الصفحة 3 من 18

قبولُها والمصيرُ إليها"، وقد رُويَ عن زيدِ بنِ ثابتٍ ـ رضي الله عنه ـ"القراءةُ سنةٌ متبعةٌ"."

إذا تقرَّرَ ذلكَ وسلَّمنا بهِ فما الذي دفعَ بعلماءِ العربيَّةِ إلى ردِّ بعضِ القراءات، و تلحينِها؟

إنَّ علومَ العربيَّةِ عامَّةً والنَّحوَ خاصةً ما قامَ إلا حفظًا للغةِ القرآنِ الكريمِ بعدَ أن شاعَ اللحنُ والفسادُ، أجمعت على ذلك الآثارُ التي نُقلتْ عن سببِ وضعِهِ، ولقد كانَ من أوائلِ النحاةِ من هو معدودٌ في القرَّاء.

وإنَّ علماءَ القراءةِ يشترطونَ لصحةِ القراءةِ وقبولِها موافقةَ العربيَّةِ ولو بوجهٍ، ويذهبُ جمهورُهم إلى ردِّ الشَّاذِّ ولو صحَّ سندًا فلا يقرأُ بهِ، كقراءةِ ابن عباسٍ وابن مسعودٍ رضي الله عنهم، وذهب بعضُ من أجازَ القراءةَ بهِ إلى أنَّهُ لا يقرأُ بهِ في الواجبِ كالصلاةِ، وعلَّلوا ذلك بنسخهِ في العرضةِ الأخيرةِ على الحبيبِ المصطفى صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ، و بإجماعِ الصحابةِ على صنيعِ عثمانَ رضيَ الله عنهم جميعًا، أو أنها لم تُنقلْ نقلا يثبتُ بمثلِهِ القرآنُ [1] ، وهم في ردِّهم هذا يعودونَ لأصولِهمْ، فلا يُنكرُ عليهمْ.

والنُّحاةُ كلُّهم مجمعونَ على أن ليسَ في القرآن ما لا يجوزُ في العربيَّةِ، فقد نزلَ {بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ} ، بل إذا ما جازَ في التَّخريجِ وجوهٌ فإنَّهُ يُنأى بهِ عمَّا لا يجوزُ إلا في الضرورةِ، و يكونُ حملهُ ـ مع مراعاةِ المعنى ـ على أقوى الوجوهِ في العربيِّةِ هو الوجهُ، فإذا جاءَ الحرفُ في القرآنِ على ما لم يبلغْهُ علمُهمْ واستقراؤُهم، وما لا يتخرَّجُ على أصولِهمْ دعاهمْ ذلكَ إلى ردِّهِ شكًا في صحةِ سندهِ، أو تنزيهًا عنْ أنْ يكونَ في القرآنِ ما هو رديءٌ في لسانِ العربِ نثرًا، أو لا يسوغُ مثلُهُ إلا في الضرائر شعرًا، أو دعوةً لإعادةِ النظرِ فيهِ، أو دفعًا لأنْ يُقاسَ عليهِ، وهم في ذلكَ يعودونَ لأصولِهمْ، فكيفَ ينكرُ عليهمْ خاصةً المتقدمينَ منهم؟

وحفصُ بنُ سليمان الأسديُّ أحدُ راويَيْ عاصمِ بنِ أبي النُّجودِ قيلَ عنهُ عندَ المحدِّثينَ"متروكُ الحديثِ ... ، وعنِ ابنِ مَعينٍ ليسَ بثقةٍ، وقالَ ابنُ المدينيِّ: ضعيفُ الحديثِ وتركتُهُ على عمدٍ، وقال الجَوْزَجانيُّ: قد فُرِغَ منهُ منْ دهرٍ، وقالَ البُخاريُّ: تركوهُ، وقال مُسلمٌ: متروكٌ، وقال النَّسائيُّ: ليسَ بثقةٍ ولا يكتبُ حديثُهُ، وقال في"

(1) ينظر: النشر في القراءات العشر 1/ 14 ـ 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت