مَنِ ادّعى أَنَّ هذَا مَجراهُ مَجرى الضرورةِ القرآنُ أفصحُ اللُّغاتِ وسيدُها، وما لا تَعَلَقُ بهِ ضَرورةٌ، ولا يَلْحقُهُ تَجَوُّزٌ". [1] "
و المنارُ في ذلك ما قالَهُ السُّيوطيُّ:"أما القرآنُ فكلُّ ما ورد أنه قُرئَ به جاز الاحتجاجُ به في العربيةِ, سواءٌ كان متواترا , أو آحادا , أو شاذا. وقد أطبقَ الناسُ [يعني علماءَ العربيةِ] على الاحتجاجِ بالقراءاتِ الشاذةِ في العربيةِ إذا لم تخالفْ قياسًا معلومًا, بل ولو خالفتْهُ يُحتجُّ بها في مثلِ ذلكَ الحرفِ بعينهِ, وإنْ لم يجزِ القياسُ عليه, كما يُحتجُّ بالمجُمعِ على ورودِهِ ومخالفتِهِ القياسَ في ذلك الواردِ بعينهِ, ولا يُقاسُ عليه, نحو: استحوذ , ويأبى."
وما ذكرتُهُ من الاحتجاجِ بالقراءةِ الشاذةِ لا أعلمُ فيهِ خلافًا بين النحاةِ , وإنِ اخْتُلفَ في الاحتجاجِ بها في الفقهِ". [2] "
وإنَّ النَّاظرَ في كتبِ النحوِ لا يعدمُ الإشارةَ إلى أنَّ القراءةَ سنةٌ متَّبعةٌ لا تُخالَفُ، وإنْ كانَ الأفصحُ في العربيةِ غيرَها، فها هو ذا سيبويهِ إمامُ النُّحاةِ يقولُ:"فأمَّا قولُهُ عزّ وجلّ: {إنَّا كلَّ شيءٍ خَلِقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [3] ، فإِنّما هو على قولِهِ: (زيدًا ضربتُه) ، وهو عربيٌّ كثيرُ. وقد قرأََ بعضُهم: {وأمَّا ثمودَ فهديناهُمْ} [4] ، إلاَّ أنّ القراءة لا تُخالَفُ؛ لأنّ القراءةَ السُّنَّةُ". [5]
وفي المقتضبِ للمبرِّدِ قالَ عنْ جوازِ الهمزِ إذا التقتْ واوٌ في أوَّلِ الكلامِ إلى جانبِها واوٌ، والأولى مضمومةٌ:"ومثلُ ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما} [6] ، ولو كانَ غيرَ القرآنِ لكانَ همزُ الواحدِ جائزًا". [7]
ويقول الدَّاني إمامُ علمِ القراءاتِ:"وأئمةُ القُرَّاء لا تعملُ في شيءٍ من حروفِ القرآنِ على الأفشى في اللغةِ والأقيسِ في العربيةِ، بل على الأثبتِ في الأثرِ والأصحِّ في النَّقلِ، وإذا ثبتتِ الرِّوايةُ لم يردَّها قياسُ عربيةٍ، ولا فُشُوُّ لغةٍ؛ لأن القراءةَ سُنَّةٌ متبعةٌ يلزمُ"
(1) ينظر: الأصول في النحو لابن السراج 3/ 478.
(2) ينظر: الاقتراح للسيوطي 21.
(3) سورة القمر / 49.
(4) سورة فصلت / 17.
(5) ينظر: الكتاب 1/ 148.
(6) سورة الأعراف / 20.
(7) ينظر: 1/ 95.