تناقضه، وتحرص على توجيهه، وتشكل له الضوابط المنهجية ومعايير التقويم ومرجعية الفهم خاصة في الدراسات الاجتماعية والإنسانية التي لا يكفي الإقناع المنطقي وحده في تعليلها.
-أن الظاهرة الإنسانية هي أشد ظواهر الكون تعقيدا لأنها ذات بعد روحي إضافة إلى بعدها المادي. فالبحث العلمي وإن تمكن من تحقيق إنجازات مذهلة فيما يتصل بالعالم المادي الذي يمكن أن نعتمد فيه إلى حد كبير على معطيات الحس، والذي تتفاعل فيه الأسباب والنتائج ثم ينتهي الأمر في هذه الحياة، فإنه ظل عاجزا أمام الظاهرة الإنسانية التي تتكون من مادة وروح ويتحد فيها عالم الغيب بعالم الشهادة، لأنها بهذا الموجب ذات بعد متعال لا ينتهي بنهاية هذه الحياة ولا يمكن معرفة قوانينه إلا من مصدر علوي.
وهذه المعرفة هي التي يتكفل الوحي بتوفيرها [1] انطلاقا من قدرته على استيعاب الواقع بنوعيه؛ واقع الغيب وواقع الشهادة، وهو استيعاب لا يمكن للبشر تحصيله بمعزل عن هدايات الوحي. والوحي في ذلك لا يصادم العلم لأن هذا الأخير"لا ينحصر فيما يثبت من ظواهر المادة، وإنما يشمل كل معرفة يحصلها العقل بالمناهج الملائمة لطبيعة موضوع المعرفة نفسها" [2] ومن هذا المنطلق أمكن تعريف العلم بأنه"مجموع النشاطات المعرفية الهادفة إلى سبر حقيقة الأحكام الرامية إلى تحديد طبيعة الوجود وقوانين حركته." [3] . ويصير الوحي بهذا الموجب قادرا على تقديم التفسير العلمي الشامل للظواهر المدروسة في حياة البشر.
وبناء على ما سبق يتضح أن الاهتمام بمجال السنن ليس اهتماما نابعا من فراغ، إنه التفات تقف وراءه أسباب قوية ودوافع متينة لم يعد بالإمكان تجاهلها والتغافل عنها، وهي دوافع وأسباب كثيرة جدا، ولعل بعضها آكد من البعض الآخر إلا أنها تتظافر لتجعل من هذا الاهتمام ضرورة ملحة ومطلبا أساسا على مختلف الأصعدة.
(1) أنظر تقديم عمر عبيد حسنة لكتاب عبد الحليم عويس، التأصيل الإسلامي لنظريات ابن خلدون، ص 19 - 20، وعباس محمود العقاد، الإسلام في القرن العشرين، ص 23 - 24، وعباس محمود العقاد، التفكير فريضة إسلامية، ص 130.
(2) محمد الكتاني، جدل العقل والنقل، ج 2، ص 407.
(3) لؤي صافي، نحو منهجية أصولية للدراسات الاجتماعية، ص 36، مجلة إسلامية المعرفة، السنة 1، العدد 1، محرم 1416/يونيه 1995.