الصفحة 14 من 18

دِماؤها [1] والذي أتى في الكتابِ بأحدِ الوجهينِ قولُهُ: {فُتِحَتْ أَبْوابُها} [2] ولو أتى بالتَّذكيرِ كانَ صوابًا". [3] "

وذكرَ في موضعٍ آخرَ ما يدلُّ بوضوحٍ على كراهيتِهِ القراءةَ بما يجوزُ في العربيَّةِ وإنْ كانَ وجهًا جيدًا؛ لأنَّهُ لمْ يُقرأْ بهِ، فقالَ:" {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [4] ، ووجهٌ آخَرُ لم يُقرأْ به. وذلك أَنْ تكسرَ اللامَ في (لمن) وتريدُ يدعو إلى مَنْ ضَرُّه أقربُ من نفعهِ، فتكونَ اللام بمنزلة (إلى) ... ، ولولا كراهيةُ خلافِ الآثارِ والاجتماعِ لكانَ وَجْهًا جَيّدًا منَ القراءةِ". [5]

وجاء في موضعٍ آخر:"وأمَّا قولهُ: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ} [6] ... فالقرَّاءُ على نصبِ ذلكَ كلِّهِ بالتبرئةِ إلا مجاهدًا فإنَّهُ رفعَ (الرَّفثَ والفسوقَ) ونصبَ (الجدالَ) . وكلُّ ذلكَ جائزٌ ... ، ولو نصبَ (الفسوقَ والجدالَ) بالنونِ لجاز ذلك في غير القرآن؛ لأنَّ العربَ إذا بدأتْ بالتبرئةِ فنصبوها لم تنصبْ بنونٍ، فإذا عطفوا عليها بـ"لا"كانَ فيها وجهانِ، إنْ شئتَ جعلتَ"لا"معلَّقةً يجوزُ حذفُها فنصبتَ على هذه النِّيَّةِ بالنُّونِ؛ لأنَّ"لا"في معنى صِلةٍ، وإنْ نويتَ بها الابتداءَ كانتْ كصاحبتِها، ولم تكنْ معلَّقةً فتنصبَ بلا نونٍ". [7]

وزمامُ ذلكَ وهو صريحٌ فيما نحنُ فيهِ قولُهُ:"والقرّاء لا تقرأُ بكلِّ ما يجوزُ في العربيَّةِ، فلا يقْبُحَنَّ عندكَ تشنيعُ مشنِّعٍ ممَّا لم يقرأهُ القرّاءُ ممَّا يجوزُ". [8]

وأما موافقةُ العربيَّةَ فميدانهُ الذي جرى فيهِ، فقد اعتمدَ على علمِهِ الواسعِ بالعربيةِ و أساليبِها في موقفهِ من القراءات احتجاجًا وتوجيهًا، أو اختيارًا وترجيحًا، أو رفضًا وردًّا وتوهيمًا، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ كثيرةٌ.

قالَ:"وقوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ... } [9] ، فـ {آدَمُ} مرفوعٌ و {الكلمات} في موضع نصب. وقد قرأَ بعضُ القرّاءِ: {فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ} ، فجعلَ الفعلَ للكلمات، والمعنى - والله أعلم - واحدٌ؛ لأن ما لقيَك فقد لقيتَهُ، وما نالكَ فقد نلتَهُ."

(1) سورة الحج / 37.

(2) سورة الزمر / 71.

(3) ينظر: معاني الفراء 1/ 378 ـ 379.

(4) سورة الحج / 13.

(5) ينظر: معاني الفراء 2/ 217 ـ 218.

(6) سورة البقرة / 197.

(7) ينظر: معاني الفراء 1/ 120.

(8) ينظر: المصدر السابق 1/ 245.

(9) سورة البقرة / 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت