إنَّ المعرفة اللغوية هي مجموع التصورات النظرية لبنية اللغة، فمنذ عصر مبكر شغل النص القرآني العلماء لتتدبره من خلال تفسير ألفاظه وتراكيبه وضبط قراءته ومعرفة أحكامه وصور دلالاته، فنشأت من ذلك العلوم العربية. فمنذ أن وضع أبو الأسود الدؤلي (ت 69 هـ) نقط اعرابه وبعض قواعده بإشارة من الإمام علي كما روت الأخبار [1] كان هذا النقط أول الضوابط اللغوية لحركات أواخر الكلم، ومنها انطلقت الجهود اللغوية فتطورت حتّى وضع علم الإعراب. ومصطلح الاعراب لم يكن بدلالته الضيقة التي شغلت مدرسي النحو إنَّما كان بمعناه الأوسع هو البيان والإيضاح. وقد روي عن النبي (ص) كلامٌ في التشجيع على اعراب القرآن في أثناء تلاوته أي بيانه وتوضيح ألفاظه. وسُمي نقط أبي الأسود عربية وكان يعني النحو بمعناه الواسع أي إقامة أصوات الكلمة المنطوقة وصحة بنيتها ثمّ صحة التركيب فصحة الدلالة. كلُّ ذلك كان عربية حتّى إذا وصلنا إلى عصر الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ) نجد علم النحو قام على أسسه العلمية وأُقيم هيكله بمعناه الشامل على أصوله من السماع والقياس والتعليل
وإلى جانب تطور علم النحو كانت جهود علماء في تفسير النص القرآني ومحاولة اثبات اعجازه على اختلاف الآراء والأقوال، وما يعنينا الرأي القائل بالاعجاز البياني بنظم كلمه في أساليب وأنساق وقف الفصحاء عاجزين عن أن يأتوا بمثله. فمن أوائل ما ظهر في تفسيره جهود ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسيره وبيان دلالات مفرداته واتخاذ شعر العرب مجالًا للاستشهاد ولذلك كان يقول:"إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإنَّ الشعر ديوان العرب" [2] وابن عباس بعد الإمام علي بن أبي طالب في مقدمة الصحابة الذي كثر عنهم تفسير القرآن، وهو من دعى له النبي (ص) بقوله:"اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل" [3] لقد ألّف العلماء في مجاز القرآن ومعانيه واعرابه وقراءاته الكتب وتعد كل هذه المصنفات من
(1) انظر: مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي 6، طبقات النحويين واللغويين لأبي بكر الزبيدي 1، نزهة الألباء ـ أبو البركات الأنباري 18، إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي 1/ 4 ـ 15.
(2) غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري 1/ 426
(3) صحيح مسلم حديث 138، البرهان للزركشي 2/ 177.