سريع التغير وشديد التعقيد لذلك صارت حاجتنا متزايدة إلى إفراد هذا الجانب من القرآن بالدراسة حتى يكون المسلمون على بصيرة بما يقع لهم وما يجري حولهم ويتبينوا علاقته بسنن الله في هذا الوجود، وفي ذلك عون لهم على انطلاق رؤاهم الكلية من كتاب الله ومن عقيدتهم في الكون والإنسان والحياة لما فيه صالح المسلمين وخير الناس أجمعين.
ولا شك أن معرفة هذا نوعها قادرة على تبصير المسلمين بكيفية السلوك الصحيح في الحياة، ولعل إغفالها وعدم فقهها وتمثلها في واقعنا الحالي كان هو السبب وراء ضياع ما بذله العلماء والمفكرون السابقون من جهود وطاقات في هذا المجال، وكان وراء وقوع المسلم المعاصر في كثير من المشاكل المفتعلة التي كان من الممكن تفاديها خاصة وأن بين يديه المنهج الفقيه بسنن التحضر، الخبير بربط عناصر الكون وطاقاته المعنوية بالحياة الاجتماعية خدمة للإنسان وتيسيرا لمهمته الاستخلافية. إنه ذلك المنهج الذي يمدنا في مسيرتنا الحضارية بالمواقف والإشارات، ويخول لنا الاستفادة من تجارب الأمم السابقة، ويوفر علينا جهدا كبيرا ووقتا طويلا كان بالإمكان تضييعهما إذا نحن بدءنا التجربة من نقطة الصفر، دونما التفات إلى مردوداتها التاريخية.
إن المعرفة بسنن الله تعالى معرفة ضرورية تعد من الواجبات الدينية، فهي جزء من معرفة الدين نفسه، وتتبعُها سبيل معرفةِ كيف انبنت الشريعة على العدل المحض، وتبينِ علة التكليف وأساسِ الثواب والعقاب. ولما كان كتاب الله أول روافد المعرفة الدينية صار من اللازم استقراء وجرد ما جاء فيه وتتبع مظان السنن من خلال تقصي مفردات الكتاب واستنطاق آياته وتثوير معانيه تمهيدا للخروج بتصور شامل عن المعرفة القرآنية في هذا المجال.
ولعل التفكير في آيات القرآن من هذه الزاوية يحيلنا على مجموعة من الحقائق الأولية التي نعرفها عن هذا الكتاب، فهو من جهة كتاب أحكام ومبادئ لايقف موقف الحياد من أحداث الحياة الإنسانية، وهو كتاب يرسم منهج التدبر والتأمل