فيموتوا ولا يُخَفّفُ عنهم من عذابها كذلك نجزي كلّ كفور. وهم يصطرخون ربَّنا أخرجنا نعمل صالحًا .. [26 ـ 37 فاطر]
إن تدرج سياق الآية بوصف الكافرين، فهم في نار جهنم في اضطراب وبعذاب دائم {وهم يصطرخون} جعل هذه العبارة توحي بدوي صراخهم، فهناك فرق بين (يصطرخون) و (يصرخون) إذ اجتمع في (يصطرخون) ثلاثة أصوات مفخمة: الصاد، والطاء المنقلبة عن تاء افتعل، والخاء فاصبح الفعل يحاكي أصداء صراخهم من دوي وصخب عالٍ أوحى به التفخيم في أصوات الفعل.
ومثل ذلك كلمة (صريخ) في الآية {وإن نشأ نُغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم يُنْقَذُون} [43 يس] فالصريخ المغيث كأنّه يستجيب لصراخ من يستغيث به فاجتماع الصاد والخاء صوتين مفخمين في الكلمة جعلها في سياقها توحي بصراخ المستغيث. وكذا ما توحيه كلمة (ضيزى) من المبالغة في عدم العدالة في الآية {تلك إذًا قسمةٌ ضيزى} [22 النجم] وهكذا ما يوحيه التشديد في الكلمات (الصاخّة والحاقّة والطامّة وسجّيل وعتلّ وزقوم ويُدَعّون إلى نار جهنّم دعّا .. ) فكل هذه الكلمات في سياقاتها من الآيات تتولد منها معانٍ ايحائية تضاف إلى المعنى المعجمي، فأصواتها وبنيتها توحي بظلال دلالتها، وقد قال الصرفيون كل زيادة في حروف الكلمة زيادة في معناها.
ونذكر في هذا المجال ما يوحيه تكرار المقطع اللغوي بتكرار المعنى في مواضع من النص القرآني. من ذلك قوله تعالى: {ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون} [26 الحجر] .فالصلصال صوت الطين اليابس الذي لم تمسه نار، فإذا نقرته صلّ أي صوّت صوتًا ذا رنين. وصلصل مثل صرصر فكلاهما تتألف من أصوات تناسب معناها بل هي معناها الذي توحيه.
ومن هذا القبيل ما توحيه الكلمات: كُبْكبوا وزُلْزِلت الأرض زلزالها، ودمدم عليهم ربهم، ويوسوس، وغيرها مما في مواضعه من النص القرآني.
إنّ هذا هو البصر بجوهر اللغة الذي تمتاز به النصوص العالية الإبداع. وهذه الظاهرة يمكن أن تدرس في مجال اعجاز هذا النص المعجز.