الأميرَ الحسنَ بنَ سهلٍ لا يزالُ يسألُني عن أشياءَ منَ القرآنِ، فلا يحضرُني عنها جوابٌ؛ فإنْ رأيتَ أنْ تجمعَ لي أصولا، وتجعلَ في ذلكَ كتابًا نرجعُ إليهِ فعلتَ"."
فقالَ لأصحابهِ: اجتمعوا حتى أُمليَ عليكم كتابًا في القرآنِ، وجعلَ لهم يومًا؛ فلمَّا حضروا خرجَ إليهم، وكانَ في المسجدِ رجلٌ يؤذِّنُ ويقرأُ بالنَّاسِ في الصَّلاةِ؛ فالتفتَ إليهِ الفرَّاءُ؛ فقالَ لهُ: اقرأْ بفاتحةِ الكتابِ نفسِّرْها ثمَّ مرَّ في الكتابِ كلِّهِ؛ يقرأُ الرَّجلُ، ويفسِّرُ الفرَّاءُ.
وقد حضرَ إملاءَ الكتابِ جمعٌ غفيرٌ لم يُضبطْ عددُهم؛ عُدَّ القضاةُ منهم؛ فكانوا ثمانينَ قاضيًا.
ولمعاني الفرَّاء طريقانِ: روايةُ محمدِ بنِ الجهمِ السِّمَّريّ، ورواية سلمةَ بنِ عاصم، و هي أجودُ الروايتينِ، قال أبو بكر بنُ الأنباريّ:"كتابُ سلمةَ في معاني القرآن للفراءِ أجودُ الكتبِ؛ لأن سَلمةَ كانَ عالمًا، وكانَ يراجعُ الفرَّاءَ فيما عليهِ ويرجعُ عنهُ".
توفي الفراءُ سنة سبعٍ ومائتينِ بطريقِ مكة، وعمرُهُ ثلاثٌ وستون، وقيل: سبعٌ وستون سنةً.
قالَ ابن الجزريّ:"كُلُّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتِ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ، وَوَافَقَتْ أَحَدَ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَلَوِ احْتِمَالا وَصَحَّ سَنَدُهَا، فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لا يَجُوزُ رَدُّهَا وَلا يَحِلُّ إِنْكَارُهَا، بَلْ هِيَ مِنَ الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ قَبُولُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ الأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، أَمْ عَنِ الْعَشْرَةِ، أَمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ، وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الأَرْكَانِ الثَّلاثَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ السَّبْعَةِ أَمْ عَمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ". [1]
ثمَّ شرعَ ـ رحمه الله ـ في شرحِ تلكَ الشروطِ: [2]
(1) ينظر: النشر في القراءات العشر 1/ 9.
(2) ينظر: المصدر السابق 1/ 10 ـ 13.