موضعٍ آخرَ: متروكُ الحديثِ، وقال صالحُ بنُ محمدٍ: لا يكتبُ حديثُهُ وأحاديثهُ كلُّها مناكيرُ، وقال السَّاجيُّ: يحدثُ عن سِماكٍ وغيرِهِ أحاديثَ بواطيلَ، وقال أبو زُرعةَ: ضعيفُ الحديثِ، وقال ابنُ أبي حاتمٍ: سألتُ أبي عنه فقالَ لا يكتبُ حديثهُ هو ضعيفُ الحديثِ لا يُصدَّقُ متروكُ الحديثِ ...". [1] "
ولكنّهُ في ميزانِ علماءِ القراءاتِ إمامٌ ثَبْتٌ و متقنٌ مجوِّدٌ، و لهذا قالَ الذهبيُّ عنه في ميزانِ الاعتدالِ:"كانَ ثبتًا في القراءةِ واهيًا في الحديثِ؛ لأنهُ كانَ لا يتقنُ الحديثَ ويتقنُ القرآنَ ويجودُهُ، وإلا فهو في نفسهِ صادقٌ" [2] ، وقالَ في السِّيرِ:"وما زالَ في كلِّ وقتٍ يكونُ العالمُ إمامًا في فنٍّ مقصرًا في فنونٍ. وكذلكَ كانَ صاحبهُ حفصُ بنُ سليمانَ ثبتًا في القراءةِ، واهيًا في الحديثِ، وكانَ الأعمشُ بخلافهِ كانَ ثبتًا في الحديثِ، ليِّنًا في الحروفِ"، وقالَ في موضعٍ آخرَ:"وقولُ الدَّارقطنيّ: ضعيفٌ، يريدُ في ضبطِ الآثارِ. أمَّا في القراءاتِ فثبتٌ إمامٌ. وكذلكَ جماعةٌ من القُرَّاءِ أثباتٌ في القراءةِ دونَ الحديثِ، كنافعٍ، والكسائيِّ، وحفصٍ، فإنهم نهضوا بأعباءِ الحروفِ وحرَّروها، ولم يصنعوا ذلكَ في الحديثِ، كما أنَّ طائفةً من الحفَّاظِ أتقنوا الحديثَ، ولم يُحْكِموا القراءةَ. وكذا شأنُ كلِّ من بَرَزَ في فنِّ، ولم يعتنِ بما عداهُ. والله أعلمُ". [3]
وأوردَ ابنُ الجزريِّ قراءةَ ابنِ عامرٍ قولَهُ تعالى: {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [4] بِضَمِّ الزَّايِ وَكَسْرِ الْيَاءِ مِنْ (زُيِّنَ) وَرَفْعِ لامِ (قَتْلُ) ، وَنَصْبِ دالِ (أَوْلادَهُمْ) وَخَفْضِ هَمْزَةِ (شُرَكَائِهِمْ) بِإِضَافَةِ (قَتْلُ) إِلَيْهِ، وَهُوَ فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ فَصَلَ بَيْنَ المضافِ، وَهُوَ (قَتْلُ) وَبَيْنَ (شُرَكَائِهِمْ) ، وَهُوَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ بِالْمَفْعُولِ، وَهُوَ (أَوْلادَهُمْ) ، ثم قالَ بعدَ إنكارِهِ على الزَّمخشريِّ وثنائهِ على ابن عامرٍ:"وَأَوَّلُ مَنْ نَعْلَمُهُ أَنْكَرَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ، وَغَيْرَهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ الصَّحِيحَةِ وَرَكِبَ هَذَا الْمَحْذُورَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ الثَّلاثِمِائَةٍ، وَقَدْ عُدَّ ذَلِكَ مِنْ سَقَطَاتِ ابْنِ جَرِيرٍ حَتَّى قَالَ السَّخَاوِيُّ: قَالَ لِي شَيْخُنَا أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ: إِيَّاكَ وَطَعْنَ ابْنِ جَرِيرٍ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ". [5]
ولا شكَّ أنَّ ابنَ جريرٍ إنَّما حَكمَ على قراءةِ ابنِ عامرٍ بناءً على ما استقرَّ عندهُ من علمٍ بهذه القراءة، ولو ثبتَ تواترُها لديهِ لما وَسِعَهُ ردُّها ولا إنكارُها.
(1) ينظر: تهذيب التهذيب 2/ 345.
(2) ينظر: ميزان الاعتدال 1/ 558.
(3) ينظر: سير أعلام النبلاء 5/ 260، و 11/ 543.
(4) سورة الأنعام 137.
(5) ينظر: النشر في القراءات العشر 2/ 264.