لما كان البحث العلمي يتسم في منظومة الفكر الإسلامي بطابعه الاشتغالي، بحيث لا تُقبل المباحث النظرية التي ليس لها ثمرة عملية ولا يهتم بمسألة من المسائل ما لم تنبن عليها فائدة [1] أو تقتضيها أسباب مقنعة، وجب جرد أهم العوامل الداعية إلى الاهتمام بالسنن الاجتماعية في القرآن الكريم والتي تبين وجوه المصالح المرتبطة بها. ويحقق بيان أهم هذه الدواعي أيضا مطلبا آخر على جانب كبير من الأهمية وهو استحضارها المستمر وتمثلها في الذهن أثناء البحث حتى لا تحيد هذه المعرفة عن مهمتها الوظيفية التي تضطلع بها وتصير مجرد تظاهر هش في المشهد الحضاري.
ويمكن تصنيف هذه الدواعي إلى حضارية ومعرفية ووظيفية كالآتي:
المطلب الأول: الدواعي الحضارية:
يحظى مجال السنن بالاهتمام لما له من أهمية بالغة في الظرفية الراهنة التي يمر بها العالم الإسلامي. وغير خفي أن الساحة الإسلامية قد كانت ولا تزال مسرحا لأحداث جسيمة، تجاوبت معها غالبا بمنطق رد الفعل، وقد كان لهذا انعكاسه على الحياة الاجتماعية والأوضاع العامة للمسلمين؛ بحيث زاد من استفحال مشاكلهم، وأسهم في تعقد الخريطة الاجتماعية لحياتهم، وجعل النفس المسلمة -الفردية والجماعية- عرضة لمؤثرات لا قبيل لها بها.
لقد استدعت هذه المعطيات الجديدة مزيدا من الاهتمام بكل ما من شأنه أن يوصل، أو يقرب على الأقل من معرفة الأسباب الكامنة وراء تلك الظواهر العديدة التي تجتاح المسلمين وحياتهم، وتجتالهم عن الدرب القويم وتحول دون رقيهم في السلم الحضاري. ومما زاد من أهمية هذه المعرفة كون هذه الأمة أمةَ القرآن، والقرآن كتاب مبادئ وأحكام؛ إنه كتاب شامل يغطي جوانب الحياة الرئيسية
(1) أنظر تفصيل ذلك وأدلته عند الإمام الشاطبي في المقدمة الخامسة للموافقات، ج 1، ص 42 - 51.