الصفحة 17 من 39

يكتشفها ويسلط الضوء عليها. ومما يضفي يقينية أكبر على هذه النتيجة كون القرآن قد تحدى-في إطار لفته النظر إلى بعض السنن وفاعليتها واطرادها- بحتمية ترتب العواقب كلما توفرت المقدمات، فقال تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} [1] ومعلوم أن"التحدي بالعواقب مرحلة تعتبر فوق مرحلة تقرير النتائج، التي تترتب عندما تتوفر المقدمات في قوانين العلوم." [2]

المطلب الثالث: الدواعي الوظيفية:

إن من أهم دواعي الاهتمام بالسنن الاجتماعية المبثوثة في القرآن الكريم هو الوظيفة التي تضطلع بها في علاقتها بالعلوم الإنسانية عموما وبعلم الاجتماع على وجه الخصوص؛ فمن شأنها أن تشكل مصدرا مهما لهذه العلوم نعيد على ضوئه النظر في الكثير من نتائجها وخلاصاتها، ونمدها من ثم بنتائج وخلاصات يقينية أشبه من حيث الصرامة والدقة بمعادلات العلوم الرياضية والفيزيائية، فتتضاءل الأخطاء نتيجة لذلك، وتتقلص ويصير من الممكن تجنبها وتفاديها.

ويتأكد هذا الجانب الوظيفي بالنظر إلى المعطيات الآتية:

-أن عملية التفكير لا تتم دون محرضات ومسبقات سلبية كانت أو إجابية، فالخطرات والأفكار التي ترد على أذهاننا ما هي في الواقع إلا انعكاسات للمشاهدات والمؤثرات الخارجية التي تجعل العقل في ارتباط دائم بمحيطه وواقعه. ثم إن هذه الانعكاسات ليست مجرد نقل موضوعي للواقع الخارجي وإنما هي تأويل ذاتي له من قبل الفرد والجماعة؛ فالفرد يدرك الواقع من خلال معارفه وتجاربه، والجماعة - وإن كانت تشترك في تفسير موحد نسبيا للواقع- تبقى رؤيتها ذات صدق ذاتي مشترك تحافظ على امتداده التنشئة الاجتماعية.

وبناء على ذلك فإن الإنسان - الذي هو أداة النظر ومحلها في العلوم الإنسانية - لن يحقق التجرد والموضوعية ما لم تتوفر له معارف وثوابت يقينية تحمي عقله ولا

(1) سورة آل عمران، الآيتان 137 - 138.

(2) عمر عبيد حسنة، رؤية في منهجية التغيير، ص 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت