وعصف بهم طغيان المشركين: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون} [1] وقوله أيضا: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} [2]
وبالإضافة إلى ذلك كله فإننا وجدنا القرآن حين أرشد إلى هذه السنن قد ذكرها نصا في بعض الأحيان، [3] ولم ينص عليها في أحيان أخرى وإنما فهمت من دلالة الآية وفحواها بارتباط مع مجموعة من القرائن"كأن يعبر بتقرير نتيجة معينة بناء على وصف معين أو حالة معينة أو بناء على سبب أو شرط معينين، فيكون هذا الإخبار بهذه الصيغ إخبارا عن سنة ثابتة لله تعالى" [4] وهو في القرآن كثير. [5] كما جاءت هذه السنن مضافة إلى الله عز وجل تارة [6] ومضافة إلى رسله [7] أو إلى الأقوام السابقة تارة أخرى، [8] وجاءت أيضا غير مضافة. [9]
يتبين لنا إذن أن هناك صيغا متعددة درجت عليها الآيات القرآنية في مقام توضيح هذه الحقائق وبلورتها. ولا شك أن تقديم هذه السنن بأشكال مختلفة والإخبار عنها بأساليب متنوعة أمر له دلالته ومغزاه، ففيه تلميح إلى تعدد أنواعها ووجودِ ضابط منهجي يحكمها وقصدِ القرآن إلى التنبيه عليها. ويزداد هذا الطرح تأكيدا إذا أخذنا بعين الاعتبار خصائص القرآن التركيبية، واستحضرنا تنزهه عن اللغو، ونظرنا إلى العلاقة التي تربط مبناه بمعناه، فكل ذلك يدل على أن حديث القرآن عن هذا المجال لا يقف عند حدود الإشارة فقط، بل يتضمن معرفة كاملة تنتظر من
(1) سورة الأنبياء، الآية 105.
(2) سورة القصص، الآية 5.
(3) كما في قوله عز وجل:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين." [سورة آل عمران، الآية 137] .
(4) عبد الكريم زيدان، السنن الإلهية، ص 16.
(5) كما في قوله تعالى:"تلك القرى أهلكناهم لما ظلموا" [سورة الكهف، من الآية 59] ، وقوله:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" [سورة الرعد، من الآية 11] ، وقوله أيضا:"ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون" [سورة الأنعام، الآية 10] .
(6) كقوله سبحانه وتعالى:"سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا" [سورة الأحزاب، الآية 62] .
(7) وذلك في قوله:"سنة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا ولن تجد لسنتنا تحويلا" [سورة الإسراء، الآية 77] .
(8) كقوله تعالى:"وما منع الناس أن يومنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تاتيهم سنة الاولين أو ياتيهم العذاب قُبُلا" [سورة الكهف، الآية 55] .
(9) في قوله تعالى:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" [سورة آل عمران، الآية 137] .