إن تفعيل المصدرية المعرفية للقرآن في مجال السنن الاجتماعية والكشف عن السنن التي تضمنتها آيات الذكر الحكيم، والتي تنبني عليها قواعد إسلامية اجتماعية تساعد على تقييم وتقويم شبكة العلاقات الاجتماعية، لابد أن يكون على شكل جهود منظمة تنطلق من منهج مرجعي ذي أسس واضحة من التحليل والتركيب، مرجع الأمر فيه إلى تبين سنن الله في المجتمع البشري، واستنطاق هذه المعرفة القرآنية، واقتفاء آثارها والتعرف على ضوابطها.
ويمر عمل الباحث في هذا المجال بمجموعة من الخطوات، وذلك كالآتي:
1.لابد للباحث في البداية من استحضار وعي سنني يعيد من خلاله النظر في علاقة النص القرآني بما يحكم البنية الاجتماعية من قوانين، لأن استفادة هذا الجانب من القرآن الكريم يحتاج إلى إفراده بقراءة خاصة [1] يحضر فيها هذا البعد حضورا قويا. ولعل من أهم مميزات هذه القراءة كونها لا تنخرط في إطار المنهج الذي يخرج بالنص من دائرة الدلالة إلى مجال الاستدلال فيكون بذلك قاصرا عن استثمار النص وتفجير طاقاته الدلالية. [2]
2.يتوجب على العامل في هذا الحقل أيضا أن لا يكتفي بالتحليل العقلي المجرد أو يعمل على اقتراح علاقات سننية من تخمينات عقله، وإلا تعذر التخطيط لمعرفة حقيقية بالظواهر المراد دراستها وتنميتها أو معالجتها. وإنما ينبغي لعمله أن يبدأ بتجميع كافة النصوص المتعلقة بالموضوع سواء أكانت مبثوثة في سورة واحدة أم موزعة على القرآن برمته، وأن يعمد إلى بيان ما سجله القرآن الكريم من قوانين وسنن تتحكم في سير المجتمعات، ويعمل على استنطاق
(1) وليس المقصود بالقراءة الخاصة هنا تلك القراءة التي تخرج عن المحددات التي تميز النص القرآني، مثل وحدته البنائية وغائيته وإطلاقيته وعربيته وخصوصية لغته وغيرها.
(2) تمكن هذه القراءة التي تركز على الجانب الدلالي من توسيع دائرة الاستمدادات والمظان التي يمكن أن يستفاد منها الجانب السنني بحيث لا تبقى مقصورة فقط على الآيات التي تناولت الحديث عن السنن تناولا صريحا ومباشرا، وإنما يتسع النظر ليشمل البحث في مجالات أخرى يتم تهميشها لأنها غير ظاهرة الصلة بهذا الباب كما هو الشأن بالنسبة لآيات الأحكام مثلا.