الصفحة 13 من 39

الاجتماعي. ولهذه الأمور دورها الأساسي في تغيير خطابنا الحضاري والارتقاء به من مجرد مطالبة الناس بما يجب أن يكون إلى خطاب ينطلق من معرفة ما هو كائن بكل حيثياته ويدرسه على ضوء سنن الله في المجتمعات حتى يكون على بينة مما يناسب هذا الواقع من أحكام، وينزل معارف الوحي على واقع الناس ويجسدها في حياتهم، ويكون على اضطلاع بوسائل التحرك بهم تمهيدا للوصول إلى ما يجب أن يكون.

لابد إذن من معرفة هذه السنن وإدراكها ولابد أيضا من استخدامها في الأنفس والمجتمعات. والاستخدام الذي يأتي بعد التمكن من هذه المعرفة هو الذي يجعل الإنسان غير عاطل عن الفعل الحضاري، وهو الذي يجعله قادرا على تغيير الأشياء من حوله، وكذا الانتقال من حال إلى حال عن علم وبينة. إن تعاملنا مع هذه السنن إذن لا ينبغي أن يقف عند حد تفسير الظواهر الاجتماعية وقراءة حركتها، لأن التعليل وإن كان أمرا مهما فهو ليس نهاية المطلوب؛ إنه عملية تمهيدية فقط وكل قراءة تقف عنده تبقى قراءة بتراء ما لم تعمل على تجاوزه إلى مستوى الإنجاز. وعلى هذا الأساس يصير توظيف السنن الاجتماعية أمرا ضروريا جدا لإحداث أي حراك اجتماعي في أي مجتمع يعاني من التخلف أو الركود الحضاري، أو يُراد له تصحيح مسار حركته. ومن ثم فكل محاولة للتغيير أو البناء لا تعرف كيف تتعامل مع هذه السنن، أو تعمل على تجاوزها تبقى محاولة مبتسرة مآلها الفشل المحتوم. [1]

إن حضور وعي سنني بهذا المستوى من الدقة من شأنه أن يخلص مجتمعاتنا من أغلال الذرائعية والاتكالية والاستلاب، وأن يسددها ويعطيها انطلاقة قوية ويبعث فيها روح الحيوية من جديد، خاصة وأن الواقع الذي نعيشه حاليا بدأ يعرف تداخلا كبيرا على مستوى الأحداث كما أن نمط الحياة الذي نسير عليه أصبح

(1) وتأكيدا على ضرورة الجمع بين إدراك السنن القرآنية وتسخيرها يقول محمد الغزالي:"أصبحنا نسمع بضرورة الإفادة من هذه السنن، بل لعل ذلك أصبح قناعة عند الناس بشكل عام، لكن هذه القناعة لم تجد طريقها إلى الممارسة، ولم تنتقل بمواقعنا إلى مراحل تغييرية ( ... ) ولو أخذت أبعادا حقيقية لكانت الأمة انتقلت من الفكر إلى الفعل، فالتحول وإعمال السنن هو المختبر الحقيقي لإدراكها والقناعة بها. إن هذه القضية لم تشكل مناخا عاما يعيشه المجتمع، أو لم تحفر بعد في واقع الأمة المجرى المطلوب لسيرورتها." [كيف نتعامل مع القرآن، ص 53] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت