ويستوعب قضايا الإنسان الأساسية، ويطرح أمام الإنسانية مناهج التدبر والتأمل والعمل. فكيف بأمة لها كتاب على هذه الدرجة من الأهمية أن تكون على هذا القدر من سوء الحال ما لم يكن قد أصاب علاقتها بكتابها خلل؟
ووعيا بهذا الواقع صار الاهتمام متزايدا بالدراسات الاجتماعية التي تتناول بالتحليل والملاحظة النفس البشرية على وجه العموم والمسلمة منها على وجه الخصوص في واقعها الفرديّ والجماعي، وذلك من خلال حالات واقعية محددة بعيدة عن التجريد، رغبة في فهم المنطق الداخلي الذي تتحرك على أساسه وتسير على منواله. وفي هذا الإطار تندرج الدراسات التي اهتمت بهذا الجانب وأرادت استخلاصه من القرآن الكريم.
ومن دواعي الاهتمام بهذا المجال أيضا تلك الرغبة الملحة في الوقوف على أسباب نجاح وتفوق أول تجربة في تاريخ المجتمع الإسلامي وتمثل الانتصارات والمنجزات التي حققتها والاستفادة التامة منها، ومعرفة ما إذا كان للسنن دخل في ذلك كله أم لا، خاصة وأن هذه التجربة كانت ولا تزال المثال والنموذج الذي ترمي مشاريع الإصلاح عبر التاريخ إلى إعادة إنتاجه أو احتذائه على الأقل. [1]
لاشك أن ذلك المجتمع قد عرف تحولا كبيرا جدا جعل منه مجتمعا حضاريا بامتياز، ولا يمكن للمؤرخ وعالم الاجتماع أن يلاحظ في هذه الحقبة من الزمن ظهور أي حادث جديد يفسر هذا التحول والتغيير غير ما كان من نزول القرآن الكريم وما استتبعه من ظهور عالم فكري جديد. إن العلاقة السببية بين القرآن والحضارة واضحة بشكل جلي لا يمكن إنكاره؛ فهما حدثان متلازمان، وما تضمنه القرآن هو الذي طوع طاقات هذا المجتمع الحيوية ودفع بها نحو الرقي الحضاري. لكن السؤال الذي بفرض نفسه بإلحاح هو كيف حصل هذا التطويع وما السر فيه؟ هل كان ذلك من باب الصدف التي قد يتفق أن تحصل مرة دون أن تتكرر؟ أم أن هذا الكتاب تضمن سننا وقوانين كانت وراء ذلك التطويع وأن الأخذ بها هو الذي مكن هذا المجتمع من الوصول إلى ما آل إليه؟
(1) راجع محسن عبد الحميد، منهج التغيير الاجتماعي في الإسلام، ص 30.