فهرس الكتاب
الفلسفية، فرأى من واجبه كمفسِّر أن يعرض لهذه النظريات ويمزجها بالتفسير، إما على طريق الدفاع عنها وبيان أنها لا تتعارض و نصوص القرآن، وذلك بالنسبة للنظريات الصحيحة عنده والمسلَّمة لديه، وإما على طريق الرد عليها، وبيان أنها لا يمكن أن تساير نصوص القرآن، وذلك بالنسبة للنظريات التي لا يُسلِّمها ولا يقول بها؛ وهو في الحالة الأولى يشرح القرآن على ما يوافق هذه النظريات التي لا يراها متعارضة مع الدين، وفى الحالة الثانية لا يسير على ضوء النظريات الفلسفية في تفسيره، بل يُفسِّر النصوص على ضوء الدين والعقل وحدهما، دون أن يكون للرأي الفلسفي دخل في شرح النص القرآني وبيان معناه، وممن فعل هذا في تفسيره الإمام فخر الدين الرازي، وللمطلع على كتاب التفسير الكبير يتضح له ذلك. [1]
ظهرت آثار الثقافات العلمية للمسلمين في تفسير القرآن الكريم، وكيف حاول هؤلاء العلماء المتقدمون أن يجعلوا القرآن منبع العلوم كلها، ما جَدَّ وما يَجِدّ إلى يوم القيامة، ولو أنَّا تتبعنا سلسلة البحوث التفسيرية للقرآن الكريم لوجدنا أن هذه النزعة - نزعة التفسير العلمي - تمتد من عهد النهضة العلمية العباسية إلى يومنا هذا، ولوجدنا أنها كانت في أول الأمر عبارة عن محاولات، يُقصد منها التوفيق بين القرآن، وما جَدَّ من العلوم، ثم وُجِدت الفكرة مركَّزة وصريحة على لسان الغزالي، وابن العربي، والمرسى، والسيوطي، ولوجدنا أيضًا أن هذه الفكرة قد طُبِّقت علميًا، وظهرت في مثل محاولات الفخر الرازي، ضمن تفسيره للقرآن. [2]
إن الرازي كفيلسوف سُّنِّى يرى ما يراه أهل السُّنَّة، ويعتقد بكل ما يقررونه من مسائل علم الكلام فهو لا يدع فرصة تمر دون أن يعرض لمذهب المعتزلة بذكر أقوالهم والرد عليهم، ردًا لا يراه البعض كافيًا ولا شافيًا.
(1) - التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبى، ص 4/ 350.
(2) - التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبى ص 4/ 386.