الصفحة 11 من 39

إننا إذا تمعنا جيدا ودققنا النظر فيما تضمنه هذا الكتاب بارتباط مع تطورات هذا المجتمع وارتقاءه من حال إلى حال وعروجه إلى قمة السلم الحضاري لتبين لنا أن هناك احتمال كبير لوجود قوانين كهذه في القرآن الكريم، ولوجدنا أن الجيل الإسلامي الأول كان مدركا لهذه السنن-على فرض وجودها-مهتديا بها، وعالما بمراد الله منها ومقصوده من ذكرها، وكان أيضا قادرا على التعامل معها والإفادة منها وتسخيرها. ولا أدل على ذلك من الإنجازات التي حققها أبناء هذا الجيل في بنائهم لمجتمعهم وفي حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم لباقي الأمم، وهي إنجازات تحققت بفضل اتباعهم لهذا الكتاب.

ومن الصعب أن تتحقق منجزات على هذا المستوى من الدقة أو أن يوجد فعل حضاري على هذا القدر من التسديد ما لم يكن مستندا في جزء كبير منه إلى قوانين صارمة وسنن مضبوطة تسيره وتوجه حركته، ونحسب أن القرآن قد ضمها أو أرشد إليها على أقل تقدير، خاصة وأن ظهوره كان الحدث الوحيد الذي اقترن بهذه الظاهرة الحضارية. وإذا وجدت سنن من هذا النوع فلا شك أنها كانت معلومة ومعمولًا بها منذ البداية، وأن العلم والعمل بها كان مركوزًا في حركة المجتمع الإسلامي منذ عهد النبوة، تماما كما هو الشأن بالنسبة للعديد من العلوم الإسلامية التي كانت موجودة ومستعملة قبل أن تدون فيها الكتب في مراحل لاحقة. غير أن الضمور بدأ يصيب هذا الميدان شيئا فشيئا -خصوصا بعد تفشي بعض النظريات المتطرفة كالجبرية والتفويض الإلهي والقدرية-إلى أن انتهى الأمر بالمسلمين إلى تعطيل العديد من القوانين تعطيلا كاملا والتسليم العملي بعدم وجود نظام يوجه حركة التاريخ [1] ، فسادَ التواكل وانطفت الفاعلية ولم يعد هناك مكان للعمل بالأسباب إلا في أضيق الحدود، كما دبت روح الضعف والوهن إلى كيان الأمة، مما كان له انعكاسه على علاقتها بباقي الأمم ووضعيتها بينها.

وبالإضافة إلى ما سبق هناك دواعي أخرى لا تقل عنه أهمية، ففي ضوء هذه السنن يمكن تعرف أسباب التعثر والتلكؤ الذي يعتري العمل الإسلامي من حين

(1) يمكن أن نستثني من هذه الوضعية العامة بعض الحالات الخاصة والفردية مثل الأعمال التي قام بها كل من ابن تيمية وابن خلدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت