النور. وأعلم أن العقل بنفسه قليل الغناء لا يكاد يتوصل إلى معرفة كليات الشيء دون جزئياته. والشرع يعرف كليات الشيء وجزئياته، ويبين ما الذي يجب أن يُعتقد في شيء شيء .... وجاء في درء التعارض للإمام ابن تيمية، ج 6/ 86، إن الشرائع الإلهية جاءت بما يوافق الفطرة (و) أنه قد اتفق على ذلك سلف الأمة (و) إنه دلت على ذلك الدلائل العقلية اليقينية ..". ولابن عربي في فتوحاته 1/ 403 - 404، كلام بليغ في بيان مدى السياسة الحكيمة (عمل العقل السليم) وحاجته إلى الرسالات السماوية لاكتمال مقوماته."
( [3] ) والحق على معناه الثابت في اصطلاح أهل المعاني؛ الحكم الثابت المطابق للواقع. والواقع عند علماء العقائد هو اللوح المحفوظ، الجرجاني، التعريفات، ص 79، 222.
( [4] ) سقراط وأفلاطون من أبرز فلاسفة اليونان وقد إتفق على جلالة قدرهما في قضايا العقول، ولننظر إلى طرف مما اعتمده أفلاطون في فلسفته وذكره على لسان أساتذة سقراط في كتابه المشهور جمهورية أفلاطون يقول في ص 157:"أن تكون أولئك النساء بلا استثناء أزواجًا مشاعًا لأولئك الحكام، فلا يخص أحدهم نفسه بإحداهن، وكذلك أولادهن يكونون مشاعًا، فلا يعرف والد ولده ولا ولد والده. وفي ص 163: فقد اكتشفنا إذن أن شيوعية نساء الحاكم وأولادهم سبب خير الدولة الأعظم. وفي ص 157: فيجب أن تتعرى أزواج حكامنا في تمرينات الجمباز لأنهن يستترن ببرد الفضيلة بدلًا من الثياب. وفي ص 161: فإذا نسل الرجل قبل هذا السن (أي الثلاثين) أو بعده (أي الخامسة والخمسين حسب ما حدده) حسبنا عمله تعديًا على الدين والعدالة. وفي ص 162: ومتى بلغ الجنسان السن القانوني أبحنا للرجال من شاؤوهن إلا بناتهم وأمهاتهم وجداتهم وحفيداتهم وفي نفس الصفحة إذا حبلت إحداهن عرضًا، في غير الحالة المقررة (سن 20 - 40) ، فلا يرى جنينها النور، وإذا لم تتمكن من ذلك"أي الإجهاض"فيلزم التخلص من الطفل على أساس أن ثمرة اجتماع كهذا لا تجوز تربيتها. وفي ص 232 يوجب فصل من بلغ العاشرة من الأولاد عن آبائهم وأمهاتهم وإرسالهم إلى الأرياف ليتربوا تربية أخرى بعيدة عن حنان رحمة أهليهم ونحو ذلك كثير في كتابه المذكور. فإذا كانت هذه حال جمهورية هذا الفيلسوف الكبير فكيف يكون حال جمهوريات من هودونه منزلة؟ وقد ذكر الدكتور عبد الحليم محمود في فتاواه ص 430 أن أفلاطون فشل في تطبيق جمهوريته بنفسه مرتين. يقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات 33، 2:"فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل.
قدرته على بلوغ الحق في المسائل، ونحو ذلك. بمعنى أنه لا منافرة بينهما بإطلاق وتضاد من جميع الوجوه. ويجب الفهم بأن أحدهما جوهر له استعداد تام على إدراك العلوم والحقائق، وله قدرة على بثها في الواقع. والثاني استعداده في الإدراك وبالتالي قدرته على البث يقصران عن بلوغ منزلة العقل الكامل بمنازل، ولذلك لا يصدر عنه صلاح كامل في الواقع فلا ينصلح الواقع به الانصلاح الواجب.
وإذا غاب الشرع السماوي أو غُيب، مع أنه لا بد من نظام يحكم العلاقات الإنسانية والواقع، برز السؤال:
من هو الحاكم؟ ومن هو المحكوم عليه؟ ومن هو المحكوم فيه"وما هي المصالح المرجو تحقيقها حينئذ. وبمعنى آخر ما المنهجية التي ستحكم الواقع؟ ما حقيقتها ووسائلها وغايتها؟ ولمحاولة الإجابة عن ذلك ظهرت الفلسفات الوضعية التي سنتعرض لها بإيجاز في المبحث الثاني من هذا المبحث."
الحق وصلته بما تقدم من الكلام:
ورد في بيان معنى الحق تعاريف كثيرة (1) ، ورُجح فيه أنه: مكنة أو مركز شرعي أو استئثار بقيمة معينة يحميه الشرع أو القانون بغية تحقيق مصلحة مشروعة (2) .
وللحق الأثر البالغ في بناء التشريعات القانونية، والاجتهادات الفقهية، سواء أكان الحق أساس القانون، وهو ما يراه أنصار الفلسفة الفردية، أم كان القانون أساس الحق أو مصدره. كما يراه غيرهم. فتبين فلسفة الحق تبين لفلسفة القانون، وتحديد مسار الحق تحديد لمقاصد القانون. وقد اشتهر عند القانونيين الوضعيين تقسيمان للحقوق بحسب الرسمين (الأول والثاني) :
( [1] ) سيأتي ذكر الاتجاهات الفلسفية والوضعية في تعريف الحق في الصفحات الآتية من هذا البحث. وورد في تعريفه عند علماء المسلمين أنه: الاختصاص الحاجز الحموي على أشباه ابن نجيم، 2/ 202، الحق