وتراكيبه: صورها وأساليبها ودلالاتها، ويحتاج المفسر فوق ذلك إلى شيء ليس من العلوم إنَّما هي الملكة اللغوية والقدرة على وعي العلوم واستيعابها. هذه الملكة استعداد خاص يختلف من شخص لآخر في قوته وضعفه سمَّاه السيوطي (علم الموهبة) وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم وإليه الإشارة بالحديث"من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم" [1]
ليست المعرفة اللغوية ضرورة لمفسر القرآن الكريم فحسب وإنما هي ضرورة للفقيه والأصولي والمنطقي والفيلسوف والأديب. المهم كيف توظّف
هذه المعرفة؟ وكيف يستخدمها المفسر في مجاله؟
لقد وضعت شروط لمفسر القرآن كان الإلمام بعلوم العربية أول هذه الشروط غير أنَّ المفسرين يتفاوتون في معرفة أنواع هذه العلوم؛ لذلك تنوعت التفاسير وتعددت قراءة القرآن، وكان جميعهم يوظفون علمهم بالعربية في تفسير النص واستنباط معناه ودلالة تراكيبه وأساليبه لكنَّنا ينبغي لنا أن نعرف أن ليس كل من اشتغل بالنحو أو اللغة كان من أهل المعرفة بها فقد يكون حافظًا قواعد النحو وأقوال اللغويين ولكن قدرته المعرفية لا تتجاوز إعادة ما حفظه من دون استنباط ما وراء ذلك من دلالات الأساليب البيانية والتراكيب القرآنية خاصة في أحكامه، فهو إما أن ينساق في موقفه مع مذهب نحوي فيردد ما حفظه من قواعده وأقواله وإما أن يميل في أحكامه إلى مذهب يحسنه في الفقه أو الفلسفة والكلام. وقد ذكرت قبل قليل نماذج من التفاسير.
إن لمعرفة اللغة: أساليبها ومفرداتها، أثرًا في تفسير المفسرين. فالكلمة قد تكون غامضة فسياق استعمالها يكشف عن وظيفتها في التركيب. وغرابة الكلمة إما لكونها حوشية غير معروفة وهذا غير موجود في القرآن الكريم، وإما لغموضها أو احتمالها أكثر من معنى وهو ما احتمله النص القرآني فالمعرفة باللغة تفتح مغاليقها وتكشف عن دلالتها في سياقها. وسؤالات ابن الأزرق لابن عباس في هذا المجال معروفة وطلبه الاستشهاد من شعر العرب عليها ليستبين معناها فكان ابن عباس يجري مع
(1) الإتقان 2/ 399.