لآخر ويمكن أن"نفسر الإصابات والارتكاسات، وتوالي الهزائم، واستمرار السقوط، والانحدار، والانكسار، والتراجع، الذي يمنى به العالم الإسلامي والمسلمون بشكل عام" [1] ، وأن نفسر أيضا تحول المسلمين من قادة فاعلين متحركين مسخِّرين للكون من حولهم إلى عكس ذلك، وأن نتعرف كذلك على العوامل التي جعلتهم يتحولون من صناعة التاريخ ويصيروا مجرد محل لحركة هذا التاريخ وتجاربه.
ومن شأن هذه السنن أيضا أن توقفنا على مقومات النهوض، وأن تساعدنا على إدراك المقاصد وإبصار المخارج وتحصيل المؤهلات وامتلاك الوسائل في مسيرتنا الحضارية، ومن شأنها أن تمكننا من تصويب الحاضر وإدراك أسباب تغيير المجتمع إلى الارتقاء أو الارتكاس للاهتداء إليها والاتعاظ بها لبناء المستقبل ولتحقيق الوقاية الحضارية. [2]
إن الانبعاث الحضاري الذي تنشده هذه الأمة والتقدم الذي ترغب في تحقيقه لن يعرف طريقه إلى الوجود، ما لم يمهد له بوعي عام بهذه السنن، وما لم يعمم مفهوم السنن حتى يمكن تقديمه في صورة يقينيات بديهية يموقع الفرد بمجبها نفسه داخل مجتمعه ويعي دوره الحقيقي فيه بحيث لا يعرقل المسار الحضاري للأمة. ولعل فعلا كهذا كفيل بحشد أكبر عدد ممكن من الطاقات وصيانتها من الإهذار واستثمارها في اتجاه التغيير إلى الأفضل.
إن أول طريق يمر عبره هذا الوعي هو الكشف عن السنن الاجتماعية التي نبه عليها القرآن. فلا بد من إدراكها والإحاطة بها والتوسع في معرفتها بتفاصيلها وجزئياتها على اعتبار أن الوجود البشري يخضع لنظام وقانون يحكم حركته، وسنن تنظم سيره، ومن ثم يتعذر التعامل معه، وحسن تسخيره، بعيدا عن اكتشاف تلك السنن التي تمكن من تفسير الحركة وتقدير النتائج. ومن هذا المنطلق فإن التعرف على هذه السنن هو السبيل الأمثل إلى فهم العصر والتمكن من آليات الفهم
(1) عمر عبيد حسنة، من فقه التغيير، ص 94.
(2) عمر عبيد حسنة، رؤية في منهجية التغيير، ص 30، بتصرف.