد كانوا ملكية خاصة بالمعنى الحرفي كالعبيد أو المماليك. وتعني كلمة «سرفوس servus» اللاتينية «الخادم» أو «العبد» أو «القن» . وقد عبَّر قانون إسبانيا الشمالية عن المفهوم حين نص على أن اليهود "عبيد الملك، وهم دائماً ملْك الخزينة الملكية". وفي قانون آخر، يُشار إلى اليهود بأنهم "رجال الملك، يرثهم من يرث العرش". ويستخدم ميثاق ثالث اصطلاحات مثل: «جودايوس هابيري judaeos habere» أي «حق امتلاك اليهود» أو «جودايوس تنيري judaeos tenere» أي «حق الاحتفاظ باليهود» بل وعبارة «جوديي نوستري judei nostri» أي «يهودُنا» . وقد ورد نص، في أحد القوانين الصادرة في إنجلترا في القرن الثاني عشر الميلادي، يوضح هذا المفهوم تماماً، جاء فيه ما يلي: «كل اليهود حيثما كانوا في المملكة هم موالي الملك وتحت وصايته وحمايته، ولا يستطيع أيٍّ منهم أن يضع نفسه تحت حماية أي شخص قوي دون رخصة بذلك من الملك؛ لأن اليهود أنفسهم وكل منقولاتهم ملْك للملك ( «تشاتيل chattel.» ) ولذلك، إن قام أي فرد باحتجازهم أو احتجاز أموالهم فإن من حق الملك، متى شاء واستطاع، أن يطالب بهم باعتبارهم حقاً خالصاً له» .

وكان يتم شراء أعضاء الجماعات اليهودية وبيعهم ورهنهم وكأنهم أشياء ثمينة. وفي ألمانيا، أهدى أحد النبلاء عام 1300 لأسقف مدينة مينز كل يهود فرانكفورت. وأحياناً، كان يتم إهداء يهودي واحد إلى صديق معوز، على نحو ما حدث حينما قام إدمون برجندي عام 1197 بمنح يهودي مع أسرته إلى رجل يدعى فيجيير. وفي عام 1098، قدم الملك بدرو (ملك أراجون) نصف الضرائب التي جمعها يهود إحدى المدن التابعة له هديةً لإحدى الكنائس. وكان من الممكن أن يقوم مالك اليهود برهنهم، وقد منح هنري الثالث يهوداً لابنه إدوارد الذي قام برهن اليهود لدى أعدائهم المرابين الكوهارسيين. وحينما منح هنرى الثالث (عام 1256) القلعة وما حولها من أرض إلى جي دي روكفور، استثنى من ذلك غابة كنجزوود ويهود المدينة. أما ثيوبولد الشامباني، فقد استثنَى من منحة قدَّمها إلى إحدى المدن الأشياء التالية: الكنائس والفرسان والموالي واليهود.

ولأن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا سلعة ثمينة، أمَر هنري الثالث ملك إنجلترا موظفي الحدود التابعين له بفتح الحدود أمام اليهود والترحيب بهم، ولكنه أمر في الوقت نفسه بحظر خروجهم منها. وفي عام 1254، قابله وفد من اليهود وطلبوا إليه السماح لهم بمغادرة البلد، ولكنه رفض طلبهم وهددهم بأن من يُضبَط وهو يغادر البلد سيُعاقَب أشد العقاب. كما منعت بلدان وسط أوربا اليهود من مغادرتها حينما سمع هؤلاء بالمعاملة الجيدة التي يلقاها يهود الدولة العثمانية وعقدوا العزم على الرحيل. وفي عام 1235، فرَّ يهودي من إنجلترا ومعه أسهمه التجارية، وحينما تم ضبطه قدمه هنري الثالث للمحاكمة بدعوى أنه «سرق ممتلكاتنا» ، أي اليهودي نفسه والأسهم. وإذا قُتل يهودي أو أُلحق به الأذى لا تُدفَع ديته أو التعويض عنه لأهله وإنما كانت تُدفَع للملك (شارلمان، مثلاً) باعتباره مالك اليهود. وفي إسبانيا المسيحية، كان من حق المحاكم اليهودية أن تصدر حكمها بالإعدام على أي يهودي، وأن تقوم بتنفيذ الحكم عليه ولكن بعد أن تدفع ثمنه للملك. وإن ألحقت إحدى المدن الأذى باليهود، كان عليها دفع غرامة للإمبراطور. وكان الملك يتدخل بكل قوته لحماية اليهود، فحينما فرض الأسقف فيليب في كولونيا غرامة على اليهود (عام 1188) ، عاقبه فريدريك الأول على فعلته هذه. كما تدخَّل فريدريك الأول بنفسه لحماية اليهود من الغضب الشعبي عليهم. وحينما جردت الحملة الثالثة من حروب الفرنجة، هدد فريدريك بقطع ذراع كل من يؤذي يهودياً وبإعدام كل من يقتل يهودياً لأنهم ملْكه الخاص.
وكان بوسع من ليس لديه يهود أن يقتنيهم وأن يحصل على المواثيق الإمبراطورية التي تخول له ذلك. ففي عام 1385، قامت مدن مقاطعة سوابيا بشراء اليهود المقيمين فيها من الإمبراطور حتى يتسنى للمدينة استغلالهم أو استثمارهم بنفسها.

وفي عام 1432، أعلن دوق ورتمبرج، كنوع من إغراء اليهود، أنه منحهم حقوقهم المدنية، ولكنه سحبها منهم بعد وصولهم. وكانت بعض المدن تشتري اليهود المقيمين فيها من الإمبراطور حتى يمكنها طردهم والتخلص من منافستهم. وكان من حق الملك أن يتصرف بشكل مطلق في أملاك اليهود، فكان أحياناً يهدى كل ممتلكاتهم إلى أحد أصدقائه دون أن يكلف نفسه عناء إخبارهم. وكان التصرف في ملكية اليهود الذين يموتون أو يُقتَلون أمراً سهلاً للغاية، ففي عام 1349 أهدى الإمبراطور تشارلز الخامس أسقف تريير كل بضائع يهود الألزاس واللورين «ممن قُتلوا وممن سيُقتَلون» ، وقدَّم إلى آخر «أحسن ثلاثة بيوت يختارها عند وقوع المذبحة التالية ضد اليهود» .
وكانت حماية الإمبراطور لليهود تمتد لتشمل حرية الحركة وإعفاءهم من كل القيود التي كانت تعوق التنقل والتجارة، كما كانت تشمل مزايا ضخمة تضعهم في مرتبة أعلى من كل طبقات المجتمع المسيحي في العصور الوسطى ربما باستثناء النبلاء، وكانت هناك حالات يتساوى فيها اليهود مع كبار النبلاء.
وحتى لا يتوهم القارئ أن هذا وضع فريد أو شاذ ومقصور على اليهود، يجب أن نشير إلى أن هذه الظاهرة تتكرر في كثير من المجتمعات البشرية القديمة والحديثة. فالمماليك والخصيان كانوا ملكية خاصة إما للدولة أو للسلطان. وفي نظام الأقنان، كانت الأرض ومن عليها ملكية للإقطاعي وتؤول لورثته. بل إن ثمة وضعاً مماثلاً في الدولة الصهيونية، فالجندي الإسرائيلي الذي يحاول الانتحار ويفشل يُحاكم بتهمة إتلاف ممتلكات الدولة إذ أن الجندي يُعتبَر ملكية للدولة.

وقد أدَّت الحماية والمزايا إلى تحويل اليهود إلى جماعة وظيفية مالية نشطة تساعد في تحويل الثروة الطبيعية للدولة إلى نقود. كما أصبحوا وسيلة لزيادة دخل الأفراد وريع الدولة، فاليهود، بوصفهم أقنان بلاط، كانوا خاضعين تماماً للملك أو لمن يمتلكهم، إذ كان يفرض عليهم ما يشاء من ضرائب. وفي العادة، كانت تُفرَض عليهم ضرائب أعلى من تلك التي كانت تُفرَض على التجار المسيحيين. وكان شارلمان يأخذ عُشر أرباح التجار اليهود في حين أنه لم يكن يحصل إلا على جزء واحد من بين كل أحد عشر جزءاً من أرباح التجار المسيحيين. وكان اليهود يشترون المواثيق والمزايا من الملك فتتحقق له الأرباح بهذه الطريقة. كما أن رأس مالهم ذاته كان ملْكاً للملك، وهو الذي كان يحدد سعر فائدة القرض. وكان الملك يصرح لهم أحياناً بفائدة أعلى مما هو مصرح به للمرابي المسيحي، وذلك لأن ثروة اليهود كانت دائماً تصب، في نهاية الأمر، في الخزانة الملكية. وبعبارة أخرى، كان اليهود مجرد أداة في يد الحاكم يمكنه عن طريقها استغلال سائر طبقات المجتمع. فكان اليهودي يمتص الثروات والأموال من المجتمع، ثم يقوم الملك بعد ذلك باعتصاره عن طريق الضرائب الباهظة وبيع المواثيق والمزايا له. ومن هنا تشبيه أعضاء الجماعات اليهودية بـ «الإسفنجة» التي تمتص الماء ثم تفقده بالضغط عليها. واليهودي، بهذا المعنى، مملوك تستخدمه السلطة لقمع الجماهير. وأداة الاستغلال التي يستخدمها المملوك، كفرد في جماعة وظيفية قتالية، هي سيفه. أما أداة الاستغلال التي يستخدمها اليهودي، فهي رأس المال الربوي. وإذا كان المملوك المقاتل يُريق دم أعدائه بسيفه حتى تستمر السلطة في الاستيلاء على الثروات والأموال، فإن اليهودي يمتص المال والثروات مباشرةً من رأس المال، ومن هنا تأتي إشارتنا لليهود بمصطلح «المماليك التجارية» .

وقد أدَّى وضع اليهود بوصفهم أقنان بلاط، أي أداة في يد الطبقة الحاكمة، إلى عزلتهم عن بقية طبقات المجتمع، إذ كانوا في حالة صراع مع قطاعات من طبقة النبلاء والبارونات بسبب علاقتهم الفريدة بالملك، وبسبب الفائدة التي تعود عليه منهم. وكان الحرَفيِّون أيضاً يناصبون اليهود العداء، إذ كانت لهم نقاباتهم الخاصة التي تقوم بتجنيد الأعضاء الجدد ونقل أسرار المهنة من جيل إلى جيل، وكان العنصر اليهودي يشكل تحدياً لهذا الاحتكار. كما كان الفلاحون وأعضاء الطبقات الأخرى يسقطون ضحية المرابي اليهودي الذي يبسط الملك حمايته عليه.
لكن سكان المدن كانوا أكثر الطبقات عداءً لليهود. فالمدن، نواة الاقتصاد والتجارة في المجتمعات الإقطاعية، كانت تحاول قدر طاقتها أن تنهض وتطور قوتها الذاتية عن طريق احتكار التجارة وتنظيمها من خلال البلدية. وكانت التجارة اليهودية التي لا تقع داخل شبكة نفوذها تتحدى هذا الحصار. كما أن هذه التجارة، باعتبارها خاضعة للملك وحده، كانت تهدد عملية التراكم الرأسمالي. وعلاوة على ذلك، كانت لليهود اتصالاتهم الدولية التي لم يكن للتجار المحليين مثلها في بداية الأمر. وكما بيَّنا، خضع اليهود لنظام ضريبي مختلف، فكانوا في بعض الأحيان لا يدفعون ضرائب المرور التي شكلت عقبة أساسية أمام التجارة في العصور الوسطى الإقطاعية. بل كثيراً ما كان الملك يستخدم العناصر البورجوازية اليهودية المُستَجْلَبة من خارج المجتمع أو التي على علاقة خاصة لضرب العناصر البورجوازية المسيحية.

وتمكن رؤية ظاهرة معاداة اليهود في العصور الوسطى في إطار وضع اليهود كأقنان بلاط، وذلك باعتبارها ضرباً من ضروب الثورة الشعبية ضد الاستغلال. فالجماهير لم تكن تفهم آليات الاستغلال الاقتصادي وطابعها المركب ومستوياتها المباشرة وغير المباشرة، لأنها لم تكن تدرك سوى أداة الاستغلال الملموسة والموجودة أمامها، وكانت هذه الأداة هي اليهود: أقنان البلاط الذين يستخدمهم الملك ويقوم بحمايتهم. ولذلك، كانت الثورة ضد اليهود تندلع في حالة ضعف السلطة أو تَزايُد الاستغلال على معدله المحتمل أو عند غياب الملك في إحدى حملات الفرنجة.
وقد نجم عن وضع اليهود كأقنان بلاط ارتباطهم الشديد بالسلطة، وهو ارتباط استمر حتى يومنا هذا. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، ظهرت جماعة وظيفية وسيطة أخرى هي يهود البلاط الذين قاموا بخدمة الملكيات المطلقة في وسط أوربا وشرقها في الأمور المالية والتجارية والدبلوماسية، كما قاموا بتوفير الاعتمادات اللازمة لتمويل الحروب التي لم تكن تنتهي بين الأمراء والملوك.
وفي بولندا، التي كانت تضم أكبر تَجمُّع يهودي، والتي جاءت منها الأغلبية الساحقة من يهود العالم، لعب اليهود شكلاً آخر من أشكال الوساطة من خلال نظام الأرندا، فكانوا الوكلاء الماليين للنبلاء البولنديين، حيث كان النبيل يقيم في وارسو ويرسل وكيله اليهودي مع القوات البولندية ليقوم باعتصار الفلاحين الأوكرانيين. وقد جاءت معظم القيادات الصهيونية البولندية من داخل هذا التشكيل الحضاري الذي يلعب فيه أعضاء الجماعة دور أداة الاستغلال المباشرة والمنبوذة التي تمثل الحاكم وتعتمد عليه.

ومن أهم الآثار الأخرى لوضع اليهود كأقنان بلاط أن اليهودي تمت حوسلته فتحوَّل إلى أداة ووسيلة وليس غاية. ومع ظهور الفلسفة النفعية في الغرب، تعمَّق هذا الاتجاه ونُوقشت مسألة إعتاق اليهود في إطار مدى نفعهم. ويبدو أن أهم آثار وضع اليهود كأقنان بلاط أنهم ظلوا خارج إطار التشكيلات السياسية البورجوازية القومية، فكانوا يُطرَدون حين تختفي الحاجة إليهم. وفي بولندا، لم يكن اليهود خارج التشكيل السياسي والاقتصادي وحسب وإنما كانوا خارج التشكيل الحضاري ذاته، وذلك لأنهم كانوا يتحدثون اليديشية، كما أن المسيحية الكاثوليكية هي أحد الأبعاد الأساسية للهوية البولندية مقابل الهوية الروسية الأرثوذكسية. ولذا، حينما ظهرت الحركة القومية البولندية، استُبعد اليهود منها، بالإضافة إلى أنهم ظلوا هم أنفسهم بمنأى عنها ينظرون إليها من الخارج، ولذلك لم يمكن دمجهم داخل هذا الإطار. بل إن العناصر البولندية لم تكن تثق كثيراً في العناصر اليهودية أثناء حركة المقاومة ضد النازي بسبب تراثها الطويل في الاقتراب من السلطة والقوى الحاكمة وبسبب عزلتها عن القوى الشعبية.
وإذا قبلنا مقولة أن اليهود، بوصفهم أقنان بلاط، كانوا يشكلون في واقع الأمر ما يشبه المماليك التجارية، لأمكننا فهم ثورة شميلنكي في أوكرانيا ضدهم، فقد كانت ثورة تجتث الجماعات اليهودية الواحدة تلو الأخرى (باعتبارها جماعات غريبة أو أدوات استغلال طفيلية دخيلة تماماً) كما اجتث محمد علي المماليك في مذبحة القلعة ليبدأ عملية التحديث.
ونحن نعقد هذه المقارنة بين شملينكي ومحمد علي من جهة، وبين اليهود والمماليك من جهة أخرى، لا لتسويغ عملية الذبح كوسيلة للتغيير ولكن لمحاولة فهم طبيعة وضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي.

ولا نجد تفسيراً لظهور مفهوم أقنان البلاط في الحضارة الغربية إلا أن المجتمع الغربي الوسيط كان مجتمعاً عضوياً متماسكاً بمعنى الكلمة، على الرغم من لا مركزية الإقطاع الغربي، فضلاً عن تداخل السلطة الدنيوية والسلطة الدينية فيه على عكس ما يُقال، واستناد الشرعية إلى الدين المسيحي، ومن هنا كان قسم الولاء المسيحي أساساً للانتماء إلى النظام الإقطاعي سواء أكان الشخص نبيلاً محارباً أم حرَفيِّاً أو تاجراً أو فلاحاً. وكانت الجماعات القروية المنغلقة تدور حول طقوس الكنيسة ويرأسها النبيل والقس، وكلاهما ضمن الدائرة المسيحية.
لكل هذا، كان لابد من البحث لليهود عن مسوِّغ للوجود خارج هذا الإطار، وأن يكون المسوِّغ غير مسيحي، حيث كانت ملكية الملوك (ورثة الإمبراطورية الرومانية الوثنية) لهم تُبقي اليهود خارج الانتماء المسيحي.
ويبدو أن الحركة الصهيونية هي نتاج هذا التراث الغربي القديم، فالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ترى اليهود فائضاً بشرياً هامشياً في أوربا يمكن تحويله إلى عنصر نافع منتج وتوظيفه لصالحها خارج حدودها. كما أن تحويلهم إلى مستوطنين يقومون على خدمة الاستعمار والقتال دفاعاً عن مصالحه يُعتبَر جزءاً من هذا النفع. ولكن هذا الاستيطان لا يعني سوى تحول الجماعة الوظيفية المالية إلى جماعة وظيفية قتالية، أي أن أقنان البلاط الملكي الذين كانوا يضطلعون بوظيفة مالية قد تحوَّلوا إلى أقنان البلاط الإمبريالي الذين يضطلعون بوظيفة قتالية.
يهود البلاط
‏Court Jews; Hofjuden

«يهود البلاط» هم وكلاء الحكام ومستشاروهم في الأمور التجارية والمالية في العالم الغربي، وهم من أهم الجماعات الوظيفية الوسيطة في عصر الملكيات المطلقة في أوربا، خصوصاً في وسطها في القرن السابع عشر. وقد ظهرت حاجة الأمراء الألمان إلى يهود البلاط لملء الفراغ الذي خلقه تَفتُّت الطبقة الوسطى الألمانية (التي كانت قد وصلت إلى قدر عال من القوة قبل ذلك، ولكنها تفتَّتت إلى بورجوازيات صغيرة تقطن في مدن صغيرة) . وزادت العوائق الإقطاعية وتآكل جهاز الدولة الألمانية ذاته من هذه الحاجة. ومع قيام الإمارات الألمانية، حاول كل أمير على حدة أن يطور إمارته. ولكن الطبقات والنقابات الإقطاعية التقليدية كانت تقف حجر عثرة أمام سعي الأمير إلى فرض هيمنته وهيمنة الدولة على كل رعاياه وكل نواحي حياتهم (وهذا هو هدف الدولة القومية الحديثة) .كما كان الأمير يحتاج إلى رأس مال لتنمية دولته أو إمارته وتنظيم إدارتها، أي أنه كان في حاجة إلى أدوات إنتاج وإدارة. وقد ظهر يهود البلاط ليملأوا هذه الفجوة وليصبحوا أداة إنتاج وأداة إدارة. وكان يهود البلاط مُرَشَّحين لهذا، أكثر من أية مادة بشرية أخرى، لعدة أسباب:
1 ـ كان يهود البلاط يمتلكون رأس المال اللازم لعملية التنمية، كما كانوا جزءاً من شبكة مالية ضخمة تُسهِّل لهم عملية اقتراض الأموال المطلوبة.
2 ـ كان لدى يهود البلاط الخبرة الإدارية اللازمة لإدارة الإمارات الجديدة.
3 ـ لم يكن يهود البلاط يتمتعون بأية حقوق، سواء حقوق مواطني المدينة أو حقوق أعضاء نقابات الحرَفييِّن أو الطبقات والفئات الإقطاعية.
4 ـ لم يكن هناك مؤسسة، مثل الكنيسة، تحميهم وتضعهم تحت رعايتها.
5 ـ كان يهودي البلاط يعيش في عالمين، هو في كليهما غريب، فهو يهودي في المجتمع المسيحي، ولكنه في الوقت نفسه غريب عن جماعته اليهودية إلى حدٍّ ما، فهو في غربة مزدوجة وليست له أية قاعدة جماهيرية أو أساس للقوة.

6 ـ لم يكن من الممكن أن يرث أبناء يهودي البلاط مكانته كما هو الحال مع الأرستقراطية، بل لم يكن بمقدورهم أحياناً أن يرثوا ثروته، إذ كان الأمير يقوم بمصادرتها. وهذا يعني أن يهودي البلاط لم يكن بمقدوره مراكمة القوة.
7 ـ كانت كل حقوق يهودي البلاط منحة من الأمير يخلعها عليه حين يشاء ويحجبها عنه حين يقرر ذلك.
لكل ما تقدَّم كان يهود البلاط رجالاً هامشيين لا حقوق لهم ولا أساس من القوة ولا أمل لهم في الحصول عليها. وهم في هذا يشبهون الخصيان، وكما وصفهم أحد الكُتَّاب فهم خصيان غير مخصيين. ومن ثم فهم لا يهدِّدون الأمير من ناحية، كما أنهم يشكلون أداته الإنتاجية والإدارية ذات الكفاءة المطلوبة من ناحية أخرى.
وقد كان أول ظهور ليهود البلاط في إسبانيا عام 1492. كما يمكن القول بأن بعض كبار التجار اليهود السفارد في هولندا، ممن كانوا يعملون وكلاء لبعض الدول، هم أيضاً من يهود البلاط. وكذلك بعض كبار المموِّلين اليهود في بولندا من يهود الأرندا (مثل موسى ماركوفيتش الذي كانت له معاملات واسعة مع البلاط والوزراء والنبلاء في أوائل القرن السابع عشر) . ولكن المصطلح، بالمعنى الدقيق، يُستخدَم في التاريخ الاقتصادي لأوربا للإشارة إلى وكلاء الحاكم في عدد من إمارات وسط وشرق أوربا في الفترة من بداية القرن السابع عشر حتى بداية القرن التاسع عشر. وقد استفاد يهود البلاط أيما استفادة من حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648) وظل نفوذهم في التصاعد ووصل إلى قمته مع توقيع معاهدة أوترخت (1713) ، وكان مركز نشاطهم ألمانيا والنمسا وهولندا، ولكنه امتد إلى إسبانيا والبرتغال والدنمارك وبولندا. وكان يهود البلاط يعيشون أحياناً خارج الدول التي يخدمونها، ويعمل الواحد منهم وكيلاً لعدة أمراء أو دويلات في آن واحد.

وقد ساعد يهود البلاط الملك أو الأمير الذي يقومون على خدمته في التخلص من قبضة الأمراء الحديدية وفي بسط نفوذه على أرجاء مملكته من خلال قوته الاقتصادية. وليس من قبيل الصدفة أن هذا النمط انتشر بعد عصر النهضة مباشرة، وهو العصر الذي بدأ فيه الانتقال (في أوربا) من النمط الإقطاعي في الإنتاج والإدارة وتنظيم المجتمع إلى النمط الرأسمالي الحديث. وقد كان يهود البلاط ينظِّمون الشئون المالية للملك ويشرفون على دار سك النقود، ويقومون بجمع الضرائب له، ويشرفون على الاستيراد والتصدير ويشيِّدون المصانع التي تحتاج الدولة إليها، ومن أهمها الصناعات الحربية مثل صناعة سبك المعادن والبارود. كما قاموا بإدخال منتجات زراعية وصناعية جديدة في البلاد التي كانوا يقومون على خدمتها بهدف زيادة موارد الدولة وتحويل ريعها الطبيعي إلى نقود. وعلاوة على ذلك، كان يهود البلاط يزودون الحاكم بالسلع التَرفيِّة التي يحتاج إليها فيشترونها له من أسواق فرنسا أو إيطاليا أو هولندا أو الدولة العثمانية. كما كانوا يسدون احتياجاته المالية عن طريق بنوك أوربا حتى يتمكن الأمير من الإنفاق بسخاء على مظاهر التَرف اللازمة للأبهة. وكان يهود البلاط يعقدون الصفقات التجارية نيابة عن الحاكم، ويتولون البعثات التجارية والدبلوماسية، ويعدون له الميزانية، ويمدون الجيوش المتحاربة بالمؤن التي كانوا يحصلون عليها من بولندا وبوهيميا ومورافيا وأوكرانيا، ويدبرون له السلاح والذخيرة التي يحتاج إليها. ومعنى ذلك أن يهودي البلاط كان يضطلع بوظائف وزراء الخارجية والمالية والحرب، وأحياناً رئيس المخابرات، في وقت لم يكن يعرف التقسيم الدقيق للعمل.

وقد لعب يهود البلاط دوراً مهماً للغاية في اقتصاديات الإمارات والدويلات التي كانوا يقومون على خدمتها، خصوصاً أثناء حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648) . وذلك بسبب الشبكة التجارية اليهودية الممتدة في أرجاء العالم الغربي والعالم الإسلامي في ذلك الوقت. ففي القرن السابع عشر الميلادي، كان هناك نظام يهود الأرندا في بولندا، التي كانت تُعَدُّ أكبر مصدر للمنتجات الزراعية آنذاك وكان يهود الأرندا يقومون بتصديرها. كما ظهرت في الوقت نفسه الجماعة اليهودية السفاردية القوية في هولندا وغيرها من الدول الأوربية المهمة والتي كانت تربطها صلات قوية باليهود السفارد في الدولة العثمانية. ومما وسع من نطاق هذه الشبكة أنها ضمت العديد من يهود المارانو الذين كانوا يتحركون بسهولة باعتبارهم من المسيحيين، كما أن عدداً منهم كان مسيحياً فعلاً من أسر يهودية تربطهم صلة قربى وعمل بعائلاتهم اليهودية. وكانت هذه الشبكة السفاردية الإشكنازية متعددة الجنسيات عابرة القارات ظاهرة فريدة من نوعها داخل أوربا آنذاك، فكانت تمتد من شرقها إلى غربها ومن وسطها إلى سواحلها على الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.

وتشكل حرب الثلاثين عاماً نقطة مهمة وحاسمة في تطور الجماعات اليهودية في أوربا وازدهارها الاقتصادي، إذ أن كثيراً من يهود البلاط راكموا الثروات أثناء هذه الحرب التي عصفت بأوربا، فقد كانت الجيوش المتحاربة تحتاج إلى المؤن والمال في غضون فترة وجيزة، وذلك في عالم لم تكن فيه وسائل الاتصال على درجة كبيرة من الكفاءة والسرعة. ومن هنا لعبت الجماعات اليهودية دوراً حاسماً في خدمة كل الجيوش المتحاربة، وفي تزويدها بالقمح والماشية والأخشاب والعلف وغيرها من المؤن. وكان يهود الأرندا في بولندا يمدون يهود البلاط بالمنتجات الزراعية التي تحتاج إليها الجيوش المتحاربة، فيقوم يهود البلاط بتوزيعها وترتيب الاعتمادات المالية اللازمة من خلال أثرياء الجماعة اليهودية في هولندا وغيرها من الجماعات. وكان بمقدورهم الحصول على السلع التَرفيِّة من يهود الشام والدولة العثمانية. كما كان يهود البلاط على استعداد دائم لشراء غنائم الجنود ـ بغض النظر عن انتمائهم ـ بأسعار مخفضة. كما أن هناك صغار التجار اليهود الذين كانوا يسيرون خلف القوات المتحاربة للمتاجرة مع الجنود.

وكانت كل الجيوش المتحاربة تحتاج إلى خدمات أعضاء الجماعات اليهودية، ولذا لم يمسهم أي من الأطراف المتنازعة بأذى، بل كانت القوى المنتصرة تمنحهم منازل المهزومين أحياناً. ويقول المؤرخ البريطاني اليهودي إسرائيل ولفسون: «إنها حقيقة تاريخية أن يهود أوربا آنذاك استفادوا بالحرب من كل من الطرفين المتنازعين، فبينما كان يتم تمزيق ألمانيا وتدميرها كانوا هم يستفيدون ويراكمون الثروات» . ويُلاحَظ أن هذه الحقيقة صارت جزءاً من الدعاية النازية ضد اليهود، فهم أغنياء حرب ومستفيدون منها. لكن العنصرية النازية لا تكمن في تقرير الواقعة في حد ذاتها وإنما في نزعها من سياقها التاريخي، فقد استفاد أعضاء الجماعات اليهودية لا بسبب طبيعتهم الإنسانية الخاصة وإنما بسبب طبيعة وضعهم بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تلعب دوراً أساسياً ومطلوباً داخل المجتمع. وقد استفادت الجيوش المتحاربة من اليهود بأشكال أخرى، إذ كانت تحوِّل أعضاء الجماعة إلى جواسيس وتستفيد من الشبكة التجارية في توصيل المعلومات. كما كان بوسع شبكة يهود البلاط الممتدة عبر أوربا إلى الشام والتي تملك قاعدة من صغار المموِّلين وكبار وصغار التجار الذين تربطهم علاقة وثيقة بالآلاف من صغار الباعة الجائلين الموجودين في عشرات الجيتوات، أن تدبر أية كمية من المعادن النفيسة التي يحتاجها أحد الجيوش.

ولكن العلاقة بين يهود البلاط والأمراء كانت علاقة نفعية تماماً، فهم يستفيدون من علاقتهم بالحاكم ليحققوا الثروات ويحصلوا على المزايا. وهو بدوره يبقي عليهم بمقدار ما يستفيد من وجودهم باعتبارهم مصدراً لا ينضب للثروة، يعتصر كميات كبيرة من أموالهم عن طريق الضرائب التي يفرضها عليهم ومن خلال الهدايا التي كان يحصل عليها منهم في مناسبة تتويجه وفي غير ذلك من المناسبات. كما أنهم كانوا يشترون منه حقوقهم وامتيازاتهم نظير أموال طائلة. وإلى جانب هذا، كانوا يؤدون العديد من الخدمات للبلاط، أي أنهم كانوا أداة للتاج لا تربطهم به رابطة وثيقة تتجاوز المستوى الاقتصادي النفعي. وكان كل يهودي بلاط يملأ فجوة وظيفية محدَّدة، ويرتبط وجوده وكذلك مكانته بها، فإن انتفى وجود الفجوة انتفى وجوده. لكل هذا، كان الملك يتخلى عن يهود البلاط ويتخلص منهم عندما يشغل عنصر اقتصادي آخر وظيفتهم، كأن تنشأ طبقة بورجوازية محلية، أو يتسع نطاق رغباته بحيث لا يستطيع المموِّلون اليهود أن يفوا بحاجاته. وكان من السهل على الملوك التخلص من يهود البلاط، بل ومن كل الجماعات اليهودية، لأنهم لم يكونوا أصحاب رؤوس أموال ضخمة وإنما كانوا أساساً، وبالدرجة الأولى، عنصراً اقتصادياً إدارياً كفئاً تتبعهم شبكة اقتصادية ضخمة. ولذا، لم يكن أعضاء الجماعة يشكلون طبقة تستغل الآخرين لحسابها ذات نفوذ وكيان مستقلين وإنما كانوا أداة استغلال تابعة وعميلة ومرتبطة بإحدى الطبقات أو القطاعات الحاكمة. كما أنهم كانوا مكروهين من الجماهير باعتبارهم أداة الاستغلال المباشرة، ومن البورجوازية المحلية لأنهم يشكلون غريماً لها، ومن النبلاء وكثير من أعضاء النخبة الحاكمة لأنهم أداة في يد الملك يستخدمها لتدعيم نفوذه على حسابهم. ولم يكن لأعضاء الجماعات اليهودية أية علاقة حميمة بأيٍّ من فئات المجتمع. وكثيراً ما كانت أموال يهودي البلاط تُصادَر بعد موته، كما كان الأمير أو

الملك يرفض دفع الديون التي عليه. أما الذي لم يفقد ثروته بهذه الطريقة، فقد أدَّت التحوُّلات الاقتصادية (مثل اتساع نطاق الرأسمالية الغربية أو تزايد ضخامة مشروعاتها أو ظهور بورجوازيات محلية قوية) إلى تهميشه أو إفلاسه، حيث لم يكن بمقدوره الصمود في حلبة المنافسة، وخصوصاً أن استثمارات يهود البلاط كانت دائماً مرتبطة بالدولة ولم تصبح قط مشروعاً خاصاً بمعنى الكلمة. لكل هذا، لم يلعب يهود البلاط أو أثرياء اليهود على وجه العموم دوراً حاسماً في نشوء الرأسمالية الغربية الرشيدة.
ومع هذا، لابد أن نقرر أن يهود البلاط بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة كانوا أقل هامشية من أقنان البلاط والتجار والمرابين اليهود، إذ تحركوا نحو المركز قليلاً من الناحية الوظيفية والاقتصادية والحضارية. فكان يهود البلاط يندمجون حضارياً في المجتمع الذي يعيشون فيه فيرتدون رداءً أوربياً ويسلكون سلوكاً أوربياً ويعيشون خارج الجيتو ويتمتعون بحرية الحركة ولا يدفعون أية ضرائب، ويتمتعون بكثير من الحقوق المدنية التي لا يتمتع بها بقية أعضاء الجماعة اليهودية، مثل حق شراء الأرض الزراعية، أو حق ركوب عربات تجرها أربعة أو ستة أحصنة، وهو حق كان مقصوراً أيضاً على النبلاء. كما كانوا يُمنحون ألقاباً لا تُمنَح إلا للنبلاء. وكانت مصالحهم الاقتصادية مرتبطة تماماً بمصالح الملك أو الحاكم أو الدولة، وكثيراً ما كانت تتعارض مع مصالح الجماعات اليهودية الأخرى، بل كان بعضهم يقف ضد هجرة اليهود إلى بلادهم ويؤلبون الملك ضد المهاجرين الجدد. وقد كان يهود البلاط واعين تماماً بالتحولات الثقافية والمالية العميقة في المجتمع الأوربي، ولذا كانوا من أوائل العناصر التي رحبت بحركة التنوير اليهودية وشجعوا دعاتها. ويُلاحَظ أن كثيراً من أبناء يهود البلاط قد تَنصَّروا، ربما بسبب الجو الثقافي الاندماجي الذي نشأوا فيه.

ومع هذا، كان ليهود البلاط موقف القيادة والزعامة بين يهود البلد الذي يعيشون فيه، ولكنها كانت قيادة مفروضة من الخارج، من عالم الأغيار، وتستمد شرعيتها من نجاحها فيه، وكانت قيادتهم مطلقة حتى أن أحد يهود البلاط أصر على أن تكون كل المناصب القيادية في إحدى الجماعات اليهودية مقصورة على أفراد أسرته، وهو أمر لم يكن شاذاً في عصر الملكيات المطلقة. وقد وصف أحدهم روتشيلد بأنه «ملك اليهود، ويهودي الملك» وهو وصف دقيق لوضع يهود البلاط وعلاقتهم بكلٍّ من النخبة الحاكمة غير اليهودية وأعضاء الجماعة اليهودية. وكان يهود البلاط يحتفظون ببعض العادات اليهودية، مثل اللحية، لأن وجودهم الاقتصادي كان يتوقف على شبكة الاتصالات اليهودية. وكانوا يحاولون أحياناً الحصول لليهود على حقوقهم ويشفعون لهم عند الحاكم كوسطاء (شتدلان) . وكان أعضاء الجماعة اليهودية يتمتعون بقدر أكبر من الحماية والأمن من عامة الناس بسبب العلاقة المباشرة بين الحاكم ويهودي البلاط الذي يوفر لهم هذه الحماية.
وقد لعب يهود البلاط دور الوسيط (الفعلي والفكري) بين حضارة الأغيار واليهود، وبذلك مهدوا لظهور حركة التنوير بين اليهود. كما أنهم كانوا دليلاً حياً على أن في وسع اليهودي أن يحقق النجاح خارج الجيتو. وقد أصبحت وظيفة يهود البلاط وراثية وتحولوا إلى أسر مالية أرستقراطية تتصارع فيما بينها على النفوذ والسلطة وأصبحوا طائفة مغلقة يتزاوج أفرادها فيما بينهم ويستبعدون اليهود العاديين. ويمكن القول بأن صورة يهودي البلاط كعبقري ساحر، وكصاحب نفوذ يُقرض الملوك والأمراء، قد تجذرت في الوجدان اليهودي في الغرب.

وقد انتهى دور يهود البلاط بسبب تعاظم نفوذ الدولة المطلقة في أوربا وبسبب نجاحها التدريجي في تشديد قبضتها على مواطنيها من خلال مؤسسات رشيدة تضطلع بوظائف يهود البلاط. بالإضافة إلى ظهور بورجوازيات محلية قوية تمتلك من رؤوس الأموال والخبرات الإدارية ما يفوق مثيله لدى يهود البلاط. وأخيراً كان تقسيم بولندا ضربة للشبكة التجارية التي اعتمد عليها يهود البلاط. ثم جاءت الثورة الفرنسية بجيوشها وتقسيمها أوربا إلى معسكرين متنازعين بمثابة الضربة القاصمة.
ومن أشهر أسر يهود البلاط، أسرة ليفي وأوبنهايمر وجومبيريز، حيث حققوا ثروات كبيرة أثناء الحرب. ويُلاحَظ أنه مع نهاية القرن الثامن عشر بدأ كثير من أبناء هذه العائلات يتحولون من يهود بلاط إلى أعضاء في الرأسمالية الرشيدة ويتنصَّرون بأعداد كبيرة، أي يندمجون تماماً في الحضارة الغربية. ومن الأمور التي قد تكون ذات دلالة رمزية أن آخر يهود البلاط كان سولومون روتشيلد، من عائلة روتشيلد الشهيرة التي مولت النشاط الصهيوني في بدايته وتحالفت مع الإمبريالية لإنشاء الدولة الصهيونية. وسولومون هذا هو الذي ساعد ميترنيخ زعيم الرجعية الأوربية في القرن التاسع عشر على الاختفاء بعد سقوط النظم الرجعية تحت ضغط الحركات الشعبية والثورية. ونحن نرى أن الدولة الإمبريالية حينما تنشئ علاقة قوية يُقال لها إستراتيجية مع الدولة الصهيونية، فإنها في واقع الأمر علاقة نفعية تُوظِّف الدولة الراعية من خلالها العميل الصهيوني لصالحها، ولذا يمكننا أن نقول إنها تشبه في كثير من الوجوه علاقة الأمراء الألمان بيهود البلاط، وإن الدولة الصهيونية هي في واقع الأمر دولة وظيفية، دولة يهود البلاط الإمبريالي، إن جاز التعبير.
حسداي بن شفروط (915-1055)
‏Hisdai Ibn Shaprut

هو إسحق بن عزرا بن شفروط الذي اشتهر باسم «حسداي بن شفروط» ، رئيس الجماعة اليهودية في قرطبة. جاءت أسرته من شرق الأندلس ثم استقرت في قرطبة. ودرس ابن شفروط الطب ثم دخل في خدمة الخليفة عبد الرحمن الثالث (912 - 961) . ولمّا كان الخلفاء الأمويون في الأندلس يعيِّنون أطباءهم في وظائف إدارية ومالية أخرى في أحيان كثيرة، فقد أوكل الخليفة إلى ابن شفروط مسئولية قسم المكوس الذي كان يُعَدُّ من الوظائف الإدارية العليا. كما عمل مستشاراً في الشئون الخارجية (الدبلوماسية) ، وعمل مترجماً أيضاً. ويُلاحَظ أن كل هذه الوظائف تقريباً تتطلب التعامل مع غير المسلمين، وهي وظائف تركَّز فيها الذميون. وقد أُرسل في بعثات دبلوماسية إلى ليون عام 956 ونافار عام 958. ويمكن القول بأنه بالفعل كان في منزلة وزير الخارجية والتجارة. وقد جمع ثروة طائلة من وراء ذلك.
وكان حسداي بن شفروط يهودياً مُستعْرباً، مثل معظم أعضاء النخبة العربية اليهودية في زمانه، فكان يتحدث العربية ويسلك سلوك أثرياء المسلمين. واتخذ شعراء يهوداً ليمدحوه نظير إغداقه العطاء عليهم.
وكان ابن شفروط، باعتباره ممثلاً للجماعة اليهودية الجديدة في الأندلس، وراء تأسيس الحلقة التلمودية في قرطبة، والتي عيَّن موسى بن حنوخ (العالم التلمودي الذي اشتراه من سوق العبيد) رئيساً لها حتى يحقق الاستقلال ليهود الأندلس. وقد نجح في مسعاه إذ فاقت حلقة قرطبة في شهرتها وأهميتها الحلقات التلمودية في العراق. وقد أُطلق على حسداي اسم «ريش كلاه» ، بمعنى: رأس العرش، وهو لقب كان الغرض منه منافسة لقب «رأس المثبتا» ، الذي كان يُطلَق على رئيس حلقة سورا.
ويُنسَب إلى ابن شفروط أنه كتب خطاباً إلى يوسف (ملك الخزر) يصف له فيه الأندلس ويطرح عليه بعض الأسئلة الخاصة بيهود الخزر، وقد رد الملك عليه. وقد سُمِّيت هذه الخطابات بالمراسلات الخزرية، ولكن ثمة اختلافاً بين العلماء في مدى صدق هذه الواقعة.

يعقوب بن كلس (930-991)
‏Yaqub Ibn Killis
من رجال المال والتجارة اليهود. خدم في بلاط عدد من حكام مصر. وُلد في بغداد، ويُقال إنه سليل عائلة السموأل اليهودية التي ينتمي إليها أحد شعراء العرب المشهورين في الجاهلية.
استقر ابن كلس مع والده في مدينة الرملة في فلسطين، واشتغل بالتجارة والأعمال المصرفية، وعمل هناك ممثلاً للتجار الأجانب (وهي وظيفة تشبه القنصل التجاري) ، ولكنه أفلس برغم نجاح أعماله عدة سنوات. ثم ذهب إلى مصر حوالي عام 960، وبعد اتصاله بوالي مصر كافور نجح في الاشتغال في مجال الإمدادات الحكومية. وعندما نفذت خزانة الدولة، سمح له كافور بتحصيل أمواله من الضرائب المستحقة على المناطق الزراعية، وقد أتاح له ذلك التعرف على شئون الزراعة في مصر فأصبح المستشار الاقتصادي لكافور ثم مستشاره السياسي أيضاً. وبعد تعيينه رئيساً للإدارة المالية، اعتنق ابن كلس الإسلام وكاد أن يعيَّن وزيراً، ولكنه واجه معارضة الوزير جعفر بن الفرات. وبعد وفاة كافور عام 968، سُجن ابن كلس ولكنه نجح في الفرار وذهب إلى تونس حيث كان الفاطميون يستعدون للاستيلاء على مصر، وقام بتشجيع المعز في خططه لغزو مصر وقدَّم له كثيراً من المعلومات المهمة عن الأوضاع بها. وبعد سقوط مصر في يد الفاطميين، عاد ابن كلس إلى مصر وأوكلت إليه مهمة جمع الضرائب. وقد حقق ابن كلس مكانة مهمة في النظام المالي. وبعد تعيينه وزيراً عام 977 في عهد الخليفة العزيز (975 ـ 996) ، أعاد تنظيم النظام الإداري، ولكنه أُقيل من هذا المنصب واعتُقل لمدة شهرين عام 983، ثم أُعيد إلى منصبه بعد ذلك وظل محتفظاً به حتى وفاته. وقد احتفظ ابن كلس بعلاقته بأعضاء الجماعات اليهودية حتى بعد إسلامه وكان بعض مثقفي الجماعة يحضرون الصالون الثقافي الذي كان يعقده في قصره.
سليمان ابن صادوق (؟ -1273 (
‏Solomon Ibn Zadok

يهودي بلاط خدم في بلاط الملك ألفونسو العاشر (الحكيم) ، في قشطالة حيث أسند إليه ألفونسو القيام بعدد من المهام الدبلوماسية وبمهمة تحصيل عوائد المملكة.
وبعد وفاته، تولى ابنه إسحق بن صادوق (أو إبراهيم إسحق ـ تُوفي عام 1280) مهمة جباية ضرائب مملكة قشطالة خلال عهد ألفونسو العاشر، كما حصل عام 1276 على عدد من عقود الإمدادات الحكومية. وفي عام 1278،كلفه ألفونسو بإرسال إمدادات مالية لجيشه المعسكر بالقرب من إحدى المدن، ولكن هذه الإمدادات نُهبت وهي في طريقها ولم تصل إلى قوات ألفونسو التي كادت أن تَهلك الأمر الذي دفع ألفونسو للانتقام من محصلي الضرائب فألقى القبض على ثلاثة منهم وحكم على إسحق بالإعدام شنقاً.
والأسماء العربية التي يحملها ابن صادوق وابنه تدل على أنهما كانا يتنقلان بين إسبانيا المسيحية والإسلامية، قبل أن يتم طرد المسلمين منها. وقد قام يهود شبه جزيرة أيبريا بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة بين المعسكرين المتصارعين.
تيكا (النصف الأول من القرن الثالث عشر (
‏Teka

يهودي من أقنان البلاط من أصل خَزَري، كان يعمل مرابياً ووكيلاً مالياً، حيث التحق بالبلاط المجري في القرن الثالث عشر. وكان أبوه من كبار الملاك، إذ منحه ملك المجر مقاطعة ضخمة ورثها تيكا من بعده. وقد امتلك تيكا مقاطعات أخرى، ويُحتمل أن اسمه مأخوذ من اسم إحدى هذه المقاطعات. وقد عيَّنه الملك أندرو الثاني (1205 ـ 1245) مسئولاً عن عوائد البلاط الملكي، ولذا يُشار إلى تيكا في الوثائق اللاتينية المعاصرة بلقب «كوميس كاميراي comes camerae» ومعناها «وكيل مالي للملك» (حرفياً: تابع أو رقيق) . ويبدو أن تيكا كان مسئولاً مالياً في غاية الأهمية، إذ يظهر توقيعه على عدة اتفاقيات ومعاهدات سلام واتفاقيات مالية بين ليوبولد الرابع (1194 ـ 1230) وأندرو الثاني (كان الضامن الوحيد لمبلغ كبير من المال اقترضه ليوبولد الرابع عام 1225 من أندرو الثاني) . وفي عام 1222،صدر مرسوم مجري (بناءً على تعليمات من الفاتيكان) بمنع اليهود والإسماعيليين (أي المسلمين والعرب) من تَقلُّد أية مناصب مالية ومن صفة النبالة في المجر، وقد وقَّع الملك القانون كارهاً، ثم تحدَّاه بإبقاء تيكا. ولكن البابا جريجوري التاسع تدخَّل وأرغم الملك، وابنه بيلا الرابع (1245 ـ 1270) من بعده، على أن يقسم على احترام بنود الدستور الخاصة باليهود. فاضطر تيكا إلى ترك منصبه والسفر إلى النمسا حيث كان يتمتع بسمعة طيبة للغاية. وقام هناك بنشاط مالي مهم، فعقد قرضاً عام 1245 لمجموعة من كبار التجار في فيينا (التي كان يمتلك منزلاً فيها) .وقد نجح بيلا الرابع في التحلل من قسمه الخاص باستبعاد اليهود من الوظائف المالية وذلك بسبب احتياج أوربا للاعتمادات المالية بعد هجمات التتار. فعاد تيكا إلى المجر وأعاد الملك له بعض المقاطعات التي كان قد صادرها. وبعد الغزو التتري، اختفى تيكا تماماً. وتذهب بعض النظريات إلى أنه انسحب مع التتر أبناء عمومته، فقد كان خَزَرياً، من أصل تركي مثلهم.

والواقع أن قصة حياة تيكا ذات دلالات كثيرة منها:
1 ـ هو نموذج جيد لأقنان البلاط الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع نظراً لقربهم من مراكز القوة، ولكنه نفوذ لا جذور له، ولذا كان بإمكان السلطة الحاكمة إنهاؤه في أي وقت.
2 ـ يدل تيكا على أن يهود الخَزَر كانوا لا يزالون منتشرين في أوربا رغم القضاء على دولتهم، وأنهم لعبوا دوراً أساسياً في تأسيس المجر. ولعل شخصية تيكا تعطي بعض الأسانيد لنظرية كوستلر الخاصة بالشتات الخَزَري.
3 ـ تدل وقائع حياة تيكا على أن الوجدان الغربي المسيحي قد ربط بين اليهود والمسلمين (الشرقيين) ، وهو ربط له أساس في الواقع، فمعظم يهود العالم كان متركزاً في العالم العربي الإسلامي، ومع بداية العصور الوسطى كان نصفهم في الغرب والنصف الثاني في الشرق، كما أن ثقافة أعضاء الجماعات اليهودية كانت متأثرة بالثقافة الإسلامية. كما أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية أبقوا على علاقاتهم الثقافية بالعالم الإسلامي، بل وأبقوا على علاقاتهم الفعلية. ونظراً لعدائهم للعالم المسيحي، فقد كانوا متهمين بالعمالة للعالم الإسلامي.
عائلة ابن شوشان (القرن الثاني عشر - القرن الرابع عشر)
‏Ibn Shoshan Family
عائلة يهودية من طليطلة في إسبانيا تمتعت بمكانة مرموقة في الفترة بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر في إسبانيا وفي عدد من الدول التي هاجر إليها أفراد العائلة بعد طرد اليهود من إسبانيا، مثل: تركيا وتونس وفلسطين. وكان من بين أفرادها رجال المال والتجارة ويهود البلاط وعلماء الدين واللغة والشعراء والفلاسفة والأطباء ومن أهمهم:

أبو عمر يوسف (1135 ـ 1205) الذي اتخذ لقب «الناسي» أو الأمير، وكان صرافاً في بلاط الملك ألفونسو الثامن في قشطالة، وتمتع بنفوذ واسع في الشئون الداخلية والخارجية، ومُنح مقابل خدماته للدولة أملاكاً واسعة مع امتيازات الحصانة التي تسمح له بالحرية المطلقة في التصرف والحكم داخل حدود أملاكه.
أما مائير بن شوشان (القرن الثالث عشر) ، فقد وُلد في طليطلة ثم أصبح صراف الملك ألفونسو العاشر (1252 ـ 1284) . وبعد طرد المسلمين من عدد من مدن الأندلس، مُنح مائير أملاكاً بها عامي 1253 و1266. وفي عام 1276، أُرسل إلى المغرب في مهمة دبلوماسية ومما يُذكَر أن المراجع العربية تشير له باعتباره وزيراً.
وكان إبراهيم بن شوشان (زوج ابنة مائير) مسئولاً عن جباية الضرائب في طليطلة خلال أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر. وخلال عهد سانشو الرابع (1285 - 1295) ، عمل مع مدير الشئون المالية للمملكة إبراهيم البارجيلوني، كما عمل صرافاً للمملكة. وبعد أن تقرَّر عام 1286 إعادة أملاك وامتيازات العرش التي فُقدت خلال الحرب الأهلية، أُسندت إلى إبراهيم مهمة الإشراف على هذه العملية وتنفيذها وإن تم استبداله بإبراهيم البارجيلوني عام 1287. وخلال عهد فرديناند الرابع (1295 ـ 1312) ، مُنح إبراهيم حق جباية الضرائب في قشطالة.
أما يعقوب بن يوسف، فكان قاضياً شرعياً (ديان) في طليطلة خلال أوائل القرن الرابع عشر، وكان ممن وقَّعوا عام 1306 على قرار بحظر الدراسات العلمانية.
ومما يُذكَر أن عائلة ساسون التجارية المالية والتي ازدهرت خلال القرن التاسع عشر في الهند والصين والشرق الأقصى من نسل عائلة ابن شوشان، ولعل كلمة «ساسون» مشتقة من كلمة «شوشان» .
عائلة عطار Attar Family (القرن السادس عشر - القرن الثامن عشر (

عائلة يهودية من أصول إسبانية هاجر كثير من أعضائها من إسبانيا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر واستقروا بشكل خاص في المغرب، كما تواجدوا أيضاً في أمستردام وتركيا ثم هامبورج ولندن وكوراساو ـ وبخاصة منذ القرن السابع عشر ـ وكان أغلب حاملي اسم «ابيناتار Abenatar» أو «أبياتار Abiatar» في هذه الدول من أصل ماراني. ومن أبرز أعضاء هذه العائلة: إبراهيم (الأول) بن سولمون بن عطار (يُرجَّح أنه عاش في الفترة ما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر) ، وكان شاعراً وعالماً تلمودياً وقبَّالياً، وعاش في مدينة فاس بالمغرب. أما حاييم (الأول) بن عطار الذي عاش في الفترة نفسها، فكان من وجهاء الجماعة في المغرب، وقد أسَّس وترأس مدرسة تلمودية عليا (يشيفا (
وقد عُيِّن موسى بن عطار (تُوفي حوالي عام 1725 (سكرتيراً ومستشاراً لنائب الملك في جنوب المغرب ثم تولى منصب رئيس اليهود النجيد خلفاً لوالده كما قام بإدارة الأعمال التجارية الواسعة الخاصّة بالأسرة وعُيِّن خازناً للملك مولاي إسماعيل كما اختارته إنجلترا للتوسط بينها وبين المغرب في المفاوضات الرامية لإبرام معاهدة سلام بين البلدين والتي أُبرمت بالفعل عام 1721 وقد حرص موسى على أن تضم المعاهدة فقرة تنص على حق اليهود المغاربة الذين استقروا في أنحاء الإمبراطورية البريطانية في أن يُحاكَموا في محاكمهم اليهودية الخاصة وقد وُجهت إلى موسى فيما بعد اتهامات الاختلاس الأمر الذي اضطره إلى دفع غرامة باهظة للملك حتى ينقذ نفسه من الإعدام وقد خلفه شقيقه إبراهيم في منصب رئيس اليهود أما شقيقه الآخر يعقوب فقد عُيِّن حاكماً على ميناء تطوان وفي أوائل القرن التاسع عشر عُيِّن يوسف بن عطار قنصلاً للبرتغال والدنمارك في الرباط.
شيشيت بنفنيستي (1131-1209 (
‏Sheshet Benveneste

ماليٌ طبيبٌ عالمُ تلمود دبلوماسيٌ وشاعر إسباني يهودي. دخل في شبابه في خدمة نبيل من برشلونة ثم خدم ملكي أراجون ألفونسو الثاني ثم بدرو الثاني (من عام 1196) كطبيب ومستشار سياسي ومبعوث دبلوماسي ومترجم للعربية. وكان علمه بالعربية من أهم أسباب مكانته الرفيعة. وقد لعب بنفنيستي دوراً مهماً أيضاً في الإدارة المالية للمملكة، كما خُصِّصت له بعض عوائد الدولة مقابل القروض التي كان يقدمها للخزينة الملكية. وتمتع بنفنيستي، مثل سائر النبلاء في المملكة، بالإعفاء من الضرائب وبالحصانة القانونية، كما تلقى منحة ملكية بالامتيازات أعطته سلطة تنظيم شئون المعبد اليهودي في برشلونة. وبالإضافة إلى ذلك، كان بنفنيستي يكتب الشعر بالعبرية، وكان على اتصال بالعلماء المسلمين واليهود في شبه جزيرة أيبريا وكان من أشد المدافعين عن أعمال موسى بن ميمون وعن آرائه الفلسفية، كما كانت له بعض الأعمال في الطب.
أبراهام بنفنيستي (1406-1454)
‏Abraham Benveneste

من يهود البلاط في قشطالة بإسبانيا وكبير الحاخامات خلال عهد الملك جون الثاني (1406 ـ 1454) . عيَّنته حكومة المملكة لإعادة تنظيم شئونها المالية وأُسندت إليه مسئولية تنظيم وجباية الضرائب والرسوم الجمركية. كما قام بإمداد الجيش بالمال والحبوب وتمتع بنفوذ واسع في شئون الدولة. وفي عام 1432، قام الملك بتعيين بنفنيستي كبيراً للقضاة ومراقب ضرائب للجماعة، فأصبح يتمتع بالسلطة العليا في المسائل الدينية والتشريعية للجماعة. وفي هذا العام نفسه، نظم بنفنيستي مؤتمراً لحاخامات الجماعة وممثليها انتهى بإصدار عدد من اللوائح والتنظيمات الجديدة والقواعد التكميلية (تاقانوت) بغرض تنظيم التعليم الديني ودعمه وتنظيم المحاكم اليهودية وتحقيق عدالة توزيع الضرائب وحماية الجماعة من الوشاية. كما أصدر عدداً من قوانين الترف للحد من الغلو والإفراط في الملبس والاحتفالات، ذلك الترف الذي كان من أسباب إثارة استياء السكان المسيحيين.
دونا جراسيا (منديسيا) (1510-1569 (
‏Donna Gracia (Mendesia)

هي جراسيا ناسي منديز، سيدة يهودية ثرية من المارانو عُرفت بنشاطها من أجل يهود المارانو بعد طردهم من إسبانيا والبرتغال، وتُعتبَر في الأدبيات اليهودية وبين المؤرخين من اليهود من أبرز السيدات اليهوديات خلال الـ 2000 سنة الماضية. وقد وُلدت في الغالب في البرتغال لأسرة بنفنيستي (وهي أسرة من يهود المارانو ذات مكانة مرموقة) ، وعُرفت باسمها المسيحي بياتريس دي لونا. وقد تزوجت جراسيا عام 1528 من فرانسيسكو منديز (ناسي) الذي كان ينتمي أيضاً لعائلة ثرية ومرموقة من المارانو. وكان قد أسس مع أخيه ديوجو منديز تجارة للأحجار الكريمة تطورت إلى مؤسسة مالية مهمة كان لها فرع في انتورب بهولندا. وبعد وفاة زوجها في سن مبكرة (عام 1535) ، نجحت جراسيا في ترك البرتغال سراً ومعها ابنتها وأعضاء أسرتها وكامل ثروتها، وانتقلت إلى انتورب حيث انضمت إلى شقيق زوجها ديوجو الذي تزوَّج أختها. وقد تولت جراسيا إدارة مؤسسة منديز المالية بعد وفاة ديوجو، إلا أنها اضطرت إلى الفرار إلى البندقية مع ابنتها وابنة أختها بعد أن حاول الإمبراطور شارل الخامس الاستيلاء على ثروتها. ولكن تم إلقاء القبض عليها والاستيلاء على ممتلكاتها بعد أن قامت أختها رينا، والتي يبدو أنها كانت تعاني من تَسلُّط جراسيا عليها، بإدانتها لدى السلطات باعتبارها يهودية متخفية. إلا أن ابن أخيها يوسف ناسي الذي كان من رعايا الدولة العثمانية، نجح في الإفراج عنها بفضل علاقته الوثيقة بالسلطان العثماني وتم رد ممتلكاتها بعد ذلك بعامين. وقد استقرت جراسيا فيما بعد مع أسرتها في مدينة فرارا حيث استطاعت التخلي عن اسمها المسيحي وأصبحت تُعرف باسمها اليهودي جراسيا ناسي، وقد استمرت في بذل جهودها في فرارا من أجل اللاجئين من المارانو.

وفي عام 1553، انتقلت جراسيا إلى القسطنطينية حيث استقرت حتى آخر أيامها. وقد ارتبطت هناك بشكل وثيق مع ابن أخيها يوسف ناسي الذي تزوَّج ابنتها وتشابك نشاطها التجاري والسياسي مع نشاطه. وقد كان ليوسف ناسي مكانة ونفوذ مهمان لدى الباب العالي، وخصوصاً في مجال السياسة الخارجية، بفضل شبكته الواسعة من الوكلاء المنتشرين في العالم الغربي ودرايته ومعرفته الواسعة بالشئون الأوربية وبقادة أوربا. وقد أصبح قصر جراسيا على ضفاف البوسفور مركزاً للسياسة المتعلقة بالشرق الأوسط ومركزاً أيضاً للشئون اليهودية. وقد اهتمت جراسيا ببناء المؤسسات التعليمية والمعابد اليهودية في القسطنطينية وسالونيكا.
وفي الفترة من عام 1556 إلى عام 1557، حاولت جراسيا تنظيم مقاطعة يهودية لميناء أنكونا الإيطالي رداً على اعتقال عدد من يهود المارانو على يد البابا بولس الرابع تمهيداً لإحراقهم. وقد تم إخلاء سبيل الأتراك منهم ومن بينهم وكلاء جراسيا التجاريون بفضل تَدخُّل السلطان العثماني استجابةً لطلب جراسيا.
إلا أن أكثر مشاريعها شهرة كان استئجارها، بالتعاون من ابن أخيها، مدينة طبرية الفلسطينية من السلطان العثماني وذلك بهدف إقامة مستوطنة يهودية لتوطين اللاجئين من اليهود. ولكن من المؤكد أن جراسيا، ومعها يوسف ناسي، قد اهتما بتنمية المشروع تجارياً حيث أسسا مركزاً لإنتاج الحرير والصوف. وقد دعا يوسف ناسي اللاجئين اليهود في إيطاليا للاستيطان في طبرية لكن دعوته لم تلق استجابة تُذكَر. إلا أن هذا المشروع لم يُستكمل نتيجة عدة أسباب، منها رفض سكان فلسطين من العرب له، ونشاط خصوم يوسف ناسي في القسطنطينية ضده، الأمر الذي دفعه إلى الابتعاد عن المشروع، وأخيراً وفاة جراسيا عام 1569. وفي الدولة الصهيونية، قررت مدينة طبرية الاحتفال بذكراها وإنشاء تمثال لها.
سليمان أبنايس (ابن عايش) (1520-1603)
‏Solomon Abenaes (Aben-Ayesh)

رجل دولة من يهود المارانو. وُلد في البرتغال تحت اسم الفارو منديز، وحقق ثروة من خلال استغلال مناجم الماس في الهند، ثم عاد إلى أوربا حيث حصل على لقب فارس سانتياجو، وعاش متنقلاً بين مدريد وفلورنسا وباريس ولندن. وعندما استولت إسبانيا على البرتغال عام 1580، تَبنَّى أبنايس (أصلها بالعربية: ابن عايش) قضية دوم أنتونيو المطالب بعرش البرتغال، وكان من أشد وأنشط مناصريه. وفي عام 1585، استقر في تركيا وعاد ليُظهر يهوديته متخذاً اسم سليمان (أبنايس) . وقد نجح في اكتساب مكانة مهمة في البلاط العثماني بفضل ثرائه وعلاقاته واتصالاته الواسعة، وخصوصاً شبكة المعلومات المتطورة والمحكمة التي كانت تتبعه في أوربا والتي استفادت منها الدولة العثمانية خير استفادة. وقد مُنح أبنايس حق جباية عائدات الجمارك، كما عُيِّن دوقاً لإحدى جزر بحر إيجة.
وقد كرس أبنايس مجهوداته لإقامة تَحالُف تركي بريطاني مضاد لإسبانيا تأييداً لمطالب دوم أنتونيو بعرش البرتغال. وساهم هذا التحالف بالفعل في وقف تَوسُّع القوة الإسبانية خلال أواخر القرن السادس عشر. وقد استعان أبنايس في ذلك بجماعة يهود المارانو في إنجلترا وعلى رأسهم هكتور نونييز وطبيب الملكة رودريجو لوبيز الذي كان أيضاً صهره. وقد وضع أبنايس خطة جريئة لاستيلاء دوم أنتونيو على عرش البرتغال مفادها أن يضع يده على مستعمرات البرتغال في الهند ثم يبحر على رأس قوات ضخمة للاستيلاء على البرتغال. لكن هذه الخطة لم تنجح واختلف أبنايس ودوم أنتونيو، فتخلى أبنايس عنه، واتهمه دوم أنتونيو بالخيانة. ودخل الاثنان في مواجهة تخللتها المكائد والمؤامرات لعب فيها بعض اليهود المنافسين لأبنايس في إستنبول دوراً كبيراً، كما أرسل أبنايس إلى ملكة إنجلترا ممثلين عنه لتوضيح موقفه. ولم يتأثر مركزه حتى بعد اتهام صهره رودريجو لوبيز بمحاولة دس السم للملكة إليزابيث.

وقد نجح أبنايس، عقب مجيئه إلى تركيا، في الحصول على ولاية طبرية التي كانت ممنوحة ليوسف ناسي من قبله والذي كان أيضاً مستشاراً يهودياً في البلاط العثماني.
صمويل بالاشي (؟ -1616 (
‏Samuel Palache
دبلوماسي مغربي يهودي، وُلد لعائلة من اللاجئين اليهود الإسبان الذين استقروا في المغرب وحققوا مكانة مرموقة بها. كان صمويل وشقيقه يوسف من كبار المستشارين الماليين في المغرب، وقد اختارهما سلطان المغرب للقيام بمهمة التفاوض مع ملك إسبانيا. وفي إحدى زياراتهما لإسبانيا اتهمتهما محاكم التفتيش بتشجيع المارانو على الرحيل عن إسبانيا والعودة إلى اعتناق اليهودية، وهو ما اضطرهما إلى الاختباء في بيت السفير الفرنسي قبل أن ينجحا في الفرار من إسبانيا بعد ذلك بقليل. وفي عام 1608، قام سلطان المغرب بتعيين صمويل سفيراً للمغرب في أمستردام. وقد كان صمويل أول يهودي يستقر في هولندا بشكل علني وينجح في الحصول على إذن يسمح باستيطان اليهود بها. كما انعقد أول منيان (النصاب اللازم لإقامة الصلاة اليهودية) في أمستردام في بيته، ويُقال إنه ساهم أيضاً في بناء أول معبد يهودي في هولندا. وفي عام 1610، تولَّى صمويل إجراء المفاوضات التي انتهت بإبرام أول معاهدة تحالف بين دولة مسيحية (هولندا) ودولة إسلامية (المغرب) . وفي عام 1614، قام صمويل بإذن من السلطان المغربي بقيادة أسطول مغربي صغير واستولى على عدد من السفن الإسبانية وأخذ حمولتها الثمينة حيث كانت إسبانيا والمغرب آنذاك في حالة حرب. وفي أعقاب ذلك، نجح السفير الإسباني لدى إنجلترا (أثناء وجود صمويل بها) في إقناع السلطات البريطانية بإلقاء القبض عليه بتهمة القرصنة وكذلك بتهمة الارتداد عن المسيحية والرجوع لاعتناق اليهودية، وطالب السفير الإسباني بتنفيذ عقوبة الإعدام فيه. وقد أثار ذلك احتجاج هولندا والمطالبة بالإفراج عنه. وفيما بعد قُدِّم صمويل للمحاكمة ولكنه بُرِّىء حيث استند دفاعه

إلى أنه رعية مغربية في خدمة السلطان المغربي وفي حالة حرب مع إسبانيا. وقد عاد صمويل بعد ذلك إلى هولندا وقام بالهجوم على سفينة إسبانية في بحر المانش والاستيلاء على حمولتها انتقاماً من إسبانيا. وتُوفي صمويل في هولندا وأُقيمت له جنازة كبيرة.
والواقع أن ارتباط يهودي مثل بالاشي بالمغرب وبالتراث المغربي الإسلامي قد يبدو غريباً في العصر الحديث، ولكنه كان أمراً مألوفاً في الماضي، إذ كانت أوربا تنظر إلى اليهودي باعتباره عميلاً للمسلمين العرب. بل يُقال إن جذور معاداة اليهود (أو معاداة السامية) تعود إلى هذا التوحد بين اليهود والعرب المسلمين في الوجدان الغربي.
باسيفي التروينبرجي (يعقوب بن صمويل) (1570-1634)
‏Bassevi of Treuenberg (Jacob ben Samuel)
من يهود البلاط في براغ، وأول يهودي في أوربا خارج إيطاليا يُرفَع إلى طبقة النبلاء. كما كان من أبرز يهود البلاط العاملين في مجال سك العملات، وهو مجال زادت أهميته بشكل كبير في خلال فترة حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648) . وتُعتبَر هذه الحرب بداية تَخصُّص المموِّلين والتجار اليهود في مجال تمويل الحروب وتموين الجيوش في أوربا، وهو ما ظل حكراً على بعض أعضاء الجماعة اليهودية لمدة قرن من الزمان، وذلك بفضل تراثهم التجاري وخبراتهم المالية وعلاقتهم الدولية المتشعبة التي أهلتهم لمثل هذا الدور.
وقد شكل باسيفي، بالتعاون مع أمير ليختنشتاين ووالنشتاين قائد الجيوش الإمبراطورية، اتحاداً مالياً لسك وإصدار العملات النقدية المغشوشة، إذ أن قيمتها الحقيقية أقل من القيمة المسكوكة عليها وذلك لسد احتياجات الإمبراطور لتمويل نفقات الحرب.

وقد قدَّم باسيفي خبراته المالية للاتحاد، وتولى شراء الفضة اللازمة من الخارج. ومقابل خدماته للاتحاد رُفع إلى طبقة النبلاء، وسُمح له بحرية الاتجار في جميع أنواع السلع، وبحرية الإقامة في أي مكان، وهو ما كان محظوراً على يهود الإمبراطورية النمساوية. إلا أن ما تَرتَّب عليه نشاط الاتحاد من خفض حاد لقيمة العملة وتزايد التضخم، أدَّى إلى تزايد سخط الجماهير والذي انصب بصفة خاصة على باسيفي. وبعد وفاة أمير ليختنشتاين، اتخذت السلطات إجراءات ضد أعضاء الاتحاد السابقين وتم القبض على باسيفي عام 1631 والاستيلاء على ممتلكاته. إلا أن مساعي والنشتاين نجحت في الإفراج عنه. وبعد وفاته بعامين، اعتُبرت جميع الامتيازات التي نالها في حياته باطلة.
صمويل أوبنهايمر (1635-1703 (
‏Samuel Oppenheimer
من أشهر يهود البلاط. كان يعمل متعهد مؤن وجامعاً للضرائب في إحدى الإمارات الألمانية، ثم انتقل إلى فيينا حيث حصل على حق الإقامة الدائمة فيها وعلى امتيازات تجارية غير محدَّدة. ولذا، سُمح له هو وتابعوه بالبقاء فيها حينما طُرد يهود فيينا عام 1670.
عمل أوبنهايمر مدة أربعة وعشرين عاماً بعد ذلك كيهودي بلاط، فقام بتزويد الجيوش النمساوية والألمانية بالمؤن. واستخدم شبكة الاتصالات التجارية اليهودية بكفاءة، وأثناء الحرب بين النمسا وفرنسا (1673 ـ 1679) عهد له الإمبراطور ليوبولد الأول بتزويد كل الجيش النمساوي على نهر الراين بما يحتاج إليه من مؤن. وحصل أوبنهايمر على العقد الوحيد لهذه المهمة، فأرسل وكلاءه عبر جنوب ألمانيا للحصول على القمح وعلف الماشية وملابس الجنود، وعلى أحصنة وبارود وذخيرة من التجار اليهود في فرانكفورت. كما اشترى سلعاً أخرى من هامبورج وأمستردام من وكيله موسى جومبيريز الذي كان من كبار المموِّلين السفارد. كما بنى كباري من الطوف (عوامات مطاطية) لنقل البنادق والأحصنة والجند.

وقد ارتبط نفوذ أوبنهايمر تماماً بحالة الحرب. ولذا، تناقص نفوذه مؤقتاً حينما وُقِّعت اتفاقية سلام بين النمسا وفرنسا عام 1679، فرفضت الخزانة النمساوية أن تدفع له ما عليها من ديون. فقدَّم التماساً إلى الإمبراطور ولكن لم يدفع له سوى جزء صغير من الديون، ثم اتُهم هو وحاشيته بالغش والسرقة. ولكنه اشترى براءته في نهاية الأمر، كما استرد نفوذه مرة أخرى مع اندلاع الحرب بين النمسا وتركيا عام 1682. وقد قام أوبنهايمر أثناء حصار الأتراك لفيينا بتنظيم خطوط الإمداد. وبعد رفع الحصار، عُهد إليه بتدبير المؤن لقوات النمسا المتقدمة إلى المجر. وقد وصل نفوذه إلى قمة ازدهاره إبَّان حرب التسعة أعوام (1689 ـ 1698) حيث تولى توريد مؤن الجيوش النمساوية التي كانت تحارب ضد الفرنسيين. ولم يقم أوبنهايمر بتوفير الضروريات وحسب، بل إنه زود الضباط بالخمور التي يحتاجون إليها، والجنود بالتبغ، كما زوَّد البلاط في فيينا بالنبيذ والتوابل والمجوهرات وأردية سائقي المراكب الملكية والخدم. وقد احتكر أوبنهايمر كل عقود تزويد الجيش بالمؤن والأسلحة والذخائر، وأصبح متعهد المؤن العسكرية الوحيد للنمسا، وكان جزء كبير من دخل الخزانة النمساوية يُدْفَع نظير خدماته.

ومرة أخرى، تناقص نفوذ أوبنهايمر في عام 1698، عند نهاية الحرب، ولم يعد الإمبراطور في حاجة إليه. فهاجمت الجماهير الساخطة قصره ودمرت أروقته عام 1700. وعند موته عام 1703، كانت الخزانة الملكية مدينة له بمبالغ كبيرة، فأعلنت الدولة أن الدين ملغي تماماً. ولكن يهود البلاط قاموا في عدة إمارات ألمانية بتحريض الأمراء للضغط على الإمبراطور لدفع الديون. وقامت هولندا بممارسة الضغط أيضاً حتى يرد الإمبراطور المبالغ التي اقترضها أوبنهايمر من أمستردام. وفي نهاية الأمر، سوِّيت الأمور وعُيِّن مكانه وريثه عمانوئيل أوبنهايمر، فقام بتزويد القوات النمساوية بالمؤن خلال حرب النزاع على العرش الإسباني وبعدها. ولكنه لم يصل إلى مكانة صموئيل قط.
ويُعزَى نجاح صموئيل أوبنهايمر إلى قدراته التنظيمية وشبكة الاتصالات التي أسسها، والتي كانت تضم مقاولين ومقاولين من الباطن وكان من بين هؤلاء يهود بلاط في إمارات مختلفة. وقد كان صموئيل متزوجاً من ابنة يهودي سفاردي من مانهايم، وتزوَّج ابنه من ابنة ليفمان بيريز شريكه الذي كان من كبار المموِّلين. وكانت تتبع أوبنهايمر حاشية من المساعدين والوكلاء الذين كانوا موجودين في كل المراكز المالية والتجارية في أوربا، وكان غريمه سامسون فرتايمر واحداً منهم في وقت من الأوقات.
سامسون فرتايمر (1658-1724 (
‏Samson Wertheimer

يهودي بلاط، درس في المدرسة التلمودية العليا في فرانكفورت. تزوج من أرملة ناثان أوبنهايمر، وبالتالي تعرَّف على صموئيل أوبنهايمر الذي عيَّنه مديراً لأعماله في فيينا، وقدَّمه إلى ليوبولد الأول. ويُعدُّ فرتايمر أثرى يهودي في عصره. كما كان المدير المالي للأباطرة: ليو بولد الأول، جوزيف الأول، تشارلز الأول. ودبر فرتايمر كثيراً من الاعتمادات المطلوبة لحرب الوراثة الإسبانية والحرب ضد تركيا. وعمل وكيلاً مالياً للإمبراطور ولعدد من حكام المقاطعات الألمانية. وعند موت صموئيل أوبنهايمر عام 1703، عُيِّن فرتايمر يهودي بلاط بدلاً منه، وقد أدخل فرتايمر تحسينات على استخراج الملح كما وضع نظاماً لاحتكار تجارته في بولندا، والتي كان يحتكرها يهود الأرندا. ونظم فرتايمر عملية نقل الملح إلى المجر وسيليزيا إلى جانب عمليات التمويل اللازمة لاستخراجه ونقله.
وكان فرتايمر يقوم بدور الوسيط بين الجماعة اليهودية والنخبة الحاكمة، وعُيِّن حاخاماً أكبر ليهود المجر. وآلت ثروته إلى ابنه، ولكنه أفلس عام 1733 بعد أن رفضت بافاريا أن تدفع له ديونه، ولكنها بعد عشرين سنة من التقاضي اعترفت بالدين. ودُفع الدَين على أقساط لأبنائه الذين تنصَّر معظمهم وصاروا أعضاء في الأرستقراطية النمساوية.
برنارد ليمان (1661-1730 (
‏Bernard Lehman

يهودي بلاط من ساكسونيا (ألمانيا) . كان اسمه عند مولده إسخار برمان. جذب اهتمام أوجستوس الثاني (القوي) (1670ـ 1733) أمير ساكسونيا الذي كان يُخطط ليصبح ملكاً منتخباً لبولندا، فعُهد إليه بالجانب المالي لهذا المُخطَّط، فقام ليمان ببيع كثير من ممتلكات ساكسونيا للحصول على المبالغ المطلوبة لرشوة النواب البولنديين. وقد نجح أوجستوس في مساعيه واعتلى عرش بولندا (1697 ـ 1733) . وقد أصبح ليمان ممثلاً دبلوماسياً لأوجستوس والمسئول عن جواهره وعن دار سك النقود بل المسئول عن عشيقاته. وكان يعمل كمتعهد عسكري، فكان يقوم بتزويد الجيش بالجراية والأسلحة. كما كان ليمان يقوم بإقراض حكام هانوفر وبرونزويك مبالغ ضخمة.
وقد زادت ثروة ليمان لدرجة أنه أصبح له بلاطه الخاص المكون من ثلاثين شخصاً من بينهم حاخام وذابح شرعي. وكان يتوسط لأعضاء الجماعات اليهودية للحصول على امتياز الاستيطان في المدن والمناطق المحظور عليهم الاستقرار فيها. وقد وقعت ضمن أملاكه بعض القرى والمدن البولندية التي حظي أعضاء الجماعة اليهودية فيها بامتيازات خاصة نتيجة ذلك. وقد تفتَّتت ثروته بعد موته.
أبراهيم بن وايش (القرن السادس عشر - القرن السابع عشر)
‏Abraham Ben Waish
مالي يهودي مغربي اشتغل مصرفياً لدى سلطان المغرب أحمد المنصور في مراكش ثم مراقباً للمالية حتى عام 1627. وقد تمتع بنفوذ واسع، ويعود له الفضل في تعيين أعضاء عائلة بالاشى اليهودية سفراء للمغرب لدى هولندا. كما كان وراء إرسال أحد أقاربه إلى البندقية عام 1606 لشراء سلع ثمينة للحاكم. وقد عُيِّن رئيساً لليهود (نجيد) في مملكة مراكش.
وفي إطار عمله كمراقب للمالية، أثار بن وايش احتجاجات الحكومات الأوربية بسبب تحيزه لصالح يهود إنجلترا وهولندا على حساب مسيحيي هاتين الدولتين. وقد اتُهم بالاختلاس ولكنه نجح في تبرئة نفسه.
جوزيف هامبرو (1780-1848)
‏Joseph Hambro

تاجر ومالي يهودي دنماركي ومن يهود البلاط. وقد كان والده تاجر أقمشة وحرائر. وبدأ هامبرو حياته بائعاً متجولاً في شوارع كوبنهاجن، ثم تلقَّى تدريبه التجاري في مؤسسة تجارية في هامبورج وعاد إلى بلده ليحقق ثراءً كبيراً من خلال تجارة الجملة وتجارة جزر الهند الغربية. وقد كان هامبرو أول من أقام في الدنمارك طاحونة تعمل بالبخار. وقد عيِّن يهودي بلاط لملك الدنمارك وممثلاً للحكومة الدنماركية في المفاوضات المالية والاتفاقات التجارية مع بريطانيا والنرويج.
وقد كان هامبرو من اليهود المندمجين، فتزوج من امرأة غير يهودية، كما تنصَّر ابنه. وقد انتقل عام 1831 إلى لندن حيث أسس ابنه كارل (1808 ـ 1877) مؤسسة هامبروز المصرفية عام 1839 والتي شاركت في تدبير القروض الحكومية وفي تمويل السكك الحديدية الدنماركية.
عائلة بليخرودر
‏Bleichroeder Family

عائلة من رجال المال الألمان من بقايا يهود البلاط في عصر الرأسمالية الرشيدة. وقد أسس صمويل بليخرودر (1779 ـ 1855) مؤسسة بليخرودر المصرفية في برلين عام 1803، والتي كانت على علاقة وثيقة ببيت روتشيلد حيث عملت كوكيل له في برلين، وهو ما ساعد على تزايد أهميتها في السوق المالي والمصرفي ابتداءً من عشرينيات القرن التاسع عشر. وقد تولى إدارة المؤسسة، بعد وفاة صمويل، ابنه جرسون فون بليخرودر (1822 ـ 1893) الذي وصلت مؤسسة بليخرودر في ظل إدارته إلى ذروة قوتها وتحوَّلت إلى أحد أبرز المؤسسات المالية في ألمانيا من خلال مساهمتها في تمويل الحروب وتمويل بناء السكك الحديدية. وقد كان جرسون بليخرودر يهودي بلاط فيلهلم الأول، وكانت تربطه علاقة وثيقة ببسمارك وأصبح مستشاره المالي والسياسي أيضاً. وقد ساهم في تمويل الحرب النمساوية ـ البروسية عام 1866، كما اشترك في تحديد حجم التعويضات التي كان على فرنسا دفعها في نهاية الحرب الفرنسية ـ البروسية (1870 ـ 1871) وساهم في تمويلها. ومع هذا فنحن نستخدم هنا مصطلح «يهود بلاط» على سبيل المجاز، إذ أن حجم نفوذ صمويل بليخرودر صغير بالقياس لحجم الرأسمالية الألمانية ومتطلبات الدولة الألمانية، ولذا قد يكون من الأدق إطلاق مصطلح «رأسمالي ألماني يهودي» عليه. وقد رُفع جرسون بليخرودر عام 1872، وبتوصية خاصة من بسمارك، إلى مرتبة النبلاء. وخلال مؤتمر برلين لعام 1878، استطاع من خلال علاقته ببسمارك انتزاع بعض المكاسب والحقوق ليهود دول البلقان.
وبعد وفاة جرسون بليخرودر، تولى أبناؤه الثلاثة، وقد تخلوا جميعاً عن الديانة اليهودية، إدارة مؤسسة بليخرودر. وقد كان لها نشاط مالي دولي واسع قبل اندلاع لحرب العالمية الأولى، كما شاركت في تمويل الصناعة الألمانية عقب الحرب. وقد فقدت الأسرة سيطرتها على المؤسسة في عام 1938 بعد استيلاء السلطات النازية عليها.
عائلة سبير
‏Speyer Family

عائلة يهودية ألمانية وأمريكية من رجال المال والبنوك، تعود جذورها إلى القرن السابع عشر في فرانكفورت بألمانيا.
وقد كان إسحق مايكل سبير (تُوفي عام 1807) ، وهو من أحفاد مؤسِّس العائلة، من يهود البلاط الإمبراطوري. وقد حققت العائلة بنهاية القرن الثامن عشر ثروة طائلة من خلال نشاطها في مجالي تمويل الجيوش والمبادلات المالية. وقد ارتبطت عائلة سبير بعائلة إليسن اليهودية المالية حينما تزوج يوسف لازاروس سبير (1783 ـ 1846) منها. وتجسد هذا التحالف في مؤسسة سبير إليسن المصرفية في عام1818 والتي أصبحت عام 1838 مؤسسة لازارد سبير أليسن المصرفية بعد تولي ابنه لازاروس يوسف سبير (1810ـ 1876) إدارة أعمال الأسرة. وقد تأسس فرع لبنك سبير في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1837 بعد أن انتقل الأخوان فيليب سبير (1815ـ 1871) وجوستاف سبير (1825 ـ 1883) إليها. كما ساهم هذا الفرع في ربط ألمانيا بصفة خاصة وأوربا بصفة عامة بالسوق الأمريكي. وقد اشترك بالتعاون مع فرع فرانكفورت في تدبير القروض الأمريكية خلال الحرب الأهلية الأمريكية.

وقد وصلت أعمال العائلة إلى ذروتها في ظل إدارة ابني جوستاف: جيمس سبير (1861 ـ 1941) الذي أدار الفرع الأمريكي، وإدجار سبير (1862 -1932) الذي تولى إدارة الفرع الإنجليزي. وقد ساهم الفرع الأمريكي، في ظل إدارة جيمس، في تمويل بناء السكك الحديدية الأمريكية والعديد من المؤسسات الصناعية الأمريكية، إلى جانب تدبير القروض للحكومات الأجنبية، وخصوصاً في أمريكا الجنوبية. وكانت الولايات المتحدة تشهد، في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، توسعاً سريعاً في مؤسساتها الصناعية والتجارية ومؤسسات الخدمات العامة، الأمر الذي خلق طلباً شديداً على رأس المال. وقد استطاع بنك سبير وغيره من البنوك الأمريكية المملوكة للعائلات اليهودية ذات الأصول الأوربية من تدبير رأس المال اللازم بكميات كبيرة وبشكل سريع نسبياً بفضل علاقتهم المتشعبة في أوربا وعلاقتهم الوثيقة فيما بينهم سواء من خلال الأعمال أو الزواج.
أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد اشترك بنك سبير في تدبير القروض ورأس المال الأمريكي للاستثمار في أوربا، خصوصاً في الصناعة الألمانية. وقد تأثرت مؤسسة سبير بالأزمة المالية العالمية لعام 1929 والتي أوقفت تَدفُّق رأس المال بين أوربا والولايات المتحدة. وتمت تصفية فرع ألمانيا عام 1934، وفرع الولايات المتحدة عام 1939. أما فرع لندن، فقد صُفي خلال الحرب العالمية الأولى بعد أن اتُهم إدجار بالتعاطف مع ألمانيا.
مماليك مالية
‏Financial Mamlukes

مصطلح «مماليك مالية» مصطلح قمنا بنحته ونستخدمه لوصف أوضاع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية، وذلك انطلاقاً من مفهومنا التحليلي الخاص بالجماعات الوظيفية المالية. ونحن حين نصف أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية المالية في الحضارة الغربية بأنهم «مماليك مالية» فإننا نستخدم مفهوم الجماعات الوظيفية لنربط بين أقنان البلاط ويهود البلاط وغيرهم من أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب ممن اضطلعوا بوظائف خاصة من جهة، والمماليك من جهة أخرى، أي أننا ربطنا الواقعة أو الظاهرة (الخاصة) التي قد تبدو فريدة داخل المجتمع الغربي بوقائع وظواهر مماثلة في مجتمعات أخرى، ومن ثم فهي تفقد كثيراً من تفردها وإطلاقها (وليس بالضرورة خصوصيتها) ، ويظهر النمط المتكرر الكامن دون السقوط في القوانين العامة المجردة. هذه، إذن، محاولة للوصول إلى نمط لا يستند إلى وقائع التاريخ الغربي ولا ينطلق منها بالضرورة، وإنما يستند إلى وقائع التاريخ الإنساني العام بما في ذلك التاريخ الغربي بالطبع. كما أنها محاولة لتعميق فهم القارئ العربي للظاهرة اليهودية في الحضارة الغربية، فالمماليك واقع مألوف لديه، وعن طريق ربط المألوف بغير المألوف والمعلوم بالمجهول يمكن فهم المجهول وغير المألوف. كما أن لمصطلح «مماليك» مقدرة تفسيرية عالية، حين يُطبَّق على الظاهرة اليهودية ثم الصهيونية وأخيراً على الدولة الصهيونية.

ولنبدأ بمحاولة حصر بعض سمات الجماعات الوظيفية التي يتسم بها كل من المماليك، باعتبارهم جماعة وظيفية قتالية، وأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في الحضارة الغربية، فهذه السمات هي الأرضية المشتركة بين الفريقين. وسنلاحظ أن المماليك وأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية هم جماعات وظيفية عميلة تضطلع بوظيفة متميِّزة أو مشينة أو كريهة (القتال في حالة المماليك، والتجارة والربا وجمع الضرائب في حالة اليهود) . كما كان يتم استجلاب كل من المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية من خارج المجتمع، ليضطلعوا بوظيفة محدَّدة توكل إليهم، فهم غرباء نافعون يدخل معهم المجتمع في علاقة تعاقدية محددة. وكان يتم أيضاً عزل كل من المماليك وأعضاء الجماعة اليهودية عن بقية السكان، بل صارت العزلة الثقافية والإثنية أساس الانخراط في سلك هذه الجماعات. وهي عزلة تظهر في الأزياء التي كان يرتديها كلٌ من المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية، وفي اللغة التي كانوا يتحدثون بها (اليديشية أو الشركسية أو غيرها من اللغات) ، وفي طريقة قص الشعر أو تصفيفه. وكان يتم عزل أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو وعزل المماليك في الثكنات العسكرية. وكان العزل يتم أصلاً لأن الانتماء العاطفي والحضاري للمجتمع المضيف يجعل من الصعب على المحارب أن يقتل من يحب ويجعل من الصعب أيضاً على التاجر أو المرابي أن يسلب ثروات من تربطه بهم علاقة قرابة، فالاضطلاع بالمهمة القتالية أو المالية يتطلب الموضوعية والحياد اللذين يتسم بهما الغريب.

وكان أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية في الحضارة الغربية، والمماليك في المجتمعات العربية، يُعدّون ملكية خاصة للملك، وكلمة «مملوك» مشتقة من كلمة «ملْك» وتشير إلى العبد المملوكي وتعني «الخادم» أو «العبد» . أما أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى، فكان يُشار إليهم باسم «أقنان البلاط» ، (باللاتينية: «سيرفي كاميراي ريجيس servi camerae regis» ) وكلمة «سيرفوس servus» اللاتينية تعني «خادم» أو «قن» أو «عبد» . وقد كان كل من المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية قريبين من النخبة الحاكمة، فهم أداتها في الاستغلال والقمع والغزو، ولذا تَركَّز الفريقان في المدن. ولنا أن نلاحظ أن كلاًّ من المماليك وأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية يؤمن بأنه شعب مختار أو نخبة مختارة، وكان الإحساس بالحرية والحتمية (أو عبث الوجود) أمراً مشتركاً بينهما. كما أن أعضاء الجماعتين كانوا يطبقون معيارين أخلاقيين مزدوجين: واحد يُطبَّق على الجماعة الوظيفية المقدَّسة، والآخر على المجتمع المضيف المباح. وكان كل من المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية يمتلك أداة يجيد استخدامها أكثر من أعضاء المجتمع المضيف: السيف في حالة المماليك، ورأس المال الربوي والخبرة التجارية والإدارية في حالة أعضاء الجماعات اليهودية. ويُلاحَظ أن المماليك وأعضاء الجماعات اليهودية كانوا محط خوف الجماهير وكراهيتها، وأنهم سقطوا صرعى عمليات التحديث وظهور الدولة القومية الحديثة. ولعلنا لو قارنا إبادة المماليك على يد محمد علي وإبادة يهود الغرب على يد هتلر لاتُهمنا بالمبالغة والشطط، ولكنهما مع هذا مبالغة وشطط ينيران جوانب من الواقع.

ومع أن أحداً من الدارسين لم يستخدم اصطلاح «مماليك» لوصف وضع اليهود في الحضارة الغربية، فإن المؤرخ الأمريكي اليهودي جيكوب أجوس اقترب كثيراً من المصطلح حين قال: «إن مكانة اليهود كغرباء كانت مهمة، إذ أن الطبقة الحاكمة كانت تستخدمهم كما كانت تستخدم المرتزقة تماماً، وكانت تفضلهم على الصيارفة المحليين للسبب نفسه الذي كانت من أجله تفضل المرتزقة على الفرق المحلية» .
وعلى كل حال، يبدو أن فكرة «المماليك» كانت في ذهن المُشرِّع الغربي في العصور الوسطى مع أنه لم يستخدم المصطلح نفسه. فوضع اليهود كأقنان بلاط كان يستند إلى قصة أسطورية متداولة تهدف إلى إضفاء شيء من الشرعية على وضع فريد داخل المجتمع الإقطاعي الغربي. وتروي القصة أنه أثناء حصار القدس عام 60 ق. م، مات ثُلث اليهود من الجوع، وقُتل الثلث الثاني، أما الثُلث الأخير فقد قام المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس بإطعامهم ثم بيعهم للملك (أي الإمبراطور) تيتوس بعد سقوط القدس. وقد سلمهم الأخير إلى بلاط ملوك الرومان كي يصبحوا خدماً (أقناناً) للإمبراطورية على أن يقوم الملوك الرومان بحمايتهم. وقد بُعثت في القرن الرابع عشر الجزية الرومانية القديمة تحت اسم «ضريبة المليم» (بالألمانية: أوفربفينج Oferpfennig» ) دلالة على أن أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة قد ورَّثوا فسبسيان وتيتوس الهيمنة الكاملة على الشعب الذي هُزم واستُعبد مئات السنين من قبل.

وإذا كانت أسطورة الشرعية هذه طريفة بقدر ما هي ساذجة، فهذا هو الحال مع معظم أساطير الشرعية. وما يهُمنا هو أنها تفترض وجود علاقة مالك ومملوك بين الحاكم وأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في العصور الوسطى في الغرب. وبغض النظر عن سذاجة الأسطورة، فإن سلوك المجتمع الغربي في العصور الوسطى كان يفترض هذه العلاقة. ففي حالة قتل أحد اليهود، لم تكن الدّية تُدفَع لأسرة القتيل وإنما للإمبراطور أو الملك. كما كانت المواثيق تتحدث عن أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم أشياء تخص الملك ومن ميراثه ومنقولاته.
وقد أشار أجوس إلى أهم تجارب اليهود (المملوكية) في أوكرانيا. ومن المعروف أن ملوك بولندا لم ينجحوا في تجنيد البورجوازية في عملية تقليم أظافر طبقة النبلاء وتأسيس ملكية مطلقة كما حدث في باقي بلدان أوربا. بل حدث العكس، إذ استخدم النبلاء أعضاء الجماعة اليهودية أداةً لضرب البورجوازية وإضعاف مؤسسة الملكيَّة. وحينما ضمت بولندا أوكرانيا، اضطر النبلاء إلى إرسال أعضاء الجماعة اليهودية ليضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية الاستيطانية المالية في إطار ما نسميه «الإقطاع الاستيطاني» ، فكان أحد أثرياء اليهود يستأجر الضيعة بكل ما علىها ويدفع مبلغاً للنبيل الإقطاعي (البولندي الكاثوليكي) ثم يقوم هو بإدارتها وتحصيل عوائدها (الأرندا) ، وعادةً ما كان يُحضر أعضاء أسرته وذوي قرابته ويعيشون في مدن صغيرة أسسها لهم النبيل الإقطاعي تُسمَّى «شتتل» . وكان للوكيل اليهودي صلاحيات تقترب من صلاحيات النبيل الإقطاعي، كما كان يتدخل في كل النشاطات التجارية والحرفية وغيرها ليُوظفها لحسابه وليعتصر من دخل الفلاحين. فكان يفرض ضريبة على الملح وعلى المركبات وحتى على مفتاح الكنيسة، فإن أراد الفلاحون المسيحيون الأرثوذكس فتح الكنيسة كان علىهم دفع ضريبة للوكيل اليهودي.

وكان الموقف متفجراً تماماً، ولذا كانت تحمي الجماعة اليهودية الوظيفية الاستيطانية المالية جماعة أخرى وظيفية استيطانية قتالية هي الجيش البولندي، أي أننا هنا أمام مثل جيد لمماليك مالية لا ينقصها سوى السيف لتصبح مماليك قتالية. بل إن ملامح تحول الجماعة الاستيطانية المالية إلى جماعة استيطانية قتالية كان قد بدأ يتضح، ولذلك كانت المعابد تُبنَى كالحصون (ولهذا كان يُطلَق عليها «القلعة/المعبد» (بالإنجليزية: فورتريس سيناجوج fortress synagogue) وتُفتح في جدرانها كوات لإطلاق نيران المدافع وتُنصب فوقها البنادق. وقد نص القانون على أن كل رب عائلة من عائلات يهود الأرندا يتعيَّن عليه أن يحتفظ ببنادق بعدد الذكور وثلاثة أرطال من خراطيش البارود. وقد حاربوا في نهاية الأمر إلى جوار القوات البولندية ضد شميلنكي والقوزاق. ومما يجدر ذكره أن يهود بولندا يشكلون غالبية يهود العالم، بل هناك نظرية تذهب إلى أن جميع يهود الغرب من نسل هؤلاء لا من نسل اليهود الأصليين في معظم بلاد الغرب الذين تم استيعابهم في مجتمعاتهم.

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟ - جماعات وظيفية يهودية أخرى البغاء ـ الطب ـ الترجمة إلخ

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

جماعات وظيفية يهودية مختلفة
‏Different Jewish Functional Groups
الجماعات الوظيفية القتالية، هي أهم الجماعات الوظيفية على الإطلاق. ولكن هناك أشكالاً لا حصر لها ولا عد من الجماعات الوظيفية، تختلف باختلاف احتياجات كل مجتمع ومرحلة تطوُّره وخطابه الحضاري. ومن أهمها: الجماعات التي تعمل في قطاع اللذة والطب والترجمة والجاسوسية. ورغم تنوع وظائف هذه الجماعات إلا أنها تتسم بكل أو معظم السمات التي تتسم بها الجماعات الوظيفية الأساسية من تعاقدية ونفعية وحياد إلى عزلة وغربة وحركية وعدم انتماء للمكان والزمان وتمركز حول الذات والموضوع.

قطاع اللذة
‏Pleasure Sector
«قطاع اللذة» هو أحد القطاعات التجارية في المجتمع ويؤدي خدمة أساسية هي «الترفيه» وإشباع الملذات بطريقة شرعية أو غير شرعية. ونحن نُدرج تحت قطاع اللذة مهن مثل الراقصات ومهرجي السيرك والمضيفات في الملاهي الليلية و «العوالم» والبغايا وتجار المخدرات. كما يمكن أن يُضم إليه من يعمل في مجال السياحة والجانب الترفيهي من الإعلام ونجوم السينما ومضيفات الطيران.. إلخ.
وإذا كانت وظيفة عضو الجماعة الوظيفية، في وجه من وجوهها، أن يبيع للمجتمع المضيف خدمةً ما نظير مزايا يحصل عليها (فالتاجر والمرابي يمنحان المجتمع صلاتهما التجارية وخبرتهما المالية) ، فإن العاملين في قطاع اللذة في المجتمع يفعلون الشيء نفسه، فهو في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، قطاع تجاري مهمته تحقيق الربح لصاحب الاستثمار، دون الالتزام بأية مثاليات أو أخلاقيات، فهو يبيع سلعة تُسمَّى «اللذة» لا تختلف (في نظر البائع) عن أية سلعة أخرى مثل الكوكاكولا أو الخبز. وهو مثل أي تاجر محترف يحاول أن يوفر الخدمة للمستهلك على أحسن مستوى نظير أرخص الأسعار الممكنة. وفي حالة قطاع اللذة فإن صاحب الاستثمار يحقق هدفه عن طريق تعظيم اللذة مثل صناعة السينما (التي أصبحت ثاني أهم صناعة في الولايات المتحدة) والملاهي الليلية والبغاء والسياحة. ويدير قطاع اللذة، عادةً، عناصر مهاجرة أو أعضاء أقليات محلية لا تؤمن بالمنظومة القيمية الحاكمة في المجتمع (نظراً لهامشيتها أو عدم تجذرها) على عكس أعضاء الأغلبية الذين يعيشون داخل هذه المنظومة وحسب قواعدها ويبذلون قصارى جهدهم في الحفاظ عليها. ويتوفر لدى أعضاء هذه الأقلية، عادةً، قدر من الخبرات اللازمة لإدارة هذا القطاع مما قد لا يتوفر لأعضاء الأغلبية. وحتى بعد أن تتآكل المنظومة القيمية الحاكمة في المجتمع، ويكتسب بعض أعضاء الأقليات الخبرات اللازمة، يظل هناك وجود ملحوظ لأعضاء الأقليات من المهاجرين. وقد لوحظ تركُّز

أعضاء الجماعات اليهودية في هذا القطاع (انظر الباب المعنون «الكوميديا والسينما والجماعة اليهودية» في المجلد الثالث) .
البغاء وتجارة الرقيق الأبيض
‏Prostitution and White Slavery
«البغاء» هو أحد الوظائف المندرجة تحت قطاع اللذة. وتعريف البغاء أمر خلافي وإن كان قد تم الاتفاق على أن البغي هي من تقوم بإشباع الرغبات الجنسية لعملائها نظير أجر تتقاضاه، ولذا يرى بعض الدارسين أن البغاء نشاط اقتصادي وحسب، فهو تجاري في جوهره، وأن «البغيّ» إن هي إلا عاملة جنس (بالإنجليزية: «سكس وركر sex worker» ) وهم بذلك يرون أنهم قد طوروا مصطلحاً محايداً، منفصلاً عن المنظور القيمي.

وكلمة «البغاء» تقابلها في العبرية كلمة «زينوت» . وقد كانت البغيُّ شخصية مقبولة وإن كانت مُحتقَرة في المجتمع العبراني القديم. ففي سفر التكوين (38/14 ـ 19) جاء أن يهودا عاشر عاهرةً نظير أجر. ولا يوجد في السياق ما يدل على أن هذا أمر مرفوض أخلاقياً (وقد اتضح فيما بعد أن العاهرة هي تامار زوجة ابنه الذي مات، وقد أنجبت من والد زوجها طفلين) . ويذكر سفر يشوع قصة العاهرة راحاب التي ساعدت العبرانيين على دخول أريحا (يشوع 2/1 ـ حتى نهاية السفر) . وترد في سفر الملوك الأول 3/16) ـ 27) قصة سليمان مع الأُمَّين اللتين تنازعتا طفلاً، وهما في القصة عاهرتان. وتوجد في سفر القضاة (16/1) إشارة إلى زيارة شمشون لعاهرة في غزة. بل ويمكن أن نفهم من السياق في العهد القديم أن إبراهيم قد استفاد مالياً من العلاقة الجنسية لزوجته بفرعون مصر، وقد تكررت الحادثة بعد ذلك. كما يبدو أن إستير (البطلة اليهودية التي يُقرأ السفر المسمَّى باسمها في عيد النصيب) هي الأخرى عاهرة. والإشارات والقصص كافة تفترض أن مهنة البغاء مهنة طبيعية، قد تكون وضيعة ولكنها، مع هذا، جزء من البناء الاجتماعي والأخلاقي. وقد ورد في العهد القديم فقرات لا تُحرِّم البغاء في حد ذاته، وإنما تُحرِّم على العبرانيين أن يدعوا بناتهم يعملن بهذه المهنة: «لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة» (لاويين 19/29) ، وهناك فقرات تُحرِّم على الكهنة الزواج من عاهرات: «امرأة زانية أو مدنَّسة لا يأخذ ولا يأخذوا امرأة مطلقة من زوجها» (لاويين 21/7) . وهي تحريمات ليست عامة أو مطلقة وإنما مقصورة على أفراد معيَّنين وتحت ظروف معيَّنة. ولذا، فإننا نجد إشارات عديدة في العهد القديم إلى عاهرات يقمن بوظيفتهن بشكل شبه عادي (أمثال 7/10 ـ 23، أشعياء 23/16، ملوك 22/38) .

ورغم وجود البغاء بين الذكور والإناث في المملكة العبرانية المتحدة، ثم في المملكتين الشمالية والجنوبية، فإن البغاء المقدَّس الذي كان يُمارَس آنذاك في الشرق الأدنى القديم لم يجد طريقه إلى العبادة اليسرائيلية. كما كان يتم طرد البغايا في فترات الإصلاح الديني بسبب ارتباط البغاء بالعبادات الوثنية. وكان الأنبياء يستخدمون الزنى كصورة مجازية للتعبير عن انصراف الشعب عن الإله وخيانته إيَّاه. ومع هذا يبدو أن بعض طقوس العبادات الكنعانية، ذات الطابع الجنسي الواضح، قد وجدت طريقها إلى العبادة اليسرائيلية.
ويُحرِّم التلمود البغاء بين اليهود تماماً. وهناك أجزاء كثيرة في التلمود تنعت البغاء بكل الصفات السلبية، وتبين عقوبة من يعمل بهذه المهنة البغيضة. وبشكل عام، فقد اختفت المهنة بين اليهود في العصور الوسطى وما بعدها، لكن هذا لم يمنع وجود حالات من البغايا اليهوديات والقوادين اليهود. ورغم أن المواخير كانت، في كثير من الأحيان، تُشيَّد خارج المدينة، بالقرب من الجيتو، فإن عدد اليهود الذين اشتغلوا بهذه المهنة كان نادراً بالقياس إلى النسبة السائدة بين الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. وقد وردت أحكام في الشريعة اليهودية ضد العاهرات اليهوديات، وضد اليهود الذين يزورون المواخير. ولكن الشريعة اليهودية تقر حق العاهرة في الحصول على أجرها، كما تعطي حق الطلاق لليهودية التي يذهب زوجها إلى ماخور. ومع هذا، فإن التلمود يعتبر إناث الأغيار «زوناه» ، أي عاهرات حتى لو تهودن.

وفي العصر الحديث، ومع مشاكل التحديث في الغرب، أخذت الصورة تتغيَّر بشكل جوهري. ففي الفترة بين عامي 1880 و1930، عمل عدد كبير من اليهود في تجارة الرقيق الأبيض قوادين وعاهرات، وأصبحت منطقة الاستيطان في روسيا، خصوصاً جاليشيا، أهم مصدر للعاهرات في العالم بأسره، وامتدت شبكة الرقيق الأبيض اليهودية من شرق أوربا إلى وسطها وغربها، ومنها إلى الشرق، فكانت هناك مراكز في جنوب أفريقيا ومصر والهند وسنغافورة والصين. وقد أصبح البغاء جزءاً من حياة قطاعات بعض يهود اليديشية في شرق أوربا حتى صار عملاً محايداً ـ مجرد نشاط اقتصادي ومصدر للرزق ـ وتحولت قطاعات من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تعمل بالبغاء. وقد أشار أحد الأطباء اليهود من غرب أوربا إلى أن كثيراً من أمهات البغايا كن ينظرن إلى البغاء باعتباره مصدراً مشروعاً للرزق. ومسرحية الانتقام للكاتب اليديشي شولم آش توضح هذه الصورة، فبطل المسرحية يدير ماخوراً للدعارة في الدور الأرضي من منزله، ولكنه يصر على أن هذا لا علاقة له بالقيم الأخلاقية التي تسود بين أعضاء أسرته (وازدواجية الأخلاق هي إحدى سمات الجماعة الوظيفية) . وبغتة تفر ابنته من المنزل وتعمل بالدعارة في ماخور آخر. وحين تعود نادمة على فعلتها، يرفضها أبوها ويرسلها إلى الدور الأرضي لتعمل فيه مع بقية البغايا. وقد أصبحت البغيّ اليهودية شخصية معروفة في كثير من عواصم أوربا وإلى جوارها القواد اليهودي الذي لم يكن يكتفي بطبيعة الحال بتجنيد البغايا اليهوديات، وإنما كان يتاجر بفتيات من كل قطاعات المجتمع. وقد أصبح القفطان (زي يهود اليديشية) رمز تجارة الرقيق الأبيض، كما أصبحت اليديشية لغة هذه التجارة. وقد زاد عدد البغايا اليهوديات بشكل واضح في النمسا حيث زاد عدد اليهود في فيينا من بضعة آلاف في منتصف القرن التاسع عشر إلى مائة وخمسين ألفاً مع نهايته، وحيث زادت معدلات العلمنة بشكل واضح وتفشت قيم اللذة.

وقد ذهب هتلر إلى فيينا، ولاحَظ الوجود اليهودي في هذه التجارة المشينة، وسجل ملاحظته في كتابه كفاحي. كما شهدت ألمانيا نفسها نشاط البغايا والقوادين اليهود بشكل مكثف إذ أنها كانت المعبر بين جاليشيا وبقية العالم. وقد ترك ذلك أثره بطبيعة الحال في أدبيات معاداة اليهود التي وجدت في هذا قرينةً على مؤامرة اليهود على العالم ومحاولتهم إفساده، وخصوصاً أنهم كانوا مُركَّزين بشكل واضح أيضاً في المجلات الإباحية وفي القطاعات الاقتصادية المماثلة.
وكانت الأرجنتين تُعَدُّ أهم مراكز البغاء اليهودي في العالم (وتوجد هناك، حتى الآن، دار للمسنين تضم البغايا اليهوديات المسنات) . وقد بلغ تجار الرقيق الأبيض اليهود درجة من القوة مكنتهم من التحكم في المسرح اليديشي، وفي جوانب أخرى كثيرة من حياة الجماعة اليهودية. ويرجع هذا إلى وجود قطاع اقتصادي لا بأس به، من بقالين وأصحاب عقارات وخياطين وغيرهم، مرتبط بهؤلاء التجار، ولذا فقد كونوا جماعة ضغط. ولكنهم، مع هذا، فشلوا في السيطرة على الجماعة اليهودية بشكل تام، كما فشلوا في الحصول على القبول الاجتماعي من جانبهم. وقد كانت الجماعة تطلق عليهم مصطلح «تميم» ، أي «المدنَّسين» ، فاضطروا إلى تكوين جماعة يهودية مستقلة. وبرغم اشتغال هؤلاء القوادين بالبغاء، فإنهم أصروا على التمسك بهويتهم اليهودية، فكانت لهم معابدهم وحاخاماتهم وقبورهم، كما كانوا يحتفلون بالأعياد اليهودية. وهكذا كانت بوينس أيريس عاصمة البغاء في العالم.

ولا يمكن إنكار ما يقوله أعداء اليهود عن بروزهم في تجارة الرقيق الأبيض في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، فهذه حقيقة واقعية نؤثر أن نسميها «واقعة جزئية» مقابل «الحقيقة الشاملة» . ولكن تقرير الواقعة الجزئية دون ذكر الحقيقة الشاملة هو جوهر العنصرية. فهذه الأدبيات لا تحدِّد ما إذا كانت هذه الواقعة مسألة أزلية ثابتة ذات دلالة عامة بالنسبة إلى ما يُسمونه «الطبيعة اليهودية» أم أنها تفصيلة عرضية متغيِّرة ليس لها أية دلالة. كما أن هذه الأدبيات تُخفي بعض الحقائق التي قد تمكِّننا من فهم الحقيقة بشكل أوسع.

وفي محاولة تفسير هذه الواقعة، يجب أن نشير إلى أن نهايات القرن التاسع عشر كانت مرحلة تَعثُّر التحديث في شرق أوربا حيث أُغلقت أبواب الحراك الاجتماعي واضمحل الأمل في المستقبل بالنسبة إلى عدد كبير من اليهود الذين أدَّت عمليات التحديث إلى طردهم من أعمالهم التقليدية. فكان نصف عدد يهود جاليشيا البالغ عددهم ثمانمائة ألف متعطلين عن العمل، وكان بينهم تسعة وثلاثون ألف أنثى كن مصدراً خصباً للبغايا. ولكن الفقر في حد ذاته لا يؤدي أبداً إلى انتشار ظاهرة كالاشتغال بالبغاء، إذ لابد أن تصاحب ذلك تحولات في البيئة الاقتصادية (والأخلاقية والنفسية) للمجتمع، تُطَبِّع إلى حدٍّ ما مثل هذه المهن وتعطيها قسطاً من القبول الاجتماعي. ومع تزايد حركة التصنيع، شهدت هذه الفترة تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن الكبرى. لكن سكنى المدن والتركز فيها ليس مسألة مادية خارجية، وإنما هو شيء يُحدث تحولات نفسية وأخلاقية عميقة. وقد كانت الفترة التي انتشر فيها الرقيق الأبيض فترة انفجار سكاني بين يهود شرق أوربا، كما كانت فترة الهجرة الأوربية واليهودية الكبرى إلى الولايات المتحدة، والهجرة تؤدي عادةً إلى خلخلة الأخلاق. وقد صاحب ذلك تزايد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، وهو ما كان يعني زيادة الرغبة في الاستهلاك ونقصان المقدرة على احتمال الفاقة (مع تآكل قيم مثل الزهد والقناعة) . وقد أدَّى كل ذلك إلى تفكك الأسرة، وفقدان الأب السيطرة والهيبة التقليدية، كما فقدت المؤسسة الدينية اليهودية ذاتها معظم شرعيتها وسيطرتها بسبب هجمة الدولة القومية العلمانية عليها. وقد ساعدت وسائل الاتصال الحديثة على سرعة انتشار تجارة الرقيق الأبيض، شأنها في هذا شأن أية تجارة أخرى.

ومن الأسباب الأخرى التي ساعدت على انتشار البغاء بين إناث اليهود تشدُّد العائلات اليهودية، فكثيراً ما كانت الفتاة تخطئ مرة واحدة فترفض الأسرة السماح لها بالعودة. كما كان التعليم الديني مقصوراً على الذكور، ولذا كانت الفتيات يتلقين تعليماً علمانياً (خارج المدارس التلمودية العليا) ، وهو ما زاد من معدل علمنتهن. وكان كثير من الفتيات اليهوديات يتسمن بالسذاجة نظراً لأن عزلة الجيتو وقبضة الأسرة اليهودية القوية شكلَّت سياجاً حال بينهن وبين الواقع الأوربي الذي كان يتغيَّر وتتغيَّر أخلاقياته بسرعة غير مألوفة في تاريخ البشرية بأسره.
وقد ساهمت الطقوس اليهودية الخاصة بزواج المطلقة أو الأرملة في انتشار البغاء، إذ لم يكن يُسمَح للمرأة بأن تتزوج مرة أخرى إلا بعد حصولها على «جيط» وهي شهادة شرعية تصدرها المحاكم الحاخامية. ولكن الحصول على مثل هذه الشهادة كان أمراً في غاية الصعوبة، الأمر الذي أدَّى إلى وجود عدد كبير من المطلقات والأرامل ممَّن لا يحق لهن الزواج. وقد بلغ عددهن 25 ألفاً في بولندا (بعد الحرب العالمية الأولى) .
ومن الحقائق المشينة أن الحكومة الروسية كانت تعتبر أن وظيفة البغاء من الوظائف التي تسمح لصاحبتها بمغادرة موطن الاستيطان (باعتبار أن البغاء تجارة متميِّزة ونافعة، وكان التجار المتميزون والعاملون بوظائف نافعة يتمتعون بحق ترك منطقة الاستيطان متى شاءوا) . وقد خلق هذا وضعاً شاذاً إذ أصبح بوسع الفتاة التي تعمل بهذه الوظيفة أن تترك أسرتها وتذهب إلى موسكو (على سبيل المثال) بعيداً عن سلطة أسرتها ثم تعود بعد فترة ومعها ثروة لا بأس بها، وهو ما كان يدعم مكانتها داخل الأسرة ويقوِّض هيمنة الأب وشرعيته. ومن الأسباب التي أدَّت إلى انتشار البغاء في الأرجنتين أن التجارب الاستيطانية فيها اتسمت بزيادة عدد الذكور، وهو ماخلق سوقاً رائجة للبغايا.

ومن أهم العناصر التي أدَّت إلى انتشار تجارة الرقيق الأبيض أن اليهود كانوا يشكلون في الحضارة الغربية جماعةً وظيفية تشتغل بكثير من الأعمال الهامشية في المجتمع، أو الأعمال المشبوهة من الناحيتين الأدبية والمادية مثل العمل بالمجاري ومثل الأعمال التي تتطلب قدراً كبيراً من الحياد كالتجارة والربا، كما كانوا يتجهون إلى الأعمال الجديدة التي تتطلب روح الريادة. وتجارة الرقيق الأبيض تنطبق عليها كل هذه المواصفات، فهي تجارة هامشية تتطلب قدراً كبيراً من الحياد وعدم الالتزام العاطفي أو الأخلاقي تجاه أعضاء المجتمع، وهي وظيفة مشبوهة أخلاقياً. كما أن الفترة التي راجت فيها هذه التجارة هي فترة مفصلية، ومثل هذه الفترات تملؤها عادةً الجماعات الوظيفية، وهي في الواقع مفصلية من ناحيتين: أولاً، كانت معدلات العلمنة في المجتمع الغربي قد ارتفعت بشدة. ولكن يُلاحَظ أن علمنة الرغبة قد سبقت علمنة السلوك، وقد نجم عن ذلك أن تفتحت شهية الإنسان الغربي لاستهلاك السلع والنساء. ولكن الحرية الجنسية لم تكن قد انتشرت بعد، ذلك لأن علمنة الرؤية الأخلاقية وعلمنة السلوك تستغرقان وقتاً أطول. كما أن أعضاء الجماعات اليهودية في هذه المرحلة كانوا قد فقدوا دورهم التقليدي داخل قطاعات اقتصادية معيَّنة، وفقدوا مكانتهم السياسية، وكان القهال كتنظيم اجتماعي سياسي قد تآكل تماماً. وفي الوقت نفسه لم يكن قد تم دمجهم في المجتمعات الغربية. وقد تزامنت هذه المرحلة الانتقالية مع المرحلة المفصلية نفسها التي أشرنا إليها. ومن الملاحظ أن هذه المرحلة نفسها هي التي شهدت ازدهار اللغة اليديشية والفكر الصهيوني وحزب البوند. ومع نهاية المرحلة المفصلية، اختفت معظم هذه الظواهر بسبب اندماج يهود العالم الغربي في مجتمعاتهم، وكذلك بسبب إبادتهم.

ومن الأمور المهمة التي يُسقطها أعداء اليهود أنه كانت توجد أعداد كبيرة من البغايا غير اليهوديات، وأن ظاهرة البغيّ اليهودية بدأت تختفي بعد الثلاثينيات كظاهرة متميِّزة لها دلالتها. والأهم من هذا، أن أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية شنوا حرباً شرسة ضد هذه التجارة المشينة، وكان هذا من أهم العناصر التي أدَّت إلى القضاء عليها.
أما في إسرائيل، فإن الصورة مختلفة إلى حدٍّ كبير. فيُلاحَظ زيادة البغاء بشكل واضح حتى بين طالبات المدارس والفتيات القاصرات. بل إن إسرائيل تُصدِّر العاهرات أيضاً إلى دول العالم الغربي. ففي فرانكفورت، يُلاحَظ وجود عدد كبير من العاهرات الإسرائيليات. وفي أمستردام، تزايد عدد القوادين الإسرائيليين، حتى أن لغة الدعارة هناك أصبحت العبرية أو رطانة عبرية. وهناك، في إسرائيل، اتجاه لإصدار قانون يبيح البغاء. وبحسب مشروع القانون المذكور، يُسمَح للمرأة الوحيدة (أي غير المتزوجة) بممارسة البغاء في بيت أو فندق أو سيارة أو قارب، كما يُسمَح لها بنشر «الإعلانات المعقولة» . وعلى كلٍّ، فإن الصحافة الإسرائيلية زاخرة بمثل هذه الإعلانات «المعقولة» حتى قبل صدور القانون.
ويبدو أن ما بين 15ـ 20% من المهاجرين السوفييت من النساء اشتغلن بالبغاء ـ وهو شكل من أشكال بيع الطاقة العضلية، حيث يصبح النشاط الجنسي نشاطاً اقتصادياً موضوعياً محايداً ـ فالبغي حالة متطرفة من الإنسان المرتزق. ويبدو أن هذا السلوك كان محايداً للغاية إذ كانت النساء يعملن بعلم أعضاء الأسرة وموافقتهم، وهو الأمر الذي سبب صدمة للإسرائيليين الذين لم يصلوا بعد إلى هذا المستوى العالي من الحياد والموضوعية والمادية.
الطب
‏Medicine
يُلاحَظ أن العمل في القطاع الطبي يُوكَل أحياناً لجماعة وظيفية. وقد كانت مهنة الطب، في كثير من المجتمعات، يضطلع بها بعض أعضاء الجماعة اليهودية للأسباب التالية:

1 ـ يتطلب العمل بهذه المهنة معرفة خاصة ومراناً خاصاً، وهو ما قد لا يتوافر لأعضاء المجتمع.
2 ـ يطَّلع الطبيب على كثير من الأسرار من خلال احتكاكه بالمرضى. ولذا، فإن الطبيب إذا كان عضواً في المجتمع، فهو يشكل خطراً عليه وعلى ترابطه وتراحمه وعلى أمنه.
3 ـ في حالة الأطباء الذين يعملون في معيَّة أعضاء النخبة الحاكمة، يمثل هذا الطبيب مشكلة أمنية إذ يمكنه أن يتحول إلى أداة (فتك أو تجسس) في الصراعات الدائرة، كما يمكنه أن يراكم الأسرار عنده ويستخدمها ضد النخبة الحاكمة. وإن كان ثمة قاعدة شعبية يتركز فيها فقد يتراكم عنده من الأسرار والقوة ما يجعله يهدد نظام الحكم.
لكل هذا، كانت كثير من المجتمعات التقليدية يعهد بوظيفة الطب إلى بعض أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم جماعة وظيفية (لأنهم يُستورَدون من خارج المجتمع) ، خصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية ارتبطوا بالسحر لأسباب تاريخية كثيرة، فكان يُنظَر إليهم باعتبارهم سحرة قادرين على شفاء الأمراض. وقد كان التلمود يحوي عناصر كثيرة من الطب الشعبي، كما كان كثير من الحاخامات يمارسون مهنة الطب. ولعل قوانين الطعام اليهودية، والذبح الشرعي، ساهمت هي الأخرى في توليد وعي عند أعضاء الجماعة اليهودية بالأمور الطبية. ولكل هذا، تركَّز أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المهنة، ومن ثم ساهموا في تطوير كثير من الأدوية والممارسات الطبية.

وقد استمر هذا الوضع حتى القرن العشرين، ولا تزال له فعالية إلى حدٍّ ما، حتى بعد أن تحول أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة وظيفية وسيطة إلى طبقة وسطى. ويعود هذا إلى ميراث الجماعات اليهودية المهني والوظيفي والاقتصادي. كما أن أبناء المهاجرين عادةً ما يتجهون إلى مهن الياقات البيضاء التي تحتاج ممارستها إلى قدر عال من التعليم وإلى رأسمال صغير، الأمر الذي ينطبق على أعضاء الجماعة اليهودية، كما ينطبق على غيرهم من الجماعات المهاجرة إلى الولايات المتحدة مثل الهنود والمصريين.
ومما يجدر ذكره، أن كثيراً من اليهود الألمان الذين كانوا يعملون في قطاع الطب ساهموا في تطوير ما يُسمَّى الآن «قواعد الصحة النازية» ، وهو ذلك الفرع من العلم الطبي الذي كان يهدف إلى توظيف الإنسان بشكل مادي كفء؛ باعتباره مادة نافعة متحوسلة وبحيث تُطبَّق قوانين الوراثة بشكل منهجي على البشر ويتم القيام بعمليات تفريخ تهدف إلى تحسين النسل ويُطبَّق القتل الرحيم على من يرى العلم الطبي ضرورة قتلهم. كما كانت تجرى على البشر تجارب لا تكترث بهم كثيراً ما دامت ستؤدي إلى مراكمة المعلومات الطبية. وقد ظل هؤلاء الأطباء الألمان اليهود في وظائفهم إلى أن طردهم النازيون منها بعد استيلائهم على الحكم.
ولا يمكن أن نفسر ظاهرة اشتراك الأطباء من أعضاء الجماعة اليهودية في هذا الطب الشيطاني اللا إنساني على أساس بُعْد يهودي خاص، فقد كانوا يتصرفون كأطباء ألمان يتحركون داخل إطار الحضارة الغربية الملتزمة بقيم الحياد العلمي اللاإنساني.

الترجمة
‏Translation
عادةً ما تقوم بالترجمة شخصيات حركية قادرة على الانتقال من مجتمع إلى آخر تتملك ناصية لغاتها وخطابها الحضاري. وقد لعب بعض أعضاء الجماعات اليهودية دوراً نشيطاً في عمليات الترجمة لعل من أهمها ما تم في أوربا، في القرن الثاني عشر، حيث كان بعض يهود شبه جزيرة أيبريا، ممن نشأوا في إطار الثقافة العربية الإسلامية فيها، ينتقلون بين القطاعين الإسلامي والمسيحي وبين العالم الإسلامي والعالم المسيحي. وبذا أصبحوا مزدوجي الثقافة. ولا شك في أن تركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في التجارة الدولية بعض الوقت أتاح لهم فرصة تملك ناصية العديد من لغات العالم الإسلامي والمسيحي (والشرق الآسيوي أيضاً) .
وبسبب وجود هذه الخبرة الفريدة عند بعض أعضاء الجماعات اليهودية، وبسبب إحساس الحاكم بالأمن تجاههم (فليس لهم قاعدة شعبية، ولا يمكنهم استخدام المعلومات التي يعرفونها من خلاله ضده) ، نجد أن كثيراً من حكام العالم الإسلامي والعالم المسيحي كانوا يستخدمون بعض أعضاء الجماعات اليهودية كمترجمين وكرسل لهم (سفراء) للبلاد الأخرى. ولا يزال يُلاحَظ وجود ملحوظ لأعضاء الجماعات اليهودية في أعمال الترجمة والدراسات اللغوية، على عكس السلك الدبلوماسي حيث يُلاحَظ تناقص عددهم واختفاؤهم تماماً في بعض البلاد حيث أصبحت الدولة المركزية لا تُوكل مثل هذه الوظائف إلا لأبناء البلد لأسباب أمنية.

الجاسوسية اليهودية والجواسيس اليهود
‏Jewish Espionage and Jewish Spies
«الجاسوسية اليهودية» مصطلح يفترض أن ثمة نشاطاً يهودياً عالمياً يقوم به أعضاء الجماعات اليهودية وأن ثمة نموذجاً عاماً تفسيرياً ونمطاً متكرراً يمكن من خلاله تفسير هذا النشاط، وهو نموذج يفترض أن يهودية الجواسيس وانتماءهم للجماعات اليهودية هو الذي يفسر اضطلاعهم بهذه الوظيفة ومن ثم فهم «جواسيس يهود» . وحيث إننا لم نعثر على مثل هذا النموذج، فإننا نفضل أن نتحدث عن «الجواسيس من أعضاء الجماعات اليهودية» حتى يتم تفسير وتصنيف كل حالة على حدة من خلال ملابساتها الخاصة، ومن خلال نموذج الجماعة الوظيفية.
الجواسيس من أعضاء الجماعات اليهودية
‏Spies from Members of Jewish Communities
لا يمكن بدايةً أن نزعم أن الكثيرين من اليهود يعملون كجواسيس، إذ أن هذه المسألة لم تُدرَس بطريقة إحصائية تجعل التعميم ممكناً، ومع ذلك فيمكننا أن نزعم أن الانطباع الأوَّلي يدل على أن سلوك أعضاء الجماعات اليهودية لا يختلف كثيراً في هذا المجال عن سلوك أية جماعة إنسانية أخرى تعيش الظروف نفسها.
ومع هذا، يمكن تصنيف الجواسيس باعتبارهم من الجماعات الوظيفية. والجاسوس، أصلاً، ليس بغريب وإنما هو عضو في الجماعة، ولكنه يتعاقد مع قوة خارجية توظفه ليعمل لصالحها داخل مجتمعه أو بين أعضاء المجتمع المضيف فيخلق مسافة بينه وبين المجتمع وينظر إليه بحياد شديد ويرصده بموضوعية لحساب القوة الخارجية بحيث تختفي العلاقة التراحمية وتحل محلها علاقة موضوعية باردة.

وقد أصبحت الجماعات اليهودية، بعد انتشارها في العالم، ولاسيما العالم الغربي، جماعات وظيفية. وقد نجم عن ذلك أن أعضاءها أصبحوا عنصراً متحركاً لا يدين بالولاء لأحد، وأصبحت ثمة قابلية لأن يتم تجنيد الجواسيس من صفوفهم بسهولة، خصوصاً أنهم تواجدوا في المناطق الحدودية. وقد قام قمبيز، حسبما جاء في تاريخ هيرودوت، بإرسال جواسيس يهود إلى مصر قبل أن يقوم بغزوها ليأتوه بالمعلومات. وأدَّى انتشار الجماعات اليهودية إلى قيام شبكة اتصالات يهودية لا تقوم بتسهيل عملية تبادل البضائع والأموال وحسب، وإنما تقوم أيضاً بتوصيل المعلومات بسرعة. وقد استفاد من ذلك يهود البلاط، في القرن السابع عشر، في الحصول على المعلومات وتوصيلها إلى الحكومات التي يدينون لها بالولاء. وقد حاول أوليفر كرومويل الاستفادة من هذه الشبكة لا على المستوى التجاري وحسب وإنما على المستوى المعلوماتي أيضاً، إذ كان يفكر في توظيف اليهود ليعملوا له كجواسيس.
ويبدو أن نابليون قد فكر في توظيف اليهود ليعملوا جواسيس لحسابه (وقد أخبر هرتزل ملك إيطاليا بهذه الحقيقة) . وإبَّان غزو نابليون لروسيا، جند نابليون بعض اليهود للتجسس لحسابه، لكن أغلبية اليهود تجسسوا عليه لحساب الحكومة القيصرية لأن المؤسسة الدينية كانت تعتبره عدوها الأكبر.
وإبَّان الحرب الفرنسية الألمانية، كانت الاستخبارات الفرنسية تجند يهود الألزاس واللورين الذين يعرفون الألمانية ليتجسسوا لحساب فرنسا. وقد اتُهم دريفوس، وهو من أصل ألزاسي، بأنه يتجسس لحساب ألمانيا. بل وكان هرتزل يود، ضمن مخططه الصهيوني، أن يحوِّل يهود العالم إلى عملاء لبريطانيا العظمى.

ويفترض الصهاينة أن يهود العالم هم أعضاء في الشعب اليهودي، ومن ثم فإن ولاءهم لابد أن يتوجه إلى الدولة الصهيونية. وانطلاقاً من هذا المنظور، تحاول أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية ليعملوا من أجل المصالح الصهيونية. وانطلاقاً من هذا أيضاً، تم تجنيد بعض يهود البلاد العربية قبل وبعد عام 1948 للتجسس لصالح المُستوطَن الصهيوني (جماعة نيلي - حادثة لافون ... إلخ) . وتبين حادثة بولارد في الولايات المتحدة أن المؤسسة الصهيونية لا تزال تتحرك داخل الإطار نفسه. لكن من الضروري الإشارة إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة رفضوا هذا التعريف الصهيوني لهويتهم.
وتشك المؤسسة الصهيونية في المهاجرين السوفييت، ولا توظفهم في الأعمال العسكرية خشية أن يكون بينهم جواسيس قام الاتحاد السوفيتي (سابقاً) بتسريبهم إلى صفوفهم.
نيلي
‏Nili
كلمة «نيلي» هي صيغة اختصار للعبارة العبرية «نيتساح يسرائيل لو يشاكير» أي «مجد إسرائيل لن يسقط» . وهي منظمة استخبارات صهيونية سرية أسسها عام 1915 في فلسطين أفشالوم فينبرج، وتولى قيادتها أهارون أرونسون، وكان من بين أعضائها أخته سارة. وكان الهدف من تشكيل هذه المنظمة مساعدة بريطانيا في صراعها ضد الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى، باعتبار أن انتصار بريطانيا سيتيح الفرصة لتحقيق المشروع الصهيوني، وبخاصة بعد فشل هجوم القوات العثمانية على قناة السويس في ربيع عام 1915.

وبالتعاون مع الاستخبارات البريطانية، استطاعت المنظمة (التي بلغ عدد أعضائها نحو 40 فرداً) نشر شبكاتها في العديد من أنحاء فلسطين. ووصل نشاطها إلى ذروته مع تعيين أرونسون مستشاراً للقائد العسكري العثماني جمال باشا، ومع نجاح المنظمة في تجنيد أحد ضباط الجيش العثماني وهو نعمان بكليف. ومن خلال هذا التغلغل في أوساط القوات العثمانية، أمدت نيلي القوات البريطانية بالكثير من المعلومات الحيوية حول استعدادات الجيش العثماني ومواقعه في غزة وبئر سبع، وهو ما كان له أبلغ الأثر في حسم معركة جنوب فلسطين عام 1916 لصالح بريطانيا والحلفاء. ورغم ذلك، نجحت السلطات العثمانية في اكتشاف منظمة نيلي والقبض على أعضائها وتصفيتها عام 1917.
وبرغم معارضة قادة التجمع الاستيطاني في فلسطين لنشاط المنظمة أثناء وجودها، وذلك خوفاً من انتقام السلطات العثمانية في حالة كشفها، إلا أنهم غيَّروا موقفهم بعد تصفيتها، وأصبحت جهود نيلي في خدمة بريطانيا إحدى الأوراق المهمة التي لوحت بها الحركة الصهيونية للحصول على وعد بلفور. وعلى هذا النحو، يُبرز نشاط نيلي الترابط الوثيق بين مصالح الحركة الصهيونية والمصالح الاستعمارية، كما يوضح سعي الصهاينة الأوائل لوضع حركتهم داخل الإطار الاستعماري الغربي وتقديم أنفسهم للعمل كأداة لهذه القوة الاستعمارية أو تلك، وهو ما يشكل سمة أساسية للحركة الصهيونية منذ نشأتها حتى اليوم.
قضية لافون
‏Lavon Affair

«قضية لافون» نسبة إلى بنحاس لافون، وهي تشير إلى واحدة من أهم عمليات التخريب التي قامت الدولة الصهيونية بتدبيرها، ممثلة في تلك التفجيرات التي قام بها بعض أعضاء الجماعة اليهودية في مصر عام 1953. والجدير بالذكر أن دعاة الصهيونية يذهبون إلى أن إسرائيل هي المركز وأن أعضاء الجماعات اليهودية هم الأطراف والهامش، ولذا فمن حق الحركة الصهيونية (والحكومة الصهيونية) أن تحول يهود العالم إلى أداة توظفها في خدمتها، أي تحولهم إلى جماعة وظيفية تعمل بالتجسس والإرهاب لصالحها.
وقد كوَّنت الوكالة اليهودية في العشرينيات شبكة تجسس، كان لها فروع في العالم العربي، وكانت تعمل سراً تحت ستار تنظيمات شرعية. مثل أندية حركة المكابي الرياضية أو المنظمات الخيرية اليهودية الكثيرة. وفي الثلاثينيات أنشأت الهاجاناه قسماً للاستخبارات برئاسة موشى (شيرتوك) شاريت أول رئيس وزراء لإسرائيل. وأنشأت الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) سنة 1937 مركزاً لتدريب اليهود العرب على القيام بأعمال التجسس على مواطنيهم، وأُطلق على هؤلاء الجواسيس اسم «الأولاد العرب» .

وفي أعقاب قيام دولة إسرائيل، استمرت عملية تجنيد اليهود العرب للقيام بأعمال التجسس والتخريب. وتخبرنا الموسوعة اليهودية (جودايكا) بأنه كانت هناك «حركة صهيونية سرية على درجة عالية من التطور» في مصر تعمل في خدمة الصهيونية. وكان من الشخصيات البارزة في هذه الحركة المواطن اليهودي المصري موشى مرزوق الذي وُلد في القاهرة سنة 1926. وجاء في الموسوعة ذاتها أنه بدلاً من أن يرتبط هذا المواطن اليهودي المصري ببلاده كان «على اقتناع بأن مستقبل جميع اليهود المصريين يكمن في الهجرة إلى أرض إسرائيل التاريخية» . ونتيجةً لهذا، كرس حياته لتحقيق الأهداف الصهيونية، فقام بتجنيد اليهود الشبان ليذهبوا إلى إسرائيل. وكان باستطاعته هو نفسه أن يغادر البلاد، ولكنه قرر أن يبقى في وظيفته بالمستشفى الإسرائيلي بالقاهرة، وأن يعمل من أجل إسرائيل. وكان من أصدقاء مرزوق شخص يُدعَى صمويل عزار (من مواليد الإسكندرية) حصل على منحة لدراسة الهندسة الألكترونية في الخارج لكنه اختار هو الآخر ـ كما فعل مرزوق ـ أن يبقى في مصر ليؤدي مهمته.

وتُعدُّ فضيحة لافون من أسوأ تلك المهمات، فقد قام 13 يهودياً مصرياً (بناءً على تعليمات من إسرائيل) بوضع متفجرات في مكتبة المركز الإعلامي الأمريكي في القاهرة، وفي منشآت أخرى مملوكة لأمريكا وبريطانيا في القاهرة والإسكندرية. وكان الهدف من هذه الأعمال خلق التوتر في العلاقات بين مصر وهاتين الدولتين الغربيتين. وكما أوضح يوري إفنيري في كتابه إسرائيل دون صهاينة، كان المقصود من هذا التوتر تمكين العناصر الاستعمارية الرجعية في البرلمان البريطاني من منع إبرام اتفاقية تنص على الجلاء عن قواعد السويس، وكذلك تقديم سلاح يستطيع معارضو تسليح مصر في الولايات المتحدة استخدامه. ولكن الهدف من هذه العمليات التخريبية كان، قبل كل شيء، إضعاف مظهر نظام الحكم الثوري الجديد في مصر، وإظهار افتقاره إلى الاستقرار أمام العالم. وقد أُلقي القبض على بعض العملاء الصهاينة متلبسين بالجريمة، الأمر الذي أدَّى إلى القبض على كل المشتركين في المؤامرة. وكان المقبوض عليهم هم: ماكس بنيت (زعيم الشبكة) ، والدكتور مرزوق، وصمويل عزار، وعشرة آخرون. وأثناء المحاكمة، تمكَّن اثنان من الهرب، وانتحر ماكس بنيت. أما الباقون، فقد بُرِّئت ساحة اثنين منهم، وصدرت أحكام بالسجن على سبعة، وصدر حكم بالإعدام على كلٍّ من مرزوق وعزار اللذين كانا يتزعمان شبكتي القاهرة والإسكندرية. وقد وُجهت إلى مرزوق تهمة تنظيم مجموعة القاهرة ووضع ترتيبات الاتصال اللاسلكي مع إسرائيل بعد أن أمضى فترة تدريب هناك. أما عزار، فقد اتُهم بتزعم مجموعة الإسكندرية وإدارة مصنع سري لتصنيع أجهزة التخريب.

وظلت فضيحة لافون تؤرق القيادة الإسرائيلية لفترة طويلة بعد انتهاء محاكمات القاهرة. وقد أنكر بن جوريون مسئوليته عن إعطاء أوامر العملية، وألقى اللوم كله على بنحاس لافون (ومن هنا التسمية «حادثة لافون» ) الذي أصر على براءته إلى النهاية. وعندما برأت لجنة تقصي الحقائق بنحاس لافون، استقال بن جوريون من حزب الماباي الحاكم وكوَّن (بالاشتراك مع كلٍّ من بيريز وديان) حزب رافي. وبغض النظر عن الضجة السياسية داخل إسرائيل بشأن المسئولية الشخصية عن الموضوع، فقد كان هناك اعتراف ضمني بتورُّط إسرائيل في فضيحة لافون حيث مُنح اسم الدكتور مرزوق رتبة عسكرية في الجيش الإسرائيلي وأُطلق عليه هو وعزار لقب «شهيدي القاهرة» .
قضية بولارد
‏Pollard Affair
«قضية بولارد» هي قضية تجسس في الولايات المتحدة الأمريكية، كان المتهم الأول فيها مواطن أمريكي يهودي هو جوناثان بولارد الذي أُدين بالتجسس لصالح إسرائيل، هو وزوجته آن بولارد.
وُلد بولارد في ولاية تكساس عام 1954 ودرس في جامعة ستانفورد، ثم التحق بخدمة الاستخبارات البحرية الأمريكية في ولاية مريلاند عام 1979 حيث عمل كمحلل استخباراتي مدني، وتدرج في عمله حتى أصبح له حق الاطلاع على العديد من المعلومات الحساسة. وفي مايو من عام 1984، جندته المخابرات الإسرائيلية للتجسس لصالحها. وأثناء محاكمته، أعلن بولارد أنه، باعتباره صهيونياً متحمساً، استاء من رفض الحكومة الأمريكية تقديم القدر الكافي من المعلومات الاستخباراتية لإسرائيل والمهمة لأمنها.

ويرجع الفضل في تجنيد بولارد إلى ضابط الاستخبارات الإسرائيلية أفيعام سيلع، الذي كان ضابطاً في القوات الجوية الإسرائيلية. وقد قدم بولارد لإسرائيل كماً هائلاً من المعلومات الخاصة بإسرائيل والشرق الأوسط ودول أخرى. واستقبلت هذه المعلومات في إسرائيل وحدة استخبارات مستقلة في وزارة الدفاع الإسرائيلية هي وحدة الربط العلمي، وهي وحدة تعمل منذ الستينيات تحت رئاسة عميل المخابرات السابق رفائيل إيتان. وفي خلال الـ 18 شهراً التي عمل خلالها جاسوساً، سافر بولارد إلى إسرائيل وأوربا، كما حصل على وعد بحق اللجوء السياسي في حالة افتضاح أمره. وعندما اكتشف مكتب المباحث الفيدرالية الأمريكي أمره وبدأ في مراقبته، لجأ بولارد وزوجته إلى السفارة الإسرائيلية في واشنطون وطلبا اللجوء السياسي. إلا أن السفارة رفضت طلبهما وألقتهما خارج مبنى السفارة، وتم القبض عليه في نوفمبر عام 1985.

وقد أثارت هذه القضية رد فعلٍ عنيفاً داخل الحكومة الأمريكية وبين الرأي العام الأمريكي. كما أثارت قلقاً بالغاً بين أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة لما قد تثيره من اتهامات بازدواج الولاء. وفي إسرائيل، زاد التخوف من تأثير القضية على علاقتها بالولايات المتحدة، حليفها الأساسي، وعلى الثقة المتبادلة بينهما. وقد رضخت إسرائيل، تحت ضغط من الولايات المتحدة والجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، للتعاون في التحقيقات، والسماح باستجواب الإسرائيليين المتورطين، وإعادة جميع الوثائق التي أخذها بولارد، وحل وحدة الربط العلمي، والموافقة على معاقبة الإسرائيليين المسئولين عن هذه العملية. وقد ساهمت الوثائق التي أعادتها إسرائيل في إدانة بولارد الذي حُكم عليه عام 1987 بالسجن مدى الحياة. وقد استثير الرأي العام الأمريكي مرة أخرى بعد أن عينت الحكومة الإسرائيلية كلاًّ من إيتان وسيلع في مراكز مدنية وعسكرية مهمة، وهو ما كان يعني نوعاً من المكافأة لهما. وقد أدَّى الاحتجاج الأمريكي إلى استقالة سيلع من منصبه العسكري الجديد كقائد لقاعدة جوية كبيرة. كما قامت وزارة الخارجية الأمريكية بسحب التصريحات الأمنية الممنوحة للموظفين اليهود ممن لهم أقارب في إسرائيل، كما رضخت المؤسسة الأمريكية اليهودية للأمر ولم تصدر الصرخات المعهودة عن معاداة اليهود واضطهادهم.

وبعد صدور الحكم على بولارد، أسرعت الحكومة الإسرائيلية بتشكيل لجنة للتحقيق في القضية (لجنة تسور ـ روتنسترايخ) وتحديد المسئولية، كما شكل الكنيست لجنة أخرى برئاسة أبا إيبان للغرض نفسه. وقد توصلت اللجنتان إلى أن المسئولية تقع على عاتق أعضاء مجلس الوزراء والقيادات السياسية العليا بسبب ضعف الرقابة وضعف السيطرة على وحدة الربط العلمي والأنشطة الاستخباراتية المماثلة، كما اتهمت كلاًّ من إيتان وسيلع بتعدي سلطاتهما والتصرف بدون حكمة. وقد جاءت هذه التحقيقات لإثبات مدى جدية إسرائيل في تحديد ومعاقبة المسئولين، كما جاءت النتائج كمحاولة لإبعاد أية مسئولية مباشرة عن القيادات السياسية العليا وبالتالي التخفيف من حدة الانتقادات الأمريكية.

وتثير هذه القضية مسألة ازدواج الولاء لدى أعضاء الجماعة اليهودية وحقيقة ما يُسمَّى «النفوذ الصهيوني» في الولايات المتحدة. فإسرائيل تعتبر أن الجماعات اليهودية في العالم تدين لها وحدها بالولاء، وتؤمن بمركزيتها في حياة يهود العالم، وينطبق هذا الاعتقاد بالأخص على اليهود الأمريكيين الذين يشكلون المصدر الأساسي للتبرعات والدعم المالي والسياسي لإسرائيل. ورغم الحماس الشديد لدى كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة في شأن تأييدهم لإسرائيل، وبرغم وجود جماعة ضغط أو ما يُسمَّى «لوبي صهيوني» يتسم بنشاطه المكثف ونبرته العالية والحماسية في تأييد إسرائيل وفي التأثير على السياسة الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط وبإسرائيل، إلا أن هذا التأييد وهذا الدعم نابعان في المقام الأول من انتماء أعضاء الجماعة اليهودية إلى وطنهم الأمريكي، ومن ارتباط مصالحهم بنظامه الرأسمالي ومصالحه الإمبريالية. ولذلك فإن تأييدهم لإسرائيل مستمر مادام يتفق مع السياسات الأمريكية، ومادام لا يخلق أية شبهات بعدم الولاء لوطنهم. كما ترحب الولايات المتحدة بهذا التأييد الحماسي، فهو يعني تدفُّق المعونات والتبرعات على إسرائيل (قاعدتها الأساسية في الشرق العربي) . ولكن عندما تمس إسرائيل مصالح الولايات المتحدة، مثلما حدث في قضية بولارد، يجيء الرد الأمريكي سريعاً وحاسماً ولا مكان فيه لضغوط اللوبي الصهيوني أو غيره. وقد أسرعت الجماعة اليهودية بالضغط على إسرائيل للرضوخ للمطالب الأمريكية اتفاقاً مع السياسة والمصالح الأمريكية من ناحية، ومن ناحية أخرى حمايةً لمصالحهم وسمعتهم في الولايات المتحدة، تلك السمعة التي قد تتعرض للاتهام بعدم الولاء للوطن. ولهذا، أصدرت أهم المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة (المجلس القومي الاستشاري لعلاقات الجماعة اليهودية) بياناً قالت فيه: «إن الحكم الصادر على بولارد ليس ثمرة عداء اليهود أو التمييز

ضدهم، بل إنَّ بولارد ارتكب جريمة تجسس خطيرة» . واستخدام كلمة «تجسس» هنا يستهدف التأكيد على انفصال الوطن الأمريكي، وطن يهود أمريكا، عن الدولة الصهيونية، وأن على الجميع أن يدرك ذلك. وقد قام المواطن الأمريكي الحاخام جيكوب نيوزنر، وهو واحد من أهم علماء التلمود في العالم، بتلخيص الموقف بقوله: «إن أمريكا أفضل من القدس بالنسبة لليهود. وإذا كانت هناك أرض الميعاد، فإن الأمريكيين اليهود يعيشون بالفعل فيها ويشعرون بالسلام والأمن على نحو لا يمكن أن يتاح لهم في إسرائيل» .
وقد كتب بولارد نفسه خطاباً يستنكر فيه ما فعله، ويبين أنه كان مخطئاً، وأنه مواطن أمريكي يهودي يدين بالولاء لبلده وليس مجرد يهودي يدين بالولاء لإسرائيل. وقد كتب بولارد خطابه هذا على أمل أن تفرج عنه السلطات الأمريكية ولكنها لم تفعل حتى الآن. وقد تأسست منظمة أمريكية يهودية لطلب العفو عنه، ولكن المنظمات اليهودية الكبرى رفضت تبنِّيها. كما رفض الرئيس بوش ومن بعده كلينتون إصدار عفو عنه قبل انتهاء مدة رئاسته، تماماً كما فعل مع بعض الجرائم الأخرى. هذا، وقد طلبت زوجته الطلاق منه وهو في سجنه وحصلت عليه، ثم أصيبت بما يشبه الانهيار العصبي وأُرسلت إلى مصحة نفسية، ثم قررت الاستيطان في إسرائيل والحصول على الجنسية الإسرائيلية بمقتضى قانون العودة!

إبراهيم نيثان (1816-1868)
‏Ibrahim Nathan
يهودي إيراني، وُلد في مشهد في إيران ويُشار إليه بالمّلا إبراهيم. ترك وطنه والتحق هو وأخوه بخدمة الإمبراطورية البريطانية كجواسيس، فسافرا إلى أفغانستان وتركستان وبخارى، ومع كل الحملات البريطانية الأساسية في وسط آسيا. وقد قاما بتوصيل الاعتمادات اللازمة لضباط القوات البريطانية في الحرب الأفغانية الإنجليزية الأولى (1839 - 1842) في مواقعهم البعيدة، وبجمع المعلومات للسلطات العسكرية الغازية، كما قاما بإنقاذ الأسرى البريطانيين ومساعدتهم بعد الكارثة التي حاقت بالقوات الإنجليزية في كابول. وقد ترك الأخوان أفغانستان عام 1844 (بعد انتهاء مهمة القوات البريطانية) واستقرا في بومباي عام 1844. وقد قدَّمت لهما الحكومة البريطانية تعويضاً عن خسائرهما أثناء تأدية واجبهما نحوها وأجرت لهما معاشاً شهرياً مدى الحياة. وقد عُيِّن مولى إبراهيم في السلك الدبلوماسي البريطاني على أن يكون موقعه مشهد، ولكنه رفض بطبيعة الحال أن يعود إلى هناك ومكث في بومباي حيث لعب فيها دوراً نشيطاً بين أعضاء جماعة اليهود البغدادية، كما عُيِّن موظفاً في مصلحة الجمارك. وتقول الموسوعة اليهودية إنه كان مُعْفىً من واجباته في أيام السبت والعطلات.
والملا إبراهيم نيثان هو جزء من نمط متكرر عام في العالم الإسلامي وهو وجود أعضاء الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية في خدمة الاستعمار الغربي (وهذه هي أولى حلقات العملية الاستعمارية الاستيطانية التي تُوِّجت بإنشاء الدولة الوظيفية الصهيونية) . وقد أهملت الموسوعة اليهودية حقيقة أن الملا إبراهيم يمثل نمطاً متكرراً لتُركِّز على عنصر يهودي واحد، وهو مثل غير عادي على التمركز حول الذات الإثنية اليهودية.

أرمينيوس فامبيري (1832 - 1913)
‏Arminius Vambery
مستكشف ورحالة ومستشرق مجري. وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية متواضعة، وكان معتل الصحة كما كان يظلع حين يمشي. وقضى فامبيري عدة سنوات في عدد من المدارس الحكومية العامة والكاثوليكية والبروتستانتية. واتقن عديداً من اللغات (اللاتينية والفرنسية والإيطالية والتشيكية والروسية والتركية والعربية) . وفي عام 1854، رحل فامبيري إلى القسطنطينية وأمضى هناك ست سنوات عمل في بدايتها معلماً للغات الأوربية. ثم ما لبثت علاقاته أن توطدت بدوائر الحكم في الدولة العثمانية، فعمل مساعداً لوزير الخارجية محمد فؤاد باشا، وكان يحظى بعطف السلطان عبد الحميد الثاني. وقد أشهر فامبيري إسلامه في هذه الأثناء لدوافع عملية بحتة، وعكف على دراسة اللغات العربية والتركية والفارسية حتى أتقنها، كما أصبح على دراية تامة بتاريخ هذه المنطقة وبأوضاعها السياسية. ولكنه عرَّف نفسه في مذكراته قائلاً: «إن شخصيتي الشرقية الزائفة التي تبنيتها مقصورة على الجوانب الخارجية، أما كياني الداخلي فإنه ينضح بروح الغرب» أي أنه كان يرى أن هويته غربية وليست يهودية.
وقد قام فامبيري، عام 1863، برحلة مثيرة عبر آسيا الوسطى طاف خلالها بأرمينيا وتركستان وإيران وبخارى، متخفياً وراء اسم رشيد أفندي، ويُقال إنه أول أوربي يقطع هذه الرحلة. وقد دوَّن فامبيري ملاحظاته في كتاب نُشر باسم رحلات في وسط آسيا (1864) ، وذاعت شهرته بعد نشر الكتاب، وبخاصة في صفوف البريطانيين الذين كانوا في حرب مع الروس للهيمنة على وسط آسيا. ويبدو أن فامبيري، المتعاطف مع الإمبراطورية البريطانية، كان يُعدُّ مصدراً جيداً للمعلومات. وفي عام 1864، عاد فامبيري إلى بودابست، حيث اعتنق البروتستانتية، وعمل أستاذاً للغات الشرقية في جامعة بودابست حتى عام 1905.

وأقام فامبيري، خلال مروره بإيران، علاقات وثيقة مع البعثة البريطانية هناك. وساعدته ميوله المؤيدة لسياسة بريطانيا، ومعرفته الواسعة بالشرق الأوسط والهند، في أن يكون أحد العناصر المهمة والمفيدة للسياسة البريطانية الخارجية، حيث قام بتوظيف خبراته عن آسيا الوسطى لخدمة الحكومة البريطانية التي اختارته مستشاراً لها لشئون الهند وآسيا، كما أوكلت إليه عدة مهام دبلوماسية في الشرق الأوسط. وكان فامبيري صديقاً حميماً لأمير ويلز الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع.
وقد أيَّد فامبيري المشروع الصهيوني منذ مراحله الأولى، ويرجع إليه الفضل في تقديم هرتزل إلى السلطان عبد الحميد عام 1901 عندما كان هذا الزعيم الصهيوني يسعى إلى استمالة إحدى القوى الاستعمارية الكبرى آنذاك لتبنِّي المشروع الصهيوني. وبعد وفاة هرتزل، استمر قادة المنظمة الصهيونية العالمية في طلب المشورة والعون من فامبيري.
وقد وضع فامبيري عدة مؤلفات في اللغات الشرقية وفي علم الأجناس، وذلك فضلاً عن مقالاته السياسية عن الأوضاع في آسيا. كما سجل سيرته الذاتية في كتاب أرمينيوس فامبيري، حياته ومغامراته (1883) ، ونُشرت مذكراته في كتابه قصة كفاحاتي (1904 (.
وفامبيري نموذج جيد لليهودي غير اليهودي، وللمستشرق الغربي الذي يدرس الشرق ليوظف معلوماته في خدمة الغرب، وهو يخدم المشروع الصهيوني باعتباره جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي الذي كان يرمي لغزو العالم الإسلامي وتقسيم الدولة العثمانية والاستيلاء على أراضيها، بما في ذلك فلسطين.
أمين باشا (1840 - 1892)
‏Emin Pasha
رحالة ومستكشف نمساوي وُلد لأبوين يهوديين ولكنه عُمِّد مسيحياً في طفولته. درس الطب وعمل طبيباً في ألبانيا. وفي عام 1870، أصبح الطبيب الخاص لحاكمها.

وفي عام 1874، عمل في خدمة القوات البريطانية في أفريقيا، وقام بعدة مهام سياسية وعسكرية في مصر والسودان تحت قيادة الجنرال جوردون. وقد أشهر إسلامه عام 1878 لدوافع عملية على الأرجح.
تعاون أمين باشا مع جوردون في مقاومة تجارة العبيد في المنطقة الاستوائية في أفريقيا. وفي عام 1881، قاد حملة لإخماد تمرُّد المهديين في السودان، إلا أن قواته ضلت طريقها وحُوصرت في جنوب السودان إلى أن تمكن المستكشف البريطاني ستانلي من الوصول إليها وإنقاذها عام 1888.
ومنذ عام 1890، انتقل أمين باشا إلى العمل في خدمة الإمبراطورية الألمانية، التي كانت تخوض صراعاً مع بريطانيا للتنافس على مناطق النفوذ في أفريقيا، حيث قاد حملة للسيطرة على منابع النيل. إلا أن اتفاق بريطانيا وألمانيا بشأن هذه المنطقة أودى بطموحاته في أن يكون خادماً للمصالح الألمانية بعد أن فشل من قبل في جني ثمار خدماته للمصالح البريطانية. بل إنه أصبح في نظر الطرفين عميلاً سابقاً لا قيمة له، بل عميلاً ينبغي التخلص منه. وإزاء هذا الموقف، ونظراً لتساقط معظم قواته بسبب الانهاك وتفشي الأمراض، اضطر أمين باشا إلى الهرب إلى الكونغو حيث اغتيل هناك بإيعاز من تجار العبيد.
سيدني رايلي (1874 – 1920)
‏Sidney Reilly
اسمه الأصلي سيجموند جورجيفتش روزنبلوم. وُلد في أوديسا (روسيا) . وجندته الاستخبارات البريطانية، فعمل جاسوساً لبريطانيا، واتخذ اسم سيدني رايلي. اشتغل رايلي تاجر سلاح في سانت بطرسبرج، ونجح قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى في كشف النقاب عن كثير من أسرار برنامج التسلح الألماني. وخلال الحرب، أُرسل إلى ألمانيا حيث تطوع عدة مرات في الجيش الألماني تحت أسماء مستعارة، ونجح في تنفيذ العديد من المهام من بينها حضور اجتماع ضم القيصر وقادة الجيش الألماني تم فيه استعراض بعض الخطط الحربية المهمة.

وبعد اندلاع الثورة البلشفية، تورط رايلي (عام 1918) في محاولة فاشلة لاغتيال لينين وقلب نظام الحكم، وهرب إلى إنجلترا بعد أن اكتُشف أمره. وفي عام 1920، أُرسل رايلي في مهمة سرية إلى روسيا للقاء بعض الجماعات المناهضة للبلاشفة، ويبدو أنه وقع في كمين وضعه له البوليس السري الروسي، ولم يُعرَف عنه شيء بعد ذلك.
يفنو أزيف (1869 - 1918)
‏Yevno Azeff
أحد زعماء الحركة الثورية الروسية وعميل للبوليس السري القيصري. وُلد في منطقة الاستيطان لعائلة يهودية فقيرة. وعندما انتقلت العائلة إلى روستوف، انخرط أزيف في النشاط الثوري واضطر إلى الفرار إلى ألمانيا عام 1892 هرباً من السلطات حيث درس الهندسة وانضم إلى مجموعة ثورية. ولكن، بعد أن نفدت أمواله تماماً، أرسل خطاباً إلى البوليس السري الروسي يعرض عليهم فيه التعاون معهم وبيع خدماته لهم والتجسس على رفاقه الثوريين. وعندئذ، بدأ حياته المزدوجة كعميل للبوليس السري وكعضو نشيط في الحركة الثورية الروسية في آن واحد. وفي عام 1899،عاد إلى روسيا وانضم إلى حزب اتحاد الثوريين الاشتراكيين السري، ثم أصبح من كبار قادة الحزب الاشتراكي الثوري الجديد وترأس جناحه العسكري. وخلال الأعوام الخمسة عشر (1893 ـ 1908) التي اشتغل فيها عميلاً للبوليس السري، خان الكثيرين من رفاقه الثوريين، فتم إلقاء القبض على أعداد منهم وإعدام أعداد أخرى من قبل البوليس السري. ولإبعاد أية شبهات عنه، نشط أزيف في مجال الاغتيالات، فلعب دوراً رئيسياً في تخطيط وتنفيذ عملية اغتيال وزير الداخلية الروسي فون بليفيه عام 1904،وعملية اغتيال عم القيصر كذلك، كما خطط لنسف مقر البوليس السري في سانت بطرسبرج (لكن هذه الخطة لم تُنفَّذ أبداً) .وقد أُثيرت بعض الشكوك حول دوره المزدوج داخل الحركة الثورية منذ عام 1902،ولكن لم تظهر أية دلائل قاطعة ضده إلا عام 1908 حينما انضمت بعض العناصر المنشقة من ضباط الشرطة إلى الحزب الاشتراكي الثوري

وأكدت وجود جاسوس داخل صفوف الحزب، فتم فضح نشاطه المزدوج في محاكمة حزبية وتمت إدانته والحكم عليه بالإعدام غيابياً إلا أن أزيف كان قد هرب إلى ألمانيا. وفي ألمانيا، ألقت السلطات الألمانية القبض عليه عام 1915 بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى باعتباره عدواً وكذلك باعتباره ثورياً. وتم الإفراج عنه عام 1917 ليُتوفى بعدها بقليل.
جوليوس (1918 - 1953) وإثيل (1916 - 1953) روزنبرج
‏Julius and Ethel Rozenberg
زوجان أمريكيان يهوديان، وأول مدنيين أمريكيين يُنفَذ فيهما حُكم الإعدام بتهمة التجسس في التاريخ الأمريكي، وذلك في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الولايات المتحدة. وُلدا في مدينة نيويورك وتزوجا بعد أن انتهى جوليوس من دراسته في الهندسة الإلكترونية في جامعة سيتي كوليدج. وقد ارتبط الاثنان بالحزب الشيوعي الأمريكي، فكان جوليوس عضواً نشيطاً فيه حيث ترأس فرع الحزب في نيويورك. كما عُيِّن موظفاً مدنياً في الجيش الأمريكي، ولكنه طُرد من وظيفته بعد أن اكتُشفت علاقته بالحزب الشيوعي، وذلك رغم أن جوليوس وإثيل كانا قد قطعا علاقاتهما بالحزب عام 1943.
وفي عام 1951، ألقت السلطات الفيدرالية الأمريكية القبض على الزوجين ووجهت إليهما تهمة التجسس وسرقة أسرار القنبلة الذرية بغرض تسليمها للاتحاد السوفيتي. وكان الشاهد الأساسي ضدهما هو شقيق إثيل (ديفيد جرينجلاس) الذي كان مشتركاً في مشروع القنبلة النووية الأمريكية والذي اعترف بأن جوليوس دفعه إلى التجسس. وقد رفض الزوجان الاعتراف بالتهم التي وُجهت إليهما، كما رفضا الكشف عن أعضاء شبكة التجسس التي قيل إنهما كانا عضوين فيها.

وقد حُكم على الزوجين بالإعدام، وذلك في فترة كانت الحرب الباردة على أشدها وكان يسود الولايات المتحدة أجواء من الذعر خوفاً من الجواسيس السوفييت. وقد فشل الاستئناف وكذلك جميع الإجراءات القانونية الأخرى التي اتخذها الزوجان سواء لإلغاء الحكم أو لتخفيفه أو تأجيله، كما رفض الرئيس الأمريكي أيزنهاور إصدار عفو عن المتهمين. ومما يُذكَر أن أغلب الذين ارتبطوا بهذه القضية سواء المتهمون أو الشهود الرئيسييون أو القاضي الذي حكم بالإعدام كانوا من اليهود.
وقد أثارت هذه القضية جدلاً واسعاً، سواءٌ داخل الولايات المتحدة أو خارجها، كان لها بعدها السياسي والعقائدي، وخرجت المظاهرات المؤيدة للزوجين والمطالبة بالإفراج عنهما. ولا يزال الخلاف حول قضية روزنبرج قائماً حتى اليوم حيث يؤكد البعض براءتهما، في حين يؤكد البعض الآخر أن نشاطهما كان له الأثر في إنهاء احتكار الولايات المتحدة للسلاح النووي. وقد نُفِّذ في الزوجين حُكم الإعدام عام 1953 بعد أن فشلت جميع المحاولات التي استهدفت تأجيله.

الجماعات اليهودية إشكاليات - يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟ - مسألة الحدودية والهامشية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الحدودية كتعبير عن وظيفية الجماعات اليهودية
‏Peripherality as Manifestation of the Functionality of the Jewish Communities
«الحدودية» مصطلح يُعبِّر عن نموذج ذي مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية، إذ يرصد ويُفسِّر إحدى السمات الأساسية للجماعات اليهودية، ويُقصَد به وجود أعداد ملحوظة منها «على الحدود» ، إما بالمعنى الجغرافي (المكان) أو بالمعنى التاريخي (الزمان) ، وهو ما يُعبِّر عن وضعها كجماعة وظيفية. فمن الناحية الجغرافية، يُلاحَظ وجود أعضاء الجماعات اليهودية على أطراف أو حدود الدول أو في مناطق تقع بينها أو في الموانئ البحرية أو في الموانئ التجارية التي تكون محطات ومراكز برية أو في جيتو خاص. أما من الناحية التاريخية، فيُلاحَظ ازدهار أعضاء الجماعات اليهودية في مرحلة تاريخية مؤقتة تقع بين مرحلتين. ويمكن أن تكون الحدودية وضعية بمعنى ألا يكون المثقف أو الرأسمالي من أعضاء الجماعات اليهودية منتمياً إلى مركز التجمع وإنما يكون على حدوده أو هامشه. والحدودية تُعبِّر عن وضع الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية تضطلع بوظائف خاصة (مشينة أو متميِّزة) ، وهو ما يتطلب عزلها عن المجتمع، أو بوظائف ريادية في الأماكن النائية والمجهولة. والحدودية الجغرافية يمكن أن توجد بدون الحدودية الوظيفية، والعكس صحيح أيضاً. لكن من الواضح أن الواحدة تقود إلى الأخرى، كما أن انفصالهما هو أمر مؤقت وتعبير عن الفجوة الزمنية التي تسم الظواهر الإنسانية.
وينبغي التنبه ابتداءً إلى أن هذه الصفة ليست صفة كامنة في بنية الطبيعة البشرية اليهودية أو لصيقة بها كما قد يتخيل البعض، فهي صفة مُكتسَبة يمكن تفسير كثير من جوانبها في إطار تاريخي واجتماعي. ويجب أيضاً أن نشير إلى أن ثمة جماعات يهودية عديدة لم تتصف بصفة الحدودية هذه. فيهود بابل كانوا دائماً جزءاً من مجتمعهم، كما أن الأمريكيين اليهود أصبحوا جزءاً عضوياً من مجتمعهم لا يقفون على حدوده وإنما يتحركون داخله ويوجدون في صميمه.

ويمكن القول بأن صفة الحدودية هذه تنطبق بشكل عميق وأساسي على أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي، خصوصاً في شرق أوربا قبل الثورة الصناعية. ولأن وضع هذه الجماعات، كجماعات وظيفية، هو ما أفرز الصهيونية التي هيمنت إلى حدٍّ كبير على كل يهود العالم، وهذه الظاهرة تكتسب أهمية خاصة في الوقت الحاضر.
ويُلاحَظ أن أول ذكر للعبرانيين جاء فيه أنهم جماعات بدوية تنتقل من بلد إلى آخر، فتبقى إما على حدوده الفعلية، أو تدخل إليه للسقيا أو الاستقرار المؤقت. وهم بوصفهم بدواً رُحَّلاً يشكلون فئة اجتماعية تعيش على هامش المجتمع وفي ثغراته. وتدل الإشارات التي وردت في العهد القديم على أن العبرانيين كانوا يرابطون على حدود المدن، شأنهم شأن كثير من البدو الذين يحضرون للاتجار وتبادل السلع، أو يسيرون على طرق التجارة التي تمتد من مكان إلى آخر. وحينما نزل العبرانيون مصر، استوطنوا في جوش (محافظة الشرقية الآن) ، وهي منطقة متاخمة لكل من شبه جزيرة سيناء وحدود مصر. ومن الواضح أنهم ظلوا اجتماعياً على حدود المجتمع، يعملون عبيداً أو بنائين، ولذا كان من الممكن طردهم. وبعد التغلغل العبراني في أرض كنعان، استقروا فيها، وهي بلدة على الحدود بين القوتين العظميين آنذاك: مصر وبلاد الرافدين. وتاريخ مملكة داود وسليمان هو تاريخ الانكماش المؤقت لهاتين القوتين، تماماً كما أن تاريخ الدويلتين العبرانيتين (المملكة الجنوبية والمملكة الشمالية) هو تعبير عن الصراع بين هاتين القوتين حينما عادت إليهما الحياة والقوة مرة أخرى. ومعنى ذلك أن وجود الدولة العبرانية والدويلتين العبرانيتين كان في مراحل زمنية مفصلية، أي في مرحلة حدودية بين مرحلتين إن صحَّ التعبير.

ويمكن القول بأن موقع فلسطين الجغرافي يجعل منها دولة حدودية. ولكن حدودية فلسطين ليست صفة جغرافية ثابتة وإنما صفة تاريخية عارضة. فحدودية فلسطين لا تظهر إلا مع تجزؤ المنطقة، وفي غياب قوة محلية تقوم بتوحيدها. فهي قريبة من حدود آسيا مع أفريقيا وتطل على حوض البحر الأبيض المتوسط، وتُعَدُّ مدخلاً لبلدان وادي الرافدين ومفتاحاً للشام ومصر، وهي الطريق الذي يصل آسيا بأفريقيا ويربط مصر بإمبراطوريات الشرق. ولذا، نجد أن معظم الفاتحين منذ عهد الإسكندر (أول غاز غربي للشرق) كانوا يسعون للاستيلاء على فلسطين لتكون ركيزة مشروعهم الاستعماري. وقد كانت هدفاً عَبْر تاريخها للهجرات والغزوات ابتداءً من التسلل العبراني إلى كنعان الذي تزامن مع غزوة شعوب البحر (الفلستيين) . كما كانت هدفاً للغزو الآشوري فالبابلي فالفارسي فاليوناني والروماني، ثم موضع صراع بين البطالمة والسلوقيين، ثم هدفاً لحروب الفرنجة. وقد قام بسماتيك الثاني (594 ـ 588 ق. م) بتوطين بعض الجنود العبرانيين المرتزقة في جزيرة إلفنتاين باعتبارهم جماعة وظيفية استيطانية قتالية. وكانت إلفنتاين تقع على حدود مصر الجنوبية وكانت ذات أهمية إستراتيجية خاصة، كما كانت مركزاً للمحاجر المصرية.
وتحوَّلت فلسطين، بعد أن ضمتها الإمبراطورية اليونانية، إلى مسرح للصراع بين السلوقيين والبطالمة. ومع بداية ظهور الرومان، تحالف معهم الحشمونيون، وتمكنوا من تأسيس دولتهم المستقلة في مرحلة مفصلية أو حدودية ثانية. وبعد أن ضمتها الإمبراطورية الرومانية، صارت فلسطين أحد مسارح الصراع بين الرومان والفرثيين الذين هيمنوا على بلاد الرافدين آنذاك. وقد ظهرت في تلك الفترة إمارة حدياب التي كانت إمارة حدودية تقع بين الدولة الفرثية والإمبراطورية الرومانية. لكن الصراع حُسم لصالح الرومان وقُضيَ على الإمارة اليهودية. وبهذا، أصبحت فلسطين مقاطعة تابعة يحكمها الحاكم الروماني مباشرةً.

وفي القرن الأول قبل الميلاد، بدأ اليهود يغادرون فلسطين في أعداد كبيرة وينتشرون في بقاع الأرض، ولكن هذا الانتشار تركَّز في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط. ولم تَعُد فلسطين المركز الديني أو السكاني لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم، لأنها أخذت تفقد الخاصية الحدودية.
وقد فقدت فلسطين حدوديتها تماماً بعد فترة الصراع بين البيزنطيين والفرس، حيث أصبحت جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري العربي الإسلامي. واستمر هذا الوضع حتى القرن الحادي عشر حيث جاءت حملات الفرنجة وتأسست ممالك الفرنجة في فلسطين. ولكن هذه الحملات فشلت في تحقيق هدفها وهو تحويلها إلى جزء من حدود أوربا في الشرق.
وبالمثل، تتسم بعض الجماعات اليهودية الأخرى في العالم بهذه «الحدودية» . وإذا صدقنا دعاوى بعض المؤرخين القائلة بأن ملوك حمير قد اعتنقوا اليهودية في القرن السادس، أثناء صراعهم مع أباطرة إثيوبيا من الأقباط، فيمكننا اعتبار اليمن آنذاك منطقة حدودية تقع بين التشكيل الحضاري السامي الوثني في الجزيرة العربية وإثيوبيا المسيحية المتحالفة مع بيزنطة. وقد استوطن أعضاء الجماعات اليهودية في الهند: في بومباي وجوا وكوشين، وكلها موانئ ومناطق للتجارة.
ومن أهم الأمثلة على هذه الصفة الحدودية، إمبراطورية الخزر اليهودية الصغيرة التي كانت تقع على الحدود بين الإمبراطوريتين البيزنطية والإسلامية من جهة والسهوب الروسية التي كانت تسكنها قبائل سلافية وثنية من جهة أخرى. وقد اكتسبت هذه الإمبراطورية أهميتها بسبب موقعها الحدودي ودورها بين هذه القوى. ولكن، حينما تنصَّر الروس في القرن العاشر وتحولوا إلى قوة روسية أرثوذكسية متحالفة مع بيزنطة، وازداد ضعف المسلمين العرب، تم القضاء على إمبراطورية الخزر التي لم يعد لها دور تلعبه.

وقد استوطن أعضاء الجماعات اليهودية، بعد الفتح العربي، في شبه جزيرة أيبريا، وهي المقاطعة المتاخمة للحدود مع العالم المسيحي. ومع هذا، كان أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمع العربي الإسلامي يفتقدون خاصية الحدودية هذه، حيث كانوا من صميم المجتمع العربي في الأندلس.
وعلى أية حال، فإن صفة الحدودية لم تتبلور إلا بتحول الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية داخل التشكيل الحضاري الغربي. ومما قد يكون له دلالته وطرافته أن أول وجود لأعضاء الجماعات اليهودية داخل القارة الأوربية كان في روما (العاصمة الإمبريالية) ثم في كولونيا (وهي معسكر روماني أُسِّس في تلك المنطقة التي تتحكم في وادي الراين، ويعود اسمها إلى كلمة «كولون Colon» اللاتينية ومعناها «مستعمرة» ، وقد أُخذت كلمة «كولونيالية» بمعنى «استعمار» من الأصل نفسه) . وقد أصبحت كولونيا، بسبب موقعها المتميِّز، مقراً لأحد أهم الأسواق في أوربا. ويمكن القول بأن خاصية الحدودية كانت خاصية جنينية تظهر وتختفي داخل القارة الأوربية وخارجها، ولم تصبح خاصية عامة وأساسية وثابتة للجماعات اليهودية في أوربا إلا بحلول العصور الوسطى في الغرب. ولعل هذا يعود إلى التركيب الإقطاعي المسيحي للمجتمع والذي لم يحدد وضع الأقليات غير المسيحية، وهو ما جعل اليهود وأمثالهم غرباء. لكن هذا المجتمع كان، مع ذلك، مجتمعاً يضم النبلاء والفرسان من جهة والفلاحين من جهة أخرى، بحيث كانت تفصل بين الجانبين هوة لم يكن بوسع التجار المحليين ملؤها. وقد قام اليهود بملء هذه الشقوق والفراغات وتوسيعها حتى أصبحوا الجماعة الوظيفية الوسيطة الأساسية في أوربا في العصور الوسطى. والجماعات الوظيفية الوسيطة تتكون عادةً من أقلية إثنية تقوم بمهام التجارة والربا وغيرها من المهام التي لا تقوم بها الطبقات الأساسية في المجتمع.

وكان اليهود، بوصفهم جماعة وظيفية مالية وسيطة، يقومون بما يُسمَّى التجارة البدائية. لكن هذه التجارة البدائية نشاط اقتصادي ليس من صميم العملية الإنتاجية، ولذا فهي تمثل نشاطاً حدودياً بين الأنشطة المختلفة. إذ كان التاجر البدائي ينقل السلع من مجتمع إلى آخر، فيحضر السلع التَرفيِّة مثلاً من الشرق إلى المجتمع الإقطاعي الغربي ويأخذ منه العبيد والفراء. لكن هذا التاجر البدائي لم يكن منتمياً لا إلى هذا العالم ولا إلى ذاك، لا إلى الشرق ولا إلى الغرب. وقد وضع ماركس يده على هذه الخاصية حينما قال إن اليهود يعيشون في مسام المجتمع الإقطاعي، أي على حدوده.
ولم يكن النشاط الربوي اليهودي مختلفاً، فقد كان المرابون اليهود يقفون في واقع الأمر على الحدود بين الأمير الإقطاعي الذي كان يُدعَى شيخ المرابين والفلاحين وأشباههم ومن هم في مكانتهم الاجتماعية. وكان المرابون يمتصون ثروات الفلاحين ثم يقوم الأمير بدوره بامتصاصهم، ومن هنا كان يُطلَق عليهم «الإسفنجة» . وكانت وظيفة التاجر والمرابي اليهودي تسقط بسد الفجوة الزمنية وظهور طبقة محلية تضطلع بوظيفة الاتجار وأعمال الصيرفة.
وكان من أهم وظائف الجماعة الوظيفية اكتشاف مجالات الاستثمار الخفية، والقيام بدور ريادي في الأراضي غير المأهولة وفي المشاريع الخطرة إذ تكون الأشكال التقليدية للاستثمار موصدة دونهم. كما أن العناصر الوسيطة عناصر أكثر حركية ولأنها لا تقع تحت طائلة القوانين الإقطاعية الصارمة. وقد اضطلع كثير من الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية، ومن ثم كانوا يقعون خارج المجتمع وخارج هيكله القانوني، يرتادون المناطق غير المأهولة والمجالات الاستثمارية غير المألوفة.

وقد عمَّق حدودية اليهود بعض الأفكار الدينية اليهودية والمسيحية الغربية: أولها فكرة الشعب الشاهد (الكاثوليكية) التي ترى ضرورة الحفاظ على اليهود في حالة ضعَة ومذلة ليقفوا شاهداً على عظمة الكنيسة، والشعب الشاهد ليس جزءاً من المجتمع إذ يجب عليه أن يقف على الحدود كي يشهد على كل شيء ويشاهده. والفكرة الثانية هي فكرة الماشيَّح اليهودية، أي الملك الذي سيأتي من نسل داود ليخلِّص اليهود من نير الأغيار ويعود بهم إلى وطنهم القومي، ويقف بذلك شاهداً على عظمة اليهود وعلى ضعَة الآخرين. ولقد ساهمت الفكرتان معاً في تعميق غربة اليهود وانعزالهم وتفكيك أواصر الصلة بينهم وبين البلاد والشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. ثم جاء الفكر البروتستانتي الاسترجاعي فمزج الفكرتين، وأصبح الشعب الشاهد هو نفسه الشعب المقدَّس الذي يجب استرجاعه إلى فلسطين لتنصيره حتى يتم التخلص منه والخلاص للجميع. وتنطوي كل هذه الرؤى الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية، على افتراض مفاده أن اليهود شعب غريب لا جذور له.
ولقد أصبحت حدودية اليهود في المجتمع الغربي وضعاً طبقياً ووظيفياً محدَّداً يسانده بناء فكري وديني، وهو ما يعني أن هذا الوضع كان قائماً على مستوى الواقع وعلى مستوى الوعي. وبذا تحددت صورتهم وتبلورت، وتحدَّد دورهم كعنصر وظيفي وسيط. وقد تعاملت معهم أوربا في هذا الإطار حتى عام 1950 تقريباً؛ أي بعد الإبادة النازية وقيام الدولة الصهيونية واندماج يهود الولايات المتحدة.

وكانت حدودية أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية هي العنصر الأساسي الذي حدد مواطن استقرارهم. ففي العصور الوسطى، استقر اليهود في إنجلترا (مع الغزو النورماندي) في الموانئ والمراكز التجارية مثل لندن. وظل اليهود مرتبطين بالعنصر الفرنسي الغازي إلى أن طُردوا من إنجلترا في القرن الثالث عشر. وفي بقية القارة الأوربية، اتخذ استقرارهم الشكل نفسه؛ وقد أشرنا من قبل إلى استيطانهم كولونيا. كما أنهم استوطنوا أيضاً مدناً تقع على نهر الراين مثل فرانكفورت وورمز وسبير ومتز، أو على أنهار أخرى مثل مدينة أوجسبرج وماجدبرج وبراغ. والأنهار كما هو معروف من أهم طرق النقل والتجارة، وبخاصة قبل الثورة الصناعية.

واستمر النمط نفسه وتعمَّق في شبه جزيرة أيبريا، حيث بقي بعض أعضاء الجماعة، بعد الفتح الإسلامي، في الجيوب المسيحية في الشمال. وقد أسس شارلمان جيباً يُسمَّى «ماركا هيسبانيكا» في جبال البرانس ووطَّن فيه الرواد اليهود، ليكون حاجزاً ضد الزحف الإسلامي. وتدل الوثائق على أن أعضاء الجماعة اليهودية في هذا الجيب كان لهم حق امتلاك الأراضي الزراعية والعمل فيها وشرائها وبيعها واستئجارها وتأجيرها. ونظراً لعدم وجود كثافة بشرية مسيحية، كان العنصر اليهودي، أثناء الغزو المسيحي التدريجي لشبه جزيرة أيبريا، من العناصر الأساسية التي اعتمدت عليها الجيوش الغازية. وقد انخرط اليهود في تلك الجيوش التي كانت تستخدمهم كجماعة وظيفية استيطانية في الأراضي المفتوحة، حيث كان يتم منحهم مرة أخرى حق امتلاك الأراضي وزراعتها في وقت كانت الأرض فيه مصدر رزقهم الأساسي. وقد تكرر النمط نفسه في مورسيا وبالنسيا ولامنشا ومقاطعة الأندلس وغيرها. كما مُنح اليهود حق فتح محالٍّ تجارية شريطة أن يستوطنوا مع أسرهم. وبعد استقرار الحكم المسيحي في شبه جزيرة أيبريا، ومع انحسار المد العربي الإسلامي، فقد شبه الجزيرة صفته الحدودية، وطُرد أعضاء الجماعة اليهودية بعد زواج فرديناند وإيزابيلا ونجاحهما في استكمال غزو شبه الجزيرة ببضعة أشهر.

وقد انتشر يهود السفارد ويهود المارانو (المتخفون) الذين طُردوا من إسبانيا والبرتغال في أنحاء المعمورة. وكانوا يتسمون بدرجة عالية وحادة من الحدودية، أي أنهم كانوا على معرفة تامة بالحضارتين السائدتين آنذاك: حضارة المسلمين في الشرق، وحضارة المسيحيين في الغرب. كما كان يهود المارانو يقفون على الحدود بين العالمين اليهودي والمسيحي، فهم يهود في الخفاء مسيحيون كاثوليك في الظاهر، الأمر الذي سهل لهم التحرك بين الجماعتين. هذا إلى جانب أن كثيراً منهم احتفظ برأسماله واتصالاته داخل شبه الجزيرة الأيبيرية، حتى بعد أن طُردوا منها، حيث كانوا يعودون إليها ليصرِّفوا أمورهم، ثم ينتقلون إلى أوطانهم الجديدة. وكانت السلطات الفرنسية والألمانية تعرف أنهم يهود متخفون، ومع ذلك سمحت لهم هذه السلطات بالاستيطان باعتبارهم كاثوليكيين من البرتغال أو إسبانيا حتى تستفيد من اتصالاتهم الدولية ورأسمالهم. وقد أدَّى طردهم من أيبريا إلى اتساع نطاق نشاطهم الدولي وازدياد نطاق حدوديتهم، إذ وُجدت أعداد كبيرة منهم في شتى مناطق التجارة العالمية، وفي المدن والموانئ الأوربية والعثمانية.

كما استقرت أعداد كبيرة منهم في موانئ مثل بايون وبوردو في فرنسا أو في مدن ذات أهمية تجارية خاصة مثل برودي في جاليشيا أو في مدن مثل فرانكفورت وغيرها من المدن الألمانية التي كانوا قد طُردوا منها. ومن أهم المدن التي استقروا فيها مدينة أمستردام عاصمة هولندا، وهي من أهم الموانئ التي تطل على المحيط الأطلنطي، أي أنها تقع على حدود العالم القديم المواجهة للعالم الجديد. كما استقروا في لندن، وهي أحد أهم مراكز التجارة الأطلنطية التي كانت قد بدأت تحل من حيث الأهمية محل التجارة مع الشرق. وكانت كل من أمستردام ولندن عاصمة لامبراطورية صغيرة ناشئة، وعاصمة الإمبراطورية هي دائماً مفترق الطرق والنقطة التي يتم فيها عقد الصفقات وتوزيع الغنائم، وهي أيضاً النقطة التي تستأثر بنسبة عالية من الثروات التي تصب من المستعمرات. وحينما استوطن اليهود في العالم الجديد في الفترة نفسها، استقروا في نيو أمستردام (نيويورك فيما بعد) وجزر الهند الغربية، أي في مناطق تجارية على حدود العالم الجديد المواجه للعالم القديم. وقد لعب يهود المارانو والسفارد دوراً مهماً في نشأة الرأسمالية بسبب خاصيتهم الحدودية.
وقد وُجدت أعداد كبيرة أيضاً من اليهود في مقاطعتي الألزاس واللورين، على الحدود بين ألمانيا وفرنسا، وهما المقاطعتان اللتان تنازعتهما الدولتان حيث ضمتهما فرنسا في القرن الثامن عشر ثم ضمتهما ألمانيا في عام 1870، واستعادتهما فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى ثم ضمتهما ألمانيا فترة قصيرة أثناء الحرب العالمية الثانية، إلى أن استرجعتهما فرنسا بعد ذلك.

لكن أكبر تَجمُّع يهودي في أوربا وفي العالم الحديث كان في بولندا، وهو ما نسميه «يهود اليديشية» . وقد هاجر إليها اليهود للاشتغال بالتجارة، واستقروا في وارسو وكراكوف وغيرهما من المدن. وبولندا، من ناحية ما، بلد حدودي يقع بين روسيا وبحر البلطيق ويربط بين غربي أوربا وشرقيها. وقد ظلت قوة عظمى مادامت الكتلة الروسية منكمشة والقوة الألمانية مقسمة إلى وحدات صغيرة متنازعة. ولكنها فقدت نفوذها ومكانتها بظهور حكومات مركزية قوية في روسيا وألمانيا اللتين أخذتا تتنازعانها فيما بينهما، وهي في هذا تشبه فلسطين التي تتنازعها الإمبراطوريات العظمى. وتظهر حدودية بولندا بشكل حاد في عملية تقسيمها بين روسيا وألمانيا والنمسا إذ قُسِّمت ثلاثة أقسام حتى أنها اختفت ككتلة سياسية مستقلة طوال القرن التاسع عشر بعد أن كانت أكبر دولة أوربية لها حدود مع الإمبراطورية العثمانية. وقد تم تقسيم أعضاء الجماعة اليهودية بتقسيم بولندا، فضُم قطاع منها إلى ألمانيا (بوزن أو بوزنان) وضُم قطاع آخر إلى النمسا (جاليشيا) وضُم الجزء الأكبر إلى روسيا.
وإذا كانت بولندا دولة حدودية، فإن أكثر أقاليمها حدوديةً هو أوكرانيا التي يعني اسمها «البلد الذي على الحدود» . وقد انتقلت أعداد كبيرة من اليهود إليها بعد ضمها إلى بولندا في القرن السادس عشر، ليقوموا بدور جماعة وظيفية استيطانية مالية تمثل مصالح النبلاء الإقطاعيين هناك. وتزايد استيطانهم خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. وقد قاموا بدور جمع الضرائب والصيرفة، فيما يُعرَف باسم نظام الأرندا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية على الحدود جغرافياً في أوكرانيا، وعلى الحدود مجازياً (بين النبلاء الكاثوليك والفلاحين الأرثوذكس) . ولذا، حينما قامت ثورة شميلنكي الأوكرانية، اكتسحتهم في طريقها. وضمت روسيا منطقة أوكرانيا فيما ضمت من أراض بولندية.

وعندما قامت الإمبراطورية الروسية بضم الإمارات التركية الموجودة حول البحر الأسود، وطنت اليهود في المناطق الجديدة المفتوحة التي عُرفت باسم «روسيا الجديدة» وبخاصة في ميناء أوديسا، وذلك لصبغها بالصبغة الروسية ولنزع الصبغة التركية عنها. وفي عام 1928، طرحت الحكومة السوفيتية مشروعاً لتوطين اليهود في القرم، وهي من أكثر المناطق حدوديةً في العالم حيث حكمها اليونان والرومان والقوط والهن ويهود الخزر والبيزنطيون والمغول وجمهورية جنوة والعثمانيون ثم الروس، كما غزاها الألمان لفترة قصيرة أثناء الحرب العالمية الثانية. ولكن الحكومة السوفيتية تخلت عن المشروع ونفذت مشروع إقليم بيروبيجان. ويبدو أن المشّرع السوفيتي كان واعياً بخاصية الحدودية في الجماعات اليهودية حينما وطنهم في منطقة على الحدود مع الصين غير بعيدة عن اليابان. ولكن السوفييت، برفضهم توطين اليهود في منطقتي أوكرانيا والقرم، لقربهما من ألمانيا والدول الغربية التي قد تجندهم لصالحها، كانوا يتبعون سياسة القياصرة الذين أصدروا قراراً في القرن التاسع عشر بعدم السماح لليهود بالسكنى إلا على مسافة خمسين فرسخاً من الحدود الأوربية، وذلك خشية تعاونهم مع الدول المعادية، خصوصاً أن اليهود كانوا يتحدثون اليديشية وهي رطانة ألمانية. كما أن التوجه الثقافي ليهود روسيا في القرن التاسع عشر كان ألمانياً في الأساس.
ويُلاحَظ أن أكبر تجمُّع يهودي في العالم يوجد اليوم في الولايات المتحدة، كما أن أكبر نقاط تركُّز أعضاء الجماعة هي نيويورك: المنطقة الحدودية بين الولايات المتحدة وأوربا. ولكن يجب التنبه إلى أن الحدودية الوظيفية لليهود في المجتمع الأمريكي قد تضاءلت وربما اختفت تماماً. ولعل هذا يفسر بداية تضاؤل حدوديتهم على الصعيد الجغرافي، إذ بدأوا يبتعدون عن مراكزهم الحدودية التقليدية وينتشرون في أنحاء أمريكا.

ومع هذا، يمكن اعتبار اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالبغاء تعبيراً عن الظاهرة نفسها. فمع علمنة الرغبة في المجتمع الغربي، دون علمنة السلوك، ظهرت فجوة بين الرغبة الجنسية وإشباعها كان لابد من ملئها عن طريق جماعة وظيفية. وكان اليهود قد فقدوا وظيفتهم كتجار صغار، فتحولت أعداد كبيرة منهم إلى العمل بهذه التجارة المشينة. وقد قُضي على هذه الظاهرة مع تزايد معدلات علمنة السلوك في المجتمع الغربي، بحيث أصبح من الممكن تحقيق الإشباع الجنسي من خلال الإناث المحليات ممن يردن تعظيم ربحهن وزيادة دخلهن دون حاجة إلى وساطة عنصر وظيفي.

ويبدو أن اللغات التي تحدَّث بها العبرانيون وأعضاء الجماعات اليهودية تتسم بالحدودية نفسها. فالعبرانيون في مصر كانوا يتحدثون في الغالب لغة المصريين القدامى بعد أن أدخلوا عليها مصطلحات سامية بحيث أصبحت رطانة خاصة بهم، أو لعلهم كانوا يتحدثون بإحدى اللهجات السامية بعد أن أدخلوا عليها كلمات وتعبيرات مصرية (قديمة) . وقد ظل هذا هو النمط اللغوي بين أعضاء الجماعات: أن يتحدثوا لغة الأقوام التي يعيشون بينها بعد أن يُدخلوا عليها ألفاظاً عبرية بحيث تصبح رطانة خاصة بهم، وكانوا عادةً يكتبونها بالحروف العبرية. والرطانة هي طريقة في الحديث مختلفة عن النمط اللغوي السائد، ولكنها لا ترقى إلى مستوى النسق اللغوي المستقل، أي أنها تقف على «حدود» اللغة الأم: لا تنتمي إليها كليةً وفي الوقت نفسه لا تنفصل عنها، تماماً كما هو حال الجماعة الوظيفية التي توجد في المجتمع دون أن تكون منه. وقد كان هذا هو حال اللغة اليديشية التي يصنفها علماء اللغة باعتبارها رطانة ألمانية إذ أن بنيتها في الأساس بنية ألمانية العصور الوسطى. وقد دخلت عليها كلمات من السلافية والعبرية وغيرهما بعد أن نقلها اليهود معهم إلى بولندا، وكانوا يكتبونها بالحروف العبرية. لكن هذه اللغة ظلت مقصورة على الأمور التجارية، وعلى الاستخدامات اللغوية عند العوام، إذ كانت المؤلفات الدينية تُكتَب بالعبرية أو الآرامية. ومع بداية تحديث اليهود، أي مع دمجهم وتحريكهم من أطراف المجتمع ليصبحوا جزءاً عضوياً منه، طالب دعاة التنوير بالتخلي عن اليديشية لأنها أصبحت لغة الغش التجاري والتهريب بسبب حدوديتها كما كان سكان البلد الأصليون لا يعرفونها. وقد جَرَّمت جميع الحكومات التي أعتقت اليهود سياسياً استخدام اليديشية في الأعمال التجارية.

ولم تزدهر اليديشية كلغة أدبية إلا في مرحلة مفصلية من تاريخ شرق أوربا، وهي مرحلة التحديث المتعثر في أواخر القرن التاسع عشر، إذ توقفت عمليات الدمج وانصرف أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا وبولندا وغيرهما عن تحديث أنفسهم لغوياً. كما انصرفوا عن دراسة اللغة الأم واهتموا بدلاً من ذلك بدراسة العبرية واليديشية، فأنتجوا أدباً باليديشية يرى بعض النقاد أنه يرقى إلى مستوى الأعمال الأدبية الجادة. ولكن، لم يُقدَّر لهذه المرحلة أن تستمر طويلاً، فبقيام الثورة البلشفية استؤنف التحديث مرة أخرى وأُتيحت فرص الدمج والحراك الاجتماعي أمام أعضاء الجماعة اليهودية، فانصرفوا عن إرسال أطفالهم إلى المدارس التي تُعلِّم اليديشية. وانخفض عدد المتحدثين بها في الاتحاد السوفيتي من نحو 97% مع نهاية القرن التاسع عشر إلى 19% من أعضاء الجماعات اليهودية في الوقت الحاضر ومعظمهم من المسنين. وقد اختفت اليديشية تقريباً في الولايات المتحدة أيضاً بسبب المعدلات المتزايدة للاندماج بين أعضاء الجماعات اليهودية.
ويُعدُّ الجيتو التجسيد المعماري المتعين لهذه الحدودية الوظيفية، فهو يقف داخل المدينة ولكنه ليس منها إذ تفصله أسوار عالية عن بقية أجزائها، وكان الجيتو يقع أحياناً على أطراف المدينة حتى يمكن عزل اليهود داخل حدوده.

وقد كان لحدودية أعضاء الجماعات اليهودية أعمق الأثر فيهم. فنتيجةً لوضعهم هذا، تزايد التصاقهم بالحاكم إلى أقصى حد، إذ أنهم باعتبارهم أداته في الاستغلال كانوا عناصر مرفوضة مهددة بالثورات الشعبية، وهذا ما جعلهم في حاجة دائمة إلى الدعم العسكري من السلطة. ويتجلى مدى التصاقهم بالحاكم في وضعهم القانوني في العصور الوسطى في الغرب، إذ كانوا يُعدّون ملكية خاصة للملك (أقنان بلاط) يؤدون له الضريبة ويقوم هو بحمايتهم. وكانت دية اليهودي الذي يُقتَل تُدفَع للحاكم وليس لأهل اليهودي، كما كانت عقوبة قتل اليهودي أو أحد أبنائه في بعض بلاد أوربا مثل عقوبة قتل أو إيذاء الفرسان بل أشد في بعض الأحيان. وقد حاول البعض تخفيض العقوبة بحيث تصبح مساوية لعقوبة قتل أو إيذاء فلاح! كان هذا هو وضع يهود ألمانيا ويهود بولندا بشكل عام، ويهود أوكرانيا بشكل خاص إذ كان تميزهم أكثر حدة وإثارة. لقد كانوا ممثلين للقوة الحاكمة بين المحكومين، ويعيشون داخل مدن صغيرة مقصورة عليهم (الشتتل، أي الكيان الغريب المشتول) ، ويتعبدون داخل معابد يهودية تشبه القلاع، تعسكر بالقرب منهم القوات البولندية لحمايتهم!
وبسبب حدودية اليهود، ونتيجة لها في آن واحد، كان العالم الغربي يحوسلهم، أي يحولهم إلى وسيلة، والوسيلة لا قيمة لها في ذاتها، بل تكون المحافظة عليها بقدر نفعها وبمقدار تأديتها الوظيفة المنوطة بها. ومن هنا، كان الحوار الذي بدأ في أواخر القرن الثامن عشر حول حقوق اليهود، يدور في إطار مدى نفع اليهود وجدواهم.

وقد ساهمت حدودية اليهود داخل الحضارة الغربية في تعميق المسألة اليهودية فيها وفي تحديد شكل الحلول المطروحة لها. فحدوديتهم الوظيفية والمعنوية عزلتهم عن التطورات العميقة التي حدثت داخل المجتمع الغربي ابتداء من القرن السادس عشر. وجاء عصر النهضة ثم عصر الإصلاح الديني وعصر العقل وعصر الرومانسية، وهي كلها تعبير عن الانقلاب الصناعي الرأسمالي، بينما كان اليهود معزولين عن مجتمع الغرب معنوياً رغم وجودهم فيه.
كما عمَّقت الحدودية الجغرافية، وبشكل حاد، أبعاد المسألة اليهودية. ولنأخذ، على سبيل المثال، الألزاس واللورين: كان يهود هذه المنطقة من الإشكناز الذين يتحدثون اليديشية ويشتغلون بالتجارة والربا ولا يندمجون بمحيطهم الثقافي. وكانت الألزاس واللورين تنتميان إلى التشكيل السياسي الألماني ثم انتقلتا إلى التشكيل السياسي الفرنسي ثم عادتا إلى التشكيل السياسي الألماني مرة أخرى، وانتهى بهما المطاف بعد الحرب العالمية الأولى إلى أن أصبحتا جزءاً من فرنسا. وليس بإمكان أقلية أن تحدِّد ولاءها وهويتها بما يتفق مع متطلبات الدولة القومية في مثل هذا المناخ الذي تتغير فيه هذه المتطلبات.

وكان الوضع أكثر سوءاً في الجيب البولندي الذي ضم معظم يهود العالم، أي يهود اليديشية. فقد جرى تقسيم بولندا بين ثلاث دول مختلفة: واحدة منها سلافية (روسيا) والاثنتان الأخريان جرمانيتان (ألمانيا والنمسا) . وقد ضمت ألمانيا مقاطعة بوزن (بوزنان) وألمنت يهودها، ولكنهم ظلوا مع هذا شرق أوربيين. وحينما هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى ألمانيا، أدَّت هجرتهم إلى تغيير طابع يهود ألمانيا من طابع غرب أوربي إلى طابع شرق أوربي. أما يهود جاليشيا التي ضمتها النمسا، فقد ظهر بينهم من ينادي بالثقافة الألمانية، وظهر فريق آخر ينادي بالثقافة البولندية، وفريق ثالث ينادي بالثقافة العبرية. وكان يهود أوكرانيا متعددي الولاءات ومتعددي الثقافات، فبعضهم أوكراني وبعضهم الآخر روسي والثالث ألماني والرابع بولندي. ولو وُجد اليهود في بقعة جغرافية غير حدودية لكان من السهل تحديثهم ودمجهم كما حدث ليهود ألمانيا قبل الهجرة من شرق أوربا، وكما حدث ليهود إنجلترا والولايات المتحدة بعد هذه الهجرة.

ويَصدُر الحل الصهيوني بين الصهاينة المسيحيين واليهود عن هذه الخاصية الحدودية ويتقبلها. ولكن، قبل أن نتناول البنية الحدودية للحل الصهيوني، قد يكون مما له دلالته وطرافته أن نذكر أن أول مؤتمر عقده أعضاء أحبّاء صهيون هو مؤتمر كاتوفيتش الذي عُقد على الحدود بين ألمانيا وروسيا. كما عُقد أول مؤتمر للمنظمة الصهيونية العالمية في بال السويسرية، وهي بلد حدودي محايد، ذلك لأن يهود ميونيخ، التي كانت تضم واحدة من أكبر الجماعات اليهودية آنذاك، قد آثروا الاندماج ورفضوا الهامشية التي كانت الصهيونية تطرحها. كما أن هرتزل نفسه، الذي اكتشف الصيغة الصهيونية بين اليهود، كان شخصية حدودية بالدرجة الأولى، فهو من وسط أوربا التي تقع بين شرقها وغربها، وينتمي إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية متعددة الولاءات. وهو مجري المولد نمساوي النشأة يهودي المنزع، كما كانت له ثلاثة أسماء: زئيف (مجري) وتيودور (ألماني) وبنيامين (عبري) . وهو، رغم تعدُّد ولاءاته، كان هامشياً بالنسبة إلى هذه المجتمعات جميعاً. وربما كان هذا ما رشحه لأن يكتشف الصيغة الصهيونية الحدودية التي ترى اليهود جماعة حدودية. ورغم ادعاء بعض الصهاينة، على مستوى التصريحات، أنهم سيطبِّعون اليهود ويخلِّصونهم من هامشيتهم، فإن البنية الحقيقية للفكرة الصهيونية بنية حدودية إن صح التعبير. فاليهود، حسب الرؤية الصهيونية المسيحية والرؤية اليهودية، شعب يقف على هامش التاريخ غير اليهودي ولا يساهم فيه كثيراً. وقد تحوَّلت هذه الرؤية إلى فكرة الشعب العضوي المنبوذ، أي اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً جذوره ليست في أوربا وإنما في فلسطين، ومن ثم فليس بالإمكان تحقيق القومية اليهودية إلا خارج أوربا (في فلسطين) . أما إن بقي اليهود داخل تشكيلات حضارية وقومية لا ينتمون إليها، فإنهم يتحولون إلى شخصيات هامشية طفيلية يجب التخلص منها. وقد كان يُشار إلى اليهود باعتبارهم مادة بشرية

يمكنها أن تضطلع بدور ريادي حدودي مفيد للحضارة الغربية. ويُعتبَر ظهور محمد علي والقضاء عليه عام 1840 النقطة الحاسمة في تاريخ الصهيونية، إذ بدأت القوى الاستعمارية تكتشف خطورة وقوع المنطقة في أيدي قيادة محلية، الأمر الذي سيفقد فلسطين حدوديتها، فسعت إلى توطين اليهود فيها باعتبارهم عنصراً حدودياً وجماعة وظيفية استيطانية حتى تظل فلسطين منطقة نفوذ غربية. وكان شافتسبري ينوِّه بفائدة العنصر اليهودي في هذا المضمار، أما لورنس أوليفانت فقد طرح مشروعاً حدودياً مثيراً لمدّ خط سكة حديدية من استنبول إلى بغداد على أن تُخصَّص منطقة بعرض كيلو مترين على جانبي الطريق يُوطَّن فيها اليهود.

وقد تقبَّل اليهود الصهاينة هذا الحل الصهيوني غير اليهودي. فهرتزل يتحدث عن الدولة الصهيونية باعتبارها حائطاً غربياً يقف في الشرق ليصد الهمجية ويتمتع بالحماية الغربية بالمقابل (مثلما تمتع يهود أوربا بحماية الملك والحاكم) ، كما يتحدث عن اليهود باعتبارهم مادة نافعة يمكن الاستفادة منها في خدمة إنجلترا وغيرها من الدول الغربية. أما ماكس نوردو، فكان يرى أن المشروع الصهيوني يرمي إلى مدّ حدود أوربا إلى الشرق وإلى تخليصها من العنصر اليهودي الحدودي. وقد وصف وايزمان الدولة الصهيونية المزمع إنشاؤها بأنها بلجيكا آسيوية. وهو محق في قوله، فبلجيكا في علاقتها بإنجلترا تشبه علاقة فلسطين بمصر في كثير من الوجوه. وقد أكد جابوتنسكي أن كون اليهود عنصراً حدودياً سيجعلهم يدينون دائماً بالولاء للغرب وسيحول فلسطين إلى دولة حدودية وظيفية. وهذا على عكس فلسطين العربية التي ستدخل الفلك العربي الإسلامي، وبذا تفقد حدوديتها. وقد نجحت الصهيونية بمساعدة الإمبريالية الغربية في تأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية التي تقع بين آسيا وأفريقيا، وتطل على قناة السويس وتخلق ثغرة بين شرق العالم العربي وغربه، وهي قاعدة استيطانية قتالية ومالية للإمبريالية الغربية في المنطقة، ووجودها منوط بحدوديتها الجغرافية والوظيفية، أي بوجودها في هذه المنطقة الإستراتيجية وبنجاحها في أداء وظيفتها القتالية والاستيطانية.

وقد لاقت فلسفة نيتشه صدى لدى الشباب اليهودي في شرق أوربا، ثم بين العديد من الصهاينة، لأنها فلسفة حدودية تنصح الإنسان بأن يعيش في خطر دائم وأن يبني بيته بجوار البركان. وقد وصل هذا التيار النيتشوي الصهيوني الحدودي إلى الذروة في عقيدة جوش إيمونيم الاستيطانية حيث يذهب المستوطن الصهيوني إلى وسط المدينة العربية ويؤسس بيته. ويحلو لأتباع هذا التيار أن يقتبسوا كلمات «بلعم» ، ذلك العراف الوثني الذي دعاه ملك مؤاب ليلعن العبرانيين القدامى عند اقترابهم من مملكته «هو ذا شعب يسكن وحده وبين الشعوب لا يُحسَب» (عدد 23/9) . وهذا الاقتباس هو جوهر الصهيونية، فهو يتضمن التقبل غير المشروط للصفة الحدودية على المستويين الوظيفي والجغرافي.

والقانون العام الذي يمكننا استخلاصه هو أن العنصر اليهودي داخل الحضارة الغربية يُنظَر إليه باعتباره عنصراً وظيفياً حدودياً. ولهذا، فلابد أن تتحول فلسطين هي الأخرى، من منظور المصالح الغربية، إلى بلد وظيفي حدودي. وهذا يمكن تحقيقه من خلال خَلْق وضع تجزئة دائم في العالم العربي الإسلامي. وحينما تصبح فلسطين بلد حدودياً تسيطر عليها دولة وظيفية، يمكن توطين العنصر اليهودي الوظيفي الحدودي فيها. ومن هنا كان رفض الدول الغربية جميع المحاولات الرامية إلى توحيد المنطقة، ابتداءً من محاولة صلاح الدين الأيوبي، مروراً بمحمد علي، وانتهاءً بمحاولة جمال عبد الناصر. وربما كان الفارق الأساسي بين هجمة الفرنجة والهجمة الاستعمارية الصهيونية أن الأولى لجأت إلى ديباجات مسيحية لا علاقة لها بالهدف الإستراتيجي النهائي وأنها صدَّرت عناصر بشرية مسيحية. أما الثانية فقد اكتشفت أن العنصر اليهودي عنصر حدودي وظيفي داخل الحضارة الغربية، ولذا لجأت هي الأخرى إلى ديباجات يهودية لا علاقة لها بالهدف الإستراتيجي النهائي. ويعني وعد بلفور، في نهاية الأمر، فرض الصفة الحدودية على فلسطين عن طريق الاستعمار البريطاني، كما يرمي إلى توطين العنصر اليهودي الحدودي فيها لخدمة مصالح الحضارة الغربية. ولم يكن بلفور في هذا إلا تعبيراً عن نمط كامن في الحضارة الغربية يستند إلى رؤية كاملة لفلسطين باعتبارها حيزاً جغرافياً يجب أن يوظَّف لصالح الحضارة الغربية، وإلى اليهود باعتبارهم عنصراً استيطانياً يمكن توظيفه في هذه العملية.

ويُلاحَظ أن الجماعات اليهودية في العالم لم تتخلص من حدوديتها تماماً. وقد أدَّى ظهور الدولة الصهيونية إلى تعميق هذه الخاصِّية، إذ بدأت تتسع الثغرة التي تفصل بين أعضاء الجماعات اليهودية والأوطان التي يعيشون في كنفها، وذلك من حيث هم أفراد يدينون بالولاء لوطنهم الأصلي. كما تحاول الحركة الصهيونية تعميق الهوية الإثنية لدى اليهود، وهي هوية وهمية (حيث لا توجد هوية واحدة) ولكنها مع هذا تنجح في فصلهم عن محيطهم الحضاري. وتلعب مدارس أعضاء الجماعات اليهودية دوراً أساسياً في هذا المضمار. وقد قامت مدارس الأليانس بتحويل يهود الشرق إلى مادة استيطانية.
ورغم اندماج كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم الجديدة، إلا أنهم استقروا في قطاعات اقتصادية يمكن أن نسميها حدودية (السينما ـ صناعات خفيفة قريبة من المستهلك ... ) وابتعدوا عن الصناعات الثقيلة والزراعة، وهذا يحدث للمهاجر الذي يأتي إلى بلد قد تم تأسيس بنيته التحتية ويمتلكها أبناء البلدة أنفسهم. ويُلاحَظ وجود أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في الحركات اليسارية (خصوصاً التروتسكية) والعدمية، ويُقال إن 30% من أعضاء الجماعات السرية من أعضاء الجماعات اليهودية. كما ينجذب أعضاء الجماعات اليهودية إلى العبادات الجديدة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه حدودية دينية وفكرية.
هامشية اليهود
‏Marginality of the Jews

«هامشية اليهود» مصطلح يُستخدَم في الدراسات التي تدور حول وضع أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية، خصوصاً شرق أوربا، وهو مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، ويصف وجودهم الاقتصادي والاجتماعي والحضاري كجماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف وحرف ومهن مختلفة، مثل التجارة البدائية والربا وقد كانتا عمليتين مرتبطتين بالنظام الإقطاعي ولكنهما لم تكونا قط من صميم العملية الإنتاجية ذاتها. بل إن الحرف التي كان يمارسها اليهود أنفسهم، لم تكن مرتبطة بالفلاحين، وإنما كانت مرتبطة بالتجار اليهود أو الأمراء الإقطاعيين. ولذلك، فحينما ظهرت الرأسمالية المحلية في شرق أوربا مع بدايات القرن التاسع عشر، ثم الدولة القومية والنظام المصرفي الحديث، وجد أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم بلا دور اقتصادي أو إنتاجي يلعبونه، وبالتالي كانوا عرضة لاضطهاد المجتمع الذي لم يَعُد في حاجة إلى خدماتهم ولم يعد يرى لهم نفعاً، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة حدة تفاقم المسألة اليهودية وزيادة هجرتهم إلى غرب أوربا. وقد بذلت الحكومة الروسية، وكذلك الحكومة النمساوية التي كانت تتبعها جاليشيا، جهوداً شتى لتحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج عن طريق فتح أبواب مهنة الزراعة أمامهم. وساهم في هذه الجهود مليونيرات الغرب من اليهود، مثل هيرش وروتشيلد، لأن هجرة اليهود من شرق أوربا إلى غربها كانت تسبب لهم الحرج الشديد كما كانت تهدد مواقعهم الاقتصادية والحضارية التي اكتسبوها عن طريق الاندماج. وقد تعثرت هذه المحاولات وهو ما اضطر الحكومة الروسية، على سبيل المثال، إلى أن تلجأ للقمع الاقتصادي عن طريق إصدار قوانين مايو. وهامشية اليهود موضوع أساسي كامن في كتابات الصهاينة العماليين ـ خصوصاً دوف بير بوروخوف، وأهارون جوردون ـ وهم يقترحون تحويل اليهود إلى شعب منتج عن طريق الهجرة واقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج.

والحديث عن هامشية اليهود فيه كثير من التعميم والتجريد. فالهامشية المقصودة هي هامشية يهود شرق أوربا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وحسب، لأن الدور اليهودي (الوظيفي التجاري المالي) في المجتمعات الزراعية التقليدية في الغرب كان دوراً حيوياً، إذ اضطلع أعضاء الجماعات اليهودية بوظيفة أساسية في المجتمع رغم أنها لم تكن جزءاً من العملية الإنتاجية الرئيسية. أما الوجود اليهودي في العالم الإسلامي فلم يكن هامشياً قط، حيث تفاعلوا في محيطهم الحضاري واصطبغوا به فأبدعوا من خلاله وانخرطوا في سائر المهن والوظائف. كما أن الوجود اليهودي في الولايات المتحدة لم يكن أبداً هامشياً وإنما كان في صميم المجتمع ذاته من البداية. كما لا يمكننا استخدام مصطلح «هامشي» لوصف الوجود اليهودي في فرنسا أو إنجلترا أو روسيا السوفيتية (سابقاً) ، فالبناء الوظيفي لأعضاء الجماعات اليهودية في كل هذه البلاد لم يَعُد متميِّزاً كما كان الأمر سابقاً. وإذا كان ثمة تميُّز، فإنه يعود لكون الجماعة اليهودية أقلية أو جماعة وظيفية وليس لأنها يهودية. وإذا كان هناك أي وجود هامشي غير منتج حتى الآن، فهو وجود الدولة الصهيونية الوظيفية المموَّلة من الخارج التي أُسِّست على أرض الفلسطينيين وحوَّلتهم إلى عمالة رخيصة وتستمر في قمعهم وإجهاض تطلعاتهم وأحلامهم المشروعة.
شذوذ اليهود
‏Abnormality of the Jews

«شذوذ اليهود» مصطلح شائع في الأدبيات الصهيونية والمعادية لليهود ويشير إلى بعض السمات التي تُوصَف بأنها غير طبيعية، والتي يُفترَض أنها تسم أعضاء الجماعات اليهودية الغربية، والتي يمكن إزالتها عن طريق إصلاح اليهود أو تحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج أو عن طريق دمجهم أو تطبيعهم. ويرى الصهاينة أن وجود اليهود في المنفى والشتات (أي خارج فلسطين) حالة شاذة تسبب شذوذاً للشخصية اليهودية. وبالفعل، وجه الصهاينة سهام نقدهم إلى هذه الشخصية المريضة الشاذة غير السوية.

ولشذوذ الشخصية اليهودية، من وجهة نظرهم، مظهران أساسيان: أحدهما اقتصادي والآخر سياسي. أما المظهر الاقتصادي، فيتبدَّى في اشتغال اليهود بأعمال السمسرة والمضاربات والأعمال الهامشية غير المنتجة، مثل: التهريب والأعمال المالية والاتجار في العقارات وتجارة الرقيق الأبيض والتسول، بينما يتمثل المظهر السياسي فيما يُطلَق عليه إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة. فالصهاينة يرون أن اليهود، بعد تحطيم الهيكل، أصبحوا جماعات مشتتة ليس لها سيادة مستقلة، ويوجد أعضاؤها خارج نطاق مؤسسات صنع القرار، الأمر الذي كان يعني، من وجهة نظر الصهاينة، توقُّف مسار ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . وقد انعكست الظاهرة أيضاً في ازدواج الولاء عند اليهودي، فهو نظراً لافتقاره إلى وطن قومي خاص به يضطر إلى أن ينتمي إلى مجتمعات غريبة يحاول أن يندمج فيها. ولكن نزعته القومية الحقيقية تستمر، مع هذا، في التعبير عن نفسها رغم أنفه، فينقسم على نفسه وتتنازعه الولاءات المتناقضة. وقد عبَّر المؤرخ الصهيوني العمالي دوف بير بوروخوف عن القضية نفسها بطريقة أخرى إذ لاحظ أن الهرم الاجتماعي عند اليهود مشوه تماماً. فبدلاً من وجود قاعدة عريضة من العمال والفلاحين والطبقات المنتجة، وقلة من المفكرين والأطباء والمحامين والوسطاء، كما هو الحال في معظم المجتمعات، نجد العكس تماماً عند اليهود. فالهرم الإنتاجي عند اليهود مقلوب رأساً على عقب إذ أن معظم اليهود من الوسطاء. وغني عن القول إن السمات الشاذة التي تسم أعضاء الجماعات اليهودية هي في واقع الأمر السمات الأساسية لأية جماعة وظيفية، ومن ثم فهي تمثل ظاهرة إنسانية اجتماعية عامة لا تتسم بأي شذوذ. ولكن المعادين لليهود والصهاينة يرونها كذلك لأنهم يعزلون أعضاء الجماعات اليهودية عن محيطهم الحضاري والاجتماعي وينظرون إليهم من خلال نماذج اختزالية لا علاقة لها بوضعهم المتعيِّن، ثم يحكمون عليهم بالشذوذ.

وقد طرح الصهاينة رؤيتهم للمجتمع اليهودي المثالي (المجتمع الصهيوني) كجزء من مشروع حضاري متكامل يهدف إلى تطبيع الشخصية اليهودية، أي تخليصها من شذوذها المزعوم، وذلك بتحويل اليهود إلى أشخاص طبيعيين ينتجون ويستهلكون ويتحكمون في مصيرهم السياسي ويشعرون بالولاء نحو دولتهم، شأنهم في هذا شأن البشر كافة.
وغني عن القول أن مفهوم شذوذ الشخصية اليهودية مفهوم محوري في أدبيات معاداة اليهود، خصوصاً في الفكر النازي. لكن حل المشكلة بالنسبة إلى النازيين ليس إصلاح الشخصية اليهودية وإنما التخلص منها بأي شكل ممكن؛ عن طريق إرسالهم عبر الحدود إلى بولندا باعتبار أن أغلبيتهم كانت من يهود شرق أوربا، أو عن طريق إبادتهم. وقد كانت استجابة الصهاينة لعملية الإبادة نابعة من هذا الإيمان بشذوذ يهود أوربا. فحينما طلب بعض يهود أوربا عام 1942 من يتسحاق جرونباوم (أحد أعضاء النخبة الصهيونية في فلسطين) بأن يقوم المُستوطَن الصهيوني باتخاذ خطوات لإيقاف الإبادة، أخبرهم بأن «من الضروري التخلص من وضع اليهود غير العادي حتى نصبح أمة مثل الأمم كافة» ، ومن ثم يكون من الأفضل ـ من وجهة نظره ـ التخلي عن يهود أوربا حتى لا يتعرض شيء في المُستوطَن الصهيوني للخطر، حتى ولو بضع بقرات (على حد قوله) .

ويشير بعض المحللين السياسيين إلى الدولة الصهيونية بوصفها من أكثر الدول شذوذاً وأقلها طبيعية. فاقتصادها أصبح اقتصاداً تسولياً يعتمد على الغرب، ودرجة إنتاجية العمال فيها آخذة في التدني، وأصبحت صناعة السلاح من الصناعات الأساسية فيها، كما تحوَّلت هي نفسها إلى دولة شتتل/قلعة تدخل في حرب تلو حرب، كما أنها مهددة من الداخل بالانفجار السكاني العربي. وهي توجد في الشرق الأوسط وليست منه، وهي دولة يهودية فشلت في تعريف من هو اليهودي، الأمر الذي يشير إلى أن بنيتها أبعد ما تكون عن الطبيعية والسواء. كما أن الإسرائيليين عادوا مرة أخرى إلى الشذوذ والهامشية إذ تنخرط أعداد كبيرة منهم في أعمال السمسرة والجريمة، وأصبحت الدولة الصهيونية من أكبر مُصدِّري العاهرات إلى الغرب حتى أن لغة القوادين في أمستردام (على سبيل المثال) هي إحدى الرطانات العبرية، كما أن قطاع الخدمات غير الإنتاجي آخذ في التضخم رغم أن المواطن الإسرائيلي من أكثر المواطنين مديونية في العالم. ونحن نذهب إلى أن الدولة الصهيونية هي في واقع الأمر دولة وظيفية.
وقد طرحت الانتفاضة مرة أخرى، وبحدة، قضية شذوذ اليهود والدولة الصهيونية، إذ اكتشف التجمع الصهيوني مدى اعتماده على العمالة العربية، خصوصاً بعد أن حقق العمال اليهود من أصل شرقي (من يهود العالم الإسلامي) حراكاً اجتماعياً فتركوا قاعدة الهرم الإنتاجي ليمارسوا وظيفة الوسطاء وغير ذلك من الوظائف، الأمر الذي ترك هذه القاعدة للعمالة العربية. وقد أدَّت مقاطعة العمال العرب إلى تعطيل كثير من القطاعات الإنتاجية.
طفيلية اليهود
‏Parasitism of the Jews

كلمة «طفيلية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «باراسيتزم parasitism من» «باراسيت «parasite ومعناها «طفيل» والمأخوذة أصلاً من الكلمة اليونانية «باراسيتوس parasitos» بمعنى «يأكل إلى جانب» ) . وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى الحيوان أو النبات الذي يعيش على غيره. ويستخدم المعادون لليهود مصطلح «طفيلية اليهود» لوصف ما يتصورون أنه علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالمجتمعات التي يعيشون في كنفها. والكلمة مرادفة لكلمات أخرى مثل «هامشية» أو «شذوذ» أو تشترك معها في بعض المعاني والإيحاءات.

ولعل وصف أعضاء الجماعات اليهودية بالطفيلية يعود إلى كونهم جماعة وظيفية وسيطة موقعها عند حافة المجتمعات وفي الشقوق، وهو وضع استمر في شرق أوربا ووسطها حتى بداية القرن العشرين. فالجماعة الوظيفية الوسيطة تتركز في الأعمال غير الإنتاجية وتحقق أرباحاً عالية دون أن تنتج شيئاً متعيِّناً أو ملموساً، على عكس الزارع أو الصانع، حيث كان أعضاؤها يضطلعون بوظائف مثل الربا والتجارة وتجارة الرقيق والبغاء. ولذا كان يُشار إلى اليهود باعتبارهم «لوفتمنش» ، وهي كلمة ألمانية تعني حرفياً «رجال الهواء» ، ومعنى ذلك أن اليهود شعب يكسب رزقه لا من الإنتاج وإنما من الهواء أي من لا شيء. وقد وُصفت وظيفة اليهود كمرابين، أو كجماعة وظيفية وسيطة عميلة، بأنها كالإسفنجة يستخدمها الحاكم لامتصاص فائض القيمة من المجتمع ثم يعتصرها لحسابه. ورغم أن الإسفنجة مختلفة عن الكائن الطفيلي، إذ أن الكائن الطفيلي يمتص رزق الآخرين لحسابه على حين أن الإسفنجة تمتصها لحساب الآخر، فإن الجماهير التي جرى امتصاص رزقها لم تر سوى الجزء الأول من عملية الامتصاص. والإسفنجة والكائن الطفيلي يشتركان في أنهما دون أهمية بالنسبة إلى الجسم الذي يعيشان عليه، بل إنهما يشكلان خطورة شديدة عليه ويهددان حياته. ولعل إدراك الجماهير لليهود في العالم الغربي في العصور الوسطى، كجسم طفيلي أو كإسفنجة، هو أصل تهمة الدم، حيث يُتَّهم اليهود بامتصاص دماء ضحاياهم.
وقد استُخدمت كلمة «طفيلي» في الخطاب الاشتراكي الغربي لوصف اليهود والرأسماليين. فقد وصف المفكر الاشتراكي الفرنسي توسينيل اليهودي بأنه مثل البكتريا التي تنتشر بسرعة.

وطفيلية يهود العالم خارج فلسطين موضوع كامن أساسي في الأدبيات الصهيونية ذات الديباجة الاشتراكية. فقد وصف المفكر الصهيوني العمالي أهارون جوردون يهود العالم خارج فلسطين بأنهم طفيليون، كما استخدم المفكر الصهيوني الألماني ماكس نوردو كلمة «البكتريا» لوصف وضع اليهود في المنفى، واستخدمها من بعده الزعيم النازي أدولف هتلر. ومن هنا، فإن صورة اليهودي كطفيلي صورة أساسية في الخطاب السياسي الغربي، الرأسمالي والاشتراكي، الصهيوني والمعادي لليهود.
وقد اقترح نوردو أن يكون حل مشكلة الطفيلية اليهودية من خلال ظهور اليهودية ذات العضلات. وبالتالي، يمكن حل إشكالية الشعب الطفيلي عن طريق استيطانه في فلسطين بالعنف، والاستيلاء على الأرض، على أن يعمل فيها بنفسه، فيخلِّصها من العرب ويخلِّص نفسه من الطفيلية، وهذا هو الخلاص الصهيوني.
ويتواتر موضوع طفيلية اليهود في الأدب العبري الحديث وفي الكتابات الإسرائيلية، إذ يرى كثير من المحللين الإسرائيليين أن المجتمع الإسرائيلي يسقط مرة أخرى في الطفيلية، خصوصاً بعد أن تغلغلت العمالة العربية في قطاعات المجتمع الإسرائيلي كافة، وأن شعب الهواء بدأ يظهر مرة أخرى. كما يرون أن انتشار الجريمة، والفساد، وعدم الاكتراث بالإنتاج، هي من أشكال الطفيلية.
رجال الهواء) لوفتمنش (
‏Luftmensch

«لوفتمنش» كلمة ألمانية تَصعُب ترجمتها، ولكنها تعني حرفياً «رجال الهواء» ، وهي تصف أعضاء الجماعات البشرية الذين لا توجد أرض راسخة تحت أقدامهم وليس لديهم خبرة في أي شيء ولا مهنة أو حرفة لهم ولا يمتلكون رأس مال أو عملاً ثابتاً، فهم يعيشون في الهواء وعلى الهواء. وكانت الكلمة تُستخدَم للإشارة إلى قطاع كبير من يهود شرق أوربا الذين يضطلعون بوظائف الجماعة الوظيفية الوسيطة والذين حلت محلهم الطبقات المحلية والدولة القومية المركزية، فأصبحوا بلا وظيفة أو مهنة أو عمل، وتحولوا إلى باعة جائلين ومتسولين وقوادين. كما أن الكلمة تشير أيضاً إلى اشتغال اليهود بالأعمال الفكرية والمالية والتجارية، وتشير إلى بعدهم عن الأعمال الزراعية أو الصناعية (الإنتاجية أو اليدوية) وإلى اشتغالهم كوسطاء في القطاع العقاري. وهي الظاهرة التي يُطلَق عليها أيضاً «هامشية اليهود وشذوذهم وطفيليتهم» .
ويرى الصهاينة أن اليهود كافة مُعرَّضون دائماً لأن يصبحوا لوفتمنش (رجال هواء) باعتبار أنهم شعب بلا أرض، وهم للسبب نفسه شعب مُهدَّد دائماً بالأخطار إذ أن الإنسان لا يمكنه أن يحيا حياة كاملة مطمئنة إلا بين جماعته وفي أرضه. بل إن حالة الهوائية الاقتصادية التي يعيشها الفرد اليهودي ليست إلا انعكاساً للهوائية التي يعيشها الشعب اليهودي ككل، فهي التي حوَّلت اليهود إلى تجار ومثقفين وأبعدتهم عن الطوائف الراسخة وعن الارتباط بالأرض.

كما يرى الصهاينة أن اليهودية الإصلاحية شكل من أشكال الهوائية، فهي معلقة بين الأرض والسماء، ويرون كذلك أن اليهود المندمجين هم أيضاً شخصيات ممزقة هوائية غير منتمية. ويصف الشعار الصهيوني (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) هذه الحالة الهوائية لدى الجماعات اليهودية. ويهدف المشروع الصهيوني إلى تخليص اليهود من هذه الحالة الهوائية بتوفير أرض لهم يعيشون فيها، وتوفير هرم إنتاجي متكامل ينتمون إليه ويكون مقصوراً عليهم حتى يكون بينهم العامل والفلاح والمثقف.
وقد كان مصطلح «لوفتمنش» شائعاً في الأدبيات النازية، ولذا قال أيخمان، في معرض الدفاع عن نفسه أثناء محاكمته، إنه كان يهدف إلى وضع قليل من الأرض الراسخة تحت أقدام اليهود. وقد نجح المشروع الصهيوني في توفير الأرض، ولكنه مع هذا لم ينجح في تخليص اليهود من صفة الهوائية، ومن ثم بدأت الكلمة تظهر مرة أخرى في الصحف الإسرائيلية إذ بدأ المستوطنون الصهاينة يتحولون إلى وسطاء، يتركون قاعدة الهرم الإنتاجي ويطفون على قمته ويعيشون على الهواء دون عمل إنتاجي أو يدوي.
ويهدف المشروع الصهيوني إلى تحويل الفلسطينين إلى لوفتمنش، أي إلى رجال يعيشون في المخيمات والعراء والهواء أو إلى جماعات بشرية تعيش على هوامش المجتمعات. ولكن تَحوُّل الفلسطينيين من لاجئين إلى فدائيين مجاهدين أسقط هذا المخطط الصهيوني.
المتسولون
‏(Schnorers) Beggars

كلمة «المتسولون» هي المقابل العربي لكلمة «شنوررز schnorers» ، وهي كلمة يديشية في صيغة الجمع مفردها «شنورر schnorer» أي «شحاذ» أو «متسول» . وتتواتر هذه الكلمة في الأدبيات الصهيونية وفي الدراسات عن الجماعات اليهودية، وبخاصة في القرن التاسع عشر. وتعود الظاهرة إلى العصور الوسطى مع تطبيق قانون تحريم الاستيطان (حيريم هايشيفاه) وهو قانون كان يحق بمقتضاه لكل جماعة يهودية أن تمنع أي يهودي ينتمي إلى أية جماعة أخرى من الإقامة في مدينتها إلا بضعة أيام عليه أن يغادرها بعدها. وقد أدَّى هذا الوضع إلى ظهور آلاف اليهود الذين لم يكن لهم حق السكنى في أية مدينة أو قرية رغم أنه كان يتعيَّن عليهم الانتقال دائماً من مكان إلى آخر. ومن المعروف أن التجمعات اليهودية في العصور الوسطى كانت تتكون من أقلية ثرية من كبار المموِّلين والحاخامات وتحتها قاعدة ضخمة من المعدمين أو صغار التجار الذين كان لا يفصل بينهم وبين التسول سوى شعرة. وكانت أعداد كبيرة منهم تتحول إلى متسولين كل الوقت أو بعضه. بل وكانت تتداخل مهنة التسول مع مهن أخرى، فعمل المتسولون أحياناً معلمي موسيقى أو تجاراً متجولين أو مهرجين أو حواة. وقد أخذ عدد هؤلاء في التزايد ابتداءً من القرن الثالث عشر.

ويُستخدَم مصطلح «شنورر» بالمعنى الضيق للإشارة إلى المتسول الذي تَلقَّى شيئاً من التعليم الحاخامي، وبالتالي فهو ليس متسولاً بالمعنى العادي للكلمة وإنما هو طالب للصدقة ويعتبرها حقه الطبيعي الذي يجب أن يعطيه إياه الأثرياء حتى ينالوا الخلاص. ومثل هذا المتسول المتعلم المتبجح كان يروي في العادة قصة ما تُفسِّر قيامه بالتسول، فهو يجمع الأموال ليعود إلى تجارته بعد أن أفلس أو ليزوج قريبة فقيرة. وكان هذا المتسول يظهر دائماً يوم السبت أمام المعبد وهو يعلم تمام العلم أن أعضاء الجماعة سيضطرون إلى أن يدفعوا له صدقة حتى لا يظهروا بمظهر سيئ في ذلك اليوم أمام بعضهم البعض، وحتى لا تظهر الجماعة اليهودية ككل بمظهر سيئ أمام الأغيار. وكان لكل متسول طرق محددة يسلكها ومناطق معروفة يتسول فيها ويزورها في فترات منتظمة لا ينافسه فيها أحد. وكثيراً ما كان يتم بيع هذه المناطق لمتسول آخر (وهذا أمر مألوف بين جماعات المتسولين في كل المجتمعات والذين يشكلون جماعات قريبة الشبه من الجماعات الوظيفية) .
ومع بدايات القرن التاسع عشر، زادت نسبة العاطلين عن العمل في أوساط اليهود وهو ما اضطرهم للتسول، وذلك بعد أن فقدت كثير من الجماعات اليهودية في شرق أوربا وظيفتها التقليدية، وبعد تَصاعُد عمليات التحديث التي اجتثت الملايين (ومن بينهم أعضاء الجماعات اليهودية) من جذورها، ولم توفر لهم فرصاً جديدة أو وفرت لهم فرصاً لم يستطيعوا التكيف معها، وبعد الانفجار السكاني بين أعضاء الجماعات. وكان 10% من جميع يهود أوربا (في العقود الأولى من القرن التاسع عشر) متسولين.

وكان تزايد حدة هذه الظاهرة يسبب كثيراً من الحرج ليهود غرب أوربا المندمجين المستقرين، إذ كان شرق أوربا يقذف على بلادهم ألوفاً من يهود اليديشية الذين كانوا أساساً متسولين. وقد اضطرت بعض الجماعات اليهودية في غرب أوربا إلى أن تمنع دخول أية عناصر يهودية جديدة فيها، واستعانت بالحكومات ضد اليهود الوافدين. حيث كانت تصل أحياناً جماعات كبيرة من الفقراء اليهود يطالبون بالمساعدة وبالقوت كحق من حقوقهم.
وقد أدَّى وصول المتسولين إلى ظهور الصهيونية التوطينية، أي صهيونية يهود الغرب الذين لا يهتمون بالاستيطان في فلسطين إلا باعتباره وسيلة للتخلص من جيوش المتسولين أو الفائض الإنساني اليهودي (على حد قول هرتزل (.
وكان روتشيلد يرى في هرتزل أحد هؤلاء المتسولين الذين يودون الحصول على أمواله. وقد كان محقاً إلى حدٍّ ما، فالمستوطنون في فلسطين كان كل همهم، في مرحلة من المراحل (قبل أن يبدأ التمويل الحكومي الغربي) ، الحصول على أكبر قسط من أموال روتشيلد. بل كان هرتزل نفسه يشير إلى المؤتمر الصهيوني الأول (1897) باعتباره جيشاً من الشحاذين يقف هو على رأسه، وكان يخشى أن تشجع الصهيونية الخارجية التوطينية هذا الاتجاه بين اليهود.

وبالإمكان رؤية الدولة الصهيونية، باعتمادها الكامل على التمويل الغربي، على اعتبار أنها شنورر بعد أن تم تحديث عملية التسول بحيث تتم بشكل منظم يأخذ شكل اتفاقات تضمن تدفُّق المعونات في موعدها. ويرفض المتحدثون الإسرائيليون بطبيعة الحال صورة المتسول هذه ويشيرون إلى الدور الذي تلعبه الدولة الصهيونية في حماية مصالح الغرب في المنطقة وإلى أن ما تتقاضاه من معونات أقل بكثير من العائد الذي تأتي به، أي أنهم يُحلِّون صورة المملوك محل صورة الشحاذ. ولكن، في الآونة الأخيرة، أخذ كثير من المعلقين السياسيين الإسرائيليين في الإشارة إلى الدولة الصهيونية باعتبارها دولة شنورر أو دولة شحاذين، وإلى الاقتصاد الصهيوني باعتباره اقتصاداً تسولياً. ونحن نرى أن هذا المصطلح يُفسِّر كثيراً من جوانب الاقتصاد الإسرائيلي. والفارق بين المتسول والدولة الإسرائيلية هو أن المتسول يأخذ ولا يعطي إلا الدعوات لصاحب الصدقة، أما الدولة الصهيونية فتأخذ ثم تقوم بدور حيوي للاستعمار الغربي في المنطقة وهو دور كلب الحراسة، أي دور الجماعة الوظيفية القتالية حيث تتم مقايضة المال بالقتال.
اللغات السرية لبعض الجماعات اليهودية الوظيفية
‏Secret Languages of Some of the Functional Jewish Communities

» اللغات السرية» هي لهجات ورطانات خاصة، بل أحياناً لغات، يستخدمها أعضاء الجماعات الوظيفية. وهذه اللهجة أو الرطانة أو اللغة عادةً ما تختلف عن لغة المجتمع المضيف أو مجتمع الأغلبية. وقد كان تحدُّث هذه اللغة يُعدُّ شرطاً للانخراط في سلك الجماعة. فكان المماليك يتحدثون فيما بينهم الشركسية (أو إحدى اللغات التركية) ، ويتحدث الصينيون من أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة في جنوب آسيا لغتهم، ويتحدث العرب في أفريقيا لغتهم العربية. أما أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة من اليهود في شرق أوربا، فكانوا يتحدثون اليديشية. ويُلاحَظ أن بعض أعضاء النخبة الحاكمة المصرية قبل ثورة 1952 كانوا يتحدثون التركية (أو العربية المطعمة بالتركية) كمظهر من مظاهر التميز والعزلة والانتماء للجماعة الوظيفية الحاكمة. وهذا هو مصدر النمط السائد في الكوميديا المصرية بعد الثورة - المصري/التركي منتفخ الأوداج المتعجرف، الذي يتحدث هذه اللهجة كإحدى علامات التميز. ولكن تعجرفه ليس له ما يسانده في الواقع، فهو عضو جماعة وظيفية حاكمة فقدت وظيفتها. ويبدو أن التحدث بإحدى اللغات الأوربية بين أعضاء النخب الحاكمة والثقافية في العالم الثالث (والتي تحوَّلت إلى ما يُشبه الجماعة الوظيفية التي تخدم مصالح الاستعمار والنظام العالمي الجديد) قد أصبح هو الآخر رمز الانتماء للجماعة الوظيفية، فالمتحدث بهذه اللغة يبيِّن كفاءته، وهو في الوقت نفسه يعزل نفسه عن الجماهير التي لا تتحدث سوى لغة الوطن!

واللغة، من ثم، هي وسيلة من وسائل الفصل بين الجماعة وأعضاء المجتمع المضيف، وأداة للتواصل بين أعضاء الجماعة. ولعل في إصرار الصهاينة على أن تكون لغة الدولة الصهيونية هي العبرية وليس الإنجليزية لغة القوى الإمبريالية العظمى، أو الإسبرانتو اللغة التي طورها اليهودي الروسي زامنهوف على أمل أن تكون لغة عالمية ولغة يتحدث بها المُستوطَن الصهيوني) إدراكاً من جانبهم لطبيعة الدولة الصهيونية باعتبارها دولة وظيفية.
ومن الأشكال المتطرفة للغات الجماعات الوظيفية اللغات السرية، فالعوالم والنشالون، على سبيل المثال، لهم لغاتهم السرية، وهي في الغالب رطانة تركيبها هو تركيب اللغة الشائعة في المجتمع مع إضافة مفردات لغوية لا يعرفها إلا عضو الجماعة الوظيفية. وللغة السرية فائدة مباشرة إذ تُسهِّل عملية أداء الوظيفة، وهي وظيفة مشينة في العادة، ومن ثم تصبح اللغة السرية من علامات الهامشية.
وقد استخدم أعضاء الجماعات اليهودية هذه الآلية للتواصل. وكانت لغاتهم السرية تتكون في العادة من جُمَل باللغة المحلية تحتوي على كلمات عبرية تُعالج حسب قواعد اللغة المحلية، فكلمة «أخل» مثلاً كلمة عبرية بمعنى «أكل» ، فإن كان المتحدث اليهودي يتحدث بالإنجليزية فإنه يُعبِّر عن معنى أنه «قد أكل بالفعل» على النحو التالي: «هي هاز أوريدي أخلد He has already akhaled.» ولا تُعبِّر هذه الكلمات الداخلية إلا عن الأجزاء المهمة من الأسماء أو الأفعال في الجملة. كما كانت تترجم أسماء الأماكن حرفياً إلى العبرية فكلمة «نيويورك» مثلاً في عبارة «ذهبت إلى نيويورك» ، تصبح «آي وُنت تو يورك حاداش I went to york hadash» حيث جاءت كلمة «حاداش» بديلاً عن الجزء الأول من كلمة نيويورك «نيو» ، ومعناها «جديد» .

وكان أعضاء الجماعة اليهودية يستخدمون اللغة السرية لمناقشة الأمور التي تهمهم دون أن يفهمهم أحد من المحيطين بهم، بخاصة في الأسواق، وهو ما كان يُسهِّل عملية الغش التجاري والاحتيال، وكثيراً ما كان اللصوص يتعلمون هذه اللغة لاستخدامها بين الناس دون أن يفهمهم أحد. فقد قام موظف بروسي بإعداد معجم عن لغة اللصوص السرية في أواخر القرن الثامن عشر، وظهر أن كثيراً من كلمات هذه اللغة السرية ذات جذور عبرية أو أصل عبري. وقد أُخذ هذا دليلاً على اشتراك أعضاء الجماعة اليهودية وتورطهم في عالم الجريمة.
وفي الوقت الحاضر، يبدو أن كثيراً من القوادين والقائمين على تجارة الرقيق الأبيض يتحدثون لغة سرية ذات أصول عبرية، وقد يعود هذا لوجود عدد كبير من أعضاء الجماعة اليهودية، يعملون قوادين أو بغايا، في هذه المهنة المشينة حتى ثلاثينيات هذا القرن، وقد أصبحت إسرائيل مصدراً للبغايا في أوربا في الوقت الحاضر. ويُقال إن لغة القوادين في أمستردام قد دخلتها كلمات عبرية كثيرة.
وقد كانت اليديشية تحل أحياناً محل اللغة السرية، وهي رطانة ألمانية دخلت عليها مفردات سلافية وعبرية، فكان لا يفهمها سوى أعضاء الجماعة اليهودية، فأصبحت اليديشية لغة الغش التجاري في القرن التاسع عشر، ولذا حرَّمت الحكومات على اليهود استخدامها.
الجرائم المالية لبعض أعضاء الجماعات اليهودية
‏Financial Crimes of Some Members of Jewish Communities

» الجرائم المالية «هي الجرائم التي يرتكبها بعض كبار المموِّلين، مثل جرائم التزييف والغش التجاري والتهريب. وقد لُوحظ ازدياد نسبة ارتكاب مثل هذه الجرائم بين أعضاء الجماعات اليهودية، عن النسبة العامة السائدة في المجتمع. ومن المعروف أن هذه الجرائم انتشرت بين أعضاء الجماعات اليهودية في القرن التاسع عشر إلى درجة اضطرت معها الحكومات إلى استصدار تشريعات خاصة. ويبدو أن تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في القطاع التجاري (في المجتمع التقليدي) ساعد على ذلك، فهو قطاع لم يكن يعرف نظام الضرائب، ولم يكن يرتبط بشبكات الرأسمالية الرشيدة من مصارف ووسائل نقل وغيرها. ولذلك، كان التهرب من الضرائب، وتهريب البضائع، جزءاً عضوياً في مثل هذا النشاط التجاري. كما أن تَركُّز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في المناطق الحدودية والمدن شجع على هذا الاتجاه. ومن المعروف أن اللغة اليديشية التي تُكتَب بالحروف العبرية، والتي لا يعرفها سوى التجار اليهود، أصبحت تشبه اللغة السرية التي يستخدمها اللصوص، وأصبحت بذلك من أهم وسائل الغش التجاري. ولهذا حظرت الحكومات الغربية على التجار اليهود استخدامها في معاملاتهم التجارية. وقد استمر هذا النمط إلى العصر الحديث، فنجد أن نسبة جرائم الغش التجاري والتزييف التي ارتكبها أعضاء الجماعات اليهودية في بولندا وروسيا، وفي ألمانيا وهولندا، تصل إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف نسبتها بين أعضاء الأغلبية. وفي الاتحاد السوفيتي، لُوحظ في الستينيات أن حوالي 50% من الجرائم المالية ارتكبها أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانت نسبتهم لا تزيد عن 2% من عدد السكان. ويبدو أن أعضاء الجماعات اليهودية لهم دور ملحوظ في توزيع المخدرات في الولايات المتحدة والدول الغربية. ولا تزال تظهر من آونة إلى أخرى فضيحة مالية ضخمة يتورط فيها أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ.

وقد شهدت أواخر القرن التاسع عشر واحدة من أهم فضائح الفساد المالي والسياسي التي هزت المجتمع الفرنسي، وهي الفضيحة الخاصة بانهيار شركة قناة بنما، والتي اعُتبرت آنذاك أكبر سقطة مالية في تاريخ فرنسا، حيث راح ضحيتها أكثر من 800 ألف مواطن فرنسي من المساهمين في الشركة. وقد تورط في هذه الفضيحة التي عُرفت باسم «فضيحة بنما» ثلاث شخصيات يهودية هم: البارون جاك دي رايناخ (الوكيل المالي للشركة) ، والفرنسي ليوبولد إميل أرتون، والأمريكي كورنيليوس هرتز.
وفي القرن العشرين، تعددت الفضائح المالية التي تورطت فيها شخصيات يهودية. ففي السبعينيات، أسس الأمريكي برنارد كورنفلد مؤسسة استثمار أموال مشتركة في سويسرا باسم «انفستورز أوفرسيز سيرفيسيز» ونجح في جذب مستثمرين من أكثر من مائة دولة بلغت قيمة أموالهم المودعة لدى شركته ملياري دولار. ولم تجتذب شركته هذا الحجم من الأموال بفضل خبرتها في إدارة الأموال ولكن بفضل خبرتها في تهريب الأموال والعملات، وبخاصة من دول العالم الثالث. وقد اكتسب كورنفلد عداء كثير من السلطات المالية في دول عديدة، وأثار قلق الدوائر المالية السويسرية الحريصة على صورتها وسمعتها العالمية. وانهارت شركته بعد أن انخفضت قيمة بعض الأصول المهمة المملوكة لها وهبطت سوق الأوراق المالية الأمريكية التي كانت أغلب أموال الشركة مستثمرة فيها. كما نجحت السلطات المالية السويسرية في اتخاذ إجراءات قانونية ضده، فسُجن لمدة عام ثم أُطلق سراحه بكفالة مالية.

وقد كانت تربط كورنفلد علاقة بشخص ساهم في دفع كفالته يُدعَى تيبور بنحاس روزنباوم، والذي تورط هو الآخر في فضيحة مالية كبرى. وروزنباوم يهودي سويسري من أصل مجري، كان والده حاخاماً (كما درس هو أيضاً ليصبح حاخاماً) . وخلال الحرب العالمية الثانية، عمل روزنباوم في المقاومة المجرية، وشارك في تهريب اليهود. وبعد الحرب، عمل لصالح الوكالة اليهودية، واشترك في عمليات تهجير وتوطين اليهود في فلسطين. كما كان عضواً في المؤتمر اليهودي العالمي وفي حركة مزراحي الدينية الصهيونية. وعقب إقامة دولة إسرائيل، أسس روزنباوم شركة تجارية سويسريةـ إسرائيلية.

وكان روزنباوم قد أسس مصرفاً في سويسرا باسم «إنترناشيونال كريديت بنك» اعتمد على الإيداعات السرية لأموال غير معلومة المصدر من اليهود الفرنسيين والمافيا الأمريكية. وكان يتم تحويل هذه الأموال عن طريق فرع المصرف في جزر البهاما. وقد استخدم روزنباوم مصرفه لتحويل بعض الأموال لشركة كورنفلد. كما قدَّم المصرف خدمات مالية لإسرائيل حيث يُقال إنه دبر قرضاً لوزارة الدفاع الإسرائيلية قيمته 7 ملايين من الدولارات خلال 24 ساعة وتَلقَّى مقابل ذلك عمولة قدرها نصف مليون دولار. وفي الوقت نفسه اشترك روزنباوم في تمويل بعض الشركات الإسرائيلية ومن بينها شركة «إسرائيل كوربوريشن» الذي كان عضواً في مجلس إدارتها، وهي شركة استثمارية أسسها مجموعة من أثرياء اليهود في مقدمتهم البارون إدموند دي روتشيلد الذي ترأس مجلس إدارتها. وقد ترأس الشركة إسرائيلي يُدعى مايكل تسور. وقام روزنباوم وتسور، معاً، بتحويل عشرين مليون دولار من أموال الشركة إلى مصرف روزنباوم في سويسرا دون تفويض من المساهمين أو الأشخاص المعنيين. وقام روزنباوم بتحويلها بدوره إلى إمارة ليختنشتاين، واستخدم الأموال في بعض مشاريعه الخاصة. أما تسور، فكان يتلقى فائدة قدرها 8% على هذه الأموال، بينما كان يدفع للمستثمرين في الشركة 6.5% فقط ويضع الفارق في جيبه. وقد كشف إدموند دي روتشيلد النقاب عن هذه العمليات وهدَّد بوقف إنفاقاته الخيرية في إسرائيل إذا لم يتم إجراء تحقيق شامل في الأمر. وقد أدين تسور بأربع عشرة تهمة، وحُكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً. وفي سويسرا، أُغلق مصرف روزنباوم، الذي سُجِن ثم أُفرج عنه بكفالة مالية قيمتها مليونان من الدولارات وهي أعلى كفالة في تاريخ سويسرا.

وقد ارتبطت بعض الأسماء اليهودية بالفضيحة الخاصة بمصرف أميركان بانك آند تروست كومباني أوف نيويورك الذي اعتُبر سقوطه رابع أكبر إفلاس مصرفي في التاريخ الأمريكي. وقد تأسس هذا المصرف عام 1929 في نيويورك على يد بنك مكسيكي، ثم انتقلت ملكيته عام 1963 إلى بنك إسرائيلي - سويسري، ثم انتقلت في أواخر الستينيات إلى ثري من شيلي يُدعَى خوزيه كلاين، وأخيراً إلى ديفيد جرافيير وهو يهودي أرجنتيني ثري من أصل بولندي. وقد نجح هذا المصرفي في جذب كثير من رجال الأعمال وأثرياء اليهود الأمريكيين، كما ارتبطت به شخصيات أمريكية سياسية مهمة. ونجح البنك أيضاً في جذب أموال أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية حيث بلغ حجم أموالهم المودعة لدى البنك حوالي 40 مليون دولار في منتصف السبعينيات. ولكن، في عهد كلاين، بدأ المصرف في ارتكاب عدة مخالفات مثل التجاوز في منح التسهيلات وتجاوز سقوفها ومنح القروض لشركات يمتلك المسئولون في المصرف حصصاً فيها، الأمر الذي اضطرت معه السلطات المالية الأمريكية المختصة إلى وضع المصرف تحت رقابتها. ولكن يبدو أن الاعتبارات السياسية حالت دون اتخاذ أية إجراءات ضده. وعند انتقال ملكية المصرف إلى جرافيير، عمل هو الآخر من خلال سلسلة من العمليات الملتوية على نهب المصرف وإفراغه من ملايين الدولارات وسلب أموال المودعين وودائعهم. وحينما بدأ أمره يفتضح، لقي جرافيير مصرعه فجأة إثر سقوط طائرته فوق المكسيك عام 1976 في حادث يحيط به الكثير من الغموض، حيث أثيرت التكهنات حول احتمالات أن يكون قد اغتيل. وقد أغلقت السلطات المالية الأمريكية المصرف بعد أن نهب جرافيير منه 50 مليون دولار، وبعد أن فقد كثير من مودعيه من أعضاء الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية أموالهم.

أما مارك ريتش، الذي تورط في أكبر فضيحة تهرب ضريبي في تاريخ الولايات المتحدة، فهو يهودي أمريكي وُلد في بلجيكا عام 1934 من أبوين من أصل ألماني، وفرَّت أسرته إلى الولايات المتحدة عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية. وقد انضم ريتش في سن مبكرة إلى شركة فيليب براذرز، وهي شركة تعمل في تجارة السلع أسسها يهود ألمان عام 1901 في ألمانيا ثم في الولايات المتحدة عام 1914، وتدرج بها ريتش سريعاً، وكان أول من أدخل الشركة مجال تجارة البترول في أواخر الستينيات وحقق لها أرباحاً ضخمة عقب ارتفاع أسعار البترول عام 1973. ولكنه ترك الشركة، في عام 1974، إثر خلافات مع الإدارة وأسس شركة خاصة به في سويسرا هي مارك ريتش وشركاه التي أصبحت، خلال فترة وجيزة، من أكبر الشركات العاملة في مجال تجارة السلع، خصوصاً البترول والمعادن، وقُدرت ثروتها عام 1981 بنحو 200 مليون دولار. وقد نجح فرع شركته في الولايات المتحدة في تحقيق إيرادات بلغت 105 ملايين دولار من خلال الالتفاف حول بعض القوانين الخاصة بضبط أسعار البترول والتي أدخلتها الحكومة الأمريكية عام 1973 لحماية صناعة التكرير الأمريكية من الارتفاع المفاجئ في الأسعار. ثم قام ريتش بإخفاء وتهريب أرباحه إلى خارج البلاد من خلال سلسلة من الصفقات الملتوية حتى يتهرب من دفع مبلغ 48 مليون دولار هي قيمة الضرائب المستحقة عليه للحكومة الأمريكية. وقد وُجِّهت إليه عام 1982 اتهامات بالتهرب الضريبي وأيضاً بالاتجار مع العدو حيث قام بشراء بترول إيراني أثناء أزمة الرهائن الأمريكية عام 1980 بعد أن كانت الحكومة الأمريكية قد أصدرت قراراً بمنع الشركات الأمريكية من التعامل مع النظام الإيراني. إلا أن ريتش فرَّ إلى سويسرا بعد أن أغلق فرع شركته في الولايات المتحدة، ولا تزال شركته تزاول نشاطها من سويسرا في السوق العالمى ويُلاحَظ تورط بعض أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في الفضائح الخاصة بسوق

الأوراق المالية في الولايات المتحدة. ومن بين الذين تورطوا في مثل هذه الانحرافات الأمريكي اليهودي لويس وولفسون الذي سطع نجمه في عالم المال خلال الخمسينيات والستينيات، حيث حقق أول مليون له في سن الثامنة والعشرين من خلال تجارة الخردة، ثم اتجه إلى شراء الأسهم والحصص في العديد من الشركات وقام ببناء وتطوير شركة «ميريت شابمان آند سكوت كوربوريشن» التي اعتُبرت أولى الشركات الضخمة متعددة النشاطات. ولكن كثيراً من عمليات ولفسون، لا سيما تلك المتعلقة ببيع وشراء الأسهم، كانت مخالفة للقوانين الخاصة بهذه العمليات الأمر الذي أوقعه في مواجهات عديدة مع هيئة الأوراق المالية والبورصة الأمريكية التي كانت تسعى إلى الحد من تزايد معدلات الجرائم المالية، كما كانت تسعى إلى إدانة أحد رموزها البارزين مثل وولفسون لردع المنحرفين في قطاع المال. وقد نجحت الهيئة بالفعل في إدانة وولفسون وحُكم عليه بالسجن لمدة عام سنة 1969. وصُفِّيت شركته وتفككت إمبراطوريته بعد أن كلفته إجراءات التقاضي مع الحكومة، والدعاوى التي أقامها ضده المساهمون في شركته، الملايين من الدولارات.

ومن أكبر الفضائح المالية التي هزت أركان وول ستريت (سوق المال في نيويورك) فضيحة إيفان بويسكي، وتتلخص جريمته في الحصول مسبقاً على معلومات حول نية بعض الشركات بخصوص بيع أسهمها من مصادر وثيقة الصلة قبل أن يتم الإعلان عن نية البيع للجمهور واستخدام هذه المعلومات لتحقيق المكسب والربح. وقد حقق بويسكي، الذي كان يمتلك مؤسسة متخصصة في المضاربة في أسهم الشركات التي يوشك أن يستولي عليها، في الفترة بين 1984 و1986 أرباحاً بلغت 50 مليون دولار من خلال الحصول على معلومات مسبقة حول نوايا الاستيلاء على بعض الشركات حيث كان يقوم بشراء أسهمها ثم أعاد بيعها بعد أن تقفز أسعارها عقب الإعلان عن هذه المعلومات. وقد فُرضت على بويسكي غرامة قدرها 100 مليون دولار وحُكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع حرمانه مدى الحياة من المتاجرة في سوق الأوراق المالية الأمريكية.

وقد فتحت فضيحة بويسكي الباب على مصراعيه لأكبر قضايا جرائم ذوي الياقات البيضاء في التاريخ الأمريكي حيث كشفت التحقيقات عن تورط واحدة من أكبر المؤسسات الاستثمارية في وول ستريت (وهي دريكسل بورنام لامبيرت) وأحد نجومها ونجوم وول ستريت (وهو مايكل ميلكن) في انحرافات بويسكي حيث قاما بتقديم معلومات تتصل بنوايا عملائهم إلى بويسكي، واقتسام الأرباح معه. كما تكشف قيامهم بمخالفات وانحرافات مالية خطيرة، منها الاحتيال واستخدام أساليب ملتوية لإخفاء الملكية الحقيقية للأسهم والأوراق المالية بغرض تمرير صفقات غير مشروعة. وكان ميلكن، الذي قُدرت ثروته عام 1988 بنحو مليار دولار، قد أسس سوقاً ضخمة لما عُرف باسم «سندات الخردة» وهي سندات ذات عائد عال ومخاطر عالية في الوقت نفسه، وكانت تطرحها عادةً الشركات التي تعاني من أزمات مالية. وقد نجح ميلكن في خَلْق سوق ضخمة لهذه السندات وصل حجم التعامل فيها خلال الثمانينيات إلى 120 مليار دولار، وذلك من خلال استخدامها كأداة لتدبير التمويل اللازم للشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم ولتمويل عمليات الاستيلاء على الشركات. كما خلق ميلكن شبكة واسعة ومتداخلة من المتعاملين في هذه السندات واستطاع من خلالها أن يسيطر ويتلاعب في حجم تداولها وأسعارها. ووُجِّهت إليه اتهامات باللجوء إلى أساليب غير مشروعة مثل الرشوة والابتزاز والتلاعب في الأسعار لتشجيع أو إجبار بعض المؤسسات المالية على شراء سنداته والتعامل فيها. وقد فُرضت على ميلكن غرامة قدرها 600 مليون دولار وتُعَدُّ أعلى غرامة من نوعها تُفرَض ضد شخص في الولايات المتحدة، كما حُكم عليه، في عام 1991، بالسجن لمدة عشر سنوات.

ويمكن الإشارة أيضاً إلى الفضيحة الخاصة بمؤسسة سالومون براذرز، وهي ثالث أكبر مؤسسات الاستثمار والخدمات المالية في الولايات المتحدة وحققت هذا المركز بفضل إدارة جون جوتفروند رئيس مجلس إدارتها ورئيسها التنفيذي والملقب بـ «ملك وول ستريت» . وقد تبيَّن عام 1991 أن مؤسسة سالومون انتهكت القواعد الفيدرالية الخاصة بالتعامل في سندات الخزانة الأمريكية التي تحظر على أية مؤسسة مالية شراء أكثر من 35% من السندات المطروحة في مزاد واحد. ويهدف هذا الإجراء إلى تجنب الاحتكار في سوق السندات الحكومية التي يصل حجم التعامل فيها إلى 2.2 تريليون دولار. كما تكشّف أن مؤسسة سالومون اشترت ما يزيد على نسبة قدرها 05% من السندات المطروحة في عدة مزادات خلال عام 1991 حيث قدمت بعض عروضها بأسماء عملائها دون الحصول على تفويض منهم. واستقال جوتفروند من منصبه عقب تَفجُّر الفضيحة وبدء التحقيقات.

ومن أهم الفضائح المالية وأكثرها إثارة، الفضيحة الخاصة بروبرت ماكسويل اليهودي البريطاني الذي أقام إمبراطورية إعلامية ضخمة والذي تُوفي في ظروف غامضة عام 1991 ودُفن في إسرائيل. فقد أقام ماكسويل نحو 400 شركة أغلبها مسجل في إمارة ليختنشتاين حيث تتوافر قوانين السرية، ونجح من خلال هذه الشبكة المتداخلة في إخفاء حقيقة الأوضاع المالية لإمبراطوريته التي كانت تنوء تحت ثقل الديون وفي إخفاء بعض عملياته غير المشروعة. وقد تكشّف عقب وفاته أنه حوَّل أكثر من 700 مليون جنيه إسترليني أو 1.27 بليون دولار من صناديق التقاعد في مجموعة شركاته العامة «ميرور جروب» لمساندة إمبراطوريته الإعلامية المتهاوية وتغطية خسائر شركاته الخاصة. كما تبيَّن أنه احتال على مؤسسة مالية سويسرية للحصول على قرض قيمته 100 مليون دولار، وأنه استخدم الأصول نفسها لضمان أكثر من قرض. والواقع أن هذه الفضيحة، التي وُصفت بأنها أكبر فضيحة من نوعها في بريطانيا في هذا القرن، قد أكسبته لقب «محتال القرن» ، وزادت التكهنات القائلة بأن ماكسويل مات منتحراً، فلو أنه ظل حياً لاستدعى ذلك مثوله أمام القضاء بتهم الاحتيال والسرقة والتزوير. كما أن هناك احتمال أنه لم ينتحر وإنما تم اغتياله على يد الموساد.

ومن أهم الفضائح التي تورطت فيها شخصيات يهودية، الفضيحة الخاصة بمصحات وبيوت المسنين في الولايات المتحدة، وهي فضيحة لم تقتصر فقط على التورط في أعمال التزوير والاحتيال على السلطات الحكومية، بل تضمنت أيضاً إساءة معاملة نزلاء هذه المصحات والبيوت من المسنين. وكان أهم المتورطين في هذه الفضيحة برنارد بيرجمان الذي أُطلق عليه لقب «ملك بيوت المسنين» ، حيث كان يتمتع بسيطرة شبه احتكارية على هذا القطاع وهو قطاع احتل فيه اليهود الأمريكيون النسبة الأكبر من العاملين. وقد وُلد بيرجمان في المجر وهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1929. وتخرَّج هناك في جامعة يشيفا ليصبح حاخاماً أرثوذكسياً، إلا أنه ترك العمل الديني واتجه نحو الأعمال التجارية ودخل قطاع ملاجئ ومصحات المسنين وهو قطاع يتمتع بهامش ربح عالي في الولايات المتحدة. ونظراً لأن الدولة كانت تتحمل النسبة الأكبر من نفقات رعاية المسنين في إطار البرامج الحكومية المخصصة، لجأ بيرجمان إلى تعظيم أرباحه من خلال تضخيم كشوف نفقات هذه الملاجئ والمصحات المقدمة إلى الجهات الحكومية المعنية. وقد تبين من التحقيقات اللاحقة مدى حجم الإهمال والأوضاع المتردية والمعاملة اللا إنسانية التي تلقاها النزلاء المسنون وهو ما أكد وصف بيرجمان بأنه «يهودي يتولى إدارة معسكر اعتقال» (وهي إشارة إلى معسكرات الاعتقال النازية التي تعرَّض فيها اليهود للإبادة) .

ومما يُذكَر أن بيرجمان، شأنه شأن بويسكي، كان من كبار المساهمين في الأنشطة الصهيونية والأنشطة «الخيرية» اليهودية. وقد حرص بيرجمان على إقامة علاقات وثيقة بشخصيات سياسية أمريكية واستغلال هذه العلاقات لتمرير بعض مشاريعه أو التغاضي عن تجاوزاته، كما أنه لم يتردد في اتهام الهيئات أو الجهات المختصة التي عارضت مشاريعه بأنها معادية لليهود، وذلك في الوقت الذي كان يقوم فيه باستنزاف المسنين من اليهود وغير اليهود وإهدار آدميتهم تحت عباءة اليهودية. وقد بدأ التحقيق مع بيرجمان عام 1974 حيث أُدين بتهم الاحتيال والنصب على البرنامج الأمريكي للرعاية الصحية وبتهم الرشوة والتهرب الضريبي. وحُكم عليه بالسجن لمدة عام وأربعة أشهر وبغرامة كبيرة.
وإذا كان ميراث الجماعات اليهودية (باعتبارها جماعات وظيفية وسيطة داخل التشكيل الرأسمالي تعمل وتتركز في قطاعات التجارة والخدمات المالية والسمسرة) يفسر إلى حدٍّ كبير بروزهم في كثير من الفضائح المالية، فإن هذه الجرائم والانحرافات المهنية ذاتها هي جرائم وانحرافات شائعة في المجتمعات الرأسمالية، بين اليهود وغير اليهود، وانعكاس مباشر لآليات هذه المجتمعات التي تحكمها اعتبارات القوة والمال ويسودها الصراع والتنافس الشديدان وتَكثُر بها الثغرات التي يمكن استغلالها والتحايل من خلالها على القوانين والتشريعات لتحقيق المكسب والربح. ويجب ملاحظة أن جرائم الغش التجاري التي يرتكبها أعضاء الجماعات اليهودية لا يمكن تفسيرها بأنها جزء من المؤامرة اليهودية الأزلية لإفساد أخلاق الأغيار، فكثير من ضحايا جرائم الغش التجاري التي يرتكبها اليهود من اليهود (كما هو الحال في حالة جرافيير وبيرجمان) ، فالغش التجاري في عصر الرأسمالية الرشيدة يتسم بالرشد وبعدم التمييز بين البشر على أساس الدين أو اللون أو الجنس، فهو غش مجرد لا شخصي، تماماً مثل رأس المال المجرد.

تهريب البضائع وأعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة
‏Smuggling and the Jewish Communities in the U.S.A.
يوليسيس جرانت (1822 ـ 1885) هو قائد الجيش الأمريكي الشمالي ضد الجنوب خلال الحرب الأهلية الأمريكية، والرئيس الثامن عشر للولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين عامي 1869 و1877. أصدر عام 1862، خلال الحرب الأهلية، الأمر رقم 11 بشأن طرد أعضاء الجماعة اليهودية خلال أربع وعشرين ساعة من جميع المناطق الخاضعة لسلطاته العسكرية. ويُعتبَر هذا الأمر هو الوحيد من نوعه في التاريخ الأمريكي الذي شمل أعضاء الجماعة اليهودية على هذا النحو السلبي. وكان السبب الرئيسي وراء هذا الأمر هو تَورُّط بعض أعضاء الجماعة اليهودية في عمليات التهريب التي كانت جارية بشكل مكثف عبر الخطوط العسكرية بين قوات الشمال وقوات الجنوب. وقد كانت حكومتا الشمال والجنوب تتغاضيان إلى حدٍّ ما عن عمليات التهريب حيث كانتا تسدان من خلالها بعض احتياجاتهما، كما كان بعض ضباط الجيشين متورطين في هذه العمليات. إلا أن تزايد حجمها واتساع نطاقها أدَّى إلى إصدار هذا الأمر. ورغم أن كثيراً من الأدبيات اليهودية تفسر أمر جرانت هذا بأنه شكل من أشكال معاداة اليهود، وأنه أصدره استناداً إلى معلومات خاطئة زوَّده بها بعض التجار من غير اليهود الذين كانوا يقومون بعمليات تهريب (وكان متورطاً معهم فيها بعض ضباط الجيش) ، إلا أن الدلائل تشير إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا بالفعل مُمثَّلين بشكل متزايد في عمليات التهريب، وربما كانوا يلعبون دوراً رئيسياً فيها. ويمكن فهم هذا الوضع في إطار إدراكنا لميراث الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة تتميَّز بخبراتها الواسعة في مجال التجارة ولا تتقيد بانتماءات أو ولاءات خارج إطار الجماعة نفسها. ومما يدل على هذا التورط المتزايد لأعضاء الجماعة اليهودية في التهريب ما عبَّر عنه بعض الحاخامات الأمريكيين في

تلك الفترة من قلق وتخوف بالغ إزاء اشتراك أعضاء الجماعة في نشاط التهريب والذي اعتبروه (على حد قول الحاخام يعقوب بريز) تدنيساً لاسم الرب. وقد أشار هذا الحاخام في رسالة له لإسحق ليسر إلى أن أكثر من عشرين يهودياً كانوا في سجون مدينة ممفيس بتهمة التهريب. وقال إسحق ليسر نفسه في مقال له رداً على الأمر "إن جموع المغامرين الباحثين عن الربح والخسارة يحومون حول البلاد بطولها وعرضها، كما أن بعضهم من اليهود الذين يتظاهرون بأنهم يهود صالحون في حين أنهم ليسوا كذلك". كما قال ديفيد أينهورن: "إن على اليهود استئصال هذه الجرائم من بينهم لأنها لا تجلب سوى العار على الجماعة اليهودية بأكملها". كما يقول آرثر هرتزبرج في كتابه يهود أمريكا "ليس هناك مجال للشك في أن بعض الثروات اليهودية.. تعود جذورها إلى الأرباح التي تحققت عن طريق عمليات التهريب خلال الحرب الأهلية الأمريكية".
ومن ثم لا يمكن اتهام جرانت بمعاداة اليهود، وذلك باعتراف بعض اليهود أنفسهم حيث لم يبد جرانت، قبل هذا الحادث أو بعده، أي عداء تجاه أعضاء الجماعة اليهودية، بل عمل على تعيين يهود في مراكز مرموقة خلال فترة رئاسته. كما أن الجدل الذي أُثير داخل الكونجرس الأمريكي حول هذا الأمر، انتهى برفض مشروع قرار بإلغاء الأمر، وكان قوامه الخلافات الحزبية، وهو ما يعني أن الاعتبارات الرئيسية كانت اعتبارات سياسية واعتبارات تتصل بمصالح الشمال في حربه مع الجنوب.
وقد ألغى الرئيس لنكولن القرار، في نهاية الأمر، بعد الاحتجاجات الواسعة النطاق التي أثارها أعضاء الجماعة اليهودية ومن بينهم بعض المقرَّبين منه والمؤيدين له.
فضيحة قناة بنما
‏Panama Canal Scandal

من أكبر الفضائح المالية والسياسية التي هزت المجتمع الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر. وهي فضيحة خاصة بانهيار شركة قناة بنما الفرنسية وما تكشَّف في أعقاب ذلك من تجاوزات وفساد مالي وسياسي. وقد تورط في هذه الفضيحة ثلاث شخصيات من أعضاء الجماعات اليهودية هم: البارون جاك دي رايناخ (مصرفي ومالي من أصل ألماني والوكيل المالي للشركة) ، وكورنيليوس هرتز (طبيب أمريكي) ، وليوبولد إميل أرتون (مغامر فرنسي) .
وترجع بدايات الفضيحة إلى عام 1888، حينما واجهت شركة قناة بنما أزمة مالية حادة نتيجة جملة من العوامل الطبيعية والمشاكل الفنية وسوء الإدارة التي صاحبت عملية شق القناة. وكان المخرج الوحيد أمام الشركة هو طرح سندات يانصيب لجمع الأموال اللازمة. ولكن ذلك كان يستلزم الحصول على موافقة البرلمان الفرنسي في حين كانت بعض الدوائر تؤكد أن وضع الشركة والمشروع أصبح ميئوساً منه وأن طرح سندات اليانصيب لن يجدي فتيلاً.
ولذلك، لجأت الشركة إلى رشوة بعض أعضاء البرلمان الفرنسي الذين صوتوا بالفعل لصالح مشروع اليانصيب. وكان أداة الشركة في هذه العملية هو وكيلها المالي البارون جاك دي رايناخ. وكان رايناخ، الألماني الأصل، قد أقام مؤسسة مصرفية ومالية في فرنسا باسم «كون ورايناخ وشركاهما» . وجمع ليوبولد ثروته من خلال المضاربة في السكك الحديدية الفرنسية وبيع الإمدادات العسكرية للحكومة الفرنسية. ويبدو أن بعض عملياته قد أحاطتها الشبهات وإن لم يتأكد أبداً أنه ارتكب أية انحرافات. وكانت مهمة رايناخ إقامة لوبي (جماعة ضغط) مؤيدة للشركة في الأوساط البرلمانية والسياسية والصحفية وتَلقَّى من الشركة ملايين الفرنكات لدفع الرشاوى وشراء الأصدقاء.

وقد قام رايناخ باستخدام ليوبولد إميل أرتون (1849 ـ 1905) ليقوم بتوزيع مليون فرنك على أعضاء البرلمان الفرنسي. والمعروف أن أرتون مغامر فرنسي وُلد لعائلة يهودية ألزاسية وعاش طفولة تعسة في فرانكفورت ثم انتقل إلى البرازيل حيث اعتنق الكاثوليكية وغيَّر اسمه من أرون إلى أرتون، وفي عام 1882 عاد إلى فرنسا والتحق بشركة الديناميت التي كانت مشاركة في عمليات شق قناة بنما. وبعد تَفجُّر فضيحة قناة بنما، فرّ أرتون من البلاد بعد أن اختلس مبلغ 4.6مليون فرنك من شركة الديناميت.

أما كورنيليوس هرتز (1845 ـ 1898) ، فقد أبرم اتفاقاً سرياً مع قناة بنما استلم بموجبه 600 ألف فرنك مقابل استخدام نفوذه وعلاقاته لدى بعض الشخصيات السياسية الفرنسية المهمة لصالح الشركة. كما نص الاتفاق على أن يتسلم هرتز مبلغ عشرة ملايين فرنك فور إقرار مشروع اليانصيب في البرلمان على أن تتم عمليات الدفع كلها عن طريق رايناخ. وقد كانت شخصية هرتز شخصية مثيرة للريبة والتكهنات، فقد وُلد في فرنسا لأبوين ألمانيين ثم هاجرت أسرته إلى الولايات المتحدة. وعاد هرتز في شبابه إلى فرنسا لدراسة الطب، وانضم كمساعد جراح في الجيش الفرنسي أثناء الحرب الفرنسية البروسية في نيويورك ولكنه ترك الجيش بعد ثلاثة أشهر بعد أن اكتشف المسئولون في المستشفى العسكري أنه لم يتخرج من أية جامعة في فرنسا ولم يحصل على شهادة إتمام دراسة الطب. وقد انتقل هرتز بعد ذلك إلى سان فرانسيسكو حيث افتتح عيادة طبية، ولكنه سافر عام 1877 بشكل مفاجئ مع أسرته إلى فرنسا وتبين فيما بعد أنه احتال على بعض مرضاه وزملائه من الأطباء وأخذ منهم حوالي 140 ألف دولار. وفي باريس، استثمر أمواله بمساعدة رايناخ في بعض المشاريع، وبدأ في بناء شبكة واسعة من العلاقات مع العديد من الشخصيات الفرنسية المهمة من بينها رئيس الدولة ورئيس الوزراء وجورج كليمنصو الذي ساهم هرتز في تأسيس وتمويل جريدته. وقد اتُهم هرتز بأنه كان عميلاً لبريطانيا، لكن ذلك لم يتأكد قط.
وقد رفضت الشركة أن تدفع له العشرة ملايين فرنك عقب تصويت البرلمان الفرنسي لصالح مشروع اليانصيب، بدعوى أن هرتز لم يلعب في ذلك دوراً يُذكَر. إلا أن هرتز نجح في أن يستنزف من الشركة ملايين الفرنكات من خلال ابتزاز رايناخ الذي يبدو أن هرتز كان على علم ببعض الأسرار المشينة في حياته ومنها ما قيل من أنه باع أسرار الدولة الفرنسية إلى إيطاليا أو بريطانيا.

وبرغم موافقة البرلمان على مشروع اليانصيب، فشل هذا المشروع عند طرحه في جمع الأموال اللازمة، وهو ما ساعد في نهاية الأمر على سقوط الشركة وتصفيتها عام 1889. وكان انهيار الشركة أكبر سقوط مالي في فرنسا حتى ذلك الحين، حيث أدَّى إلى ضياع أموال أكثر من 800 ألف من المواطنين الفرنسيين من المساهمين في الشركة.
ولم تتفجر فضيحة قناة بنما إلا بعد سقوط الشركة بثلاث سنوات، حينما نشرت صحيفة لا ليبر بارول التي أسسها إدوارد درومون المعادي لليهود سلسلة من المقالات تحت عنوان «أسرار بنما» ادعى فيها كشف النقاب عن «المؤامرة اليهودية» وراء كارثة بنما واتهم رايناخ بالتورط في رشوة أعضاء البرلمان الفرنسي. وقد كان درومون أشد أعداء الرأسمالية المالية حيث اعتبرها «مرض فرنسا الحديثة وسبب مشاكلها» . ونظراً لارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بالقطاع المالي والمصرفي بشكل وثيق، أصبح اليهود هدف هجومه اللاذع، حيث حمَّل «النظام الرأسمالي اليهودي» كثيراً من المشاكل التي تواجهها فرنسا الحديثة ومن ذلك كارثة بنما.
وكان من مفاجآت التحقيقات اللاحقة اكتشاف أن رايناخ (محور المؤامرة اليهودية) كان هو نفسه مصدر معلومات درومون، حيث تبين أنه في أعقاب تفجير القضية على صفحات الجريدة أبرم رايناخ اتفاقاً مع درومون يقضي بإخراج اسمه من موضوعات الصحيفة مقابل قيام رايناخ بتوفير جميع المعلومات المتصلة بالقضية وبتجاوزات الشركة. ومما يذكر أن الحملة التي أثارتها صحيفة درومون وغيرها من الصحف الفرنسية ضد شركة بنما كانت تتم في إطار الصراع السياسي القائم آنذاك بين القوى اليمينية والملكية من جهة والقوى الاشتراكية والنظام الجمهوري من جهة أخرى، خصوصاً أن كثيراً من رجال السياسة والدولة كانوا متورطين في الفضيحة بشكل أو بآخر.

وقد تُوفي رايناخ في نوفمبر 1892 بشكل مفاجئ مع بداية التحقيقات في القضية، وأُثيرت تكهنات حول مسألة وفاته حيث قيل إنه انتحر أو قُتل. أما هرتز، فقد فرّ من البلاد إلى لندن حيث ظل فيها حتى وافته المنية وقد حُكم عليه غيابياً بالسجن لمدة خمس سنوات، بينما ظل أرتون هارباً إلى أن تم إلقاء القبض عليه عام 1895. ثم تُوفي منتحراً عام 1905.
ومن العسير فهم فضيحة قناة بنما إلا في إطار حركيات الرأسمالية الفرنسية والنخبة الحاكمة الفرنسية والعلاقة بينهما في أواخر القرن التاسع عشر. وتُبيِّن أحداث الفضيحة وطأة الاستغلال الواقع على كلٍّ من جماهير الشعب الفرنسي وأعضاء الطبقة الوسطى. ومع هذا، تحولت الفضيحة إلى قرينة أخرى على المؤامرة اليهودية الأزلية، وأصبحت من أهم الأحداث التي يشير إليها المعادون لليهود في أدبياتهم. وقد ساعدهم في ذلك أن أبطال الفضيحة كلهم من أعضاء الجماعات اليهودية، اثنان منهم فرنسيان من أصل ألماني والثالث فرنسي هاجر إلى أمريكا، وإن كان من العسير الحديث عن شبكة يهودية عالمية تشمل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ينبع غشهم التجاري من يهوديتهم أم من وجودهم داخل مجتمعات فاسدة مستغلة تساعد الإمكانيات الفساد داخل الإنسان على التحقق؟
صمويل صنبال (؟ -1782)
‏Samuel Sunbal

دبلوماسي مغربي يهودي عمل بالتجارة وحقق أرباحاً فيها. ثم دخل في خدمة السلطان المغربي مترجماً ومستشاراً للسلطان، وقام بتمثيل المغرب في جميع المفاوضات مع الدول الأوربية. ونظراً لأهمية مركزه، حرصت الحكومة الإسبانية على منحه علاوة سنوية إدراكاً منها أنه قد يصبح عنصراً نافعاً لها ولمصالحها. وقد أُرسل عام 1751 كسفير للمغرب في الدنمارك للقيام بمهمة خاصة. وكانت لصنبال مكانة متميِّزة داخل الجماعة اليهودية في المغرب، حيث كان يُنظَر إليه باعتباره رئيس اليهود (النجيد) . وفي عام 1780، وُجِّهت له اتهامات بتهريب العملة إلى خارج البلاد وسُجن، ولكنه نجح في الفرار إلى جبل طارق حيث اشترك في توفير الإمدادات للقلعة التي كانت واقعة تحت الحصار آنذاك، ثم عاد فيما بعد إلى المغرب حيث تُوفي في طنجة.
أما ابنه يوسف حاييم صنبال، فقد نجح في تأكيد الحقوق والمطالب المالية لوالده في الدنمارك. وكان يتميَّز بشخصية غير عادية. وفي عام 1787، دعا إلى دين جديد يوفق بين المعتقدات الدينية المتعارضة. وقد استقر يوسف في لندن بعد ذلك حيث عُيِّن عام 1794 سفيراً للمغرب في إنجلترا. وفي عام 1797، تزوج يوسف من ممثلة وصحفية مشهورة اعتنقت اليهودية كما قامت بعد اقترانهما بتسجيل الجوانب المثيرة لحياتها في سيرتها الذاتية. وقد استقر صنبال في نهاية المطاف في هامبورج حيث تُوفي عام 1804.
ولا يمكن تفسير سلوك صنبال في إطار يهوديته وإنما يمكن تفسيرها في إطار وظيفيته التي جعلته غير متجذر في أي مكان أو زمان. ويظهر هذا في سيرة ابنه ودعوته إلى الدين الجديد.
موسى أننبرج (1878-1942 (
‏Moses Annenberg

مليونير أمريكي يهودي بدأ حياته بائع جرائد، ثم تدرَّج داخل شبكة توزيع الصحف لمؤسسة هيرش الصحفية، ولجأ في كثير من الأحيان إلى استخدام أساليب البلطجة ضد موزعي الصحف المنافسة. وقد نجح أننبرج في دخول مجال النشر الصحفي واشترى عام 1936 جريدة فلادلفيا إنكوايرر وهي أقدم جريدة يومية في الولايات المتحدة. وفي عام 1939، اتُهم أننبرج مع ابنه وولتر (1908ـ) بالتهرب من الضرائب. ودخل الأب السجن بعد أن اعترف بالتهمة مقابل إسقاط التهم الموجهة ضد ابنه، واعتُبر بذلك أكبر متهرب من الضرائب في التاريخ الأمريكي. وقد تولى ابنه وولتر رئاسة مؤسسة تراينجل للنشر عام 1942. وأضاف إلى المؤسسة جريدة ديلي نيوز و6 محطات إذاعة وتليفزيون ومجلتين إحداهما مجلة دليل التليفزيون (تي. في. جايد) وهي أكثر المجلات توزيعاً في العالم وأكثرها ربحاً في الولايات المتحدة. وفي عام 1969، باع وولتر جريدتي فلادلفيا إنكوايرر وديلي نيوز. وتقدر قيمة مؤسسة تراينجل بحوالي 1.6 بليون دولار، ويمتلكها وولتر وشقيقاته الخمس.
وقد اهتم وولتر بالإنفاق الضخم على المشاريع والأنشطة الخيرية من خلال مؤسسة موسى أننبرج. ويُقال إن هذا الاهتمام يرجع في الأساس إلى محاولة وولتر إزالة ما لحق بسمعة العائلة من غبار بعد قضية أبيه. كما اهتم وولتر بدعم إسرائيل حيث قدَّم لها بعد حرب 1967 منحة قدرها مليون دولار. وقد عيَّنه الرئيس الأمريكي نيكسون عام 1969 سفيراً للولايات المتحدة لدى بريطانيا. وظلت تربطهما علاقة صداقة، كما كان مقرباً من الرئيس الأمريكي السابق ريجان.
لستر كراون (1925 -؟)
‏Lester Crown

مليونير أمريكي يهودي ينتمي إلى عائلة كراون الأمريكية اليهودية الثرية. وأبوه هو هنري كراون الذي وُلد لأسرة من المهاجرين من يهود اليديشية، وعمل في عدة مؤسسات تجارية وصناعية حتى أصبح عام 1921 مديراً لشركة ماتيريل سيرفس ثم رئيساً لمجلس إدارتها. وبعد الحرب العالمية الثانية، عمل هنري كراون مديراً لعدة مؤسسات كبيرة من أهمها شركة جنرال داينامكس التي تُعَدُّ أكبر شركة مقاولات أمريكية تعمل في مجال الدفاع.
ويمتلك هنري كراون مع ابنه لستر حوالي 23% من هذه الشركة، وتُقدر ثروتهما بحوالي 1.1 بليون دولار. وفي السنة نفسها، تورَّط لستر كراون عام 1974 في فضيحة رشوة. وفي عام 1985، اتجهت وزارة الدفاع الأمريكية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لسحب التصريح الأمني الخاص به بسبب إخفائه عنها تورطه في الرشوة. وقد تعرضت شركة جنرال داينامكس لعدد من قضايا وفضائح الفساد.
ومما يجدر ذكره، أن شركة جنرال داينامكس ترتبط بإسرائيل من خلال علاقة التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مجال الصناعات العسكرية الإسرائيلية. وفي عام 1986، خلعت إسرائيل على لستر كراون لقب «زميل شرفي للقدس» بعد أن تبرع بمبلغ غير معروف من أجل إقامة مركز ثقافي ضخم بالمدينة.
إيفان بويسكي (1917 -؟)
‏Ivan Boesky
أحد أهم رجال المال اليهود في الولايات المتحدة. وهو ابن مهاجر يهودي من روسيا درس القانون في جامعة ديترويت. بدأ بويسكي يتاجر في الأسهم في وول ستريت ابتداءً من عام 1966، ثم تخصص في عمليات المضاربة على أسهم الشركات التي توشك على التوسع أو الاندماج مع شركات أخرى أو توشك أن تستولي عليها إحدى الشركات الأخرى. وعادةً ما ترتفع أسعار أسهم هذه الشركات عند إعلان نوايا التوسع أو الدمج أو الاستيلاء.

ويُعَدُّ بويسكي من أهم الشخصيات في المؤسسة الصهيونية واليهودية في الولايات المتحدة، وكان يتبرع بالملايين للحركة الصهيونية والمؤسسات اليهودية؛ فقد ساهم بمليوني دولار للكلية اللاهوتية اليهودية من أجل تأسيس مكتبة بويسكي فيها، كما كان نشيطاً جداً في النداء اليهودي الموحَّد. وكان مارتن بيريتز، صاحب مجلة النيو ربابليك ذات الاتجاه الصهيوني، من كبار المستثمرين لديه.
وقد اكتُشف عام 1986 أنه كان يستغل مهنته التي يفترض فيها الحياد والأمانة الشديدان، فكان يعقد الصفقات بشراء وبيع أسهم الشركات بناءً على ما يرده من معلومات قبل أن تُعلَن للجمهور ويحقق أرباحاً طائلة نتيجةً لذلك، وهي فضيحة من أخطر الفضائح، فقُبض عليه وحُكم عليه بالسجن وبدفع غرامة ضخمة.


الجماعات اليهودية إشكاليات - عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

إشكالية معاداة اليهود
معاداة السامية
‏Anti-Semitism
«معاداة السامية» ترجمة شائعة للمصطلح الإنجليزي «أنتي سيميتزم» . ونستخدم في هذه الموسوعة عبارة «معاداة اليهود» للإشارة إلى هذه الظاهرة.
معاداة اليهود: المصطلح
‏Anti-Semitism: Terminology
«معاداة اليهود» ترجمة للمفهوم الكامن وراء العبارة الإنجليزية «أنتي سيميتزم» . والمعنى الحرفي أو المعجمي للعبارة هو «ضد السامية» ، وتُترجَم أحياناً إلى «اللاسامية» . وكان الصحفي الألماني اليهودي الأصل ولهلم مار (1818 ـ 1904) أول من استخدم هذا المصطلح عام 1879 في كتابه انتصار اليهودية على الألمانية ـ من منظور غير ديني. وقد صدر الكتاب بعد المضاربات التي أعقبت الحرب الفرنسية البروسية (1870 ـ 1871) والتي أدَّت إلى دمار كثير من المموِّلين الألمان الذين ألقوا باللوم على اليهود. ولو أُخذت العبارة بالمعنى الحرفي، فإنها تعني العداء للساميين أو لأعضاء الجنس السامي الذي يشكل العرب أغلبيته العظمى، بينما يُشكك بعض الباحثين في انتماء اليهود إليه. ولكن المصطلح، في اللغات الأوربية، يقرن بين الساميين واليهود ويوحد بينهم، وهذا يعود إلى جهل الباحثين الأوربيين في القرن التاسع عشر بالحضارات الشرقية، وعدم تكامل معرفتهم بالتشكيل الحضاري السامي أو بتنوع الانتماءات العرْقية والإثنية واللغوية لأعضاء الجماعات اليهودية. وهذا المصطلح يضرب بجذوره في الفكر العنصري الغربي الذي كان يرمي إلى التمييز الحاد بين الحضارات والأعراق، فميَّز في بداية الأمر بين الآريين والساميين على أساس لغوي، وهو تمييز أشاعه إرنست رينان (1823 ـ 1892) ، ثم انتقل من الحديث عن اللغات السامية إلى الحديث عن الروح السامية والعبقرية السامية مقابل الروح الآرية والعبقرية الآرية التي هي أيضاً الروح الهيلينية أو النابعة منها. ثم سادت الفكرة العضوية الخاصة بالفولك أو الشعب العضوي، ومفادها أن لكل أمة عبقريتها الخاصة بها ولكل فرد في هذه الأمة سمات أزلية يحملها عن طريق الوراثة، وانتهى الأمر إلى الحديث عن تفوُّق الآريين على اليهود (الساميين) ، هذا العنصر الآسيوي المغروس في وسط أوربا، كما دار الحديث عن خطر الروح السامية على المجتمعات الآرية. وشاع

المصطلح منذ ذلك الوقت وقام الدارسون العرب باستيراده وترجمته كما فعلوا مع كم هائل من المصطلحات الأخرى. وبدلاً من ترجمة المصطلح، فقد فضلنا هنا توليد مصطلح جديد هو «معاداة اليهود» لأنه أكثر دقة ودلالة، كما أنه أكثر حياداً ولا يحمل أية تضمينات عنصرية ولا أية أطروحات خاطئة، كما هو الحال مع مصطلح «أنتي سيميتزم» .
لكن بعض الكُتَّاب الغربيين يميلون إلى التمييز بين «معاداة اليهودية» و «معاداة السامية» حيث إن معاداة اليهودية، حسب تصوُّرهم، هي عداء ديني للعقيدة اليهودية وحدها، وبالتالي كان بإمكان اليهودي أن يتخلص من عداء المجتمع له باعتناق المسيحية. أما معاداة السامية، فهي عداء لليهود بوصفهم عرْقاً، وبالتالي فهي عداء علماني لاديني ظهر بعد إعتاق اليهود وتزايد معدلات اندماجهم. وهذا النوع من العداء يستند إلى نظريات ذات ديباجات ومسوغات علمية عن الأعراق عامة، وعما يُقال له «العرْق اليهودي» ، وعن السمات السلبية الافتراضية (الاقتصادية والثقافية) الثابتة والحتمية لليهود اللصيقة بعرْقهم! وتصحب مثل هذه الدراسات إحصاءات عن دور اليهود في التجارة والربا مثلاً، وفي تجارة الرقيق عامة والرقيق الأبيض على وجه الخصوص، ومعدلات هجرتهم، ثم يتم استخلاص نتائج عرْقية منها. وبالتالي، إذا كانت معاداة اليهودية تعبيراً عن التعصب الديني، فإن معاداة السامية، حسب هذه الرؤية، هي نتيجة موقف دنيوي بارد يستند إلى حسابات المكسب والخسارة وإلى الرصد "العلمي" لبعض السمات اللصيقة بما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . ويرى المنادون بهذا الرأي أن معاداة السامية بدأت في القرن التاسع عشر (أساساً) وإن كان بعضهم يرى أن عداء الدولة الإسبانية ليهود المارانو (وهم اليهود الذين تنصَّروا) هو عداء ذو دافع دنيوي إذ أن هؤلاء المارانو، بحسب إحدى النظريات، كانوا مسيحيين بالفعل. ولكن مقياس النقاء العرْقي (نقاء الدم) الذي حُكم به عليهم، لم يكن مقياساً

دينياً وإنما كان مقياساً عرْقياً، وكان الدافع وراء اضطهادهم هو رغبة الأرستقراطية الحاكمة، أو بعض قطاعاتها على الأقل، في التخلص من طبقة بورجوازية جديدة صاعدة كانت تتهددها. ومن هنا، مُنع المارانو من الاستيطان في المستعمرات البرتغالية والإسبانية لتقليل فرص الحراك أمامهم. وهكذا، كانت هذه الحركة تعبِّر عن اتجاه دنيوي، ولكنها تستخدم الخطاب الديني لتبرير غاياتها.
ومن هذا المنظور الطبقي العرْقي، يصبح اليهودي المندمج هو أكثر اليهود خطورةً، فهو يهودي (أي بورجوازي) يدَّعي أنه مسيحي ليحقق مزيداً من الحراك والصعود الاجتماعي. ولذا، لابد من وقفه والحرب ضده برغم تبنيه العقيدة المسيحية.
وهذا الموقف يناقض الموقف القديم لمعاداة اليهود حيث كانت الكنيسة ترحب بمن تنصَّر. فالنبلاء البولنديون المسيحيون، على سبيل المثال، كانوا يتزوجون من أعضاء الأسر اليهودية المتنصرة حتى القرن الثامن عشر. وقبل ذلك، كان الوضع نفسه سائداً في مملكتي قشطالة وأراجون في القرن الخامس عشر. ومن المعروف أن الكنيسة وقفت ضد أي تعريف عرْقي لليهودي يخضعه للحتميات البيولوجية شبه العلمية، وبالتالي فتحت أمامه أبواب الخلاص. ولتبسيط الأمور، دون تسطيحها، سنستخدم عبارة «معاداة اليهود» ثم نضيف إليها عبارات تحدد مجالها الدلالي مثل «على أساس عرْقي» أو «على أساس ديني» ... إلخ، إن استدعى السياق ذلك.

وقد اختلط المجال الدلالي للمصطلح تماماً في اللغات الأوربية بعد ظهور الصهيونية. وبعد سيطرة الخطاب الصهيوني على النشاط الإعلامي الغربي، لم تَعُد هناك تفرقة بين ظاهرة معاداة اليهود في الدولة الرومانية وظاهرة معاداة اليهود في العصور الوسطى المسيحية. ولم يَعُد هناك تمييز بين معاداة اليهود على أساس عرْقي وبين معاداة اليهود على أساس ديني. وأصبحت معاداة الصهيونية، بل والدولة الصهيونية هي الأخرى، تُصنَّف باعتبارها من ضروب معاداة اليهود. وحينما كانت دول الكتلة الشرقية تصوت ضد إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة، كان هذا يُعدُّ أيضاً تعبيراً عن تقاليد معاداة اليهودية الراسخة فيها. وبالمثل اعتُبر قيام فرنسا ببيع طائرات الميراج لليبيا تعبيراً عن الظاهرة نفسها. بل ويذهب أنصار هذا الرأي إلى أن نضال الشعب الفلسطيني ضد الاستيطان الصهيوني تعبير عن الظاهرة نفسها. وهكذا اتسع المجال الدلالي للمصطلح واضطرب ليضم عدة ظواهر لا يربطها رابط، حتى أصبح بلا معنى، وأصبح أداة للإرهاب والقمع الفكريين.
المعاداة البنيوية للسامية (أي لليهود واليهودية)
‏Structural Anti-Semitism
» المعاداة البنيوية للسامية» مصطلح يشير إلى بنية المجتمع حين تتشكل علاقاته بطريقة لا تسمح بوجود أعضاء الجماعات اليهودية، أي أن بنية المجتمع نفسها تلفظ اليهود، وتحولهم إلى شعب عضوي منبوذ، بغض النظر عن نية أعضاء المجتمع. ومما لا شك فيه أن علاقات مجتمع ما ممكن أن تتشكل بطريقة تجعل من العسير على أعضاء الجماعات اليهودية الاستمرار فيه، خصوصاً إذا كانوا أعضاء في جماعة وظيفية.

ويرى الصهاينة أن معظم أشكال معاداة اليهود أشكال بنيوية، أي لصيقة ببنية المجتمع. وتحاول الصهيونية العمالية أن تبرهن على وجود هذه المعاداة البنيوية للسامية من خلال تحليل علاقات الإنتاج في المجتمع لتصل إلى نتيجة مفادها أن المجتمعات البشرية لا تسمح لليهودي أن يعمل في القطاعات الإنتاجية وأن اليهودي من ثم محكوم عليه بالهامشية والطفيلية، وأن الحل الوحيد لهذه الهامشية البنيوية أن يؤسس اليهود لهم وطناً يمارسون فيه سيادتهم القومية ويشغلون فيه كل المواقع في الهرم الإنتاجي.
ويذهب الصهاينة إلى أن معاداة اليهود ليست لصيقة ببنية المجتمع وحسب، بل لصيقة ببنية النفس البشرية. وهذا ما عبَّر عنه شامير بشكل سوقي حين قال إن البولنديين يرضعون معاداة اليهود مع لبن أمهاتهم. ويرى الصهاينة أن العرب والمسلمين يعانون من الظاهرة نفسها، أي المعاداة البنيوية للسامية.
والعلاقة بين «المعاداة البنيوية للسامية» و «الصهيونية البنيوية» علاقة قوية، فإذا كانت الأولى تعني ظهور بنية تلفظ اليهود وحسب، فإن الثانية تعني توظيف عناصر الطرد بحيث يتجه المهاجرون اليهود إلى فلسطين. ولعل ما حدث في العراق في الخمسينيات أنصع مثل لذلك. فحين أدركت الحكومة الإسرائيلية أن يهود العراق لن يهاجروا إليها وأنهم آثروا البقاء في وطنهم، أرسلت مبعوثيها فوضعوا المتفجرات في أماكن تجمُّع اليهود ومعابدهم، لإقناعهم بأن المجتمع العراقي يلفظهم، أي أنهم أعادوا تشكيل بنية العلاقات السائدة بين أعضاء الأغلبية وأعضاء الأقلية، بحيث يصبح المجتمع مجتمعاً طارداً لأعضاء الجماعة اليهودية. وهذه هي معاداة اليهود البنيوية. ولكن الحكومة الإسرائيلية كانت تعرف مسبقاً أن المجال الوحيد المفتوح أمام يهود العراق هو الهجرة إلى فلسطين المحتلة، وهذه هي الصهيونية البنيوية.

ويمكن القول بأن ألمانيا أسَّست مجتمعاً معادياً لليهود بشكل بنيوي، ولكن من خلال اتفاقية الهعفراه بين النازيين والصهاينة أصبحت المعاداة البنيوية للسامية صهيونية بنيوية.
معاداة اليهود: الأسباب وتكوين الصور النمطية
‏(Anti-Semitism (Causes and the Process of Stereotyping
يُفسِّر الصهاينة معاداة اليهود بأنها تعود إلى كُره الأغيار لليهود عبر العصور، وهو تفسير من العمومية بحيث لا يُفسِّر شيئاً البتة. فإذا كان كره الأغيار لليهود ظاهرة ميتافيزيقية متأصلة، فإن المنطقي هو أن يُعبِّر هذا الكُره عن نفسه بشكل مطلق، أي بالطريقة نفسها بغض النظر عن الزمان والمكان. ولكن تاريخ عداء اليهود تاريخ طويل ومتنوع ويفتقر إلى الاستمرار التاريخي كما تختلف دوافعه وأسبابه. ومن المعروف أن الجماعات اليهودية توجد داخل تشكيلات حضارية مختلفة، وكانت تنشأ توترات مختلفة بينها وبين أعضاء الأغلبية. وبرغم أن سائر أحداث التوتر هذه يُشار إليها بمصطلح «معاداة اليهود» على وجه العموم، فإن المصطلح يكتسب مضمونه الحقيقي والمحدد من خلال التشكيلات الحضارية المختلفة، ولذلك، فإن الدلالة تختلف من تشكيل إلى آخر. والواقع أننا لو أخذنا بالتفسير الصهيوني وجعلنا من مختلف الأحداث التي تُعبِّر عن العداء لليهود ظاهرة واحدة، لأصبح العنصر الثابت الوحيد هو اليهود، وحينذاك يصبح اليهود هم المسئولين عن الكراهية التي تلاحقهم والعنف الذي يحيق بهم، وهو تحليل عنصري مرفوض طرحه محامي أيخمان بشكل خطابي أثناء الدفاع عنه في إسرائيل. فاليهود يُشكِّلون جماعات مختلفة وغير متجانسة لكلٍّ منها ظروفها ومشاكلها.

ويمكن القول بأن العداء لليهود، بوصفه شكلاً من أشكال العداء للأقليات والغرباء والأجانب (و «الآخر» على وجه العموم) ، هو إمكانية كامنة في النفس البشرية التي تنفر من كل ما هو غير مألوف، وبالتالي فهو إمكانية كامنة في كل المجتمعات. كما أن هناك بشراً في كل مجتمع لا يقنعون بما لديهم من ثروة أو رزق، ويرغبون دائماً في الاستيلاء على ما يملكه الآخرون، وبخاصة ما يمتلكه أعضاء الأقلية الذين لا يتمتعون عادةً بالحصانات نفسها وبالاستقرار نفسه الذي يتمتع به أعضاء الأغلبية. ومع هذا، تظل هذه الأفكار والدوافع في حالة كمون ولا تعبِّر عن نفسها إلا من خلال أفعال عنف وكره فردية متفرقة أو من خلال أشكال من التحايل على أعضاء الأقلية أو من خلال أعمال أدبية أو قصص أو أساطير، مادام المجتمع مستقراً ولكل عضو فيه وظيفته. ولكن ثمة عناصر تؤدي إلى تحوُّل هذه الدوافع النفعية من حالة الكمون إلى حالة التحقق حيث تتعدد الأفعال الفردية وتصبح ظاهرة اجتماعية، وتتغلغل في بنية المجتمع ذاته.

ولعل من أهم الأسباب التي أدَّت إلى ظهور معاداة اليهود وانتقالها من حالة الكمون إلى مستوى البنية الاجتماعية أن معظم الجماعات اليهودية كانت تشكل جماعات وظيفية قتالية وتجارية في المجتمعات القديمة، وكذلك في المجتمع الغربي في العصر الوسيط حتى القرن التاسع عشر. وقد كانت الجماعات الوظيفية تتكون دائماً من عناصر بشرية غريبة عن المجتمع حتى يمكنها أن تضطلع بوظائف كريهة أو مشبوهة أو متميِّزة تتطلب الموضوعية وعدم الانتماء، مثل: التجارة والربا والقتال والبغاء. ولذا، نجد أن موقف أعضاء الجماعات الوظيفية من المجتمع يتسم بالحياد والنفعية، فهم ينظرون إلى مجتمع الأغلبية باعتباره سوقاً أو مصدراً للربح، كما ينظر أعضاء المجتمع إليهم باعتبارهم أداة لتنشيط التجارة أو القتال. وكان يُنظَر إليهم في المجتمعات التقليدية باعتبارهم وسيلة لا غاية وأداة من أدوات الإنتاج لا أكثر، ولذلك كان أعضاء الجماعة لا حرمة لهم في كثير من الأحيان (فهم غرباء) والغريب في معظم الأحوال مباح لا قداسة له. وفي العادة، يتركز أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة في قطاعات اقتصادية بعينها يبرزون فيها، الأمر الذي يجعلهم مركزاً للكره والحسد. وعلاوة على ذلك، يدافع أعضاء الجماعة الوظيفية عن مراكزهم الاقتصادية هذه بشراسة وضراوة غير عادية نظراً لعدم وجود بدائل أخرى متاحة أمامهم، فهم عادةً ما يفتقدون الخبرة اللازمة للزراعة والصناعة، ولا يعرفون كثيراً من الحرف بسبب غربتهم وتنقلهم. كما أنهم يدافعون عن مراكزهم الاقتصادية عن طريق شبكة الأقارب والعائلات، الأمر الذي يثير حولهم الشائعات عن عمق بغضهم وكرههم لأعضاء الأغلبية ( «الأغيار» في مصطلح الجماعات اليهودية) . وفي كثير من الأحيان، يحقق أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، اليهودية وغير اليهودية، تراكماً للثروة بشكل أسرع من أعضاء مجتمع الأغلبية، نظراً لاستعدادهم لحرمان أنفسهم من كثير من مباهج الحياة،

فهم غير منتمين إلى المجتمع كما أن الثروة هي مصدر قوتهم ومبرر وجودهم. وفي حالة اليهود في بولندا، على سبيل المثال، كانت الأرستقراطية البولندية تؤكد مكانتها عن طريق الإنفاق والتبذير، وأصبح هذا هو المثل الأعلى لقطاعات الشعب البولندي كافة، الأمر الذي لم يشارك فيه أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يؤثرون الادخار وسرعة تراكم الثروة. وهذا الوضع يزيد، بلا شك، حسد الجماهير.
ولكن أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، برغم غربتهم وتميزهم، كانوا يجدون أنفسهم في قلب الصراعات المختلفة في المجتمع، وبخاصة الصراعات الناشبة بين أعضاء النخبة الحاكمة وبين الطبقات الأخرى للمجتمع، خصوصاً الطبقات الشعبية، إذ أن قطاعات من النخبة الحاكمة كانت تستخدم أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة لضرب بعض طبقات المجتمع لاستغلالها أو كبح جماحها. فأعضاء الجماعة هم سوط في يد الحاكم، أو هكذا كان يراهم المحكومون، ولكنهم أيضاً كبش الفداء الذي يتم التخلص منه عند الحاجة وأمام الهجمات الشعبية، فالأداة ليست غاية في ذاتها. ورغم أن هذه الهجمات على الجماعات اليهودية (الوظيفية) في الغرب تُعدُّ هجمات عنصرية، فيجب ألا نهمل الجانب الشعبي فيها وأنها تمثل جزءاً من تمرُّد الجماهير على عملية الاستغلال، وإن كان تمرداً قصير النظر، كما هو الحال عادةً مع الهبّات الشعبية. ولم تكن هذه الثورات ثمرة إدراك عميق لحركيات الاستغلال، ولذا اقتصرت على تحطيم الأداة الواضحة أمامهم والمباحة لهم. ويقابل الهجمات الشعبية ضد أعضاء الجماعات اليهودية الانفجارات المشيحانية بينهم، فهي انفجارات تُعبِّر عن ضيق قطاعات أعضاء الجماعات اليهودية بوضعهم الاقتصادي والوظيفي والنفسي.

لكن هذا الوضع ليس وضعاً عاماً ولا عالمياً ينطبق على كل اليهود في كل زمان ومكان، فهو ينطبق بالأساس على الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وبالذات منذ بداية العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر كما ينطبق على كثير من الأقليات الأخرى. ولذا، فهو يَصلُح إطاراً تفسيرياً لمعظم جوانب ظاهرة معاداة اليهود باعتبار أن أغلبية يهود العالم كانوا يوجدون في أوربا مع نهاية القرن الثامن عشر، وفي بولندا على وجه الخصوص.
والجماعة الوظيفية الوسيطة ـ كما أسلفنا ـ تضطلع بوظيفة مهمة في المجتمع. وبالتالي، فإن وجودها في حد ذاته لا يؤدي بالضرورة إلى تحوُّل العداء الكامن إلى هجوم شعبي. لكن مثل هذا التحول يحدث في ظروف معينة من بينها ما يلي:
1 ـ في المراحل الانتقالية، حينما تحل طبقة جديدة محلية أو عالمية محل الجماعة الوظيفية الوسيطة، أو حينما تطوِّر الدولة أجهزة مركزية تضطلع بوظائف هذه الجماعة.
2 ـ تزايد نصيب الجماعة الوظيفية الوسيطة من الثروة مع تزايد الفقر في المجتمع أو في بعض شرائحه.
3 ـ تزايد أعداد أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة وهو ما يزيد من بروزهم.
4 ـ غياب الأعداء المشتركين للأغلبية ولأعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة، أو تحالف أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة مع العدو الخارجي.
5 ـ وضوح أعضاء الجماعة وتميزهم بعلامات عرْقية أو ثقافية لا يمكن محوها مثل اللون أو شكل العيون أو اللغة.
6 ـ وجود تميز ثقافي أو ديني أو عرْقي أو اجتماعي يساهم في عزل الأقلية عن الأغلبية، فالعزلة هنا ليست على مستوى واحد وإنما على جميع المستويات.

ولتوضيح النقطة الأخيرة، يمكن الإشارة إلى وضع الصينيين في إندونيسيا، والهنود في جنوب أفريقيا، ويهود اليديشية في أوكرانيا حينما كانت تابعة لبولندا. فالنخبة الحاكمة كانت هولندية مسيحية في إندونسيا، إنجليزية مسيحية في جنوب أفريقيا، بولندية كاثوليكية في بولندا. وكانت الجماهير إندونيسية (جاوية) مسلمة أو وثنية في إندونيسيا، سوداء وثنية في جنوب أفريقيا، وأوكرانية أرثوذكسية في أوكرانيا. أما الجماعة الوظيفية الوسيطة التجارية، فكانت صينية كونفوشيوسية في إندونيسيا، هندية (هندوكية أو مسيحية أو مسلمة) في جنوب أفريقيا، يهودية في أوكرانيا. كما كانت تفصل الجماعة الوظيفية الوسيطة عن النخبة وعن الجماهير عدة سمات أخرى (لغوية وثقافية) . وحينما يصل التدرج إلى هذه الدرجة من التبلور، وحينما تدعم الاختلافات الدينية والثقافية والعرْقية الاختلافات الطبقية، تصبح التربة مهيأة لانفجارات اجتماعية هائلة ذات أبعاد عرْقية كما حدث بالفعل في انتفاضة شميلنكي.

وقد كان يهود بولندا هم أغلبية يهود العالم في أواخر القرن الثامن عشر. وفي هذه المرحلة التاريخية، حدث بينهم أيضاً انفجار سكاني أدَّى إلى تزايد عددهم خمسة أو ستة أضعاف، ومن ثم زاد بروزهم العددي والاقتصادي. كما شهد المجتمع البولندي آنذاك بداية ظهور طبقات محلية بديلة وأجهزة قومية تحل محل الجماعة الوظيفية الوسيطة. وتزايد في هذه المرحلة فقر قطاعات كثيرة من المجتمع البولندي. وفضلاً عن ذلك، كان أعضاء الجماعة اليهودية يتحدثون اليديشية ويدينون بشيء من الولاء للثقافة الألمانية، بينما كان الألمان هم الأعداء التقليديون للسلاف والبولندين. كما أن أعضاء الجماعة اليهودية لم يشاركوا بشكل فعَّال في الحركة الوطنية البولندية التي كانت ذات تَوجُّه معاد لليهود لأسباب تاريخية مركبة (من أهمها اضطلاع اليهود بوظيفة جمع الضرائب وعوائد الضياع فيما يسمى بنظام «الأرندا» ) . لكل هذا، تفجرت معاداة اليهودية في بولندا وروسيا بشكل حاد.
ومن القضايا التي يجب أخذها في الاعتبار، أثناء دراسة ظاهرة معاداة اليهود، الإطار السياسي العام الذي يتم فيه هذا العداء. ويتضح هذا في موقف الإمبراطورية الرومانية حين صبَّت جام غضبها على العناصر المتمردة في فلسطين التي كانت تهدد السيطرة الإمبراطورية، ولكنها تحالفت في الوقت نفسه مع أثرياء اليهود الذين كانت مصالحهم مرتبطة بمصلحة الإمبراطورية. ومما يجدر ذكره، أنه كان يوجد جيش يهودي بقيادة أجريبا الثاني يعمل تحت قيادة تيتوس قائد القوات الرومانية التي حطمت الهيكل. فالمسألة لم تكن إذن عداءً لليهود (أو حباً لهم) بقدر ما هي مسألة مصالح إمبراطورية.

ويتضح الشيء نفسه في موقف الإمبراطورية البريطانية التي قامت بتأييد مشروع الاستيطان الصهيوني ودعمه رغم وجود قطاع داخل أعضاء النخبة الحاكمة الإنجليزية (وبين الطبقات الشعبية) يكن الكراهية لليهود، خصوصاً المهاجرين. فالمصالح الإمبراطورية (لا حب اليهود) هي التي دفعت إنجلترا إلى تبنِّي المشروع الصهيوني. وفي فترة لاحقة، نشأ توتر بين المستوطنين الصهاينة والإمبراطورية الراعية (وهو أمر عادةً ما يحدث لأن مصالح الإمبراطورية تكون عادةً أكثر تركيباً وشمولاً واتساعاً من مصالح المستوطنين) . فتعقبت السلطات الإنجليزية من سمّتهم «العناصر المشاغبة أو المتطرفة» بين المستوطنين، وقد فُسِّر ذلك بأنه عداء لليهود وهو أبعد ما يكون عن ذلك. ولعل أكبر دليل على هذا أن أعضاء الجماعة اليهودية داخل إنجلترا كانوا يتمتعون بجميع حقوقهم في ذلك الوقت. ولو أن الأمر كان عداء مطلقاً لليهود، لبدأت عملية التعقب في لندن لا في فلسطين.

ومن العناصر الأخرى التي يجب الانتباه إليها عند تحديد ظاهرة معاداة اليهود: مدى قرب أو بعد أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية من النخبة وما إذا كانت ظاهرة معاداة اليهودية ظاهرة رسمية أم شعبية. ويمكن الإشارة إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية في التشكيل الحضاري الغربي كانوا دائماً تحت حماية النخبة الحاكمة حتى نهاية العصور الوسطى (وربما بعدها أيضاً) . وفي روسيا القيصرية، على سبيل المثال، لم تشترك المؤسسة الحاكمة في اضطهاد اليهود إلا بعد عام 1882، مع دخول النظام القيصري أزمته، وبعد تَعثُّر التحديث، وهي فترة لم تدم طويلاً. وقد استؤنف التحديث مع ثورة روسيا عام 1905، ثم الثورة البلشفية، وأصبحت معاداة اليهود جريمة رسمية يُعاقب عليها القانون. وحتى قبل ذلك التاريخ، كانت تتم معاقبة من يقومون بالمذابح الشعبية، وكان التمييز ضد أعضاء الجماعات اليهودية يتم داخل إطار القانون (إن صح التعبير) ويهدف إلى ما كان يُسمَّى «إصلاح اليهود» . كما كان هناك التمييز بين اليهود النافعين واليهود غير النافعين، وكان النافعون يُعطَون حقوقهم كاملة ويتحركون خارج منطقة الاستيطان. هذا على عكس المعاداة الشعبية لليهود والتي لم يكن ينتظمها إطار، وكانت عبارة عن تفجرات تُعبِّر عن الإحباط، ومذابح لا تهدف إلا للتنفيس عن الضغط. ويمكن النظر إلى الظاهرة النازية، من هذا المنظور، باعتبارها ظاهرة حديثة. فعملية الذبح والإبادة (هنا) مسألة منهجية، تتم تحت سمع وبصر الحكومة، وبحكم القانون، وعلى أسس علمية ومن خلال بيروقراطيات متخصصة. وقد يكون من المستحسن أن نرى هذا النوع من معاداة اليهود كجزء من سياسة ألمانيا الكولونيالية التي تهدف إلى إبادة الغجر والسلاف وكل من يعيشون في المجال الحيوي لألمانيا، وهذه عملية تشبه من بعض الوجوه عملية إبادة الجزائريين في فرنسا على يد الفرنسيين، وسكان الكونغو على يد البلجيك، والفلسطينيين على يد

الصهاينة، فهي ليست استمراراً لتقاليد معاداة اليهود السابقة. واختلافها الوحيد عن عمليات الإبادة الكولونيالية المشابهة أنها تمت جغرافياً داخل أوربا.
ومن الضروري أن تُدرَس العمليات الفكرية والذهنية التي يتعامل المعادون لليهود من خلالها مع الواقع الإنساني المركب. ويمكن القول بأن الفكر العنصري عامة، بما في ذلك فكر معاداة اليهود، فكر اختزالي ينحو نحو تجريد الضحية من خصائصها الإنسانية المركبة والمتعينة بوصفها كياناً إنسانياً له سلبياته وإيجابياته حتى تتحول إلى شيء مجرد يجسد سمة أو جوهراً معيَّناً. وقد يلجأ العنصري إلى اختلاق الحقائق والأكاذيب، ولكن هذا أمر نادر إذ أن الفكر العنصري، خصوصاً في عصر العلم، يحاول أن يُقدم قرائن وحججاً على صدق مقولاته يستخلصها من الواقع، من خلال عمليات فكرية تنحو نحو التجريد والتبسيط والتسطيح والاختزال، مثل:
1 ـ التركيز على عنصر من الواقع دون غيره، كأن يركز العنصري على إحدى سلبيات بعض أعضاء الجماعات اليهودية (كاشتغالهم بتجارة الرقيق الأبيض) وعزلهم عن إيجابياتهم (الحرب الشرسة من جانب الجماعات اليهودية ضد هذه التجارة) .
2 ـ تعميم ما يرتكبه بعض أعضاء الجماعات اليهودية من جرائم أو أخطاء على كل أعضاء الجماعات اليهودية، ثم التركيز بعد ذلك على ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» بكل ما تتسم به من شرور وعنف مزعومين.
3 ـ فصل أعضاء الجماعات اليهودية عن سياقهم الاجتماعي والحضاري الذي قد يفسر سلوكهم السلبي، عدم الربط بين الجماعات اليهودية وغيرها من الجماعات البشرية التي قد تشترك معها في الصفات السلبية نفسها، وذلك بهدف خلع صفة الإطلاق على صفات اليهود حتى تكتسب بعداً نهائياً وتبدو كأنها مقصورة عليهم دون سواهم من البشر.

4 ـ إسقاط عناصر عدم التجانس بين الجماعات اليهودية المختلفة وعناصر الاختلاف والصراع بين أعضائها وإسقاط واقع انقسامهم إلى طبقات وجماعات مختلفة، فيصبح اليهود كلاًّ واحداً متجانساً يُسمَّى «الشعب اليهودي» أو «اليهود» .
ولنضرب مثلاً على هذه العمليات الفكرية الاختزالية الأربع بالتهمة التي عادةً ما توجَّه إلى أعضاء الجماعات اليهودية، أي الاشتغال بالرقيق الأبيض كقوادين أو بغايا. وهذه حقيقة مادية وإحصائية، ففي الفترة من 1881 وحتى 1935 كان ثمة وجود يهودي ملحوظ في هذه التجارة المشينة. ولكن العمليات الفكرية العنصرية تركز على هذا العنصر السلبي وتعزله عن إيجابيات اليهود (فقد كانت أعداد كبيرة منهم تعمل في مهن شريفة، كما أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ساهموا بكل قواهم في القضاء على هذه التجارة المشينة بين اليهود) . ومن ناحية أخرى، يُطلق أعداء اليهود هذه الصفة على كل اليهود أينما كانوا مع أن نسبة اليهود المشتغلين بهذه التجارة قد تكون أعلى من نسبة المشتغلين بها بين الأغلبية، ولكنها على أية حال كانت نسبة مئوية ضئيلة بالنسبة لعدد أعضاء الجماعة اليهودية. أما العملية الفكرية الثالثة، أي فصل اليهود عن سياقهم الاجتماعي والتاريخي، فهي أهم العمليات. وفي الواقع، فإنه لا يوجد أي ذكر للجماعات البشرية الأخرى التي اشتغلت بتجارة الرقيق الأبيض في الفترة نفسها، ولا لواقع أن الجماعات اليهودية في أوربا كانت تتمتع حتى منتصف القرن التاسع عشر بمعدلات عالية من التماسك الخلقي والاجتماعي يفوق المعدلات السائدة بين أعضاء الأغلبية، حتى أن ظاهرة الأطفال غير الشرعيين كانت غير معروفة تقريباً بينهم قبل عمليات التحديث والعلمنة التي حدث بعدها الانحلال الخلقي. أما العملية الرابعة فهي كامنة وراء العمليات السابقة كافةً.

وكثيراً ما تنعكس هذه العمليات الفكرية في أساطير وصور إدراكية ثابتة تنسب إلى اليهود خصائص سلبية ثابتة. كما أن وجود مثل هذه الأساطير والصور يبلور الأفكار العنصرية الكامنة ثم يساعدها على التحقق. ويمكن أن تكون هذه الأنماط الثابتة متناقضة؛ كأن يتبع فريق داخل المجتمع نمطاً معيَّناً ويتبع فريق آخر نمطاً آخر يناقض النمط الأول، مثل نمطي اليهودي الجبان الذي يخاف من أي شيء واليهودي العدواني الذي لا يخشى شيئاً. وقد اتضحت هذه الظاهرة في العصر الحديث في الغرب، فاليهودي هو من كبار المموِّلين وهو أيضاً المتسول، وهو رمز الجيتوية والتخلف الديني والانفتاح المخيف والعلمانية المتطرفة، وهو رمز الرجعية والثورة والإقطاعية والليبرالية. فإذا كان كارل ماركس يهودياً وكان روتشيلد يهودياً ومائير كاهانا يهودياً ومارلين مونرو يهودية، وكذلك فرويد وأينشتاين ونعوم تشومسكي، فلابد أن هناك ما يجمع بينهم. وحينما يفشل الدارس في العثور على هذا العنصر، فإنه يكمله من عنده ويفترض وجود مؤامرة خفية تجمع بينهم وأنهم ولا شك يحرصون على إخفائها. ولكن التناقض، على كلٍّ، أمر لا يضايق العنصريين بتاتاً، فالإنسان العنصري إنسان غير عقلاني (فهو مرجعية ذاته) لا يقبل الاحتكام إلى أية قيم أخلاقية تتجاوزه وتتجاوز الآخر، فهو يؤمن بشكل قاطع بأن تميزه أمر لصيق بكيانه وكامن فيه تماماً مثل تَدنِّي الآخر، وبالتالي فإن العنصري يبحث دائماً عن قرائن في الواقع ينقض عليها كالحيوان المفترس أو الطائر الجارح فيلتقطها ويعممها ليبرر حقده. بل ويمكن أن يُوظِّف هذا التناقض ذاته بين الصور الإدراكية بحيث يشير إلى مدى خطورة المؤامرة اليهودية العالمية الأخطبوطية التي تسيطر على سائر مجالات الحياة، وتسيطر على اليمين واليسار، وعلى الشمال والجنوب والشرق والغرب.

ولابد أيضاً من دراسة نوعية الفلسفة الاجتماعية (أو العامة) السائدة في المجتمع. فوجود فلسفة اجتماعية عنصرية في المجتمع يخلق تربة خصبة للتفجرات العنصرية. كما أن وجود فلسفات بعينها ـ كأن تكون الفلسفة العامة في المجتمع رؤية علمانية إمبريالية تتحدث عن التفوق والغزو وإرادة القوة ـ قد يساعد أيضاً على إنبات بذور الفكر العنصري الكامن.
ويمكن القول بأن الفكر العنصري يُعبِّر عن نفسه من خلال أي نسق فكري متاح في المجتمع. فعلى سبيل المثال، من الثابت أن فلسفة نيتشه زودت العنصريين وأعداء اليهود بإطار فكري يتمتع بالاحترام والمصداقية. ولكن يمكن القول أيضاً بأن العنصريين كانوا سيجدون تسويغاً لفكرهم في أي مصدر وفي أي نسق فكري متاح. ولو لم يُقدِّم نيتشه فلسفته، لوجد العنصريون تبريراً لمواقفهم من خلال أنساق فلسفية أخرى يستولون عليها ثم يقومون بتطويعها وتوظيفها لخدمة رؤيتهم وأهدافهم. وفي هذا شيء من الحق، ولكن الأفكار العرْقية المتبلورة التي تأخذ شكل أساطير مثيرة وصور إدراكية ثابتة تظل، مع ذلك، تلعب دوراً مهماً. كما أن أنساقاً فلسفية، مثل التفكير النيتشوي (الدارويني) الذي يسقط حرمة المطلقات كافة، ومنها الإنسان، يمكن أن تطوَّع لخدمة الفكر العنصري أكثر من أنساق فكرية أخرى. ولعل المناخ الفكري العام الذي ساد أوربا في القرن التاسع عشر، بحديثه عن التفوق الآري ورسالة الإنسان الأبيض والبقاء للأصلح، قد خلق ارتباطاً اختيارياً وتربة خصبة لنمو معاداة اليهود. ومن الثابت الآن أن أكثر الكتب شيوعاً آنذاك، في أوربا، كانت الكتب العنصرية. كما أن محاولة تعريف الواقع بأسره (بما في ذلك الإنسان) على أساس مادي، ساعد على نمو النظريات التي تحاول تعريف الجماعات البشرية من منظور عرْقي. ولكن النظريات المادية نظريات حتمية، فتطور المادة غير خاضع لعقل الإنسان أو اختياراته، وإذا عُرِّف الإنسان على أساس عرْقي فهذا يعني أنه يُولَد

بصفاته ومن ثم فهو غير مسئول عنها، ومن هنا فإن شخصيته وهويته في جسده لا في وضعه الاجتماعي. ولذا، يمكننا القول بأن النظريات البيولوجية التي تحاول تعريف الإنسان في كليته على أساس بيولوجي مادي تخلق قابلية داخل المجتمع للعنصرية والعداء لليهودية، إذ تصبح الصفات السلبية لليهودي شيئاً حتمياً لصيقاً بجوهره. وتجب الإشارة إلى أن الإيمان بالحتمية المادية ليس مقصوراً على النظريات البيولوجية بل هو كامن في كثير من الأنساق المعرفية التي سادت أوربا في القرن التاسع عشر. بل إن بعض المفكرين المسيحيين يذهبون إلى أن المصدر الأساسي، بل والنهائي، لمعاداة اليهود ليس المسيحية، كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما العداء للمسيحية وللدين بشكل عام، إذ أن مثل هذا العداء يحوِّل الآخر إلى شيء ويُنكر عليه إنسانيته ولا يفتح أمامه أبواب الخلاص (وقد لا يكون من قبيل الصدفة أن العنوان الفرعي لكتاب ويلهلم مار انتصار اليهودية على الألمانية هو: من منظور غير ديني) . كما أن الحركة النازية، وهي الحركة التي بلورت معاداة اليهودية وأضفت عليها منهجية وشمولاً، كانت تعادي الكنائس كلها وأرسلت بالعشرات من رجال الدين المسيحيين إلى أفران الغاز وكانت تُحرِّم على أعضاء فرق الإس إس الخاصة الانضمام إلى أية كنائس مسيحية باستثناء الكنيسة القومية التي أسسها النازيون أنفسهم.

ولقد أشرنا من قبل إلى اتجاه العنصريين إلى تجريد اليهود واختزالهم عن طريق عزلهم عن سياقهم التاريخي وعن غيرهم من الجماعات البشرية. وهنا نضيف أن الصهاينة يفعلون الشيء نفسه في دراستهم لما يلحق اليهود من اضطهاد، فهم يقومون بعزل ظاهرة اضطهاد اليهود عن الظواهر المماثلة أو المختلفة في المجتمع. وبهذه الطريقة، يصبح هذا الاضطهاد شيئاً فريداً غير مفهوم ويصبح عداء الأغيار لليهود أمراً ثابتاً وتعبيراً عن الطبيعة الشريرة للأغيار. ولذا، فحينما يُدرَس الاضطهاد، فإنه لابد من وضعه في سياقه التاريخي حتى يمكننا أن نرى أثر هذا الاضطهاد على جماعات بشرية أخرى. ويمكن القول بأن اضطهاد اليهود في أوربا (بعد القرن الثاني عشر) لم يكن موجَّهاً إليهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم مرابين (جماعة وظيفية وسيطة) ، كما أن المرابين من الكوهارسين واللومبارد الذين كانوا يحتلون المكان نفسه ويعملون الوظيفة نفسها كانوا يتعرضون أو لا يتعرضون للاضطهاد حسب مدى احتياج المجتمع إليهم أو عدم احتياجه. وبعد عصر الإعتاق والانعتاق، قامت الدولة الفرنسية الجديدة بمحاولة دمج كل الأقليات التي كانت تتمتع بأية خصوصية لغوية أو دينية غير فرنسية، ولم تميِّز في ذلك بين اليهود والبريتون مثلاً. وحينما قامت الإمبراطورية الروسية (القيصرية) بمحاولة فرض الصبغة الروسية على أعضاء الجماعة اليهودية، كانت تفعل ذلك باعتباره جزءاً من سياسة إمبراطورية عليا كانت موجهة ضد كل الجماعات البشرية في الإمبراطورية، وبخاصة غير السلافية (الإيروسنتي) . وقد تعرَّض المسلمون في الإمارات التركية السابقة لدرجة أعلى من الاضطهاد، فقد كانوا أقل تروُّساً، كما أن الانتماء الآسيوي للمسلمين الأتراك جعلهم أكثر ابتعاداً عن الحضارة الروسية من اليهود الذين كانوا أكثر قرباً منها. فرطانتهم اليديشية هي، في نهاية الأمر، رطانة ألمانية، كما أن نخبتهم الثقافية كانت جزءاً من التشكيل

الحضاري الغربي. وبالمثل، كان الاضطهاد النازي اضطهاداً علمياً محايداً لا تمييز فيه ولا تحيُّز، وقد كان موجهاً ضد جميع العناصر «غير المفيدة» التي يصنفها المجتمع باعتبارها كذلك، مثل: العجزة، والأطفال المعوقين الذين صنِّفوا بوصفهم «أفواه تأكل لا نفع لها» ، والغجر، والسلاف، واليهود. وهناك هولوكوست ضد البولنديين (على يد كلٍّ من السوفييت والنازيين) راحت ضحيته عدة ملايين.
ويُلاحَظ أن الجماعة الوظيفية الوسيطة الصينية في الفلبين كانت تُعامَل معاملة الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية في بولندا تماماً، كما يُلاحَظ أن كل أشكال الاضطهاد التي تعرَّض لها يهود بولندا واجهها الصينيون في الفلبين.
ويمكن القول بأن معاداة اليهود، كظاهرة، لن تختفي تماماً من المجتمعات الغربية، فهي مجتمعات بشرية تتسم بقدر من التوتر والاحتكاك بين أعضاء الأغلبية وأعضاء الأقلية. ومع هذا، فعادةً ما تخف حدة معاداة اليهود حين يتحول أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة وظيفية وسيطة متميِّزة تميُّزاً واضحاً، إلى أعضاء في الطبقة الوسطى تتميَّز بشكلٍّ أقل وضوحاً ولا تختلف في وظيفتها ولا في قيمها ولا في رؤيتها للعالم عن أعضاء الطبقة الوسطى في المجتمع ككل. وفي هذه الحالة، عادةً ما يأخذ التعصب الديني أو العرْقي ضد أعضاء الجماعة اليهودية شكل سلوك فردي، من أشخاص متعصبين حقودين، ولا يشكل ظاهرة اجتماعية تساندها مؤسسات حكومية أو غير حكومية.
الصور الإدراكية النمطية وكلاسيكيات وتاريخ معاداة اليهود حتى بداية القرن الثامن عشر
‏Anti-Semitic Stereotypes, Classics of Anti-Semitic Literature, and History of Anti-Semitism to the Beginning of the Eighteenth Century

لعل أول هجوم على جماعة يهودية سُجِّل في التاريخ هو هجوم المصريين على المعبد اليهودي في جزيرة إلفنتاين في القرن الخامس قبل الميلاد. وكان هذا الهجوم موجَّهاً إلى جماعة وظيفية قتالية عميلة من الجنود المرتزقة التي وطّنها فراعنة مصر هناك لحماية حدود مصر الجنوبية، ثم انتقل ولاء هؤلاء الجنود إلى الغزاة الفرس. ومن ثم، فإنه كان هجوماً على عملاء الفرس (الغازي الأجنبي) ، هذا إن أخذنا بالرأي القائل بأنهم كانوا يهوداً، إذ يميل بعض المؤرخين إلى التشكيك في هذا الرأي.

وبعد دخول الشرق الأدنى القديم إلى محور الحضارة الهيلينية، نشأ وضع جديد في علاقة اليهود بمن حولهم. ويجب أن نشير ابتداءً إلى أن الرقعة الجغرافية التي تُسمَّى الآن «فلسطين» لم تكن مأهولة بالعنصر العبراني وحسب، إذ كانت المناطق الساحلية مأهولة بالعناصر الفلستية والفينيقية وغيرها، وكانت توجد داخل فلسطين أقوام سامية كثيرة، وكان العنصر اليوناني السائد يهيمن على التجارة ويتركز في المدن، أما العنصر العبراني اليهودي، فكان يعمل بالزراعة. وانضمت إلى العنصر التجاري اليوناني قطاعات كبيرة من النخبة اليهودية من كبار ملاك الأراضي وملتزمي الضرائب. وكانت فلسطين محور صراع بين الدولتين البطلمية والسلوقية، وكان اليهود أحد العناصر المهمة التي يدور حولها الصراع. ويمكن رؤية الهجوم على اليهود في هذه المرحلة باعتباره نتاج هذا المركب التاريخي. فسكان المدن من اليونانيين العاملين بالتجارة كانوا يصطدمون بالجماعة العبرانية اليهودية العاملة بالزراعة. وكانت الدولة السلوقية، في سعيها لدمج فلسطين بمساعدة النخبة اليهودية المتأغرقة، تحاول أن تقضي على العبادة القربانية المركزية وعلى الطابع اليهودي في فلسطين. وفي الإسكندرية، كان السكان اليونانيون يرفضون السماح لليهود بدخول الجيمنازيوم (رمز الانتماء الكامل للبوليس أي المدينة) لعدم مشاركتهم في العبادة اليونانية الوثنية. وقد ساعد على تصعيد حدة معاداة اليهود، في كل الأحوال، أن ديانتهم كانت توحيدية تقف ضد عبادة الأصنام، وكانت بالتالي ديانة فريدة آنذاك من بعض الأوجه. وكان هذا التفرد يُفسَّر من قبل الوثنيين بأنه كُره للبشرية، خصوصاً وأن الطقوس الدينية اليهودية تنسج حول اليهود شبكة كثيفة من العزلة.

وقد ازدادت معاداة اليهود في بعض المناطق، مثل الإسكندرية، لأن أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة رحبوا بالغزو الروماني بل وقدَّموا له يد المساعدة. وقد نتج عن الغزو الروماني أن النخبة الهيلينية فقدت موقعها المتميِّز في المجتمع، الأمر الذي جعلها تلقي باللوم على أعضاء الجماعة اليهودية. ولذا، ظهرت مجموعة من الكتاب الهيلينيين في القرن الأول الميلادي، مثل: خايريمون (أستاذ نيرون) ، وليسيماخوس (أمين عام مكتبة الإسكندرية) ، وآبيون (الخطيب اليوناني) يعادون اليهود. وقد ألَّف آبيون كتاباً من خمسة فصول عن تاريخ مصر يضم جزءاً عن اليهود، أورد فيه بعض الآراء السائدة عن اليهود في العالم القديم، من قبيل أنهم شعب بدوي متجول، وأنهم نُفوا من مصر لأنهم كانوا مجموعة من المصابين بالبرص الذين دنسوا المعابد المصرية وكان لابد من التخلص منهم، وقد فُسِّرت واقعة الخروج أو الهجرة من مصر على هذا الأساس. كما يورد آبيون أن العبرانيين كانوا موالين للملوك الرعاة (الهكسوس) الذين أذلوا المصريين، ومن ثم تم طردهم عقب طرد الهكسوس، فالتجأوا إلى أرض كنعان واحتلوها. وفي واقع الأمر، فإن هذه الأقاويل تهدف جميعاً إلى تقويض فكرة العلاقة الخاصة بين اليهود وفلسطين، والشرعية التي تتأسس على مثل هذه العلاقة. وقد أضاف آبيون تهماً أخرى، مثل أن اليهودية تُعلِّم اليهود كره الجنس البشري والعزلة عنه، وأنهم يذبحون فرداً غير يهودي كل عام ويذوقون أمعاءه، وأنهم يعبدون الحمار.

وإذا انتقلنا إلى روما، فإننا سنجد مستويين مختلفين تماماً لمعاداة اليهود: مستوى السياسة الإمبراطورية، ومستوى موقف الأرستقراطية الرومانية من يهود روما أساساً. أما الإمبراطورية الرومانية فلم تكن تهتم كثيراً بالأخلاق اليهودية أو الدين اليهودي إذ أن اهتمامها كان ينصب على تحقيق السلام الروماني وحسب. ولذا، نجد أن تيتوس الذي هدم الهيكل الثاني لم يعتبر نفسه قط عدواً لليهود، بل وكانت عشيقته بيرنيكي أختاً لأجريبا الثاني ملك اليهود. كما حارب في صفوفه جيش يهودي صغير. وقد رفض تيتوس أن يحمل لقب «تيتوس جودايكوس Titus judaocus» ، أي «تيتوس هازم اليهود» ، مثلما سُمِّي «تيتوس أفريكانوس Titus africanus» و «تيتوس جرمانيكوس Titus germanicus» ، أي هازم الأفارقة والألمان، وذلك بسبب صداقته للقوم أو الإثنوس اليهودي. ولذا، اكتفى تيتوس بصك عملة ظهرت عليها عبارة «جوديا كابتا judea capta» ، أي «هُزمت يهودا وأُسرت» ، و «يهودا» هنا تشير إلى الأرض لا الشعب.
وكان عداء الأرستقراطية لليهود متبايناً في دوافعه، ولكنه كان على أية حال يعود إلى سببين أساسيين:
أولاً: رغبة بعض قطاعات من الأرستقراطية الرومانية في تحقيق مكاسب اقتصادية بالتخلص من منافس قوي مثل اليهود.

ثانياً: كان قطاع كبير من المثقفين الرومان يرون أن إصلاح حال روما لا يتم إلا بالعودة إلى الأصالة الأولى، واجدين أن التنوع الديني، وبالتالي انتشار اليهودية، يعوق هذا الاتجاه. ونجد هجوماً على اليهود في كتابات بعض المؤلفين الرومان، مثل: هوراس وشيشرون. لكنه لم يصبح هجوماً حاداً إلا بعد القرن الأول كما هو الحال في كتابات المؤرخ كورنيليوس تاسيتوس الذي ردَّد بعض أفكار آبيون عن اليهود واليهودية وبيَّن أن تهود الرومان سيؤدي بهم إلى احتقار أرباب أسلافهم وإلى رفض وطنهم وآبائهم وذريتهم وإخوتهم. ويُلاحَظ أن السياسة الإمبراطورية الرومانية ركزت اهتمامها على الجانب السياسي والأمني لفلسطين، بينما تاسيتوس، مثله مثل آبيون، يركز على الجانب الأخلاقي لليهودية التي يرى أنها الخطر الحقيقي على الإمبراطورية. وقد وجه جوفينال هجوماً على الأجانب (اليونانيين والسوريين وكذلك اليهود) لتقويضهم دعائم الفضيلة في المجتمع، وهو بذلك يتبع نمط آبيون وتاسيتوس نفسه. وبرغم الهجوم الحاد من قبل آبيون وتاسيتوس وجوفينال على اليهود واليهودية، فلا يمكن القول بأن أقوالهم هذه تشكل جزءاً من رؤية اليونان أو الرومان للكون، إذ ظلت هذه الرؤية وثنية تعددية عالمية تقبل تعدُّد الآلهة داخل إطار الوحدة الإمبراطورية. ولذا، وبرغم أحداث الطرد، ظل اليهود يتمتعون بحقوقهم ولم يشكلوا مركزية خاصة في نظرة اليونان أو الرومان إلى العالم.

فإذا ما انتقلنا إلى العصور الوسطى في الغرب، فإننا نجد أن مفهوم معاداة اليهود أخذ يكتسب معاني ومدلولات جديدة تماماً. فلم تَعُد اليهودية ديناً توحيدياً في تربة وثنية، وإنما أصبحت ديناً قديماً مهزوماً في تربة توحيدية يسودها دين جديد منتصر واثق من نفسه يرى أن العهد القديم هو أحد كتبه المقدَّسة يحمله اليهود دون أن يعوا معناه الحقيقي. وهو دين كان يرى أن اليهود يلعبون دوراً مركزياً في نظرته إلى الكون، فهم قَتَلة الرب، ولن تتم عملية الخلاص النهائية إلا بعد اعتناقهم المسيحية، أي أنهم يشغلون موقعاً مركزياً في البداية والنهاية. وكان اليهود من جانبهم يكنون احتقاراً عميقاً للدين الجديد وينكرون أن المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح. وقد تبدَّى الموقف المسيحي في مفهوم الشعب الشاهد، وفي جميع التشريعات والمراسيم المسيحية التي تؤكد لليهود حقوقهم، وفي ضرورة الحفاظ عليهم وعدم تنصيرهم بالقوة، مع الإبقاء عليهم في وضع هامشي ومتدن كشعب شاهد على أن الكنيسة على حق. فهم يحملون الكتاب المقدَّس الذي يتنبأ بمقدم المسيح ولكنهم لا يعون معنى ما يحملون، كما أنهم بضعفهم وذلتهم دليل على عظمة الكنيسة وانتصارها. وكان موقف الكنيسة يتمثل فيما يلي: «أن تكون يهودياً جريمة، ولكنها جريمة ليس بإمكان مسيحي أن ينزل بصاحبها العقاب لأن الأمر متروك للرب» . وقد اعتبرت الكنيسة نفسها إسرائيل الحقيقية (باللاتينية: إسرائيل فيروس Israel verus) ، واعتبر المسيحيون أنفسهم شعب الرب. وكانت الكنيسة ترى نفسها أيضاً إسرائيل الروحية مقابل إسرائيل الجسدية (اليهودية) . وقد تطورت صورة اليهود في الوجدان المسيحي، فكان يُرمَز لهم بعيسو (مقابل يعقوب المسيحي) ، وبقابيل الذي قتل أخاه هابيل وأصبح كذلك قاتل المسيح. كما ساعدت الشعائر الدينية اليهودية، المتمثلة في صلاة الجماعة التي تتطلب النصاب (المنيان) وقوانين الطعام والزواج، على زيادة عزلة اليهود.

ولأن النظام الإقطاعي في الغرب كان نظاماً مسيحياً يستند إلى شرعية مسيحية ويتطلب يمين الولاء كشرط أساسي للانتماء إليه، فقد وجد أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب أنفسهم خارج كثير من المجالات السياسية والاقتصادية والمدنية المشروعة. وكانت هذه الظروف سبباً ونتيجة في آن واحد لتحوُّلهم إلى جماعة وظيفية وسيطة (أقنان البلاط أو يهود الأرندا أو يهود البلاط) تقوم بأعمال التجارة ثم الربا. وربما كان هذا الوضع (وضع اليهود) هو الذي حدَّد موقف أعضاء المجتمع منهم، فكان يُنظَر إليهم من أعلى باعتبارهم أداة يمكن استخدامها أو استبدالها إن دعت الحاجة، كما كان يُنظر إليهم من أسفل باعتبارهم وحوشاً لابد من ضربها، فهم الأداة الواضحة لاستغلال الجماهير التي لم يكن بوسعها فهم آليات الاستغلال والقمع. وتاريخ أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وكذلك العداء لهم، هو في معظمه تاريخ اليهود كجماعات وظيفية وسيطة تؤدي وظيفتها إلى أن تظهر قوى أخرى تحل محلها في المجتمع، مُمثَّلة في طبقة وسطى قوية، أو جهاز إداري مركزي، أو الدولة القومية الحديثة. كما أن صعود أو هبوط الجماعة اليهودية هو، في جوهره، تاريخ صعود أو هبوط الجماعة الوظيفية الوسيطة. فحينما كان اليهود أقنان بلاط، كانت شرائح من الطبقات الحاكمة تستفيد من الخدمات التي يؤدونها. وبالتالي، كان اليهود يُمنحون المواثيق التي تضمن لهم الحماية، وتعطيهم المزايا التي تجعل منهم أفراداً يتمتعون بمستوى معيشي أعلى من مستوى معظم طبقات المجتمع الأخرى. وكما قال أبراهام ليون، فإن وضع اليهود لم يتوقف عن التحسن منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية عام 476، وبعد الانتصار الكامل للمسيحيين حتى القرن الثاني عشر. ويمكن القول بأن النخبة الحاكمة بكل فئاتها (الإمبراطور، والكنيسة، والملوك، والأمراء، والشريحة العليا من الأرستقراطية، وكبار رجال الدين، والبورجوازية الثرية المستقلة في المدن)

كانت كلها تقف إلى جانب أعضاء الجماعات اليهودية لا ضدهم. وكانت هذه النخبة تحمي أعضاء الجماعات بسبب نفعهم لها، وترى الهجوم عليهم إخلالاً بهيبة النظام وتعويقاً لمساره. وكانت المواثيق التي يحصل عليها أعضاء الجماعات اليهودية تزيد بطبيعة الحال من حدة الغضب الشعبي، ومن ثم فيمكن النظر إلى الهجوم على اليهود باعتباره ضرباً من الثورات الشعبية. ولهذا نجد أن أعداء اليهود يأتون أساساً من الشريحة الدنيا من رجال الدين، وصغار التجار في المدن، والحرفيين. ولكن وصفنا لهذه الهجمات بأنها «ثورة شعبية» لا يخلع عليها صفة إيجابية. ونحن لا نرى أنها عمل مقبول أو شرعي، وإنما نقول إن هذه الهجمات تحركها جماهير تتصور أن اليهودي هو المستغل الحقيقي. وقد ظل أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب في هذا الوضع حتى حروب الفرنجة في القرن الثاني عشر، حيث بدأت الحياة الاقتصادية في أوربا في الانتعاش وظهرت قوى مسيحية محلية قادرة على أن تحل محل اليهود كتجار دوليين ومحليين، فاتجه اليهود إلى الاتجار بالربا، وتحولوا بالتالي من جماعات وسيطة إلى جماعات وسيطة عميلة، وزادت غربتهم في المجتمعات التي وجدوا فيها.

وقد تزامنت هذه العملية مع تطوُّر فكري آخر وهو ظهور عقيدة التحوُّل (بالإنجليزية: ترانسبستانشيشن transubstantiation) ، أي الإيمان بتحول القربان (أي الخبز والخمر المقدَّسين) إلى لحم ودم المسيح. وأصبح التناول طقساً دينياً تحيطه هالة من الأساطير. وقد ساهمت هذه الطقوس في ظهور تهمة الدم، وتهمة تدنيس خبز القربان، وهي أساطير ساعد على انتشارها احتراف اليهود الربا وامتصاصهم (المجازي) لدم الآخرين، خصوصاً وأن العمليات التجارية والمالية كانت تؤدي إلى تزايد الثروة دون بذل الجهود (على عكس الفلاح الذي كان يبذل جهداً بدنياً ملحوظاً) . وبالتالي، كانت هذه العمليات التجارية والمالية يُنظَر إليها كعمليات سحرية من قبَل ضحايا أعمال الربا ومن قبَل أعضاء المجتمع الزراعي الذين يكدحون ساعات طويلة ليحصلوا على قوت يومهم. وفي هذه الفترة، أصدرت المجامع اللاترانية مجموعة من القرارات أدَّت إلى ازدياد عزلة اليهود مثل تحريم الاشتغال بالربا على المسيحيين، وضرورة أن يرتدي اليهود شارة مميِّزة. وبدأت تظهر، في هذه الفترة، صورة سلبية عن اليهود، وهي في أغلبها أنماط إدراكية عنصرية تتواتر في معظم المجتمعات وترددها كل جماعة بشرية عن الآخرين؛ فاليهود يشبهون الشيطان أو لهم رائحة مميزة هي ما يُسمَّى «رائحة اليهود» (باللاتينية: الفويتورجودايكوس foetor judaicus) وهي خلاف رائحة القداسة. ومع القرن الثالث عشر، حيث كانت قد ظهرت بيوتات المال الإيطالية التي كانت أكثر كفاءة في الاضطلاع بمهنة التجارة الدولية، بدأت ظاهرة طَرْد اليهود من إنجلترا وفرنسا وغيرهما من البلاد، كما بدأت تظهر صورة اليهودي التائه. وفي القرن الرابع عشر، بدأ اتهام اليهود بأنهم يسمِّمون الآبار. وكانت العروض المسرحية المسماة «آلام المسيح» (التي كانت تستغرق عدة أيام، وكانت من أكثر الأشكال الفنية الشعبية شيوعاً) تؤكد قسوة اليهود على المسيح وخيانتهم له، الأمر الذي

كان يعمِّق كره اليهود في الوجدان الشعبي.
وكان كثير من اليهود المتنصرين يساهمون في التهييج ضد أعضاء الجماعات اليهودية، ويُعرِّفون القيادات المسيحية (وجماعات الرهبان) بما جاء في التلمود (وبعض الكتب الدينية اليهودية الأخرى) من هجوم شرس على المسيح والمسيحية وبعض عادات اليهود الأخرى التي تهدف إلى عزلهم عن مجتمع الأغيار. وكانت تُقام مناظرات بين اليهود والمسيحيين (يمثلهم عادةً يهود مُتنصِّرون) حتى يُثبت كل طرف قوة حججه الدينية. وغني عن القول أن الطرف اليهودي لم يكن حراً تماماً في مثل هذه المناظرات وأنه كان يضطر إلى التعبير عن وجهة نظره بطريقة أكثر حذراً الأمر الذي كان يفقدها كثيراً من قوتها. وعادةً ما كانت تنتهي هذه المناظرات " بانتصار " الطرف المسيحي، وإصدار الأوامر بإحراق التلمود وربما طرد أعضاء الجماعات اليهودية.

وقد استمرت النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) في حماية اليهود، كما استمرت الثورة الشعبية ضدهم، وبخاصة في صفوف أعضاء الطبقة الوسطى، الندّ الحقيقي للجماعات الوظيفية الوسيطة والمنافس على القطاع الاقتصادي نفسه. ويُلاحَظ أنه أثناء حروب الفرنجة التي اكتسبت بعداً شعبياً، وهو ما جعلها مستقلة نوعاً ما عن الطبقات الحاكمة، كانت القوات غير النظامية هي التي ترتكب المذابح ضد اليهود. وفي المدن الحرة، في ألمانيا وغيرها من البلاد، كان الهجوم على أعضاء الجماعات اليهودية يبدأ بإسقاط الأقلية الثرية الحاكمة، ثم تحل محلها نخبة جديدة ذات جذور شعبية، ويعقب ذلك عمليات طرد وذبح اليهود. وقد انسحب معظم يهود أوربا إلى بولندا حيث لا توجد طبقة وسطى قوية. كما تم طردهم من إسبانيا بعد أن استكمل المسيحيون استرداد إسبانيا من المسلمين بعدة شهور، إذ اضطلعت الدولة الجديدة بوظائف الجماعة الوظيفية الوسيطة وأرادت أن تؤمِّن نفسها ضد العناصر الغريبة من المسلمين واليهود. ولهذا استمرت في ملاحقة من كانت تتصوَّر أنهم مسلمون أو يهود متخفون. ومع نهاية العصور الوسطى، كانت كلمة «يهودي» مرادفة في كثير من اللغات الأوربية لكلمة «تاجر» أو «مرابٍ» ، ولكلمات أخرى مثل «بخيل» أو «غشاش» ، وهي الصورة الإدراكية التي ستتبلور في عصر النهضة على يد شكسبير في شخصية «شيلوك» .

وشهد عصر الإصلاح الديني، في القرن السادس عشر، كسر الاحتكار الديني الكاثوليكي وتزايد التعددية. وبشكل عام، يُلاحَظ أن البروتستانتية، بتأكيدها أن الخلاص يتم خارج الكنيسة، تؤكد على أهمية الكتاب المقدَّس الذي يضم العهد القديم، الأمر الذي يعني نظرياً تزايد التعاطف مع اليهود، أهل هذا الكتاب وحَمَلته. ومع هذا، يُلاحَظ أن البروتستانتية اللوثرية اتجهت اتجاهاً معادياً لليهود (على عكس الكالفنية) . وفي محاولة تفسير ذلك، يُقال إن الكالفنية أكدت المسئولية الشخصية للمؤمن، وذهبت إلى أن ثمرة الفعل الاجتماعي (الثروة مثلاً) قد لا تكون هي سبيل الخلاص، ولكنها تشكل قرينة مهمة عليه. وهذا، على عكس اللوثرية التي أكدت أن الخلاص من خلال الإيمان، الأمر الذي كان يعني رفض المسئولية المدنية أو الخلاص من خلال الأعمال. ومن ثم، فهناك استعداد عند أتباع كالفن لتقبُّل اليهود والحكم عليهم، لا من خلال ما يؤمنون به وإنما من خلال أفعالهم وثروتهم. فهم كعناصر تجارية نشطة، يحققون الشروط اللازمة لتقبلهم، على عكس اللوثريين الذين يركزون على الدوافع. وقد لعب اليهود المتنصرون في هذه الفترة دوراً كبيراً في بلورة الأطروحات الغربية الأساسية المتصلة باليهود واليهودية، كما ساهمو في صياغة صورة اليهودي في الوجدان الغربي. ومن أهم الشخصيات يوحانيس فيفركورن الذي دخل معركة فكرية كبرى شغلت أوربا بعض الوقت مع يوحانان ريوشلين.

ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت بداية العقيدة الألفية أو الاسترجاعية التي تتحدث عن رؤية الخلاص وعودة المسيح، وهي رؤية ترتبط بعودة اليهود إلى أرض الميعاد. ومن ثم، تظهر صورة اليهودي كعنصر لا جذور له يمكن نقله من مكان إلى مكان. وهذه الصورة هي الصياغة البروتستانتية لفكرة الشعب الشاهد الكاثوليكية والتي تحولت فيما بعد إلى صورة الشعب العضوي المنبوذ، ويظهر اليهود كعنصر استيطاني وكجواسيس يمكن نقلهم وتحريكهم والاستفادة منهم، وهي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
كما شهدت هذه الفترة ظهور الجيتوات في إيطاليا وفي بعض مدن وسط أوربا، الأمر الذي كان يعني تراجُع أعضاء الجماعات اليهودية وانكماش دورهم في المجتمع. ولكن هذه الفترة شهدت أيضاً بداية ظهور يهود الأرندا في بولندا واضطلاع اليهود فيها بدور مهم في الاقتصاد التجاري. وقد حصل اليهود على العديد من المزايا التي جعلت مستواهم المعيشي يفوق كثيراً مستوى الأقنان وأعضاء الطبقة الوسطى البولندية، بل وصغار النبلاء. وفي عام 1648، اندلعت ثورة شميلنكي، وهي ثورة شعبية فلاحية شاملة ضد الحكم الإقطاعي البولندي الكاثوليكي الذي كان يمثله العنصر التجاري الوسيط اليهودي في وسط فلاحي أوكراني أرثوذكسي، فكان هذا الوضع وضعاً تاريخياً يتسم بالتلاقي الكامل بين العداء الطبقي من جهة والعزلة الاجتماعية والثقافية والدينية والعرْقية من جهة أخرى، وهو الوضع الأمثل للانفجارات العنصرية. وقد اكتسحت الثورة في طريقها الجيوب البولندية واليهودية. وفي الأدبيات الصهيونية، يُقرَن شميلنكي بهتلر، مع أن الأول زعيم ثورة شعبية فلاحية له تمثال في كييف باعتباره قائداً للثورة، والآخر زعيم نظام شمولي قام بعملية إمبريالية عنصرية.

وفي القرن السابع عشر، ظهر يهود البلاط في وسط أوربا، وفي غربها بدرجة أقل، حيث قدموا الخدمات التجارية والمالية للدول التي ينتمون إليها وحصلوا على مزايا عديدة، كما قاموا بحماية أعضاء الجماعات اليهودية. وبدأ استيطان اليهود السفارد في هولندا وفي بعض المدن في كلٍّ من فرنسا ووسط أوربا. وكان هؤلاء يتمتعون بحقوق ومزايا لا يتمتع بها كثير من أعضاء الطبقات الأخرى، كما أنهم كانوا يتحدثون باسم أعضاء الجماعة اليهودية لدى الحاكم ويقومون بدور الوسيط بينه وبين الجماعة، وبعملية المقايضة معه بحيث يحصل أعضاء الجماعة على المزيد من المزايا نظير تقديم المزيد من الخدمات، أو تثبيت ما حصلوا عليه من مواثيق نظير الاستمرار في الاضطلاع بدورهم. ويمكن القول بأنه، مع ظهور يهود البلاط ويهود الأرندا، واستيطان السفارد في أوربا، تنتهي العصور الوسطى ويبدأ العصر الحديث بكل مظاهره الجديدة.

أما وضع اليهود في العالم الإسلامي، فلا يمكن القول كما يدَّعي البعض بأنه كان عصراً ذهبياً واحداً طويلاً، وإن كان من الممكن أن نقول إن العالم الإسلامي لم تظهر فيه نظرة شاملة تضع اليهودي في مركز أحداث الخلاص باعتباره «الشيطان قاتل الرب» . كما أن العالم الإسلامي يتسم بوجود عدد هائل من الأقليات العرْقية والإثنية التي تفرض عليه قبول التعددية (وهي تعددية اعترف بها الإسلام وقننها في مفهوم أهل الذمة الذي حدد لأعضاء الأقليات مكانهم وواجباتهم وحقوقهم) . كما أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يتحولوا جميعاً إلى جماعات وظيفية وسيطة بل كانوا ممثَّلين في معظم النشاطات الاقتصادية والمهيمنة، فكان منهم الأطباء والوزراء والمترجمون والتجار والحرفيون. وحتى حينما اضطلعوا أحياناً ببعض وظائف الجماعة الوظيفية الوسيطة واكتسبوا خصائصها، فإن هذا الدور لم يكن مقصوراً عليهم إذ كانت هناك جماعات إثنية ودينية أخرى تشارك في نشاطهم الوظيفي، كما كان بين هؤلاء المسلمون. كما أن عدد الجماعات اليهودية في العالم العربي ظل صغيراً للغاية بالنسبة إلى عدد السكان. ولكل هذه العناصر المركبة، نجد أن عداء اليهود في العالم الإسلامي لم يكن بالحدة نفسها التي كان عليها في العالم الغربي الوسيط، كما أنه ظل في معظم الأحيان إمكاناً كامناً في نفس بعض أعضاء الأغلبية وداخل بعض القطاعات.
يوهانيس فيفركورن (1469-1521 (
‏Johannes Pfefferkorn

ألماني يهودي مُتنصِّر، ومن أشهر المهيجين ضد الجماعات اليهودية. كان يعمل جزاراً وكان في الوقت نفسه متفقهاً في الدين اليهودي. يُقال إنه قُبض عليه بتهمة السرقة وأنه، بعد الإفراج عنه، تنصَّر هو وزوجته وأولاده في كولونيا عام 1504. كتب فيفركورن عدداً من الكتيبات المعادية لليهود: مرآة اليهود (الذي هاجم فيه تهمة الدم أيضاً) والاعتراف اليهودي وكتاب عيد الفصح وعدو اليهود. وقد نُشرت ترجمات لاتينية لكل هذه الأعمال فور نشرها. وقد طالب فيفركورن بحرق التلمود ومنع الربا وأن يعمل اليهود في الأعمال اليدوية الوضيعة وأن يُفرَض عليهم حضور المواعظ المسيحية وإلا طُردوا من المدن الألمانية التي يقيمون فيها.

وفي عام 1510، قام بعض المهيجين ضد الجماعة اليهودية في براندنبرج باتهام أعضاء الجماعة بتدنيس خبز القربان المقدَّس، كما وجهوا إليهم تهمة الدم. فشُكلت لجنة للتحقيق في الأمر برئاسة أسقف مينز الذي طلب المشورة من بعض كبار المفكرين الدينيين من بينهم يوحانان ريوشلين. وكان موقف ريوشلين لا يتفق مع موقف فيفركورن، فكتب هذا الأخير كتيباً بعنوان مرآة اليد يهاجم فيه ريوشلين الذي كتب رداً بعنوان مرآة العين. وبذلك بدأت واحدة من أكبر المعارك الدينية في عصر النهضة في الغرب. وكانت الحركة الإنسانية الهيومانية قد حققت قدراً كبيراً من الانتشار والإحساس بالقوة، فألقت بثقلها في صف ريوشلين. ومع أن إيرازموس لم يشترك في المعركة، إلا أنه وصف فيفركورن بأنه يهودي في غاية الإجرام أصبح مسيحياً في غاية الإجرام. ثم كتب فيفركورن موعظة ضد كتاب ريوشلين مرآة العين وضد الاتجاه الليبرالي المسيحي ككل. وقد استمرت المعركة بعض الوقت إلى أن أصدر الإمبراطور أمراً للطرفين بالتزام الصمت. وفي عام 1514، أصدرت محكمة بابوية قراراً يؤيد ريوشلين، فرفضه فيفركورن ونشر كتاباً آخر بعنوان جرس الإنذار. واستمرت المعركة بعض الوقت ولكنها تركت أثراً عميقاً في الكثيرين. وليس من قبيل الصدفة أن يعلن لوثر أطروحاته عام 1517 إبان الجدل الذي دار بين ريوشلين وفيفركورن.

والحقيقة أن ظهور فيفركورن وشيوع كتاباته هو مؤشر على أن المسألة اليهودية كانت قد بدأت تطرح نفسها، وبحدة، على الوجدان الغربي، وذلك مع نهاية العصور الوسطى في الغرب ومع ظهور الدولة المركزية وبداية تراجع أهمية دور الجماعات اليهودية الوظيفية. ومما يجدر ذكره أن ريوشلين، الطرف الآخر في المعركة، كان يطالب هو الآخر بإصلاح اليهود، أي بإعادة تعريف دورهم بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، وكان يرى وجوب طردهم إن لم يصلحوا حالهم. وهكذا، فإنه لا يوجد اختلاف كبير في الرؤية والمقدمات بين فيفركورن وريوشلين إذ أن الاختلاف ينصرف إلى طبيعة الحل المطروح وحسب.
أنطون مارجريتا (1490 -؟ (
‏Anton Margarita
كاتب ألماني يهودي وابن حاخام مدينة ريجنسبرج. تكثلك عام 1522 ثم أصبح بروتستانتياً بعد ذلك. عُيِّن محاضراً في اللغة العبرية في عدة جامعات ألمانية حتى عام 1537 حين عُيِّن في جامعة فيينا التي بقي يعمل فيها حتى وفاته. نشر أول كتبه المعادية لليهود عام 1530 والذي حاكى فيه أعمال اليهودي المتنصر فيفركورن حيث اتهم اليهود بأنهم لا يعرفون سوى الكراهية وأنهم يهزأون بالمسيح والمسيحية في أدعيتهم وكتبهم.
عُقدت مناظرة (بأمر الإمبراطور تشارلز الأول) عام 1530 بينه وبين جوزيف من روشايم حيث أثبت الأخير زيف بعض ادعاءات مارجريتا، فأمر الإمبراطور بوضعه في السجن.
تمتعت كتابات مارجريتا بالذيوع وتركت أثراً عميقاً في مارتن لوثر الذي اقتبس منها عدة مرات.
الصور الإدراكية النمطية المعادية لليهود منذ القرن الثامن عشر
‏Anti-Semitic Stereotypes since the Eighteenth Century

سادت العصور الوسطى في الغرب صور إدراكية ثابتة عن اليهود، منها أن اليهود شعب شاهد، ومنها أنهم مصاصو دماء، ومنها أنهم قتلة المسيح، وأنهم يدنِّسون خبز القربان ويسمِّمون الآبار. وغني عن القول أن معظم هذه الأفكار فقد كثيراً من البريق والشيوع، وحلت محله أفكار وصور إدراكية ثابتة أخرى سنكتشف أن معظمها ظهر من خلال علمنة الصور الإدراكية السابقة وإعطائها أساساً علمياً مادياً.
وينطلق فكر عصر الاستنارة (العقلانية المادية) ، وهو إحدى أهم ركائز الفكر الحديث في الغرب، من فكرة المساواة الكاملة بين البشر ومن كفاية العقل للوصول إلى الحقيقة دون حاجة إلى وحي إلهي. وهذه المساواة تشمل المسيحي واليهودي وكل البشر، ولكنها في ذات الوقت مساواة لا تعترف بهوية أي منهم ولا تحترم أية خصوصية، أي أنها مساواة تتم في إطار فكرة الإنسان الطبيعي النافع حيث لا يشكل الإنسان إلا جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة (فهي تسوية أكثر منها مساواة) . ومن ثم، دافع فلاسفة الاستنارة عن اليهود من منظور المساواة الكاملة ومن منظور نفعهم وإمكانية الاستفادة منهم بعد إصلاحهم وتقويمهم بما يتفق مع المعايير العقلية الطبيعية الجديدة.
أما مفهوم الدفاع عن أعضاء الجماعات اليهودية من منظور نفعهم، فهو يتضمن قدراً كبيراً من رفضهم وعدم قبولهم باعتبارهم بشراً لهم حقوقهم الإنسانية المطلقة لأن العنصر النافع يجب التخلص منه إن فقد نفعه. وعلى أية حال، فإن هذا المقياس لم يُطبَّق على اليهود وحدهم وإنما طُبِّق على مختلف أعضاء المجتمع الذي تحكمه الدولة القومية العلمانية. بينما أدَّى إصلاح اليهود إلى ظهور أدبيات شرسة تشير إلى طفيلية اليهود وهامشيتهم وطرق إصلاحهم.

وكان كل هذا يتم في إطار فكرة القانون العام والطبيعة البشرية العامة، في وقت لم تكن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية قد أحرزت التقدم الذي أحرزته في أواخر القرن التاسع عشر حيث سقطت فكرة الإنسان الطبيعي والإنسانية العامة وحل محلها إدراك تداخل العناصر التاريخية الخاصة مع الطبيعة البشرية ذاتها.
ومن ثم، طالب عصر العقل (الطبيعي المادي) اليهود (وغيرهم) بالتخلص من خصوصيتهم ليصبحوا بشراً بالمعنى العام (والطبيعي المادي) للكلمة. وكان يُنظَر إلى اليهود الذين يؤثرون الحفاظ على خصوصيتهم الدينية أو الإثنية باعتبارهم «دولة داخل دولة» ، أو على أنهم جماعة قَبَلية في مجتمع تسود فيه مُثُل الليبرالية والعلمانية والاستنارة. ويجب التنبه إلى أن دعاة الانعتاق كانوا يعادون اللهجات المحلية كافة، ومختلف الخصوصيات الإثنية، بل ويُقال إن الكونت دي كليرمونت والأسقف جريجوار (وهما من دعاة إعتاق اليهود شريطة أن يتخلصوا من عزلتهم) كانا يبديان ضيقاً شديداً من الخصوصيات الفرنسية الإثنية واللغوية المحلية (البريتون والفلامنج والأوكستانيان والأوفيرنيان) أكثر من ضيقهم بالخصوصية اليهودية. إذ أن فكر الاستنارة كان يحوي هجوماً على اليهود بوصفهم جماعة لها هويتها، ويغطيه سطح مصقول من القبول العام لليهودي كإنسان طبيعي، وأي إنسان يتفق مع المواصفات القومية العلمانية الجديدة، فالتسامح هنا دعوة للتخلي عن الهوية وللقضاء عليها، وذلك باسم الهوية القومية العضوية الجديدة التي تتجسد في الدولة القومية المركزية. وأدَّى كل هذا في نهاية الأمر إلى ظهور اليهودي غير اليهودي.

وقد وجد اليهود أنفسهم وسط حلبة الصراع بين المسيحية والعلمانية، حيث كان العلمانيون يشيرون إلى اليهود باعتبارهم ضحية عصور الظلام المسيحية الوسيطة، أي أن اليهود تحولوا من شعب شاهد على عظمة الكنيسة إلى شعب شاهد على جبروتها وظلمها. وتحوَّل اليهودي، لذلك، إلى بطل من أبطال العلمانية. وأصبح بعض العلمانيين ينظرون إلى اليهودية باعتبارها دين العقل ودين الفلاسفة الذي يؤمن بالرب الواحد دون حاجة إلى طقوس مركبة أو معجزات، أي أن اليهود واليهودية أصبحا مقولة مجردة تُستخدَم لضرب المسيحية والكنيسة. وقد ولَّد هذا في نفوس المسيحيين صورة غير محببة لليهودي.
ولكن فريقاً آخر من دعاة الاستنارة كان يتبع إستراتيجية مخالفة تماماً، إذ أنهم بدلاً من أن يضعوا اليهودي مقابل الكنيسة كانوا يحولون اليهودي إلى رمز للدين، أيِّ دين، أو إلى ممثل لما كانوا يسمونه «المسيحية البدائية» . وبالتالي، فإنهم بدلاً من الهجوم على الكنيسة والمسيحية بشكل مباشر، وهو أمر كانت تحفه المخاطر، كانوا يسددون سهامهم إلى اليهود واليهودية والعهد القديم في هجوم مقنَّع على المسيحية. وكان هذا الفريق يشير إلى تخلف اليهود والخرافات التي يؤمنون بها مثل تراث القبَّالاه، وإلى أن الدين اليهودي دين معاد للإنسان يشجع على العزلة وعلى عدم الولاء للدولة في وقت كان المجتمع فيه يتجه نحو العلمانية والتحرر.

لكل هذا، نجد أن عصر الاستنارة هو العصر الذي تم فيه وضع الأسس الفكرية لمعاداة اليهود (وللصهيونية في الوقت نفسه) في العصر الحديث، حيث نجد الأطروحات والصور الإدراكية النمطية الثابتة التي تنسب إلى اليهود قدراً كبيراً من الصفات المنفَّرة، وانطلاقاً من ذلك اقتُرح تهجيرهم إلى مكان آخر حلاًّ لهذا الوضع (أي أن الصيغة الصهيونية الشاملة يكتمل تبلورها في هذه المرحلة) . ومن باب الهجوم المقنَّع على المسيحية، كان يُطرَح أن الكتاب المقدَّس وثيقة مزيفة، وأن أبطال العهد القديم أوغاد لا خلاق لهم (ومتعصبون ضيقو الأفق) مارسوا الاضطهاد الديني ضد الآخرين، وأن اليهود الذين أتوا بالعهد القديم (وهو أكثر أجزاء الكتاب المقدَّس توحشاً حسب رأيهم) شعب همجي؛ قاس وفاسد. وقام دعاة الاستنارة ببعث أطروحات الكنيسة ضد اليهود في محاولة ماكرة لاستخدام هذه الأطروحات لا ضد اليهودية وحسب وإنما ضد المسيحية (باعتبار أن اليهودية أم المسيحية) بل وضد كل الأديان الأخرى. ولهذا، لم يكن الهجوم الاستناري يُشَن على السمات اليهودية في النسق الديني اليهودي وحسب، وإنما كان يُوجَّه كذلك (وأحياناً بالدرجة الأولى) إلى تلك السمات المشتركة بين اليهودية والأديان السماوية الأخرى. وهذا ما فعله فولتير في معجمه الفلسفي (1756) ، فهو في المدخل الخاص باليهود يعتبرهم عنصراً مستقلاًّ مستمراً منذ أيام العبرانيين القدامى، ويستبعد أن يكون المصريون القدماء أو الفرس أو اليونان قد أخذوا قوانينهم عن اليهود، مؤكداً أن اليهود (حين احتكوا بهذه الحضارات) لم يتعلموا غير فنون الربا، بل ويرى أنهم شعب جاهل تماماً جمع بين البخل والخرافات وكره الأمم التي تسامحت تجاههم. إلا أنه يضيف: «ولكن يجب عدم حرقهم» وكأن الإبادة بديل مطروح للنقاش.

أما الفيلسوف المادي هولباخ، فقد اتهم موسى بأنه أوجد الشريعة التي فصلت اليهود عن سائر الأمم. وأوضح في هجومه أن اليهود لا يخضعون إلا لكُهانهم، ولذلك أصبحوا أعداء للجنس البشري بأسره يكنون الاحتقار لأخلاق الأمم الأخرى وقوانينها، إذ أن شريعتهم تأمرهم بأن يكونوا قساة لصوصاً خونة غادرين، ومثل هذه الأعمال تُعَدُّ في اليهودية عملاً يرضي الرب. ويُضيف هولباخ أن اليهود اشتهروا، في الواقع، بالخداع والغش في التجارة، ويمكن افتراض أنهم إذا أصبحوا أكثر قوة فسوف يبعثون المآسي التي كثيراً ما وقعت في بلادهم. وإن وُجد بعض اليهود الذين يتسمون بالأمانة والعدل، فهذا يعني أنهم رفضوا بكل وضوح مبادئ الشريعة اليهودية التي تهدف إلى خلق مثيري المتاعب والأشرار. وكما هو واضح، يرى هولباخ اليهود عنصراً أو شعباً واحداً.
ولكن فكر الاستنارة لم يكن البُعد الوحيد في الفكر الغربي الحديث. فمعاداة الاستنارة، والتمرد عليها، والرومانسية، كانت أبعاداً ثابتة وأساسية فيها، ولا تقل عن الاستنارة نفسها في الأهمية. وقد انعكست هذه الرومانسية تجاه اليهود في مواقف متناقضة أيضاً، فتم بعث فكرة اليهودي التائه وتمجيده باعتباره نموذج البطل الرومانسي الحق. ولكننا نلاحظ أن اليهودي التائه هو، في واقع الأمر، اليهودي الهامشي. حتى إذا كان بطلاً، فهو بطل عجائبي متجرد من صفات إنسانية متعينة. وبالتالي، فإن تمجيد اليهودي بوصفه بطلاً رومانسياً كان ينزع عنه صفاته الإنسانية وهي الخطوة الإدراكية الأولى نحو معاداة اليهود.

كما وجه فلاسفة الرومانسية النقد إلى اليهودية باعتبارها ديانة لاروح فيها. وقد يكون من المفيد هنا أن نشير إلى موقف عمانويل كانط (1724 ـ 1804) وهيجل (1770 ـ 1811) باعتبارهما ممثلين أساسيين للرؤية الغربية (شبه الدينية والعلمانية) للعقيدة اليهودية. يَصدُر كانط عن الإيمان بأن المسيحية هي أقرب الديانات إلى الديانة الأخلاقية الطبيعية التي بشَّر بها. وهي ديانة تستند هي وتعاليمها الأخلاقية والروحية إلى الحب الخالص. ويقف هذا على الطرف النقيض من اليهودية، فهي مجرد كيان قومي سياسي، وهي ديانة برانية تفتقر إلى المثالية الروحية؛ لا تنميّ الحس الخلقي الداخلي، وتتطلب الخضوع للقانون والشريعة بشكل جاف. وقد أشار كانط أيضاً إلى أن العقيدة اليهودية عقيدة دنيوية لا تعرف فكرة الخلود (وهي فكرة أساسية عند كانط) ، وأن المشيحانية اليهودية نزعة قومية سياسية منغلقة وأنها حوَّلت الشعب اليهودي إلى عدو لكل الشعوب. وأشار كانط إلى يهود عصره فبيَّن أنهم يشتهرون بالغش والخداع ويشتغلون بالتجارة والربا. ولا يوجد حل للمشكلة إلا من خلال القتل الفكري الرحيم وذلك بالقضاء على اليهودية وإحلال دين صاف طاهر أخلاقي محلها (أي المسيحية) . وقد استقى كانط هذه الفكرة الخاطئة من إسبينوزا ومندلسون. ولكن الموقف السلبي لكانط من اليهودية لم يؤثر على علاقته بمن عرفهم من أعضاء الجماعات اليهودية.

وقد تأثر الفكر الغربي برؤية كانط لليهودية وللدين بشكل عام (بما في ذلك المفكرون الغربيون اليهود) ، فنجد أن كثيراً من مفكري عصر الاستنارة من اليهود يميزون بين الجوهر العقائدي لليهودية، وهو الجوهر العالمي الذي لا يتنافى مع العقل الإنساني والحس الخلقي من جهة، والشعائر التي تتسم بالخصوصية والقومية، من جهة أخرى. كما أن كثيراً من المفكرين الغربيين كانوا يفرقون بشكل ساذج بين المسيحية باعتبارها دين القلب والحس الديني الجواني، واليهودية بوصفها عقيدة العقل والتعاقد البراني (وهو تمييز امتد ليُطبَّق على الفرق بين المسيحية والإسلام) . وقد ترك فكر كانط أثراً عميقاً في دعاة الاستنارة من اليهود مثل سولومون مايمون ولازاروس بنديفيد وماركوس هرتز، كما تأثر بفكره في مرحلة لاحقة هرمان كوهين وسولومون ستاينهايم وفرانز روزنزفايج (وإن كان تأثرهم به بدرجة أقل) . وقد تأثر دعاة اليهودية الإصلاحية بكانط، حيث كانوا يرون أن اليهودية هي أساساً نظام أخلاقي، وهذا قريب للغاية من تصور كانط للدين المثالي.
وقد استمر هيجل في الاتجاه نفسه حيث تأثر هو الآخر برأي مندلسون القائل بأن اليهودية هي مجموعة من القوانين المُوحَى بها وليست حقيقة موحى بها. ويتسم موقف هيجل من اليهودية، بقدر من العداء في كتاباته الدينية الأولى، حيث كان يُفرِّق بين العقيدة الشعبية الوثنية اليونانية القديمة التي تتسم بالكهنوتية (باعتبار أن الإله كامن في الجمال) من جهة، والمسيحية واليهودية من جهة أخرى، باعتبارهما عقائد تدور كلها حول كتاب مقدَّس يحتوي على قوانين تُفرض على الإنسان من الخارج في حالة اليهودية أو حول حقيقة مقدَّسة (واقعة الصلب) في حالة المسيحية.

ولكن هيجل تخلى عن موقفه هذا في مرحلة لاحقة وأخذ ينظر إلى تاريخ الأديان بطريقة يُقال لها جدلية. ويرى هيجل أن العقيدة تصبح برانية وجافة إن لم يتحد المقدَّس بالزمني، ولكنها تفتقر إلى الجدية إن لم يكن هناك انفصال بينهما. ومن ثم، فإن العبادة اليونانية والإحساس اليهودي بالقداسة يقفان على قدم المساواة، فالعبادة اليونانية للتماثيل الجميلة تنطوي على قدر من الحقيقة، فثمة قداسة في الجمال. ولكن الإنسان هو صانع هذه التماثيل، والإنسان متناه والتماثيل من ثم متناهية، ولكن تناهيها يجعلها زائفة رغم جمالها. ولذا، قامت الفلسفة القديمة بنزع القداسة من هذه التماثيل. وهذا أيضاً ما أنجزته اليهودية منذ البداية، فالإله في اليهودية متجاوز للطبيعة والإنسان ومن ثم تصبح التماثيل (وأشكال الجمال الطبيعي والمادي) غير مقدَّسة. ولكن هذا الإنجاز اليهودي له ثمنه الفادح، فهو يعني انفصال الإنسان عن الخالق ولا يمكنه أن يمتزج معه ويتحد به من خلال الحب. فعبادته للإله مبعثها الخوف والرهبة. وتأخذ التجربة الدينية اليهودية شكل الطاعة العمياء (البرانية) للقانون (الشريعة) والرغبة في الثواب ولا يوجد فيها أي أساس للروحانية، فهي تشكل انفصالاً كاملاً للموضوع عن الذات. ويرى هيجل أن هذا هو السبب في أن العالم الوثني الروماني كان يطرح مفهوماً عالمياً للحقيقة على عكس اليهودية التي تؤمن بإله عالمي ولكنها ظلت حبيسة خصوصيتها القَبَلية والقومية. ويرى هيجل أن المسيحية تحقق المثل اليوناني واليهودي معاً، إذ يخرج الإله من ذاته ليصبح إنساناً ومن ثم يصبح الإنسان إلهاً!

وموقف هيجل من اليهودية يدل على عدم معرفته باليهودية التلمودية والقبَّالية، التي يتم فيها الاتحاد الكامل بين الخالق والمخلوق، والتي لا تختلف كثيراً عن القبَّالاه المسيحية والتصوف الحلولي المسيحي التي تأثر بها هيجل (من خلال أعمال جيكوب بومه وأوتينجر) . وهذه الرؤية أثرت في كتابات فيبر من بعده (وأثرت كذلك في الموقف المسيحي الغربي من الإسلام، إذ قُرنت اليهودية بالإسلام) . وقد أثر هيجل بشكل عميق في كثير من المفكرين اليهود مثل سمسون هيرش وصمويل هيرش وموسى هس وهنريسن جرايتس. وثمة مكون هيجلي قوي في الفكر الصهيوني، خصوصاً التصور الصهيوني للتاريخ.
ولا شك في أن هذا الوصف لليهودية لا يخلق جواً من التعاطف مع أتباع هذه العقيدة. ولكن فكر معاداة الاستنارة (الرومانسي) كان يشكل أساساً قوياً لمعاداة اليهود في جانب آخر من جوانبه. فهو فكر يرفض فكرة الإنسان الطبيعي العام ويؤكد الخصوصية. ويرى أن لكل أمة عبقرية خاصة وسمات أزلية يحملها من ينتمي إلى هذه الأمة عن طريق الوراثة والتنشئة، وهو ما سميناه بفكرة «الشعب العضوي» التي تبدَّت في تأكيد خصوصية اليهود كشعب عضوي منفصل عن غيره من الشعوب (وهذه علمنة لفكرة الشعب الشاهد) ، فهو شعب ذو خصائص ثقافية واقتصادية ودينية فريدة وله علاقته العضوية بأرضه. ومن ثم، تنشأ فكرة ضرورة استرجاع اليهود إلى أرضهم (فلسطين) كي يحققوا الوحدة العضوية المطلوبة ويحققوا هويتهم.

ويُلاحَظ أن هذه الرؤية يكسوها سطح مصقول من حب اليهود والتحيز لهم، ولكنها تُضمر تضمينات معادية لهم أو تفترض أنهم شعب عضوي سامي آسيوي لا ينتمي إلى التشكيلات العضوية الآرية في الغرب، وأنه لو مكث داخل هذه التشكيلات لأصبح عنصراً مرضياً مخرباً مصاباً بازدواج الولاء، وبالتالي لا يمكن دمجه في المجتمعات التي يوجد فيها ولابد من طرده، وهو ما سميناه «الشعب العضوي المنبوذ» . وقد تبنَّى دعاة النظريات العرْقية والقومية العضوية الرأي القائل بأن الصراع الحقيقي والحتمي هو الصراع بين الأجناس والقوميات المختلفة وليس الصراع بين الطبقات والفئات المختلفة داخل التشكيل القومي الواحد. ومن ثم، أصبح اليهود، كشعب عضوي منبوذ، عنصراً مهماً، إذ أن الجماعة العضوية تحتاج إلى جماعة عضوية أخرى تكون بمنزلة الأداة حتى تحدد هويتها من خلال رفضها لها. كما أن اليهودي المندمج الذي يتقمص شخصية غير شخصيته، على نحو ما يتصور دعاة الفكر القومي العضوي، يقف بتفككه وفقدانه هويته شاهداً على تماسك الأمم العضوية.
وهكذا، نجد أن التيارين الأساسيين في الحضارة الغربية الحديثة ينطويان على قدر كبير من العداء لليهود: يتمثل الأول في دعوة اليهود إلى الاندماج بعد أن يفقدوا كل خصوصية وتميُّز، أما الثاني فيقرر ابتداءً أنهم لا يمكنهم الاندماج. ورغم اختلاف التيارين ظاهرياً، فإنهما يتفقان على رفض اليهودي.

وهناك عنصر آخر في الفكر الاجتماعي الغربي ساهم بدوره في صياغة الرؤية الغربية الحديثة لليهود، ويتمثل فيه هذا الانقسام الذي لاحظناه بين مفكري عصر الاستنارة، إذ كانت بعض العناصر البورجوازية الثورية تنظر إلى اليهود باعتبارهم عنصراً مهماً لاستمرار الوجود الإقطاعي. وكان كبار مموِّلي اليهود قريبين بالفعل من النخبة الحاكمة يشكلون جماعة وظيفية وسيطة تمد أعضاء هذه النخبة بما يحتاجون إليه من أموال وبضائع، وهو ما كفل لهم شيئاً من الاستمرار ويسَّر ضرب البورجوازيات الصاعدة. ولكن الفريق الأكبر من المفكرين (من اليمين واليسار) كان يرى أن اليهود مرتبطون عضوياً بالبورجوازية والاقتصاد الجديد والليبرالية السياسية. وكان روتشيلد هناك دائماً ينهض دليلاً عملياً محسوساً يوهم بصدق هذه النظريات. وبطبيعة الحال، كانت قطاعات المجتمع المرتبطة اقتصادياً أو وجدانياً بالاقتصاد الزراعي القديم تهاجم اليهود كتجار يحملون قيم التنافس والتجارة والعلمانية. وكان دعاة القومية السلافية المعروفة بعدائها للغرب (المنحل) ولأفكار الرأسماليين (الماديين) ، يرون اليهود بتكالبهم المفترض على الثروة وبتفككهم الاجتماعي (والذي كان حقيقة مادية بالنسبة لقطاعات كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في نهاية القرن التاسع عشر) شاهداً حياً على هذه المادية.

ويجب أن نذكر أن فكر معاداة الاستنارة أفرز مناخاً معادياً لفكر المساواة والمثل الليبرالية والثورة، فهو يمجد العصور الوسطى وفكرة الجماعة العضوية المترابطة (الجماينشافت) مقابل الجماعة التعاقدية المفتتة (الجيسيلشافت) ، وهو التمييز الأساسي الكامن في الفكر الألماني الاجتماعي وفي معظم الفكر الغربي الثوري والرجعي. وكان اليهود جماعة وظيفية وسيطة دينامية متحركة مرتبطة بالتجارة والمال، وبالتالي بالبورجوازية الصاعدة وبالمجتمع الجديد. وقد تمت علمنة اليهود بسرعة مذهلة ربما بسبب الأزمة التي كانت تجتازها اليهودية، كما أن أعداداً كبيرة من اليهود انخرطت بطبيعة الحال في الأحزاب الليبرالية والحركات الثورية، وهو ما جعل لليهود بروزاً غير عادي في هذه الحركات وربط بين اليهود والليبرالية والثورة.
وإذا كان هذا هو رأي اليمين، فإن عينات كبيرة أيضاً من اليسار ربطت بين اليهودي من جهة والرأسمالية والبورجوازية وماديتها الخسيسة من جهة أخرى. وكان العداء للرأسمالية، يأخذ في كثير من الأحيان شكل معاداة اليهود، كما هو واضح في كتابات فورييه وتوسونيل وماركس. وقد كتب سومبارت أطروحته المشهورة التي يبين فيها أن اليهود هم المسئولون عن ظهور الرأسمالية (وهذا في رأيه تعبير آخر عن فكرة الصراع بين الساميين والآريين) . والساميون هنا (أي اليهود) هم التجار المتجوِّلون، والآريون هم الفلاحون المنتجون المرتبطون عضوياً بالأرض. وكانت الأطروحة الاشتراكية تكتسب، أحياناً، بُعداً قومياً متعصباً بحيث نجد أن بعض الكتاب الألمان، بتوقهم الرومانسي إلى العصور الوسطى العضوية (الجماينشافت) ، كانوا يرون أن الرأسمالية ظاهرة غير ألمانية (دخيلة) أدخلها العنصر التجاري اليهودي الغريب، وأخذوا يدعون إلى العودة إلى حياة أكثر ألمانية وبساطة!

ويتضح هذا الخط بوضوح في كتابات دوهرنج الذي كان عداؤه لليهود يستند إلى عداء صريح لليبرالية السياسية والاقتصادية، إذ كان يرى أن اليهود استغلوا الجو الليبرالي السياسي والاقتصادي ليدمروا المجتمع الألماني المتماسك ويهيمنوا عليه. وقد ذهب دوهرنج إلى أن «جمجمة الإنسان اليهودي ليست جمجمة إنسان مفكر، فهي ملأى على الدوام بالربا والشئون التجارية» . ويؤلف اليهود في نظره «عرْقاً وضيعاً لا مثيل له» . وتكتسب فكرة الحفاظ على الشرف العرْقي بعداً اشتراكياً في كتاباته إذ يؤكد ضرورة إزاحة الهيمنة اليهودية من عالم المال لتحقيق هذا الهدف. ويجب أن نضيف أن ما دعم الصور النمطية الإدراكية هو وضع اليهود المتدني حضارياً واقتصادياً وثقافياً. فالجيتو كان من أقذر الأماكن في أوربا، كما أن المتسول اليهودي كان ظاهرة عامة. ومع نهاية القرن، كانت الجماعات اليهودية في الغرب في حالة انكسار وانحلال، بعد أن تم ضرب قيادتها الدينية التقليدية وبعد أن فُرض عليها التحديث والعلمنة بكل قسوة وسرعة. وكذلك، كان القَوَاد اليهودي والبغي اليهودية يمثلان حقائق مادية صلبة. وكانت الحركات الثورية تضم في صفوفها أعداداً كبيرة من الشباب اليهودي. وكان كثير من الفضائح المالية وأعمال الغش يرتكبها يهود. كل هذا يعني أن الصور الإدراكية كانت ذات أساس واقعي، ولكنه كان أساساً واقعياً مجرداً تماماً من سياقه التاريخي حتى بدا وكأنه حقيقة كاملة.

لكن العنصر الأساسي الذي ساهم في ترسيخ الصور الإدراكية الكريهة عن اليهود، وفي تصاعد الهجمات ضدهم، هو الظاهرة الإمبريالية. فقد كان القرن التاسع عشر هو عصر التوسع الإمبريالي الغربي الذي انتهى بالهيمنة على كل أنحاء المعمورة ووضع الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية موضع التنفيذ على مستوى العالم. وصاحب هذه العملية ظهور مجموعة من الأفكار والنظريات والصور الإدراكية العرْقية التي تحاول تسويغ سيطرة الإنسان الأبيض على بقية الأعراق. فضلاً عن أن الفلسفة النيتشوية كانت تكتسح أوربا، وهي فلسفة تنظر إلى الواقع باعتباره صراعاً لا يهدأ، صراع الجميع ضد الجميع، ويستند فيه البقاء لا إلى الحق والخير والجمال وإنما إلى الحركية والقوة والإرادة. كما سادت أوربا آنذاك الفلسفة الداروينية الاجتماعية، وهي أساساً رؤية للعلاقات الاجتماعية من خلال نموذج ينقل القيم التي زعم داروين أنه اكتشفها في عالم الطبيعة إلى المجتمع الإنساني.
وكانت هذه الداروينية من أهم مصادر الفكر الصهيوني بخاصة، والفكر الإمبريالي بعامة، فكان يتم تبرير إبادة الملايين في أفريقيا واستعبادهم في آسيا على أساس أن هذا جزء من عبء الرجل الأبيض ومهمته الحضارية، فهو يبيد الملايين ليؤسس مجتمعات متقدمة متحضرة! ولكن الرجل الأبيض هو أساساً الرجل الأقوى الذي لا يكترث كثيراً بالخير أو الشر. ولم يكن من الممكن إدراك الواقع بطريقتين مختلفتين: إحداهما ليبرالية خاصة بأوربا، والثانية إمبريالية عنصرية خاصة بالمناطق التي تقع خارجها. فالعنصرية رؤية متكاملة للإله والطبيعة والتاريخ والإنسان. وكان محتماً أن تقع أكبر الأقليات في أوربا، وأكثرها انتشاراً وبروزاً، ضحيةً لهذا التحول الإدراكي والاجتماعي.
تاريخ معاداة اليهود منذ القرن الثامن عشر
‏History of Anti-Semitism since the Eighteenth Century

تتمثل السمة الأساسية في أدبيات معاداة اليهود في العصر الحديث أن تُنسَب إلى اليهودي صفات خفية ثابتة لصيقة به لا يمكنه التخلص منها إذا شاء أن يفعل. فبينما كان بوسع اليهودي في الماضي أن يتخلص من هويته تماماً عن طريق التنصر ودخول الكنيسة التي كانت تفتح له دائماً ذراعيها، فإن هذا البديل لم يَعُد مطروحاً في العصر الحديث، مع ظهور النظريات المادية التفسيرية (للإنسان والكون) التي تفسر الكون في إطار مجموعة من القوانين المادية الحتمية التي تخضع لها الظاهرة. إذ أن سمات اليهودي وخصائصه أصبحت خصائص وراثية وسمات بيولوجية ذات جذور مادية عرْقية ومن ثم لا يمكنه الفكاك منها مهما بذل من جهود. بل إن اندماج اليهود، ورغبة بعضهم في الهرب من يهوديتهم تشبُّهاً بالأغلبية، هما في الواقع (حسب الرؤية الحديثة لمعاداة اليهود) مؤشرات على نجاحهم في التخفي والتمسك بالهوية!
ويمكننا أن نقول إن ثمة أسباباً كثيرة أدَّت مجتمعة إلى تَفجُّر موجة معاداة اليهود في أواخر القرن الماضي:
1 ـ أدَّت الثورة الصناعية والثورة الليبرالية، وظهور الدولة القومية، إلى فقد اليهود لدورهم التقليدي كجماعة وظيفية وسيطة، إذ ظهرت طبقات محلية يمكنها أن تضطلع بهذا الدور. كما أن الدولة القومية استوعبت كثيراً من الوظائف التي كان يقوم بها أعضاء الجماعة. وقد تحوَّل معظم أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب إلى طبقة وسطى في نهاية الأمر، ولكن الفجوة الزمنية بين الفترتين أدَّت إلى تَفجُّر مشاعر الكراهية ضد قطاع بشري لم يَعُد له أي نفع ولم يكتسب وظائف جديدة بعد.

2 ـ تكتسب الدولة القومية شرعيتها من التاريخ المشترك والثقافة المشتركة. ويستند النقد الاجتماعي العلماني (للمجتمع الإقطاعي والديني) إلى هذين العنصرين، ومن ثم يتحدد الانتماء أو عدم الانتماء بمقدار مشاركة المواطن في هذا التاريخ والثقافة. وقد كانت الجماعات اليهودية عادةً ذات هوية مستقلة نوعاً عن محيطها الثقافي، الأمر الذي كان يجعلها تقع معنوياً خارج دائرة العقد الاجتماعي مع أنها كانت فعلياً داخل دائرة المجتمع، وهو ما ولَّد كثيراً من العداء تجاه أعضاء الجماعات اليهودية.
3 ـ تعثُّر التحديث في وسط أوربا وشرقها في نهاية القرن التاسع عشر.
4 ـ وجود أغلبية يهود العالم في أوربا الشرقية (يهود اليديشية) في بلاد لم تَسُد فيها المُثُل القومية الليبرالية، وفي مناطق حدودية مُتنازَع عليها، وفي روسيا (البلد الذي كانت تحكمه بيروقراطية متخلفة لا تفهم وضع اليهود) .
5 ـ ارتباط اليهود بالحركات الثورية العلمانية اليمينية واليسارية. فقد كان اليهود رمزاً واضحاً للمجتمع الصناعي الرأسمالي الجديد، وبالتالي أصبحوا هدفاً للجماهير التي اقتلعها الاقتصاد الجديد وألقى بها في المدن والمصانع للعمل تحت ظروف غير إنسانية. ومن ثم أصبح اليهودي بالنسبة إلى البورجوازيات الصغيرة الضعيفة، في كلٍّ من ألمانيا وبولندا وروسيا، هو العائق الأساسي الذي يقف حجر عثرة في طريق نموها الاقتصادي لأنه غريم قوي. كما كان الجميع يرون في اليهودي يسارياً ثورياً يهدد المجتمع من أساسه. ويبدو أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعات اليهودية انضموا للأحزاب الشيوعية الحاكمة في روسيا وشرق أوربا، واشتركوا في عمليات قمع المعارضة التي قامت بها الأحزاب الشيوعية الحاكمة، فارتبط أعضاء الجماعات اليهودية في الذهن الشعبي بهذه النظم. ورغم عدم وجود يهود في كثير من بلاد أوربا الشرقية، إلا أن العداء لليهود لا يزال مستمراً بسبب العداء الراسخ للشيوعية.

6 ـ مع الإعتاق السياسي والاقتصادي لليهود، لم تعد الجماعة اليهودية جماعة وسيطة مغلقة تعيش في مسام المجتمع داخل الجيتو ويمكن التسامح معهما، بل خرج أعضاؤها إلى المجتمع ليلتحموا بالبناء الطبقي والاجتماعي والثقافي للمجتمع، وقد حققوا حراكاً اجتماعياً وطبقياً كبيراً، وانتشروا بأعداد كبيرة في أنحاء أوربا بسبب الانفجار السكاني الضخم بينهم. وأدَّى كل هذا إلى احتكاك واسع المدى بين أعضاء الجماعات اليهودية وبين بعض قطاعات المجتمع تحت ظروف لم تكن مواتية تماماً بسبب الثورة الصناعية التي حرمت الملايين من الأمن التقليدي الذي كانوا يتمتعون به في المجتمع الزراعي.
7 ـ انتشر اليهود في المجتمعات الغربية بعد أن ضعفت هويتهم وقيمهم الدينية، وبعد أن اقتُلعوا من محيطهم الثقافي المألوف لهم. ولذا، كانت تنتشر بينهم ظواهر مثل الغش والسرقة، الأمر الذي عزز من الصور الإدراكية السلبية عنهم.
8 ـ أصبح كثير من اليهود ممن يمكن تسميتهم «يهود غير يهود» ، أي يهود ليس فيهم من اليهودية سوى الاسم، فقد تآكلت هويتهم الدينية والإثنية تماماً، ومع هذا استمرت المجتمعات الغربية في تصنيفهم يهوداً. وهذا أمر جعل الناس يشعرون أن اليهود يوجدون في كل مكان وزمان.
9 ـ هؤلاء اليهود غير اليهود كان لابد من تعريفهم بطريقة ما. وقد تم تعريفهم بطريقة عرْقية مجردة حيث كان التعريف الديني التقليدي غير ممكن. فالعنصر المشترك بين الشحاذ اليهودي من شرق أوربا والموسيقار اليهودي من غربها والتاجر اليهودي من وسطها، لم يكن الدين أو حتى هوية قومية بعينها، وإنما كان خاصية مادية عرْقية افتراضية كامنة غير ظاهرة ولا واضحة المعالم، وهي الخاصية البيولوجية اليهودية التي كان الجميع يفترضون وجودها برغم عدم ظهورها.

10 ـ من المفارقات التي تستحق التسجيل أنه مع تزايد الحقوق المعطاة لأعضاء أية أقلية يزداد العداء لها؛ ذلك لأن الأقلية حينما يتم حصرها تلزم مكانها، وحينما تتم عملية القمع بموجب القانون أو بحكم البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع، يقل العنف الفردي إذ تتكفل المؤسسات بعملية العنف. ومن هنا، لم تكن ثمة عمليات اختطاف وشنق للزنوج في جنوب أفريقيا في حين كانت هذه الظاهرة منتشرة في الولايات المتحدة، ومن هنا أيضاً كان خلو إسرائيل من العنف الشخصي (على الأقل حتى نشوب الانتفاضة) . وقد تزايد الكره الفردي الموجه لليهود مع تزايد معدلات الإعتاق والعلمنة. كما تزايد الهجوم عليهم لأنه هجوم على خطر خفي غير ظاهر، إذ أن اليهودي المندمج لا يتصرف كما يتصرف اليهودي بشكل يسهل رصده، وإنما يتصرف بشكل " طبيعي " باعتباره فرداً عادياً في المجتمع، الأمر الذي يجعل من رصده عملية مستحيلة.
11 ـ ظهور الإمبريالية الغربية، والنظريات العرْقية والداروينية التي صاحبتها، والتي جعلت من الصراع حقيقة أساسية في الوجود الإنساني وقبلت القوة العضلية معياراً أساسياً.
12 ـ من أهم أسباب تزايد مشاعر العداء لليهود الانفجار السكاني بين يهود اليديشية في شرق أوربا في وقت سادت فيه أفكار مالتوس وزاد الحديث عن وجود فائض سكاني لابد من التخلص منه. وقد صدَّرت شرق أوربا ملايين اليهود إلى وسطها وغربها وإلى الولايات المتحدة. وكان يهود شرق أوربا كتلة متميِّزة متخلفة متحللة، وكان وصولهم يصعِّد مشاعر الكراهية ضدهم. وكان السكان لا يميِّزون بين اليهود الوافدين واليهود الأصليين إذ أن الجميع مجرد «يهود» . ولم يكن الوافدون يهوداً وحسب، وإنما أجانب وغرباء أيضاً. وكان اليهود مرتبطين أحياناً بالعدو، كما هو الحال في فرنسا، وخصوصاً في الألزاس واللورين، فاليديشية التي كانوا يتحدثون بها كانت رطانة ألمانية.

13 ـ أدَّى ظهور وسائل الإعلام الحديثة إلى وجود قنوات تنقل الفكر العنصري بسهولة ويسر إلى ملايين الناس وتشيعه بينهم.
14 ـ تزامن كل هذا مع الكساد الاقتصادي في أواخر القرن، الأمر الذي زاد من حدة التوتر الاجتماعي.
وقد أدَّت كل هذه الأسباب مجتمعةً إلى تحوُّل كُره اليهود من مجرد عواطف إنسانية كامنة إلى حركات سياسية. ويعود التاريخ الحديث لمعاداة اليهود على أساس عرْقي إلى عام 1873 (في وسط أوربا) ، وذلك مع انهيار البورصة التي كان لبعض المموِّلين اليهود ضلع فيها، ومع الصعوبات الاقتصادية التي بدأت تطل برأسها. وقد أسس قس البلاط الألماني، أدولف ستوكر، حزباً مسيحياً اجتماعياً عام 1878، وتوجه إلى البورجوازية الصغيرة وكذلك إلى المهنيين الذين كانوا يتصورون أنهم ضحية هيمنة الرأسمالية اليهودية على الاقتصاد. وطرح الحزب مفهوماً عضوياَ للقومية يستبعد اليهود ويراهم خطراً على الأمن. وفي هذه الفترة، ظهرت كتابات دوهرنج وترايتشكه وغيرهما. وفي عام 1880، أُسِّست في برلين عصبة المعادين لليهود. وقدَّم المعادون لليهودية عريضة للحكومة الألمانية موقعة من 225 ألف شخص تطلب إلى الحكومة أن توقف جميع أشكال الهجرة اليهودية التي كانت تتدفق من الجيب البولندي وأن تصدر تشريعات لاستبعاد اليهود. وقد عُقد أول مؤتمر دولي لمعاداة اليهود في عام 1882 وضم ثلاثة آلاف مندوب.
وفي عام 1893، حققت الأحزاب المعادية لليهود في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي لها حين حصلت على ستة عشر مقعداً بعد أن نالت ربع مليون صوت. أما في النمسا، فقد شهد عام 1871 نشر كتاب عن التلمود من تأليف أوجست رولنج، ترك أثراً عميقاً في حركة معاداة اليهود.

وفي عام 1895، تم انتخاب كارل ليوجر زعيم أعداء اليهود رئيساً للبلدية في فيينا. وقد حاول الإمبراطور أن يوقف تعيينه ورفضت الحكومة المصادقة على التعيين، ولكنه تقلَّد منصبه في نهاية الأمر عام 1897 بعد أن أعيد انتخابه ثلاث مرات. وظل العداء لليهود يتصاعد إلى أن وصل إلى ذروته مع انتخاب هتلر ووصول النازيين إلى الحكم.
وقد كانت معاداة اليهود في فرنسا سلاحاً مهماً في يد بعض العناصر الملكية والكنسية المعادية للثورة الفرنسية ومُثُلها. وشهدت هذه الفترة نشر كتاب درومون فرنسا اليهودية. وفي أواخر عام 1892، وقعت فضيحة قناة بنما التي لعب فيها بعض المموِّلين اليهود دوراً ملحوظاً. وشهد عام 1894 حادثة دريفوس أحد ضباط الأركان العامة للجيش الفرنسي والذي اُتهم بأنه خان بلاده وسلم بعض المعلومات المتعلقة بأمنها إلى ألمانيا. وقد دافعت عنه القوى الليبرالية، في حين وقفت القوى المحافظة والمعادية لليهود ضده.
وشهدت روسيا أشكالاً مختلفة من معاداة اليهود، وبخاصة بعد اغتيال القيصر ألكسندر الثاني عام 1881 حيث صدرت قوانين مايو (1881) ، وانتشرت موجة من المذابح من أشهرها مذبحة كيشينيف عام 1903. وبعد عام 1905، ظهرت جماعات المائة السود بدعم خفي من الحكومة كما يُقال، وقامت بالهجوم على اليهود في عدة مدن، كما وُجِّهت تهمة دم ضد بيليس عام 1911 وبُرِّئ منها.
أما في بولندا، فإن الطبقة الوسطى الصاعدة ناصبت الجماعة اليهودية الوسيطة العداء بسبب احتفاظها بهوية غربية مستقلة (يديشية) وبسبب تاريخ التحالف الطويل بينها وبين النخبة الإقطاعية الحاكمة. وقد نظم البولنديون حركات مقاطعة ضد اليهود في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وكانت الحكومة تتفاوت في موقفها من التأييد لحركات العداء أو محاولة وقفها. ثم قام النازيون بإبادة أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا ضمن من أبادوا من ملايين أخرى.

وبعد الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي، تغيرت بنية المجتمع ومؤسساته وتوجيهاته. وواجه أعضاء الجماعات اليهودية شيئاً من التمييز العنصري، ولكن هذا لم يكن نابعاً من سياسة الدولة التي كانت تُجرِّم معاداة اليهود، وإنما كان أمراً عادياً يسم علاقة الأقلية بالأغلبية. ولعل أكبر دليل على تَراجُع معاداة اليهود تَزايُد معدلات الاندماج والزواج المختلط.
ومع هجرة يهود اليديشية وحرب البوير (1899) التي وقف ضدها كثير من قطاعات الرأي العام في إنجلترا، شهدت إنجلترا موجة من العداء لليهود، وقيل إن المصالح المالية اليهودية كانت وراء دخول إنجلترا هذه الحرب. وقد ازداد الحديث عن الخطر اليهودي بشكل مبالغ فيه، وصدرت قوانين الغرباء عامي 1902 و1905 لمنع دخول الأجانب، أي اليهود.
أما في الولايات المتحدة والدول الاستيطانية الأخرى، مثل: جنوب أفريقيا وكندا وأمريكا اللاتينية، فلم يجابه اليهود أية معاداة إلا في جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بخاصة في الثلاثينيات، ولكنها تلاشت بمرور الوقت وبتناقص عدد أعضاء الجماعة.
ويمكننا تقسيم بلاد العالم الغربي، من منظور معادة اليهود، إلى أربعة أقسام:
1 ـ بلاد التحديث الحر، مثل: إنجلترا، وهولندا، وبلجيكا، وفرنسا (إلى حدٍّ ما) . وكلها بلاد لها مستعمرات يُصدَّر لها الفائض البشري والتوترات الاجتماعية، وفيها طبقة رأسمالية قوية وحكومات ليبرالية منتخبة. وتتسم الجماعات اليهودية فيها بقلة عدد أعضائها. وهذه البلاد لا توجد فيها ظاهرة معاداة اليهود بشكل حاد أو مستمر.

2 ـ بلاد التحديث الشمولي (تحت رعاية الدولة) - ألمانيا أساساً ـ وهي بلد ليس لها مستعمرات، إذ أُجهضت تجربتها الاستعمارية وتحالفت الطبقة الرأسمالية فيها مع الطبقات الإقطاعية لتضمن لنفسها النجاح. وبرغم قلة أعضاء الجماعات اليهودية، فقد كان لهم بروز واضح في المجالات الاقتصادية والثقافية والإعلامية. وقد ظهر فيها العداء لليهود بشكل واضح.
3ـ بلاد التحديث المتعثر، مثل: روسيا وبولندا وبعض بلاد وسط أوربا. وهي بلاد لم يكن لها مستعمرات، ولم يكن اقتصادها متقدماً، وكان القطاع الرأسمالي فيها ضعيفاً، كما كانت هذه البلاد تتسم بأنها تضم جماعات يهودية كبيرة. وقد تعثَّر التحديث في هذه البلاد، وتفشت فيها ظاهرة عداء اليهود. ومع استئناف التحديث على النمط الاشتراكي، اختفت الظاهرة أو ضَمُرت، واتجهت المؤسسات نحو دمج أعضاء الجماعات اليهودية. وكانت الدعاية الصهيونية تتهم الاتحاد السوفيتي بمعاداة اليهود المتمثلة في محاولة دمج اليهود، بل وأُطلق على ذلك «هولوكوست الاندماج» . ولكن معاداة اليهود تبدو دائماً في شكل النظر إلى اليهود باعتبارهم عنصراً غريباً لا يمكن دمجه، وبالتالي لابد من طرده أو على الأقل تشجيعه على الهجرة. أما في الاتحاد السوفيتي، فقد كان الوضع على عكس ذلك تماماً، إذ حاول المجتمع دمجهم فيه بينما كانت القوى الصهيونية هي التي تحاول إخراجهم منه. وإذا كانت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية قد تلاشت أو انصهرت، فإن هذا يرجع إلى آليات اجتماعية وبنيوية مركبة.

4 ـ المجتمعات الاستيطانية، مثل: الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، وجنوب أفريقيا. وهذه مجتمعات لم يعرف معظمها ظاهرة العداء لليهود، ربما باستثناء أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا. وقد استقر اليهود في هذه البلاد وواجهوا المصاعب التي تواجهها أية جماعة مهاجرة. ومن الطريف أنه برغم وجود عداء لليهود في صفوف الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا، فإن الحكومة لم تلجأ قط إلى تشجيع اليهود على الهجرة، كما يفعل المعادون لليهود عادةً، وذلك لأن مجتمع جنوب أفريقيا مجتمع استيطاني في حاجة ماسة إلى العنصر البشري الأبيض. ومن ثم، تُعَدُّ الهجرة إلى إسرائيل أو إلى أي بلد آخر «خيانة وطنية» .
ويُثير ظهور الدياسبورا الإسرائيلية في الولايات المتحدة قضية مهمة تتصل بالعداء الموجه إليهم من قبل المنظمات الصهيونية التي ترفض مد يد المساعدة لهم في عملية الهجرة والاستقرار هناك. والشيء نفسه ينطبق على المتساقطين، وهم المهاجرون الروس الذين كانوا يهاجرون من الاتحاد السوفيتي بحجة الذهاب إلى إسرائيل، ثم يتجهون إلى الولايات المتحدة بدلاً من ذلك. فهل يُعتبَر العداء لمثل هؤلاء وعدم مساعدتهم على الهجرة والاستيطان أينما شاءوا، بل وإغلاق أبواب الهجرة إلى ألمانيا والولايات المتحدة أمامهم، ضرباً من معاداة اليهود؟!
أما في العالم العربي الإسلامي، فقد تناقص عدد اليهود بشكل ملحوظ، كما أن أغلبيتهم العظمى حصلت على جنسيات أجنبية في فترة الهيمنة الاستعمارية، حتى يتسنى لهم التمتع بالمزايا التي تمنحها القوانين المختلطة للأجانب. ومع ظهور الحركة الصهيونية، تشابك مصير من تبقَّى من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي مع الدولة الصهيونية، وانتهى الأمر بتصفية كل هذه الجماعات تقريباً باستثناء المغرب الذي بقيت فيه أقلية صغيرة.

وقد ظهرت في العالم العربي ترجمة للوثيقة المسماة بروتوكولات حكماء صهيون وكتب عن تهمة الدم، وهي أفكار تضرب بجذورها في التشكيل الحضاري الغربي، ومع هذا يتردد صداها الآن في صفوف بعض العناصر المحبة للإثارة والتي لا تتوانى عن استخدام أنصاف الحقائق لإحراز سبق صحفي أو ذيوع إعلامي. أما مراكز البحوث العربية، فلا تعير مثل هذه الوثائق، المشكوك في أمرها، أي اهتمام.
ولا يمكن فصل تاريخ معاداة اليهود عن تاريخ الصهيونية، فكلاهما ثمرة آليات وحركيات توجد داخل التشكيل الحضاري الغربي وتنبع منه. والواقع أن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ هو القاسم المشترك الذي يصل بين الظاهرتين (معاداة اليهود والصهيونية) ، وكل ما هنالك هو أن عداء اليهود الذي كان يهدف إلى تدمير اليهود أصبح أكثر عقلانية ورشداً. وبعد ظهور مفهوم نفع اليهود، أصبح الهدف هو توظيفهم، فظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية ثم الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، والتي تم تهويدها حتى يتمكن اليهود من استبطانها. وليس من قبيل الصدفة أن ألمانيا، مهد الفكر العضوي العرْقي والنظرية النازية هي ذاتها مهد الفكر الصهيوني.
كلاسيكيات العداء لليهود منذ القرن الثامن عشر
‏Classics of Anti-Semitism since the Eighteenth Century

وُلدت الأفكار الحديثة لمعاداة اليهود، وكذلك صورها الإدراكية، داخل هذا الإطار. ومن أهم وأول الإسهامات الغربية في هذا المضمار استخدام التمييز بين الآريين والساميين ونقله من المجال اللغوي إلى المجال الحضاري ثم العرْقي. وهذا ما فعله الكونت جوبينو في كتابه مقال في التفاوت بين الأعراق الإنسانية (1853 ـ 1855) ، فبسَّط النظريات السائدة، وقسَّم البشر إلى أعراق: أبيض (آري) ، وأصفر، وأسود. وذهب إلى أن الجنس الآري الأبيض هو مؤسس الحضارة، وأن السمات المتفوقة لهذا العرْق لايمكن الحفاظ عليها إلا عن طريق النقاء العنصري. وأكد جوبينو أن التيوتونيين هم أرقى العناصر الآرية لأنهم وحدهم الذين احتفظوا بنقائهم.
وتوالت بعد ذلك الأعمال العرْقية الغربية المعادية لليهود، ومن أهمها كتاب ولهلم مار (1818ـ1904) انتصار اليهودية على الألمانية: من منظور غير ديني (1862) . وكان مار مواطناً ألمانياً (يُقال إنه كان يهودياً) ، ثم انضم إلى جماعة فوضوية إلحادية في سويسرا بعد فشل ثورة 1848. وقد طُبعت من الكتاب اثنتا عشرة طبعة حتى عام 1879. وتحل في كتابه كلمتا «سامي» و «سامية» ، محل «يهودي» و «يهودية» . وهو الذي أشاع مصطلح «أنتي سيميتزم» ، أي «معاداة السامية» ، في اللغات الأوربية، وبيَّن في دراسته ما زعم أنه الهيمنة اليهودية على الاقتصاد والثقافة، كما أسس جماعة تضم أعداء اليهود عام 1879.

ومن أهم الشخصيات التي أضفت كثيراً من الاحترام على النظريات العرْقية المعادية لليهود الموسيقار الألماني ريتشارد فاجنر (1813 ـ 1883) ، وكان صديقاً لجوبينو، وتأثر بكتابات مار. وقد طبع فاجنر كتابه أضوء على اليهود في الموسيقى (1850، ثم 1869) ، مصوراً إياهم باعتبارهم تجسيداً لقوة المال والتجارة، ومنكراً علىهم أي إبداع في الموسيقى والثقافة. ثم نشر سلسلة مقالات بعنوان: «الفن الألماني والسياسة» طرح فيها فكرته الخاصة برسالة الشعب الألماني (الخالص) المعادية للمادية الفرنسية واليهودية. وقد اتهم فاجنر اليهود بالهيمنة على الحياة الثقافية في ألمانيا وطالب بحرمانهم من حقوقهم السياسية، كما تحدث عن دمار أو إبادة أو اختفاء (بالألمانية: أونترجانج Untergang) اليهود، أي تخليص الحياة الثقافية من اليهود بالقوة، أو دمجهم تماماً عن طريق الفن والموسيقى. وقد تركت أفكار فاجنر أثراً عميقاً في هتلر، ومن ثم كانت ذات مكانة خاصة في التجربة النازية (ولهذا، كانت موسيقى فاجنر ممنوعة حتى عهد قريب في إسرائيل) .

وكان لإسهام المفكر السياسي والمستشرق الألماني بول أنطون دي لاجارد (1827ـ 1891) أبعد الأثر في تضخيم الهالة الثقافية والعلمية حول معاداة اليهود. كان لاجارد يحن إلى حضارة العصور الوسطى التيوتونية الخالصة (العضوية) ، كما كان يؤمن بالشعب العضوي (الفولك) الألماني وتفوُّقه على الشعوب الأخرى، ويرفض مبدأ المساواة. بل وكان يرى أن الليبرالية مؤامرة عالمية خطيرة. ولم يشأ التعبير عنها بأي من اللونين الأحمر أو الأسود، فهما لونان لهما شخصيتهما، بل وقع اختياره على الرمادي، وانتهى به المطاف إلى اكتشاف وجود الأممية الرمادية التي استنكرها لأنها تشكل حجر عثرة في سبيل تحقيق خلاص الأمة الجرمانية وأداء رسالتها «نحو العلم» ، على حد قوله، كما تقطع الطريق على الأماني والأطماع الجرمانية الرامية إلى إخضاع أوربا الوسطى للسيطرة الألمانية، والتخلص من إمبراطورية هابسبورج، وإجلاء السلاف عن البلاد بالقوة لأنهم ليسوا من سكانها الأصليين. وبطبيعة الحال، ربط لاجارد بين الليبرالية الأممية الرمادية واليهود، الذين وصفهم بأنهم يشكلون عبئاً كريهاً ولا مغزى تاريخي لهم، يهدِّدون رسالة ألمانيا ووحدتها القومية. ولم تكن أفكار لاجارد عنصرية سوقية وإنما كانت عنصرية أكاديمية تستخدم ديباجات علمية، فقد كان يؤكد أنه لا يكن أي عداء لليهود كأفراد وإنما يعادي أمة سامية وثنية غريبة يُعرْقل وجودها (الموضوعي) اتحاد أوربا الوسطى تحت قيادة ألمانيا، ولذا فلابد من طرد أعضائها أو ترحيلهم بالقوة.

ومن الشخصيات التي ساهمت في إشاعة هذه الأفكار المعادية لليهود على أساس عرْقي، المؤرخ والسياسي الألماني هنريش فون ترايتشكه (1834 ـ 1896) الذي كان يُعَدُّ من أهم المفكرين الألمان في عصره، وهو ما أكسب هذه الأفكار قدراً كبيراً من المصداقية والاحترام. وصف ترايتشكه الهجوم على اليهود بأنه هجوم وحشي، ولكنه رد فعل طبيعي للمشاعر القومية الألمانية ضد عنصر غريب (الشعب العضوي في مواجهة الشعب العضوي المنبوذ) ، ثم طرح الشعار المشهور «اليهود مصيبتنا» . وحذر الألمان من التدفق اليهودي من الخزان البولندي (إشارة إلى الانفجار السكاني بين يهود بولندا) ، وهو تدفُّق لا ينضب، «جمع من الشباب الطموحين بائعي الملابس القديمة الذين سيسيطر أطفالهم وأطفال أطفالهم يوماً ما على سوق الأوراق المالية والصحف في ألمانيا» . وقد تبدَّى هذا الرفض لليهود في شكل تعاطُف مع المشروع الصهيوني.
ومن الشخصيات الأخرى التي أشاعت الفكر العرْقي المعادي لليهود هيوستون ستيوارت تشامبرلين (1855 ـ 1927) ، وهو بريطاني المولد فرنسي النشأة ألماني بالاختيار، فقد كان معجباً بالثقافة الألمانية إعجاباً عميقاً. وقد تصادق مع فاجنر وتزوج ابنته، وتأثر بأفكار جوبينو ولاجارد، وألَّف أهم كتب العنصرية الغربية أسس القرن التاسع عشر (1899) . وقد آمن تشامبرلين بتفوُّق الإنسان النوردي الأشقر، وبأن قدر التيوتونيين هو قيادة الإنسانية جمعاء، فكل ما هو عظيم في العالم من إبداعهم. وأكد تشامبرلين أن اختلاط الأجناس هو سبب التخلف. واليهود، بحسب رأي تشامبرلين، يشكلون عرْقاً هجيناً متحركاً هامشياً طفيلياً لاجذور له. وهم غير قادرين على الإبداع، ولا يوجد لديهم إحساس ديني، بل إن وجودهم ذاته جريمة ضد الإنسانية. وذهب تشامبرلين إلى أن الشخصيات المهمة في بدايات التاريخ اليهودي، مثل داود والأنبياء والمسيح، من أصل ألماني! وتنبأ بالمواجهة الحتمية بين الساميين والآريين.

ومن الملاحَظ أن معظم كتب معاداة اليهود (وأكثرها حدة) ألمانية. ولعل هذا يعود إلى مجاورة ألمانيا للجيب البولندي، وإلى وجود عنصر يهودي قوي في عالم الاقتصاد الألماني، وإلى دخول ألمانيا إلى الساحة الإمبريالية متأخرة من الناحية الزمنية، الأمر الذي أثر في مساحة الرقعة الجغرافية التي استعمرتها. ومن هنا، اضطرت ألمانيا إلى أن تنفث سمها العنصري في أوربا (ضد اليهود والسلاف) لا خارجها (ضد الأفارقة والآسيويين والمسلمين) . ومع هذا، فليس بإمكاننا إنكار أن معاداة اليهود ظاهرة غربية تشمل شتى دول العالم الغربي، شأنها في هذا شأن الصهيونية. ولهذا، لم تقتصر كُتب معاداة اليهود على ألمانيا. وقد أشرنا من قبل إلى جوبينو الفرنسي، ويمكن أن نشير الآن إلى إدوار أدولف درومون (1844 ـ 1917) ، وهو أيضاً فرنسي، وقد ضمن أفكاره كتاب فرنسا اليهودية (1886) الذي طُبع أكثر من مائة طبعة، وكان من أكثر الكتب الأوربية رواجاً ومبيعاً في القرن التاسع عشر. وقد ألف درومون كتباً أخرى تتضمن الأفكار نفسها والرؤية نفسها.

وكان درومون يرى أن يهود فرنسا عنصر أجنبي غريب يستغل النظام الاقتصادي الفرنسي لتحقيق منافعه الخاصة وبسط سيطرته على العالم، وأنهم عنصر تجاري بطبيعته، يسيطر على المشاريع التجارية والصناعية الكبرى التي تعوق نمو الطبقة الوسطى المسيحية الناشئة، فهم يركزون الثروة في أيديهم (مثل روتشيلد) ويشكلون خطراً على مستقبل الطبقة العاملة في البلاد. وهم يتسمون بخصائص وميزات عرْقية منحطة وغير نقية، ويعملون على إفساد الروح الفرنسية، وتقع عليهم تبعة الانهيار والانحطاط السائدين في فرنسا بطولها وعرضها. واليهود يؤلفون «دولة داخل دولة» و «أمة داخل أمة» ، ولذلك فإن اندماجهم ليس ممكناً، كما أن اختلاطهم بالشعب الفرنسي عن طريق التزاوج أمر غير مرغوب فيه. وهم بلا وطن حقيقي، ولا يخضعون لأية روابط فعلية، بل سيبقون إلى الأبد كما كانوا دوماً عنصراً غريباً في جسم الأمة يختلف بصورة جوهرية عن الفرنسيين، ويجب معاملتهم على الأسس التي يقترحها هو والنظر إليهم من تلك الزاوية. فهم لا يستحقون التحرر مطلقاً، بل يجب وقف تحرُّرهم ومصادرة ممتلكاتهم وأموالهم على أن يُستخدَم ذلك لإيجاد وسائل إنتاجية للطبقة العاملة التي لا تزال مُستَغَلة. وقد ساهم كتاب درومون في صياغة رؤية كثير من المفكرين اليهود وغير اليهود للمسألة اليهودية ومنهم هرتزل.

ومن المفكرين الإنجليز الذين بادروا إلى معاداة اليهود، المؤرخ والمصلح التربوي البريطاني جولدوين سميث (1823 ـ 1910) ، فقد نشر عام 1878، مع بدايات هجرة يهود اليديشية من روسيا إلى إنجلترا، عملاً حاول فيه أن يبرهن على استحالة أن يصبح اليهود مواطنين في دول أوربا المضيفة، كما حاول أن يبرهن على أن وجودهم يشكل خطراً سياسياً على بلده. أما اليهودية، فهي في رأيه دين عنصري يتمسك به اليهود بضراوة ويحل فيه العنصر أو العرْق محل البلد الذي فقدوه. الأمر الذي جعلهم يرفضون الاختلاط بالناس ويجلب عليهم بُغض الشعوب. ولهذا السبب، نادى سميث بحل صهيوني للمسألة اليهودية.
وقد ظهرت أعمال أدبية أخرى، مثل بروتوكولات حكماء صهيون، تردد الأفكار نفسها التي وردت في الكتب السابقة. والواقع أن بروتوكولات حكماء صهيون تصوِّر الأفكار السابقة بطريقة شعبية تصل إلى وجدان البسطاء بسرعة وتجسد المخاطر، التي تحدَّث عنها تشامبرلين أو ترايتشكه، في شكل مؤامرة عالمية متعيِّنة، واجتماعات عقدها الحاخامات للسيطرة على العالم، أي أن البروتوكولات تشيع الأفكار نفسها بأسلوب يشبه أسلوب صحافة الإثارة والجريمة والجنس.
التحامل على اليهود
‏Prejudice Against the Jews

«التحامل على اليهود» ـ حسب رأي الحاخام أبا هليل سيلفر ـ يختلف عن «التعصب ضد اليهود» . فالتعصب هو الرفض الجذري والنشط الذي يمارسه بعض أعضاء الأغلبية ضد أقلية إثنية أو دينية ما. وفي حالة أعضاء الجماعة اليهودية، فإن التعصب يترجم نفسه إلى «معاداة اليهود» وما يصاحبها من أنماط إدراكية ثابتة قد تتحوَّل إلى هجوم شرس عليهم. أما التحامل، فهو أقرب ما يكون إلى مزاج سلبي ضد أعضاء أقلية ما وعدم تقبُّل لهم، وهو لا يترجم نفسه إلى إرهاب وعنف بل يأخذ شكل نكتة ساخرة أو تمييز خفيف يتعلق بالتفاصيل وليس بالجوهر والحقوق. والتحامل ظاهرة موجودة في كل المجتمعات البشرية وليس من المحتمل أن تزول إلا في نهاية التاريخ، فعلاقة الأغلبية بالأقلية سيشوبها دائماً نوع من التوتر.
والتحامل على أعضاء الجماعات اليهودية أمر موجود بطبيعة الحال في معظم المجتمعات التي يوجدون فيها، ولكن ما يحدث أن كثيراً من الصهاينة يخلطون بين التحامل على اليهود والتعصب ضدهم وتصبح كل الأمور بالنسبة لهم «عداءً للسامية» . والهدف من هذا هو تأكيد عزلة اليهود وتأكيد أن مجتمعات الأغيار تنبذهم بطبيعتها، ومن ثم لا يوجد حل سوى الحل الصهيوني. وقد بين العالم الإسرائيلي موردخاي ألتشولار أن ما يواجه يهود روسيا وأوكرانيا في الوقت الحالي ليس هو العداء الشرس لليهود وإنما هو شكل من أشكال التحامل عليهم وحسب (ولكنه لم يستخدم المصطلح) . وقد شبه ألتشولار يهود روسيا بيهود الولايات المتحدة، فاليهود المتعلمون الباحثون عن النجاح المادي والمهني منهم مستعدون للتعايش مع قدر غير محسوس من معاداة اليهود أو التحامل عليهم، أي إذا لم يكن هذا العداء ملموساً في حياتهم اليومية ولا يعوق تقدُّمهم واندماجهم.
معاداة السامية الجديدة
‏New Anti-Semitism
«معاداة السامية الجديدة» (أي «معاداة اليهود الجديدة» ) مصطلح ظهر مؤخراً في المعجم الصهيوني يشير إلى عدة مدلولات من أهمها ما يلي:

1 - ما يزعم الصهاينة أنه أشكال جديدة من معاداة السامية، هي في حقيقة الأمر إعادة إنتاج للأشكال القديمة. ويضربون مثلاً لهذا بالعداء للدولة الصهيونية. فحينما ترتكب الدولة الصهيونية مذبحة مثل قانا فتدمغها معظم دول العالم، وحينما تُبنَى مستوطنة جديدة في القدس أو على حدودها وتصدر هيئة الأمم المتحدة قراراً بإدانتها، فإن هذا يكون تعبيراً عن النمط القديم: عداء الأغيار الأزلي لليهود.
2 - يُستخدَم المصطلح أيضاً للإشارة إلى ما يسميه الصهاينة «معاداة السامية الإسلامية» ، أي عداء المسلمين لليهود. وهم يرون أن هذا النوع من العنصرية آخذ في التزايد حيث ينظر المسلمون إلى اليهود باعتبارهم "أعداء الله"، وأن إسرائيل تعبير عن المؤامرة اليهودية الأزلية.

الجماعات اليهودية إشكاليات - عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية - بعض التجليات المتعينة لمعاداة اليهود

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

بعض التجليات المتعيِّنة لمعاداة اليهود
‏Some Concrete Manifestations of Anti-Semitism
يمكن تفسير ظاهرة معاداة اليهود من خلال نموذج تفسيري وتصنيفي واحد مركب تتفرع عنه عدة نماذج فرعية تتبدَّى، هي بدورها، في أحداث ووقائع ومؤلفات بعينها، مثل: اضطرابات فيتميلخ، وحادثة دريفوس، وتهمة الدم، وبروتوكولات حكماء صهيون. وفي كل مدخل، سنحاول أن نعرض لموقف كلٍّ من الرؤية العرْقية المعادية لليهود والرؤية الصهيونية من الظاهرة أو القضية موضوع الدراسة ثم نحاول أن نقدم تفسيراً أكثر تركيباً وأقل اختزالية.
طرد اليهود
‏Expulsion of Jews
يُشير مصطلح «طرد اليهود» في الكتابات الصهيونية إلى مجموعة من الوقائع التاريخية التي حدثت في مجتمعات وتشكيلات حضارية مختلفة تحت ظروف مختلفة لا يربطها أي رابط. والواقع أن الحديث عن «طرد اليهود» ، كما لو كان ظاهرة تاريخية واحدة، هو تعبير عن الإيمان بوجود تاريخ يهودي واحد يُعبِّر عن هوية يهودية واحدة (منبوذة من الأغيار) ، وأن اليهود شعب عضوي منبوذ.
وفيما يلي بعض تواريخ الطرد المهمة:

724 ق. م التهجير (النفي) الآشوري.
586 ق. م التهجير (النفي) البابلي.
139 ق. م القاضي (برائيتور) ، هسبالوس يطرد اليهود من روما.
19 ق. م تايبريوس ينفي الأجانب (ومن بينهم اليهود) .
50 م كلوديوس يأمر بطرد اليهود من روما.
70 م هدم الهيكل على يد تيتوس وطرد اليهود من فلسطين (وتعد هذه هي أهم حادثة طرد من المنظور اليهودي والمسيحي) .
94م دوميتان يطرد المسيحيين واليهود.
135 م طرد اليهود من القدس وتحريم دخولها عليهم.
415 م الطرد من الإسكندرية
624 - 628 م الطرد من الجزيرة العربية أيام الرسول.
1467 م الطرد من تلمسان
ولكن أهم وقائع الطرد توجد داخل التشكيل الحضاري الغربي في العصور الوسطى وبعدها:
1290 م إنجلترا
1492 م إسبانيا
1306 - 1394 م فرنسا
1495 م ليتوانيا
1367 م المجر
1497 م البرتغال
وقد شهد القرنان الرابع عشر والخامس عشر حوادث طرد من مدن إيطاليا وألمانيا:
1426 م كولونيا
1453 م برسلاو
1439 م أونسبرج
1648 م ثورة شميلنكي في أوكرانيا
واستمر الطرد حتى العصر الحديث:
1744 - 1752 م براغ
وبعد ذلك التاريخ، تأسَّست منطقة الاستيطان، وهو ما كان يعني:
1772 م الطرد من بقية روسيا
1891 م الطرد من موسكو
وقام الروس بعد الثورة البلشفية، والنازيون بعد استيلائهم على الحكم، بنقل أعداد من اليهود من أماكن إقامتهم إلى أماكن أخرى. كما هاجر يهود البلاد العربية إلى إسرائيل وأوربا بعد عام 1948. وتُصنِّف الموسوعة اليهودية هذه الأحداث التاريخية كافة باعتبارها «حوادث طرد» . وتذكر أنه يمكن تصنيفها على أسس مختلفة إلا أن الدافع الجذري وراءها جميعاً هو كُره اليهود «ومعاداتهم» !

وغني عن القول أن هذه الوقائع لا يربطها رابط، فالتهجير الآشوري والبابلي شملا أقواماً عديدة أخرى لضمان أمن منطقة عبر النهر، أي منطقة الشام. وفي كثير من الأحيان، لم يكن الحكام الآشوريون أو البابليون يعرفون شيئاً عن العبرانيين، فكانت تَصدُر الأوامر بهدم منطقة أو تهدئتها، الأمر الذي كان يعني إخلاءها من معظم سكانها وأقوامها، وبخاصة من أعضاء النخبة. وقد شهد عام 139 ق. م أول عملية طرد لأعضاء إحدى الجماعات اليهودية، بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث إنها لم تكن تهجيراً كالتهجير البابلي مثلاً، وليست فراراً كما حدث مع ثورة شميلنكي. ويبدو أن سبب عملية الطرد من روما هذه هو الخوف من تحوُّل المواطنين الرومان إلى العقيدة اليهودية. ويبدو، بالفعل، أن كثيراً من الرومان المتعلمين كانوا يعجبون باليهودية نظراً لطبيعتها التوحيدية بالقياس إلى التعددية والشرك اللذين يسمان العبادة الوثنية في روما. أما طرد اليهود عام 19 ميلادية، فقد تم بتحريض من سيجانوس رئيس الحرس الإمبراطوري، غير أن الإمبراطور تايبريوس الذي أصدر أمر الطرد عاد وألغاه بعد اثنى عشر عاماً، وأمر بألا يُساء إلى اليهود أو إلى شعائرهم الدينية، وأعلن أن سيجانوس كان قد ضلله لتحقيق مآربه الخاصة. ورغم أن روما اتسمت بالتسامح، فإن التهود بأعداد كبيرة كان يهدد سلطة الدولة، ذلك أن شرعية الدولة تستند إلى العبادة الوثنية، كما أن كثيراً من الوظائف الإدارية كان مرتبطاً بهذه العبادة، وبالتالي فإن التهود كان يعني ضعف الولاء وأزمة الشرعية، كما كان يهدد ثبات موارد الهياكل المقدَّسة من هبات وقرابين. ويبدو أن رجال المال الرومان كانوا أيضاً وراء طرد اليهود، حيث كانوا يمارسون الربا بالتحايل على القانون ويودون التخلص من المرابين اليهود الذين يشكلون منافساً قوياً لهم.

أما طرد اليهود من القدس، فلم يكن جزءاً من سياسة روما الداخلية وإنما جاء في إطار سياستها الإمبراطورية وكمحاولة لتهدئة المنطقة. وكان طرد اليهود من المدينة المنورة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يعود إلى أسباب خاصة بحركيات الدين الجديد ومحاولة الدولة الإسلامية الجديدة تأمين مركزها وقلبها بضمان عدم وجود أقليات لا تدين لها بالولاء. وحينما قام شميلنكي بالهجوم على الجماعات اليهودية، فإنه كان يفعل ذلك في إطار حركة تحرُّر وطني وثورة فلاحية ضد المستغلين البولنديين الذين تَصادَف وجود اليهود كوكلاء لهم. وحينما كتب شميلنكي إلى كرومويل، في محاولة لتوحيد القوى الأرثوذكسية والبروتستانتية ضد الكاثوليكية، فإنه لم يذكر اليهود من قريب أو بعيد.
وإن أردنا أن نجد نمطاً متكرراً في ظاهرة طرد اليهود، فإننا لن نجده على صعيد العالم وإنما داخل التشكيل الحضاري الغربي، وبخاصة في العصر الوسيط. وسنجد أن السبب وراء طرد اليهود لم يكن كُرههم وإنما كونهم جماعة وظيفية وسيطة تشكل عنصراً استيطانياً غريباً، يُوطَّن (أي يُستورَد) ويُصدَّر ولا يضرب بجذوره في أي مكان، تماماً مثل الجنود المرتزقة. والجماعة الوظيفية الوسيطة تلعب دورها، ثم يستغنى عنها المجتمع فينبذها، فتنتقل إلى مجتمع آخر، وهكذا. وعادةً ما تستغني المجتمعات عن الجماعة الوظيفية الوسيطة حينما تظهر هياكل مركزية للإدارة (وهذا ما حدث في حالة إنجلترا عام 1290 وفي فرنسا في أواخر القرن الرابع عشر وفي إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر) أو حينما تظهر طبقات محلية بديلة (وهذا ما حدث في معظم أوربا بالتدريج ابتداءً من القرن الثاني عشر) .

والجدير بالملاحظة أن المدن في العصور الوسطى كانت صغيرة للغاية وأن عدد أعضاء الجماعات اليهودية في كل مدينة كان صغيراً ولا يُُعتد به من الناحية الإحصائية. إذ كان عدد يهود إنجلترا لا يزيد، حسب إحدى الروايات، على أربعة آلاف. وكانت أية جماعة يهودية لا تزيد على ألفين، وكانت الجماعة اليهودية تُعدُّ كبيرة إن زاد عدد أعضائها على بضع مئات. ومن هنا، فإن الحديث عن الطرد هو حديث عن طرد بضع مئات من التجار الغرباء. وكان الاستثناء الوحيد من القاعدة هو طرد اليهود من شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث بلغ عددهم مائة وخمسين أو مائة وعشرين ألفاً، وقد طُردوا مع مئات الألوف (ويُقال أكثر من مليونين) من المسلمين الذين رفضوا التنصر وفاقت أعدادهم أعداد اليهود. ويُلاحَظ أن اليهود كانوا، في كثير من الأحيان، يُطردون أو يفرون لبضعة أشهر ثم يعودون إلى مواقعهم مرة أخرى. ولابد من الإشارة إلى أن اليهود لم يكونوا الجماعة الوحيدة التي يتم طردها، فقد كان يتم طرد مختلف أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة الأخرى، مثل اللومبارد والكوهارسين. وأحياناً، كان يتم طرد إحدى الجماعات لتحل محلها جماعة أخرى تقدم شروطاً ائتمانية أفضل، فهذه الجماعات لم يكن يُنظَر إلى أعضائها باعتبارهم بشراً وإنما كان يُنظَر إليهم كأدوات إنتاج يمكن أن تحل الواحدة محل الأخرى.

وقد عمَّقت عمليات الطرد عدم تجذر اليهود في الحضارة الغربية وزادت هامشيتهم، وهي التي حددت إدراك العالم الغربي لهم. وتبدَّى هذا الإدراك في صورة «اليهودي التائه» . ومن هنا، فإن الحل الصهيوني للمسألة اليهودية (الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة) يَصدُر عن قبول فكرة طرد اليهود من أوربا وحتميتها. ويُعَدُّ وعد بلفور النقطة التي اتفقت فيها أوربا مع قيادات الجماعة اليهودية على أن يتم نقل اليهود من العالم الغربي إلى فلسطين (أي طردهم بطريقة سلمية مؤسسية) باعتبارهم عنصراً نافعاً يمكنه الاضطلاع بوظيفة قتالية دفاعاً عن المصالح الإمبريالية الغربية داخل إطار الدولة الوظيفية. كما أن الإبادة على يد النازيين، هي الأخرى، شكل من أشكال الطرد (من العالم الغربي إلى العالم الآخر) أخذ شكل التصفية الجسدية، وذلك بسبب عدم وجود مستعمرات ألمانية يُطرَدون إليها، وبسبب رفض بولندا السماح بدخول قطارات اليهود المطرودين إليها.
ويتضح قبول الطرد، كنقطة انطلاق في صهيونية يهود الغرب التوطينية، من واقع أن اللجان (الأليانس وغيرها) كانت تُشكَّل لنقل اليهود إلى أي مكان في العالم ماعدا المكان الذي استوطنوا فيه بالفعل (في بلاد غرب أوربا) . وقد أيد يهود الغرب الصهيونية الاستيطانية من منظور توطيني. كما أن المنظمات الصهيونية مازالت تشجع اليهود على الهجرة من روسيا وأوكرانيا بدلاً من الدفاع عن حقوقهم السياسية والمدنية وحقهم في التمتع بحياة كريمة في أوطانهم. ومن ثم، يمكن أيضاً تصنيف ذلك على أنه تقبُّل لحتمية خروج أو طرد اليهود من تلك البلدان، ويمكننا تصنيف الصهيونية على أنها حركة طاردة لليهود من أوطانهم المختلفة بهدف تجميعهم في بلد واحد، ويُطلَق على هذه العملية مصطلح «تجميع المنفيين» .

ومما يجدر ذكره أن أعضاء الجماعات اليهودية أنفسهم اشتركوا، أحياناً، في عملية طرد اليهود. وكان ضمن حقوق الجيتوات، في العصور الوسطى، ما يُسمَّى «تحريم الاستيطان» (بالعبرية: حيريم هايشوف) ، أي تحريم استيطان أي يهودي غريب على الجيتو فيه. ومن ثم، كانت هذه الجيتوات تطرد اليهود الغرباء منها. كما كانت هناك حالات في القرن الثامن عشر طالب فيها اليهود بطرد جماعات يهودية أخرى. فقد قدم يعقوب رودريجيز في عام 1760 التماساً إلى لويس الخامس عشر لطرد اليهود الألمان (الإشكناز) ، وأيده في ذلك الطلب المفكِّر والمموِّل اليهودي السفاردي إسحق دي بنتو. ووافقت الحكومة الفرنسية على الطلب ونُفِّذ الاقتراح في العام التالي.
ومن الظواهر التي تُفسَّر على أنها طرد لليهود، نتيجة العداء الكامن تجاههم، خروج اليهود من بلاد تأخذ بالنمط الاشتراكي في التنمية. ولعل أكثر الأمثلة بروزاً في هذا المجال هو كوبا. فبعد استيلاء كاسترو على الحكم، خرجت أعداد هائلة من اليهود حتى أوشكت الجماعة اليهودية على الاختفاء الكامل. وقد حدث الشيء نفسه في البلاد العربية التي نحت منحى اشتراكياً.
وإذا وضعنا هذه الظاهرة في سياقها التاريخي، يمكننا أن نفسر خروج اليهود بالأسباب التالية:
1 ـ يُلاحَظ أن النمط التنموي الاشتراكي يلجأ إلى تأميم قطاعات من الاقتصاد مثل المصارف ومنافذ التسويق حتى يمكنه التحكم في آليات السوق. ومثل هذه القطاعات هي التي يتركز فيها عادة أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة، ومن بينهم أعضاء الجماعة اليهودية بطبيعة الحال. كما أن الوضع نفسه ينشأ حينما تظهر الطبقات المحلية الوطنية وتشارك في العملية الاقتصادية وتُسيِّرها كما ترغب.

2 ـ ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية في العالم، منذ نهاية القرن الماضي، تتجه من بلاد متخلفة مثل روسيا إلى بلاد متقدمة تتبع الاقتصاد الحر مثل الولايات المتحدة وغيرها من البلاد الاستيطانية (أستراليا وكندا وجنوب أفريقيا) . ومن هنا يمكن تفسير خروج يهود كوبا.
3 ـ كما يُلاحَظ أن دول العالم الثالث، التي تخرج عن المسار الغربي، تمارس نوعاً من التضامن فيما بينها، وبالتالي فهي تأخذ موقفاً متعاطفاً من الدول العربية ومن منظمة التحرير الفلسطينية ومن كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار الغربي والصهيوني. وقد نجحت المنظمة من جانبها في أن تقيم علاقات مع الحركات الثورية في الأرجنتين ونيكاراجوا واليابان، وهو ما يخلق خطاباً سياسياً يولد إحساساً بعدم الأمن لدى أعضاء الجماعات اليهودية فتهاجر أعداد منهم، وتقع كوبا داخل هذا النمط. ومن المعروف أن نظام كاسترو بذل جهوداً غير عادية للدفاع عن حقوق المواطنين اليهود في كوبا، ولتيسير السبل لهم للتعبير عن هويتهم الدينية، وهذا يبين مدى تهافت فكرة كره اليهود.

وإذا قبلنا المقولة السابقة، فمن الممكن إعادة تفسير خروج اليهود من بعض البلاد العربية، مثل مصر وسوريا والجزائر، لا باعتباره طرداً وإنما باعتباره اتجاهاً ينتمي إلى الظاهرة نفسها، أي ظهور حكومات قومية محلية تستولي على الحكم وتعادي الاستعمار. والواقع أن ظهور مثل هذه الحكومات يجىء عادةً تعبيراً عن ظهور قوى محلية تشارك بشكل أكثر نشاطاً في الاقتصاد الوطني، وهو ما نجم عنه تأميم (تمصير وتعريب) بعض القطاعات التي كان يتركز فيها أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة (اليهود، واليونانيون، والإيطاليون) . كما أن كثيراً من الدول العربية دخلت في صراع ضد الاستعمار الغربي وضد الدولة الصهيونية حليفته الأساسية في المنطقة، الأمر الذي خلق توتراً شديداً بين الأغلبية وأعضاء الجماعة اليهودية الذين تدَّعي الدولة الصهيونية تمثيلهم. وفي بعض الأحيان، كان أعضاء الجماعة اليهودية يتعاونون مع الدولة الصهيونية ـ كما حدث في حادثة لافون ـ كما أن الأغلبية العظمى من يهود العالم العربي، جاءوا إما من العالم الغربي (أساساً) مع الموجة الاستعمارية أو حصلوا على جوازات غربية للاستفادة من قوانين الامتيازات، ليلعبوا دور الجماعة الوسيطة بين الاستعمار والسكان المحليين. ومع تراجُع الاستعمار، كان لابد لهذه الجماعات (مثل اليونانيين والإيطاليين) أن يخرجوا معه. كما أن الدولة الصهيونية، بالقياس إلى كثير من دول العالم، تتمتع باقتصاد متقدم توجد فيه فرص كثيرة للنشاطات الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد الحر، وبالتالي فهي تمثل نقطة جذب بالنسبة إلى يهود العالم العربي، تماماً كما تمثل الولايات المتحدة نقطة جذب بالنسبة إلى اليهود الروس (ولذا، فهم لا يهاجرون إلى إسرائيل التي لا يمكنها أن تحقق لهم حراكاً اجتماعياً مماثلاً) . والواقع أن خروج اليهود من البلاد العربية هو جزء من حركية مركبة ولا يمكن أن يُسمَّى «طرداً» ببساطة وآلية.

أما يهود العراق، فإن الأوضاع نفسها السابقة تنطبق عليهم، إلى جانب قيام العملاء الصهاينة بارتكاب أعمال تخريبية لإجبارهم على الهجرة. وقد نجحت المنظمة الصهيونية، بسعيها الحثيث، في تهجير يهود اليمن. ولا يمكن أن نعتبر كل هذه العمليات عمليات طرد!
تدنيس خبز القربان المقدَّس
‏Desecration of the Host
«تدنيس خبز القربان المقدَّس» عبارة تعني اتهام اليهود بأنهم لم يندموا على قيامهم بصلب المسيح (عيسى بن مريم) بل ويدنسون خبز القربان (الذي يتحول إلى جسد المسيح في القداس المسيحي) فيدوسونه بأقدامهم ثم يضربونه بوخزه وطعنه حتى يجددوا عذاب المسيح. كما تعني اتهام اليهود بالحصول على هذا الخبز عن طريق سرقته. وقد شاع هذا الاتهام في أوائل القرن الثالث عشر بعد أن اعترف المجمع اللاتراني الرابع عام 1215 بمبدأ تحوُّل خبز القربان وخمره إلى جسد المسيح ودمه. والاتهام مضحك وسخيف، فهو يفترض أن اليهود يؤمنون بمبدأ تحوُّل خبز القربان، وهو أمر بطبيعة الحال مستحيل. ولكن من منظور عنصري، لا يُعَدُّ عدم الاتساق أمراً مهماً، بل إن عدم الاتساق ذاته قد يُوظَّف لتأكيد صورة اليهودي لا من حيث هو منكر للمسيح وإنما من حيث هو شخص يؤمن فعلاً بالمسيح بل ويرى بنفسه ألوهيته ولكنه، مع هذا، ينكره ويتمادى في تعذيبه بعد أن قام بصلبه.
وتهمة تدنيس خبز القربان، مثل تهمة الدم والتهم الأخرى التي تعبِّر عن معاداة اليهود، هي نتاج الوجدان الشعبي في لحظات إحباطه وحيرته. فالجماهير البائسة لم تكن تفهم مصدر بؤسها، فكانت تفسره على أساس أنه من صنع اليهود الأشرار أعداء المسيح، خصوصاً وأن هؤلاء الأشرار كانوا أيضاً يشتغلون بالتجارة والربا، كما كانوا قريبين من النخبة الحاكمة التي تستخدمها كأدوات لها.
تهمة الدم
‏Blood Libel

«تهمة الدم» هي اتهام اليهود بأنهم يقتلون صبياً مسيحياً في عيد الفصح سخرية واستهزاء من صلب المسيح. ونظراً لأن عيدي الفصح المسيحي واليهودي قريبان، فقد تطورت التهمة وأصبح الاعتقاد أن اليهود يستعملون دماء ضحيتهم في شعائرهم الدينية وفي أعيادهم، وبخاصة في عيد الفصح اليهودي، حيث أُشيع أن خبز الفطير غير المخمر (ماتزوت) الذي يُؤكل فيه يُعجَن بهذه الدماء. وقد تطورت الإشاعة، فكان يُقال إن اليهود يُصَفّون دم ضحاياهم لأسباب طبية أو لاستخدامه في علاج الجروح الناجمة عن عملية الختان، بل ولاستخدامه كمنشط جنسي.
وتمتد جذور تهمة الدم إلى عصر اليونان والرومان، أي إلى ما قبل العصور المسيحية، فقد أتى في كتابات كلٍّ من الكاتبين اليونانيين آبيون (السكندري) وديموقريطس إشارة إلى أن اليهود يقدمون ضحايا بشرية إلى آلهتهم. ولكن هذا الادعاء لم يصبح جزءاً من الصورة الإدراكية العامة في الوجدان الغربي لليهود، ولم تُوجَّه هذه التهمة إليهم بشكل متكرر إلا في العصور الوسطى.

وقد وُجِّهت أول تهمة دم لأعضاء الجماعات اليهودية في إنجلترا في القرن الثاني عشر، في وقت كانوا يمارسون فيه نشاطهم التجاري والمالي والربوي، وهو ما كان يعني أن هناك أفراداً كثيرين اقترضوا أمولاً من المرابي اليهودي ولم ينجحوا في تسديدها وأن ملكية بعض أراضيهم أو ربما منازلهم قد آلت إليه. ففي عام 1144، اتُهم أعضاء الجماعة اليهودية في نورويتش بأنهم ذبحوا طفلاً يُدعَى ويليام عمره أربعة أعوام ونصف في الجمعة الحزينة (وقد نُصِّب قديساً فيما بعد) . كما ذكر أحد اليهود المتنصرين أن من المعتاد أن تقوم إحدى الجماعات اليهودية في إحدى مدن أوربا بذبح طفل مسيحي في يوم عيد الفصح المسيحي (إيستر) الذي يقع عادةً في التاريخ نفسه الذي يقع فيه عيد الفصح اليهودي (بيساح) . ثم وُجِّهت تهم دم أخرى في مناطق مختلفة من إنجلترا بين عامي 1168 و1192. أما في فرنسا، فقد وُجِّهت التهمة إلى الجماعة اليهودية في بلوا عام 1171. كما وُجِّهت خمس عشرة مرة في القرن الثالث عشر، ومن بينها حالة هيو من بلدة لنكولن عام 1255 والتي يذكرها تشوسر في حكايات كانتربري. وقد استمر توجيه التهمة حتى منتصف القرن العشرين، ومن أشهرها حادثة دمشق عام 1840، وقضية بيليس عام 1911. وتُعَدُّ حادثة دمشق التي حدثت في العالم الإسلامي استثناءً، إذ أن الظاهرة تكاد تكون مقصورة على العالم المسيحي.
وكانت تهمة الدم تأخذ الشكل التالي: يختفي شخص مسيحي (في العادة طفل) ، أو يوجد مقتولاً، فيتذكر أحد الأشخاص أن هذا الطفل أو الشخص شُوهد آخر مرة بجوار الحي اليهودي، أو أن هناك عيداً يهودياً (عادةً عيد الفصح) تتطلب شعائره دم نصراني، ومن ثم، كانت تُوجَّه لأعضاء الجماعة اليهودية تهمة قتله ويُقبَض على بعضهم، ويتم تعذيبهم ثم يُشنَق عدد منهم أحياناً.

ويُشير الصهاينة إلى تهمة الدم باعتبارها أكبر دليل على أن عالم الأغيار يرفض اليهود ويفتك بهم، وبالتالي لابد أن يكون لهم وطن قومي. ولكننا لو وضعنا هذه الوقائع في سياقها التاريخي، فإنها ستكتسب دلالة جديدة وسيمكننا فهمها بشكل أعمق.
لقد ظهرت تهمة الدم بعد تحوُّل اليهود في العالم الغربي إلى جماعة وظيفية وسيطة تشتغل بالتجارة والربا. وكانوا يُشبَّهون آنذاك بالإسفنجة التي تمتص نقود الطبقات كافة، والطبقات الشعبية على وجه الخصوص، ثم يقوم الإمبراطور أو الأمير أو الحاكم باعتصارهم لحسابه بعد ذلك (وهو الأمر الذي لم تكن تدركه هذه الطبقات الشعبية بطبيعة الحال) . ومن هنا، كانت الإشارة إلى اليهود (كجماعة وظيفية وسيطة لا كيهود) على أنهم مصاصو دماء، ولم يكن من الصعب على الوجدان الشعبي أن يسقط في الحرفية ويحوِّل المجاز إلى حقيقة واقعة.
وكان توجيه تهمة الدم يعني، في واقع الأمر، شنق بعض اليهود من بينهم عدد كبير من المرابين، حيث كان الربا من أهم الوظائف التي اضطلع بها اليهود في التشكيل الحضاري الغربي. وكان هذا يعني، في كثير من الأحيان، إسقاط الديون، أي أن توجيه تهمة الدم يشبه، من بعض الوجوه، التخطيط لسرقة بنك من البنوك على يد عصابة شعبية، وكان شنق اليهود بمثابة النجاح في هذه العملية، وهي عملية تشبه أيضاً عمليات روبين هود الذي كان يسرق من الأثرياء ليعطي الفقراء، وهو ما جعل جرائمه تحظى بشعبية كبيرة، بل وكانت الجماهير تحيطه بحمايتها.
وكانت الخزانة الملكية ذاتها تستفيد أحياناً من تهمة الدم حيث ترث ديون المرابي الذي يُشنَق أو يُطرَد، كما أن النخبة الحاكمة كانت تنتهز مثل هذه الفرصة لتعرض على اليهود تجديد المواثيق الممنوحة لهم والتي تتضمن حمايتهم وتكفل لهم المزايا نظير مبالغ جديدة يدفعونها.

ويبدو أن تهمة الدم صورة نمطية تتكرر في الوجدان الشعبي حينما يدرك «الآخر» ، وهي عادةً اتهام يستخدمه فريق ضد أعدائه ليسقط عنهم إنسانيتهم. فقد اتُهم الغجر بأنهم يخطفون الأطفال ويمصون دمهم. كما وجَّه اليهود التهمة نفسها إلى المسيحيين الأوائل (حسبما جاء في كتابات أوريجين) . وجاء في أحد كتب المدراش أن فرعون مصر حاول أن يحصل على الشفاء من البرص بذبح مائة وخمسين طفلاً يهودياً كل صباح وكل ظهر ليستحم في دمهم. كما أن بعض كتب الهاجاداه محلاة بصور لتهمة الدم الموجهة إلى فرعون مصر. وقد وُجِّهت التهمة كذلك إلى الغنوصيين من قبَل المسيحيين، وإلى إحدى الفرق الدينية الإيطالية عام 1466 من قبل الجماهير. واتُهِم المبشرون المسيحيون في الصين عام 1870 بأنهم يسرقون الأطفال الصينيين ليصنعوا من دمهم دواء سحرياً. واتُهم الأجانب في مدغشقر عام 1891 بابتلاع قلوب بعض السكان المحليين. أما الرهبان الدومينكان، فقد اتهمهم خصومهم من الرهبان الفرنسيسكان باستخدام دم وحواجب طفل يهودي في بعض شعائرهم السرية! ومعنى هذا كله أن تهمة الدم لم تكن مقصورة على اليهود. وإذا كان مرابون آخرون، مثل اللومبارد والكوهارسين (وهم مسيحيون) ، لم تُوجَّه إليهم (بحسب علمنا) تهمة الدم، فقد وُجِّهت إليهم تهم أخرى لا تقل عنها سوءاً، كما أنهم كانوا أيضاً عرضة للطرد والمصادرة والشنق.
وساعد تكرار تصوير الدم والقتل في العهد القديم على إلصاق التهمة باليهود دون المرابين المسيحيين. كما أن شعائر اليهود الدينية، وخصوصاً شعائر عيد الفصح، كانت تثير الريبة في نفوس أعضاء الأغلبية، الأمر الذي كان يجعلهم يبحثون عن تفسير لها. هذا، مع العلم بأن قوانين الطعام اليهودية تمنع شرب الدم كما تمنع أكل اللحم قبل تصفية الدم منه. ويبدو أن ممارسة الختان والذبح الشرعي غذيا هذه الأوهام، حتى سُمِّي اليهود «أهل السكين» .

ولم يكن اليهود يقفون في مجابهة مع كل الأغيار كما يدَّعي الصهاينة، فقد كانت النخبة الحاكمة (الكنيسة والإمبراطور والملوك) تدافع عن أعضاء الجماعة ضد هذه التهم التي كان يوجهها إليهم عامة الشعب. فبيَّن البابا إنوسنت الرابع، في مرسوم صدر عام 1245، أن التهمة باطلة وحرم على المسيحيين توجيهها إلى اليهود. ودافع البابا جريجوري العاشر، في مرسوم صدر عام 1274، عن اليهود، كما فعل بابوات آخرون الشيء نفسه. وفي عام 1758، أصدر الكاردينال لورنز جانجانلي (البابا كليمنت الرابع عشر فيما بعد) مذكرة يدين فيها تهمة الدم. وقد أصدر التحريم نفسه الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني (1194 ـ 1250) ، وإمبراطور النمسا رودولف من أسرة الهابسبرج عام 1275. وحاول الكثير من المسيحيين والعلماء تفنيد التهمة وإقناع الناس ببطلانها، ولكنهم فشلوا في مسعاهم واستمرت تهمة الدم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصورة اليهودي حتى عهد قريب.
أما في حادثة دمشق، فقد كانت تهمة الدم مرتبطة بالصراع بين الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي اللذين كانا يتنافسان على مد نفوذهما عن طريق حماية أعضاء الأقليات الدينية. فكان الفرنسيون يحمون الكاثوليك والمارونيين الذين وجهوا تهمة الدم. أما الإنجليز، فإنهم نظراً لعدم وجود مسيحيين بروتستانت بأعداد كبيرة في العالم العربي كانوا يقومون بحماية اليهود! خصوصاً وأن روسيا، وهي بلدهم الأصلي، لم تكن مهتمة بهم كثيراً بسبب وجود المسيحيين الأرثوذكس، كما أن روسيا لم يكن لها أطماع في الشرق الأوسط إذ أن مشروعها الاستعماري كان موجَّهاً إلى مناطق أخرى. وقد أصدر السلطان العثماني فرماناً جرَّم فيه تهمة الدم.
حادثة دمشق
‏Damascus Affair

تُعتبَر حادثة دمشق من أشهر تهم الدم، وقد وقعت عام 1840 حين كانت سوريا تحت الحكم المصري. وتكاد تكون هذه الحالة المرة الوحيدة التي وجِّهت فيها تهمة دم لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي. فقد اتُهم يهود دمشق بقتل راهب من الفرنسيسكان يُدعَى الأب توماس الكبوشي وخادمه المسلم إبراهيم عمارة لاستخدام دمائهما في أغراض شعائرية وفي صنع خبز عيد الفصح غير المخمر (ماتزوت) . وقد أُشيع أن الأب توماس شوهد آخر مرة وهو يهم بالدخول إلى حارة اليهود، فتم تفتيش الحي اليهودي بتحريض من الكاثوليك المحليين يتزعمهم القنصل الفرنسي، وقُبض على زعماء اليهود ومات منهم اثنان أثناء التحقيق، وأشهر واحد إسلامه وحُكم على الباقين بالإعدام.
وقد تفاقمت ردود فعل هذه القضية بسبب الصراع السياسي للأوربيين للحصول على النفوذ في الشرق الأوسط. ولا يمكن رؤية هذه الحادثة إلا في إطار النشاط التبشيري الاستعماري في فلسطين والشام، والذي كان تعبيراً عن الصراع بين الدول الاستعمارية الكبرى. إذ كانت كل دولة تحمي أعضاء جماعة دينية بعينها، فكان الروس يحمون الأرثوذكس وكان الفرنسيون يحمون الكاثوليك. وربما لعدم وجود عدد كبير من البروتستانت، قام الإنجليز «بحماية» اليهود. ومن هنا، يُعَد الصراع بين الكاثوليك المحليين (بزعامة القنصل الفرنسي) واليهود تعبيراً عن الصراع على النفوذ. ومما له دلالته أن احتجاج يهود فرنسا ومناشدتهم لحكومتهم لم يأت بنتيجة، في حين أدى احتجاج يهود إنجلترا إلى تحرك بالمرستون ومطالبته محمد علي بأن يعامل اليهود معاملة حسنة (باعتبارهم عنصراً يهدف إلى حمايته) ، وأدى تدخُّل أدولف كريميه وموسى مونتفيوري ومقابلتهما لمحمد علي في الإسكندرية، ثم لقاؤهما مع السلطان عبد الحميد في إستنبول إلى الإفراج عن المتهمين وإسقاط التهمة عنهم.
وقد أصدر السلطان العثماني فرماناً يدين تهمة الدم ويعتبرها قذفاً في حق اليهود.

مندل بيليس (1874-1934 (
‏Mendel Beilis
عامل بناء روسي وجِّهت إليه تهمة الدم، حيث اتُهم عام 1911 بأنه استدرج طفلاً روسياً إلى أحد الكهوف خارج المدينة وقتله بطعنه أربعاً وسبعين طعنة، ثم صفى كل دمه كما جاء في تقرير الطبيب الشرعي. وكان الجو مواتياً في روسيا لتصديق مثل هذه الافتراءات، إذ كانت الحكومة القيصرية تلقي باللوم على اليهود في محاولتها تبرير كثير من المشاكل. وتم القبض على بيليس وأُحضر سكيران ليشهدا بأنهما رأياه يختطف الطفل، واستمر التحقيق عامين. ولكن رئيس البوليس السري الروسي في كييف توصَّل إلى أن عدداً من المجرمين غير اليهود تترأسهم إمرأة هم الذين قاموا بارتكاب الجريمة لأن الطفل كان قد أخبر الشرطة عن جرائم ارتكبوها. ومع هذا، استمرت المحاكمة لمدة شهر وتحولت إلى قضية تشغل الرأي العام. وبعد أن استجوب محامو المتهم الشاهدين، تراجع الشاهدان عن أقوالهما، واعترفت رئيسة العصابة التي قتلت الطفل بالجريمة. وفي عام 1913، أُفرج عن بيليس الذي هاجر إلى فلسطين ولكنه لم يستطع الاستمرار فيها، مثله مثل كثيرين غيره من اليهود، فهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1920 ومات هناك.
هجوم أو مذبحة (بوجروم (
‏Pogrom or Massacre
«بوجروم» كلمة روسية معناها «تدمير» أو «هجوم» أو «فتك» أو «مذبحة» . وعادةً ما تكون هذه المذبحة منظمة لتدمير جماعة أو طبقة معيَّنة. وقد دخلت الكلمة اللغات الأوربية بمنطوقها الروسي، وضاق مجالها الدلالي بحيث أصبحت تشير أساساً إلى الهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية، ولكنها تُستعمل مجازاً للإشارة إلى الهجوم على أعضاء الجماعات والأقليات الأخرى. وقد استُخدمت الكلمة للمرة الأولى في الإنجليزية عام 1905.

وقد عرف التاريخ القديم والوسيط والحديث مثل هذه الهجمات على أعضاء الجماعة اليهودية. ويمكن القول بأن أول بوجروم في التاريخ الإنساني هو هجوم المصريين على أعضاء الجماعة اليهودية (المرتزقة) في جزيرة إلفنتاين. ومن أشهر الهجمات الأخرى، هجمات بعض جيوش الفرنجة على أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب، وهجمات شميلنكي في بولندا في القرن السابع عشر على أعضاء الجماعة اليهودية في أوكرانيا. وتُعدُّ أهم الهجمات في العصر الحديث تلك التي نظمتها العناصر الرجعية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر (خصوصاً جماعة المائة السود) والتي يُقال إنها كانت تتم بموافقة النظام القيصري وممالأة وزراة الداخلية. وقد تصاعدت الهجمات قبل وبعد صدور قوانين مايو عام 1881، ومن أهمها مذبحة كيشينيف. كما نظَّم النازيون هجوم ليلة الزجاج المحطم (كريستال ناخت) في 9 - 10 نوفمبر 1938.
وتجب الإشارة إلى أن معظم هذه الهجمات كانت ذات طابع شعبي وتُعبِّر بشكل مشوه وغير مشروع عن تطلعات مشروعة للجماهير التي لم تكن تفهم آليات الاستغلال. فالهجوم على الحامية اليهودية في إلفنتاين هو هجوم على جماعة وظيفية قتالية موالية لقوة أجنبية غازية (الفرس) . كما أن هجمات الجماهير على اليهود في العصور الوسطى في الغرب كانت هجمات على واحدة من أهم أدوات السلطة في استغلال الجماهير، إذ كان اليهود هم المرابون وجامعو الضرائب. وتميل الأدبيات اليهودية المعاصرة إلى المبالغة في أعداد ضحايا هذه الهجمات، بينما تميل الدراسات الحديثة عن هذه الظاهرة إلى الأخذ بأرقام أقل كثيراً.

لكن الهجمات ليست أمراً مقصوراً على أعضاء الجماعة اليهودية، فمن المعروف أن الهجمات ظاهرة لها أسباب اقتصادية واجتماعية وحضارية تسم علاقة الأغلبية بالأقلية في لحظات التطاحن الاجتماعي وفي أوقات الانتقال والانحلال الاقتصادي والاجتماعي. وتُدبَّر هذه الهجمات ضد مختلف الغرباء، خصوصاً إذا كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بالنخبة الحاكمة وتقوم على خدمتها. فقد نُظِّمت هجمات ضد المرابين غير اليهود في العصور الوسطى مثل الكوهارسين واللومبارد، وضد الصينيين في جنوب شرق آسيا عبر تاريخهم، وقام الفرنسيون في أواخر القرن التاسع عشر بتنظيم هجمات على العمال الإيطاليين المهاجرين. وقد نظم الأفارقة السود المسلمون هجوماً (إبادة) على المسلمين الأفارقة من أصل عربي في موزمبيق في العصر الحديث، ونظم السنغاليون هجمات على الموريتانيين واللبنانيين في الآونة الأخيرة.
وبالمثل، تورَّط أعضاء الجماعات اليهودية في شن هجمات على كتل بشرية أخرى معادية لهم، فقد دبر اليهود مذبحة ضد اليونانيين في الإسكندرية في العصر الهيليني، ورد اليونانيون بدورهم على هذه المذبحة. كما قام الصهاينة العلمانيون في الدولة الصهيونية بحرق معبد يهودي في إسرائيل احتجاجاً على تشدد الدينيين. ويقوم المستوطنون الإسرائيليون بالهجوم على قرى الفلسطينيين وتدبير المذابح ضدهم.

وتتجه الكتابات الصهيونية إلى تصوير الهجمات على أعضاء الجماعات اليهودية باعتبار أنها أمر فريد يحدث لهم وحدهم، وأنها تعبير عن كُره أزلي لليهود، ونتيجة حتمية لوضع أعضاء الجماعات خارج فلسطين، وهو وضع يتسم (بحسب تصورهم) بخلل بنيوي أساسي. وتُحوِّل الصهيونية هذه الهجمات إلى مصدر أساسي للهوية اليهودية والوعي اليهودي، وتبين في الوقت نفسه أن تاريخ اليهود في المنفى لا قيمة له. وقد حاول المدعي العام الإسرائيلي في قضية أيخمان أن يستدر العطف على الشعب اليهودي بأن تلا قائمة بالهجمات التي دُبرت ضد اليهود عبر تاريخهم ولكن بعد عزلها عن سياقها التاريخي، فما كان من محامي أيخمان إلا أن أثار تساؤلاً مفاده: لمَ يستفز هذا الشعب كل الشعوب الأخرى عبر التاريخ؟ أوَ لا يدعو هذا الوضع إلى طرح احتمال أن يكون هذا الشعب مسئولاً عما يلحق به من مذابح؟

وتُثار، من آونة إلى أخرى، قضية دور الدولة اليهودية في صد الهجمات الموجهة ضد اليهود وهل يمكنها أن تقوم بذلك؟ ولكن النقاش حُسم مؤخراً حين صرح شامير بأن الدولة لا يمكنها أن تدافع عن اليهود أينما كانوا، كما كانوا يدَّعون، فأدواتها قاصرة، كما أن لها أولوياتها التي من أهمها الدفاع عن نفسها. وقد كتب أحد الدراسين بحثاً عن " ليلة الزجاج المحطم " وقد وصفها بأنها كانت هجوماً (بوجروم) تقليدياً إذ قامت السلطات النازية باستثارة غيظ الجماهير وحنقهم على اليهود وتركتهم يقتلون ويحطمون. ويستطرد الكاتب قائلاً إن الهدف من الهجوم (البوجروم) التقليدي هو إرهاب أعضاء الأقلية ووضعهم في مكانهم، ولكن الدولة النازية كانت تهدف لشيء مغاير تماماً وهو إبادة اليهود، ومن ثم فإن البوجروم لا يصلح بتاتاً أداة لإنجاز هذا الهدف فإذا كان عدد يهود بولندا ثلاثة ملايين، فإن إبادتهم تتطلب عدة مئات من السنين باعتبار أن عدد القتلى في ليلة الزجاج المحطم لم يتجاوز الخمسين. فإذا أضفنا إلى ذلك ملايين البولنديين والغجر، يتضح أن الهجمات العادية غير فعالة على الإطلاق لإنجاز مثل هذا المشروع الإبادي. كما لاحَظ الكاتب أن من المستحيل استثارة عاطفة الكره لدى الجماهير لمدة طويلة إذ لابد أن تفتر أية عاطفة بعد فترة، ومن المحتمل أن تتحول الاستجابة العاطفية من الكُره إلى التعاطف، خصوصاً إذا كان الضحايا من الأطفال أو العجزة أو الجيران.

لكل هذا، استبعدت الدولة النازية نظام الهجمات وتبنت بدلاً منه نموذجاً مختلفاً. فحل محل التلقائية والعاطفية التخطيط والحياد، وحل محل الهجوم المتقطع (الذي لا شكل محدد له) العمل المستمر المتكامل الذي يتبع منهجاً صارماً. وبدلاً من الغوغاء المتعصبة التي تطلق العنان لعواطفها، ظهرت البيروقراطية التي تكبح عواطفها ولا تكترث بالضحية لا حباً ولا كرهاً وتتبع أحدث أشكال الإدارة. ومن ثم، فإن الهجوم (البوجروم) ، رغم قسوته، يختلف في هدفه ومجاله وطبيعته عن عمليات الإبادة.
اضطرابات فيتميلخ
‏Fettmilch Riots

أحداث شغب مناهضة لليهود جرت في مدينة فرانكفورت الألمانية في أوائل القرن السابع عشر. وقد اندلعت هذه الأحداث في الفترة التي أعقبت اندلاع حرب الثلاثين عاماً والتي نتج عنها تدهوُّر حاد في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد. حيث وجَّه أفراد الشعب، وخصوصاً نقابات التجار والصناع، سخطهم لأعضاء الجماعة اليهودية في المدينة. فاليهود باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بالنخبة الحاكمة، خصوصاً الإمبراطور، كانوا محط كراهية مختلف الفئات والطبقات في المجتمع. ومع تأزم الأوضاع الاقتصادية، ازدادت حدة السخط والكراهية. وقد تزعم فنسنت فيتميلخ زعيم النقابات في فرانكفورت الحملة المناهضة لليهود، فقدَّم عام 1612 التماساً للإمبراطور يتهم فيه برلمان فرانكفورت بالفساد ومحاباة اليهود وطالب بفرض قيود اقتصادية على اليهود وتقليص عددهم في المدينة، ولكن الإمبراطور رفض هذا الالتماس. وفي عام 1614، دخلت بعض العناصر المؤيدة لفيتميلخ مجلس المدينة وطالبت بفرض قيود صارمة على اليهود من بينها طرد كل اليهود الذين يمتلكون أقل من 1500 فلورين فوراً. وقد رفض الإمبراطور مرة ثانية هذه المطالب، ولكن تم طرد 60 أسرة يهودية فقيرة. وإزاء ذلك، قام فيتميلخ على رأس أنصاره بمهاجمة الجيتو اليهودي وقاموا بنهبه وطرد 1380 من اليهود خارج المدينة. وفي أعقاب ذلك، أصدر الإمبراطور أوامره بإلقاء القبض على فيتميلخ. وفي عام 1616، تم إعدامه مع ستة من أعوانه، وقُطِّعت أجسادهم إلى أربعة أجزاء وعُلِّق رأس فيتميلخ على مسمار ضخم (ليكون عبرة للجميع) كما دُمِّر منزله وسُوِّي بالأرض وطُردت عائلته من المدينة. وسمح الإمبراطور بعودة اليهود المطرودين للمدينة وأمر بدفع تعويض لهم قدره 176.919 فلوريناً. وفي أعقاب ذلك، كان أعضاء الجماعة اليهودية يحرصون على الاحتفال سنوياً بيوم عودتهم إلى المدينة وأطلقوا على هذا اليوم اسم «بوريم فنسنت» .

وتدل هذه الحادثة على مدى ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية كجماعات وظفية ووسيطة بالطبقات الحاكمة والملوك. فقد رفض الإمبراطور الإذعان لمطالب فيتميلخ ولمطالب الجماهير في فرانكفورت، ثم أنزل أشد العقاب بفيتميلخ وأعوانه. ويعود كل هذا إلى حوسلة أعضاء الجماعات اليهودية، حيث كانوا عنصراً نافعاً يؤدي وظيفة اقتصادية مهمة، وكانوا أداة في يد الطبقة الحاكمة التي استفادت من خدماتهم التجارية والمالية لتكديس الثروات وتدعيم السلطان واستنزاف الجماهير، ومقابل ذلك كانت الطبقة الحاكمة تزودهم بالحماية والامتيازات التي تؤهلهم للاضطلاع بدورهم الوظيفي بكفاءة عالية.
كيشينيف
‏Kishinev
«كيشينيف» مدينة روسية في بيساربيا (التي ضُمت إلى روسيا عام 1812) وأصبحت مركزاً تجارياً وصناعياً مهماً، وكانت توجد فيها أقلية يهودية كبيرة وصل عددها عام 1847 إلى عشرة آلاف، أي 12% من مجموع سكان المدينة، ثم إلى ثمانية عشر ألفاً عام 1867، أي 21% من مجموع السكان، وخمسين ألفاً بعد ذلك التاريخ. وكانت أغلبية اليهود في هذه المدينة تعمل بالتجارة وصناعة الملابس والأخشاب والاتجار في المنتجات الزراعية، وهي قطاعات اقتصادية كانت مركزة في أيديهم. ومع هذا، كانت توجد نسبة كبيرة من المتسولين اليهود. وكان سكان كيشينيف من اليهود ينقسمون إلى أغلبية أرثوذكسية ونخبة مثقفة روسية. وقد افتُتحت أول مدرسة يهودية حديثة في روسيا عام 1836. وفي عام 1903 (يومي 19 ـ 20 إبريل) ، وقع هجوم (بوجروم) ضد أعضاء الجماعة اليهودية، إثر توجيه تهمة دم لبعضهم، قُتل فيها واحد وأربعون (32 رجل ـ 6 نساء ـ 3 أطفال) وجُرح خمسة وتسعون ودُمر سبعمائة وخمسة وخمسون منزلاً، ونُهب ستمائة محل، وحدثت بعض حالات اغتصاب. ويُقال إن الشرطة القيصرية لم تتدخل لحماية أعضاء الجماعة اليهودية.

ويتواتر ذكر هذه الحادثة في الكتابات الصهيونية، وتُصوَّر كما لو كانت جزءاً من مؤامرة الأغيار ضد اليهود. ولكن قارئ التاريخ الروسي يعرف أن القمع والإرهاب القيصريين كانا موجهين ضد مختلف الأقليات الدينية والعرْقية في روسيا، بل وضد الجماهير الروسية التي كان الحرس القيصري يطلق عليها النار بدون رحمة أو هوادة (كما حدث في مظاهرة الأب جابون التي وقعت في الفترة نفسها عام 1905) . ورغم تباكي الصهاينة على ما حدث، فإن الواقعة حدثت في عهد وزير الداخلية الروسي فون بليفيه الذي تفاوض معه الزعيم الصهيوني هرتزل (في العام نفسه الذي شهد وقوع الحادثة) للحصول على تأييد روسيا للمشروع الصهيوني. ولذا، يُلاحَظ أن المؤتمرات الصهيونية التي عُقدت آنذاك لم تذكر الحادث من قريب أو بعيد، ولم تحتج عليها، بل لزمت الصمت الكامل تجاهها حتى تضمن التأييد الروسي. ولا تزال هناك أقلية يهودية كبيرة نسبياً في كيشينيف في الوقت الحاضر يبلغ عددها اثنين وأربعين ألفاً.
ليو فرانك (1884-1915)
‏Leo Frank
أمريكي يهودي وُلد في تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، ونشأ في بروكلين، أحد أحياء اليهود المهمة في مدينة نيويورك. اتُهم ليو فرانك في قضية عام 1908، ويُقال إن انتماءه اليهودي كان عنصراً مهماً أثر في محاكمته وفي الأحداث التي تلتها. كان فرانك يعمل مديراً لمصنع أقلام في أتلانتا (ولاية جورجيا) حيث قُبض عليه بتهمة قتل فتاة بيضاء عمرها ثلاثة عشر عاماً تُدعَى ماري فيجان، بعد محاولة اغتصابها. وقد حُوكم فرانك وصدر حكم بإعدامه. وحينما خفف حاكم الولاية الحكم إلى السجن مدى الحياة، هاجمت مجموعة من المواطنين السجن واختطفوا فرانك وشنقوه في المدينة التي وُلدت ودُفنت فيها ضحيته المفترضة، وهو ما يُسمَّى في اللهجة الإنجليزية الأمريكية «لينشنج Lynching» وهي عملية الاختطاف والشنق. وقد صدر عفو عن فرانك عام 1986 وبُرئ اسمه من الجريمة التي نُسبت إليه.

ويُجرد الصهاينة هذه الواقعة من سياقها التاريخي ليفرضوا عليها معنى صهيونياً بحيث يظهر اليهودي وكأنه ضحية عنف الأغيار. ولو نظرنا إلى واقعة ليو فرانك بمنظار تاريخي، فسنكتشف أنه لم يكن يُنظَر إليه باعتباره يهودياً أساساً وإنما باعتباره رمزاً متبلوراً لعدة عناصر تاريخية واجتماعية وثقافية ليس لها علاقة وثيقة بيهوديته، شأنه في هذا شأن دريفوس. وأهم هذه العناصر على الإطلاق هو أن المجتمع، مسرح الواقعة، كان يخوض ثورة صناعية حقيقية متأخرة، مع كل ما يصاحب مثل هذه الانقلابات من ظروف صحية سيئة وأمراض اجتماعية عاش في ظلها أعضاء الطبقة العاملة من البيض المحليين أو المهاجرين المُقتلَعين من جذورهم الزراعية، سواء في أوربا أو جنوب الولايات المتحدة. والواقع أن من أهم مظاهر الثورة الصناعية تركُّز السكان في المدن، وقد تضاعف عدد سكان مدينة أتلانتا بين عامي 1900 و1913، إذ زاد من نحو 89.870 إلى نحو 173.713، وهو يُعَدُّ أعلى معدل ارتفاع لأي مدينة أمريكية في الفترة نفسها باستثناء برمنجمهم (بولاية ألاباما) . وكان نمو المدينة عشوائياً، ولذلك لم تكن هناك المؤسسات اللازمة للحياة الإنسانية الكريمة، مثل: أماكن الترويح، أو أماكن السكن، أو ما يكفي من المستشفيات العامة ... إلخ. وكانت أتلانتا تعاني من أزمة مساكن، فقد كان هناك حوالي 30.308 من المساكن لنحو 35.813 أسرة، وكان نصف المساكن بلا مياه، وكان نحو 50 ألف شخص يعيشون في منازل لا يوجد بها نظام للصرف الصحي. وكانت نسبة تلوث الجو عالية للغاية، ولهذا انتشرت الأمراض مثل التيفود وغيره من الأمراض، وارتفعت معدلات الوفاة، ويُقال إن 90% من المساجين كانوا يُعانون من مرض الزهري. وقد زاد فقر سكان أتلانتا بشكل رهيب، وكان الأجر اليومي للطفل لا يزيد عن 20 سنتاً، وكان الأجر الأسبوعي لماري فيجان دولاراً وعشرين سنتاً.

ولم يكن الجو موبوءاً من الناحية المادية وحسب، وإنما كان موبوءاً من الناحية الأخلاقية أيضاً، وهذا أمر متوقع في مثل هذا المجتمع، حيث انتشرت مختلف أنواع الجرائم: السرقة والقتل والدعارة والسُكْر. وكانت نسبة الجريمة في أتلانتا من أعلى النسب في الولايات المتحدة وتُعادل نسبتها في شيكاغو عاصمة الجريمة في العالم. وقد قبض البوليس عام 1907 على 17 ألف شخص من مجموع السكان البالغ عددهم 102.700 في ذلك العام. ومع هذا، كان جهاز الشرطة هزيلاً للغاية، إذ أن مجموع عدد العاملين في قوة الشرطة لم يكن يزيد على مائتي شرطي. وكانت توجد في هذه المدينة الواسعة نقطة شرطة واحدة، ولذا، كان كثير من المجرمين يفرون من قبضة القانون. وفي عام 1912/1913 بالذات، كانت هناك اثنتا عشرة جريمة قتل، لم يتم الاهتداء إلى مرتكبيها.

هذه هي بعض مظاهر الثورة الصناعية في أتلانتا. ولنا أن نلاحظ أن هذه الثورة كانت في الواقع جزءاً من عملية غزو واسعة، فالجنوب الأمريكي، مسرح الواقعة، كان لا يزال يشعر بمذاق الهزيمة في الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) حين هزمه الشمال الصناعي وأكد سلطة الحكومة الفيدرالية على حساب استقلال الولايات. وقد فقد ما يقرب من 600.000 شخص حياتهم إبَّان هذه الحرب. وبعد انتصار الشمال فُتحت الولايات الجنوبية (المتخلفة نسبياً وذات الاقتصاد الزراعي) لرأس المال الشمالي والنخبة الشمالية التي أسست الصناعات وغزت السوق. ويرى بعض المؤرخين أن العلاقة بين الشمال والجنوب كانت علاقة شبه كولونيالية، وأن ما يسميه الشماليون «توحيد» الولايات المتحدة هو في واقع الأمر «غزو» شمالي للجنوب وهيمنة عليه. وهو غزو لمجتمع زراعي كانت تسوده علاقات شبه إقطاعية توجد على قمته أرستقراطية تعتز بمكانتها الرفيعة وبقيم الشرف والالتزام الإقطاعي، وقد كان ذلك المجتمع مجتمعاً أنجلو ساكسونياً بروتستانتياً متجانساً لم يستوطن فيه ملايين المهاجرين كما حدث في بقية الولايات المتحدة، وبخاصة في الساحل الشرقي. وكانت مؤسسة الأسرة قوية جداً في مجتمع الجنوب وتتسم بقدر كبير من التماسك. وكانت المرأة رمز هذا التماسُك الأسري، ومحط تقديس المجتمع. لكن أعضاء مثل هذا المجتمع الزراعي الأرستقراطي عادةً ما ينظرون بقدر من الاحتقار، بل والبغض أحياناً، إلى الاقتصاد النقدي المبني على التعاقد وعلى آليات العرض والطلب.

وقد كانت شكوكهم في محلها، فبعد توحيد الشمال مع الجنوب فُتح الجنوب أمام الصناعات الشمالية التي هاجرت لتستفيد من العمالة الرخيصة والأراضي قليلة التكاليف والسوق البكر، وهي صناعات لم تخدم تقاليد المجتمع كثيراً، بل ساهمت في تفكيك نسيجه المجتمعي وفي تحطيم بناء الأسرة، فكان الأطفال يعملون في المصانع ساعات طويلة، وكذا النساء. وأدَّى دخول الصناعات إلى تزايد معدلات التحديث والعلمنة بكل ما يتبع ذلك من تفكك اجتماعي، في المراحل الأولى على الأقل، خصوصاً وأن هذه الصناعات لم تظهر نتيجة تطوُّر عضوي وتفاعُل عناصر محلية وظهور بورجوازية في رحم المجتمع ذاته، وإنما فُرضت عليها فرضاً من مجتمع اليانكي الشمالي.
كان ليو فرانك رمزاً لهذه القوة الغازية، فقد كان شمالياً في الجنوب، صاحب ومدير مصنع في مجتمع زراعي ينظر بعين الشك إلى الصناعة، يقوم باستئجار النساء والأطفال كعمالة رخيصة في ظل مجتمع يقدس الأسرة حتى عهد قريب. وكان يُشار إلى ماري فيجان على أنها «عاملة المصنع الصغيرة» ، أي أنها تحوَّلت إلى رمز الطفولة البريئة التي استغلها المستثمرون من الشمال. وكان فرانك عضواً في النخبة العلمانية المهيمنة التي لا تكترث كثيراً بالقيم التقليدية في وسط بيئة جنوبية عمالية مقتلعة من بيئتها الزراعية، لا تزال تؤمن بالقيم التقليدية والمسيحية وتحلم بالمجتمع المتماسك الذي دُمِّر إبَّان الحرب الأهلية. ولم تكن يهودية فرانك سوى البؤرة التي جمعت كل هذه العناصر السابقة وبلورتها، إذ أن المعركة الحقيقية كانت بين الشمال الصناعي الغازي والجنوب الزراعي الذي تم غزوه، وبين ضحايا التقدم من ناحية والصناعة وممثلي هذا المجتمع الجديد الرهيب من ناحية أخرى.

وقد يكون من المفيد، عند هذه النقطة، أن نتناول الانتماء اليهودي لفرانك. كان فرانك يشغل منصب رئيس فرع جماعة أبناء العهد (بناي بريت) اليهودية في المدينة. كذلك لابد أن نعرف، على وجه الدقة، موقف الجنوب الأمريكي من اليهود. لقد حدد الجنوب الأمريكي التضامن على أساس عرْقي بسيط (الأبيض مقابل الأسود) ، على عكس الشمال الذي حدده على أساس عرْقي ديني إثني مركب: أبيض بروتستانتي من أصل أنجلو ساكسوني، يليه أبيض كاثوليكي من أصل إيطالي وأيرلندي، ثم يليهم اليهودي الأبيض في المنزلة، ثم يأتي الأسود، كاثوليكياً كان أم بروتستانتياً في أسفل السلم العرْقي. ومن الواضح أن التعريف الجنوبي لم يستبعد اليهود وإنما صنفهم ضمن البيض، تماماً كما حدث في جنوب أفريقيا. الأمر الذي سمح لهم بدرجة عالية من الاندماج والحراك الاجتماعي، فأصبحوا جزءاً عضوياً من المجتمع، كما أصبحوا أعضاء في النخبة الحاكمة وامتلكوا الرقيق وتاجروا فيه، ولم تكن هناك صورة مستقلة لليهودي في الوجدان الأمريكي الجنوبي التقليدي.

لقد أشرنا من قبل إلى أن ليو فرانك كان رمزاً للقوة الغازية الشمالية. ويمكن أن نضيف هنا أنه، مع التحولات التي دخلت على الجنوب، اكتسبت كلمة «يهودي» مدلولاً جديداً. فلم يكن يهود جورجيا هم يهود الجنوب التقليديين القدامى وإنما كانوا عنصراً غريباً جديداً وافداً. وفي عام 1910، كان اليهود في أتلانتا (جورجيا) يشكلون أكبر جماعة من المهاجرين الأجانب، إذ بلغ عددهم 1342، أي 25% من مجموع الأجانب. ورغم أن نسبتهم لم تتجاوز 1% من عدد السكان، فإنهم كانوا يشكلون جماعة وظيفية وسيطة حققت بروزاً مشيناً. فقد كانوا يمتلكون معظم الحانات ومحلات الرهونات وبيوت الدعارة، وهذا جزء من ميراثهم الاقتصادي الأوربي، وكان زبائنهم من الزنوج أساساً. ويُقال إن بيوت الدعارة التي امتلكها اليهود كانت تزينها «صور نساء بيض لإثارة شهوة الزنوج الذين كانوا يحتسون الخمر في الحانات اليهودية وينطلقون بعدها كالوحوش» ، وهذه صورة إدراكية عنصرية، ولكنها على أية حال ربطت الجرائم الجنسية في ذهن سكان أتلانتا باليهود. وكان فرانك نفسه مشهوراً بمغازلة العاملات وملاحقتهن، ويُقال إن ماري فيجان نفسها اشتكت إلى صديقاتها من محاولات فرانك الإباحية. وقد تكون هذه الاتهامات باطلة تماماً، وقد يكون السلوك الإباحي المنسوب إلى فرانك لا يختلف عن سلوك أو حركات أي شخص جاء من مجتمع حضري مفتوح يتصرف بتلقائية في مجتمع مغلق فيُساء فهم سلوكه وحركاته. ولكن المهم إدراك الناس له ولسلوكه، خصوصاً وأن اشتغال اليهود بالمهن المشينة يدعم هذا الإدراك.
وإلى جانب هذه الخلفية الاجتماعية والتاريخية والثقافية، ثمة جانب إحصائي مهم. فالدراسات الصهيونية لا تكف عن الإشارة إلى قضية ليو فرانك وإلى الظلم الذي حاق به نتيجة اختطافه من السجن وشنقه بعد أن خفف الحاكم الحكم عليه. ولكن هذه الدراسات لا تذكر الحقائق التالية:

1 ـ لم يكن احترام القانون سمة سائدة في المجتمع الأمريكي ككل، وفي مجتمع أتلانتا على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال، قبضت الشرطة ذات مرة على كل الذكور القادرين لأن أتلانتا كانت تعاني من نقص في العمالة. ومن المعروف أن الشرطة اتُهمت عام 1909 بضرب أحد الزنوج ضرباً أفضى إلى موته، وأنهم قاموا بتقييد إمرأة بيضاء إلى الحائط حتى زهقت روحها.
2 ـ اندلعت عام 1906 اضطرابات، فهاجم السكان البيض حي السود لعدة أيام واشتبكوا معهم، فقتلوا عشرة زنوج وجرحوا ستين في حين قُتل من بينهم رجلان وجُرح عشرة، واضطرت المدينة إلى استدعاء الحرس الوطني. ويُقال إن الاضطرابات اندلعت نتيجة تقارير مثيرة نشرت في الصحف عن اعتداء السود على النساء البيض.
3 ـ كانت المدينة محتاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة، وبالتالي إلى مزيد من المهاجرين. ولكن كلما زاد عدد المهاجرين، كانت تزداد نسبة غضب السكان المحليين المقتلعين. ففي عام 1891، تم اختطاف وشنق أحد عشر مهاجراً إيطالياً. وفي عام 1899، اختُطف خمسة آخرون. وفي عام 1900، اختفى ثلاثة آخرون في ظروف غامضة.
4 ـ شهدت الفترة من 1889 إلى 1918 ألفين وخمسمائة حالة اختطاف وشنق (لينشنج) أخرى. وكان معظم ضحايا الاختطاف من السود، كما تم اختطاف قلة من أعضاء الأقليات الأخرى. ولكن لم يكن هناك سوى حالة واحدة فقط اختطف فيها يهودي وشنق، وهي حالة ليو فرانك وهي الحالة التي يرد ذكرها في الأدبيات الاختزالية الصهيونية وكأنها ظاهرة عامة متواترة! وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويتحول الخاص إلى عام، وتتحول الواقعة العابرة إلى رمز عالمي مركزي!
حادثة دريفوس
‏Dreyfus Affair

«حادثة دريفوس» يُشار إليها أيضاً بعبارة «واقعة دريفوس» ، وبطلها هو ألفريد دريفوس (1856 ـ 1935) الذي كان من كبار الضباط الفرنسيين، واليهودي الوحيد في هيئة أركان الجيش الفرنسي. وُلد في مقاطعة الألزاس باسم «مولهاوزن» لأسرة يهودية ثرية مندمجة في محيطها الفرنسي. ونظراً لأن اسمه ألماني الطابع، فقد غيره إلى اسمه الذي اشتهر به. وقد اتُهم دريفوس بسرقة وثائق سرية عسكرية بمساعدة الماسونيين، وتسليمها إلى الملحق العسكري الألماني في باريس، فوُجِّهت إليه تهمة الخيانة العظمى والتجسس لحساب ألمانيا عام 1894. وقامت السلطات العسكرية بمحاكمته، وتابعت الصحافة المعادية لليهود آنذاك الأحداث وعبأت الرأي العام ضده، الأمر الذي خلق جواً غير ملائم لضمان حياد المحاكمة. وفي نهاية الأمر، قضت المحكمة عليه بالسجن مدى الحياة، وجُرِّد من رتبته علناً أمام الجماهير، ونُفي إلى جزيرة الشيطان (ديفلز أيلاند) التي تقع على الساحل الأفريقي (وكانت مستعمرة فرنسية) . ورحبت الصحافة المعادية لليهود بالحكم.
ويُقال إن واقعة دريفوس تركت أثراً عميقاً في تيودور هرتزل لدرجة أنه اكتشف عبث محاولة الاندماج، فتبنَّى بدلاً من ذلك الحل الصهيوني. ولكن هذه الفكرة في حد ذاتها عملية تبسيط فجة للعوامل التي أدَّت بهرتزل إلى اقتراح الدولة الصهيونية حلاًّ للمسألة اليهودية. والحقيقة التي لا توردها المراجع الصهيونية هي أن هرتزل نفسه كان مقتنعاً في بادئ الأمر بأن دريفوس كان مذنباً وخائناً، ولا أحد يدري ما الذي جعله يغيِّر رأيه فيما بعد، ولكن هذا ليس هو موضوعنا الأساسي. وقد يكون من الأجدى وضع واقعة دريفوس في إطارها التاريخي والاجتماعي والإنساني.

ابتداءً، كان دريفوس محل شك المخابرات الفرنسية لأسباب وجيهة. فالقوات الفرنسية ذاتها كانت تجند كثيراً من يهود ألمانيا ويهود الألزاس واللورين للعمل كجواسيس لحسابها. ولذا، ساد الاعتقاد بأن ألمانيا أيضاً كانت تقوم بالشيء نفسه، وهو أمر متوقع. والجدير بالذكر أن هذا جزء من الإدراك الأوربي لأعضاء الجماعات اليهودية، وهو إدراك كانت تدعمه بعض الممارسات التاريخية. ففي القرن السابع عشر، لعب أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا دوراً أساسياً في عملية التجسس بين الدول. كما حاول أوليفر كرومويل أن يخطب ود أعضاء الجماعات اليهودية ويوطنهم في إنجلترا حتى يستفيد من خدماتهم كجواسيس له.
ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت كساداً اقتصادياً في أوربا، الأمر الذي أدَّى إلى انتقال أعداد كبيرة من المهاجرين إلى فرنسا، فجاء مهاجرون من إيطاليا وغيرها من البلدان الأوربية. وكان عدد العمال الإيطاليين عام 1872 نحو 112 ألفاً، فأصبح 300 ألف عام 1890، وجاء معهم قرويون (من القرى الفرنسية) يتحدثون لهجاتهم المحلية، مثل البريتون والأفيرنيان. كما هاجرت أعداد كبيرة من يهود الألزاس واللورين الذين لم يكونوا قد اصطبغوا بعد بالصبغة الفرنسية. ووصلت أعداد كبيرة كذلك من يهود شرق أوربا الذين يتحدثون اليديشية (وهي رطانة ألمانية) . وقد أدَّى كل هذا إلى زيادة عدد الأجانب. كما أن تزايُد يهود شرق أوربا ويهود الألزاس واللورين، على حساب العنصر اليهودي الفرنسي المحلي، أدَّى إلى تصنيف كل أعضاء الجماعة اليهودية على أنهم أجانب. ومن المعروف أن العناصر الأجنبية عادةً ما تتعرض في فترات الكساد الاقتصادي للهجوم من قبل أعضاء الأغلبية المحليين الذين يتهمون العناصر الوافدة بأنهم سبب الأزمة. كما أن العامل الأجنبي يرضى بأجر أقل ومستوى معيشي أكثر انخفاضاً، الأمر الذي يثير الحقد عليه.

وعلاوة على هذا، كان الجو العام في فرنسا آنذاك متوتراً، وخصوصاً إزاء أعضاء الجماعة اليهودية، بعد هزيمة الجيش الفرنسي على يد بروسيا عام 1870. وكانت العناصر الليبرالية التي تضم نسبة عالية من أعضاء الجماعة اليهودية تقف ضد فكرة الانتقام من ألمانيا. كما كان المد العلماني آخذاً في التزايد وفي الإصرار على فصل الدين عن الدولة. هذا إلى جانب أن الثورة الصناعية اقتلعت الكثيرين من جذورهم وأدَّت إلى إفقارهم وقذفت بهم في المدن الكبرى (مثل باريس) . وكان هؤلاء المُقتلَعون يشعرون بانعدام الأمان في المجتمع الجديد (بعلمانيته وثوريته وقيمه التجارية) والذي كان اليهود يوجدون في مركزه. وإلى جانب كل ذلك، كان هناك أيضاً عدد كبير من اليهود بين قيادة كومونة باريس في عام 1871. وأدَّى هذا كله إلى الربط بين الجماعة اليهودية والعناصر الثورية والعلمانية والفوضوية في المجتمع. ولكن من المفارقات التي تستحق التأمل أن أعضاء الجماعات اليهودية ارتبطوا في الوقت نفسه في الوجدان الأوربي، منذ العصور الوسطى حتى العصر الحديث، بالمصالح المالية الكبيرة، والبنوك والشبكات المالية والتجارية، وهي صورة دعمها بروز أسرة روتشيلد في عالم التجارة والمال.
وهكذا، أصبح اليهودي رمزاً متبلوراً لكثير من العناصر محط شك الجماهير وكرهها، فهو الأجنبي البغيض، وهو الثوري العلماني التقدمي الذي يحمل لواء المجتمع الجديد المدمر، وهو أيضاً رجل المال الذي لا يكترث بأية قيم سوى الربح، ولا يرتبط بأي أرض سوى السوق. وقد كانت الصحف المعادية لليهود تشير إلى دريفوس باعتباره ألزاسياً وأجنبياً وعضواً في طبقة المموِّلين الأثرياء.

وقد انضمت أعداد كبيرة من ضحايا الثورة الصناعية إلى التنظميات المعادية لليهود التي كانت تستخدم خليطاً جذاباً ومريحاً من الديباجات المسيحية والاشتراكية والعرْقية وتطرح صورة للمجتمع المبني على التضامن المسيحي والتكافل الاجتماعي والتعاون الاقتصادي (جماينشافت) ، تلك الصورة التي تقف على الطرف النقيض من المجتمع الصناعي الجديد المبني على التنافس والتفاؤل، الذي يؤمن بإمكانية البقاء للأصلح والأقوى وحسب (جيسيلشافت) . وقد انضمت أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية المتركزون في العاصمة إلى القوى العلمانية والتقدمية التي أدارت المعركة مع العناصر الدينية والمحافظة. فاليهودي كان رمزاً مهماً بلا شك للقوى الجديدة، ولكنه لم يكن قط أحد أطراف المعركة بل كان جزءاً من كل، فهو جزءٌ من القوى الاجتماعية المتصارعة في المجتمع الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر والتي كانت كل واحدة منها تحاول أن تصوغ المجتمع حسب رؤيتها. وقد حولت هذه القوى قضية دريفوس إلى حلبة للصراع فيما بينها.
ففي عام 1896، اكتشف جورج بيكار رئيس مخابرات الجيش الفرنسي، وبطل واقعة دريفوس الحقيقي، أدلة تثبت براءته من التهمة المنسوبة إليه، وتشير بأصابع الاتهام إلى شخص آخر هو الميجور إسترهازي الذي لعب دوراً مهماً في سير أحداث القضية بحيث انتهت إلى الإدانة التامة للكابتن دريفوس. وحاول بيكار إقناع المسئولين بإعادة المحاكمة، ولكنه أُمر بالتزام الصمت ونُقل إلى تونس بسبب ذلك.

وقد شُنت حملة إعلامية مكثفة قادها المفكر الفرنسي اليهودي برنارد لازار للمطالبة بإعادة النظر في القضية حيث كتب عدة مقالات دافع فيها بحماس عن دريفوس، كما طالب رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي بإعادة النظر في القضية لاقتناعه ببراءته. وتحت إلحاح الموقف المتفجر وإصرار بيكار، قُبض على الميجور إسترهازي وحوكم ذراً للرماد في العيون ولكن سرعان ما بُرئ لعدم كفاية الأدلة. فكتب الروائي الفرنسي إميل زولا سلسلة مقالات تحت عنوان «إني أتهم» هاجم فيها المحاكمتين، وكانت النتيجة أن اتُهم زولا بالقذف العلني وحكم عليه بالسجن ففر إلى إنجلترا.
وفجأة، برزت أحداث جديدة غيرت مجرى القضية، فقد انتحر الكولونيل هيوبرت جوزيف هنري أثناء استجوابه، وهو شاهد الإثبات الأول في القضية، بعد أن اعترف بتزويره الوثائق التي أدَّت إلى إدانة دريفوس. وعندما علم إسترهازي بحادث الانتحار اعترف بجريمته وفر إلى إنجلترا. وفي صيف عام 1899، أمرت محكمة النقض بإعادة محاكمة دريفوس على ضوء الأحداث التي استجدت. وتحت ضغط بعض الشخصيات من ذوي النفوذ في الجيش، أُعلن مرة أخرى أنه مذنب. وفي هذه المرة حُكم عليه، مع مراعاة الظروف المخففة، بالحبس عشر سنوات كان قد قضى خمساً منها في المنفى. وبعد عدة أيام أمر الرئيس الفرنسي إميل لوبيه بالعفو عنه. وقد حثه كثير من أصدقائه والمدافعين عنه على استئناف المعركة لإثبات براءته التامة، وذلك لأن القضية قضية مبدئية تتجاوز الأشخاص. غير أن ألفريد دريفوس نفسه لم يكن مدركاً للأبعاد السياسية التي اتخذتها هذه القضية، فكان كل ما يتمناه وتتمناه عائلته الثرية المندمجة هو الإفراج عنه سواء عن طريق العفو أو التبرئة، ولهذا، قبل قرار العفو. أما بيكار، فأصبح بطلاً قومياً ورقاه رئيس الجمهورية إلى مرتبة بريجادير جنرال، وعُيِّن فيما بعد وزيراً للحرب.

ثم فتحت محاكمة دريفوس، مرة أخرى، عام 1903 بضغط من القوى العلمانية والثورية وصدر الحكم بتبرئته، وأُعيدت له حقوقه السابقة، وعُيِّن في هيئة الأركان مرة أخرى بوظيفة ميجور ومنح نوط الشرف، ولكنه ما لبث أن ترك الخدمة. وقد عُيِّن أثناء الحرب العالمية الأولى قائداً لأحد قطاعات باريس برتبة كولونيل. ثم اعتزل الحياة العامة تماماً بعد ذلك وعاش في منزله بقية حياته غير مدرك للدلالات التاريخية والسياسية للواقعة التي ارتبطت باسمه (حسبما أخبرني أحد أفراد أسرتي الذي قابله في منزله عام 1934 حيث كان صديقاً لابنه) .
وقد عمقت هذه القضية الخلافات الموجودة بين مؤيدي وخصوم النظام الجمهوري في فرنسا، وأدَّت إلى تقوية الأحزاب الاشتراكية، كما كانت وراء القانون الذي صدر عام 1905 بفصل بقايا الدين عن الدولة.
المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية
‏Grand or World Jewish Conspiracy

يميل العقل الإنساني، إن لم يجد نموذجاً تفسيرياً ملائماً لواقعة ما، إلى ردها إلى يد أو أياد خفية تُنسَب إليها التغييرات والأحداث كافة. فالأحداث ـ حسب هذا المنظور ـ ليست نتيجة تفاعل بين مركب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة والمجهولة من جهة وإرادة إنسانية من جهة أخرى، وإنما هي نتاج عقل واحد وضع مخططاً جباراً وصاغ الواقع حسب هواه، وهو ما يعني أن بقية البشر إن هم إلا أدوات. ومن أهم تجليات هذا النموذج الاختزالي ما يُقال له «المؤامرة اليهودية الكبرى» أو «المؤامرة اليهودية العالمية» والتي تفترض أن أعضاء الجماعات اليهودية يُكوِّنون كلاًّ واحداً متكاملاً متجانساً، وأن لهم طبيعة واحدة، وأن اليهودي شخص فريد لا يخضع للحركيات الاجتماعية التي يوجد فيها، ولا ينتمي إلى الأمة التي يعيش بين ظهرانيها. وهو يقف دائماً مقابل الأغيار (غير اليهود) ، إذ أن ثمة خاصية ما في اليهود، وخصوصية كامنة فيهم، تجعل من العسير على كل المجتمعات الإنسانية دمجهم، أو استيعابهم، وتجعل اندماجهم فيها عسيراً.

ويتسم اليهود (حسب نموذج المؤامرة الكبرى) بالشر والمكر والرغبة في التدمير (فهذه أمور وُجدت في عقولهم بالفطرة وهي بُعد أساسي وثابت في طبيعتهم) ، وسلوكهم هو تعبير عن مخطط جبار وضعه العقل اليهودي الذي يخطط ويدبر منذ بداية التاريخ، والذي وضع تفاصيل المؤامرة الكبرى العالمية لتخريب الأخلاق وإفساد النفوس حتى تزداد كل الشعوب ضعفاً ووهناً بينما يزداد اليهود قوة، وذلك بهدف السيطرة على العالم (وربما لإنشاء حكومة عالمية يكون مركزها أورشليم القدس) . والتاريخ اليهودي بأسره إن هو إلا تعبير عن هذا النموذج وعن هذه المؤامرة الأزلية المستمرة، واليهود من ثم هم المسئولون في كل الأزمنة والأمكنة عن كل الشرور والمنكرات. فهم، على سبيل المثال، الذين أراقوا دم المسيح (حسب الرواية المسيحية) ، وهم الذين وضعوا السم للرسول عليه الصلاة والسلام، وهم وراء مؤامرة عبد الله بن سبأ (ثم أتباعه من بعده) للقضاء على الإسلام، وهم الذين قاموا بدس الإسرائيليات دساً على الدين الحنيف، بل يُنسَب إليهم ذبح الأطفال واستخدام دمهم في صنع خبز الفطير الذي يأكلونه في عيد الفصح.

وفي العصر الحديث يرى التآمريون أن اليهود وراء أشكال الانحلال المعروفة والعلنية (وغير المعروفة والخفية) في العالم الغربي والعربي، بل وفي كل أرجاء العالم. فهم وراء المحافل الماسونية التي أسسوها أداة لمؤامراتهم، وهم وراء البهائية التي تسعى لإفساد الإسلام وكل العقائد، وهم الذين أدوا إلى ظهور الرأسمالية بكل بشاعتها، والبلشفية بكل إرهابها، والإباحية بكل تدميرها، وهم يسيطرون على رأس المال العالمي والحركة الشيوعية ويتحكمون في الصحافة ووسائل الإعلام. وهم الذين ضغطوا على الإمبراطورية الإنجليزية وجعلوها تُصدر وعد بلفور. وهم الذين أسقطوا الدولة العثمانية من خلال يهود الدونمه وهم الذين يحركون الآن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية ويوجهون الإعلام الأمريكي ويجندون الصوت اليهودي، وذلك حتى يُسخِّروا الولايات المتحدة ويُرغموها، بما لديهم من نفوذ وسطوة وهيمنة، على تحقيق مآربهم وتنفيذ مصالحهم. وهم على اتصال بعالم الجريمة للمساعدة في إفساد العالم. والصهيونية ليست ظاهرة مرتبطة بحركيات التاريخ والفكر الغربي، وليست مرتبطة بظهور الإمبريالية الغربية وهيمنتها على العالم، وإنما هي مجرد تعبير عن هذا الشر الأزلي الكامن في النفس اليهودية الذي يتبدَّى في الغزو الصهيوني لفلسطين، وضرب المفاعل الذري العراقي وغزو لبنان وقمع الانتفاضة والهجرة اليهودية السوفيتية إلى فلسطين والسوق الشرق أوسطية ... إلخ. ومن أهم إفرازات هذا التصور الاختزالي الوثيقة المسماة بروتوكولات حكماء صهيون.

وقد ساعد على نشر التصورات التآمرية عن اليهود، شعائرهم الدينية المركبة التي لا يستطيع كثير من الناس فهمها. كما ساهمت النزعة الحلولية الانعزالية في الدين اليهودي، والتصورات اليهودية الخاصة بالشعب المختار، والمركزية الكونية والتاريخية التي يضفيها اليهود على أنفسهم، في تعميق شكوك غير اليهود فيهم. ومما لا شك فيه أن وجود اليهود، بوصفهم جماعات وظيفية متفرقة، داخل عديد من المجتمعات الغربية، تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة التي تحقق من خلالها قدراً كبيراً من النجاح التجاري والمالي قد عمَّق الرؤية التآمرية لليهود. وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسكها وقوتها في القرن السابع عشر حين كانت تنتظم يهود الأرندا في شرق أوربا، ويهود البلاط في وسطها وغربها، ويهود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبيريا والعالم الجديد، وخلق هذا الوجود الإحساس بالتنسيق فيما بينهم. ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي، بسبب انتشار قيم النفعية والعلمانية، ومع تركُّز اليهود في كثير من الحركات العلمانية والفوضوية، تعمَّق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية تهدف إلى السيطرة على العالم كما تهدف إلى إفساده.

والباحث المدقق سيكتشف أن الرؤية الاختزالية التآمرية لليهود لا تختلف في أساسياتها مطلقاً عن الرؤية الاختزالية الصهيونية لليهود. فكلا الفريقين يرى اليهود من خلال رؤية واحدية اختزالية ساذجة، تقوم بتبسيط دوافعهم ووجودهم في التاريخ إذ أنها تسقط عنهم زمنيتهم وتركيبيتهم وإنسانيتهم. فبدلاً من رؤية أعضاء الجماعات اليهودية كجزء من تواريخ بلادهم وحضاراتهم، فإنها تنظر إليهم باعتبارهم كياناً واحداً متماسكاً فريداً يتحرك داخل تاريخه اليهودي الخاص بمعزل عن المجتمعات التي يعيشون فيها. وبسبب هذا الاتفاق بين الفريقين نجد أن كلاًّ من التآمريين والصهاينة يتحدثون عن «الشعب اليهودي عبر التاريخ» وعن «الشخصية اليهودي في كل العصور» وعن «العبقرية أو الجريمة اليهودية في كل زمان ومكان» وهكذا.
ويُقدِّم كلا الفريقين تصوُّراً لليهود باعتبارهم كيانات بسيطة دوافعها وغاياتها بسيطة. فأعضاء الشعب اليهودي هذا، حسب رؤية التآمريين والصهاينة، لا يشعرون بالانتماء لأوطانهم، إذ أنهم أينما وُجدوا يحنون لصهيون ويدينون لها وحدها أو لحكومتهم اليهودية بالولاء، ومن ثم فاليهودي عادةً يعاني من ازدواج الولاء ولا يشعر بالاستقرار في وطنه، ونتيجةً لهذا يصبح شخصية مريضة لا تخضع للقوانين الإنسانية العامة، يقاوم الاندماج في الأغيار ويقع ضحية فريدة لعنفهم.

والخلاف بين التآمريين والصهاينة لا يوجد في التشخيص أو في الوصف أو في المنطلقات أو المسلمات ولا حتى في الحل وإنما في آليات الحل وحسب، أي أن الاختلاف بينهم اختلاف إجرائي بسيط وليس كلياً وشاملاً، فكلا الفريقين يطرح حلاًّ بسيطاً لمشكلة الكيان اليهودي المتماسك الفريد الذي يرفض الاندماج، ألا وهو ضرورة «خروج» اليهود من أوطانهم. ولكن بينما يرى التآمريون وأعداء اليهود أنه لا مناص من استخدام العنف في هذه العملية (من طرد وإبادة) ،فإن الصهاينة يرون أن الحركة الصهيونية يمكنها أن تشرف على عملية الخروج هذه بطريقة منهجية منظمة، بحيث لا يوجد أي مبرر للعنف. ومع هذا، لا يستبعد الصهاينة استخدام العنف كآلية لإخراج اليهود من أوطانهم، كما حدث عام 1951،حينما ألقى عملاء إسرائيل القنابل على أماكن تجمُّع أعضاء الجماعة اليهودية في العراق حتى يضطروهم للهجرة منها إلى الدولة الصهيونية الناشئة، وكما يحدث الآن حينما تضغط الحركة الصهيونية على الولايات المتحدة لتغلق أبوابها أمام اليهود السوفييت حتى يضطروا إلى الهجرة إلى إسرائيل.
وفكرة المؤامرة أكذوبة تلائم معظم الأطراف المشتركة في الصراع الإسرائيلي، فإسرائيل تستفيد كثيراً من هذا الفكر التآمري لأنه يضفي عليها من القوة ما ليس لها، ومن الرهبة ما لا تستحق، وهو في نهاية الأمر يجعلها تكسب معارك لم تدخلها قط.
كما أن الحكومات الأمريكية المختلفة تفسر للزعماء العرب عجزها عن مساعدة الحق العربي بتعاظم النفوذ الصهيوني في الكونجرس. أما الحكومات العربية، فإنها تُفسِّر تخاذلها وهزيمتها أمام العدو الصهيوني على أساس الأسطورة المريحة نفسها. وبالتالي، يجد كل من أطراف الصراع تفسيراً يبدو معقولاً ومقبولاً لوضعه أمام نفسه وأمام جماهيره.
اليهود كشياطين
‏Demonization of the Jews

من الصور الأساسية المتواترة في أدبيات معاداة اليهود تصويرهم على أنهم شياطين، فالشر لصيق بطبيعتهم، فهم يخربون أي مجتمع يعيشون في كنفه، ويحيكون المؤامرات عبر التاريخ للقضاء على الجنس البشري (ربما مثل إبليس منذ أن خرج من الجنة) . وهذا هو المفهوم الكامن وراء بروتوكولات حكماء صهيون ووراء فكرة المؤامرة اليهودية العالمية. وهذه الفكرة تفترض وحدة اليهود عبر التاريخ وأنهم يمتلكون قوة سحرية (تماماً مثل الشيطان) ، ولذا فهم لا يُقهرون أو لا يمكن قهرهم إلا باللجوء للحلول السحرية، إذ لا يهزم السحر إلا السحر. كما لا يمكن هزيمة الشياطين بالجهد البشري العادي، جهاداً كان أو اجتهاداً، ولذا في مجابهة الشيطان لا يملك المرء إلا أن يستعيذ بالله أو يفر من الشيطان أو يستسلم له، ويوقِّع معاهدة سلام واستسلام.

والإيمان بأن اليهود وحدة صلبة متماسكة لا تُقهر، أو بأن إلحاق الهزيمة بهم في حكم المستحيل، هي فكرة تروج لها الدعاية الصهيونية الواعية (والدعاية المعادية لليهود غير الواعية) . وتظهر في شعارات مثل «جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يُقهر» . وفكرة اليهود كشياطين هي مقلوب فكرة اليهود ككتلة صلبة لا تُكسر، وكلاهما يدور في إطار الحلولية الكمونية الواحدية. فكما أن الفكر الحلولي (الصهيوني) يجعل اليهود موضعاً للحلول الإلهي (باعتبارهم الشعب المختار صاحب الحقوق المطلقة) ، فإن مفهوم اليهود كشياطين يجعلهم موضع الشر الكوني الذي لا يتحول، فالأول يجعل منهم شعباً مقدَّساً يتجاوز الخير والشر، والثاني يجعل منهم شعباً شيطانياً يتجاوز الخير والشر أيضاً. وهذه الفكرة لها امتدادها في التراث المسيحي الذي يجعل من اليهودي مركزاً للدراما المسيحية الكونية التي تدور حول صلب المسيح وقيامه والتي يلعب فيها اليهود دور قاتل الرب الذي يقف بعد ذلك، في ضعته وتدنيه، شاهداً على انتصار الكنيسة وعظمتها. وقد وجدت هذه الفكرة طريقها إلى العالم الإسلامي وحلّت محل فكرة الفطرة الخيرة التي يولد الإنسان بها.
وإضفاء صفة الإنسانية على أعضاء الجماعات اليهودية (بدلاً من الشيطانية) يعني إمكانية دراستهم وفهمهم والتمييز بين الخيِّر والشرير فيهم، وبين العدو والصديق، وفي نهاية الأمر طرح إمكانية الجهاد ضد من يعادينا ويغتصب أرضنا منهم وإلحاق الهزيمة به.
بروتوكولات حكماء صهيون
‏Protocols of the Elders of Zion

كلمة «بروتوكول» كلمة إنجليزية تعني «اتفاقية» ، وبروتوكولات حكماء صهيون وثيقة يُقال إنها كتبت عام 1897 في بازل بسويسرا، أي في العام نفسه الذي عقد فيه المؤتمر الصهيوني الأول. بل يزعم البعض أن تيودور هرتزل تلاها على المؤتمر، وأنها نوقشت فيه، بل وتذهب بعض الآراء إلى التأكيد على أن المؤتمرات الصهيونية المختلفة إن هي إلا مؤتمرات حكماء صهيون هذه، وأن الهدف من المؤتمر السري الأساسي الأول الذي ضم حاخامات اليهود هو وضع خطة محكمة (بالتعاون مع الماسونيين الأحرار والليبراليين والعلمانيين والملحدين) لإقامة إمبراطورية عالمية تخضع لسلطان اليهود وتديرها حكومة عالمية يكون مقرها القدس. وتقع البروتوكولات البالغ عددها أربعاً وعشرين بروتوكولاً في نحو مائة وعشر صفحات، ونشرت لأول مرة عام 1905 ملحقاً لكتاب من تأليف سيرجي نيلوس وهو مواطن روسي ادعى أنه تسلَّم المخطوطة عام 1901 من صديق له حصل عليها من امرأة (مدام ك) ادعت أنها سرقتها من أحد أقطاب الماسونية في فرنسا. لكن نيلوس نفسه أخبر أحد النبلاء الروس بأن هذه المرأة أخذتها من رئيس البوليس السري الروسي في فرنسا، وأن الأخير هو الذي سرقها من أرشيف المحفل الماسوني. وقد كانت لنيلوس اهتمامات صوفية متطرفة، كما كان غارقاً في الدراسات الخاصة بالدلالات الصوفية للأشكال الهندسية.
وقد لاقت البروتوكولات رواجاً كبيراً بعد نشوب الثورة البلشفية التي أسماها البعض آنذاك «الثورة اليهودية» ، إذ عزا الكثيرون الانتفاضات الاجتماعية التي اجتاحت كثيراً من البلدان الأوربية إلى اليهود.

وانتقلت البروتوكولات إلى غرب أوربا عام 1919 حيث حملها بعض المهاجرين الروس. وبلغت البروتوكولات قمة رواجها في الفترة الواقعة بين الحربين، حينما حاول كثير من الألمان تبرير هزيمتهم بأنها طعنة نجلاء من الخلف قام بها اليهود المشتركون في المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية. وقد أصبحت البروتوكولات من أكثر الكتب رواجاً في العالم الغربي بعد الإنجيل، وتُرجمت إلى معظم لغات العالم وضمن ذلك العربية حيث ظهرت عدة طبعات منها. وحازت البروتوكولات اهتمام بعض المشتغلين بالتأليف وبالإعلام حيث أشاروا إليها باستحسان كبير، وكأنها وثيقة ذات شأن كبير. ولحسن الحظ، لا يوجد مركز دراسات عربي واحد أعارها أي اهتمام، ولا يتم نشرها إلا من خلال دور نشر تجارية.
والرأي السائد الآن في الأوساط العلمية التي قامت بدراسة البروتوكولات دراسة علمية متعمقة هو أن البروتوكولات وثيقة مزورة، استفاد كاتبها من كتيب فرنسي كتبه صحفي يدعى موريس جولي يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان حوار في الجحيم بين ماكيافللي ومونتسيكو، أو السياسة في القرن التاسع عشر، نُشر في بروكسل عام 1864، فتحول الحوار إلى مؤتمر وتحول الفيلسوف إلى حكماء صهيون. وقد اكتُشفت أوجه الشبه بين الكتيب والبروتوكولات حيث تضمنت هذه الأخيرة اقتباسات حرفية من الكتاب المذكور، وأحياناً تعبيرات مجازية وصوراً منه. والرأي السائد الآن أن نشر البروتوكولات وإشاعتها إنما تم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركات الثورية والليبرالية ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والأرستقراطية والكنيسة وبتخويفهم من المؤامرة اليهودية الخفية العالمية.
وقد قمنا بدراسة سريعة لعناصر خطاب البروتوكولات (الأسلوب والمفردات والصور ... إلخ) ، فوجدنا أن هناك من الدلائل ما يدعم وجهة النظر القائلة بأنها وثيقة مزيفة:
1 ـ يُلاحَظ أن البروتوكولات وثيقة روسية بالدرجة الأولى والأخيرة:

أ) فكاتب الوثيقة لا يعرف شيئاً عن المصطلح الديني اليهودي ولا يستخدم أية كلمات عبرية أو يديشية. وهناك إشارتان للإله الهندي فشنو، وإشارة واحدة لأسرة داود. وبطبيعة الحال، يمكن إثارة القضية التالية: إذا كانت البروتوكولات وثيقة سرية، فلماذا لم يكتبها حاخامات اليهود بالعبرية أو الآرامية أو اليديشية ليضمنوا عدم تَسرُّبها؟ ومما يجدر ذكره أن كثيراً من يهود روسيا آنذاك كانوا يتحدثون اليديشية ولا يعرفون الروسية. وكان حزب البوند، أكبر الأحزاب العمالية في أوربا يدافع عن حقوق العمال من أعضاء الجماعة اليهودية ويُطالب بالاعتراف باليديشية باعتبارها لغتهم القومية (باعتبارهم أحد «شعوب» الإمبراطورية الروسية) .
ب) الموضوعات الأساسية المتواترة في البروتوكولات موضوعات روسية، فهناك دفاع عن الاستبداد المطلق وعما يُسمَّى «الأرستقراطية الطبيعية الوراثية» ، وهجوم شرس على الليبرالية والاشتراكية، وهو ما يبيِّن أن اهتمامات الكاتب روسية تماماً وتعكس رؤية الطبقة الحاكمة الروسية في السنين الأخيرة من حكم النظام القيصري.
جـ) هناك هجوم على الكنيسة الكاثوليكية واليسوعية، وهو ما يدل على أثر التربة المسيحية الأرثوذكسية السلافية التي كانت تناصب الكاثوليكية العداء.
د) ثمة هجوم شرس على الماسونية، التي كانت آنذاك جزءاً لا يتجزأ من الحركة الليبرالية والثورية الروسية.
هـ) هناك هجوم شديد على دزرائيلي، الذي كان شخصية مكروهة تماماً من النخبة الحاكمة في روسيا لأنه كان يساند الدولة العثمانية حتى تظل حاجزاً منيعاً ضد توسُّع الإمبراطورية الروسية.

2 ـ كما أن نبرة البروتوكولات ساذجة للغاية، فمن الواضح أن كاتبها الذي زيفها، لا يجيد التزييف، فقد حاول أن يبيِّن الخطر العالمي لليهود. وحتى يعطي وثيقته درجة من المصداقية، جعل حكماء صهيون (لا أحد سواهم) يتحدثون عن الخطر اليهودي، حتى يبدو الأمر كله وكأنه «شهد شاهد من أهلها» ، غير أنه لم يكن على درجة كبيرة من الذكاء في عملية تزييفه هذه:
أ) ففي الصفحة الأولى من البروتوكول الأول ينطق حكيم صهيون الأول بالكلمات التالية: "يجب أن يُلاحَظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عدداً من ذوي الطبائع النبيلة". وهذه ملحوظة تبين الشر المتأصل في صاحبها. ولكن السؤال البدهي الذي يطرح نفسه هو: لماذا يصر كبير حكماء صهيون على نقل هذه الآراء لحكماء صهيون؟ أليس كل الحاضرين من الأشرار الذين لا توجد شبهة في شرهم؟ والسذاجة نفسها تتبدَّى في الملاحظة التي ترد بعد عدة صفحات حيث يقول كبير الحكماء: "إن الغاية تبرر الوسيلة، وعلينا (ونحن نضع خططنا) ألا نلتفت إلى ما هو خيِّر وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد! " ومرة أخرى لماذا يكلف كبير الحكماء نفسه بتذكير الحاضرين من الحاخامات بمثل هذه البدهيات المتداولة بين الأشرار في كل زمان ومكان؟ أم أنه لاحَظ بعض علامات الخير بينهم فأراد أن يحذرهم منها؟

ب) يحاول واضع البروتوكولات أن يضخم اليهود وقوتهم ليخيف الناس منهم فيجعلهم ينسبون إلى أنفسهم في البروتوكول الثاني كل شر فيقول: "نجاح داروين وماركس ونيتشة قد رتبناه من قبل". ولكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة إذ يبدأ اليهود في توجيه الاتهامات لأنفسهم في البروتوكول الثاني نفسه: "من خلال الصحافة اكتسبنا نقودنا، وبقينا نحن وراء الستار، وبفضل الصحافة كدَّسنا الذهب، ولو أن ذلك سبَّب أنهاراً من الدم". وهذه في الواقع عريضة اتهام موجهة للذات؛ فلماذا يكلف كبير الحكماء خاطره ليقدمها لبقية أعضاء المجتمع الذين يعرفون ذلك مسبقاً؟ ولماذا يُصر على أن يُخبرهم في البروتوكول الثالث أن "أسرار تنظيم الثورة الفرنسية معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قدماً من فشل إلى فشل، حتى أنهم سوف يتبرأون منا " فمن يمكن أن يصف حركته بأنها حركة لقيادة الأمم من "فشل إلى فشل"، ويصر على أن هذه الحركة ستودي بهم؟ ثم يضيف في البروتوكول التاسع: "إن لنا طموحاً لا يُحدّ، وشرّهاً لا يُشبع، ونقمة لا تَرحم، وبغضاء لا تُحس. إننا مصدر إرهاب بعيد المدى. وإننا نُسخِّر في خدمتنا أناساً من جميع المذاهب والأحزاب". ثم يتطوع بالتأكيد على ما يلي: «لقد خدعنا الجيل الناشيء من الأمميِّين، وجعلناه فاسداً متعفناً بما علمناه من مبادئ» . ومن الواضح أن التزييف لم يبق منه سوى صيغة المتكلم الجمع، أما الباقي فهو اتهامات موجهة بالتآمر لليهود، ينسبها كاتبها لهم حتى تبدو كما لو كانت صادقة.

ويمكننا الآن أن نعرض للأفكار الأساسية في البروتوكولات التي تؤكد أن السياسة لا تخضع للأخلاق، وأن اليهود سينفذون مخططهم الإرهابي عن طريق الغش والخداع. فعلى مستوى المجتمع، سيقومون بتقويض دعائم الأسرة وصلات القرابة، وإشاعة الإباحية، واستغلال الحريات العامة، وتخريب المؤسسات المسيحية، وإفساد أخلاق العالم المسيحي الأوربي. أما على مستوى الدولة، فإنهم سيسعون إلى تقويض كيان الدول عن طريق الإيقاع بينها بحيث تندلع الحروب، على ألا تؤدي هذه الحروب إلى تعديلات في حدود الدول أو إلى مكاسب إقليمية، ليتمكن رأس المال فقط من الخروج بالغنائم. وينبغي التركيز على المنافسة في المجتمع، وعلى تصعيد الصراع الطبقي، ليجري الجميع نحو الذهب الذي لابد أن اليهود سيحتكرونه، وتُصاب المؤسسات الدينية والسياسية بالاهتراء ويسود رأس المال كل شيء.
وتهتم البروتوكولات في المراحل الأولى من المخطَّط بأن يسيطر اليهود على الصحافة ودور النشر وسائر وسائل الإعلام، حتى لا يتسرب إلى الرأي العام العالمي إلا ما يريدونه. كما أنها ترى ضرورة أن يسيطر اليهود على الدول الاستعمارية وأن يسخروها حسب أهوائهم. كما أنهم سيسيطرون أيضاً، بطبيعة الحال، على الدول الاشتراكية المعادية للاستعمار. والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء: عن الخير والشر، والثورة والثورة المضادة، والاشتراكية والرأسمالية. فالبروتوكول السادس، مثلاً، يقول: «كي نخرب [أي نحن اليهود] صناعة الأغيار سنزيد من أجور العمال [اتجاهات اشتراكية] ونعرِّض الصناعة للخراب والعمال للفوضى [اتجاهات فوضوية [» .

ومن الواضح أن البروتوكولات ليست نقداً لليهود بمقدار ما هي تعبير عن إحساس الإنسان الأوربي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته، وبقدر ما هي تعبير عن إدراكه السطحي المباشر لها بعد تزايد معدلات العلمنة في الغرب وبعد تفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له قدراً كبيراً من الطمأنينة، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي. فالمجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم، حسبما جاء في البروتوكولات، ليس عالماً شريراً بشكل شيطاني ميتافيزيقي، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي الذي سادت فيه قيم العلمانية والنفعية، ومن هنا كان الجمع بين الرأسمالية والاشتراكية باعتبارهما نظامين يبشر بهما اليهود، كما كان الجمع بين نتيشه وماركس باعتبارهما فيلسوفين يبشر اليهود بفكرهما. فبرغم الاختلافات العميقة بين النظامين المذكورين، والاختلاف بين الفيلسوفين، فإن العامل المشترك الأعظم (أو نقطة البدء أو التلاقي) هو تأسيس مجتمع علماني يستند إلى قيمتي المنفعة واللذة لا إلى القيم الدينية الأخلاقية المطلقة.

وقد وُجد أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف القطاعات والاتجاهات، شأنهم في ذلك شأن أعضاء أية أقلية أخرى، فكانت توجد أعداد كبيرة من كبار المموِّلين الرأسماليين اليهود، كما كان كثير من أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالتجارة الصغيرة والربا، وكان من بينهم عدد كبير من المفكرين الليبراليين بل والرجعيين الذين يدافعون عن حرية التجارة وعن أكثر الأفكار الداروينية الاجتماعية تطرفاً. بل ونجد أن بعض اليهود ارتبطوا بالتجارب الاستعمارية الغربية غير الصهيونية كما حدث في جنوب أفريقيا (في صناعة التعدين) ، أو في شركة الهند الشرقية الهولندية، أو في شركة قناة بنما. كما تركَّز أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في قطاعات اقتصادية مشينة مثل البغاء (قوادين وعاهرات) ونشر المجلات والمطبوعات الإباحية. وقد ربط هذا بين اليهودي من جهة وكلٍّ من «اليمين» و «التحلل الرأسمالي» و «التفكك الليبرالي» من جهة أخرى.
ولكن، إلى جانب ذلك، كانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في حركة اليسار أيضاً: فقد كان أكبر حزب اشتراكي في أوربا هو حزب البوند اليهودي. وقد انخرط الشباب اليهودي بأعداد كبيرة في الحركات الثورية، حتى أن 30% من أعضاء الحركات الثورية في روسيا القيصرية كانوا من الشباب اليهودي. وحينما قامت جمهورية بلشفية في المجر عام 1919، كان رئيس الدولة يهودياً، وكان عدد اليهود من الوزراء كبيراً لدرجة مدهشة، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكرين الاشتراكيين والشيوعيين من أصل يهودي. كما كان لليهود حضور واضح في الفكر الفوضوي. وفي نهاية الأمر، كان كل من روتشيلد رمزاً للارتباط العضوي بين اليهود والرأسمالية، وماركس رمزاً للارتباط العضوي أيضاً بين اليهود والاشتراكية. ولذا، كان من الممكن تفسير كل شيء بالرجوع إلى مقولة «يد اليهود الخفية» .

ولعل ما ساعد على إشاعة هذا النموذج التفسيري الساذج أن الوجدان المسيحي كان يجعل من اليهودي قاتل الرب رمزاً لكل الشرور. وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهودية الكبرى، ولذا كان هناك يهود في كل مكان، يهود لا جذور لهم في طريقهم من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة. وكما هو معروف، فإن الإنسان المهاجر المتنقل لا يلتزم بكثير من القيم. ولكل هذا، أصبح اليهودي رمزاً متعيناً لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوربي يفهمها جيداً رغم شقائه الناجم عنها، وهي الثورة العلمانية الشاملة الكبرى (بشقيها الاشتراكي والرأسمالي) ، وهي ثورة لم يكن اليهودي يشكل فيها سوى جزء بسيط من كلٍّ ضخم مُركَّب. بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية هذه الثورة، وفقدت قطاعات كبيرة من الجماعات اليهودية هويتها نتيجةً لها.
والفكرة الأساسية في البروتوكولات هي فكرة الحكومة اليهودية العالمية. لكن المعروف تاريخياً أنه لم تكن هناك سلطة مركزية تجمع سائر يهود العالم بعد تحطيم الهيكل على يد نبختنصر عام 586 ق. م، وذلك بسبب طبيعة الوجود اليهودي في العالم حيث انتشر اليهود على هيئة أقليات دينية لا يربطها رباط قومي، وقد كان لكل أقلية محاكمها وهيئاتها الخاصة التي تقوم برعاية شئونها. ولكن اليهود لا يختلفون في هذا عن أية أقلية دينية أو جماعة وظيفية أخرى.
وهنا، يمكن أن نثير قضية مهمة هي قضية الوسائل: هل للجماعات اليهودية في العالم من القوة ما يمكنها من تنفيذ هذا المخطط الإرهابي العالمي الضخم؟ إن الدارس لتواريخ الجماعات اليهودية يعرف أنها كانت دائماً قريبة من النخبة الحاكمة لا بسبب سطوتها أو سلطانها وإنما بسبب كونها أداة في يد النُخب ولأنها لم تكن قط قوة مستقلة أو صاحبة قرار مستقل.

والإشارة إلى البروتوكولات واستخدامها في الإعلام المضاد للصهيونية أمر غير أخلاقي لأنها وثيقة مزوَّرة، ولا توجد دراسة علمية واحدة (سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات) تثبت أنها وثيقة صحيحة. ولكن، وحتى ولو كانت البروتوكولات وثيقة صحيحة، فإن من يستخدمها يفقد مصداقيته وفعاليته أمام الرأي العام الغربي الذي لا يؤمن بصحتها. كما لا يمكن إثبات أن هذه الوثيقة تعبر تعبيراً حقيقياً عن دوافع أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، أو أنهم يأخذون بها كوثيقة ملزمة تحدد سلوكهم وأهدافهم. وبسبب السمعة الشائنة للبرتوكولات، فإن الصهاينة يصفون أي نقد موجَّه إليهم بأنه وقوع في أحابيل البروتوكولات. ومن الطريف أن هناك وثائق يتداولها بعض أعضاء الجماعات اليهودية تحتوي على آراء أكثر تآمرية من البروتوكولات مثل ما يُسمَّى كتاب التربية الذي يوزع في إسرائيل في الوقت الحالي. كما يحوي التلمود وتراث القبَّالاه (وهي كتابات يهودية لا شك فيها) مقطوعات عنصرية إلى أقصى درجة، ولكن يبدو أن مروِّجي البروتوكولات لا يعرفون عنها شيئاً، وهي على كلٍّ كتابات لا يعرف عنها معظم أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم شيئاً، ولا يتداولها في الغالب إلا بعض العنصريين الموجودين في كل المجتمعات وبين أتباع كل العقائد.
وثمة رأي يذهب إلى أن الصهاينة يقومون بالترويج لهذه البروتوكولات لأنها تخدم المشروع الصهيوني الذي يهدف إلي ضرب العزلة على اليهود وتحويلهم إلى مادة خام صالحة للتهجير والتوطين في فلسطين المحتلة. كما أن كثيراً من الافتراضات الكامنة في البروتوكولات، مثل «الشعب اليهودي» و «الشخصية اليهودية» و «المصالح اليهودية» ، هي جميعاً افتراضات صهيونية أساسية والهجوم عليها هو في واقع الأمر تسليم غير مباشر بوجودها.

وسواء أكان هذا الرأي الأخير صحيحاً أم كاذباً، فإن ترويج البروتوكولات يخدم المصالح الصهيونية من الناحية العملية. ويتم الآن، في العالم العربي، تداول كم هائل من الكتابات (مثل أحجار على رقعة الشطرنج وغيرها) كل هدفها إشاعة الخوف من اليهود والصهيونية بتبنِّي رؤية بروتوكولية تنسب إلى اليهود قوى عجائبية. ويساهم بعض أعضاء النخب الحاكمة في الترويج لهذه البروتوكولات لتبرير العجز العربي والتخاذل أمام العدو الصهيوني، دون أن يدركوا أنهم بهذا إنما يخدمون مصلحة العدو. وقد صرح المعلق السياسي الإسرائيلي يوئيل ماركوس في جريدة هآرتس (31 ديسمبر 1993) بأن كثيراً من الدول تغازل إسرائيل وتحاول أن تخطب ودها نظراً لأن حكام هذه الدول يؤمنون بأن البروتوكولات وثيقة صحيحة وأن ما جاء فيها هو المخطط الذي يتحقق في العالم والذي سيؤدي إلى سيطرة اليهود وأن اليهود يتحكمون بالفعل في رأس المال العالمي وفي حكومة الولايات المتحدة. ومن ثم فالطريق إلى المعونة الأمريكية يمر من خلال اللوبي الصهيوني والدولة الصهيونية. ويضيف ماركوس معلقاً على هذه المفارقة: "إن البروتوكولات [بسبب أثرها هذا الذي يولِّد الرهبة في النفوس ويدفع الناس لمغازلة إسرائيل واليهود] تبدو كأن الذي كتبها لم يكن شخصاً معادياً لليهود، وإنما يهودي ذكي يتسم ببعد النظر". وقد أثبتت الانتفاضة الفلسطينية أن اليهود بشر وأن إلحاق الأذى بهم وهزيمتهم أمر ممكن، وأنهم قد يهاجمون عدوهم كالصقور حينما تسنح الفرصة ثم يفرون كالدجاج حينما يدركون مدى قوته وإصراره. والاستمرار في إشاعة الرؤية البروتوكولية هو نوع من الإصرار على مد يد العون للعدو الصهيوني، وعلى التنكر لإنجازات الانتفاضة.

ولا يمكن للمسلم الملتزم بتعاليم دينه أن يوجه الاتهام إلى أي إنسان جزافاً ودون قرائن، كما لا يمكن لرؤية دينية حقة أن تحكم على الفرد باعتباره تجسداً لفكرة، إذ يظل كل إنسان مسئولاً عن أفعاله. وقد عرَّف الإسلام حقوق أعضاء الأقليات، خصوصاً أهل الكتاب، فحدّد أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهي حقوق مطلقة لا يمكن التهاون فيها. وفي الواقع، فإن استخدام البروتوكولات لاتهام اليهود فيه سقوط في العنصرية والعرْقية التي تصنف الناس لا على أساس أفعالهم وإنما على أساس مادي لاديني (علماني) مسبق وحتمي. ولذا، فهي لا تميِّز بين ما هو خيّر وما هو شر.
اليهودي الدولي
‏International Jew
شهدت أوائل العشرينيات في الولايات المتحدة نشر عدة كتب معادية لليهود من بينها بروتوكولات حكماء صهيون وكتيب سبب عدم الاستقرار في العالم الذي سبق نشره على هيئة سلسلة مقالات في جريدة المورننج بوست اللندنية. وقد نشرت مجلة الديربورن إند بندانت (1920) ، التي كان يمتلكها هنري فورد صاحب مصنع السيارات الشهير، بعض هذه الأدبيات وغيرها في سلسلة مقالات بعنوان «اليهودي الدولي» . وبدأ نشر المقالات ابتداءً من 22 مايو 1922 واستمر لمدة سبع سنوات ثم نُشرت المقالات بعد ذلك على هيئة كتيبات. واتهمت هذه المقالات اليهود بأنهم يحاولون هدم أسس الحياة الأمريكية وأنهم وراء مؤامرة عالمية لتحطيم المسيحية والهيمنة على العالم وأن الثورة البلشفية ما هي إلا تعبير عن هذه الثورة المستمرة.
والكتاب، مثله مثل كثير من أدبيات معاداة اليهود في الغرب، يرى اليهودي ممثلاً للثوري المتطرف والثري فاحش الثراء (البلشفي - الصيرفي، تروتسكي ـ روتشيلد) ، وهو في نهاية الأمر خليط من شيلوك وعدو المسيح وقاتل الإله واليهودي التائه.

وقد وجدت هذه الدعاية العنصرية قبولاً واسعاً في الأوساط القروية الريفية وفي المدن الصغيرة وبين بعض أعضاء النخبة الحاكمة. ولكن غالبية أعضاء النخبة والجهاز السياسي في المدن كانوا يعارضون هذه الحملة إذ أنهم أدركوا أن المهاجرين اليهود بدأوا يتخلون عن رؤيتهم وعقائدهم وهويتهم ويندمجون في المجتمع الأمريكي ويتأمركون أسرع من غيرهم، ولذلك، نُظِّمت حملة مضادة اضطر هنري فورد بعدها للاعتذار عن الحملة التي شنها، وذلك من خلال لويس مارشال رئيس اللجنة الأمريكية اليهودية.
جيكوب برافمان (1825-1879 (
‏Jacob Brafman
روسي يهودي متنصر. وُلد لأسرة يهودية وتيتم في سن مبكرة، ويبدو أن قيادة الجماعة اليهودية (القهال) في المدينة قرروا أن يرسلوا به ليُجنَّد في القوات القيصرية (ربما بسبب يتمه) الأمر الذي ولَّد في نفسه حقداً كبيراً على اليهود واليهودية. تنصَّر برافمان وهو في سن الرابعة والثلاثين، وعُيِّن أستاذاً للعبرية في إحدى المدارس الدينية اليهودية التابعة للحكومة القيصرية، كما عُيِّن رقيباً على الكتب العبرية واليديشية.
هاجم برافمان مؤسة القهال بشراسة ووصفها هي والمؤسسات اليهودية الأخرى بأنها «دولة داخل دولة» وبأنها جزء من مؤامرة دولية. وفي عام 1869، أصدر برافمان كتاب القهال، ثم نشر طبعة ثانية موسعة عام 1875. وقد تُرجم الكتاب إلى الفرنسية والبولندية والألمانية. ويهدف الكتاب إلى إعطاء القراء الروس فكرة عن ممارسات اليهود السرية والتي يستخدمونها للهيمنة على الأغيار. وقد أصبح الكتاب من كلاسيكيات العداء لليهود في الغرب.
والكتاب يتكون أساساً من ترجمات لمحاضر جلسات بعض مجالس القهال. وقد اتُّهم برافمان بالتزوير، ولكن (حسبما جاء في الموسوعة اليهودية [جودايكا] ) ثبت أن ما ورد في الكتاب هو ترجمة دقيقة لبعض الجلسات ولذا أصبح الكتاب من أهم المراجع العلمية لدراسة حياة الجماعة اليهودية في روسيا القيصرية.

اليهودي التائه
‏Wandering Jew
«اليهودي التائه» شخصية أسطورية في التراث الشعبي الغربي، وهو إسكافي يهودي يُدعَى كارتافيلوس، طلب منه المسيح عليه السلام، وهو يحمل صليبه، جرعة ماء ليروي بها عطشه، ولكن الإسكافي ضربه بدلاً من أن يسقيه، وقال له: «فلتسرع يا يسوع، ماذا تنتظر؟» ، فأجاب المسيح: «أنا ذاهب ولكنك ستنتظر حتى أعود» ، فحلت على اليهودي لعنة جعلته يجوب بقاع الأرض إلى أن يعود المسيح مرة أخرى، ومن هنا سُمِّي «اليهودي التائه» . وقد بدأت الأساطير المستوحاة من هذه الشخصية الغريبة في الظهور في القرن الثالث عشر وتحولت إلى إحدى الصور الإدراكية النمطية التي يدرك العالم الغربي اليهود من خلالها. ومن الكتب الأولى التي أشارت إليه كتاب زهور التاريخ للراهب الإنجليزي روجر (من وندوفر) عام 1228. وكانت الشائعات تظهر من آونة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، أن اليهودي التائه قد شُوهد يتجول في هذا المكان أو ذاك بلحيته الطويلة البيضاء وعيونه اللامعة الشريرة وعصاه الطويلة. وكانت آخر مرة قيل إنه شُوهد فيها خلال القرن التاسع عشر.
وقد وجدت هذه الأساطير سنداً لها في سفر ماثيو في كلمات المسيح التي تقول: «الحق أقول إن من القيام ها هنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته» (إنجيل متى 16: 28) .
وقد ظل اليهودي التائه رمزاً للشعب اليهودي، هذا الشعب الشاهد الذي يقف خارج التاريخ شاهداً مقدَّساً على التاريخ من وجهة نظر اليهود، منبوذاً من الجميع، ومن وجهة نظر المعادين لليهود شعباً عضوياً منبوذاً. وأساس هذه الصورة هو اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالتجارة والربا كجماعة وظيفية وسيطة، ووقوفهم خارج العملية الإنتاجية على هامش المجتمع، وانتقالهم من بلد إلى بلد بسبب طردهم أو سعياً وراء الربح. كما كان أبطال اليهود في العهد القديم رجالاً جوَّالين لا منزل لهم بسبب البيئة الرعوية التي كانوا يتحركون فيها.

وقد استغل تراث معاداة اليهود في الغرب هذه الصورة في ترسيخ سلبيات ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» في الوجدان الشعبي. ورغم أن أسطورة اليهودي التائه اختفت بعض الوقت، إلا أنها عاودت الظهور في القرن السادس عشر، مع تصاعد الحمى المشيحانية وانتشار العقيدة الألفية أو الاسترجاعية، بعدة أسماء من بينها اسم أهازويروس. وبظهور الرؤية الرومانتيكية للعالم وظهور الفلسفات العبثية والعدمية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتحوُّل الاغتراب إلى إحدى علامات التميز والتفوق في الخطاب الفلسفي، تحوَّل اليهودي التائه بدوره إلى رمز لهذا الإنسان المغترب الذي يرفضه المجتمع بسبب تميُّزه ويتعاطف معه المثقفون الثائرون على مجتمعاتهم، وهو الأمر الذي أدَّى إلى خلق جوٍّ من التعاطف الرومانسي مع اليهود.
وتجدر الإشارة إلى أن اليهودي التائه، سواء أكان شخصية سلبية مخربة أم كان شخصية إيجابية عبقرية، يقف دائماً خارج التاريخ وخارج نطاق ما هو إنساني وسويّ. ومن هنا، يمكننا أن نرى كيف يمكن أن تتحول الصورة من صورة يستخدمها المعادون لليهود إلى صورة يستخدمها المحبون لليهود، وذلك دون إدخال أية تغييرات على بنيتها العامة.
هب هب
‏Hep, Hep

» هب هب» صيحة استهزاء كانت شائعة في ألمانيا والنمسا. ويُقال إنها اختصار للعبارة اللاتينية «هيروسوليما إست برديتاhierosolyma est perdita» ، ومعناها «لقد ضاعت القدس» التي شاعت أثناء حروب الفرنجة. وهناك رأي يذهب إلى أنها مجرد صوت يستخدم لقيادة الحيوانات المستأنسة، وخصوصاً الكباش والماعز في مقاطعة فراكونيا، مع افتراض أن اليهود هم الماعز بسبب لحيتهم الطويلة. وهناك نظرية ثالثة ترى أنها اختصار لكلمة «هبرايرhebraer» أي «عبرانيون» . وقد استُخدمت العبارة في اضطرابات عام 1819 التي يُطلَق عليها «اضطرابات هب هب» والتي كانت تعبيراً عن احتجاج بعض قطاعات الشعب ضد إعتاق اليهود. وتعود الاضطرابات إلى عدة أسباب من بينها أن عام 1816 كان عام مجاعة للفلاحين، فاضطروا إلى الاستدانة من المرابين اليهود، كما عمت البطالة صفوف العمال في ألمانيا آنذاك. وقد رأت العناصر الثورية أن اليهود صنائع لمترنيخ (الذي أشيع عنه أنه كان يتسلم راتباً من كبار المموِّلين اليهود) ، وأن مؤتمر فيينا (1814ـ 1815) الذي أوصى بزيادة حقوق اليهود في ألمانيا هو ثمرة هذه العلاقة.
كايك وشيني
‏Kike and Sheeny
«كايك» هي كلمة تحقير إنجليزية أمريكية ذات نبرة عنصرية فاقعة يستخدمها أعداء اليهود للإشارة إليهم. وقد نحت الكلمة، في القرن التاسع عشر، يهود أمريكيون من أصل ألماني لوصف اليهود المهاجرين من شرق أوربا، وهي إشارة واضحة إلى اللغة اليديشية التي تضم كلمات سلافية كثيرة وإلى اللغة الروسية التي كان يتحدث بها بعضهم، والتي تحتوي على عدد كبير من الكلمات تنتهي بحرف الكاف، مثل «تشرنحوفسكي» و «مالينوفسكي» ... إلخ. كما نحت اليهود من أصل ألماني كلمة «شيني» وهي أيضاً كلمة تحقير أخرى لوصف يهود اليديشية.
إسرائيل ويست
‏Israel West

«إسرائيل ويست» مصطلح يستخدمه المعادون لليهود في الولايات المتحدة ومعناه «إسرائيل غرب» . وفي الولايات المتحدة، عادةً ما يشير بعض أعضاء الأغلبية أو أعضاء الأقليات الأخرى إلى المناطق التي يسكن فيها أعضاء الجماعة اليهودية على أنها «إسرائيل» (تماماً كما يُشار إلى أحياء الأمريكيين السود بأنها «أفريقيا» ) . وقد أشار أحد المتحدثين مرة إلى ما سماه «ذي جويش ستيت أوف نيويورك The Jewish State of New York» أي «ولاية نيويورك اليهودية» . وهو لعب على لفظ «ستيت state» الإنجليزي والذي يعني «ولاية» و «دولة» في آن واحد (وأحياناً لا تحمل الإشارة أي مضمون قدحي بل تكون كما في الإشارة إلى «تشينا تاونChinatown» أي «مدينة الصينيين» وإلى «ليتل إيجيبت Little Egypt» أي مصر الصغرى) .
وأخيراً، قام ديفيد ديوك، أحد زعماء جماعة الكو كلوكس كلان المعادية للأمريكيين السود، بطرح فكرة بشأن الأقليات التي «لا يمكن دمجها» حسب تعبيره. وسيتم بموجب هذه الخطة نقل (ترانسفير) كل يهود أمريكا إلى «إسرائيل غرب» ، أي في ولاية لونج أيلاند وفي حي مانهاتن في نيويورك (باعتبار أن فلسطين هي إسرائيل شرق) . وقد أشار ديوك إلى أن عملية الترانسفير هذه قد لا تكون مناسبة بالنسبة لبعض اليهود، ولكنها ـ حسب قوله ـ لن تمس سوى مليوني يهودي، وهو رقم أقل من الثمانية ملايين من الأمريكيين الذين أُرسلوا إلى خارج الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية. وفي إشارة واضحة إلى الدولة الصهيونية، قال ديوك: "إن هذا العدد أقل بكثير من الثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني التي قامت «إسرائيل شرق» بطردهم من ديارهم".

الجماعات اليهودية إشكاليات - عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية - معاداة اليهود والتحيز لهم

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

معاداة اليهود (والتعاطف مع الصهيونية) كإمكانية/ إشكالية كامنة منذ العصور الوسطى في الغرب
‏Anti-Semitism (and Pro-Zionism) as a Latent Possibility Proble-matic since the Middle Ages in the West

يُلاحظ الدارس أن كلاًّ من ظاهرة معاداة اليهود والصهيونية (وهما وجهان لعملة واحدة) متجذّرتان في الحضارة الغربية. وهذا يعود إلى عدة أسباب تراكبت معاً، ويمكن أن نشير إلى بعضها فيما يلي:
1 ـ سيطر على الحضارة الغربية منذ نشأتها نموذج عضوي في التفكير، ومثل هذه النماذج عادةً ما تفضل التجانس على عدم التجانس، والاتساق الداخلي الصارم على عدم الاتساق، والواحدية على التعددية، ومن ثم يكون وضع الأقليات قلقاً وغير مستقر، باعتبارها عنصراً من عناصر عدم التجانس.
2 ـ تعود جذور الحضارة الغربية إلى المدن/الدول اليونانية، وهي تشكيلات حضارية صغيرة تتسم بالتجانس الشديد ولا يوجد فيها مكان للغريب، وهو ما دعم هذه الرؤية العضوية، على عكس الحضارات الشرقية التي نشأت في أحضان التشكيلات الإمبراطورية الضخمة فكان عليها أن تتعامل مع عشرات الشعوب والأقليات العرْقية والدينية.
وحينما نشأت الإمبراطورية الرومانية وبسطت نفوذها على الشرق والغرب، فلم تستطع هزيمة التشكيلات الحضارية الشرقية المحلية (الأرمن ـ الأقباط ـ الثقافة الآرامية) بينما قضت على كثير من اللغات والتشكيلات الحضارية في القارة الأوربية وفرضت الثقافة اللاتينية، أي أنها قضت على التنوع الحضاري في القارة الأوربية.

3 ـ طرح الإسلام من البداية مفاهيم أخلاقية ومقولات قانونية للتعامل مع الأقليات الدينية والعرْقية (وهو في هذا متسق إلى حدٍّ كبير مع التقاليد الحضارية في الشرق الأوسط في كثير من مراحله التاريخية) ، بينما فشلت المسيحية الغربية في تطوير أية مقولات بشأن الأقليات، حيث لا يصلح مفهوم المحبة (المسيحي) لتنظيم العلاقة بين الأقلية والأغلبية. وفي الوقت نفسه، ظهر مفهوم الشعب الشاهد (الكاثوليكي) والعقيدة الاسترجاعية (البروتستانتية) وهي مفاهيم تتسم بالإبهام الشديد، فهي من ناحية تضع اليهود في مركز الكون باعتبارهم شعباً مقدَّساً، حَمَلة الكتاب المقدَّس، ويتوقف خلاص الكون على استرجاعهم، ولكنهم أيضاً هم قتلة الإله، وهم كذلك في شتاتهم وضعَتهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسة. كما أن خلاص الكون يتوقف على تنصيرهم. وقد ورثت المسيحية الغربية العرف الألماني حيث طُبِّق قانون الصيد على اليهود، وهو قانون يجعل من الغريب ملكاً للملك ومن ثم أصبح اليهود ملكية للملك، وكذلك كتلة بشرية تتعاقد مع الحكومة وليسوا أهل ذمة، فكانوا يوقعون المواثيق التي تمنحهم الحماية والمزايا نظير خدمات يؤدونها أو ضرائب أو مبالغ مالية يدفعونها.
4 ـ تحوَّلت الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تقف على هامش المجتمع دون أن تصبح من صميمه. وحينما بدأت عملية علمنة الفكر والحضارة الغربية، تمت مناقشة المسألة اليهودية في ضوء مفهوم نفع اليهود، وهو أمر منطقي للغاية إذ أن الجماعة الوظيفية هي جماعة يستند بقاؤها إلى مدى نفعها.
5 ـ ترجم كل هذا نفسه إلى مفهوم الشعب العضوي المنبوذ الذي يشكل إطار كل من العداء العرْقي لليهود والتحيز الصهيوني لهم.
6 ـ ظل اليهود خارج التشكيل الرأسمالي كرأسمالية منبوذة. كما أن الفكر الاشتراكي، كان ينظر إليهم باعتبارهم عناصر تجارية طفيلية مستغلة.

7 ـ ارتبط اليهود بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني وجرى النظر إليهم باعتبارهم مادة استيطانية نافعة.
8 ـ شكلت كل هذه العناصر الإطار الذي تطورت من خلاله الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ومما له دلالته أن صهيونية غير اليهود تسبق صهيونية اليهود بعشرات السنين، فالصهيونية ظاهرة لصيقة بالحضارة الغربية ويقع عقد بلفور في هذا الإطار حيث تقرَّر إخراج اليهود من التشكيل السياسي الغربي، لأنه لا يطيق وجودهم داخله كعنصر غريب، وتقرَّر نقلهم إلى أي مكان خارج أوربا كعنصر نافع، على أن تقوم أوربا (التي طردتهم) بحمايتهم ودعمهم وضمان بقائهم واستمرارهم وتوظيفهم لصالحها داخل إطار الدولة الوظيفية التي تتحرك في الفلك الغربي. فالدولة الصهيونية هي في نهاية الأمر تَحقُّق هذه الإمكانية الكامنة في الحضارة الغربية: العداء العرْقي لليهود والتحيز الصهيوني لهم. وقد استبطنت المادة البشرية اليهودية المُستهدَفة هذه الصيغة فهوَّدتها.
التحيز لليهود (حب السامية (
‏Phlio-Semitism

«التحيز لليهود» ترجمة للمفهوم الكامن وراء الاصطلاح الإنجليزي «فيلو سيميتزم» ، والذي يعني حرفياً «حب السامية» أو «حب الساميين» ، وهو مصطلح شائع في اللغات الأوربية يشير إلى مشاعر الحب التي قد يشعر بها بعض الأغيار تجاه اليهود (مقابل ( «أنتي سيميتزم» والتي تعني «معاداة اليهود» ) . ومصطلح «حب اليهود» الذي نشير إليه بعبارة «التحيز لليهود» له من العمومية ما لمصطلح «معاداة اليهود» . فالموسوعات تورد أسماء حيرام ملك صور، وقورش الأخميني، والإسكندر المقدوني، ويوليوس قيصر، والإمبراطور الروماني جوليان، وردريجير هاوتسمان أسقف سبير، وإمبراطور ألمانيا فريدريك باربروسا، وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وفريدريك الثاني إمبراطور النمسا، وكاسيمير الأعظم ملك بولندا، على اعتبار أنهم جميعاً أصدقاء لليهود ومحبون لهم. وإذا نظرنا إلى كل اسم على حدة، لوجدنا أن تحيُّزه لليهود (أو أعضاء الجماعات اليهودية في مصطلحنا) ينبع من مواقف تاريخية متباينة. فحيرام ملك صور كان يود تحسين علاقته مع سليمان ملك العبرانيين حتى تُتاح له فرص التجارة. وقورش الأخميني أعاد اليهود وغيرهم من الأقوام المهجَّرة ضمن سياسة الإمبراطورية الفارسية. أما الإسكندر الأكبر فليس له موقف محدد من اليهود، وهو على كل لم يكن لديه سبب قوي لحبهم أو كرههم. أما يوليوس قيصر، فكان مديناً لليهود لتأييدهم له في سياساته. أما أصدقاء اليهود في العصور الوسطى في الغرب، فقد كان اهتمامهم ينصب في معظم الأحوال على اليهود باعتبارهم جماعة وظيفية وسيطة تُنشِّط التجارة وتحقق دخلاً كبيراً لهم.

ويمكن القول بأنه مع عصر النهضة والإصلاح الديني، بدأ يظهر اهتمام خاص بالثقافة العبرية وباليهود في العالم الغربي. وبدأ التأكيد على أن اليهودية هي أحد مصادر المسيحية، فبيَّن المفكر الهولندي هوجو غروتيوس المصادر المشتركة بين المسيحية واليهودية في كتابه حقيقة المسيحية. وألف لوثر كتاباً بعنوان المسيح وُلد يهودياً. وبدأ كثير من الكُتَاب يهتمون بالتلمود وكتب القبَّالاه والتراث الديني اليهودي. وقد انعكس هذا الاتجاه، في نهاية الأمر، في ظهور القبَّالاه المسيحية ومصطلح «التراث اليهودي - المسيحي» الذي اكتسب شيوعاً كبيراً. كما ظهر الاهتمام بالموضوعات اليهودية والعبرية في الآداب والفنون الغربية، وكان هذا أمراً جديداً إلى حدٍّ كبير. وظهرت معالجة إيجابية لشخصية اليهودي في أعمال ملتون وراسين وباسكال ورمبرانت وسكوت وبايرون وجورج إليوت وغيرهم من الكتاب.
وقد تزايد التحيز لليهود نتيجة عدد مترابط من الأسباب:
1 ـ طرح الإصلاح الديني في الغرب تصوُّراً جديداً للعلاقة بين الخالق والمخلوق بحيث يتم الخلاص لا من خلال الكنيسة وإنما من خارجها. وأصبح من حق الفرد المسيحي أن يفسر الكتاب المقدَّس بنفسه تفسيراً حرفياً يبتعد عن التفسيرات المجازية والرمزية التي تبنتها الكنيسة الكاثوليكية. وقد اكتسب الكتاب المقدَّس بشقيه (العهد القديم والعهد الجديد) أهمية خاصة في الوجدان الغربي، وأصبح العهد القديم من أكثر الآثار الأدبية شيوعاً. وقد ساهم كل ذلك في تزايد الاهتمام بأعضاء الجماعات اليهودية وبميراثهم الديني في العالم الغربي.
2 ـ منذ نهاية القرن السادس عشر، ومع تعاظُم انتشار العقيدة البروتستانتية، شهد العالم الغربي انتشار العقيدة الألفية التي تربط بين رؤية الخلاص وعودة اليهود إلى فلسطين.

3 ـ ساهم ظهور الفكر المركنتالي، الذي أكد أهمية النشاط التجاري، في الاهتمام باليهود كعنصر تجاري نشيط وكواحد من أهم عناصر التجارة الدولية.
4 ـ شهد القرن السادس عشر بدايات حركة الاستيطان الغربية. ويبدو أن أسطورة الاستيطان الغربية والصورة الوجدانية الأساسية، في مراحل الاستيطان الأولى على الأقل، كانت أسطورة عبرانية. فقد كان المستوطنون البيض في كل أرجاء العالم ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم عبرانيين يخرجون من مصر (بلادهم الأصلية) ثم يصعدون إلى صهيون (البلد الجديد) ويهاجمون الكنعانيين (السكان المحليين) ويبيدونهم عن بكرة أبيهم. وكان المستوطنون الأمريكيون يشيرون إلى أنفسهم على أنهم «أبناء العهد» ، ويشيرون إلى القارة الأمريكية على أنها «صهيون الجديدة» ، بل تم التفكير في تبنِّي العبرية كلغة رسمية للولايات المتحدة عند إعلان استقلالها.
5 ـ انتشر في القرن الثامن عشر فكر الربوبيين، الذين كانوا ينادون بأن العقل قادر على الوصول إلى فكرة الخالق بدون حاجة إلى ديانات منزلة أو معجزات أو وحي خاص، وهو الفكر الذي تطوَّر ليصبح الفكر العلماني فيما بعد. وقد أظهر هؤلاء المفكرون الربوبيون والعلمانيون اهتماماً باليهود من حيث هم أعداء الكنيسة.

ويمكننا القول بأن الاهتمام بالتراث الديني لليهود لا يعني بالضرورة اهتماماً بهم كبشر. إذ كان كثير من المفكرين يهتمون بأبطال العهد القديم ويكنون، مع هذا، احتقاراً عميقاً لليهود بوصفهم جماعات دينية أو إثنية. بل إن عظمة التراث الديني اليهودي في رأي هؤلاء تقف شاهداً على مدى ضعة اليهود. كما أن مناداة المرء بمنح اليهود، وغيرهم من أعضاء الأقليات، حقوقهم السياسية كاملة يُعتبَر جزءاً من فلسفة سياسية ليبرالية عامة، وليس تعبيراً عن حب خاص أو تحيُّز لهم أو ضدهم. كما يمكن الاهتمام بالتراث الديني اليهودي كجزء من الاهتمام بتراث الديانات التوحيدية دون أي تركيز على اليهود ذاتهم، وخصوصاً أن علاقتهم بتراثهم الديني قد تآكلت إلى حدٍّ كبير.
ولذا، سنقصراستخدام مصطلح «التحيز لليهود» على هؤلاء الذين يعطون اليهود مركزية خاصة في رؤيتهم للعالم. ومن أهم هؤلاء اللورد شافتسبري (السابع) ، ولورانس أوليفانت، ولورد بلفور، ممن يُطلَق عليهم مصطلح «الصهاينة غير اليهود» . وعند تحليل فكر هؤلاء، سنكتشف أنه فكر معاد لليهود وأن حبهم لليهود ومحاولة مساعدتهم على الهجرة إلى فلسطين هي أيضاً محاولة للتخلص منهم. فالهجرة، التي تُطرَح حلاًّ للمسألة اليهودية، وتتضمن توظيفاً لليهود باعتبارهم مادة بشرية، هي تهجير وطرد وترحيل. وربما كانت فكرة الشعب العضوي، الذي يُنبَذ بسبب عضويته، هي الأساس الفكري لهذا الحب/الكره. والتركيز على اليهود كعنصر أساسي في أية عملية استيطانية هو علمنة لفكرة الشعب الشاهد الذي يقف على حافة التاريخ الغربي، والذي ليس له قيمة ذاتية في حد ذاته وإنما يكتسب قيمته بمقدار أدائه لوظيفته وبمقدار نفعه. وقد تبدَّى هذا الحب/الكره في نهاية الأمر في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
شيلوك
‏Shylock

شخصية أساسية في مسرحية تاجر البندقية لوليم شكسبير، وهو يهودي يعمل بالربا. وقد أصبحت الكلمة جزءاً من المعجم الإنجليزي وتعني «الرجل الطماع الشره الذي لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه» . ولا يُعرَف على وجه الدقة أصل هذا الاسم، فهو ليس اسماً يهودياً، ولذا تضاربت النظريات بشأنه، فيُقال إنه مأخوذ من كلمة «شيلوه» ، ويُقال أيضاً إنه مأخوذ من كلمة «شالح» وهي شخصية يرد اسمها في سفر التكوين (11/14 ـ 15) .
ويتسم الفكر العنصري بأنه فكر اختزالي، أي أنه فكر كسول، لا يكد ولا يتعب لكي يحيط بتركيبية الواقع وتعدُّد مستوياته، بل يقنع بإدراك هذا الواقع إما على مستوى واحد أو من خلال صورة إدراكية واحدة بسيطة أو صورة مجازية اختزالية ساذجة. فالعالم كله ذو بُعد واحد، وهو يشبه الساعة أو النبات الذي يتبع دورات طبيعية منتظمة، وهناك منهج واحد لإدراك كل الظواهر إنسانية كانت أم مادية، والبشر دوافعهم كلها مفهومة ويمكن تفسيرها من خلال عامل أو أكثر من العوامل المادية (فالإنسان يمكن رده إلى قوانين الطبيعة) ، وكأن العالم (الطبيعة والإنسان) كيان أحادي مكوَّن من ذرات وأرقام، كما يتصور بعض الماديين السذج والعلماء البسطاء من دعاة الواحدية المادية الكونية.

ويتَّسم الأدب العظيم بأنه يرفض هذه الاختزالية والواحدية الكونية، ويحاول أن يعود بالإنسان إلى ذاته ليدركها ويُقدرها حق قدرها، ولذا فهو يقدم صورة للنفس البشرية باعتبارها كياناً مركباً إلى أقصى حدٍّ يستعصي على التفسيرات المادية البسيطة ولا يمكن أن ينضوي تحت القوانين العلمية الرتيبة، فالعالم بالنسبة للأديب العظيم لا يمكن أن يُختَزل في بُعد واحد أو أن يُردَّ إلى مستوى مادي واحد أو أن يسقط في صورة مجازية واحدة ساذجة. واللغة الأدبية المجازية تنفر من لغة الجبر والقوانين الهندسية لأنها تتعامل مع ظاهرة مركبة. وإذا كانت لغة الجبر لغة بسيطة لا تتحمل الإبهام، فلأنها لغة تهدف إلى وصف الأشكال الهندسية وحركة الكواكب وعلاقة الأرقام والذرات وكل ما هو محسوس وقابل للقياس. أما لغة الأدب، فتتعامل مع الإنسان في أفراحه وأتراحه، ومن ثم فهي لغة مجازية تحاول الإفصاح عن المفارقات والتعبير عن الشيء وعكسه في آن واحد وتتعامل مع المحدود واللا محدود والمتناهي واللا متناهي وما يُقاس وما يستعصى على القياس.
والأنماط الإدراكية العنصرية هي أنماط اختزالية تبسيطية تُعبِّر عن كسل من يستخدمها، فهي تختزل الآخر في كلمة أو كلمتين وفي صورة بسيطة وفي صورة مجازية أكثر بساطة، فالآخر «غشاش» ولا يمكن الثقة فيه. والعالم سيصبح مكاناً جميلاً رائعاً فردوسياً لو اختفى منه هذا الآخر، فالآخر هو الجحيم وهو مصدر كل التعاسة.
ومن أهم الأنماط الإدراكية الاختزالية للآخر، والتي توجد في كل الأدبيات العنصرية في العالم، صورة الآخر باعتباره «حريصاً على المال» و «شرهاً بطبعه» ، وهي صورة منتشرة عن الصينيين في جنوب شرق آسيا، وعن الباكستانيين في إنجلترا، وعن اليهود في أوربا والعالم العربي.

وهذه الصورة الإدراكية الاختزالية كثيراً ما يكون لها أساس في الواقع، ولكن ما يفعله العقل العنصري هو أنه يعزل بعض التفاصيل عن واقعها المركب وعن أسبابها وملابساتها ويحولها إلى بنية مجردة ونموذج إدراكي معرفي يفسر به كل الأمور. ولنأخذ تهمة الحرص الزائد هذه التي يدعي العنصري أنها صفة لصيقة بطبيعة الآخر. لو دقق العنصري الاختزالي قليلاً لاكتشف أن الصينيين والباكستانيين أهل كرم في بلادهم، وأن عقائدهم الدينية تشجع على السخاء وإكرام الضيف، ولذا فالحرص المتطرف ليس أمراً كامناً في طبيعة الصينيين أو الباكستانيين أو في عقائدهم الدينية، وإن وُجد مثل هذا الحرص الشديد فيهم فلابد من البحث عن مصدره في مكان آخر. ولو دقق صاحبنا العنصري قليلاً لاكتشف أن هؤلاء الباكستانيين والصينيين واليهود يعيشون في بلاد غير بلادهم، وأن إحساسهم بالأمن يكون عادةً ضعيفاً بينما يتزايد إحساسهم بالخطر، وعادةً لا يكون لهؤلاء الغرباء علاقة بالأرض أو الثوابت في المجتمع إذ أن كيانهم ووجودهم في المجتمع يستند إلى الدور الذي يلعبونه وإلى الوظيفة التي يضطلعون بها وإلى الثروة التي يراكمونها، ولذا يصعب عليهم أخذ موقف متسامح من المال.
كما أن هذا الصيني الشره في علاقته مع الأغلبية، عادةً ما يكون سخياً جداً مع أعضاء جماعته ومع وطنه الأصلي إن وُجد. فكأن هذا الصيني الشره، في علاقته مع الأغلبية في المجتمع المضيف، هو نفسه الصيني السخي في علاقته مع أعضاء جماعته. ويختزل العنصري كل هذا ويأبى إلا أن يركز على عنصر واحد منتزع من ملابساته الاجتماعية ولحظته التاريخية ومنفصل عن كل زمان ومكان.

وقد قام شكسبير بتناول هذا النمط الإدراكي الاختزالي والعنصري في شخصية شيلوك في مسرحية تاجر البندقية. ولكن تناول شكسبير لهذا النمط الإدراكي هو نموذج جيد للأدب العظيم الذي يتجاوز كل محاولات الاختزال التي يتسم بها الفكر العنصري، فهو يقدم تصويراً مركباً لهذه الشخصية الأمر الذي جعل النقاد يقدمون تفسيرات عديدة لأبعادها وأصلها ودلالتها ويركز كل تفسير على بُعد واحد أو بُعدين، مع أن كل العناصر متداخلة. ولكن هذه هي حدود اللغة النقدية: إنها تقوم بتفكيك العمل الأدبي ثم تركيبه، فتقدم كل عنصر على حدة، وكأنه مستقل بذاته، على عكس العمل الأدبي الذي يقدِّم العناصر كافة في تداخُّلها وتركيبيتها وتزامنها. ورغم إدراكنا لهذه العناصر كافة، إلا أننا سنقوم بتقديم هذه التفسيرات المختلفة، كلاًّ على حدة، على أن يقوم القارئ برؤيتها في تلاحمها وتمازجها. ولن نُقدِّم هنا قراءة أدبية للنص ذاته، مسرحية تاجر البندقية، وإنما سننظر إلى النص باعتباره تعبيراً عن مواقف إنسانية متباينة متنوعة تُعبِّر عن نفسها خلال مستويات مختلفة (اجتماعية وفلسفية ونفسية وتاريخية وأدبية) أي أن اهتمامنا ليس أدبياً صرفاً، إذ أننا سنستخدم النص في دراسة هذه المواقف الإنسانية. ورغم أن دراستنا ليست أدبية خالصة، إلا أنها ستنير العمل الأدبي:

1 ـ التفسير التاريخي: من المعروف أنه لم يكن يوجد يهود في إنجلترا زمن كتابة المسرحية (في أواخر القرن السادس عشر الميلادي ـ حوالي 1597) إلا بعض يهود المارانو الذين كانوا يقيمون هناك. ويُقال إن رودريجيز لوبيز، طبيب الملكة إليزابيث، والذي اتُهم بالتآمر ضدها ثم أُعدم، هو النموذج الذي استخدمه شكسبير (وكان عدو رودريجيز لوبيز هو دوم أنطونيو، ومن هنا نجد أن أنطونيو هو أهم شخصية في المسرحية وعدو شيلوك اللدود) . ولكن المؤرخ الأمريكي اليهودي سيسل روث يذهب إلى أن شيلوك يهودي إشكنازي من البندقية. وكانت البندقية تضم في ذلك الوقت ثلاثة أنواع من اليهود كان يُشار إليهم باسم «الأمم الثلاث» : سفارد الشام والمارانو والإشكناز. وكان مصرحاً للسفارد والمارانو بالعمل في التجارة المحلية والدولية وكانوا يمتلكون السفن التجارية ويتاجرون مع الشام. أما الإشكناز، فكان ممنوعاً عليهم الاتجار، بل لم يكن مسموحاً لهم إلا بالعمل بالربا وبيع الملابس القديمة (وهي وظيفة مرتبطة تماماً بالربا) .

2 ـ التفسير الطبقي: يذهب بعض النقاد إلى أن أعضاء الأرستقراطية الإنجليزية الزراعية (الإقطاعيون) ، وكثيرون منهم كانوا يرتادون مسرح جلوب الذي كانت تُعرَض فيه مسرحيات شكسبير، بدأوا يشعرون بآثار الثورة التجارية وبنمو اقتصاد المدن والتضخم الذي صاحب ذلك، الأمر الذي زاد من نفقاتهم، ولكن لم تكن لديهم الكفاءات اللازمة للاستثمار التجاري باستثناء أقلية صغيرة منهم. ولهذا، بدأت ديونهم تزداد أكثر فأكثر. وفي الوقت نفسه، بدأت القيم التجارية التعاقدية تسود في المجتمع وتحل محل قيم الشرف والكرم والأبهة التي كان يؤمن بها هؤلاء الإقطاعيون. ويُجسِّد أنطونيو في المسرحية المذكورة الأخلاقيات الأرستقراطية، فهو كريم يقرض أمواله بدون فوائد، يعيش حياة مسرفة ولكنه ليس تاجراً بمعنى الكلمة لأنه غير مشغول بتراكم رأس المال. وهكذا، فإن أنطونيو يقف على الطرف النقيض من شيلوك عضو الجماعة الوظيفية المالية الذي لايدين بالوفاء إلا لقيمة التراكم ولا يدين بالولاء إلا للمال. ويعرِّف شيلوك الخير تعريفاً نفعياً مادياً حينما يشير إلى أن أنطونيو لديه من الممتلكات ما يسمح له برد الدين، فكأن حكمه عليه حكم مالي إجرائي ينزع عنه أية قداسة وينظر إليه بشكل موضوعي كمي غير تراحمي. ومقابل العلاقة الحميمة وكلمة الشرف التي يؤمن بها الأرستقراطيون، هناك العلاقات الموضوعية التعاقدية التي تؤمن بها الطبقة التجارية الجديدة والتي يدافع عنها شيلوك في المسرحية.

3 ـ التفسير الديني الاقتصادي: وهناك بعد ديني اقتصادي يتمثل في ظهور جماعات البيوريتان البروتستانت من عناصر البورجوازية الجديدة النشطة المؤمنة بتعاليم كالفن، والتي حوَّلت الزهد المسيحي في الدنيا من أجل الآخرة إلى زهد داخل الدنيا من أجل تراكم رأس المال، علامةً على الخلاص في الآخرة. ولذلك، كان هؤلاء يكرهون الملذات والإنفاق وارتياد المسرح والمسرات. ويجىء شيلوك، في هذه المسرحية، رمزاً لهذه القطاعات المتزمتة الملتزمة بالتراكم وحسب والتي تنكر العلاقات الإنسانية وخلاص الروح حتى تحقق تزايد الثروة. ولم يكن شكسبير مخطئاً على الإطلاق، فبعد فترة وجيزة استولى هؤلاء على الحكم في ثورة كرومويل وأغلقوا المسارح كليةً. وكان من المألوف آنذاك أن يتم الربط بين غلاة البروتستانت واليهود.
4 ـ التفسير اللاهوتي: ولكن هناك بعداً دينياً خالصاً، فقد أشاع العهد الجديد صورة سلبية للغاية عن الفريسيين (وهي فرقة دينية يهودية ظهرت أيام المسيح) ، وفي هذه المسرحية ارتبطت هذه الصورة باليهود بصورة واضحة تماماً. ويمثل شيلوك الفريسي بالدرجة الأولى، فهو يحترم حرفية القانون لا روحه، وهو بلا عاطفة، كما أنه يجيد استخدام الكتاب المقدَّس لتبرير أفعاله (وهي تهمه وجهها المسيح إلى الفريسيين) . وأخيراً، ارتبط الفريسيون في الوجدان المسيحي بأنهم المحرضون الحقيقيون على صلب المسيح. ومن هنا، فإن شيلوك يُماثل الفريسيين، حين يطالب برطل اللحم، أما أنطونيو فهو كالمسيح إذ يمثل حَمَل الإله الذي سيُقدَّم للذبح.

بل إن العلاقة بين شيلوك وأنطونيو هي مثل العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد كما يرى المسيحيون. فاليهودية تمثل لاهوت العدل دون رحمة، ومن ثم أصبح التعاقد والميثاق مسائل مركزية في العقيدة اليهودية. ولكن العدل بدون رحمة، حسب رأي المسيحيين، لن يؤدي إلى خلاص. ولهذا، فإن المسيحية هي لاهوت الرحمة التي لا يمكن للإنسان بدونها أن يصل إلى الخلاص. والمسيحية ترى أن العهد الجديد أكمل العهد القديم بل ربما حل محله ونسخه، وأصبحت الرحمة لا العدل هي الهدف. وقد أنكر اليهود المسيح واستمروا حبيسي العهد القديم ولاهوت العدل والقانون والتعاقد، ولكنهم يذوقون في نهاية الأمر أشد ألوان العذاب ويعانون في الدنيا، وبذلك فإنهم يقفون شاهداً على عظمة المسيحية والكنيسة. ومن هنا، فإن شيلوك يجسد العنصر اليهودي كما يجسد التعاقدية ولاهوت العدل، في حين يقف أنطونيو ممثلاً للمسيحية والرحمة ولاهوت المحبة.
ومع هذا، يُعطي شكسبير الفرصة لشيلوك ليُحاكم المسيحيين من منظور لاهوت الرحمة، هذا الذي يدَّعون إيمانهم به، فيُذكِّرهم بما كانوا يلحقونه به من أذى. كما يعطيه الفرصة للحديث عن الجوانب الإيجابية في فكرة التعاقد ولاهوت العدالة، فالإيمان بالتعاقد وبالعدل هو أيضاً إيمان بأن النفس البشرية ليست منزهة عن الهوى، وأن الأمور لو تُركَت للمحبة وحسب، لاختلط الحابل بالنابل لتحولت القيم الأخلاقية، ذات البُعد الاجتماعي، إلى تجارب نفسية شعورية. ويمكن القول بأن شكسبير يقترح علينا نموذجاً يجمع بين القانون والرحمة وبين العدالة والمحبة وبين التعاقد والتراحم وبين الذات والموضوع وبين الفرد والمجتمع.

5 ـ الجماعة الوظيفية: وقد اختلف النقاد في تفسير موقف شكسبير من شخصية شيلوك: هل هو يتعاطف معه جداً أم أنه يرفضه تماماً؟ وهل شيلوك شيطان رجيم يجب أن نفرح لسقوطه، أم أنه ضحية المجتمع المسيحي المستغل؟ وربما أمكن حسم هذه القضية بالتأكيد على هوية شيلوك كعضو في جماعة وظيفية أوكل لها المجتمع الاضطلاع بوظيفة الربا الذي يؤدي إلى دمار أعضاء المجتمع، أي أنه أداة دمار. ولكن عضو الجماعة الوظيفية لم يختر وظيفته، فوظيفته هي قدره ومصيره الذي اختير له. ومن ثم، فإن ما يقوله شيلوك عن نفسه باعتباره إنساناً أُهدرت إنسانيته هو أمر حقيقي، كما أن ما يُقال من أنه أداة استغلال صماء لا تدخل في علاقة إنسانية مع البشر وتحاول هدمهم هو أيضاً أمر حقيقي. وهذه الصورة المزدوجة التي يتحدث عنها بعض النقاد هي، في واقع الأمر، ازدواجية تُعبِّر عن علاقة أعضاء الجماعة الوظيفية بأنفسهم وبالمجتمع، فهم بشر في علاقتهم بأنفسهم وهكذا يرون أنفسهم، وهم أدوات في علاقتهم بالمجتمع وهكذا يراهم المجتمع. والواقع أن شكسبير، وكُتَّاب آخرون من بعده، حاولوا أن يتعاملوا مع هذه العلاقة في تركيبيتها الصلبة وثنائيتها الحادة.

وشيلوك شخصية فنية تأتي ضمن سلسة طويلة من الشخصيات الفنية رسمها الفنان الغربي لليهود قبل بعد تاجر البندقية (فاليهودي جزء لا يتجزأ من الخطاب الغربي في مشوار اكتشافه لذاته وتحديدها) . ومن أهم الشخصيات الفنية الأخرى شخصية باراباس في مسرحية مارلو يهودي مالطة (وهو شيطان صرف لا يتسم بازدواجية شيلوك) . وهناك شخصية اليهودي في رواية وولتر سكوت إيفانهو، وشخصية فاجين في قصة ديكنز أوليفرتويست، وشخصية دانيل ديروندا في رواية جورج إليوت التي تحمل هذا الاسم، والشخصيات اليهودية المختلفة في روايات دزرائيلي. وتوجد إشارات مختلفة في الشعر الإنجليزي، عن اليهود، منذ القرن التاسع عشر، على وجه الخصوص. ويُقال إن الشخصية الأساسية في قصيدة «الملاح القديم» لكوليردج هي أساساً اليهودي التائه. ويتراوح الموقف من اليهود في الأدب الإنجليزي (وفي الآداب الغربية عامة) بين الكره الشديد والحب العميق، بين النبذ والتقديس، وكلاهما موقف يستند إلى فكرة الشعب العضوي المنبوذ حيث تتم رؤية أعضاء الجماعات اليهودية لا باعتبارهم بشراً، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإنما باعتبارهم كياناً عضوياً متماسكاً غير منتمٍ للمجتمع ومن ثم لابد من طرده.
وتوجد الظاهرة نفسها في الأدب الأمريكي. ولعل من أهم الكُتَّاب الأمريكيين المعادين لليهود الشاعر عزرا باوند الذي وصل في بعض كتاباته إلى رؤية اليهود كشياطين مسئولين عن كل شرور العالم.
فيودور دوستويفسكي (1821-1881 (
‏Foyodor Dostoyevsky

روائي روسي، ومن أهم الروائيين العالميين على الإطلاق. كان موقفه من أعضاء الجماعات اليهودية يتسم بالعنصرية الشديدة. وهناك إشارات عديدة لأعضاء الجماعات اليهودية في كتابات دوستويفسكي غير الروائية، كما أن هناك إشارات هنا وهناك في أدبه الروائي، حيث توجد شخصيات يهودية في بعض رواياته، خصوصاً في بيت الموتى (1861) وهي رواية عن تجربة سجين (غير سياسي) في معتقل في سيبريا، ورد فيها وصف لسجين يهودي يقيم كل شعائر دينه بحرص شديد. ولكن أهم النصوص التي عبَّر فيها دوستويفسكي عن وجهة نظره العنصرية بشكل واضح ومباشر هي يوميات كاتب. ولا يختلف التناول الروائي لدوستويفسكي لليهود عما جاء في يومياته. وهذا يثير إشكالية كبرى وهي كيف يمكن لأديب، صاحب رؤية إنسانية في أدبه، أن يتسم موقفه المباشر والمعلن من أقلية دينية أو عرْقية بهذه العنصرية والاختزالية وضيق الأفق. وهذا ما سنحاول تفسيره (لا تبريره (.

ولنبدأ دراستنا بمحاولة استخلاص رؤية دوستويفسكي لليهود كما وردت في يوميات كاتب. كان دوستويفسكي يشير إلى اليهود بكلمة «جيد Zhid» الروسية التي تحمل مضموناً قدحياً، ويرفض استخدام كلمة «يفري Yevrey» أي «عبري» التي تُعَدُّ أكثر حياداً. وكان يذهب إلى أن اليهود شعب واحد له تاريخ يمتد لأربعة آلاف عام، وهو شعب حيوي طاقته لا تنتهي نجح في الاحتفاظ ببقائه وتماسكه، ولذا كان يشير إليهم باعتبارهم «القبيلة اليهودية» التي يعيش أفرادها فيما يسميه «حالة الجيتو» ، يربطهم «ميثاق الجيتو» ، وهو ميثاق يطالبهم بعدم إظهار الرحمة نحو الغير وبالتعالي عليهم وبالعيش في عزلة عن كل الشعوب عبر آلاف السنين. ومن أهم عقائد هذا الشعب ـ حسب تصور دوستويفسكي ـ عقيدة الماشيَّح ذات المضمون القومي، وهي عقيدة تذهب إلى أن المسيح المخلِّص اليهودي سيعود ويقود شعبه إلى القدس مرة أخرى ويمنحهم إياها ويرمي جميع الشعوب تحت أقدامهم. وهذا الشعب اليهودي تحركه القسوة والرغبة في شرب الدماء، ولذا فهم يعملون بالتجارة، خصوصاً تجارة الذهب، ويديرون البورصات ويستغلون الطبقات الفقيرة، خصوصاً الأقنان. ويجأر اليهود بالشكوى من المعاناة التي يلاقونها في روسيا، ويدَّعون أنهم غير متساوين في الحقوق مع الروس، مع أن معاناة الأقنان الروس تفوق كثيراً معاناة اليهود.

واليهود ـ حسب رأي دوستويفسكي ـ يوجدون في كل مكان، فهم يوجدون داخل التشكيل الاستعماري الغربي ويهيمنون على الرأسمالية الغربية، وهم بطبيعة الحال موجودون في كل الحركات الاشتراكية والثورية والفوضوية والعدمية. وقد جعل اليهود همهم إفساد الشعب العضوي الروسي إذ كانوا يقومون ببيع الكحول لهم وبالشرب من عَرَقهم ودمهم. وحينما أُعتق الأقنان، انقض عليهم اليهود واستغلوهم واستفادوا من هفواتهم الإنسانية. وهم في استغلالهم للناس لا يتسمون بالرحمة، فاستغلالهم للأقنان لا يختلف كثيراً عن استغلالهم للزنوج في الولايات المتحدة بعد إعتاقهم.
ويرى دوستويفسكي أنه حتى لو أُعطيت لليهود حقوقهم كاملة، فإنهم لن يتنازلوا قط عن أن يكونوا دولة داخل دولة. وهم يفعلون ذلك لأن مصالحهم مستقلة عن مصالح المجتمعات التي يعيشون في كنفها. بل إنه يرى أن هناك مؤامرة يهودية عالمية عبر التاريخ لخدمة المصالح اليهودية المستقلة وللدفاع عنها. فهو يشير إلى دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا باعتبار أن دفاعه عن الدولة العثمانية ضد روسيا وهو تعبير آخر عن المؤامرة اليهودية الأزلية ضد روسيا وعن المصالح اليهودية المستقلة (وهذا يختلف تماماً عن موقف المدافعين عن فكرة المؤامرة عندنا إذ يرى هؤلاء أن اليهود هم المسئولون عن سقوط الدولة العثمانية دفاعاً عن المصالح اليهودية) . ويتجاهل دوستويفسكي حقيقة بسيطة واضحة وهي أن دزرائيلي كان يدافع عن الدولة العثمانية ضد روسيا لا حباً في الدولة العثمانية وإنما نكاية في روسيا وحتى تظل عنصر توازن معها، وتمنعها من التوسع، الأمر الذي قد يضر بالمصالح الإمبريالية البريطانية.

وفي الماضي، كان استغلال اليهود للآخرين أمراً تدينه العقيدة المسيحية، ولكن حدث تطوُّر في المجتمعات الغربية إذ أصبحت هذه المجتمعات تؤمن بمذهب المنفعة المادية. ويميِّز دوستويفسكي بين اليهود وروح اليهودية (وهو في هذا لا يختلف عن ماركس وعن كثير من المفكرين الغربيين في القرن التاسع عشر) ، فقد يوجد يهود طيبون ومع هذا تظل روح اليهودية هي المنفعة المادية. وقد انتشرت هذه الروح اليهودية النفعية المادية في المجتمع المسيحي بحيث أصبح الاستغلال فضيلة (يتحدث ماركس عن «تهويد المجتمع» بهذا المعنى (.
وإذا كانت الروح اليهودية هي الروح النفعية المادية، فإن حلقات المؤامرة اليهودية أصبحت على وشك الاكتمال، كما أن حكم اليهود للعالم اقترب وهيمنتهم الكاملة أصبحت أمراً وشيكاً. وقد لخص دوستويفسكي المسألة كلها بقوله إن ثمة تناقضاً أساسياً بين الفكرة السلافية (الروحية المسيحية) والفكرة اليهودية (المادية العلمانية) ، وصعود الفكرة اليهودية يعني تراجُع الفكرة السلافية، أي أن اليهودي هو الآخر الذي لابد من القضاء عليه!
ويمكننا الآن أن نطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن يعتنق أديب إنساني مثل دوستويفسكي مثل هذه الآراء التي لا تختلف كثيراً عما ورد في بروتوكولات حكماء صهيون وكتاب هتلر كفاحي؟ لمحاولة تفسير هذه الظاهرة، يمكننا أن نشير إلى بعض الأسباب، بعضها خاص بدوستويفسكي ورؤيته للكون والبعض الآخر خاص بالمجتمع الروسي ككل وبوضع اليهودية فيه وموقف الروس منهم.
ولنبدأ برؤية دوستويفسكي للكون:
1 ـ كان دوستويفسكي يرى أن روسيا قد تكون امتداداً لأوربا ولكنها في الوقت نفسه نقيضها. ورغم إيمانه بأن روسيا مدينة لأوربا إلا أنه يرى أن "المرحلة الأوربية" في تاريخ روسيا قد انتهت، وأن أوربا تمثل الماضي، بينما تمثل روسيا المستقبل.

2 ـ والغرب، من منظور دوستويفسكي، دمرته المادية والقيم الديموقراطية وضمور الحس الخلقي وظهور النفعية والتمركز حول الذات.
3 ـ كان دوستويفسكي يؤمن بالرسالة الأزلية لروسيا. فكل أمة، حسب وجهة نظره، لابد أن ترى أن خلاص العالم يكمن في خلاصها هي، وأن هدفها لابد أن يكون توحيد شعوب العالم كافة تحت قيادتها (أي أنه كان يؤمن بحتمية المشيحانية السياسية (.
4 ـ من أهم أفكار دوستويفسكي فكرة الشعب العضوي (بالروسية: نارود) . فالشعب الروسي، حسب رأيه، شعب مرتبط بأرض روسيا الأم يستمد منها الطهر والأصالة، وهو شعب لم تفسده الحضارة الغربية بعد ولم يسقط في القيم التي دمرت هذه الحضارة. وهذا لا يعني عدم وجود فساد في روسيا وإنما يعني أن الفلاح الروسي حينما يرتكب الخطيئة يعرف أنها خطيئة، فهو لم يفقد بعد مقدرته على التمييز بين الخير والشر (أي أن حسه الخلقي لم يتم تحييده تماماً (.
5 ـ وتشكل الكنيسة الأرثوذكسية (أطهر أشكال المسيحية) الإطار الديني لهذه الرؤية الكونية، كما تشكل الجامعة السلافية الإطار الحضاري أو العرْقي لها. ولذا، فإن مستقبل العالم منوط بإرادة النارود الروسي تحت رعاية الكنيسة الأرثوذكسية وبقيادة القيصر.

وفي مقابل هذه المنظومة الدائرية المتماسكة التي يتداخل فيها الديني والقومي ويحل فيها الإله في الأرض الروسية والشعب الروسي، ينظر دوستويفسكي إلى الآخر الذي يقع خارج دائرة القداسة ويرفضه: وقد عرَّف الآخر بأنه أوربا الملحدة، والكاثوليك، والنظام الرأسمالي، والثورات الاشتراكية، ولكنه بالدرجة الأولى اليهود. فاليهود هنا ليسوا يهوداً وإنما هم النظام الجديد في العالم الحديث الذي يستند إلى البيع والشراء والمساومة والقيم البرجماتية ولا يعرف المثاليات أو المطلقات الأخلاقية. ولعل من المفيد الإشارة إلى أن علم الاجتماع الألماني يميِّز بين الجماينشافت (الجماعة المترابطة العضوية) والجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي الحديث) . واليهودي هو رمز هذا المجتمع التعاقدي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي.
ولا يمكن فهم موقف دوستويفسكي وحدوده إلا بفهم وضع اليهود في روسيا والموقف الروسي منهم والذي يتمثل فيما يلي:
1 ـ كره اليهودي أمر متجذر ومتأصل في الوجدان الروسي (والسلافي على وجه العموم) . فمسرح العرائس الشعبي كان يحوي شخصية اليهودي الجشع الجبان (رغم عدم وجود عدد يُذكَر من اليهود في روسيا) . ولعل هذا الكره لليهود يعود إلى أيام إمبراطورية الخزر اليهودية التركية التي هددت الروس وأخضعتهم لهيمنتها. كما أن العداء التقليدي بين روسيا وتركيا (نظراً لأن صعود الواحد مرتبط تاريخياً بهبوط الآخر) لعب دوراً في ذلك، خصوصاً أن الوجدان الغربي كثيراً ما يربط بين اليهود والمسلمين (ولذا، ربط دوستويفسكي بين دزرائيلي اليهودي والعثمانيين (.

2 ـ ومع ظهور الأدب الروسي الحديث، ظل هذا النمط الإدراكي مسيطراً إلى حدٍّ بعيد. ومما زاده حدةً، ضم روسيا لبولندا ولملايين اليهود. والملاحَظ أن مطامح الأرستقراطية الروسية في السيطرة على الريف، والأحلام الرجعية الروسية المتصلة بقضية الشعب (نارود) كشعب عضوي راض بوضعه، متسم بالهدوء والاتزان، ارتطمت كلها بوجود اليهود كعنصر تجاري متحرك داخل الريف الروسي. وحيث إن كثيراً من الكُتَّاب الروس الأوائل كانوا من الأرستقراطية، فقد سادت الأنماط المعادية لليهود. ويتضح هذا في موقف أساطين الأدب الروسي، مثل: تورجنيف (1818 ـ 1883) وجوجول (1809 - 1852) بل تولستوي الذي كان يهاجم معاداة اليهود باعتبارها تتناقض مع ما ينادي به من ضرورة حب البشر، ولكنه كان في أماكن أخرى من كتاباته يُظهر موقفه الأرستقراطي الروسي المعادي لليهود. كما ظهر العداء لليهود في كتابات الأدباء النارودنيك مثل نيقولاي بيكراسوف (1841 ـ 1878) وفيودور ريشتنكوف (1841 ـ 1871) . وقد تم الهجوم على اليهودي باعتباره مستغلاً للجماهير المسحوقة.
ولعل تشيخوف (1860 ـ 1904) من الكُتَّاب الروس القلائل الذين تناولوا شخصية اليهودي تناولاً يتسم بشيء من التعاطف. أما في الأدب السوفيتي، فقد كانت صورة اليهودي إيجابية على وجه العموم (بما يتفق مع الخط الرسمي للحزب) ، ولا تثير أية مشاكل خاصة. (ومع هذا، صدرت كتيبات سوفيتية ذات طابع عرْقي واضح هي مجرد استمرار للموقف الروسي القديم. كما أن تصريحات بعض القادة السوفييت كانت تنحرف أحياناً عن خط الحزب وتُعبِّر عن الأنماط الإدراكية العرْقية القديمة. بل إن بعض سياسات السوفييت لا يمكن تفسيرها إلا باعتبار أنها سياسة معادية لليهود (.

3 ـ كان المستوى المعيشي لأعضاء الجماعات اليهودية أعلى على وجه العموم من مستوى كثير من الفلاحين الروس، كما أن مستواهم التعليمي كان أعلى بكثير من مستوى الأغلبية (الروسية) . كما حقق بعض اليهود (مثل عائلة بولياكوف وجونزبرج) ثراءً واضحاً.
4 ـ كان اليهود في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر جماعة وظيفية فقدت وظيفتها وأساس بقائها. ومن ثم، كان أعضاؤها في حالة تَراجُع أخلاقي وحضاري هائلة. فتركَّزوا في مهن وحرف هامشية (عادةً مشينة) مثل تقطير الخمور وإدارة الحانات وبيع الملابس القديمة، كما كان عدد البغايا اليهود مرتفعاً إلى درجة كبيرة. وكان عدم تحدُّد ولاء أعضاء الجماعات اليهودية لروسيا أمراً مفهوماً، حيث كانوا عبر تاريخهم تابعين لبولندا عدو روسيا الأكبر. كما كانوا يتحدثون اليديشية، وهي لغة عدوهم الآخر: ألمانيا. ولذا، نجد أن صورة اليهودي كجاسوس صورة متواترة في الأدب الروسي. وهي صورة ذات أساس «مادي صلب» . وما لم يدركه دوستويفسكي وغيره أن هذه الحالة اليهودية لم تظهر إلى الوجود إلا في منتصف القرن التاسع عشر، وأنها مرتبطة بعمليات التحديث في الإمبراطورية القيصرية، أي أنها مرتبطة بزمان ومكان محددين، ورغم أن يهود الإمبراطورية الروسية القيصرية كانوا يشكلون الغالبية الساحقة من يهود العالم، إلا أن حالتهم الخاصة لا يمكن تعميمها.

وقد كتب تورجنيف قصة قصيرة بعنوان اليهودي (1847) تُعبِّر بشكل مباشر عن هذا الاشمئزاز من اليهود، فبطل القصة يُعدَم بعد اتهامه بالجاسوسية. وهذا الموقف لا يختلف كثيراً عن موقف جوجول (1809 ـ 1852) في تاراس بولبا التي تقع أحداثها إبان حرب البولنديين والقوزاق. وتشتمل الرواية على وصف ليهودي صاحب حانة يتسم سلوكه بأنه مرتزق خائن يُشَك في أنه جاسوس للبولنديين (وقد ظهر الموضوع نفسه، أي اليهودي كجاسوس، في إحدى قصص الكاتب اليهودي الروسي السوفيتي إيزاك بابل بعنوان «بريستشكو» في مجموعة الفرسان الحمر (.
5 ـ لم تكن عملية التحديث تتم بسرعة كافية في روسيا، ولذا ظهرت الأمور وكأن اليهود يبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على هويتهم والانسحاب من المجتمع الروسي.
6 ـ كان اليهود متواجدين بالفعل في صفوف الثوريين (تروتسكي) والرأسماليين (جونزبرج) والرجعيين (ستاهل) والمسيحيين (شستوف) . كما كان لهم وجود ملحوظ في كل قطاعات المجتمع العلماني الجديد، الوضع الذي يعطي انطباعاً للمراقب السطحي بوجود اليهود في كل مكان وتآمرهم على كل القيم.
7 ـ كان دوستويفسكي وكل الإنتلجنسيا (بل البيروقراطية الروسية) يعانون من جهل شديد بأحوال اليهود. ويعود هذا إلى أن دخول روسيا كان محرَّماً على اليهود حتى نهاية القرن الثامن عشر، ولذا لم تكن توجد في روسيا أعداد تُذكَر من اليهود. ثم ضمت روسيا أوكرانيا وبولندا في ذلك التاريخ وضمت مع الأراضي أكبر تجمُّع يهودي على وجه الأرض، وهو تجمُّع كان يتحدث اليديشية وكان له وضع اقتصادي وحضاري متميِّز.

ورغم جهل دوستويفسكي الشديد بالحقائق التاريخية المتنوعة، قام بالتعميم استناداً إلى معرفته المقصورة على زمان ومكان محددين، فأصبح يهود روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر هم اليهود كافة، واليهود في كل زمان ومكان. وهذه هي الطريقة التي تُولَد بها الأنماط الإدراكية العنصرية. ودوستويفسكي هو ابن عصره الغربي الذي هيمن عليه فكر عنصري إمبريالي (بالمعنى الحرفي) ، يقسم العالم إلى عنصرين اثنين متصارعين (الأنا والآخر) ، فيقدِّس الذات ويهدر حقوق الآخر، ولا يدخل في علاقة مركبة مع التاريخ وإنما يجتزئ منه ليدعم وجهة نظره العرْقية. وهذا ما فعله دوستويفسكي وهتلر، والعنصريون كافة قبلهما وبعدهما (وقد لاحَظ أحد الدراسين، بالفعل، السمات المشتركة بين هتلر ودوستويفسكي) .
ثم نأتي أخيراً للقضية التي طرحناها في بداية هذا المدخل: التناقض بين رؤية دوستويفسكي الإنسانية العالمية، والتي تتبدى أساساً في أعماله الأدبية، وموقفه العنصري الضيق تجاه اليهود. ودهشتنا لهذا التناقض مردها وهمان آخران:
1 ـ يُسيطر علينا تصوُّر مفاده أن ثمة اتساقاً عضوياً وتكاملاً في حياة البشر، وأن كل إنسان يتبع منطقاً واحداً في حياته. وتبعاً لهذا التصوُّر، لا يمكن أن يكون فرد واحد إنساناً عامر الإنسانية مع بني جلدته وقبيلته، متوحشاً بالغ الوحشية مع مجموعة إنسانية أخرى، ورغم أن هذا التصور منطقي، فإنه أبعد ما يكون عن الحقيقة المتعيِّنة، فالوجود الإنساني يتسم بالتناقض والتركيب، ويجتمع في داخل الإنسان الواحد الخير والشر والنبل الخسة.

2 ـ يُسيطر علينا أيضاً تصوُّر أن ثمة ارتباطاً (يكاد يكون عضوياً أيضاً) بين الحس الخلقي والحس الجمالي. ومرة أخرى، فإن هذا التصور المنطقي المجرد أبعد ما يكون عن الحقيقة المتعيِّنة. انظر مثلاً إلى أعمال الشاعر الأمريكي روبرت فروست، هنا نجد قصائد رائعة الجمال ترتبط فيها فكرة النظام بالمعنى الجمالي بفكرة النظام بالمعنى الأخلاقي، ولكن يُقال إن حياة هذا الشاعر الشخصية تتسم بكثير من القسوة والوحشية تجاه أقرب أقاربه. ويمكن أن يكتب أديب عملاً فنياً في غاية الرقي الفني ولكنه يدعو إلى الانحطاط. إن الحق والجمال أمران مختلفان، وهو أمر لا شك محزن، ولكن هذه هي سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وعلينا أن نتأمل بشيء من التفلسف حينما نعرف أن ضباط فرق الصاعقة النازية كانوا يستمعون إلى موسيقى فاجنر الراقية ويناقشون الأعمال المعمارية الضخمة التي يشيِّدها النظام النازي وهم يشمون رائحة لحم ضحايا المحرقة النازية التي تشوى ضحاياهم. وانظر إلى القاهرة ذاتها تجد أن بعض أجمل المباني شيدها الإنجليز، هؤلاء الذي جيشوا الجيوش وأرسلوا بها إلى بلادنا لتنهبها وتحوِّلها إلى مصدر لفائض القيمة الذي يصّب في خزائن الإمبراطورية البريطانية.
إدوارد/أدولف درومون (1844-1917 (
‏Edouard-Adolphe Drumont

صحفي فرنسي، وواحد من أهم المفكرين المعادين لليهود في الحضارة الغربية. عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في فرنسا، وهو عصر الهيمنة الأوربية على العالم واقتسامه بين القوى الإمبريالية المختلفة، وكان معروفاً باتجاهاته اليسارية في مقتبل حياته الصحفية. وقد اضطر درومون إلى الاستقالة من صحيفة لاليبرتيه عام 1866 وأرجع هذا إلى سيطرة المليونير اليهودي ذي الاتجاهات السان سيمونية إسحق بريير الذي كان يمتلك الجريدة، واتهم اليهود بالسيطرة على الاقتصاد والإعلام، وظهر في العام ذاته كتابه فرنسا اليهودية في جزئين، وهو من أهم كلاسيكيات معاداة اليهود في الحضارة الغربية، ويُقال إنه كان أكثر الكتب شيوعاً في أوربا في القرن التاسع عشر إذ طُبع ما يزيد على مائة طبعة، وتُرجم إلى عديد من اللغات.
ويتسم فكر درومون بأنه خليط من الأفكار الدينية الراسخة في الوجدان المسيحي الغربي والأفكار الاشتراكية والشيوعية التي حققت ذيوعاً بين الجماهير الأوربية في القرن التاسع عشر. ويتضح هذا في كتابه فرنسا اليهودية الذي يذهب فيه إلى أن اليهود عنصر تجاري هامشي بطبيعته يعوق نمو الطبقة الوسطى المحلية (المسيحية) بسبب سيطرته على المشاريع التجارية والصناعية الكبرى. واليهود لا يندمجون مع الأمم الأخرى، فهم عنصر غريب، يعيشون بين الفرنسيين ولا يندمجون معهم، فهم لا وطن لهم. بل إن أولئك اليهود الذين يبدو كما لو كانوا مندمجين، هم في واقع الأمر أكثر العناصر خطراً، فهم مخادعون يتسللون داخل الأمة لإفسادها وتدميرها. ويُلاحَظ أن وصف درومون لليهود يقترب كثيراً من وصفنا للجماعات الوظيفية التي تعيش في المجتمعات المختلفة دون أن تكون فيها، والتي تندمج فيها كي تتعامل معها بكفاءة ولكنها تظل منعزلة عنها، وتحقق تراكماً هائلاً في الثروة. وقد اقترح درومون مصادرة أموال اليهود على أن تُستخدَم هذه الأموال لإيجاد وسائل إنتاجية للطبقة العاملة المُستغَلة.

وفي عام 1892، أسس درومون جريدة لا ليبر بارول والتي أفصح فيها عن رؤيته التي تجمع بين توجه كاثوليكي وتوجه اشتراكي في آن واحد والتي نشر فيها مقالاته عن فضيحة قناة بنما، وقد سجن لمدة ثلاثة أشهر بسببها. كما أسس جماعة رابطة أعداء اليهود، ثم كتب ملحقاً لكتاب فرنسا اليهودية وعدة كتب أخرى تُعبِّر عن الاتجاه نفسه المعادي لليهود. ورشح نفسه للانتخابات عام 1898 وفاز بمقعد في البرلمان. ثم قاد الحملة ضد دريفوس، ولكن تبرئة دريفوس أدَّت إلى تراجُع نفوذه.
كارل ليوجر (1844-1915 (
‏Karl Lueger

سياسي نمساوي ومؤسس وزعيم الحزب المسيحي الاشتراكي النمساوي الذي اتسم بتوجهه المعادي لليهود. وُلد في فيينا لعائلة متوسطة ودرس القانون. بدأ حياته السياسية مع الجناح اليساري للحزب التقدمي حيث تعاون مع أعضائه من اليهود ومن بينهم أجناز ماندل الذي ظل صديقاً لليوجر ومستشاره السياسي لفترة طويلة. وقد انتخب ليوجر عضواً بمجلس مدينة فيينا عام 1875 ودخل البرلمان عام 1885. ورغم أن ليوجر نفسه لم يكن معادياً لليهود، ولم يكن متحمساً لفكرة الشعب العضوي الألماني، إلا أنه مثل غيره من السياسيين النمساويين في تلك الفترة، لم يتردد في استغلال كلا الأمرين من أجل تحقيق أغراضه وطموحاته السياسية. إذ كانت فيينا تضم في تلك الفترة مزيجاً من القوميات المختلفة، وكان استخدام أي سياسي لمشاعر معاداة اليهود يشكل أداة لتوحيد وكسب تأييد هذه الجماعات المتنافرة، وكذلك كسب تأييد البورجوازية الصغيرة التي كانت تعاني من المشاكل الاقتصادية. وقد اشترك ليوجر عام 1893 في تشكيل الحزب المسيحي الاشتراكي. وكان يسعى لكسب أصوات البورجوازية الصغيرة لهزيمة الحزب الليبرالي الذي تولى السلطة آنذاك وحظي بتأييد يهود فيينا. وبالفعل، حقق ليوجر شعبية كبيرة بفضل مهاراته كخطيب، ونجح في أن يجعل حزبه القناة الرئيسية للتعبير عن الاستياء الاجتماعي والسخط العام. وهاجم ليوجر الرأسمالية والماركسية باعتبارهما نتاجاً للعقل اليهودي. وقد نجح حزبه في انتخابات مجلس مدينة فيينا، وانتُخب ليوجر عام 1895 عمدة للمدينة، إلا أن الإمبراطور النمساوي فرانسيس جوزيف رفض الموافقة على نتيجة الانتخابات، ربما بسبب نشاط ليوجر المستفز للشعور العام، ولكنه اضطر تحت ضغط الرأي العام في فيينا وبإيعاز من تيودور هرتزل إلى إقرار تعيينه. وقد عمل ليوجر من خلال منصبه الذي احتفظ به حتى وفاته على إدخال العديد من الإصلاحات الاجتماعية والخدمات العامة.

ورغم أن سياسة إدارته كان لها بعض الآثار الاقتصادية السلبية على أعضاء الجماعة اليهودية في فيينا، إلا أن موقفه تجاه اليهود أصبح أكثر اعتدالاً بعد وصوله إلى السلطة، وضمت إدارته صديقه اليهودي ماندل (الذي تنصر وسنه 72 سنة) ، كما أن نائب العمدة كان ذا أصول يهودية. وكان ليوجر يقوم بزيارات للمعابد والأسر اليهودية. وأكثر ما يدل على انتهازية ليوجر واستغلاله لمعاداة اليهود للأغراض السياسية عبارته «أنا الذي أقرر من هو اليهودي» ، وهي عبارة تعكس في الواقع إدراك ليوجر للإبهام وعدم الوضوح الذي يحيط بمسألة تعريف اليهودي في فيينا، حيث ذهب البعض إلى اعتبار اليهود جماعة دينية، بينما اعتبرهم البعض الآخر، مثل القوميين الألمان، جماعة عرْقية. وقد أتاح ذلك لليوجر إنكار معاداته لليهود أو تأكيدها وفقاً لما تستدعيه مصلحته والمصلحة السياسية لحزبه. إلا أن ترويجه الأفكار المعادية لليهود كان له أثر، فيما ما يبدو، على فكر أدولف هتلر إبان نشأته.
أوجست سترندنبرج (1849-1912 (
‏August Strindenberg
أهم كُتَّاب المسرح السويديين، ومن أهم كُتَّاب الدراما في العالم أجمع. وُلد لأسرة من الطبقة الوسطى في العاصمة السويدية لأب يعمل وكيلاً في النقل البحري وأم خادمة.
ألَّف ما يزيد على الستين عملاً درامياً، كما كتب مئات المقالات والعشرات من الروايات والمجموعات القصصية القصيرة والسيرة الذاتية. وهو يمثل بالنسبة للأدب السويدي واللغة السويدية ما يمثله شكسبير للأدب الإنجليزي واللغة الإنجليزية.

وترجع علاقة سترندنبرج باليهود إلى بدايته الأولى ككاتب واقعي تقدُّمي هاجم الملكية والمؤسسات الرجعية في السويد في كتابه الملكية الجديدة وكتابه أشعار (1883) . وقد أثار هذان الكتابان القوى المحافظة في السويد ضده، وهو ما حدا به إلى السفر إلى أوربا متنقلاً بين بلادها. ونشر، وهو في الخارج، مجموعة إسكتشات تحت عنوان «الزواج» عام 1884، وكان ناشرها يهودياً. وفي هذه المجموعة، هاجم سترندنبرج المؤسسات الدينية هجوماً شديداً ودافع عن الجانب الجسدي في الزواج الأمر الذي دفع أعداءه إلى مقاضاته باستخدام فقرة في القانون السويدي تجرِّم التجديف، وأشاروا إلى اسكتش في المجموعة سماه «شعراء الفضيلة» استخدم فيه إشارات ترمز للعشاء الأخير.
وفي البداية، رفض سترندنبرج العودة والوقوف أمام المحاكمة. إلا أنه عاد فيما بعد عندما بدأ الادعاء في مقاضاة ناشره اليهودي وفقاً للقانون السويدي الذي كان يجيز مقاضاة الناشر في حالة غياب المؤلف. وقد صرح سترندنبرج بأن عودته ترجع أساساً لخوفه من تحيُّز القانون ضد الناشر اليهودي لكونه يهودياً حيث إن أوربا كانت تجتاحها في تلك الآونة موجة من العداء لليهودية (على حد قوله) . وقد بُرئ سترندنبرج من تهمة التجديف، إلا أن محاكمته ذاتها جلبت عليه الخراب، حيث قُوطع من الناشرين وأصحاب المسارح على حدٍّ سواء. وفي هذه الفترة، كتب سترندنبرج مسرحياته الشهيرة مس جولي، والأب، واللعب بالنار والدائنون، وغير ذلك مما أعطاه شهرة ككاتب طبيعي النهج. وقد أدَّت الضغوط الاقتصادية إلى رحيله عن السويد مرة ثانية عام 1892 والانغماس في الفترة من 1892 في محاولات عقيمة لتحويل المعادن وصناعة الذهب حيث ترك الأدب تماماً. وقد تأثر في هذه الفترة بأعمال المتصوف الديني السويدي سويدنبورج، بعد تأثره العميق بأفكار نيتشه.

وفي هذه الفترة أيضاً، نشر سترندنبرج عدة مقالات في صحف ومجلات الجماعات التي تهتم بالأسرار الروحية والسيميائية في فرنسا ووُجِّهت لها تهمة معاداة اليهود. وتستحق فكرة معاداة سترندنبرج لليهود وقفة طويلة. فقد ذاعت تلك الفكرة كما اشتُهر عنه أيضاً بأنه عدو المرأة. ولقد رأينا كيف عاد سترندنبرج للسويد ليواجه المحاكمة بتهمة التجديف بدلاً من إعطاء الفرصة لخصومه لمقاضاة ناشره اليهودي. وقد أعرب سترندنبرج في كتاباته وخطاباته أكثر من مرة عن كراهيته لناشره واحتقاره له حيث وصفه بأنه «مصاص دماء يثرى على حسابه» ، ويراكم المال بينما يعيش هو «في الفاقة والعوز» . كما ذكر غير مرة أن معاداته لليهود إنما هي معاداة للماليين من اليهود والمرابين الذين يثرون على حساب غيرهم من البشر. وذكر أيضاً في خطابه للناقد الأدبي برانديز عام 1882 أن «المسألة ليست اليهود ولا اليهودية ولكنها مسألة أولئك اليهود السويديين الذين يستغلوننا» .
وحتى مقالاته التي نشرها في فرنسا والتي تتسم بعدائها لليهود بين عامي 1894 و1895 كانت رداً على دفاع زولا عن دريفوس، وقد كانت هذه المقالات ممتلئة بمعاداة زولا أكثر من معاداة اليهود كجنس في ذاته.

وفي 1897، نشر سترندنبرج انطباعاته عن هذه الفترة في كتابه الجحيم وهو دراما خيالية في شكل سيرة ذاتية تمتلئ بالإشارات الباطنية والإحساس المتزايد بارتكاب الذنب الأزلي. وقد عاد سترندنبرج ابتداءً من عام 1898 إلى الكتابة الدرامية حيث سارت مسرحياته في هذه المرحلة التي يدعوها النقاد «مرحلة ما بعد الجحيم» في مسارين يتقاطعان كثيراً هما رواية التاريخ السويدي من منظور شعبي، والمسرحيات ذات المحتوى الديني. ومن أمثلة ذلك كارل الثاني عشر وسوناتا الشبح المليئة بالرموز الموحية دينياً. وقد كان سترندنبرج في تلك الفترة من حياته يمثل المدافع الأول عن حقوق الطبقات الشعبية من واقع التزام ديني. وقد اتسمت نظرته لليهود في هذه المرحلة بروح التسامح، كما مثلت فكرة القبول عنده فكرة محورية في معظم المسرحيات، مثل: إلى دمشق وعيد الفصح ومسرحية حلم.
وتُوفي سترندنبرج في أبريل عام 1912، وتحوَّل آخر عيد ميلاد له (في 22 يناير 1912) إلى مناسبة شعبية تتخللها مظاهرات كبرى هتف فيها المتظاهرون: «عاش شاعر الشعب - عاش شاعر الحرية» .
راينر فاسبندر (1946-1982)
‏Reiner Fassbinder

مخرج ومنتج وكاتب سينمائي ومسرحي ألماني كان طالباً منتظماً في مدرسة تجريبية في ميونيخ، لكنه ما لبث أن هجرها وعمل بالصحافة ثم تركها والتحق بالفرقة المسرحية البافارية الثورية التي تُسمَّى «مسرح الفعل» . وفي سن التاسعة عشرة، أخرج فيلمه القصير الأول «صعلوك المدينة» ليبدأ رحلة إبداعه الفني التي استمرت 17 عاماً وشملت 43 فيلماً و30 مسرحية وعدداً هائلاً من الكتابات والتمثيليات الإذاعية كانت جميعها، تماماً مثل حياته، نموذجاً للتمرد والانطلاق والتجريب. وقد تناول في أعماله سلبيات المجتمع الألماني بشكل خاص، والمجتمعات الغربية الحديثة بشكل عام، وما يسود هذه المجتمعات من تفكُّك وتحلُّل وإحباط نتيجة اللهاث وراء المادة وغياب أية قيمة أو معنى للحياة سوى القيم والمعاني المادية. وكانت أغلب أعماله مثيرة للجدل، وتباينت حولها ردود أفعال النقاد، بل قد وُجِّهت له تهم معاداة اليهود والتعاطف مع الإرهاب وعدم إدانة النازية. وقد أثارت مسرحيته المدينة والزبالة والموت (1974) ضجة صحفية كبرى داخل ألمانيا وخارجها واتُهم فاسبندر بمعاداة اليهود نظراً لأن الشرير المرابي المتعاون مع السلطة في المسرحية كان يهودياً. وتكررت هذه التهمة مع فيلمه «ليلى مارلين» (1980) حيث توجد أيضاً شخصية اليهودي الشرير. ولم يكن تناول فاسبندر لليهودية في أعماله من منطلق أنها عقيدة دينية وإنما من منطلق أنها نزوع إلى جمع المال والربح والصعود على أكتاف الآخرين (وهذا نمط إدراكي شائع في الأدبيات الاشتراكية الغربية) . فهو يبحث في أفلامه عن أسباب «يهودية» المجتمع (أو تهوده حسب تعبير ماركس، وهو ما نُعبِّر عنه هنا في هذه الموسوعة باصطلاح «تحوسل المجتمع» ، أي تحوُّل أعضاء المجتمع إلى مجرد وسائل لخدمة أهداف يُقال لها نهائية ولكنها ليست بالضرورة إنسانية) . وعملية التهود والتحوسل هذه تؤدي إلى التفكك والتحلل والهزيمة والعنصرية ومعاداة الأجانب وهو ما

نراه في أفلام مثل «الخوف يأكل الرمح» و «لا أبغي إلا أن تحبوني» و «الروليت الصيني» . والواقع أن كل الشخصيات في أفلامه مدانة باليهودية (بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه) . وكل الأبطال يعانون من الشعور بالوحدة والعزلة والإحباط، فحتى بعد النجاح لا يحقق المرء ذاته، والسؤال الأساسي «وماذا بعد النجاح؟» غير مطروح في هذا المجتمع كما يتبدَّى لنا من أحداث فيلمه «بائع الفصول الأربعة» (1971) . وفي هذا الإطار نفسه، تتعامل جميع أفلام فاسبندر مع موضوع الأسرة وانهيارها وانحلالها ثم اختفائها. ففي فيلم «زواج ماريا براون» (1978) ، وهو أول أفلامه الضخمة، يتناول قصة امرأة تزوجت لمدة عشرة أيام ثم طُلب زوجها للجيش في الحرب العالمية الثانية، ولكنها حافظت على زواجها بأمل تكوين الأسرة الناجحة، ثم فسقت وقتلت واستغلت وسرقت من أجل تحقيق حلم النجاح والاحترام وليس من أجل التوازن المفقود الذي لن يعود.
ويبدو أن تهمة معاداة اليهود كلفت فاسبندر وظيفته وحرمته من نيل أية جائزة من جوائز المهرجانات السينمائية الكبرى (سواء في كان أو في فنيسيا) ، وكانت الجائزة الوحيدة التي حصل عليها من برلين عن فيلمه «فيرونيكا نوس» . وقد رفضت لجنة المساعدة الاتحادية التي تقدم العون لإنتاج الأفلام في ألمانيا مشروعين من مشروعات فاسبندر.
وقد أثارت أفلام فاسبندر اتهامات أخرى ضده منها أنه لا يدين النازية، فهو لا يعتبر النازية وحشاً في حد ذاته ولكنه يبحث دائماً وراء الظاهرة الاجتماعية عن الظاهرة/الرمز سواء أكانت تلك الصورة هي الصليب المعقوف أم شمعدان المينوراه أم النجمة المسدسة أم المطرقة والمنجل. كما اتُهم بأنه مرتبط بجماعات الإرهاب نظراً لما أبداه من تعاطف في بداية فيلمه «ألمانيا في الخريف» (1977) مع أعضاء جماعة بادر ماينهوف الذين ماتوا في زنازينهم.

وقد تُوفي فاسبندر عن عمر يناهز السادسة والثلاثين بعد أن عاش حياة حافلة بالنشاط وبالإنتاج الفني والسينمائي، وكان قد اعترف قبل وفاته بأنه يتعاطى المنشطات والكوكايين ليستمر في العمل، كما اعترف بشذوذه الجنسي في فيلم «ألمانيا في الخريف» .
وفي الحقيقة، فإن اتهام فنان تجريبي حداثي مثل فاسبندر بمعاداة اليهود يُعدُّ أمراً غير مألوف، إذ أن هذا الاتهام عادةً ما يُوجَّه إلى كُتَّاب «رجعيين» أو «محافظين» يقفون ضد مُثُل التعددية والتجريب. ومع هذا، فلابد من الإشارة إلى أن ثمة عدداً من الفنانين الحداثيين الذين أخذوا موقفاً معادياً من اليهود باعتبارهم مسئولين عن سقوط الحضارة الغربية وانهيار المجتمع. ومن أهم هؤلاء المفكرين الشاعر عزرا باوند والشاعر وليام بتلر ييتس، كما أشار ت. س.إليوت إلى اليهودي بطريقة اعتبرها البعض معادية لليهود.
معاداة اليهود لكل من اليهود واليهودية
‏Jewish Anti-Semitism
يُستخدَم مصطلح «معاداة اليهود لكل من اليهود واليهودية» للإشارة إلى بعض اليهود الذين يستخدمون مقولات تراث معاداة اليهود في الغرب ويطبقون الصور الإدراكية النمطية السلبية على اليهود. ويبدو أن بعض أعضاء الجماعات اليهودية اكتسحهم تيار الاستنارة والاندماج وسلبهم ذاتهم تماماً بحيث أصبحوا يدركون العالم من خلال هذه الرؤية العنصرية. وقد انتشرت هذه الظاهرة بين اليهود المندمجين في ألمانيا، ويهود الولايات المتحدة من أصل ألماني، وكان يهود الغرب المندمجون يدركون يهود اليديشية من خلال مقولات معاداة اليهود، ومن هنا قاموا بصك مصطلحات عنصرية مثل «كايك وشيني» .

ويبدو أن الظاهرة تتبدَّى بشكل متطرف أحياناً، فهناك نظرية تذهب إلى أن فيلهلم مار الذي صك مصطلح «معاداة السامية» ( «أنتي سيميتزم» ) من أصل يهودي، بل يُقال إن هتلر نفسه كان طفلاً غير شرعي لأب يهودي. ومن المؤكد أنه كانت تجري في عروق أيخمان دماء يهودية. ويمكن القول بأن الصهيونية تعبير مركب عن الظاهرة نفسها، فهي تَصدُر عن رفض يهود المنفى، أي يهود العالم كافة حتى تاريخ قريب. كما أن الصهيونية تطالب بتصفية الجماعات اليهودية خارج فلسطين. وهي تقبل أيضاً المقولات الأساسية لمعاداة اليهود وأنماطها الإدراكية لليهود واليهودية. وتستند الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة إلى رؤية تنم عن عدم احترام لأعضاء الجماعات اليهودية. ويُلاحَظ أن الأجيال الجديدة في إسرائيل لا تكن احتراماً كبيراً لنمط «اليهودي» (أي يهودي المنفى) ويرى أعضاء هذه الأجيال أنفسهم باعتبارهم عبرانيين أو إسرائيليين، وربما كان هذا تعبيراً آخر عن معاداة اليهود لليهود.
كُره اليهودي لنفسه
‏Jewish Self-Hate

«كُره اليهودي لنفسه» مصطلح يُستخدَم لوصف اليهودي الذي يكره نفسه من حيث هو يهودي، ويود لو أنه كان من «الأغيار» . وهذه ظاهرة شائعة بين بعض أعضاء الأقليات والمقهورين، فيتمنى الأسود لو كان من البيض، ويتمنى العربي لو كان غربياً، وهو شكل من أشكال التوحد مع المعتدي. ويعتقد اليهودي الذي يكره نفسه، شأنه في هذا شأن الصهاينة وأعداء اليهود، بوجود جوهر يهودي ثابت لا علاقة له بالملابسات التاريخية والاجتماعية، وبوجود صفات يهودية ثابتة وخصوصية يهودية لا تتغيَّر، الأمر الذي يعوقه عن الاندماج الكامل في عالم الأغيار. وهو يصب جام غضبه على اليهود الذين تتجلى فيهم هذه الصفات اليهودية الافتراضية، معتقداً أن صفاته اليهودية هي سبب شقائه، وأن اليهود مسئولون عما يحدث لهم وله. ويبدو أن الظاهرة تفاقمت في أوربا بين اليهود مع حركة الإعتاق والتنوير، حين ضعف الانتماء الديني لليهود فوجدوا أنفسهم في عالم أوربا العلماني الجميل الرائع الذي اكتسحهم تماماً، وصبوا جام غضبهم على الجيتو وعلى أهلهم وأنفسهم. ولكن أول من صاغ المصطلح هو تيودور لسنج في كتابه كُره اليهودي لنفسه (برلين 1930) .
ويتبدَّى كُره اليهودي لنفسه في عدة أشكال، منها محاولة إخفاء الأصول. ويحرص بعض اليهود الكارهين ليهوديتهم على عدم الإنجاب كليةً حتى لا يزيد عدد اليهود، بل إن بعضهم يضع حداً لحياته بالانتحار. وقد يكون التنصُّر للحصول على تأشيرة دخول إلى الحضارة الغربية (على حد قول هايني) تعبيراً عن الظاهرة نفسها.
وقد يأخذ كُره اليهودي لنفسه شكل إعداد المشاريع المختلفة لإبادة اليهود والتخلص منهم كما لو كانوا حشرات طفيلية ضارة. ومن المعروف أن كثيراً من اليهود اشتركوا مع النازي في عملية الإبادة والإعداد لها، ومن أشهرهم ألفريد نوسيج الذي أعد للجستابو خطة لإبادة اليهود والذي اكتشف أمره يهود جيتو وارسو فألقوا القبض عليه وأعدموه.

ويمكن أن يأخذ كُره اليهودي لنفسه شكلاً جماعياً، فيكن يهود ألمانيا البغضاء والاحتقار ليهود اليديشية من شرق أوربا، ويرفض اليهود الأرثوذكس اليهود الإصلاحيين والمحافظين بل يكفرونهم، ويُعبِّر اليهود الإشكناز عن كُرههم للسفارد والشرقيين. ومن أهم أشكال كُره اليهود وأكثرها تركيباً ظاهرة اليهودي الذي يحقق النجاح في عالم الأغيار حسب شروطهم ثم يعود إلى جماعته اليهودية متسلحاً بشرعيته الجديدة وكفاءاته ويتولى قيادة جماعته اليهودية بدلاً من القيادة التقليدية ويبدأ في دمجها في المجتمع وفي تخليصها من سماتها اليهودية المفترضة كافة.
ويُستخدم المصطلح في الأدبيات الصهيونية للإشارة إلى اليهودي الذي يأخذ موقفاً معادياً للصهيونية، وذلك من قبيل إرهابهم أو تهميشهم. وتطرح الصهيونية نفسها باعتبارها العقيدة التي حررت اليهود من كُرههم لأنفسهم وزادت احترام الشعوب لهم، وزادت، من ثم، احترامهم لأنفسهم. ولكن الدارس المدقق سيكتشف أن الصهيونية إنما هي تعبير عن كُره اليهودي لذاته:
1 ـ فالصهيونية تَصدُر عن نقد عميق لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية التقليدية» ، فهي تحاول إصلاحها وتخليصها مما يتصوره الصهاينة هامشيتها وخضوعها بل تحاول تطبيعها، بحيث يصبح اليهود مثل الأغيار وبحيث تصبح الدولة الصهيونية دولة مثل كل الدول.
2 ـ كان واضعا الأطروحات الصهيونية الأولى (هرتزل ونوردو) ، وهما من اليهود الألمان المندمجين، يفكران في الصيغة الصهيونية خوفاً من توافد يهود اليديشية لا حباً فيهم، وكانت الصهيونية منذ البداية صهيونية توطينية بالنسبة ليهود الغرب المندمجين واستيطانية بالنسبة ليهود شرق أوربا الذين سيُصدَّرون إلى خارج أوربا حتى يتم التخلص منهم، وحتى يحافظ يهود الغرب على مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية.

3 ـ لم يحقق المشروع الصهيوني النجاح إلا بعد أن ظهرت قيادات صهيونية مندمجة تسلمت قيادة الجماعات اليهودية وحلَّت محل القيادات الحاخامية التقليدية و «باعت» المشروع الصهيوني للحضارة الغربية. ولم تنجح هذه القيادة في فرض نفسها إلا بعد أن وافقت عليها السلطات الاستعمارية الغربية، أي أنها قيادة شبه يهودية تستند إلى شرعية غير يهودية!
4 ـ المشروع الصهيوني هو في جوهره مشروع لمساعدة أوربا على التخلص من فائضها اليهودي. وتوجد في الكتابات الصهيونية العديد من الإشارات إلى اليهود باعتبارهم باكتريا وحيوانات طفيلية. ويتم التخلص من اليهود بالطريقة البلفورية في معظم الأحيان، أي عن طريق شحن اليهود إلى فلسطين بدلاً من معسكرات الاعتقال والغاز. ولكن ثمة حالات تعاون فيها الصهاينة في التخلص من اليهود على الطريقة النازية، ومن هؤلاء رودولف كاستنر، وكذلك ألفريد نوسيج الذي سبقت الإشارة إليه، وهو من مؤسسي الحركة الصهيونية.
ومن ثم، يمكن اعتبار الحركة الصهيونية تعبيراً عن كُره اليهودي لنفسه لا تقبلاً للهويات اليهودية المختلفة. لكن هذا المفهوم، مثل معظم المفاهيم النفسية التي تُستخدَم لتفسير ظواهر اجتماعية، ليست له مقدرة تفسيرية عالية، فكُره اليهودي لنفسه ليس سبباً وإنما هو تعبير عن عوامل حضارية واجتماعية أكثر عمقاً.
ويُستخدَم المصطلح الآن للإشارة لأي فنان أو مفكر يهودي يوجه نقداً لأعضاء الجماعة اليهودية، ومن ثم يُشار إلى وودي ألين وفيليب روث باعتبار أنهما يعانيان من مرض كُره اليهودي لنفسه.
أوتّو فينينجر (1880-1933)
‏Otto Weininger

فيلسوف وعالم نفس نمساوي وُلد في فيينا. ودرس علم النفس وعلوم الأحياء والطبيعة والرياضة، إلى جانب دراسته الفلسفة في جامعة فيينا. وتبنَّى في بداية حياته الفلسفة الوضعية والمذهب العقلي، إلا أنه تخلى عنهما متأثراً بمثالية كانط وأفلاطون وصوفية سانت أوغسطين وفاجنر، كما تأثر بفيلسوف العنصرية هيوستون تشامبرلين. وقد ساعد ذلك على اعتناقه المسيحية البروتستانتية، وذلك في اليوم نفسه الذي نال فيه درجة الدكتوراه عام 1902.

وفي عام 1903، كتب فينينجر عمله الكبير الجنس والشخصية الذي تضمن رؤية فلسفية معادية للمرأة ولليهود. وتتلخص نظريته في أن هناك علاقة أساسية بين الجنس والشخصية. فقد اعتبر أن الرجل يضم العناصر الإيجابية والأخلاقية والروحية والفكرية القادرة على الخلق والإبداع، أما المرأة فتضم العناصر الإدراكية (المادية والحسية واللا أخلاقية) وهي غير قادرة على أية فضيلة أو إبداع. واعتبر أن مأساة البشر تكمن في أنهم يجمعون بين عناصر الذكورة الطيبة والعناصر الأنثوية الشريرة. كما رأى أن علاقة الرجل بالمرأة تؤدي إلى تدهوره وإذلاله، واعتبر أن التحرر الحقيقي للمرأة لا يكمن في التحرر السياسي بل في تخليها عن ذلك الجانب من طبيعتها الذي تسيطر عليه الرغبات الحسية، وبالتالي اعتبر أن الامتناع الجنسي هو السبيل الوحيد للنمو الروحي للرجل ولتحرُّر المرأة. وفي تناوله لليهودية ولليهود، اعتبر فينينجر أن اليهودية تمثل العنصر الأنثوي اللاأخلاقي وغير المقدَّس وهي أيضاً العدم، في حين أن المسيحية تمثل الذكورة الأسمى وهي الوجود وهي العنصر الآري. واعتبر فينينجر أن اليهودي أسوأ من المرأة لأنه لا يؤمن بشيء، وبالتالي فإنه ينجذب نحو الفكر الشيوعي والفوضوي والإلحادي والتجريبي. كما رأى أن خلاص اليهودي لا يأتي إلا من خلال تخلصه من يهوديته، ورأى أن الصهيونية أو القومية اليهودية هي نقيض العقيدة اليهودية، إلا أنها لن يُكتَب لها النجاح لأن اليهود لا يدركون مفهوم الأمة. وقد أعلن فينينجر أن هناك المخلِّص الحقيقي الذي سيخلص العالم من اليهودية والأنوثة معاً (هل هو هتلر؟) .

وقد جمعت نظرية فينينجر عناصر من الرومانسية ومن فكر نيتشه ومن علم النفس وعلم الأحياء الحديث، ويجب فهم عمله في إطار الجدل الذي كان سائداً في عصره حول طبيعة الرجل والمرأة. غير أن فينينجر اتجه إلى استخلاص استنتاجات نهائية وعامة من خلال تجاربه الذاتية الخاصة والمحدودة. وقد اتجه كثير من مفكري النازية إلى الإشارة إلى أفكاره المعادية لليهود واليهودية كتبرير لآرائهم، ووصفه هتلر بأنه اليهودي الوحيد الذي يستحق الحياة. وكان الفيلسوف اشبنجلر يعتبره أهم ثلاثة قديسين انتجتهم اليهودية (مع إسبينوزا وبعل شيم طوف) .
وقد أُصيب فينينجر باكتئاب شديد، دفعه في نهاية الأمر إلى الانتحار بعد بضعة أشهر من إصدار كتابه. وقد طُبع كتابه ثلاثين طبعة وتُرجم إلى عدد كبير من اللغات الأوربية (وهو ما يبيِّن مدى هيمنة الفكر النيتشوي والعرْقي على الوجدان الغربي) . كما نُشر لفينينجر كتاب بعد موته بعنوان عن الأشياء الأخيرة (1918) . وقد كتب الكاتب المسرحي يوهو شاوا سوبول مسرحية عن حياته بعنوان روح يهودي. ويُعتبَر فينينجر في الأدبيات اليهودية ظاهرة مرضية ومثالاً لليهودي الكاره لنفسه، ويُعتبَر انتحاره النتيجة الطبيعية لهذه الكراهية.
آرثر تريبتش (1880-1927 (
‏Arthur Trebitsch
كاتب نمساوي يهودي. تلميذ أوتو فينينجر وهيوستون تشامبرلين. تنصَّر وأصبح من أعدى أعداء اليهود. كتب كتاباً بعنوان الروح واليهودية (1919) ألقى فيه اللوم على اليهود لهزيمة الألمان وسقوط الأسرة الحاكمة في ألمانيا والنمسا. وفي كتابه الروح الألمانية واليهودية (1921) ، استخدم تريبتش بروتوكولات حكماء صهيون ليثبت وجود مؤامرة يهودية لإفساد العالم والهيمنة عليه. وطوَّر تريبتش النظرية العرْقية الغربية المعادية لليهود وعرض خدماته على النازيين في النمسا.
تيودور لسنج (1872 – 1933)
‏Theoder Lessing

مفكر ألماني. ابن طبيب ثري درس التاريخ والفلسفة والطب في بون وميونيخ وتنصَّر (على المذهب البروتستانتي) حينما كان يدرس في فرايبورج (وكان هذا أمراً شائعاً بين أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا آنذاك) . كتب عدة دراسات عن تاريخ الأفكار من ضمنها شوبنهاور وفاجنر ونيتشه وانحطاط العالم: أوربا وآسيا.
كان لسنج مهتماً بدراسة ما يُسمَّى «مبادئ الشخصية القومية» ، وهي دراسة كانت مشبعة آنذاك (في ألمانيا وأوربا على وجه العموم) بالقيم المادية العنصرية التي تحاول تعريف الشخصية بالعودة لبعض مكوناتها المادية (حجم الجمجمة - التراب والدم ... إلخ) . وكانت مثل هذه الدراسات تقسم البشر بشكل صارم وحاد إلى أقسام منفصلة فمنهم الأدنى ومنهم الأعلى. وهذا هو الإطار الفلسفي لفكرة الشعب العضوي (فولك) . وقد هاجم لسنج فرويد باعتباره يهودياً، وهاجم التحليل النفسي باعتباره علماً يهودياً منحلاً، كما هاجم الحياة في الشتتل في سلسلة من المقالات.

قدَّم لسنج في كتابه كُره اليهودي لنفسه دراسة طبية لليهود الذين يتسمون بكُرههم لذواتهم. واليهود (حسب تصوُّر لسنج) هو شعب آسيوي لا ينتمي إلى أوربا، جذوره في آسيا (فلسطين) . وتعود قوة اليهود إلى قربهم من الطبيعة والجذور الطبيعية الأولية الكونية (أي أنه تبنَّى رؤية حلولية كمونية تتسم بالواحدية الكونية المادية) . وتكمن مأساة اليهود في أنهم نُزعوا من جذورهم وانفصلوا عن غرائزهم الطبيعية المرتبطة بالأرض بحيث تحوَّل اليهود من كونهم شعباً من الرعاة والفلاحين يعيش في الطبيعة إلى شعب منحل يتسم بالرومانسية الزائدة (يؤمن بأخلاق الضعفاء بدلاً من أخلاق الأقوياء على حد قول نيتشه) . وقد وجد لسنج أن ثمة أقلية من اليهود (المستوطنين الصهاينة) بدأت تعود لتربة فلسطين وأنهم هم الذين يمكنهم أن يبعثوا أمجاد اليهود الغابرة ويمكنهم أن يلعبوا دور الوسيط بين آسيا الروحية وأوربا التكنولوجية. وفكر لسنج في جوهره فكر نازي/صهيوني يُعبِّر بشكل متبلور عن الرفض الكامل والجذري لكل ما هو يهودي. ومع هذا، هاجمه المعادون لليهود بضراوة، وهو ما يدل على غبائهم واختزاليتهم. وقد أُغتيل لسنج على يد النازيين.
العداء العربي لليهود واليهودية
‏Arab Anti-Semitism
تحاول الأدبيات الصهيونية في الآونة الأخيرة أن تبيِّن أن ظاهرة العداء لليهود واليهودية ظاهرة متأصلة في المجتمعات العربية وفي التراث الإسلامي وفي الحضارة الإسلامية. وهذه المحاولة جزء من المحاولة الصهيونية المستمرة لتشويه صورة العرب والمسلمين. إلا أنها تعبِّر أيضاً عن رغبة الصهاينة الدفينة في تناسي تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب، وتراث العداء لليهود واليهودية الثري الطويل الممتد، الذي انتهى بطردهم وإعادة توطينهم في فلسطين في إطار المشروع الصهيوني.

وقضية عداء العرب لليهود واليهودية (عداء العرب للسامية) مسألة مركبة متعددة الأبعاد، تختلف عن معاداة اليهود واليهودية في الغرب. فتاريخياً تحوَّلت أعداد من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي إلى جماعات وظيفية، ولكنهم لم يكونوا الأقلية الوحيدة التي تضطلع بهذا الدور. فالعالم الإسلامي، على عكس الغرب المسيحي، يضم جماعات دينية وإثنية كثيرة. كما أن النشاط التجاري، والنشاطات المالية والوسيطة على وجه العموم، لم تكن مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية دون غيرهم.
ورغم أن اليهود (وبني إسرائيل) أتى ذكرهم في القرآن عشرات المرات وتحت مسميات مختلفة في سياقات معظمها سلبي، إلا أن رؤية الخلاص الإسلامية لم تعط اليهود أية مركزية خاصة، ولذا لم يكن اليهود يمثلون إشكالية خاصة بالنسبة للفقه الإسلامي. وقد ظهرت بعض الأعمال الأدبية والفكرية داخل التشكيل الحضاري العربي والإسلامي تحاول اختزال أعضاء الجماعات اليهودية من خلال صور إدراكية نمطية سلبية، إلا أن اليهود لم يحتلوا أي مركزية خاصة في الوجدان الأدبي والثقافي العربي والإسلامي. وقد استقر وضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة العربية والإسلامية في إطار مفهوم أهل الذمة الذي حدد حقوقهم وواجباتهم. ومن ثم فلم يعرفوا المذابح أو عمليات الطرد المتكررة التي تسم علاقتهم بالحضارة الغربية في بعض الفترات. هذا لا يعني أن تجربة يهود العالم الإسلامي مع المجتمعات الإسلامية التي ينتمون إليها كانت خالية من التدافع أو الصراع والظلم (الذي يتنافى مع تعاليم الإسلام ومفهوم أهل الذمة) وأنها كانت عصراً ذهبياً ممتداً، فهذا ليس من طبائع البشر ولا من طبيعة المجتمعات البشرية. كل ما نود تأكيده أن أعضاء الجماعات اليهودية تمتعوا بقدر معقول من الاستقرار والطمأنينة، الأمر الذي أدَّى إلى اندماجهم في مجتمعاتهم.

ولكن الوضع تغيَّر بشكل حاد في العصر الحديث، فيُلاحَظ انشغال عربي وإسلامي كبير بالشأن اليهودي (وإن كان يُلاحَظ أن الأعمال الأدبية العربية، بما في ذلك الفلسطينية، لا تكترث بأعضاء الجماعات اليهودية) . وبدأت تظهر أدبيات كثيرة كتبها عرب ومسلمون تدور في إطار مفاهيم ومقولات عنصرية (معظمها مستورد من العالم الغربي) . ومن بين هذه المقولات أن اليهود مسئولون عن كل أشرار العالم، كما هو مدوَّن في بروتوكولات حكماء صهيون (الذي يقرأه الكثيرون) ، وفي التلمود (الذي لم يقرأه أحد) . وبدأ الحديث عن المؤامرة التي يحيكها اليهود ضد المسلمين والعرب، وارتبط اليهود بالشيطان وبالصور الإدراكية النمطية الاختزالية السلبية في عقل كثير من العرب والمسلمين. وبدأت تظهر في الصحف والمجلات وعلى أغلفة الكتب صورة اليهودي ذي الأنف المعقوف الذي تقطر أظافره دماً والذي يمتص دماء الآخرين وأموالهم. بل بدأت تظهر تهمة الدم في أرجاء متفرقة، وهو أمر لم يكن معروفاً في العالم الإسلامي من قبل. وتُرجمت البروتوكولات التي يعتقد البعض أنها من كتب اليهود المقدَّسة، كما نُشرت مقتطفات متفرقة من التلمود. بل بدأ بعض المسلمين يرون أن «اليهودية» صفة بيولوجية تورَّث، أي أن اليهودي - حسب هذه الرؤية - هو من وُلد لأم يهودية، وهو تعريف قد يتفق مع العقيدة اليهودية ولكنه لا يتفق ألبتة مع العقيدة الإسلامية التي لا تنظر للدين باعتباره أمراً يورَّث، وإنما هو رؤية يؤمن بها من شاء.

ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أنه كلما ازداد الرعب من إسرائيل و"اليهود" كلما ازدادت صورة اليهودي سوءاً، وكلما ازداد النموذج التفسيري التآمري الذي ينسب لليهود قوى عجائبية انتشاراً، وهو نموذج يصوِّر اليهود باعتبارهم قوة أخطبوطية لا تُقهَر، فهم يمسكون بكل الخيوط ويُحركون كل القوى (الرأسمالية والاشتراكية) حتى ينفذوا مخططهم اليهودي الجهنمي المستقل، وما اللوبي الصهيوني سوى تعبير جزئي عن مخطط صهيوني أشمل.
وهذه النظرة العنصرية الاختزالية تشكل فشلاً أخلاقياً، فهي لا تحاول أن تميز بين الخبيث والطيب، وتضع اليهود، كل اليهود، في سلة واحدة بمن في ذلك على سبيل المثال أعضاء جماعة الناطوري كارتا الذين يقضون معظم أيامهم في الحرب ضد الصهيونية، بمثابرة وإخلاص ودأب نفتقدهم في كثير من العرب هذه الأيام! والرؤية العنصرية حتمية ترى أن من وُلد يهودياً لابد أن يسلك حسب نمط معيَّن وكأن الإله لم يمنحه فطرة سليمة ومقدرة على تمييز الخير من الشر.

والنظرة العنصرية الاختزالية، تشكل كذلك فشلاً معرفياً لأن الخريطة الإدراكية التي ستفرزها مثل هذه الرؤية ستكون عامة رمادية كالحة سطحية واحدية لا تساعد كثيراً في فَهْم الواقع. فهي على سبيل المثال لن تساعدنا كثيراً في معرفة توجُّهات أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة بكل نتوئها وتموجاتها. فنحن في حاجة لأن نعرف منْ منهم يساند الصهيونية ومنْ يعارضها، ومنْ منهم يجاهر بمناصرتها علناً ويبذل قصارى جهده في التملص منها، ومنْ منهم ناصرها في الماضي، وتنكَّر لها في الحاضر، ومنْ منهم تنكَّر لها في الماضي وبدأ يناصرها في الحاضر، ومنْ منهم توجد لديه إمكانية كامنة لقبولها أو رَفْضها أو التملص منها، ومنْ منهم تجب محاربته ومنْ منهم يمكن تجنيده ومنْ منهم يمكن تحييده، فالرؤية التآمرية العرْقية ترى أن كل يهودي صهيوني وكل صهيوني يهودي، وهي بهذا تتبنَّى الرؤية الصهيونية لليهود، التي تضع اليهود، كل اليهود، في سلة واحدة، هي سلة الشعب اليهودي.
والرؤية العنصرية في نهاية الأمر لها مردود سلبي من الناحية النفسية، فهي تنسب لليهود قوة هائلة، الأمر الذي يُولِّد الرعب في نفوس العرب (ولنتخيل صانع القرار العربي الذي يعتقد أن "اليهود" قادرين على كل شيء وأنهم ممسكون بكل الخيوط!) .
ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن هذه الرؤية العنصرية تُترجم نفسها إلى كُره أعمى يُطالب بملاحقة اليهود والانتقام منهم وطردهم من أوطانهم والتضييق عليهم. وما ينساه حملة مثل هؤلاء الرؤية أن المواطن اليهودي الذي يتم التضييق عليه وطرده من وطنه يضطر للهجرة إلى فلسطين ليصبح مستوطناً صهيونياً يحمل السلاح ضدنا، فكأن العداء العربي لليهود له مردود صهيوني. ومن المعروف أن الحركة الصهيونية قامت بالتضييق على يهود العراق وخلقت وضعاً صهيونياً بنيوياً اضطرهم للاستيطان في فلسطين.

ويحاول بعض المتحدثين العرب رد تهمة العنصرية باللجوء لاعتذاريات أقل ما توصف به أنها مضحكة، وجميعها له طابع قانوني وكأننا نقدِّم مرافعة قانونية شكلية، ليس لها سند في الواقع المتعيِّن. فمثلاً هناك من يقول: "كيف يمكن أن نكون لا ساميين ونحن أنفسنا ساميون؟ " وهي حجة واهية مردود عليها، فالإجابة على هذا السؤال البلاغي الأحمق هي بالإيجاب: "نعم يمكن أن يكون الإنسان سامياً ومعادياً للسامية"، وهناك شواهد كثيرة على ذلك. فيمكن أن يكون الإنسان عربياً ومعادياً للعرب، وظاهرة العداء اليهودي لليهود واليهودية ظاهرة معروفة للدارسين.
وهناك حجة أخرى لا تقل تهافتاً عنها وهي أننا لا يمكننا أن نكون "معادين للسامية" لأن اليهود ليسوا ساميين فهم من نسل قبائل الخزر التي تهوَّدت، والخزر عنصر تركي غير سامي. والرد على هذا أن عبارة «العداء للسامية» تعني في واقع الأمر «العداء لليهود واليهودية» ، فسواء كان اليهود ساميين أم لا، تظل القضية مطروحة.
وهناك بطبيعة الحال من يشيرون إلى عصر اليهود الذهبي في الحضارة الإسلامية خصوصاً في الأندلس ويستنتجون من هذا العداء أننا بالتالي لسنا معادين لليهود واليهودية باعتبار أنه إذا كان الماضي كذلك، فلابد أن يكون الحاضر كذلك. وهذه مغالطة، فلا يوجد استمرار عضوي بين الحاضر والماضي، ويمكن أن يكون إنسان عنصرياً في مرحلة من حياته ويتخلى عن عنصريته في مرحلة لاحقة، والعكس بالعكس. ويسري هذا على تواريخ كل الشعوب.
ومما يجدر ذكره أن كل مراكز البحوث العلمية في العالم العربي والمجلات العلمية المسئولة لا تسقط، إلا فيما ندر وبدون وعي، في هذا الخطاب العنصري، فمعظم هذه المراكز تتناول الشأن اليهودي وظاهرة الصهيونية بطريقة علمية، تحاول تفسيرها وفهمها ولا تختبئ، بطريقة جنينية اختزالية طفولية، وراء منطق المؤامرة.

ورغم رفضنا المبدئي للخطاب الاختزالي الواحدي العنصري، ورغم إدراكنا لسلبياته من الناحية الأخلاقية والمعرفية والنفسية، إلا أننا يجب أن نفهم سر ذيوعه وانتشاره وهيمنته على بعض الكُتَّاب الشعبيين (في الصحف والمجلات) وبعض أعضاء النخب العربية السياسية والثقافية.
1 - حينما ظهر «اليهودي» في العصر الحديث على شاشة الوعي العربي والإسلامي فقد ظهر داخل التشكيل الإمبريالي الغربي، وجاء إلى بلادنا ممثلاً له حاملاً لواءه وعميلاً له. وقد قامت هذه الإمبريالية بغرسه غرساً وسطنا داخل إطار الدولة الوظيفية ليقوم على خدمة مصالحها بعد أن اقتطعت جزءاً من الوطن العربي الإسلامي، يقع في وسطه تماماً ومن ثم يقسمه قسمين، وهي منطقة لها دلالة دينية خاصة، إذ تضم القدس والمسجد الأقصى.
2 - قامت الإمبريالية الغربية بتحويل يهود البلاد العربية إلى عنصر وظيفي استيطاني يدين لها بالولاء. وشهدت الجماهير العربية أعضاء الجماعات اليهودية وهم ينسلخون تدريجياً عن التشكيل الحضاري العربي والإسلامي. فعلى سبيل المثال أصبح كل يهود الجزائر مواطنين فرنسيين، واستفاد يهود مصر من الامتيازات الأجنبية وحصلت نسبة مئوية كبيرة منهم على الجنسيات الأجنبية. وقد دعَّم هذا من صورة اليهودي كأجنبي وغريب ومغتصب ومتآمر وعميل، شخص لا انتماء له يبحث عن مصلحته اليهودية.
3 - من المُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي يوجدون بشكل ملحوظ في الحركات الشيوعية العربية (شأنهم في هذا شأن أعضاء الأقليات في كثير من المجتمعات) . كما لوحظ أن عدداً كبيراً من الرأسماليين ممن راكموا ثروات ضخمة هم أيضاً من أعضاء الجماعات اليهودية. ولعل وجود أعضاد الجماعات اليهودية في كل من الحركات الشيوعية والطبقة الرأسمالية قد دعَّم صورة اليهودي اللا منتمي أو المنتمي لمصالحه اليهودية، ودعَّم فكرة المؤامرة اليهودية.

4 - من الأمور التي رسَّخت فكرة المؤامرة والهيمنة اليهودية على العالم في الوجدان العربي، الدعم الغربي للتجمُّع الصهيوني بغير تحفُّظ أو شروط أو حدود أو قيود. وهو دعم سياسي واقتصادي وعسكري. وكثير من العرب يفترضون أن العالم الغربي عالم عقلاني، تُتخذ فيه القرارات بشكل رشيد يخدم مصالح الدولة، وأنه عالم ديموقراطي تنتشر فيه مُثُل العدل والمساواة وحقوق الإنسان، ولذا حين يقوم الغرب العلماني العقلاني الديموقراطي بتأييد ودعم مشروع غير عقلاني، غير ديموقراطي يستند إلى ديباجات دينية وعلمانية موغلة في الشوفينية ويتسم بضيق الأفق وينكر على الفلسطينيين أبسط حقوقهم، فإن هذا أمر غير مفهوم ولا يمكن تفسيره بطريقة عقلانية. واهتمام الغرب المحموم بالإبادة النازية لليهود (التي مضى عليها ما يزيد عن خمسين عاماً) والإصرار على الاستمرار في تعويض الضحايا وتقديم الاعتذار لهم والتعبير عن الندم عما بَدَر من الألمان وغيرهم قد يكون أمراً محموداً في حد ذاته (فهو في نهاية الأمر تعويض لفئة من ضحايا الحضارة الغربية) إلا أن هذه الظاهرة المحمودة في حد ذاتها تثير الشك حين يلاحظ المواطن العربي والمسلم أن سلسلة كاملة من المذابح قد ارتكبت منذ الخمسينيات حتى منتصف التسعينيات (الجزائر - فيتنام - البوسنة - الشيشان) معظمها في العالم الإسلامي وتم التزام الصمت تجاهها ولم يتحدث أحد عن تعويض أو اعتذار أو توبة أو ندم! هذا في الوقت الذي تستمر الآلة الإعلامية الغربية في التركيز على الهولوكوست دون غيرها. كما أن الزعم الغربي بأن فلسطين في الشرق العربي قُدِّمت لليهود تعويضاً لهم عما حدث لهم في ألمانيا في العالم الغربي، هو أمر يصعُب فهمه.

كل هذه الظواهر تثير التساؤلات في نفوس الناس، وبما أنهم لا وقت عندهم للبحث والاستقصاء، لذا تظهر الإجابات الاختزالية السهلة، وصيغة المؤامرة اليهودية صيغة تملك مقدرة هائلة على سد الهوة التي تفصل عقلانية الرؤية الغربية عن لاعقلانية الممارسة الغربية. وما لم يخطر ببال هؤلاء أن عقلانية الغرب ودفاعه عن حقوق الإنسان ليسا مطلقين وأنهما لا ينصرفان لحقوق الإنسان العربي أو المسلم على سبيل المثال. وأن العقلانية تدور في إطار المصالح الإستراتيجية الغربية، التي تم تحديدها بطريقة ليست بالضرورة عقلانية وإنما من خلال مقولات قَبْلية متمركزة حول الغرب، معظمها عنصري.
5 ـ قامت الدولة الصهيونية باعتبارها تعبيراً عن مشروع استيطاني إحلالي عليه أن يلجأ إلى الحد الأقصى من العنف ليتخلص من السكان الأصليين، بما في ذلك الإبادة والطرد والعزل. وقد سمت هذه الدولة نفسها «الدولة اليهودية» فربطت بين اليهودي والعنف والإرهاب.
والأسوأ من هذا أن هذه الدولة ادَّعت أنها تتحدث باسم كل يهود العالم أينما كانوا، ومن ثم فهي تتحدث باسم يهود البلاد العربية، بل تطالب بالتعويضات باسمهم، فكأن الدولة الصهيونية تنكر أن أعضاء الجماعات اليهودية مواطنين في بلادهم، وتدعم الصورة الإدراكية العرْقية أن اليهودي لا انتماء له وأنه يدافع عن مصالحه اليهودية وحسب.
هذه هي بعض الأسباب التي أدَّت إلى هيمنة الرؤية التآمرية على إدراكنا لليهود في العالم العربي وإلى ذيوع البروتوكولات وغير ذلك من كتابات عنصرية تهدف إلى تفسير الواقع بشكل سريع سهل وإلى تفريغ شحنة الغضب عند كثير من العرب. ولكن تفريغ الشحنة هنا بهذه الطريقة له جوانبه السلبية العديدة، والمطلوب هو أن نفهم أسباب الغضب ونحاول استثماره في إطار مشروع نضالي إنساني يهدف إلى تصفية الجيب الاستيطاني الصهيوني ولا يسقط في العنصرية العمياء.

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت